إغاثة اللَّهفان
في
حكم طلاق الغضبان
تأليف
الإمام شمس الدين
محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية
(٦٩١ - ٧٥١ هـ)
ومعه حاشية نفيسة للعلامتين: محمد جمال الدين القاسمي (المتوفى: ١٣٣٢ هـ) و محمد بن مانع النجدي (المتوفى: ١٣٨٥ هـ)
حققه وخرج أحاديثه: عمر سليمان الحفيان
مؤسسة الرسالة
стр. 2
- أ -
تقديم
إن الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وجميع صحبه ومن والاه، ومن تبعهم من حملة فقه دين الله، إلى يوم لُقياه، وهو -سبحانه- راض عنَّا وعنهم بفضله وكرمه.
وبعد:
فقد سبق للمكتب الإسلامي للطباعة والنشر -في دمشق وبيروت- الذي بارك الله في منشوراته لمدة زادت على الستين سنة في نشر علوم القرآن الكريم، وأحاديث سيدنا رسول الله، ونشر سُنَّته المطهرة، وما يتبع ذلك من سيرته العطرة ﷺ ، واللغة الكريمة التي أنزل الله بها كتابه، والفقه الذي ارتضاه لعباده، وجعل فيه تسيير أمورهم في دنياهم، والموصل إلى جنته في أُخراهم.
وكان من ذلك نشرنا كتاب:
«إغاثة اللهفان في حكم طلاق الغضبان»
للإمام العلامة محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية، بتحقيق المهندس الأستاذ محمد عفيفي المصري (١٤١٥ هـ)، تلميذ صديقي الشيخ حامد الفقي (١٣٧٨ هـ) رئيس جماعة أنصار السُّنة المحمدية بمصر، رحمهما الله تعالى، في سنة ١٤٠٦ هـ.
ومن قبل ذلك نشرنا العديد من مؤلفات شيخ الإسلام أحمد ابن تيمية، وكتب غيره ممن سار على دربه، أو ترجم عنه مثل
стр. 3
- ب -
كتاب: «حياة شيخ الإسلام ابن تيمية» لأستاذنا الفاضل الكريم الشيخ محمد بهجة البيطار (١٣٩٦ هـ) ﵀، وفيه بحث عن الطلاق من أفضل ما كتب من المصنفات، انظر الصفحات (٥٥) إلى (٦٦).
ويضاف إليه ما نشرته مما هو متعلق بعلم شيخ الإسلام أحمد ابن تيمية، وأهمه كتاب: «الرد الوافر على من زعم بأن من سمى ابن تيمية شيخ الإسلام كافر» للحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي (٨٤٢ هـ)، ورده على الشيخ العلاء البخاري (٨٤١ هـ)، وتوسعي في الرد على الشيخ العلقمي؟ ؟ (٨٧٩ هـ)، وكتاب: «الأعلام العلية في مناقب ابن تيمية (٧٢٨ هـ)» للعلامة عمر بن علي البزَّار (٧٤٩ هـ)، وغير ذلك.
وهذه فيها كلها نقول أو فصول حول أهمية البحث في حكم طلاق الغضبان.
وطلاق الغضبان لم يعرِّفه بشكل دقيق -فيما نعلم- أحد قبل الإمام ابن القيم، بمثل ما جاء في كتابه هذا.
وهو بذلك قد منع تفريق البيوت عن الخراب، وحفظ على العائلة الكثير مما شاهدناه عند بعضهم من إيقاع هذا الطلاق، وغيره من كلام الهازل، والمُقْسِم على أمور ما أراد بها الطلاق أصلاً.
وكان في طبعتنا بتحقيق المهندس عفيفي إطالة وتوسع، وطبعاً كان من قبلها ما نشره شيخ مشايخنا العلامة السلفي الشيخ جمال الدين القاسمي (١٣٣٢ هـ)، العالم الذي أطبق علمه الآفاق.
стр. 4
- جـ -
وقد تكرم وزارني في جدة بعد أيام من حجي الأخير في المحرم (١٤٢٤ هـ) أخي وتلميذ إخواني العالم (١) الفاضل الشيخ عمر بن سليمان الحفيان الحموي الأصل، بارك الله به، ومعه هذه الرسالة محققة، وقد أعدَّها للطبع لأسباب بيّنها في مقدمته القيِّمة، وفيها التعقبات النافعة للضروري من الكلام، مع حسن تخريج الأحاديث جزاه الله الخير.
فوجدتها نافعة موفقة إن شاء الله، وذكَّرني إتقانه بقول الشاعر:
وإذا رأيت من الهلال نموه ... أيقنت أن سيكون بدراً كاملاً
وكان بودي التوسع في بيان فوائد طبعته هذه، ولكن حال بيني وبين ذلك ما اعتراني من أمراض، أرجو الله أن يعافيني منها، إنه سميع مجيب، والحمد لله ربِّ العالمين.
زهير الشاويش
بيروت غرة رجب الخير
من سنة ١٤٢٤ هـ الموافق ٢٨/ ٨/ ٢٠٠٣ م
_________
(١) كذا قال الشيخ غفر الله له، ولست إلا طالب علم سالكاً في بداية الطريق، أسأل الله حسن الختام.
стр. 5
بسم الله الرحمن الرحيم
إنَّ الحمدَ لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذُ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، مَن يهده الله فلا مضلَّ له، ومَن يضلل فلا هادي له. وأشهد أنْ لا إله إلا الله؛ وحدَه لا شَريك له، وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسَلَّم تسليماً كثيراً.
أما بعدُ:
فهذه قِلادةٌ دُرِّيَّة، وسبيكةٌ عَسجديَّة، وجُؤنةٌ ذهبيَّة، تَضُوعُ مِسكاً، وتَفوحُ عَنبراً، جادتْ بها يراعَةُ ابن القيم، وتفطرتْ عنها قريحتُه.
وهي رسالةٌ مستقلَّة، ألَّفها ابتداءً، وأولاها اهتماماً واعتناءً، وهي -على هذا- ليستْ مُستلَّةً مِن كتاب «إغاثة اللهفان، من مصايد (١) الشيطان»، أو «إعلام الموقعين»، أو «زاد المعاد»، أو غيرها من كُتُبه، مع أنَّ هناك تداخلاً بين موضوع هذه الرسالة وبعض مباحث تلك الكتب، كما سوف ترى مِن تعليقات القاسمي، ﵀.
_________
(١) «مصايد» بالياء المثناة التحتية، وهَمْزها لحن شائع.
стр. 6
موضوعها:
تناول فيها المؤلِّفُ قضيةً تَعُمُّ بها البلوى في كلِّ زمان ومكان، تنتاب الأُسَرَ فتقوِّضُها، والأحبةَ فتفرِّقُهم، وهي: «حكمُ الطَّلاقِ حالَ الغضب». وهي مسألة دقيقة حسَّاسة، لها صُوَرٌ متعدِّدة، ولكل صورة حُكمها، فكان لزاماً بَحْثُ هذه المسألة بتأنٍّ ورَويَّة، بما يتَّفِقُ مع رُوح الشَّرع الحنيف، ومقاصده السامية، القائمة على تحقيق مصالح العباد في الحال والمآل، بعيداً عن التقليد الفقهي والتعصُّب المذهبي.
فَبَسَطَ المؤلِّفُ ﵀ أقوالَ أهل العلم، ومذاهبَ علماء الأمصار، وناقشها وفنَّدها، ودلَّل للمسألة مِن الكتاب، والسُّنَّة، وأقوال الصحابة، ثم توسَّع في أوجه الاستدلال من الاعتبار وأصول الشريعة حتى أوصلها إلى خمسة وعشرين وجهاً، بعد أن بَذَلَ فيها وُسْعه، وقلَّب فِكْره، وأطال تأمُّله، حتى خرجَتْ رسالةً مُحْكَمةً محرَّرة، منقَّحةً مهذَّبة، أتى فيها على أوجه المسألة، وما يتعلَّق بها.
وبَحَثَ في غضون ذلك: حقيقةَ الغضب، وكُنْهَه، وبواعثَه، وأنواعه، وبيَّنَ أنه مَرَضٌ من الأمراض التي تعتري القلوبَ نظيرَ الحُمَّى للبَدَن. وأوضح أوجُهَ الشَّبَهِ والاختلافِ بين الغضبان،
стр. 7
والسكران، والمُكْرَه، والهازل، والمُوَسْوَس، ومَن سبق لسانُهُ بالطلاق وهو لا يقصد.
وبيَّن أنَّ عَدَمَ وقوعِ طلاق الغضبان جارٍ على أصولِ عامَّةِ الفقهاء، وأنه يلزمهم القولُ بموجَبِهِ، ولهذه المسألة نظائرُ كثيرة عندهم؛ أعمَلوا فيها قَصْدَ المتكلِّم ونيَّته.
ونكتةُ المسألة التي وُفِّقَ لها المؤلِّفُ وشيخُه مِن قَبْله، وغابت عن كثير من الفقهاء: أنَّ الغضب ليس نوعاً واحداً، بل هو أنواعٌ وأقسام ثلاثة؛ كما بيَّنه المؤلِّفُ أحسَنَ بيان وأوضحه.
توثيق نسبة الرسالة:
١ - جاء في المخطوط على صفحة العنوان ((الظَّهْرِيَّة)) نسبةُ هذه الرسالة لابن القيم؛ كما يظهر من الصورة المرفقة.
٢ - أحال عليها المؤلِّف في كتابه «مدارج السالكين» (١) فقال: « ... وقد أشبعنا الكلامَ في هذا في كتابنا المُسمَّى: إغاثة اللهفان، في طلاق الغضبان ... »؛ وهذا يفيد أنَّ المؤلِّفَ هو الذي سمَّى كتابه بنفسه، كما هي عادته.
٣ - ذكرها كلٌّ من ابن العماد الحنبلي المُتوفَّى (١٠٨٩ هـ) في
_________
(١) (٣/ ٣٠٨).
стр. 8
«شذرات الذهب» (١)، ومصطفى السُّيُوطي الرُّحَيباني المُتوفَّى (١٢٤٣ هـ) في كتابه «مطالب أُولي النُّهى، في شرح غاية المُنتهى» (٢) ونَقَلَ منها من قوله: «الغضب ثلاثة أقسام ... » إلى قوله: «وهو فرع من الإغلاق كما فسَّره به الأئمة»، وذكرها أيضاً ابن عابدين المُتوفَّى (١٢٥٢ هـ) في «حاشيته» (٣)؛ اعتماداً على ((مطالب أُولي النُّهى)).
٤ - منهجُ البحث ونفَسُ كاتبه هو منهجُ ابن القيم ونَفَسُهُ في سائر تصانيفه، ما تعدَّاه قِيدَ (٤) أنملة.
٥ - ذكرَ ابنُ القيم فحوى هذا البحث ونقلَ بعض النصوص والأدلة الواردة فيه في عدد من كتبه المشار إليها سابقاً، ونَقَل اختيارات شيخه (ابن تيمية) كعادته.
وصف المخطوط المعتمد:
اعتمدتُ في تحقيق هذه الرسالة على نسخة خطية فريدة (٥)، تقع
_________
(١) (٦/ ١٧٠).
(٢) (٥/ ٣٢٢ - ٣٢٣).
(٣) (٣/ ٢٤٤).
(٤) «قيد» بكسر القاف، وفَتْحُها لحن شائع.
(٥) ورد في «تاريخ الأدب العربي» لبروكلمان (٦/ ٤٢٦ - الترجمة العربية) أن لهذه الرسالة نسخةً مخطوطة أخرى في المتحف البريطاني تحت رقم (٩٢١٩)، في حين لم يرد لها أي ذكر في الأصل الألماني (المجلد الثاني من الذيل ص ١٢٨)، واكتفى بروكلمان بالقول: إنها طبعت في القاهرة سنة (١٩٠٠ م)، ولم يتعرَّض للمخطوط، ولدى الرجوع إلى الرقم المشار إليه في المتحف البريطاني تبيَّن أنه كتاب «إغاثة اللهفان، من مصايد الشيطان». فعُرف مورد الوهم.
стр. 9
ضمن مجموع أصيل [من ص (٥٣) إلى ص (٧٢) منه]، وهو من مخطوطات علَّامة الشَّام العلامة محمد جمال الدين القاسمي (١) ﵀ وَرِثها عن أبيه عن جدِّه.
ثم آلت ملكيتها بعدُ إلى مكتبة الملك فهد بالرياض (٢)، وهي محفوظة فيها برقم (٤٧٣).
_________
(١) هو العالم السَّلفي الكبير، والمصلح الشهير، العلامة، المحدِّث، محمد جمال الدين بن محمد سعيد بن قاسم بن صالح القاسمي الدمشقي، ولد سنة (١٢٨٣ هـ) في دمشق، وتُوفِّي فيها سنة (١٣٣٢ هـ)، صاحبُ دعوة إصلاحية كبيرة، وكان له عناية فائقة بنشر كتب السلف عامَّة وكتب شيخي الإسلام ابن تيمية وابن القيم خاصَّة، ألَّفَ التآليف النافعة، منها: تفسيره الكبير المسمَّى «محاسن التأويل»، و «إصلاح المساجد»، و «نقد النصائح الكافية، لمن يتولى معاوية» وغيرها مِن الكتب، امتُحن وأُوذي بسبب دعوته.
انظر: «جمال الدين القاسمي وعصره» لظافر القاسمي، و «شيخ الشام جمال الدين القاسمي» لمحمود مهدي الإستانبولي.
(٢) وقد تفضل بتصويرها لي الأخ الكريم عبد الله المنيف، مدير قسم المخطوطات فيها، فجزاه الله خيراً.
стр. 10
صفحة العنوان (الظَّهْريَّة) مؤلَّفةٌ مِن صفحة قديمة مِن كتابٍ - لعلَّه في الفقه الحنبلي - ثم ضُرب عليها، ولُصِقَ في وَسَطها بطاقة مقاسها (٥.٨ × ١٠ سم)، كُتب عليها: «كتاب إغاثة اللهفان، في حكم طلاق الغضبان، تأليف الشيخ الإمام، العالم العلامة، الزاهد العابد الورع، الصَّدر الكامل، شيخ الإسلام أبو [كذا] عبد الله محمد بن أبي بكر، الشهير بابن قيم الجوزية -قدَّس الله تعالى روحه الزكية، ونفع بعلومه المرضية- علَّقه فقير رحمة ربِّه الباري محمد بن عبد الله بن هشام الأنصاري، بليل، في شهر شعبان سنة ٨٨٥، أحسن الله تقضيتها».
أي: أنَّ قَيْدَ الفراغ قد كَتَبه الناسخُ على «الظَّهريَّة» بخلاف المعتاد!
أما أسفل الورقة؛ فقد كُتب عليه جوابٌ لسؤال، وبشكل عمودي، وبخط مغاير.
الناسخ: هو محمد بن عبد الله بن هشام الأنصاري.
تاريخ النسخ: شهر شعبان من عام (٨٨٥ هـ).
الخط: نسخي معتاد، واضح، ومعجم.
والرسالة مقابَلَة، ومصحَّحة بقلم مغاير، بل بأكثر من قلم.
стр. 11
كَتَبَ القاسميُّ في آخر الرسالة - وبشكل مائل - بخطه الفارسي الجميل ما نصُّه: «نقلها وصحَّحها وعلَّق عليها حواشي: الفقيرُ جمال الدين القاسمي، في رمضان سنة (١٣٢٧ هـ)، والحمد لله رَبِّ العالمين»، ثم ضُرِب على عبارته هذه بقلم حبر أزرق جاف متأخِّرٍ جدّاً! ! .
والمخطوطة على أنها مقابلة ومصحَّحة كما تقدم؛ إلا أنها لا تخلو مِن أخطاء وتصحيفات، وخاصَّةً في أسماء الرواة، وقد اجتهدتُ في تصحيحها واستدراك السَّاقط منها عن طريق توثيق النصوص ومقابلتها على مصادرها الأصلية.
وثَمَّةَ أمرٌ ينبغي التنبيهُ عليه؛ وهو أن هذه النسخةَ قد تداولتها أيدي علماء، ونالت عنايتهم، وجالَتْ فيها أقلامهم؛ لتصحيح ما فيها مِن الأخطاء، بل والتعليقِ على المواضع المشكِلة فيها، وهم على التوالي: الشيخ قاسم بن صالح القاسمي، ثم الشيخ محمد سعيد بن قاسم القاسمي (١)، ثم ابنه العلامة محمد جمال الدين القاسمي، ثم الشيخ محمد بن مانع النجدي (٢) - وذلك بعد أن تمَّ
_________
(١) انظر ترجمتهما في كتاب «آل القاسمي ونبوغهم في العلم والتحصيل» للشيخ محمد بن ناصر العَجْمي حفظه الله تعالى ونفع به ص (٢٧، ٦٤).
(٢) هو العلامة، الفقيه الحنبلي، اللغوي، محمد بن عبد العزيز بن محمد بن عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن مانع. وُلِد في عُنيزة سنة (١٣٠٠ هـ)، وتوفي في بيروت سنة (١٣٨٥ هـ)، رَحَلَ في طلب العلم إلى بغداد والزُّبير ودمشق والقاهرة، وتَلْمَذَ عند محمد بن عبد الله بن سليم، ومحمود شكري الآلوسي، وجمال الدين القاسمي، وبدر الدين الحَسَني، وغيرهم، ومن تلاميذه: الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي، وعبد الله بن زيد آل محمود، وزهير الشاويش بارك الله في عمره.
انظر: «علماء نجد» للبَسَّام (٦/ ١٠٠)، و «روضة الناظرين» (٢/ ٢٩٣)، و «مجلة البحوث الإسلامية» (٥٤/ ٢٧٩ - ٣٥٤).
стр. 12
طبعُها - فعلَّق على المطبوعة (١).
طبعات الكتاب:
١ - طبعة القاسمي: يعود الفضل التام، في نشر هذا الكتاب بين الأنام، وبأبخس الأثمان (٢)، لعلَّامةِ الشام، محمد جمال الدين القاسمي رحمه الله تعالى، وذلك في عام (١٣٢٧ هـ) اعتماداً على مخطوطته التي تقدَّم وصفُها. وكان الشيخُ القاسميُّ ﵀ كثيرَ الحفاوة والعناية بهذا الكتاب، يقول ﵀ في رسالةٍ بعث بها إلى صديقه وصَفيِّه في العراق الشيخ محمود شكري الآلوسي (٣) ﵀ ما نصُّه: « ... وكتاب إغاثة اللهفان، في
_________
(١) وقد وقفت على نسخته الخاصَّة، وحصلت على صورة منها، وقمت بوضع تعليقاته في أماكنها، مع الإشارة إلى اسمه في نهاية كل تعليق.
(٢) ثلاثة قروش للنسخة الواحدة.
(٣) هو عالم العراق، ناصر السنة، محمود شكري الآلوسي البغدادي، كانت له اليد الطُّولى في نشر الدعوة السلفية، والكتب التي تدعو إلى مذهبِ السلف الصالح، وخاصة كتب شيخي الإسلام ابن تيمية، وابن القيم. ألف التآليف النافعة الناطقة بفضله وعلمه، منها: «غاية الأماني في الرد على النبهاني»، و «صب العذاب، على من سبَّ الأصحاب»، و «فصل الخطاب، في شرح مسائل الجاهلية للإمام محمد بن عبد الوهاب»، و «بلوغ الأرب، في أحوال العرب»، وغيرها كثير، تُوفِّي سنة (١٣٤٢ هـ) رحمه الله تعالى. انظر: «أعلام العراق» لمحمد بهجة الأثري.
стр. 13
حكم طلاق الغضبان؛ لابن القيم، وهو كتاب نفيس، يفيد الأمة فائدة عظيمة في المسألة المذكورة، ولا أدري هل ظَفِرتُم به؟ فإني ظَفِرتُ بنسخة منه في خزانة الجد [قاسم] عليه الرحمة، ضمن أحد المجاميع، وكان الوالد ﵀ يطالعه دائماً، ويبتهج به ... » (١).
ويقول عنها في رسالة أخرى: « ... وحجمها نحو ثلاثة كراريس، إلا أنها مِن النوادر المضنون بها، ويقول لي الشيخ الروَّاف (٢): إنها لا نظير لها؛ ولا في خزائن كتب نجد. ويَرى أنها لا
_________
(١) «الرسائل المتبادلة بين محمود شكري الآلوسي وجمال الدين القاسمي» لمحمد بن ناصر العَجْمي – جزاه الله خيراً – ص (٧٥، ٧٦).
(٢) هو الشيخ عبد الله بن أحمد الروَّاف، من فضلاء القصيم، نزل دمشق واستقر بها مدة، وأصبح يتردد على الشيخ القاسمي، وكان رحَّالة، مشهوراً بالوعظ وتتبع الكتب، قتل ﵀ في عُمَان سنة (١٣٥٩ هـ). انظر «علماء نجد» (٤/ ٢٨)، و «روضة الناظرين» (١/ ٣٩٥)، و «الرسائل المتبادلة» للعَجْمي ص (٥٧).
стр. 14
توجد إلا عندنا. وكان الجَدُّ [قاسم] والوالد [محمد سعيد]-قدَّس الله روحهما- يطالعانها كثيراً، بل إني شُغفت بها مِن صغري؛ لكثرة ما أرى الوالد ينظر فيها ... )) (١).
ثم بدا للشيخ القاسميِّ ﵀ أنْ ينشر هذه الرسالة في سياق مشروعه الكبير لنشر كتب السَّلَف بين الناس؛ لأنه كان يرى أنَّ نَشْرَ كتابٍ واحد خيرٌ من إرسال ألف داعٍ يتفرَّقون في الأقطار (٢).
فقام يتطلَّبُ نُسَخاً أخرى لها، فبحث في المكتبة الظاهرية بدمشق، فلم يظفَرْ بشيء، ثم راسل صديقَه العلامة محمود شكري الآلوسي؛ كي يقوم بالبحث مِن قِبَلِهِ في العراق فلم يعثر على شيء، وأفاده صديقُهُ الشيخ الروَّاف أنها لا وجود لها في خزائن كتب نجد. فلم يبقَ إلا أن يطبعها اعتماداً على المخطوطة التي بحوزته، فقام بمراجعتها، والتعليقِ عليها بحواشٍ، وتوزيع النص على أصل المخطوط! !
_________
(١) الرسائل المتبادلة ص (٩٨).
(٢) المصدر السابق ص (٥٦).
стр. 15
ثم كلَّف تلميذَه الشيخَ حامد التقي (١) بنسخها، وأردفها بقصيدة «المُطلَّقة» لمعروف الرُّصافي (٢)، وأرسلها إلى صديقه الوجيه محمد حسين نَصِيف في جُدَّة، كي يتكفَّل بطبعها عَلَى عادته الكريمة، فوافق على طبعها (٣)، وأرسلها إلى الشيخ محمد رشيد رِضا (٤) صاحب مجلة «المنار» في القاهرة، فطُبعت في مطبعة المنار سنة (١٣٢٧ هـ).
يقول ﵀ في رسالة بَعَثَ بها إلى صديقه محمد حسين نَصِيف مؤرَّخة (١٩/ ذي القعدة/ ١٣٢٧)، وذلك بعد الشروع بطبع الكتاب: «تناولْتُ أمسِ أوراقَ الملزمة الأولى من «إغاثة اللهفان»، وقد سُررنا بالبشارة بطبعها؛ لما أنها أنجَحُ ما أُلِّف للإصلاح في الزوجية والعائلات، وتحقيق أيمان الطلاقات، فإنَّ
_________
(١) انظر: ترجمته العطرة في «مجلة التمدن الإسلامي» (٣٤/ ٢٩١) مقال بقلم حسني كنعان، و «تاريخ علماء دمشق» لمحمد مطيع الحافظ، ونزار أباظة ص (٨٠٧).
(٢) انظر ترجمته في «الأعلام» للزِّركلي (٨/ ١٨٤).
(٣) انظر: «محمد نَصِيف حياته وآثاره» لمحمد أحمد سيد أحمد، وعبده بن أحمد العلوي ص (٢٠٤ - ٢٠٥)، والكتاب أوسع ما أُفرد في ترجمته.
(٤) أفرَدَ ترجمته غير واحد، منهم: خالد فوزي آل حمزة في رسالة ماجستير مطبوعة.
стр. 16
سعادة الأمة في زِيجتها هو معرفةُ الحالةِ التي تنحلُّ بها العصمةُ قطعاً بلا خلاف، والحالةِ التي لا أثر لها في حَلِّ عصمة الزوجية. فإذا وُفِّقت لمعرفة هذه الحالة، والجري عليها، والفتوى بها، سعدت؛ لأن سعادة الأفراد سعادةُ البيوتات، والعكسُ بالعكس. وهذا الكتاب [إغاثة اللهفان] نرجو منه تعالى أن يُنبِّه المتفقِّهة والمفتين على فيصل الحقِّ في هذا الباب.
ولا جَرَم هنا أن ما ينجُمُ عنه من الفوائد والمعارف هو في صحيفة مولانا الفاضل، بارك الله لنا في هِمته، ونَفَع الأمة بخيراته، ويَحِقُّ للسَّلَفيين الآن أن يفاخروا بأمثالكم، ويدعوا لكم بالحياة الطيبة، زادكم المولى توفيقاً، وكان لكم عوناً ومعيناً، آمين» (١).
وفَوْرَ الفراغ مِن طباعة الكتاب أُعلن عنه في مجلَّة «المنار» (٢)، وكَتَبَ حسين وصفي رِضا تقريظاً له في العدد نفسِه مِن المجلَّة؛ بيَّن فيه ضرورة الطلاقِ للمجتمعات؛ حتى إنه آلَ الأمرُ بالمجتمعات الإفرنجيَّة إلى الاعتراف به، إلا أنهم تخبَّطوا فيه واضطربوا، وتردَّدوا بين الإفراط والتفريط، أمَّا الشريعة الإسلامية؛ فالطلاقُ فيها منضبطٌ بما يكفُلُ سعادةَ المجتمعات، ويرفعُ الحَرَجَ عنها.
_________
(١) «جمال الدين القاسمي وعصره» لظافر القاسمي ص (٦٠٧).
(٢) (١٣/ ١٣٢) شهر صفر سنة (١٣٢٨) هـ.
стр. 17
قال ﵀: «الطلاقُ مِن ضرورات الاجتماع التي لا بُدَّ منها، ولا مَندوحة عنها، وقد اعترف كثيرون مِن عُقلاء الفِرِنْجة والأمريكان بذلك، بل إنَّ بلاد أمريكا أصبح الطلاقُ فيها أكثر شيوعاً منه في سائر البلاد الإسلامية، والسببُ في ذلك: تفريطُهم وإفراطهم، فقد أحكموا في الأول عُقْدة النِّكاح إحكاماً، صيَّروا به حلَّها جناية وأثاماً! وقد بالغوا في الثاني في حلِّها حتى صارت أوهى مِن بيت العنكبوت!
أما المسلمون؛ فَيَرَوْنَ الطَّلاقَ رُخصةً من الرُّخَص التي يُصار إليها عند الاضطرار، كما أرشدهم إلى ذلك دينهم، وهكذا يكون شأن الأمة الوسط: لا تفريطَ ولا إفراط، وهذه هي الخُطَّة التي تحوم حولها القلوب، وتهفو إليها النفوس؛ لأنَّ تحريم الطلاق تحريماً قطعيّاً من الحرج الذي لا يُطاق ولا تستقيم معه حال الاجتماع، وإباحتُه إباحةً عامة من دونِ شَرْطٍ ولا قيد من العبث المُخلِّ المفسدِ لنظامِ الأُسرِ والبيوتات.
ولقد يَظُنُّ كثيرون مِن الفِرِنْجة والمتفرنجين الذين ينظرون إلى الإسلام بعيون حُولٍ: أنَّ الطلاق يقع بالكلمة تقذفها بادرةُ غضب، فتصبح عُقدةُ النِّكاح المحكمةُ مفكَّكةً محلولة، وتُمسي الزوجُ التي لم تَجْنِ ذنباً أجنبيةً غير حليلة، ويرون أنَّ ذلك ليس مما يلتئم مع
стр. 18
الحكمة، أو يتفق مع المصلحة، وقد يكونون معذورين في هذا القول الذي يتفق مع أقوال كثير من الفقهاء، ولو أنهم اطَّلعوا على الكتاب الذي نُقرِّظه اليوم لآبوا معترفين للإسلام بأنه دِينُ المدنية والفضيلة والعمران.
استهلَّ الإمامُ المؤلِّفُ كتابه بالحديث الشريف: «لا طلاق ولا عَتَاق في إغلاق»، ثم بيَّن معنى الإغلاق أو الغِلاق مِن كلام الأئمة، وأنَّ معناه الغضب، أو مِن معانيه، ثم طَفِقَ المؤلِّفُ يدلي بالحجّة تلو الحجّة، ويأتي بالدليل بعد الدليل مِن الكتاب، والسُّنَّة، والمأثور عن أئمة السَّلف، الناطقةِ كلها بعدم وقوع طلاق الغضبان، وأفاض المؤلِّفُ في ذلك أيَّما إفاضة شأنَهُ في كلِّ الموضوعات التي كتب فيها، ونَصَبَ ميزانَ التعارض والترجيح، فأظهر -أثابه الله- الرَّغوةَ مِن اللبن الصريح».
وقد وقع في هذه الطبعة تصحيفاتٌ وبعضُ السُّقوط يستطيع القارئ الفَطِنُ تلافيَها، وأهمُّ التصحيفات التي تُؤثِّرُ في المعنى هي:
أ- ما وقع في صفحة (٣٩) السطر الثاني من أسفل لدى قول ابن القيم: « ... وقد صرَّح بإرادة أحدهما مشترطاً على رَبِّه، فدلَّ على عموم إرادته لما دعا به في حال الغضب ... ».
والصواب كما في المخطوط: « ... وقد صرَّح بإرادة أحدهما
стр. 19
مشترطاً له على ربِّه، فدلَّ عَلَى عدم إرادته لما دعا به في حال الغضب ... ».
ب- ما وقع في صفحة (٨) السطر (١١) لدى قوله: «ولا ريب أنَّ الدُّعاء بالشرِّ كثيراً ما يجلب الدُّعاء بالخير ... » كذا وقع، وهو مُشكِل!
والصَّواب: «ولا ريب أنَّ الدُّعاء بالشرِّ كثيراً ما يُجاب كالدُّعاء بالخير ... ».
جـ- ما وقع في صفحة (٣٥) السطر (٣) لدى قول أبي جعفر الباقر: «لا طلاق إلا على بينة ... ».
والصواب كما في المخطوط: «لا طلاق إلا على سُنَّة ... ».
٢ - طبعة مكتبة الكليات الأزهرية: فقد قامت مكتبة الكليات الأزهرية بمصر، بإعادة صَفِّ مطبوعة القاسميِّ، ونشرتها مع المحافظة على تعليقات القاسمي ﵀ وكتبوا على الغِلاف: «وقد عُني بتصحيحه وتخريجه وتعليق حواشيه: الأستاذ الشيخ جمال الدين القاسمي ١٣٩٦ هـ-١٩٧٦ م».
والواقع أن الشيخ القاسمي ﵀ لم يُصحِّحْ طبعتهم تلك، والتاريخ الذي كتبوه بعد وفاته بكثير! ووقعتْ فيها بعضُ
стр. 20
التصحيفات زيادةً على التصحيفات الواردة في طبعة القاسمي -ولا حول ولا قوة إلا بالله- ومِن أشنع ما وقع لهم من التصحيفات:
- ما وَرَدَ في صفحة (٣٤) من مطبوعتهم لدى قول ابن القيم: «ومنهم من اشترط مع ذلك أن يكون مريداً لمعناه، ناوياً له، فإن لم يَنْوِ معناه، ولم يُرِدْه، لم يلزمه حكمُه، وهذا قولُ من يقول لا يلزم لصريح الطلاق النية .. »! ! ! !
والصوابُ كما يقتضيه المعنى، وهو كذلك في المخطوط: «ومنهم مَن اشترط مع ذلك أن يكون مريداً لمعناه، ناوياً له، فإن لم يَنْوِ معناه، ولم يُرِدْه، لم يلزمه حكمه، وهذا قول مَن يشترط لصريح الطلاق النية .. ».
ولمكتبة الكليات الأزهرية طبعةٌ أخرى، وصَفٌّ آخر للكتاب، وبحرف مختلف بلا تاريخ، وهي كسابقتها، ولا أدري إنْ كانت سابقة عليها! !
٣ - طبعة مكتبة القاهرة: وهي صورة عن طبعة مكتبة الكليات الأزهرية الثانية، ولا أدري مَن الذي صَوَّرَ مِن الآخر؛ لأنَّ كِلا الطبعتين بلا تاريخ.
٤ - طبعة مكتبة دار الفكر العربي: وقد اعتمدوا في طَبْعها على
стр. 21
إحدى الطبعات التجارية المتوافرة بالمكتبات آنذاك، كما أخبرني الناشر بنفسه.
٥ - طبعة محمد عفيفي: بعد طبعة الكليات الأزهرية بنحو عشر سنوات، قام محمد عفيفي ﵀ بتخريج أحاديث الكتاب، والتعليق عليه، والتقديم له بمقدِّمة طويلة ذَبَّ فيها عن ابن القيم وشيخه، ووَثَّقَ نسبة الرسالة لمؤلِّفها بما لم يُسبَقْ إليه، فجزاه الله خيراً، وطَبَعَه بالمكتب الإسلامي سنة (١٤٠٦ هـ) معتمداً على مطبوعة الكليات الأزهرية الثانية؛ ظنّاً منه أنها مطبوعة القاسمي! لذلك لم يستطع أنْ يصحِّح شيئاً من التصحيفات السابقة، بل قد وَقَعَ ﵀ في أوهام لغوية (١) وحديثية (٢) منكرة، غَفَرَ الله لنا وله (٣).
٦ - طبعة الدكتور أحمد حجازي السقا: أعاد صفَّ الكتاب مع المحافظة الكاملة على تعليقات القاسمي، وطَبَعَه في مكتبة الثقافة الدينية في القاهرة، ويبدو لي أنه اعتمد مطبوعة القاسميِّ مباشرة؛ لأنه سَلِمَ مِن بعض الأخطاء التي تواردت عليها الطبعاتُ التي تقدَّم وصفُها.
_________
(١) انظر ص (٢٨ - ٤٥) من مطبوعته.
(٢) انظر تخريجه لحديث: «لا نذر في غضب ... » ص (٣٩ - ٤٠) من مطبوعته.
(٣) وقد علمت من الشيخ زهير الشاويش بأن طبع الكتاب كان في أيام الحرب في لبنان؛ لذلك لم يستطع الإخوة في المكتب الإسلامي تلافيها، على أن المسؤولية تقع على عاتق المحقق أولاً.
стр. 22
المنهج المتبع في التحقيق:
١ - اعتمدتُّ المخطوط أصلاً، وقابلته بمطبوعة القاسمي.
٢ - صحَّحتُ الأخطاءَ والتصحيفاتِ الواردةَ في الأصل، واستدركتُ الأسقاطَ - وهي قليلة - اعتماداً على توثيق النصوص التي نقلها ابن القيم؛ وذلك بمعارضتها بمصادرها الأصيلة أو الفرعية، ونبَّهتُ في الحاشية على ما في الأصل.
٣ - خرَّجتُ الأحاديث والآثار، وعرَّفت بالأعلام غير المشهورين.
٤ - وثَّقتُ جُلَّ الأقوال والمسائل الفقهية الواردة في الرسالة؛ بعزوها إلى الكتب المعتمدة في كل مذهب.
٥ - وضعتُ تعليقاتِ العلَاّمتين: جمال الدين القاسمي، ومحمد ابن مانع النجدي في أماكنها، وأشرت إلى اسم صاحب التعليق في نهاية كل تعليق.
٦ - وثَّقتُ نقولَ العلامة القاسمي ﵀.
٧ - ترجمتُ لابن القيم ﵀ ترجمةً آثرتُ أنْ تكون مقتضبةً؛ لأنَّ عدداً مِن محققي كتبه توسَّعوا في ترجمته، كما أفرد لها بعضُ الباحثين كتباً مستقلَّة، فجزاهم الله خيراً.
стр. 23
هذا؛ ولا يفوتني أن أُسجِّل شكري وتقديري للأخوين الكريمين: الشيخ عمار تُمالت على مساعدته في البحث عن نُسَخٍ أخرى للرسالة في فهارس المخطوطات، والشيخ حسنين حُسني على تفضُّله بمراجعة الكتاب، فجزاهما الله خيراً.
ثم بعد الفراغ من تحقيق الكتاب وصفّه تكرم الشيخ زهير الشاويش حفظه الله تعالى بمراجعة الكتاب، والتعليق على مواضع منه، وتفضل بكتابة تقديم للكتاب رغم مرضه وكبر سنه، كتب الله له الشفاء، وبارك في عمره، وجزاه الله خيراً.
ونسألُ اللهَ الكريم رَبَّ العرش العظيم أن يتقبَّل مِنَّا، وأن يتجاوز عمَّا وقع مِنَّا مِن الزَّلَل والتقصير، وأن يغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بخدمة هذا الكتاب، وصلَّى الله وسلَّم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه.
قيَّده
عُمر بن سُلَيمان الحَفْيَان
غفر الله له ولوالديه
دمشق في غُرَّة ذي القَعْدة عام ١٤٢٢ هـ
ثم جال فيها القلمُ ببعض الفوائد
والتصحيحات والاستدراكات في الخُبَر والرياض
стр. 24
ترجمة الإمام ابن القيم (١)
هو الإمامُ العالم، العارفُ العابد، المحقِّقُ المتقنُ ذو الفنون، أبو عبد الله، شمس الدين، محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد بن حريز بن مكي، الزُّرَعيُّ، ثم الدمشقي.
وُلد في بيت عِلم وصلاح في السابع مِن صفر سنة (٦٩١ هـ).
بدأ منذ نعومة أظفاره بطلب العِلم، والقراءة على الشيوخ، فسمع الكثيرَ مِن علماء دمشق، ودمشقُ - حينذاك - حاضرةُ العِلم والعلماء، ثم رحل إلى مصر في طلب العلم.
بعد عودة شيخ الإسلام ابن تيمية من مصر عام (٧١٢ هـ) لازمه ملازمةً تامةً، حَتَّى إنه دخل معه السجن في قلعة دمشق، وبقي إلى حين وفاة ابن تيمية حيث خُلِّي سبيله.
_________
(١) من أراد التوسع في ترجمته فلينظر:
«البداية والنهاية» لابن كثير (١٨/ ٥٢٣).
«ذيل طبقات الحنابلة» لابن رجب (٢/ ٤٤٧).
«الوافي بالوفيات» للصَّفدي (٢/ ٢٧١).
«شذرات الذهب» لابن العماد (٦/ ١٦٨).
«الدرر الكامنة» لابن حجر (٣/ ٤٠٠).
«ابن القيم حياته وآثاره» للشيخ بكر أبو زيد.
стр. 25
سار بعد وفاة شيخه على طريقته في الدعوة إلى الكتاب والسُّنَّة، والذَّبِّ عن مذهب السَّلف الصالح، ومحاربةِ البِدَعِ، فصنَّف المصنفاتِ النافعة، وناظر المبتدعة، وبقي على هذه الحالة حَتَّى توفّاه الله سنة (٧٥١ هـ)
رحمه الله تعالى.
وقد أفادني الشيخ زهير الشاويش حفظه الله بما يلي:
«ودُفن ابن القيم ﵀ في مقبرة الباب الصغير، بجوار الباب الغربي، تجاه المدرسة الصابونية على الطريق العام.
ومنذ أكثر من ثلاثين سنة أُبعد القبر إلى شرقي المدخل لمسافة أربعة أمتار؛ لتوسعة الطريق -رحمه الله تعالى-».
стр. 26
صورة الصفحة الأولى من المخطوط
(الظَّهريَّة)
стр. 27
نموذج من المخطوط
وتظهر تعليقات القاسمي بخطه
стр. 28
صورة الصفحة الأخيرة من المخطوط
(الغاشية)
стр. 29
صورة صفحة العنوان من
مطبوعة القاسمي
стр. 30
صورة من مطبوعة القاسمي
وتظهر تعليقات ابن مانع بخطه
стр. 31
إغاثة اللَّهفان
في
حكم طلاق الغضبان
تأليف
الإمام شمس الدين محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية
المتوفى سنة (٧٥١ هـ)
تحقيق
عمر سليمان الحفيان
стр. 32
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمدُ لله الحكيمِ الكريم، العَليِّ العظيم، السَّميعِ العليم، الرَّؤوفِ الرَّحيم، الذي أسبغَ على عِبادِه النِّعمة، وكَتَبَ على نفسِهِ الرَّحمة، وضمَّنَ الكتابَ الذي كَتَبَه، أنَّ رحمتَه تغلبُ غضبَه، فهو أرحمُ بعبادِه مِن الوالدةِ بولدِها، كما هو أشدُّ فَرَحاً بتوبة التائبِ مِن الفاقدِ لراحلته التي عليها طعامُهُ وشرابُهُ في الأرض المَهْلِكَةِ إذا وجَدَها.
وأشهدُ أنْ لا إله إلا الله وحدَه لا شريكَ له رَبُّ العالمين، وأرحمُ الرَّاحمين، الذي تعرَّف إلى خَلْقِهِ بصفاتِهِ وأسمائِه، وتحبَّبَ إليهم بإحسانِهِ وآلائِه، وأشهدُ أنَّ محمداً عبدُهُ ورسولُه؛ الذي خَتَمَ به النَّبيين، وأرسلَهُ رحمةً للعالمين، وبعثَه بالحنيفية السَّمحةِ والدِّين المهيمن على كلِّ دِين، فوَضَعَ به الآصارَ والأغلال، وأغنى بشريعتِه عن طُرُقِ المكرِ والاحتيال، وفَتَحَ لمن اعْتصمَ بها طريقاً واضحاً ومَنْهجاً، وجعلَ لمن تمسَّك بها مِن كلِّ ما ضاق عليه فَرَجاً ومَخرجاً، فعندَ رسولِ الله ﷺ السَّعَةُ والرَّحمة، وعند غيرِه الشِّدةُ والنِّقمة. فما جاءَه مكروبٌ إلا وَجَدَ عنده تفريجَ كُرْبته، ولا لهفانُ إلا وَجَدَ عنده إغاثةَ لَهْفتِه.
فما فَرَّقَ بين زوجين إلا عن وَطَرٍ واختيار، ولا شتَّتَ شَمْلَ مُحبَّين إلا عن إرادةٍ منهما وإيثار، ولم يخرِّب ديار المحبين بِغَلَطِ اللسانِ، ولم يُفرِّقْ بينهم بما جرى عليه مِن غير قَصْدِ الإنسان،
стр. 33
بل رَفَعَ المؤاخذةَ بالكلامِ الذي لم يقصدْهُ المتكلِّمُ، بل جرى على لسانِهِ بحكم الخطأ والنسيان، أو الإكراهِ والسَّبْقِ على طريق الاتِّفاق، فقال فيما رواه عنه أهلُ السُّنن مِن حديث عائشةَ أُمِّ المؤمنين: «لا طَلاقَ ولا عَتَاقَ في إغلاق» (١)(٢)؛ رواه الإمامُ أحمدُ، وأبو داودَ،
стр. 34
وابنُ ماجهْ، والحاكمُ في «صحيحه» وقال: «هذا حديثٌ صحيحٌ على شرطِ مسلمٍ، ولم يخرِّجاه».
стр. 35
قَال أبو داودَ: «في غِلاق (١)» ثم قال: والغِلاقُ أظنُّه الغضب.
وقال حنبلٌ: سمعتُ أبا عبد الله - يعني: أحمدَ بنَ حنبلٍ - يقول: هو الغضبُ. ذَكَرَه الخلَاّلُ (٢) [و] (٣) أبو بكر عبد العزيز (٤).
стр. 36
ولفظ أحمدَ: يعني الغضبَ.
قال أبو بكر: «سألتُ أبا محمد، وابنَ دُريد (١)، وأبا عبد الله، وأبا طاهر (٢) النحويين عن قوله: «لا طَلاقَ ولا عَتَاقَ في إغلاق»؟ قالوا: يريدُ الإكراه؛ لأنه إذا أُكرِهَ انغلقَ عليه رأيُهُ، ويدخلُ في هذا المعنى: المُبرسَمُ (٣) والمجنون.
فقلت لبعضهم: والغضبُ أيضا؟
стр. 37
فقال: ويدخل فيه الغضبُ» (١).
لأنَّ الإغلاقَ له وجهان:
أحدهما: الإكراه.
والآخر: ما دخل عليه مما ينغلق به رأيُهُ عليه (٢).
وهذا مقتضى تبويب البخاريِّ؛ فإنَّه قال في «صحيحه»: «باب الطَّلاقِ في [الإغلاقِ، والكُرْهِ] (٣) والسَّكْرَان والمجنون)) (٤)؛ يفرِّقُ بين الطَّلاقِ في الإغلاق وبين هذه الوجوه.
وهو -أيضاً- مقتضى كلامِ الشافعيِّ؛ فإنه يُسمِّي نَذْرَ اللَّجَاجِ والغضبِ: يمينَ الغَلَقَ؛ ونذرَ الغَلَق (٥). هذا اللفظ يريد به نَذْرَ الغضبِ.
стр. 38
وهو قولُ غيرِ واحدٍ مِن أئمة اللُّغة (١)(٢).
والقولُ بموجَبِهِ هو مقتضى: الكتابِ، والسُّنَّةِ، وأقوالِ الصَّحابة والتابعين وأئمةِ الفقهاء، ومقتضى: القياسِ الصَّحيح والاعتبارِ وأصولِ الشَّريعة.
أما الكتابُ، فمِن وجوه:
أحدها: قوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البَقَرَة: ٢٢٥]؛ قال ابنُ جَرير في «تفسيره» (٣): حَدَّثَنَا ابنُ وكيع، ثنا مالك بن إسماعيل، عن خالد،
стр. 39
عن عطاء، [عن وَسِيم] (١)، عن ابن عباسٍ قال: «لغوُ اليمين: أنْ تحلِفَ وأنت غضبانُ» (٢).
حَدَّثَنَا ابن حُميد، ثَنَا يحيى بن واضح، حَدَّثَنَا أبو حمزة، عن عطاء، عن طاوُس قال: «كلُّ يمينٍ حَلَفَ عليها رَجُلٌ وهو غضبان فلا كفَّارة عليه فيها؛ قوله: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [البَقَرَة: ٢٢٥]» (٣).
стр. 40
وهذا أحدُ الأقوالِ في مذهب مالك (١)؛ أنَّ لغوَ اليمين هو