Полный текст (1 361 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
ولا يسألوا عما عملهم من تقدمهم. وإذ كان معنى الآية هكذا فهو معلوم لكل أحد مميز لا يحتاج إلى استفادته بإخبار مخبر؟
والسؤال الثاني هو عن تكرار هذه الآية، لأنها ذكرت في صدر العشر المفتحة بقوله تعالى: (إذ قال له ربه أسلم..) البقرة: ١٣١، ثم أعيدت في خاتمة هذه العشر التي تنقطع إلى قوله تعالى: (سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها..) البقرة: ١٤٢.
فأما الجواب عن السؤال الأول وذكر فائدة الآية مع وضوح معناها لكل ذي معرفة فمن وجهين.
أحدهما: أن يكون مثل هذا الكلام يقال، وإن كان معلوما للإنسان على سبيل التنبيه على العصيان والبراءة إليه من فعله، وأنه هو المؤاخذ به من دون
стр. 282
غيره، فيخرج الكلام على حد من المعدلة والنصفة لا مذهب لأحد عنه، ويكون هذا أدعى له إلى التأمل والتدبر وأقرب له من التبصر، كما قال تعالى لتنبيه: (وإن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم أنتم بريئون مما أعمل وأنا بريء مما تعملون) يونس: ٤١، فهذا أيضا معلوم إلا أنه على سبيل تخليتهم مع النظر لأنفسهم والتبريء مما يعود بسوء العاقبة عليهم، وعلى هذا الحد: (لكم دينكم ولي دين) الكافرون: ٦، وهذا كثير، والقصد به مفيد كما بينا.
والوجه الثاني من الجواب عن السؤال الأول أن يقال: إن هذه الآية تبكيت للمعاندين من أهل الكتاب الذين ادعوا أن لزوم دينهم وشريعتهم مما أوجبه الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه على سلفهم وخلفهم، فاحتج عليهم بأن ما يدعونه
стр. 283
لا يقدرون فيه على أن يقولوا: إنهم سمعوا ذلك منهم مشاهدة، لقوله تعالى: (أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي..) البقرة: ١٣٣ على معنى لم تكونوا شهداء، فإذا لم يثبت ذلك عندهم بمشاهدة تقطع العذر وتلزم الحجة، لأن تلك الأمة قد خلت وانقضت وأدت عن الله تعالى ما تحملت، وهو أن تكون التوراة قد خلت وانقضت وأدت عن الله تعالى ما تحملت، وهو أن تكون التوراة قد أخبرت بمجيء عيسى ﵇ ومجيء النبي بعده، فلها الأجر في صحة أداءها وإظهارها ما أخذ الله به من الميثاق عليها في قوله تعالى (وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيينه للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما يشترون) آل عمران: ١٨٧.
ومعنى (ولكم ما كسبتم) أي: إثم ما كسبتم لما نبذتم ذلك وراء
стр. 284
ظهوركم، واشتريتم به ثمنا قليلا، فهذا معنى قوله: (تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتهم..)
يبين ذلك أنهم إذا لم يعملوا ما يدعونه من طريق المشاهدة لم يبق إلا أن يعلموه بخبر مخبر، والمخبر الذي بينهم وبين تلك الأمة ممن يجوز عليه الكذب، فهذا خبر الله تعالى، وهو الخبر الذي يكذب نبيه على ذلك بقوله عند الانتهاء: (أم تقولون إن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا هودا أو نصارى قل أأنتم أعلم أم الله ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله..) البقرة: ١٤٠ أي: إذ لم تعلموا ذلك من طريق مشاهدة لانقضاء تلك الأمة، فالله تعالى أعلم منكم، قوله أصدق من قبلكم، وأنتم تعلمون فتكتمون
стр. 285
ما عندكم من الشهادة حسدا وبغيا وطلبا للرئاسة، والله تعالى قد ثبت يبعثه محمد أنه رسوله، وأن هذا القرآن تنزيله بحج لائحة، وبراهين واضحة وهو عز من قائل يخبر خبرا حقا وقولا صدقا، أن الذي يدعون نقله عنهم ليس بحق فإذا بطل علمكم من طريق المشاهدة، ومن طريق الخبر، لم يثبت لكم من الحجة ما ثبت عليكم، ويكون معنى قوله: (ولا تسألون عنا كانوا يعملون) ولا تسألون عن عملهم، لأنه لا حجة لكم فيه، بل حجة عليكم، وقد قاموا به حق القيام، وثبت لهم صدق هذا المقام، فلا تسألون عن عملهم الذي هو صفتهم، ولا قال لكم:
стр. 286
هل أدوا ذلك إليكم، ولوضوح الحجة به عليكم.
ويجوز أن يكون في ضمن هذه الآية: وهم مسؤولون عن عملكم تبكيتا لكم، وتثبيتا لحجتكم عليكم فيذكر أحد الضدين، ويكتفي به عن الضد الذي ينافيه، كما قال الله تعالى (..وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر..) في معاناه: وتقيكم البرد، فكذلك قوله: (ولا تسألون عما كانوا يعملون) وهم مسؤولون عن عملكم كقوله تعالى: (وإذ قال الله يا عسى ابن مريم أأنت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله..) المائدة: ١١٦ فأخبر عز اسمه أنه يسأل عيسى ﵇ عن عمل القوم بعده، وادعائهم عليه ما لم يقله تبكيتا للقوم وتثبيتا
стр. 287
للحجة عليهم، فذلك معنى المحذوف من الآية بإزاء المثبت فيها اكتفاء بذكره عنه.
وبقي الجواب عن فائدة تكرار الآية في أول هذه العشر، وفي آخرها، وهو أنها ذكرت في الأول بعد قوله تعالى: (أم كنتم شهذاء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا ونحن له مسلمون * تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم..) البقرة: ١٣٣ -١٣٤ ومعناه: أن إسرائيل ﵇ قرر بنيه على عبادتهم التي ثبتت عندهم ووصاهم بها، فقال تعالى لهؤلاء: أتنفون ما ثبت من وصية يعقوب ﵇ بنيه، وتقريره إياهم، وإقرارهم بها، والأمة قد
стр. 288
انقضت، وحالها في عبادتها قد ثبتت ومن نفى ما ثبت من الدين فقد دخل في الكفر، فهذه الآية الأولى عقب ما ثبت من تقرير يعقوب
﵇ لبنيه وإقرارهم له، وهذه الآية كرر بعينها بعد قوله تعالى: (أم تقولون إن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا هودا أو نصارى قل أأنتم أعلم أم الله..) البقرة: ١٤٠ أي أم أنتم تثبتون ما هو منتصف، ومن أثبت في الدين ما ليس منه من هذا البهتان العظيم فهو في الإثم كمن نفى عنه ما هو منه، ففي الأول نفي ما هو ثابت من إقرار بني إسرائيل، وفي الثاني إثبات ما هو منتف من كون إبراهيم وإسماعيل وإسحاق هودا أو نصارى،
стр. 289
وكل واحد من هذين يوجب من البراءة ويستحق به غلط الوعيد، والتخويف بالعقاب، والتنبيه على الكبيرة التي تحبط الحسنات مثل ما يوجبه الآخر، فلذلك أعيد في الدعوى الثانية الباطلة ما قدم في الدعوى الأولى الكاذبة، وكما استحقت تلك براءة الذمة من قائلها وتنبيه على فساد قوله، كذلك استحقت هذه فصارت الثانية في مكانها، وحقها كما وقعت الأولى في محلها ومستحقها، فلم يكن ذلك تكرارا، بل كان وعيدا عقيب كبيرة، كما كان الأول وعيدا عقيب كبيرة أخرى غير الثانية والسلام.
стр. 290
١٢ الآية الثانية عشر
قوله تعالى في هذه السورة: (قولوا آمنا بالله وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون) البقرة: ١٣٦.
وقال تعالى شبيها بهذه الآية في سورة آل عمران ٤٨: (قل آمنا بالله وما أنزل علينا وما أنزل على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى والنبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون) .
للسائل أن يسأل عن موضعين من هاتين الآيتين: أحدهما: قوله : (أنزل إلينا) في الأولى (علينا) في الثانية، والموضع الثانيـ تكرار (أوتي) في الأولى، وحذفها في الثانية.
стр. 291
فيقول: هل لاختيار إلى مع قوله (أنزل) في سورة البقرة فائدة توجب اختصاصها؟ وهل لاختيار على مع (أنزل) في سورة آل عمران معنى يقتضيها؟ ولم كرر (أوتي) هنا ولم يكرر هناك؟
والجواب المختصر المشار به إلى الفرق بين الموضعين في إلى وعلى: أن أول الآية التي اختصت بها على (قل آمنا بالله..) وأول الآية التي اختصت بها إلى: (قولوا آمنا بالله..) وشرح ذلك: أن على موضوعة لكون الشيء فوق الشيء، ومجيئه من علو فهي مختصة من الجهات الست بجهة واحدة وإلى للمنتهى، ويكون المنتهى من الجهات الست كلها.
стр. 292
وإن توجه نحو الشيء شيء عن يمينه أو عن شماله، أو من قدامه، أو من ورائه، أو من فوقه،
أو من تحته، فإنه إذا بلغة يقال فيه انتهى إليه، فلا تتخصص إلى بجهة واحدة، كما تتخصص على.
فقوله تعالى (قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا..) اختيرت فيها إلى لأنها مصدرة بخطاب المسلمين، فوجب أن يختار لها إلى، ثم جعل ما عطف عليه على لفظه الحق الإتباع، وإن صح فيه معنى الانتهاء، فالمؤمنون لم ينزل الوحي في الحقيقة عليهم من السماء، وإنما أنزل على الأنبياء صلوات الله
стр. 293
عليهم وسلامه، ثم انتهى من عندهم إليهم، فلما كان (قولوا) خطابا لغير الأنبياء وكان لأممهم كان اختيار إلى ألى من اختيار على.
ولما كانت في سورة آل عمران قد صدرت الآية بما هو خطاب للنبي ﷺ ، وهو قوله: (قل آمنا بالله وما أنزل علينا) كانت على أحق بهذا المكان، لأن الوحي أنزل عليه.
وفي لفظة أنزل دلالة انفصال الشيء من فوق إلى أسفل وأن يقرن إليه ما يشاكله فيما يستحقه من المعنى أولى، وإن كان القرآن قد نطق بجميع ذلك في الأنبياء صلوات الله عليهم وفي غيرهم، كقوله : (.. نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه..) آل عمران: ٣ وقال بعده: (هو الذي أنزل عليك
стр. 294
الكتاب منه آيات محكمات..) أل عمران: ٧ وقال في موضع آخر: (وأنزلنا إليك الكتاب بالحق..) المائدة: ٤٨.
فالمنزل على الأنبياء منته إليهم، فلذلك صحت إلى إلا أن على أصلها: إذا قصد الإفصاح بالمعنى أن يستعمل فيمن نزل الوحي عليه، وشركة الأمة في اللفظة له مجاز لا حقيقة، وإلى في ذكر الإنزال المتعلق بأمم الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه أشبه بحقيقة معناها من على، فلذلك خصتا في الموضعين باللفظين المختلفين، وجعل ما بعدهما يجري مجراهما كما يجب في حكم الإتباع.
стр. 295
وأما الموضع الثاني الذي أعيد فيه لفظة (أوتي) من سورة البقرة ولم تعد فيما بإزائها من سورة آل عمران، فالجواب عنه أن يقال: إنما اختصر هناك، لأن العشر التي فيها مصدرة بقوله (وإذا أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة..) آل عمران: ٨١ فقدم ذكر إيتاء الكتاب، واكتفى بع عن التكرير في الموضع الذي كرر فيه من سورة البقرة على سبيل التأكيد.
وبيان ذلك: أن هذه العشر مبنية على ذكر عهد الله إلى الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه، وما أخذ عليهم من المواثيق في تبيين ما أنزله إليهم للناس، فقوله: (.. وما أوتي النبيون من ربهم) هو قوله: (وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة) في المعنى، فلما تقدم هذا الذكر
وجاء (وما أوتي موسى وعيسى) اكتفى عن إعادة (وما أوتي النبيون) بالذكر المتقدم، ولما لم يتقدم
في
стр. 296
سورة البقرة ذكر إيتاء النبيين ما أوتوا من الكتب في هذه العشر لم يكن فيه ما يغني عن التأكيد بإعادة اللفظ. هذا الفرق بين الموضعين. والله أعلم.
стр. 297
قوله تعالى: (قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبله ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجهكم شطره..) (البقرة: ١٤٤)
وقال بعده في هذه العشر: (ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وإنه للحق من ربك وما الله بغافل عما تعلمون. ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره..) (البقرة: ١٤٩-١٥٠) .
للسائل أن يسأل عن الفائدة في تكرار هذه الآي في هذه العشر مع أن في واحدة كفاية؟
فالجواب عنه أن يقال: إن قوله تعالى: (فول وجهك شطر المسجد الحرام)
هو الأمر الأول بالتوجه محو القبلة التي هي الكعبة، والخطاب للنبي (وما بعده هو خطاب له ولأمته، وهو قوله: (وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره..)
стр. 298
وأما الآية الثانية وهي قوله: (ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام) ، فالخروج خروجان، أحدهما: خروج المصلي من مكان إلى مكان يرى فيه الكعبة وهو المسجد الحرام، فكأنه قال: ومن أي باب من أبواب المسجد خرجت فتوخ استقبال الكعبة بالصلاة، والخروج الثاني خروج من البلد الذي فيه المسجد الحرام وهو الحرم، فكأنه قال: وإن خرجت من البلد من أي باب خرجت فاجعل الكعبة قبلة لك تتوجه نحوها بصلاتك.
فعلى هذا يكون لكل آية فائدة، فالأولى ليس فيها خروج، والثانية فيها خروج من أقرب الأماكن إلى الكعبة، والثالثة خروج مما عدا ذلك عام
стр. 299
في البلاد. وقد كان يتوهم أن للقرب حرمة لا يثبت مثلها للبعد، فوقعت مظاهر بالأمر بتولي القبلة في القرب والبعد.
ولفظة (خرجت) لفظة الماضي، وهي في موضع المستقبل لأن المعنى الشرط والجزاء، و (حيث) وحدها وإن تضمنت معنى الشرط فإنه لا يجوز بعدها الفعل المستقبل، بل تقول: من حيث تخرج، فترفع/ الفعل، وإن أردت: من أي موضع تخرج، ف" أي موضع" يجزم الفعل، و"حيث" لا تجزمه إلا إذا قارنتها "ما"، فتقول: حيثما تنزل أنزل، فإن قلت: حيث تنزل أنزل، بطل الجزم ووجب الرفع.
стр. 300
@@@
١٢١١١
فقوله تعالى: (وحيث ما كنتم) ، و" كنتم" في هذا المكان في موضع الفعل مجزوم، كأنه قال: وحيث ما تكونوا فولوا وجوهكم شطره، وليس كذلك (ومن حيث خرجت) إلا أنه لا يخرج عن تضمن معنى الشرط، يبين ذلك دخول الفاء في الجواب، ولولا هذا المعنى ما احتيج إليها، فلهذا قلنا: إن الماضي بعدها بمنزلة المستقبل، كما يكون في قولك: إن خرجت خرجت، إلا أن الماضي لا يجزم كما لا يجزم الفعل في صلة الذي وإن دخله معنى الشرط.
إذ قلت: الذي يزورني فله درهم، فأوجبت الدرهم بالزيادة، وحيث في هذا الموضع على غير ما هي عليه في قولك: قعدت اليوم حيث قعدت أمس، لأن تلك شائعة كشياع الأسماء التي تقع بمعنى الشرط ويجازي بها.
стр. 301
١٤
стр. 302
الآية الرابعة عشرة
قوله تعالى: (وإذ قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أول كان آبائهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون) البقرة ١٨٠.
وفي هذه الآية موضعان يشابهان موضعين من آيتين أخريين:
الأول: قوله: (ما ألفينا عليه آباءنا..) وبإزائه قوله في سورة لقمان الآية: ٢١: (وإذ قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا..) .
والموضع الثاني يشبه قوله في سورة المائدة الآية: ١٠٤: (أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون) .
للسائل أن يسأل فيقول: هل لتخصيص الموضع الذي في سورة البقرة بقوله: (ألفينا دون قوله) : (وجدنا) دون قوله: (وجدنا) فائدة تخصه؟ وهل لتخصيص الموضع
стр. 303
الثاني بقوله: (لا يعقلون شيئا) دون قوله: (لا يعلمون شيئا) فائدة؟ وهل لتخصيص (لا يعلمون) في موضعه دون قوله: (لا يعقلون) في موضعه فائدة؟
والجواب عن الموضع الأول وهو قوله: (ألفينا) : أن (ألفينا) يقصد بها بعض الوجوه التي ستعمل عليها: (وجدنا) ، لأنه يقال: وجدت الشيء، فلا يحتاج إلى مفعول ثان إذا وجدته عن عدم، ولوجدان الضالة الضالة تقول: وجدت الضالة وتقول: وجدت زيدا عاقلا، فيكون الوجود متعلقا بالخبر الذي هو المفعول الثاني، فلا بد له في هذا الوجه منه، ولا يكتفي بالمفعول الأول.
стр. 304
وأما قولهم: ألفيت، فإنها مخصوصة بهذا الوجه من وجوه وجدت، لا يقال: ألفيت درهما بمعنى:
وجدت درهما، ولا ألفيت الضالة، فكان في الموضع الأول استعمال اللفظ الأخص أولى، وتأخير اللفظ المشترك إلى المكان الثاني أولى.
وأما المسألة الثانية من هذه الآية في قوله: (أولو كان آبائهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون) فالجواب عنها أن يقال: إن لقوله: (يعلمون) رتبة ليست لقوله (يعقلون) ، وإذا وقفت على ما بينها سهلت عليك معرفة ما أوجب
стр. 305
فقول القائل: يعلم، معناه: يدرك الشيء على ما هو به مع سكون إليه، وقوله: يعقل، معناه يحصره بإدراك له عما لا يدركه، ولذلك جاز أن تقول: يعلم الله كذا، ولا يجوز أن تقول يعقل الله كذا، لأن العقل: الشد، والعاقل: الذي يحبس نفسه عما تدعو إليه الشهوات، ولا شهوة الله تعالى فيحبس عنها، فلذلك لا يقال الله عاقل، ويقال: عقل فلان الشيء وهو يعقله بمعنى حصره بإدراكه له عما لا يدركه، وشده بتميزه له عن غيره مما لا يدركه، وهذا لا يصح في حق الله تعالى.
стр. 306
فإذا كانت رتبة (يعلمون) زائدة على رتبة (يعقلون) فأخبر الله تعالى عن الكفار في سورة المائدة فقال (وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا أول كان آبائهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون) المائدة: ١٠٤ فبين أنهم ادعوا رتبة العلم بصحة ما كان آباءهم عليه، لأنهم قالوا: (حسبنا ما وجنا عليه آباءنا) ، ولفظة حسبنا تستعمل فيما يكفي في بابه ويغني عن غيره، فالمدرك للشيء إذا أدركه على ما هو به وسكنت نفسه إليه فذاك حسبه، فاستعمل لفظة يعملون ونفي عنهم النهاية لأنهم اعدوها بقولهم: حسبنا، فكأنهم قالوا: معنا علم سكنت نفوسنا إليه مما وجدنا عليه آباءنا من الدين، فنفى ما ادعوه بعينه وهو العلم.
والموضع الأول في سورة البقرة لم يحك عنهم فيه أنهم ادعوا تناهيهم في معرفة ما اتبعوا عليه آباءهم، بل كان قوله تعالى: (وإذ قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله
стр. 307
قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا..) البقرة: ١٧٠، ولم يدعوا أن ما ألفوا عليه آباءهم كان كافيهم وحسبهم، فاكتفى بنفي أدنى منازل العلم لتكون كل دعوى مقابلة بما هو بإزائها مما يبطلها والسلام.
стр. 308
١٥ الآية الخامسة عشرة
قوله تعالى في هذه السورة: (يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون * إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم) البقرة: ١٧٢-١٧٣.
وجاء في ثلاثة مواضع بعده: (وما أهل لغير الله به) :
أولها في سورة المائدة، (الآية: ٣)) حرمت علكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله
به..) .
والثاني في آخر سورة الأنعام" الآية: ١٤٥": (قل لا أجد فيها أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دم مفسوخا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله به..)
وفي سورة النحل" الآية: ١١٥" (إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به..) .
فجاء في المواضع الثلاثة (به) مؤخرة عن قوله (لغير الله) ، وفي الموضع الأول من سورة البقرة مقدمة على قوله (لغير الله) .
стр. 309
للسائل أن يسأل فيقول: لم أختلف الموضع الأول مع المواضع التي بعده؟
والجواب أن يقال: أما الموضع الأول فإنه جاء على الأصل الذي يقتضيه حكم اللفظ، لأن الباء التي يتعدى بها الفعل في هذا المكان من جملة الباءآت/ التي كحرف من نفس الفعل، تقول: ذهبت بزيد، ثم تقول: أذهبت زيدا، فتصير الباء كالهمزة المزيدة في بنية الفعل، فيجب لذلك أن تكون أحق بالتقديم، وما يتعدى إليه الفعل باللام لا تتنزل لأمة منزلة الحرف من نفس الفعل فصار قوله: (أهل بغير الله) بمنزلة ذبح لغير الله مسمى عليه اسم بعض الآلهة.
стр. 310
فلما كان هذا الأصل في الأول جرة الآية عليه، ولما كان الإهلال بالمذبوح لا يستنكر إلا إذا كان لغير الله، كان ما عدا الأصل بالتقديم المستنكر أحق وأولى.
ألا ترى أنهم يقدمون المفعول إذا كانوا ببيانه أعنى، فيقولون: ضرب زيدا عمرو، فيقدمون المفعول على الفاعل، لأن الاهتمام بأمره أتم، لأن هذا ينفي به ما في وهم متوهم، أو قول قائل: ضرب زيد محمد، فيقع الخلاف في المفعول لا في الفاعل، فيقول المنكر لذلك صحة ما عنده: ضرب عمرا زيد لا محمد، فإن ترك قوله: محمد كان مكتفيا عنه بتقديم المفعول.
стр. 311
وكذلك ما ينكره من الفضلات كالظرفين والحال، فقال المخاطب لو توهم: ضرب زيد عمرا اليوم، فقال المنكر: ضرب أمس زيد عمرا، فقدم" أمس" على الفاعل والمفعول به، لأنه هو الذي ينكره ويمنع أن يكون على ما توهمه، والباقي من الكلام ليس فيه ما يستنكره، فالعناية بتقديم ما يزيل الشك عنه أتم، وهو بالتقديم أحق، وكذلك قوله تعالى: (وما أهل لغير الله) مع قوله: (وما أهل لغير الله به) في هذه الآي الثلاث.
стр. 312
"١٦" الآية السادسة عشرة:
قوله تعالى: (.. فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم) " البقرة: ١٧٣".
وقال في سورة الأنعام: " الآية: ١٤٥": (.. فمن اضطر غير باع ولا عاد فإن ربك غفور رحيم) .
وقال في سورة النحل"١١٥": (.. فمن اضطر غير باع ولا عاد فإن الله غفور رحيم) .
للسائل أن يسأل فيقول: هل لاختلاف هذه الألفاظ التي أتعبت قوله: (فمن اضطر غير باع ولا عاد) معنى يخصص كل مكان باللفظ الذي اختص به؟ والجواب أن يقال: قصد الله تعالى في المواضع الثلاثة أن يبين للمضطر ما له أن يتناوله من المحرم الذي يمسكه به رمقة، فذكر في الموضعين الأخيرين: (فإن ربك غفور رحيم) و (فإن الله غفور رحيم) فكان تعريضا بمغفرته لمن اضطر إلى
стр. 313
تناول المحرم في حالته، والموضع الأول بدا فيه بصريح اللفظ في إسقاط الإثم فقال: (فلا إثم عليه) ثم عقبه بما اتصف به من المغفرة والرحمة.
وفي هذه الآي الثلاث سؤال آخر، وهو أنه قال في الأولى: (إن الله غفور رحيم) وفي الثانية: (فإن ربك غفور رحيم) وفي الثالثة: (فإن الله غفور رحيم) فهل لاختصاص الأول والأخير بذكر"الله" تعالى فائدة؟ ولاختصاصه في الآية الثانية بقوله: (فإن ربك غفور رحيم) وعدو له عن ذكر "الله" تعالى إلى ذكر/"ربك" فائدة تخصصه بمكانه؟
والجواب عن ذلك أن يقال: لكل موضع معنى يوجب اختصاص اللفظ الذي ذكر فيه، فأما الأول فلأنه لما قال: (يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون. إنما حرم عليكم..) .
стр. 314
كذا، كان بما قدمه مثبتا عليهم إلهيته، لأن الإله هو الذي تحق له العبادة بما له من النعمة، فلما قدم ذكر ما رزقهم منها وطالبهم بشكرها أتبعه بقوله: (إن كنتم إياه تعبدون) ، وختم الآية بأنه قال: (إن الله غفور رحيم) أي: إن من أنعم عليكم غاية النعمة واستحق بها غاية التعبد والتذلل هو الذي يغفر لكم عند الضرورة تناول ما حرم عليكم في حال الاختيار، رحيم بكم.
وكذلك الآية الثالثة مبينة على مثل هذا، لأن أولها: (فكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا واشكروا نعمة الله إن كنتم إياه تعبدون) "النحل: ١١٤" فكان مشبها لما قدمنا ذكره فقال: (فإن الله غفور رحيم) .
وأما الثانية فلأنه قدم ذكر أصناف ما خلقه الله تعالى لتربية الأجسام، فقال: (وهو الذي أنشأ جنات معروشات..) فذكر
стр. 315
الثمار والحب وأتبعه بذكر الحيوان من الإبل والبقر والغنم خص هذا الموضع بذكر" الرب" لأن الرب هو القائم بمصالح المربوب فكان هذا أليق بهذا المكان.
والله أعلم.
стр. 316
"١٧" الآية السابعة عشر:
قوله تعالى: (إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمنا قليلا أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار ولا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم) . " البقرة: ١٧٤".
وقال في سورة آل عمران" آية: ٧٧": (إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إلهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم) .
للسائل أن يسأل فيقول: إن الإخبار في الموضعين عن أهل الكتاب الذين كتموا ذكر النبي (من كتابهم المنزل عليهم من التورات والإنجيل، والتوعد في الموضعين مختلف، والكبير واحدة، فهل هناك معنى يوجب اختلاف الوعيد في المكانين.
الجواب أن يقال: الوعيد في كل مكان من المكانين حسب ما ذكر من عظيم الذنب وكبير الجرم، فقال في سورة "البقرة: ١٧٤": (إن الذين
стр. 317
يكتمون ما أنزل الله من الكتاب) فوصفهم بأنهم خالفوا الله في أمره ونقضوا ما قدم إليهم من عهده، حيث قال: (وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه..) "آل عمران: ١٨٧" فهؤلاء لم يبينوا وكتموا فخالفوا بارتكاب ما نهى الله عن ارتكابه وترك ما أمر الله بإتيانه ثم قال: (ويشترون به ثمنا قليلا) أي: نصيبا يسيرا من الدنيا، فجاء على هذا أغلظ الوعيد، وهو قوله: (أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار) أي: هذا الحظ اليسير الذي نالوه من الدنيا من مطعم ومشرب إنما هو نار في أجوافهم، ثم قال: (ولا يكلمهم الله يوم القيامة) أي: ليسوا ممن ترجى نجاتهم فيجيئهم من قبل الله كلام أو سلام كما قال في أوليائه: (تحيتهم يوم يلقونه سلام) " الأحزاب: ٤٤" ثم قال: (ولا يزكيهم) أي لا يطهرهم مكن الذنب الكفر بالعفو عنهم، (ولهم عذاب
стр. 318
أليم) ، ثم قال: (أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى) " البقرة: ١٧٥"، فكرر ذكر سوء اشترائهم ووعيدهم، وأنهم باعوا الإسلام بالكفر، واشتروا عذاب الله بالغفران، واقتحموا عذاب النار فعل من يعجب من صبره عليها.
فهذه أنواع كثيرة من التوعد اقترنت بما حصل من الذنب العظيم في كتمانه، والإعراض عن تبيين ما وجب بيانه.
الآية التي في سورة آل عمران لم يذكر في أولها من الذنوب التي ارتكبوها مثل ما ذكر في أول هذه الآية قال: (إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا..)
стр. 319
فكان هاهنا ذكر بعض ما ذكر في الآية الأولى وهو: (يشترون به ثمنا قليلا) فقرن به من الوعيد أقل مما قرنه بالآية الأولى،
وهو أن قال: (لا خلاق لهم في الآخرة) أي: لا نصيب لهم من الخير، (ولا يكلمهم الله) كما يكلم أولياءه (ولا ينظر إليهم) نظرة رحمة (ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم) .
стр. 320
"١٨" الآية الثامنة عشر:
قوله تعالى: (.. ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد تلك حدود الله فلا تقربوها..) " البقرة: ١٨٧".
وقال في موضع آخر من هذه السورة: (.. تلك حدود الله فلا تعتدوها..) " البقرة: ٢٢٩".
للسائل أن يسأل فيقول: كيف اختص الموضع الأول بقوله) فلا تقربوها) والموضع الثاني بقوله: (فلا تعتدوها) ؟
الجواب أن يقال: الأول خرج على أغلظ الوعيد كما قال: (ولا تقربا هذه الشجرة..) "البقرة: ٣٥"، وإنما كان نهي عن أكلها لا عن الدنو منها، فخرج مخرج قول القائل- إذا نهى عن الشيئ وشدد الأمر فيه -: لا تقرب هذا الشيئ، وما أحسن ما قال النبي في المنع من مقاربة الحرام: " من رتع حول الحمى
следующие страницы →