стр. 36
← Фикховые вопросы следующие страницы →
Фикховые вопросы · id 134
إغاثة اللهفان في حكم طلاق الغضبان - ت الحفيان
ابن القيم
Полный текст (111 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 37
فقال: ويدخل فيه الغضبُ» (١).
لأنَّ الإغلاقَ له وجهان:
أحدهما: الإكراه.
والآخر: ما دخل عليه مما ينغلق به رأيُهُ عليه (٢).
وهذا مقتضى تبويب البخاريِّ؛ فإنَّه قال في «صحيحه»: «باب الطَّلاقِ في [الإغلاقِ، والكُرْهِ] (٣) والسَّكْرَان والمجنون)) (٤)؛ يفرِّقُ بين الطَّلاقِ في الإغلاق وبين هذه الوجوه.
وهو -أيضاً- مقتضى كلامِ الشافعيِّ؛ فإنه يُسمِّي نَذْرَ اللَّجَاجِ والغضبِ: يمينَ الغَلَقَ؛ ونذرَ الغَلَق (٥). هذا اللفظ يريد به نَذْرَ الغضبِ.
стр. 38
وهو قولُ غيرِ واحدٍ مِن أئمة اللُّغة (١) (٢).
والقولُ بموجَبِهِ هو مقتضى: الكتابِ، والسُّنَّةِ، وأقوالِ الصَّحابة والتابعين وأئمةِ الفقهاء، ومقتضى: القياسِ الصَّحيح والاعتبارِ وأصولِ الشَّريعة.
أما الكتابُ، فمِن وجوه:
أحدها: قوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البَقَرَة: ٢٢٥]؛ قال ابنُ جَرير في «تفسيره» (٣): حَدَّثَنَا ابنُ وكيع، ثنا مالك بن إسماعيل، عن خالد،
стр. 39
عن عطاء، [عن وَسِيم] (١)، عن ابن عباسٍ قال: «لغوُ اليمين: أنْ تحلِفَ وأنت غضبانُ» (٢).
حَدَّثَنَا ابن حُميد، ثَنَا يحيى بن واضح، حَدَّثَنَا أبو حمزة، عن عطاء، عن طاوُس قال: «كلُّ يمينٍ حَلَفَ عليها رَجُلٌ وهو غضبان فلا كفَّارة عليه فيها؛ قوله: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [البَقَرَة: ٢٢٥]» (٣).
стр. 40
стр. 41
стр. 42
стр. 43
اليمين بأنَّها يمينُ الغضب يقول بأنَّ النوعين الأخيرين مِن اللَّغوِ.
وهذا هو الصُّحيح؛ فإنَّ الله سبحانه جَعَلَ لَغْوَ اليمين مقابلاً لكسْبِ القلب، ومعلومٌ أنَّ الغضبان، والحالفَ على الشيءِ يظنُّه كما حَلَفَ عليه، والقائلَ: لا والله، وبلى والله، مِن غير عَقْدِ اليمين -لم يكسِبْ قلبُه عَقْدَ اليمين، ولا قصدَها، والله سبحانه قد رَفَعَ المؤاخذةَ بلفظٍ جرى على اللسانِ لم يكسِبْهُ القلبُ ولم يقصِدْهُ، فلا تجوز المؤاخذة بما رَفَعَ الله المؤاخذةَ به، بل قد يُقال: لَغْوُ الغضبان أظهرُ مِن لَغْوِ القِسمين الأخيرين؛ لما سيأتي بيانُه، إنْ شاء الله تعالى.
стр. 44
فصل
الوجه الثاني مِن دلالة الكتاب: قوله سبحانه: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [يُونس: ١١]، وفي «تفسير ابنِ أبي نَجيح» (١)، عن مجاهدٍ: «هو قولُ الإنسانِ لولدِه ومالِه إذا غَضِبَ عليهم: اللَّهُمَّ لا تباركْ فيه؛ والْعَنْهُ»؛ فلو يُعجِّلُ لهم الاستجابةَ في ذلك كما يُستجاب في الخير لأهلكهم.
انتهضَ الغضبُ مانعاً مِن انعقادِ سبب الدُّعاء؛ الذي تأثيرُهُ في
стр. 45
الإجابة أسرعُ مِن تأثير الأسبابِ في أحكامِها؛ فإنَّ الله سبحانه يُجيبُ دعاءَ الصَّبيِّ، والسَّفيه، والمُبَرْسَم، ومَن لا يصِحُّ طلاقُه ولا عقودُه، فإذا كان الغضبُ قد مَنَعَ كون الدُّعاء سبباً؛ لأن الغضبان لم يقصدْهُ بقلبه؛ فإنَّ عاقلاً لا يختار إهلاكَ نفسِه وأهلِه، وذهابَ مالِه، وقَطْعَ يدِه ورِجْلِه، وغيرَ ذلك بما يدعو به، فاقتضتْ رحمةُ العزيزِ العليم ألَاّ يؤاخذه بذلك، ولا يجيبَ دعاءه؛ لأنَّه عن غير قَصْدٍ منه، بل الحاملُ له عليه الغضبُ الذي هو من الشيطان (١).
فإن قيل: إنَّ هذا ينتقِضُ عليكم بالحديث الذي رواه أبو داودَ، عن جابر بن عبد الله، عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: «لا تَدْعُوا على أنفسكم، ولا تَدْعُوا على أولادِكم، ولا على أموالِكم، ولا تَدْعُوا على خدمِكم، لا توافِقُوا مِن الله ساعةً لا يُسْألُ فيها شيئاً إلا أعطاهُ» (٢).
قيل: لا تنافيَ بين الآية والحديث؛ فإنَّ الآيةَ اقتضتِ الفرقَ بين دُعاءِ المختار ودُعاءِ الغضبان الذي لا يختارُ ما دعا به، والحديثُ دَلَّ على
أنَّ لله - سبحانه - أوقاتاً لا يردُّ فيها داعياً، ولا يُسألُ فيها شيئاً إلا أعطاه، فنهى الأمةَ أنْ يدعو أحدُهم عَلَى نفسِه، أو أهلِه،
стр. 46
أو مالِه؛ خشيةَ أنْ يوافقَ تلك السَّاعةَ فيُجابَ له. ولا ريبَ أنَّ الدُّعاءَ بالشَّرِّ كثيراً ما يُجابُ كالدُّعاءِ (١) بالخيرِ ، والإنسان يدعو على غيره ظُلماً وعُدواناً؛ مع ذلك فقد يُستجابُ له، ولكن إجابة دُعاء الخير مِن صفة الرَّحمة، وإجابة ضدِّه مِن صفةِ الغضب، والرَّحمةُ تغلبُ الغضبَ.
والمقصودُ: أنَّ الغضبَ مؤثِّرٌ في عدم انعقادِ السَّببِ في الجملة، ومِن هذا قوله تعالى: ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولاً﴾ [الإسراء: ١١]، وهو الرَّجُلُ يدعو عَلَى نفسِه وأهلِه بالشَّرِّ في حالِ الغضبِ.
стр. 47
فصل
الوجه الثالث: قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأعرَاف: ١٥٠].
ووجه الاستدلالِ بالآية: أنَّ موسى -صلوات الله عليه- لم يكن لِيُلْقيَ ألواحاً - كَتَبَها الله تعالى، فيها كلامُه - مِن على رأسِه إلى الأرض، فيكسرَها اختياراً منه لذلك، ولا كان فيه مصلحةٌ لبني إسرائيلَ، ولذلك جَرَّهُ بلحيتِه ورأسِه وهو أخوه، وإنَّما حَمَلَه على ذلك الغضبُ، فَعَذَرَه الله سبحانه به، ولم يَعْتِبْ عليه بما فَعَلَ؛ إذ كان مصدرُه الغضبَ الخارجَ عن قُدْرَةِ العبدِ واختيارِه، فالمتولِّدُ عنه غير منسوب إلى اختيارِه ورِضاه به؛ يوضِّحه:
الوجه الرابع: وهو قوله: ﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ﴾ [الأعرَاف: ١٥٤]، فَعَدَلَ سبحانه عن قولِه: ﴿سَكَنَ﴾ إلى قوله: ﴿سَكَتَ﴾ تنزيلاً للغضب منزلةَ السُّلطان الآمرِ النَّاهي الذي يقول لصاحبه: افعلْ، لا تفعلْ؛ فهو مستجيبٌ لداعي الغضبِ؛ الناطقِ فيه؛ المتكلِّم على لسانِه، فهو أَولى بأن يُعذرَ مِن المُكْره
стр. 48
الذي لم يتسلَّطْ عليه غضبٌ يأمره وينهاه؛ كما سيأتي تقريرُه بعدَ هذا إنْ شاء الله.
وإذا كان الغضبُ هو الناطقَ على لسانِه، الآمرَ النَّاهي له؛ لم يكن ما جَرى على لسانِه في هذه الحال منسوباً إلى اختيارِه ورِضاه؛ فلا [يترتَّبُ] (١) عليه أثرُه.
الوجه الخامس: قوله تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ في ثلاثة مواضع مِن القرآن (٢). وما يتكلَّمُ به الغضبانُ في حال شدَّةِ غضبِه -مِن طلاقٍ أو شَتْمٍ ونحوه- هو مِنْ نَزَغات الشيطان؛ فإنه يُلْجِئُهُ إلى أن يقول ما لم يكن مختاراً لقوله، فإذا سُرِّيَ عنه؛ عَلِمَ أنَّ ذلك مِن إلقاء الشيطان على لسانِه مما لم يكن برضاه واختيارِه.
والغضبُ مِن الشيطان، وأثرُه منه، كما في «الصحيح» أنَّ رَجُلين اسْتبَّا عند النَّبيِّ ﷺ حَتَّى احمرَّ وَجْهُ أحدِهما، وانتفختْ أوداجُه، فقال النَّبيُّ ﷺ : «إنِّي لأَعْلمُ كلمةً، لو قالها لذهبَ عنه ما يجدُ: أعوذُ بالله مِن الشيطان
стр. 49
стр. 50
فصل
فأما دلالةُ السُّنَّةِ؛ فمِن وجوه (١):
أحدها: حديثُ عائشةَ المتقدِّمُ، وهو قوله: ((لا طَلاقَ ولا
стр. 51
عَتَاقَ في إغلاق» (١).
وقد اختُلِفَ في الإغلاق:
فقال أهلُ الحجاز: هو الإكراه.
وقال أهلُ العراق: هو الغَضَبُ.
وقالت طائفةٌ: هو جَمْعُ الثلاثِ بكلمةٍ واحدةٍ.
حَكَى الأقوالَ الثلاثةَ صاحبُ كتابِ «مطالع الأنوار» (٢).
وكأنَّ الذي فسَّره بجمْعِ الثَّلاث أخذه مِن «التَّغليق»، وهو أنَّ المطلِّقَ غَلَّق طلاقَه، كما يغلِّقُ صاحبُ الدَّيْنِ ما عليه، وهو مِن: «غَلَّق البابَ»، فكأنه أغلقَ على نفسِه بابَ الرحمةِ بجمعِهِ الثلاثَ،
стр. 52
فلم يجعلْ له الشَّارعُ ذلك، ولم يُمَلِّكْهُ إيَّاه؛ رحمةً به، إنما ملَّكه طلاقاً يملك فيه الرَّجعةَ بعد الدُّخول، وحَجَرَ عليه في: وَقْتِهِ، ووضْعِه، وقَدْره:
فلم يُمَلِّكْهُ إيَّاه في وَقْتِ الحيض، ولا في وَقْتِ طُهْرٍ جامعها فيه.
ولم يُمَلِّكْهُ أنْ يُبِينَها بغير عِوضٍ (١) بعد الدُّخول، فيكون قد غيَّر صفةَ الكلام. وهذا عند الجمهور، فلو قال لها: «أنت طالقٌ طلقةً لا رجعةَ لي فيها، أو طلقةً بائنةً». لغا ذلك، وثبت له الرجعة.
وكذلك لم يُمَلِّكْهُ جَمْعَ الثلاث في مرَّةٍ واحدةٍ،
بل حَجَرَ عليه في هذا وهذا وهذا، وكان ذلك مِن حُجَّة مَن لم يوقع الطَّلاقَ المحرَّم، ولا الثلاثَ بكلمة واحدة؛ لأنَّه طلاقٌ محجورٌ على صاحبه شرعاً، وحَجْرُ الشَّارعِ يمنعُ نفوذَ التصرُّفِ وصحتَه، كما يمنعُ نفوذَ التصرُّفِ في العقودِ الماليَّة، فهذه حُجَّةٌ مِن أكثرَ مِن ثلاثين حُجَّةً؛ ذكروها عَلَى كلام وقوع الطلاقِ المحجورِ على المطلِّق فيه.
стр. 53
والمقصود ههنا: أنَّ هؤلاء فسَّروا «الإغلاقَ» بجَمْعِ الثَّلاثِ؛ لكونه أَغلقَ على نفسِه بابَ الرَّحمة؛ الذي لم يغلقْهُ الله عليه إلا في المرَّة الثالثة.
وأما الآخرون؛ فقالوا: «الإغلاقُ» مأخوذٌ مِن «إغلاق الباب»، وهو إرتاجُه وإطباقُه، فالأمرُ المغلَقُ ضِدُّ الأمرِ المنفرِجِ، والذي أُغلِقَ عليه الأمرُ ضِدُّ الذي فُرِجَ له وفُتِحَ عليه، فالمكرَهُ - الذي أُكرِهَ على أمْرٍ إنْ لم يفعلْه وإلا حَصَلَ له مِن الضَّرر ما أُكرِهَ إليه - قد أُغلِقَ عليه بابُ القصدِ والإرادةِ لما أُكرِهَ عليه، فالإغلاقُ في حَقِّه بمعنى إغلاقِ أبواب القَصْدِ والإرادة له، فلم يكن قلبُه منفتحاً لإرادة القول والفِعل الذي أُكرِهَ عليه، ولا لاختيارهما، فليس مُطْلَقَ (١) الإرادةِ والاختيارِ، بحيث إنْ شاءَ طلَّقَ، وإنْ شاءَ لم يطلِّقْ، وإنْ شاءَ تكلَّمَ، وإنْ شاءَ لم يتكلَّمْ، بل أُغلقَ عليه بابُ الإرادة إلا للذي قد أُكرِه عليه.
ولهذا قال النبيُّ ﷺ : «لا يقلْ أحدُكم: اللَّهُمَّ اغفِرْ لي إنْ شئتَ، اللَّهُمَّ ارْحمني إنْ شئتَ. ولكنْ؛ ليعزمِ المسألةَ، فإنَّ الله لا مُكرِهَ له» (٢)؛ فبيَّن النَّبيُّ ﷺ أنَّ الله لا يفعل إلا إذا شاءَ؛ بخلاف المُكْرَه الذي يفعلُ ما لا يشاؤه،
стр. 54
فإنَّه لا يُقال: «يفعلُ ما يشاء» إلا إذا كان مطلقَ الدَّواعي، وهو المختار، فأما مَن أُلزِمَ بفعلٍ معيَّنٍ؛ فلا، ولهذا يُقال: المُكْرَه غير مختار، ويُجعل قَسيمَ المختارِ؛ لا قِسماً منه.
ومَن سمَّاه مختاراً، فإنَّه يعني: أنَّ له إرادةً واختياراً بالقصد الثاني؛ فإنَّه يريد الخلاصَ مِن الشَّرِّ، ولا خلاصَ له إلا بفعلِ ما أُكرِه عليه، فصار مريداً له بالقصدِ الثاني، لا بالقصدِ الأولِ.
والغضبان الذي يمنعُهُ الغضبُ مِن معرفةِ ما يقول وقَصْدِه، فهذا مِن أعظم الإغلاق، وهو في هذا الحال بمنزلة المُبَرْسَمِ والمجنون والسَّكْران، بل أسوَأُ حالاً مِن السَّكران؛ لأنَّ السَّكران لا يقتُلُ نفسَه، ولا يُلقي ولدَه مِن عُلُوٍّ، والغضبانُ يفعلُ ذلك، وهذا لا يتوجَّه فيه نِزاعٌ أنَّه لا يقعُ طلاقُه، والحديث يتناول هذا القسمَ قطعاً؛ وحينئذٍ فنقول: الغضبُ ثلاثةُ أقسامٍ (١) (٢):
стр. 55
أحدها: أنْ يحصُلَ للإنسان مبادِئُهُ وأوائِلُهُ؛ بحيث لا يتغيَّرُ عليه عقلُه ولا ذهنُه، ويعلمُ ما يقولُ، ويَقصِدُه؛ فهذا لا إشكالَ في وقوعِ طلاقِهِ، وعتقِهِ، وصحَّةِ عقودِه، ولا سيَّما إذا وقَعَ منه ذلك بعد تردُّدِ فِكْرِه.
القسم الثاني: أنْ يبلغَ به الغضبُ نهايتَه؛ بحيث ينغلقُ عليه بابُ العِلمِ والإرادة، فلا يعلمُ ما يقولُ، ولا يريدُه؛ فهذا لا يتوجَّه خِلافٌ في عدمِ وقوعِ طلاقِه كما تقدَّم، والغضبُ غُولُ العقلِ، فإذا اغتالَ الغضبُ عقلَه، حَتَّى لم يعلمْ ما يقولُ؛ فلا ريبَ أنه لا ينفُذُ شيءٌ مِن أقوالِه في هذه الحالةِ؛ فإنَّ أقوال المكلَّفِ إنما تَنفذُ مع:
١ - عِلْم القائلِ بصدورِها منه.
٢ - ومعناها.
٣ - وإرادته للتكلُّم (١) بها.
فالأول: يُخرِج النائمَ، والمجنونَ، والمُبَرْسَمَ، والسَّكْرانَ، وهذا (٢) الغضبان.
والثاني: يُخرِجُ مَن تكلَّم باللفظِ وهو لا يعلمُ معناه ألبتَّةَ؛ فإنَّه لا يُلزَمُ مقتضاه.
стр. 56
والثالث: يُخرِجُ مَن تكلَّم به مُكْرهاً؛ وإنْ كان عالماً بمعناه.
القسم الثالث: مَن توسَّط في الغضبِ بين المرتبتين، فتعدَّى مبادئَه، ولم يَنْتَهِ إلى آخرِه؛ بحيث صار كالمجنون؛ فهذا موضعُ الخِلاف، ومحلُّ النَّظرِ. والأدلَّةُ الشرعيةُ تدلُّ على عَدَمِ نفوذِ طلاقِهِ، وعِتقِه، وعقودِه التي يُعتبرُ فيها الاختيار والرِّضا، وهو فَرْعٌ مِن الإغلاق كما فسَّره به الأئمةُ، وقد ذَكرْنا دلالة الكتابِ على ذلك مِن وجوه.
وأما دلالةُ السُّنَّةِ؛ فمن وجوه:
أحدها: حديثُ عائشةَ، وقد تقدَّمَ ذِكْرُ وَجْهِ دلالته (١).
الثاني: ما رواه أحمدُ والحاكمُ في «مستدركه» مِن حديث عِمران بن حُصين قال: قال رسولُ الله ﷺ : «لا نَذْرَ في غَضَبٍ، وكفَّارتُه كفَّارةُ يمين» (٢)؛ وهو حديثٌ صحيحٌ،
стр. 57
وله طُرُقٌ (١).
وَجْهُ الاستدلالِ به: أنَّه ﷺ ألغى وجوبَ الوفاء بالنَّذْرِ إذا كان في حال الغضبِ، مع أنَّ الله أثنى على الموفين بالنذور، وأمَرَ النبيُّ ﷺ الناذرَ لطاعةِ الله بالوفاء بنَذْرِه وقال: «مَنْ نَذَرَ أن يطيعَ الله فَلْيُطِعْهُ، ومَنْ نَذَرَ أن يعصيَه فلا يعصِه» (٢)؛ فإذا كان النذرُ - الذي أثنى الله على مَن أوفى به، وأَمَرَ رسولُه بالوفاءِ بما كان منه طاعةً - قد أثَّرَ الغضبُ في انعقادِه؛ لكون الغضبان لم يقصدْه، وإنَّما حَمَله عَلَى [بيانه] (٣) الغضب؛ فالطلاقُ بطريق الأَولى والأَحرى.
فإن قيل: فكيف رتَّبَ عليه كفَّارةَ اليمين؟
قيل: تَرتُّبُ الكفَّارةِ عليه لا يدلُّ على تَرتُّبِ موجَبِهِ ومقتضاه عليه، و الكفَّارةُ لا تستلزم التكليفَ ؛ ولهذا تجب في مال الصَّبيِّ
стр. 58
والمجنون إذا قتلا صيداً أو غيرَه، وتجبُ على قاتل الصَّيْدِ ناسياً أو مخطئاً، وتجبُ على مَن وَطِئَ في نهار رمضان ناسياً عند الأكثرين؛ فلا يلزم من تَرتُّبِ الكفَّارة اعتبار كلام الغضبان. وهذا هو الذي يسمِّيه الشافعيُّ: «نَذْرَ الغَلَق» (١)، ومنصوصه: عدمُ وجوب الوفاء به إذا حَلَفَ به، بل يُخيَّر بينه وبين الكفَّارة. وحُكِيَ له قولٌ آخر: بتعيُّن الكفَّارة عَيناً. وقولٌ آخر: بتعيُّن الوفاء به إذا حَنَث، كما يلزمه الطَّلاقُ والعَتَاقُ. وهذا قولُ مالك (٢)، وأشهرُ الروايتين عن أبي حنيفة (٣).
الثالث: ما ثَبَتَ في «الصحيح» عنه ﷺ أنه قال: «لا يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبانُ» (٤)؛ ولولا أنَّ الغضبَ يؤثِّرُ في قَصْدِهِ وعِلْمِهِ لم يَنْهَهُ عن الحُكْمِ حالَ الغضب، وقد اختَلفَ الفقهاءُ في صحَّةِ حُكْمِ الحاكمِ في حال غضبِه على ثلاثة أقوال سنذكرُها بعدُ (٥)، إن شاء الله.
стр. 59
فصل
وأما آثارُ الصَّحابة؛ فمِن وجوه:
أحدها: ما ذكرَه البخاريُّ في «صحيحه» عن ابن عباس أنه قال: «الطَّلاقُ عن وَطَرٍ، والعِتقُ ما يُبتغى به وَجْهُ الله» (١)، فَحصَرَ الطَّلاقَ فيما كان عن وَطَرٍ، وهو الغَرَضُ المقصودُ، والغضبان لا وَطَرَ له، وهذا في الطَّلاقِ عن ابن عبَّاسٍ نظيرُ قولِه وقولِ أصحابه:
стр. 60
«لَغْوُ اليمين أنْ تحلِفَ وأنت غضبان» (١).
الوجه الثاني: أنَّ الزُّهرِيَّ روى عن أَبانَ بنِ عُثمان، عن عُثمان؛ أنَّه رَدَّ طلاقَ السَّكْران (٢)، ولا يُعرفُ له مخالفٌ مِن الصَّحابةِ، وهذا القول هو الصَّحيحُ (٣).
وهو الذي رَجَعَ إليه الإمامُ أحمدُ أخيراً:
قال في رواية أبي طالب: والذي لا يأمرُ فيه بالطَّلاقِ؛ فإنما أتى خَصْلةً واحدة، والذي يأمرُ بالطَّلاقِ؛ قد أتى خَصْلتين: حرَّمَها عليه، وأحلَّها لغيره، فهذا خيرٌ مِن هذا، وأنا أتقي جميعاً (٤).
وقال في رواية عبد الملك الميموني: قد كنتُ أقولُ: إنَّ طلاقَ السَّكران يجوز، حَتَّى تبيَّنتُه؛ فغلبَ عليَّ أنَّه لا يجوز طلاقه؛ لأنَّه لو أقرَّ لم يلزمه، ولو باع لم يجز بيعُه. قال: وألُزِمُهُ الجنايةَ، وما كان مِن غير ذلك فلا يلزمه (٥).
قال أبو بكر (٦): وبهذا أقول.
стр. 61
وقال في رواية أبي الحارث: أرفعُ شيءٍ [فيه] (١): حديثُ الزُّهْري، [عن] (٢) أَبانَ بنِ عُثمان، عن عُثمان: ليس لمجنونٍ ولا سَكرانَ طلاقٌ (٣).
وهذا اختيارُ الطَّحاويِّ، وأبي الحسن الكَرْخي (٤)، وإمامِ الحرمين، وشيخِ الإسلام ابن تيميَّة (٥)، وأحدُ قولي الشَّافعي (٦) (٧).
وإذا كان هؤلاء لا يُوقِعون طلاقَ السَّكْران؛ لأنه غيرُ قاصدٍ
стр. 62
للطَّلاق - فمعلومٌ أنَّ الغضبان كثيراً ما يكون أسوأَ حالاً مِن السَّكْران.
والسُّكْرُ نوعان: سُكْرُ طَرَبٍ، وسُكْرُ غَضَبٍ؛ وقد يكون هذا أشدَّ، وقد يكون الآخرُ أشدَّ، فإذا اشتدَّ به الغضبُ حَتَّى صار كالسَّكْرَان، كان أَولى بعدمِ وقوع الطَّلاقِ منه؛ لأنه يُعْذَرُ ما لا يُعذر السَّكران، ويبلُغُ به الغضبُ أشدَّ ما يبلُغُ به السُّكْرُ؛ كما يُشاهَدُ مِن حال السَّكران والغضبان.
стр. 63
فصل
وأما الاعتبارُ وأصولُ الشريعة، فمن وجوه:
الأول: أنَّ المؤاخذةَ إنَّما ترتَّبت على الأقوالِ؛ لكونها أدلَّةَ على ما في القلبِ مِن كَسْبِه وإرادته؛ كما قال تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥]؛ فجعل سببَ المؤاخذةِ كَسْبَ القلبِ، وكسبُه هو إرادتُه وقَصْدُه، ومَن جرى على لسانِه الكلامُ مِن غير قَصْدٍ واختيار، بل لشدَّةِ غضبٍ وسُكْرٍ، أو غير ذلك لم يكن مِن كَسْبِ قلبِه؛ ولهذا لم يؤاخِذِ الله سبحانه الذي اشتدَّ فرحُه بوجودِ راحلتِه بعد الإياس منها، فلمَّا وَجَدَها أخطأ مِن شدَّة الفَرَحِ وقال: «اللَّهُمَّ، أنتَ عبدي، وأنا ربُّكَ» (١)؛ فجرى هذا اللفظُ على لسانِه مِن غير قَصْدٍ، فلم يؤاخذه به كما يجري الغلطُ في القرآن على لسانِ القارئ (٢).
لكنْ قد يُقال: هذا قَصَدَ الصَّوابَ فأخطأَ فلم يُؤاخَذْ؛ إذْ كان قد قَصَدَ ضِدَّ ما تكلَّم به، بخلاف الغضبان إذا طَلَّقَ؛ فإنَّه قاصدٌ للطَّلاقِ.
стр. 64
قيل: لا كلامَ في الغضبان العالمِ بما يقول، القاصدِ المختارِ لحكمِه؛ دفعاً لمكروهِ البقاء مع الزَّوجة؛ وإنَّما الكلامُ في الذي اشتدَّ غضبُه حَتَّى ألجأه الشيطانُ إلى التكلُّمِ بما لم يكنْ مختاراً للتكلُّمِ به؛ كما يُلجِئُه إلى فِعْلِ ما لم يكن - لولا الغضبُ - يفعلُه؛ يوضِّحه:
الوجه الثاني: وهو أنَّ الإرادةَ فيه هو محمولٌ عليها، مُلْجَأٌ إليها كالمُكْرَه، بل المُكْرَهُ أحسنُ حالاً منه؛ فإنَّ له قصداً وإرادةً حقيقة، لكن هو محمولٌ عليه، وهذا ليس له قَصْدٌ في الحقيقةِ، فإذا لم يقعْ طلاقُ المُكْرَه، فطلاقُ هذا أَولى بعَدَمِ الوقوعِ (١)؛ يوضِّحه:
الوجه الثالث: وهو أنَّ الأمرَ الحاملَ للمُكْرَهِ على التكلُّمِ بالطَّلاقِ يشبه الحاملَ للغضبان على التكلُّمِ به؛ فإنَّ المتكلِّم مكرَهاً إنما يقصدُ الاستراحةَ مِن توقُّع ما أُكرِه به إنْ لم يباشَرْ به، أو مِن حصوله إنْ كان قد [باشر شيئاً] (٢) منه، فيتكلَّمُ بالطَّلاقِ قاصداً لراحته مِن أَلَمِ ما أُكرِه به.
وهكذا الغضبان؛ فإنَّه إذا اشتدَّ به الغضبُ، يألم بحمله؛ فيقولُ ما يقول، ويفعل ما يفعل؛ ليدفعَ عن نفسِه حرارةَ الغضب، فيستريحُ بذلك، وكذلك يَلْطِمُ وجهَه، ويصيح صياحاً قوياً، ويشُقُّ ثيابَه،
стр. 65
ويلقي ما في يدِه؛ دفعاً لألم الغضب، وإلقاءً لحمله عنه، وكذلك يدعو على نفسِه وأحبِّ النَّاسِ إليه، فهو يتكلَّمُ بصيغةِ الطَّلَبِ والاستدعاءِ والدُّعاء، وهو غيرُ طالب لذلك في الحقيقة، فكذلك يتكلَّمُ بصيغة الإنشاءِ وهو غيرُ قاصدٍ لمعناها.
ولهذا يأمر الملوكُ وغيرُهم عند الغضب بأمورٍ يَعلمُ خواصُّهم أنَّهم تكلَّموا بها دفعاً لحرارة الغضب، وأنَّهم لا يريدون مقتضاها، فلا يمتثله خواصُّهم، بل يؤخِّرونه، فَيَحْمَدُونهم على ذلك إذا سَكَنَ غضبُهم.
وكذلك الرَّجُلُ - وقتَ شدَّةِ الغضبِ - يقومُ ليبطش بولده، أو صديقه، فيحولُ غيرُه بينه وبين ذلك، فيحمدهم بعد ذلك، كما يحمد السَّكرانُ والمحمومُ ونحوهما مَن يحول بينه وبين ما يَهُمُّ بفعلِه في تلك الحال.
الوجه الرابع: أنَّ العاقلَ لا يستدعي الغضبَ، ولا يريده، بل هو أكرَهُ شيء إليه، وهو كما قال النَّبيُّ ﷺ : «جَمْرةٌ في قلبِ ابنِ آدَمَ؛ أَمَا رأيتُمْ مِنِ احمرارِ عَيْنِهِ وانتفاخِ أودَاجِه» (١).
стр. 66
والعاقلُ لا يقصدُ إلقاء الجمرةِ في قلبِه، فهو ناشئٌ فيه بغير اختيارِه، فإذا كان هو السببَ الحاملَ على التكلُّمِ بالطلاقِ وغيره؛ لم يكنْ ذلك أيضاً مضافاً إلى اختيارِه وإرادته، وهذا كما أنَّ إرادةَ السبب إرادةٌ للمسبَّبِ، فكراهةُ السببِ وبغضُه كراهةٌ للمسبَّبِ؛ يوضِّحه:
الوجه الخامس: وهو أنك تقول للغضبان - إذا اشتدَّ غضبُه؛ ففعل ما لم يكن يفعلُه؛ أو تكلَّمَ بما لم يكن يتكلَّمُ به قبل الغضب -: هل أردتَّ ذلك أو قصدتَّه؟ فَيحلِفُ أنَّه ما أرادَهُ، ولا قصَدَه، ولا كان له باختيارٍ، ويَحْلِفُ أنَّه وقع بغير اختيار. ولا تنكرْ هذا؛ فإنك تجده مِن نفسِك.
وتحقيقُ الأمر: أنَّ له فيه إرادةً هو محمولٌ عليها، حَمَلَه عليها الغضبُ، فهي كإرادة المُكْرَهِ، بل المُكْرَهُ أدخلُ في الإرادة كما تقدَّم، وهذا يدلُّ على أنَّ الغضبان أَولى بعدم الوقوع مِن المُكْرَه، يوضِّحه:
стр. 67
الوجه السادس: وهو أنَّ الخوفَ في قَلْبِ المُكْره كالغضبِ في قَلْبِ الغضبان، لكن؛ المُكْره مقهورٌ بغيرِه مِن خارج، والغضبان مقهورٌ بغضبه الداخلِ فيه، وقَهْرُ الإكراه يُبطل حُكْمَ الأقوال التي أُكره عليها، ويجعلها بمنزلة كلام النَّائمِ والمجنون، دون حُكْم الأفعال، فإنه يُقتل إذا قَتَلَ، ويَضمنُ إذا أَتلفَ. فكذلك قَهْرُ الغضبِ، يُبطل حكمَ أقوال الغضبان، دون أفعالِه، حَتَّى لو قَتَلَ في هذه الحال قُتِلَ، أو أتلفَ شيئاً ضمِنه. هذا كلُّه في الغضبان الذي يكره ما قاله حقيقةً، فأما مَن هو مريدٌ له على تقدير عَدَمِ غضبه؛ لاقتضاء سبب (١) ذلك فليس مِن هذا الباب، كمن زَنَتِ امرأتُه؛ فغضبَ؛ فطلَّقها؛ لأنه لا يرى المقام مع زانية، فلم يقصدْ بالطلاق إطفاءَ نارِ الغضب، بل التخلُّص مِن المقام مع زانية، فهذا يقع طلاقُه.
فتأمَّلْ هذا الفَرْقَ؛ فإنَّه حرف (٢) المسألة ونكتتُها، وهذا بخلاف مَن خاصمتُه امرأتُه، وهو يعلمُ مِن نفسِه إرادةَ المقام معها على
стр. 68
الخصومة وسوءِ الخُلُقِ، ولكن حَمله الغضبُ على أنْ شَفَى نفسَه بالتكلُّم بالطَّلاقِ وكَسْراً لها، وإطفاءً لنارِ غضبِهِ؛ يوضِّحه:
الوجه السابع: وهو أنَّ الغضبانَ يفعلُ أموراً مِن شَقِّ الثياب، وإتلافِ المال، وغيرِ ذلك مما لو أُكره به حَتَّى يتكلَّم بالطلاق لم ينفذ طلاقُه ولَغتْ أقوالُه، فإذا فَعَلَ هو هذه الأمور عُلم أنَّ الذي ألجأه إليها أعظمُ مِن الإكراه، فإنَّ المُكره لو أُكره بها لم يفعلها، وهذا قد فَعَلها، فعُلم أنَّ المقتضي لفعلِها فيه أَولى مِن اقتضاء الإكراه لفعلِها، والمُكْره لو فعل به ذلك كان مكرهاً، فالغضبان كذلك، وهذا واضحٌ جداً.
فإنْ قيل: المكرَهُ إذا تكلَّم بما أُكرِهَ عليه، دُفع عنه الضَّررُ، والغضبانُ لا يُدفع عنه بهذا القولِ ضررٌ (١)؛ فليس كالمُكْرَه.
قيل: لا ريبَ أنهما يفترقان في هذا الوجه، ولكن لا يوجب ذلك أن يكون الغضبان مختاراً مريداً لما قاله أو فَعَله، بل أكرهُ شيء إليه، وهذا أمرٌ لا يمكن دَفْعُه.
فإن قيل: فما الحاملُ له على فِعْلِ ما يكرهه ويؤذيه مِن غير أن يَتَوَصَّلَ به إلى ما هو أحبُّ إليه منه؟
قيل: لما كان الغضبُ عدوَّ العقلِ، وهو له كالذئب للشَّاة،
стр. 69
قلَّما يتمكَّن منه إلا اغتال عقلَه، فقصد إزالةَ الغضبِ وإطفاءَ ناره. وهذا مقصودٌ صحيحٌ في نفسِه. لكن؛ لمَّا غابَ عنه عقلُه قَصَدَ إزالةَ ذلك مما فيه ضررٌ عليه؛ ليخفِّفَ عن نفسِه ما هو فيه مِن البلاءِ، ولولا ذلك لم يفعلْ ما لا يفعلُه في الرِّضا، ولا تكلَّم بما لم يكن يتكلَّمُ به، فهو قَصَدَ أنْ يستريحَ ويسكنَ ويبردَ غضبه بتلك الأقوال والأفعال، وإنْ لم يَدفع ذلك عنه جملته (١) تلك الشدَّة، فإنها تخففُ وتضعف، فاقتضت رحمةُ الشَّارعِ به أن ألغى أقوالَه في هذه الحال (٢) إذ يمكن ألَّا يترتَّب عليها أثرها، وتكون كأقوال المُبَرْسَم والمجنون الهاجر (٣) ونحوهما، وأما الأفعال فلا يمكن إلغاءُ أثرها فرتَّب عليه موجب فِعْله.
فإن قيل: فيلزمكم على هذا: أنَّه لو حَلَفَ في هذه الحال، ألَاّ تنعقد يمينُه.
قيل: قد قال بذلك جماعةٌ مِن السَّلف والخلف، واختاره مَنْ لا يُرتاب في إمامته وجلالته، وكان يُقْرَنُ بالأئمة الكِبار: إسماعيلُ بنُ إسحاقَ القاضي.
فإن قيل: لكنِ المنقولُ عن الصحابة وجمهور التابعين والأئمة
стр. 70
الأربعة: اعتبارُ نَذْر اللَّجَاج والغضب (١)، وإن تنازعوا في موجَبِهِ:
فأوجب مالكٌ، وأهلُ العراق: الوفاءَ به؛ كنذر التبرُّر (٢)، وخيَّر الليثُ بن سعد، والشافعيُّ، وأحمد بن حنبل: بين فِعْله وبين كفَّارة اليمين.
ولم يقل أحدٌ منهم: إنه لا ينعقدُ، وإنه لغو، وقد ذكَر الله تعالى الكفَّارة في الأيمان كلِّها ولم يُحصِّلْ (٣) منها يمينَ الغضب دون يمين الرِّضا.
стр. 71
قيل: نعم؛ هذا حقٌّ، ولكنَّ اليمين لما قَصَدَ صاحبُها الحضَّ أو المَنْعَ، كانت الكفَّارةُ رافعةً لما حصل بها مِن الضَّرر؛ بخلافِ الطلَاّق والعَتَاق: فإنهما إتلافٌ محضٌ لملك البُضْعِ والرَّقبة، ولا كَفَّارةَ فيهما؛ فالضَّررُ الحاصلُ بوقوعهما لا يندفعُ بكفَّارةٍ ولا غيرِها.
وكما أنَّه يُفَرَّقُ في الإكراه بين نوعٍ ونوعٍ:
فالإكراهُ يُبيح الأقوالَ عندنا وعند الجمهورِ، وكلُّ قولٍ أُكره عليه بغير حَقٍّ، فإنَّه باطلٌ، ، وأبو حنيفة يُفرِّقُ بين نوعٍ ونوعٍ.
والإكراهُ على الأفعال ثلاثةُ أنواع:
١ - نوعٌ لا يُباح بالإكراه؛ كقتل المعصوم، وإتلاف أطرافِه.
٢ - ونوعٌ يبيحه الإكراه بشرط الضَّمان؛ كإتلاف مال المعصوم.
٣ - ونوعٌ مختَلَفٌ فيه؛ كالزنا والشُّرْب والسرقة، وفيه روايتان عن الإمام أحمد.
فما أمكن تلافيه، أُبيح بالإكراه؛ كالأقوال والأموال.
وما كان ضررُه كضررِ الإكراه، لم يُبَحْ به؛ كالقتل: فإنه ليس قَتْلُ المعصوم بحياة المُكْرَه أَولى مِن العكس.
وأما الأفعال: فالقرآنُ يدلُّ على رَفْعِ الإثم فيها؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ
стр. 72
стр. 73
قال: «إن الغضبَ مِن الشيطان، وإنَّ الشيطانَ مِن النَّارِ، وإنَّما تُطفأ النَّارُ بالماءِ، فإذا غَضِبَ أحدُكم فليتوضّأْ» (١)؛ وهذا يدلُّ على أنَّه
стр. 74
محمولٌ عليه مِن غيرِه، وأنَّ الشيطانَ يُغضِبه ليحمِلَه بغضبه على فِعْلِ ما يحبُّه الشيطان، وعلى التكلُّمِ به.
وما يُضاف إلى الشيطان مما يكرهه العبدُ ولا يحبُّه فلا يؤاخذُ به الإنسان؛ كالوسوسة، والنِّسْيان، كما قال فتى موسى لموسى: ﴿وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ [الكهف: ٦٣]؛ فالله تعالى لا يؤاخذُ بالوسوسة ولا بالنسيان؛ إذْ هما مِن أَثَرِ فِعْلِ الشيطان في القلب، وقد أخبرَ النَّبيُّ ﷺ أنَّ الغضبَ مِن الشيطان، فيكون أثرُه مضافاً إليه أيضاً، فلا يؤاخذُ به العبدُ كأثرِ النسيان؛ فإنَّه لو حَلَفَ ألَّا يتكلَّمَ بكذا، فتكلَّم به ناسياً - لم يحنث؛ لعدم قَصْدِه وإرادته لمخالفةِ ما عَقَدَ يمينَه عليه، وإنْ كان قاصداً للكلام، فإنَّه لم يقع منه إلا بقصده وإرادته، وهذه حال الغضبان؛ فإنه لم يقصدْ حقيقةَ ما تكلَّم به وموجَبَهُ، بل جرى على لسانِه كما جرى كلامُ النَّاسي على لسانِه، بل قَصْدُ النَّاسي للتكلُّم أظهرُ مِن قَصْدِ الغضبان؛ ولهذا يقول النَّاسي: «قصدتُّ أنْ أقول كذا وكذا»، والغضبانُ يحلِفُ أنَّه لم يقصدْ.
الوجه التاسع: أنَّ القُصُودَ في العقود معتبرةٌ في عَقْدِها كلِّها (١)،
стр. 75
والغضبان ليس له قَصْدٌ معتَبَرٌ في حَلِّ عُقدة النِّكاح، كما ليس له قَصْدٌ في قَتْلِ نفسِه ووَلدِه وإتلافِ ماله؛ فإنَّه يفعلُ - في الغضب - هذا، ويقول هذا، فإذا لم يكن له قَصْدٌ معتبرٌ، لم يصحَّ طلاقُه.
فإنْ قيل: فهذا ينتقضُ عليكم بالهازل؛ فإنَّه يصحُّ طلاقُه (١)، وإنْ لم يكن له فيه قَصْدٌ.
قيل: الفَرْقُ بينهما أنَّ الهازلَ قَصَدَ التكلُّمَ باللفظ وأرَادَه رِضاً واختياراً منه، لم يُحملْ على التلفُّظِ به، وغايتُه: أنَّه لم يُرِدْ حكمَه وموجَبَه؛ وذلك إلى الشارع ليس إليه، فالسببُ الذي إليه قد أتى به اختياراً وقَصْداً مع عِلمه به: لم يُحْمَلْ عليه، والسبب الذي إلى المُشرِّعِ ليس إليه؛ فلا يصحُّ اعتبارُ أحدِهما بالآخر، وكيف يُقاسُ الغضبان على المُتَّخِذِ آياتِ الله هزؤاً؟ ! وهذا مِن أفسدِ القياس!