← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 1340

درة التنزيل وغرة التأويل

الخطيب الإسكافي

Полный текст (1 361 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

قوله: (أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من١١ قبلنا ... ) الانعام: ١٥٦، فوجب أن يكونوا متأخرين عن أهل الكتاب. وأما بعد هذا الترتيب فترتيبهم في سورة المائدة، وتقديم الصابئين على النصارى ورفعه هنا ونصبه هناك ترتيب ثان لهم. فالأول على ترتيب الكتب، والثاني على ترتيب الأزمنة لأن الصائبين، وإن كانو متأخرين عن النصارى، بأنه لا كتاب لهم، فإنهم متقدمون عليهم بكونهم قبلهم، لأنهم كانوا قبل عيسى ﵇.

стр. 247

فرفع الصابئون ونوى به التأخير عن مكانه، كأنه قال بعد ما أتى بخبر: إن الذين آمونا والذين هادوا من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون، والصابئون هذه حالهم أيضا، وهذا مذهب سيبويه، لأنه لا يجوز عنده ولا عند البصريين، وكثير من الكوفيين: إن زيدا وعمرو قائمان. والفراء يجيز هذا على شريطه أن يكون الاسم

стр. 248

الأول المنصوب ب إن لا إعراب فيه، نحو: إن هذا وزيد قائمان، وهذه من كبار المسائل ذوات الشعب. ويتعلق بالخلاف بين البصريين والكوفيين في أن إن لها عملان، النصب والرفع على مذهب البصريين، وأن لها عملا واحدا عند الكوفيين، وهو النصب إلا

стр. 249

أن المذهب الصحيح ما ذهب إليه سيبويه، وهذه الآية تدل عليه، لأنه قدم فيه الصابئون والنية بها التأخير على مذهب سيبويه، وإنما قدم في اللفظ وأخر في النية، لأن التقديم الحقيقي التقديم لكتب الله المنزلة على الأنبياء ﵈، فإذا فعل ذلك في الآية الأولى وكان هنا تقديم آخر بتقديم الزمان، وجاءت آية أخرى قدم فيها هذا الاسم على ما أخر عنه في الآية التي

стр. 250

قبل ثم أقيمت في لفظه إمارة تدل على تأخره عن مكانه كان ذلك دليلا على أن هذا الترتيب بالأزمنة، وأن النية به التأخير والترتيب بالكتب المنزلة. وأما الترتيب الثالث في سورة الحج فترتيب الأزمنة الذي لا نية للتأخير معه، لأنه لم يقصد في هذا المكان أهل الكتب، إذ كان أكثر من ذكر ممن لا كتاب لهم، وهم الصابئون والمجوس والذين أشركوا عبدة الأوثان، فهذه ثلاث طوائف، وأهل الكتاب طائفتان.

стр. 251

فلما لم يكن القصد في الأغلب الأكثر من المذكورين ترتيبهم بالكتب رتبوا بالأزمنة، وأخروا الذين أشركوا لأنهم وإن تقدمت لهم أزمنة وكانوا في عهد أكثر الأنبياء الذين تقدمت بعثتهم صلوات الله عليهم، فإنهمك كانوا أكثر ممن مني رسول الله بهم، وصلى بجهادهم، وكأنهم لما كانوا موجودين في عصر النبي كانوا أهل زمانه، وهذا الزمان متأخر عن أزمنة الفرق الذين١١١١ قدم ذكرهم.

стр. 252

٧ الآية السابعة قوله تعالى: (وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة..) البقرة: ٨٠. وفي سورة آل عمران (.. قالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودات..) آل عمران: ٢٤. فإن قيل: فما الفرق بين اللفظتين؟ ولم كانت الأولى (معدودة) والثانية (معدودات) والموصوف في المكانين موصوف واحد وهو قوله: (أياما) ؟ والجواب عنه أن يقال: إن الجمع بالألف والتاء أصله للمؤنث نحو مسلمة ومسلمات، وصفحة وصفحات، ومكسورة ومكسورات، ولا يجيء الجمع الذي واحده مذكر هذا المجيء إلا ألفاظ معدودة، نحو حمام وحمامات، وجمل سبطر وجمال سبطرات، وأسد سبطرات، أي: تسبطر عند الوثوب.

стр. 253

وأما قولهم: كوز مكسور، وجرة مكسورة، فإن ما فيه هاء التأنيث يجمع على" مكسورات" فيقال: جرات مكسورات، وكيزان مكسورة، وليس

стр. 254

قولك: كيزان مكسورات بأصل، بل المستعمل المستمر في ذلك أن يقال: " كيزان مكسورة" و" ثياب مقطوعة" و" سرر مرفوعة" و"أكواب موضوعة" و" نمارق مصفوفة". فالصفة الجارية على جمع المذكر الواحد يستمر فيه التأنيث على الحد الذي بينته. وعلامة الجمع المؤنث الواحد: الألف والتاء في الأصل، فلما كان "معدودة" من الطرد المستمر، استعمل لفضها في الأول، ولما كان الجمع

стр. 255

بالألف والتاء قد يكون فيما واحد مذكر وإن قل، فكان على سبيل من سبل المجاز، يستعمل ذلك فيه كقوله تعالى: " واذكر الله في أيام معدودات". (البقرة: ٢٠٣) وقال: ( ... في أيام معلومات) الحج: ٢٨. والأيام جمع يوم، وهو مذكر، فيكون هذا على أحد الوجهين، إما أن يكون المراد: اذكروا الله في ساعات أيام معلومات ومعدودات، لأن المراد أن يكبر الله تعالى في اليوم الواحد في أدبار الصلوات الخمس المكتوبة، فحذفت الساعات، وأقيم المضاف إليها مقامها، وإما أن يكون ألحق بما في واحد علامة التأنيث لاستوائهما في الجمع ودخولهما في الفرعية التي يكتسبان بها لفظ المؤنث. فلما قيل: جرات مكسورة، والجرة مؤنثة جاز أيضا" كيزان مكسورات" حملا على الجمع الذي ليس بحقيقي، وإذا كان

стр. 256

ذلك ف (معدودة) المذكورة في الآية التي في سورة البقرة مستمرة في١١١١١١١١١١ بابها وباب غيرها، والجمع بالألف والتاء ليس بمستمر، وإنما هو على ضرب من التشبيه بما أصله الألف والتاء، فكان استعمالها أولا أولى، ولجواز الألف والتاء على غير طريق الاستمرار استعمل في الثاني ليشمل الأصل والجائز بالاستعمال. فأما المعنى في القلة فسواء في قوله (معدودة) و (معدودات) ، وقد قال أيضا) أيام معلومات) على أن تكون الأيام المعلومة في الأصل تسعة

стр. 257

فثلاثة منها أيام معلومة، وثلاثة أخرى منها مثلها، وثلاثة ثالثة معلومة، فتجمع هذه الثلاثات على الأيام المعلومات، لأن واحدتها أيام معلومة، والمعلومة تجمع على المعلومات.

стр. 258

"٨" الآية الثامنة: قوله تعالى: ( ... فتمنوا الموت إن كنتم صادقين. ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم والله عليهم بالظالين. " (البقرة: ٩٤-٩٥) وقال في سورة الجمعة (٦-٧) : ... ) فتمنوا الموت إن كنتم صادقين. ولا يتمنوه أبدا بما قدمت/ أيديهم ... ) . وللسائل أن يقول: هل في الآية الأولى ما يقتضي" لن" الناصبة، وفي الثانية ما يقتضي الاقتصار على" لا" ورفع الفعل بعدها؟ فالجواب أن يقال: إن الآية الأولى لما كانت مفتتحة بشرط علقت صحته بتمني الموت، ووقع هذا الشرط غاية ما يطلبه المطيع، ولا مطلوب وراءه على ما ادعوا لأنفسهم، وهو أن لهم الدار الآخرة خالصة من دون غيرهم وجب أن

стр. 259

يكون ما يبطل تمني الموت المؤدي إلى بطلان شرطهم أقوى ما يستعمل في بابه، وأبلغه في المعنى، وينتفي شرطهم به، فكان ذلك بلفظه" لن" التي هي للقطع والثبات، ثم أكدت بقوله تعالى: (أبدا) ليبطل تمني الموت الذي يبطل دعواهم بغاية ما يبطل به مثله. ألا ترى أنه ليس بعد حصول الدار الآخرة خالصة لأمة من الأمم مقترح، ولا مطلب لمطلب. وليس كذلك الشرط الذي علق به تمني الموت في سورة الجمعة، لأنه قال: (قل يا أيها الذين هادوا إن زعمكم أنكم أولياء الله من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين) (الجمعة: ٦) ، وليس زعمهم أنهم أولياء الله من دون الناس، المطلوب الذي لا مطلوب وراءه، لأنهم يطلبون بعد ذلك إذا صح لهم هذا الوصف دار الثواب.

стр. 260

فلما كان الشرط في هذا المكان قاصرا عن الشرط في المكان الأول، ولم يكن الدعوى دعوى غاية مطلوبة، لم يحتج في نفيه وإبطاله إلى ما هو غاية في بابه، فوقع الاقتصار على (لا يتمنونه) ، وليس في لفظه معنى التأبيد، وإنما حصل ذلك فيه بمقارنته من قوله) أبدا) ، فكان الأول أو كد وأبلغ، لأن لفظي الاسم والفعل للتأبيد.

стр. 261

فافترق الموضعان لهذا المعنى.

стр. 262

(٩) الآية التاسعة: قوله تعالى: ( ... قل إن هدى الله هو الهدى ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا نصير) البقرة: ١٢٠. وقال في هذه السورة أيضا: ( ... وما أنت بتابع قبلتهم وما بعضهم بتابع قبله بعض ولئن اتبعت أهواءهم من بعدما جاءك من العلم إنك إذا لمن الظالمين) البقرة: ١٤٥. وقال في سورة الرعد (٣٧) : (ولئن اتبعت أهواءهم بعدما جاءك من العلم ما لك من الله ولي ولا واق) . للسائل أن يسأل فيقول: (ما) في هذه الموضع بمعنى" الذي" فما الفائدة في إخراج بعضها على لفظ" الذي" وإيقاع الآخر على لفظ"ما"، وإدخال" من" في " بعد" في قوله تعالى: (من بعد ما جاءك من العلم) البقرة: ١٤٥؟ وهل بين قوله تعالى: (من بعد ما جاءك من العلم) ، وقوله: (بعدما جاءك من العلم) فرق؟ وهل بين" الذي" و" ما" فرق؟

стр. 263

والجواب عن ذلك أن يقال: نبين أولا الفرق بين" الذي" وبين" ما"/ ليصح الفصل ويظهر موضع كل واحد منهما، والمعنى الذي يليق بهما. اعلم أن" ما" إذا كانت" الذي" فإنها توافقها، بأنها تبين بصلتها، وتخالفها في أشياء كثيرة، فتصير" الذي" متضمنة من البيان ما لا تتضمنه" ما"، فمن ذلك أنك تدخل على"الذي" أسماء الإشارة، فتكون" الذي" صفة لها كقوله تعالى: (آمن هذا الذي هو جند لكم ... ) الملك: ٢٠ وقوله تعالى: (آمن هذا الذي يرزقكم إن أمسك رزقه ... ) الملك: ٢١. فيكتنف" الذي" بيانات: أحدهما:

стр. 264

الإشارة قبلها، والآخرة الصلة بعدها، ولا يكون ذلك في "ما" لأنها لا يوصف بها كما يوصف ب" الذي"، لا يقال: آمن هذا هو جند لكم. والثاني: إن" ما" تنكر فيجري ما كان صلة لها صفة تبينها، وليس ذلك في" الذي"وهو كقوله في الشعر: رب ما تكره النفوس من الأ ر له فرجه كحل العقال

стр. 265

والثالثة: إن" الذي" تثنى وتجمع وتؤنث فتلحقها هذه العلامات بيانا لهذه المعاني، و" ما" لا يلحقها ذلك، بل هي على لفظة واحدة في التثنية والجمع والتأنيث. والرابع: إن" الذي" لزمتها أمارة التعريف، وهي الألف واللام، وليس ذلك ولا شيئ مما ذكرنا في" ما" ولشدة إبهامها خص التعجب بها، لأن سبب التعجب إذا استبهم كان أبلغ في معناه. فإذا تبينت أن" الذي" و"ما" التي بمعناها اسمان مبهمان ناقصان، ف" الذي" تزيد على" ما" في وجود البيان التي ذكرنا، رجعنا إلى الآيات الثلاث، وبينا ما يليق من الاسمين بكل آية، فكان قوله تعالى: (.... بعد الذي جاءك من

стр. 266

العلم....) البقرة ١٢٠. أي: لن ترضى عنك اليهود حتى تتبع ملتها، ولن ترضى عنك النصارى حتى تتبع نلتها، وإتباع الملتين في عصر النبي (، ولذلك قال الله تعالى: (.... قل إن هدى الله هو الهدى..) أي: الإيمان الذي بعثك به هو الطريق المؤدي إلى رضا الله وإلى ثوابه. ثم قال: ( ... ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم مالك من الله من ولي نصير) البقرة: ١٢٠. فمنعه من إتباع الفرقتين بالعلم الذي حصل له بصحة الإيمان وبطلان الكفر. و" الذي" في هذا المكان واقعة على العلم الذي ثبت به الإسلام، وصح به الإيمان، وكما أن هذا العلم مانع من الكفر الذي هو أكبر الذنوب، فالعلم

стр. 267

الذي يمنع منه أفضل العلوم، فإذا عبر عنه بأحد هذين الاسمين المبهمين، وجب أن يختص منهما بالأشهر، إذا كان للعلم المحيط بالأكثر، وهو جملة الدين. فأما الموضعان الآخران فليس القصد فيما عبر بلفظة ما عنه فيهما مثل القصد في الآية الأولى، وذلك أن قوله: (..من بعد ما جاءك من العلم ... ) جاء بعد خبر الله تعالى عن مخالفة أهل الكتاب للنبي ﷺ في القبلة، لأنه عز اسمه قال: (ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل الآية ما تبعوا قبلتك وما أنت بتابع قبلتهم وما بعضهم بتابع قبلة بعض ولئن اتبعت أهوائهم من بعد ما جاءك من العلم إنك إذا لمن الظالمين..) البقرة: ١٤٥، فمنع من اتباع أهوائهم في أمر القبلة، وهو بعض الشرع بما حصل له من العلم بأن القبلة هي التي أمر النبي ﷺ بالتوجه إليها، فإذا كان ذلك بعض الشرع كان العلم بصحته بعض علم الشرع، ولم يكن

стр. 268

كالعلم في الآية الأولى الذي هو محيط بكل الشرع وبكل الإيمان فلما كان واقعا على بعض ما وقع عليه الأول، لم يشتهر شهرته فعبر عنه باللفظ الأشهر. وكذلك قوله تعالى في سورة الرعد ٣٧: (ولئن اتبعت أهواءهم بعد ما جاءك من العلم مالك من الله من ولي ولا واق) ، إنما جاء بعد قوله: (والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل إليك ومن الأحزاب من ينكر بعضه..) الرعد: ٣٦، فنهى الله تعالى عن اتباع أهوائهم في البعض مما أنزل إليك، وهو الذي ينكره

стр. 269

الأحزاب بما ثبت له من العلم بصحة هذا البعض الذي ينكرونه، كما ثبت له بباقيه. فلما كان هذا العلم الذي عبر عنه بلفظة الذي صار كالشائع في أبعاض هي مجموعة في الأول الذي عبر عنه باللفظ الأشهر، فكان العلم المانع من اتباع أهواءهم فيه مثل ما عبر به عن ذلك. فإن قال قائل: فكيف خص ما في القبلة بلفظة من فقال: (.. من بعد ما جاءك من العلم..) البقرة: ١٤٥ ولم يكن ذلك في قوله: (.. بعد الذي جاءك من العلم..) وهل لاختصاص هذا المكان ب من فائدة تخصه دون المكانين الآخرين؟

стр. 270

قلت: هنا فائدة تقتضي من وليست في الآيتين الأخيرتين، وهي: أن أمر القبلة مخصوص بفرائض مضيقة وأوقات مخصوصة لها في اليوم وفي الليلة مؤقتة، فخص بمن التي هي لابتداء الغاية، والقبلة شرع كان يجوز نسخه كما نسخ ما هو مثله، فكأنه قال هناك: (.. ولئن اتبعت أهواءهم..) من الوقت الذي جاءك العلم فيه بالقبلة التي وليتها، وأمرت بالتوجه نحوها صوت من الظالمين. فلما تخصص بوقت مضيق محدود لم يكن بد في المعنى من العلم بالوقت الذي نقل فيه عن القبلة الأولى إلى غيرها، وليس كذلك ما بعد قوله: (..قل إن هدى الله هو الهدى..) لأن العلم الذي وقع التوعد معه على اتباع أهواء أهل الكتاب لم

стр. 271

يتخصص وجوب العلم به بوقت دون وقت إذ كان واجبا في الأوقات كلها، ولم يكن مما يجوز أن ينسخ لأنه علم بالإيمان، وصحة الإسلام، وبطلان الشرك والكفر، فلما لم يتخصص وجوبه بوقت دون آخر لم يحتج معه إلى لفظة من التي هي للحد وابتداء الغاية. وكذلك الآية في سورة الرعد، لما كان العلم المانع من اتباع أهواءهم علما بأن جميع ما أنزل الله تعالى حق، وأن قول الأحزاب الذين ينكرون بعضه باطل، كان هذا أيضا من العلوم التي لا يتخصص الفرض فيها بوقت يجب حده بزمان بل هو واجب في الأوقات كلها، فلم يكن لدخول من في الآيتين مقتض كما كان له في الآية المتوسطة.

стр. 272

ومما يبين لك الأغراض التي أشرت إليها في الآي الثلاث، وأنها تجوز أن تكون مقصودة والله أعلم: ما اقترن من الوعيد بكل واحدة منها، فالموضع الذي منعه بعلمه من اتباع أهوائهم في قوله: (ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم) البقرة: ١٢٠، هو منع من الأعظم الذي هو الكفر، فكان الوعيد عليه أغلظ، وهو قوله: (.. مالك من الله من ولي ولا نصير) البقرة: ١٢٠. والآية الأخيرة أيضا، لما كان العلم بها مانعا من العمل بشطر من الدين، وترك شطر منه، كان مثل الأول في استحقاق الوعيد، وكان مثله في الغلظة، وهو قوله: (.. مالك من الله من ولي ولا واق) الرعد: ٣٧. وأما اتباع أهوائهم في أمر القبلة، فلأنه مما يجوز نسخه، فكان الوعيد عليه أخف من الوعيد على ما هو الدين كله أو بعضه مما لا يجوز تبديله وتغييره،

стр. 273

فصار الوعيد المقارن له دون الوعيد المقرون في الموضعين الآخرين، وهو قوله تعالى: (ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إن إذا لمن الظالمين) البقرة: ١٤٥ أي إن فعلت ذلك وضعت الشيء غير موضعه ونقصت الدين حقه فهذا الكلام في الفرق بين المواضع الثلاثة.

стр. 274

١٠ الآية العاشرة قوله تعالى: (وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا..) البقرة: ١٢٦. وقال في سورة ابراهيم ٣٥: (وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمنا..) . للسائل أن يسأل فيقول: لم كان في سورة البقرة بلدا نكرة، وفي سورة ابراهيم معرفة؟ والجواب عن ذلك من وجهين: أحدهما: أن يقال: إن الدعوة الأولى وقعت، ولم يكن المكان قد جعل بلدا، فكأنه قال: رب اجعل هذا الوادي بلدا آمنا، لأن الله تعالى حكى عنه أنه قال: (ربنا إني أسكت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك

стр. 275

المحرم) ابراهيم: ٣٧ بعد قوله: اجعل هذا الوادي بلدا آمنا، ووجه الكلام فيه: تنكير بلد الذي هو مفعول ثان، وهذا مفعول أول. والدعوة الثانية وقعت، وقد جعل الوادي بلدا، فكأنه قال: اجعل هذا المكان الذي صيرته كما أردت ومصرته كما سألت ذا أمن على من أوى إليه ولاذ به فيكون البلد على هذا عطف بيان على مذهب سيبويه، وصفة على مذهب أبي العباس

стр. 276

المبرد وآمنا مفعولا ثانيا، فعرف حيث عرف بالبلدية، ونكر حيث كان مكانا من الأمكنة غير مشهور بالتميز عنها بخصوصية من عمارة وسكنى الناس. والجواب الثاني: أن تكون الدعوتان واقعيتين بعد ما صار المكان بلدا، وإنما طلب من الله تعالى أن يجعله آمنا، وللقائل

стр. 277

أن يقول: اجعل ولدك هذا ولدا أديبا، وهو ليس يأمره بأن يجعله ولدا، لأن ذلك ليس إليه، وإنما أمره بتأديبه، فكأنه قال: اجعله على هذه الصفة، وهذا كما يقول: كن رجلا موصوفا بالسخاء، وليس يأمره بأن يكون رجلا، وإنما يأمره بما يجعله وصفا له من السخاء، فذكر الموصوف وأتبعه الصفة، وهذا كما تقول: كان اليوم حارا، فتجعل يوما خبر كان، وحارا صفة له، ولم تقصد أن تخبر عن اليوم بأنه كان يوما، لأنه يصير

стр. 278

خبرا غير مفيد، وإنما القصد أن تخبر عن حر اليوم، فكان الأصل أن تقولك كان اليوم حارا، وأعدت لفظ يوم لتجمع بين الصفة والموصوف، فكأنك قلت: كان هذا اليوم من الأيام الحارة، وكذلك تقول: كانت الليلة ليلة باردة، فتنصب ليلة على أنها خبر كان وحكم الخبر أن يتم به الكلام، ولم قلت: كانت الليلة ليلة لم يكن الكلام تاما، لأن القصد إلى الصفة دون الموصوف فكذلك قوله تعالى: (.. رب اجعل هذا بلدا آمنا..) البقرة: ١٢٦ يجوز أن يكون المراد: اجعل هذا البلد بلدا آمنا، فيدعو له بالأمن بعد ما قد صار بلدا على ما مثلت، ويكون مثل قوله: (..اجعل هذا البلد آمنا..) إبراهيم: ٣٥، وتكون الدعوة واحدة قد أخبر الله تعالى عنها في الموضعين.

стр. 279

فأما قول من يقول: إنه جعل الأول نكرة، فلما أعيد ذكرها أعيد بلفظ المعرفة، كما تقول: رأيت رجلا، فأكرمت الرجل، فليس بشيء، وليس ما ذكره مثلا لهذا، ولا هذا المكان مكانه.

стр. 280

١١ الآية الحادية عشرة في هذه السورة مفارقة للآي التي شرطنا الفرق بينهما وبين ما خالفها بلفظ يسير من الآية التي بإزائها غير أنها مثلها في التكرار، والحاجة إلى ذكر الفائدة في إعادتها، وهي قوله تعالى: (تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون) البقرة: ١٣٤. للسائل سؤالان: أحدهما: أن يقول: ما فائدة الآية وهي خبر يعلمه المخاطب قبل أن يخبر به، ولا يستفيد بذكره ما لم يكن يعلمه قبل، لأنه يعلم أن الأمة التي وصاها يعقوب ﵇ قد مضت وانقضت ولها ما كسبت من أجر، وعليها ما اكتسبت من إثم، وللمخاطبين أيضا أن يؤاخذوا بعملهم، لا بعمل غيرهم،

стр. 281

ولا يسألوا عما عملهم من تقدمهم. وإذ كان معنى الآية هكذا فهو معلوم لكل أحد مميز لا يحتاج إلى استفادته بإخبار مخبر؟ والسؤال الثاني هو عن تكرار هذه الآية، لأنها ذكرت في صدر العشر المفتحة بقوله تعالى: (إذ قال له ربه أسلم..) البقرة: ١٣١، ثم أعيدت في خاتمة هذه العشر التي تنقطع إلى قوله تعالى: (سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها..) البقرة: ١٤٢. فأما الجواب عن السؤال الأول وذكر فائدة الآية مع وضوح معناها لكل ذي معرفة فمن وجهين. أحدهما: أن يكون مثل هذا الكلام يقال، وإن كان معلوما للإنسان على سبيل التنبيه على العصيان والبراءة إليه من فعله، وأنه هو المؤاخذ به من دون

стр. 282

غيره، فيخرج الكلام على حد من المعدلة والنصفة لا مذهب لأحد عنه، ويكون هذا أدعى له إلى التأمل والتدبر وأقرب له من التبصر، كما قال تعالى لتنبيه: (وإن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم أنتم بريئون مما أعمل وأنا بريء مما تعملون) يونس: ٤١، فهذا أيضا معلوم إلا أنه على سبيل تخليتهم مع النظر لأنفسهم والتبريء مما يعود بسوء العاقبة عليهم، وعلى هذا الحد: (لكم دينكم ولي دين) الكافرون: ٦، وهذا كثير، والقصد به مفيد كما بينا. والوجه الثاني من الجواب عن السؤال الأول أن يقال: إن هذه الآية تبكيت للمعاندين من أهل الكتاب الذين ادعوا أن لزوم دينهم وشريعتهم مما أوجبه الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه على سلفهم وخلفهم، فاحتج عليهم بأن ما يدعونه

стр. 283

لا يقدرون فيه على أن يقولوا: إنهم سمعوا ذلك منهم مشاهدة، لقوله تعالى: (أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي..) البقرة: ١٣٣ على معنى لم تكونوا شهداء، فإذا لم يثبت ذلك عندهم بمشاهدة تقطع العذر وتلزم الحجة، لأن تلك الأمة قد خلت وانقضت وأدت عن الله تعالى ما تحملت، وهو أن تكون التوراة قد خلت وانقضت وأدت عن الله تعالى ما تحملت، وهو أن تكون التوراة قد أخبرت بمجيء عيسى ﵇ ومجيء النبي بعده، فلها الأجر في صحة أداءها وإظهارها ما أخذ الله به من الميثاق عليها في قوله تعالى (وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيينه للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما يشترون) آل عمران: ١٨٧. ومعنى (ولكم ما كسبتم) أي: إثم ما كسبتم لما نبذتم ذلك وراء

стр. 284

ظهوركم، واشتريتم به ثمنا قليلا، فهذا معنى قوله: (تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتهم..) يبين ذلك أنهم إذا لم يعملوا ما يدعونه من طريق المشاهدة لم يبق إلا أن يعلموه بخبر مخبر، والمخبر الذي بينهم وبين تلك الأمة ممن يجوز عليه الكذب، فهذا خبر الله تعالى، وهو الخبر الذي يكذب نبيه على ذلك بقوله عند الانتهاء: (أم تقولون إن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا هودا أو نصارى قل أأنتم أعلم أم الله ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله..) البقرة: ١٤٠ أي: إذ لم تعلموا ذلك من طريق مشاهدة لانقضاء تلك الأمة، فالله تعالى أعلم منكم، قوله أصدق من قبلكم، وأنتم تعلمون فتكتمون

стр. 285

ما عندكم من الشهادة حسدا وبغيا وطلبا للرئاسة، والله تعالى قد ثبت يبعثه محمد أنه رسوله، وأن هذا القرآن تنزيله بحج لائحة، وبراهين واضحة وهو عز من قائل يخبر خبرا حقا وقولا صدقا، أن الذي يدعون نقله عنهم ليس بحق فإذا بطل علمكم من طريق المشاهدة، ومن طريق الخبر، لم يثبت لكم من الحجة ما ثبت عليكم، ويكون معنى قوله: (ولا تسألون عنا كانوا يعملون) ولا تسألون عن عملهم، لأنه لا حجة لكم فيه، بل حجة عليكم، وقد قاموا به حق القيام، وثبت لهم صدق هذا المقام، فلا تسألون عن عملهم الذي هو صفتهم، ولا قال لكم:
следующие страницы →