Полный текст (1 361 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
القوم المجرمين) (يونس: ١٤-١٥) فوصفهم بأنهم مجرمون عند تعليق الجزاء بهم.
وقال بعده: (ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعلمون. وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات..) (يونس: ١٤- إلى الموضع الذي أبطل فيه حجتهم ودفع سؤالهم وهو (..ائت بقرآن غير هذا أو بدله) يونس: ١٥ فقال تعالى: (إنه لا يفلح المجرمون) ليعلم أن هؤلاء سبيلهم في الضلال سبيل القوم الذين أخبر عن هلاكهم وقال: (كذلك نجزي القوم المجرمين) يونس: ١٣ ليوقع التسوية بينهم في الوصف كما أوقع التسوية بينهم في الوعيد.
стр. 492
٤٨ الآية السادسة منها
قوله تعالى: (ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا وإن يرو كل آية لا يؤمنوا بها حتى إذا جاؤوك يجادلونك يقول الذين كفروا إن هذا إلا أساطير الأولين) الأنعام: ٢٥.
وقال في سورة يونس ٤٢-٤٣: (ومنهم من يستمعون إليك أفأنت تسمع الصم ولو كانوا لا يعقلون* ومنهم من ينظر إليك أفأنت تهتدي العمى ولو كانوا لا يبصرون) .
للسائل أن يسأل عن قوله تعالى: (من يستمع إليك) في الآية الأولى، وتوحيد الضمير العائد إلى من حملا على فظها؟ وعن قوله: (من يستمعون إليك) في الآية الثانية، وجمع الضمير العائذ إلى من حملا على معناها؟ ولماذا اختص الأول بالتوحيد والثاني بالجمع؟ وهل كان يجوز في الختيار عكس ذلك في المكانين؟
والجواب أن يقال: إن لكل من الموضعين ما يوجب اختصاصه باللفظ الذي جاء فيه فأما قوله تعالى: (ومنهم من يستمع إليك وجعلنا كل قلوبهم أكنة أن
стр. 493
يفقهوه وفي آذانهم وقرا) ، فقد قيل فيه: إنه في قوم من الكفار كانوا يستمعون إلى النبي وإلى قراءته بالليل، فإذا عرفوا بها مكانه رجموه وآذوه ومنعوه من الصلاة خوفا من أن يسمعه منهم من تدعوه دواعي الحق فيسلم. وهذا قوم قليلي العدد يرصدونه ﵇ بالليل، وكان الله يمنعهم عنه
стр. 494
بنوم يلقيه عليهم، وحجاب يحجبه به عنهم لقوله تعالى: (وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا) الإسراء: ٤٥ فصار ذلك كالكنان على قلوبهم، وكالصم في آذانهم.
وأما قوله تعالى: (ومنهم من يستموعون إليك أفأنت تسمع الصم ولو كانوا لا يعقلون* ومنهم من ينظر إليك أفأنت تهدي العمي ولو كانوا لا يبصرون) الآيتين، فهو في كل الكفار الذين يستمعون مسموعا هو حجة عليهم، وهو القرآن ولا ينتفعون بسماعه، فكأنهم صم عنه.
فلما كانت من تصلح للواحد فما فوقه، ويجوز أن يعود الضمير إلى لفظه وهو لفظ الواحد وإلى معناه، وهو ما يراد به من الواحد أو اثنين أو ثلاث، واختلف
стр. 495
هذان المكانان في القلة والكثرة حملت في موضع القلة على حكم اللفظ، وعاد الضمير إليها بلفظ الواحد فقال: (ومنهم من يستمع إليك) وفي موضع الكثرة على حكم المعنى، وعاد الضمير إليها بلفظ الجمع، فقال: (ومنهم من يستمعون إليك) ليفاد بالاختلاف هذا المعنى، فلم يصلح في كل مكان إلا اللفظ الذ خصه مع القصد الذي ذكرت.
فإن قال قائل: فعلى هذا وجب في الاختيار: ومنهم من ينظرون إليك، لأنهم الأكثرون كالمستمعين؟
стр. 496
قلت: إن المستمعين لما كانوا محجوجين بما يستمعون من القرآن كانوا الأكثرين في الحجاج، وليس كذلك المنظور إليه، لأن الآيات التي رئيت بالعين لم تكثر كثرة آيات القرآن التي سمعت بالآذان، فباين السامعون الناظرين في الكثرة عند الحجاج، فلذلك عاد الضمير إليهم بلفظ الواحد.
стр. 497
٤٩ الآية السابعة منها
قوله تعالى: (قل أرأيتم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة أغير الله تدعون إن كنتم صادقين) الأنعام: ٤٠.
وقال بعدها: (قل أرأيتم إن أتاكم عذاب الله بغتة أو جهرة هل يهلك إلا القوم الظالمون) الأنعام: ٤٧.
فقال في هذين الموضعين: (أرأيتم) .
وقال في هذه السورة: (قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم وختم على قلوبكم من إله غير الله يأتيكم به) الأنعام: ٤٦.
وقال في سورة يونس: ٥٠: (قل أرأيتم إن أتاكم عذابه بياتا أو نهارا ماذا يستعجل منه المجرمون) .
للسائل أن يسأل فيقول: لأي معنى قال في الموضعين الأولين اللذين قدمنا ذكرهما: (أرأيتم) وفي الموضعين الأخريين: (أرأيتم) ، وهل كان الاختيار أن يكون أحدهما مكان الآخر أم لا.
стр. 498
فالجواب أن يقال: إن النحويين في قوله تعالى: (أريأتكم) على مذهبين:
أحدهما: مذهب أهل البصرة، وهو أن الكاف في أرأيتك زيدا عاقلا للخطاب كالكاف في أرأيتك زيدا عاقلا للخطاب كالكاف في ذلك وليست باسم، ويقولون للاثنين: أرأيتكما زيدا عاقلا،
стр. 499
وللجماعة أرأيتكم زيدا عاقلا، وأرأيتك زيدا عاقلا؟ بمعنى: أعلمته عاقلا؟ والتاء لا تتغير عن الفتح، وهي علامة الضمير دون الكاف، واكتفى بتثنية الكاف وجمعها عن تثنية التاء وجمعها.
ومن مذهب أهل الكوفة في الآيتين أن التاء اسم، والكاف اسم مضمر، والتقدير: أرأيتم أنفسكم إن أتاكم عذاب الله. والتاء موحدة اللفظ مع الكاف التي تختلف باختلاف المخاطبين اكتفاء باختلافها عن اختلاء التاء.
стр. 500
ولا اتخلاف في ترادف الخطابين التاء والكاف على المذهبين، ولا يترادفان إلا عند المبالغة في التنبيه، والمبالغة فيه هو أن يعلم المخاطب أنه لا تنبيه بعد.
وما يتصل بقوله: (أرأيتكم) في الموضعين كلام يدل على ما إذا وقع لم ينفع عنده الزجر والتنبيه.
وما يتصل بقوله: (أرأيتكم) في الموضعين كلام يدل على ما إذا وقع لم ينفع عنده الزجر والتنبيه.
ألا تراه يقول: (أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة أغير الله تدعون..) وعند إتيان العذاب وقيام الساعة لا ينفع الانتباه ولا يقع التنبيه وأرأيتكم فعل متعد إلى مفعولين، والجملة التي هي: (إن أتاكم عذاب الله) مضمنة مفعوليه.
стр. 501
وكذلك قوله: (أرأيتم إن أتاكم عذاب الله بغتة أو جهرة هل يهلك إلا القوم الظالمون) معناه: أعلمتم إن أتاكم العذاب مفاجأة من حيث لا يعلم، أو عيانا من حيث يشاهد، هل يهلك عنده إلا القوم الظالمون، وهم المخاطبون، أي هل يهلك غيركم؟ .
فلما علق ب أرأيتكم جملة تتضمن مفعوليها، معنى الجملة تناهي الأمر في تخويفهم بالخشونة إلى حيث ينقطع التنبيه عندها، كان هذا الموضع أحق المواضع بالمبالغة فيه لمرادفة التنبيه، فلذلك
أتى بالتاء والكاف التين لا تخلوان من الخطاب على مذهبين.
стр. 502
على أن مذهب الكوفيين في الآيتين صحيح محتمل، الآية الأولى تقديرها: أرأيتم أنفسكم داعية غير الله إن أتاكم عذاب الله؟
والآية الثانية تقديرها: أرأيتم أنفسكم غير هالكة إن أتاكم عذاب الله بغتة أو جهرة؟ وأرأيتم أنفسكم هل يهلك غيرها؟ لأنهم هم الظالمون.
أما الآيتين الأخريان اللتان اقتصر فيهما على أرأيتم ولم يترادف في كل واحدة منهما الخطابان الدالان على التناهي في التنبيه إلى حيث لا تنبيه
стр. 503
بعده بذكر ما يفزعون به وينذرون قرب حلوله، فلأن الجملتين بعدهما لم تتضمنا من المبالغة فيما يحذرون ما ينقطع التنبيه عنده.
أما الأولى فقوله (قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم وختم على قلوبكم من إله غير الله يأتيكم به) أي: أعلمتم إن سلبكم الله صحة ما تحسون به المشاهدات، وتعلمون به المغيبات إلها غير الله يردها عليكم؟ وليس هذا استئصالا كما في الآيتين المتقدمتين.
وأما قوله: (أرأيتم إن أتاكم عذابه بياتا أو نهارا ماذا يستعجل منه المجرمون) فلأن قبله: (ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين) يونس: ٤٨. مخبرا أنهم استعجلوا العذاب وقيام الساعة فنزلوا منزلة من لا يخافون ما أوعدوا به، ولذلك قال: (ماذا يستعجل منه المجرمون) فلم يكن فيه صريح الاستئصال والإفصاح بالهلاك، فكأنه لم يبلغ حدا لا مزيد للتنبيه فيه، بل هم في تلك الحال
стр. 504
أحوج ما كانوا إلى الزجر، إذ لم يبلغ منتهاه، كما بلغ في اللآيتين الأخريين، يستعجلون هلاكهم ولا يعلمون ومعناه: أعلموا هم طالبين هلاك أنفسهم ما يستعجلونه من نزل عذاب الله بهم؟
فقد بان هذا الفرق بين الآيات وما ترادفت فيه علامتا الخطاب وغيره مما جرى على أصل الكلام والعلم عند الله تعالى.
стр. 505
٥٠ الآية الثامنة منها
قوله : (وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا وغرتهم الحياة الدنيا..) الأنعام: ٧٠.
وقال في سورة الأعراف ٥٠-٥١: (قالوا إن الله حرمهما على الكافرين* الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعبا وغرتهم الحياة الدنيا..)
وقال في سورة العنكبوت ٦٤ (وما هذه الحياة الدنيا إلا لهم ولعب) فقدم اللهو على اللعبفي هاتين الآيتين.
وجاء في سورة الحديد٢٠: (اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة) فقدم اللعب هنا على اللهو
كما قدمه في سورة الأنعام.
للسائل أن يسأل فيقول: إذ كانت الواو للجمع بين الشيئين والأشياء بلا ترتيب، فهل لتقديم أحد الاسمين على الآخر في موضع دون موضع، وتقديم الآخر
стр. 506
عليه في غير ذلك الموضع فائدة تخصه أم كان جائزا في كل مكان تقديم أيهما شاء المتكلم لا لغرض يخصه؟
فالجواب أن يقال: إن الآية الأولى التي في سورة الأنعام في قوم من الكفار، كانوا إذا سمعوا آيات الله هزلوا عندها واستهزأوا بها، فهذا اتخاذهم دين الله لعبا، وهو كما قال في آية أخرى: (وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر ويستهزأ بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم..) النساء: ١٤٠.
стр. 507
وقوله (وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا..) كقوله: (..فلا تقعدوا معهم..) النساء ١٤٠ فهؤلاء قوم حضروا النبي وسمعوا القرآن، وعبثوا عند سماعه ولعبوا بآياته، وأجروها مجرى أفعال يستروح إليها، ولا نفع في عقباها، ثم شغلوا بدنياهم عن تدبرها وألهتهم حلاوتها عن الفكر في صحتها، فأول أفعالهم لعب، وثانيها لهو، واللعب فعل في غاية الجهل تتعجل منه مسرة
واللهو قال فيه صاحب العين: ما شغل الإنسان من هوى وطرب.
فهؤلاء لما فعلوا عند سماع القرآن من الاستهزاء والعبث أطلق على فعلهم اسم اللعب، ثم شغلوا عنه باستحلاء الدنيا كان هذا لهوا منهم بعد اللعب وكان أول دينهم لعبا وما بعده لهوا، فلذلك قدم لعب على لهو في هذه الآية.
стр. 508
وأما قوله في سورة الأعراف: (ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله قالوا إن الله حرمهما على الكافرين* الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعبا..) الأعراف: ٥٠-٥١، وتقديم اللهو على اللعب في هذه الآية فلأن الكافرين هنا لعامة الكفار، غير مختص بمن سمع الآيات، فقدم فعل أكثرهم على فعل أقلهم، وهم الذين شغلتهم الحياة الدنيا وحلاوتها، والولاية وغباوتها، واستحلاء ما مرنت عليه طباعها، وهذا هو اللهو.
ثم كانت أفعالهم التي اقتدوا فيها بآبائهم لما طابت لهم ولم يجدوا في العاقبة نفعا عليهم كاللعب الذي ينطوي على أفعال تبطل في الآجل وإن سرت في العاجل، وهذا بعد الأول.
وأكثر الكفار دأبهم اللهو وإن شغلتهم الحال التي استصحبوها عن الفكر
стр. 509
فيما يطرأ عليها فوجب لهذا تقديم ذكر اللهو لوجهين: لتقدمه على ما هو كالعب ولأنه أكثرهم. واللعب الذي أريد به في الآية الأولى فعل أقلهم وهو هناك أول ما رد به ما جاء به الرسول ﷺ .
وأما قوله تعالى في سورة الحديد: (اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد..) ، وتقديم اللعب فيع على اللهو فلأن معناه: الحياة الدنيا لمن اشتغل بها ولم يتعب لغيرها من أعمال الآخرة مقسومة من الصبا، وهو وقت اللعب، وبعده اللهو، وهو الترويح عن النفس بملاعبة النساء ويتبع ذلك أخذ الزينة لهن ولغيرهم، ومن أخذ الزينة تنشأ مباهاة الأكفاء ومفاخرة الأشكال والنظراء، ثم بعده المكاثرة بالأموال
стр. 510
والأولاد، فترتيب الحياة على هذه الأحوال يوجب تقديم حال اللعب على حال اللهو.
واللهو إذا أطلق في كلامهم فهو اجتلاب المسرة بمخالطة النساء، ولذلك قال امرؤ القيس:
ألا زعمت بسباسة اليوم انني كبرت وألا يحسن اللهو أمثالي
стр. 511
وقال الآخر:
لهونا بمنجول البراقع حقبة فما بال دهر لزنا بالوصاوص
وقيل في قوله تعالى (وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين* لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا إن كنا فاعلين) الأنبياء: ١٦-١٧.
قيل في تفسير الهو: المرأة، وقال قتادة: اللهو بلغة أهل اليمن: المرأة أي: لفعلناه من حيث يختص بعلمنا، فلا يطلع عليه غيرنا، تعالى الله عن الصاحبة والولد، فعلى هذا سميت المرأة لهوا باسم الفعل لكثرة ما يقع ذلك بها.
стр. 512
وأما قوله تعالى في سورة العنكبوت ٦٤: (وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب وغن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون) ، فليس المراد به أن الحياة الدنيا كلها لهو ولعب، وليست شيئا غيرها، لقوله: ما هي إلا هما، لأنه لو كان المراد هذا لكان لقائل أن يقول: ما هذه الحياة الدنيا إلا خوف وحزن، فالخوف اضطراب القلب لتوقع مكروه، والحزن ألمه لفقد محبوب ثم إن هذه الحياة تنطوي على أنواع من عبادة الله تعالى وعلى تلاوة كتابة، وعلى ما يكسب رضي الله ، ويوجب ثوابه الدائم، فكيف يقال فيما يتضمن كل هذه الخيرات: ليس هو إلا لهوا ولعبا، بل المراد: المبالغة في وصف قصر مدة الدنيا بالإضافة إلى مدة الأخرى، فكأنه قال: ما أمد الحياة الدنيا إلا كأمد أزمنة اللهو
стр. 513
واللعب، فهي أزمنة لشغل النفس بحلاوة ما يتعجل كما قال القائل:
شهور ينقضين وما شعرنا بأنصاف لهن ولا سرار وقال آخر:
وليلة إحدى الليالي الزهر لم تك غير شفق وفجر
والدليل على أن المراد هذا ذكرت قبل، وما ذكروه الله تعالى بعد من قوله : (وإن الدار
الآخرة لهي الحيوان) العنكبوت: ٦٤ أي: أن حياتها تبقى أبدا، ولا تعزب أمدا. وإنما قدم الله على اللعب هنا، لأن الأزمنة التي يقصرها الله أكثر من الأزمنة التي يقصرها اللعب، لأن التشاغل به أكثر.
стр. 514
فلما كان معظم ما يستقصر وجب تقديم ما يكثر على ما هو دونه في الكثرة، لأن ذلك آخذ بالشبه، وأبلغ في وصف المشبه، ولا خلاف أن الناس أزمنة المشغولة باللهو أكثر من أزمنتهم المشغولة باللعب، وإن طيبها لهم يخيل قصرها إليهم، ويتفاوت طيبها على حسب تفاوت ميل النفس إلى محبوبها.
فمعظم ما يرى الزمان الطويل قصيرا زمان اللهو بالنساء، وهو الذي نشأت منه فتنة الرجال وهلاك أهل الحب فهذا الكلام في هذه الآي والسلام.
стр. 515
٥١ الآية التاسعة منها
قوله تعالى: (إن الله فالق الحب والنوى يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي) الأنعام: ٩٥.
وقال في سور أخر قبلها وبعدها: (يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي) الروم: ١٩.
للسائل أن يسأل فيقول: لم عطف الاسم على لفظ الفعل ولم يعطف عليه لفظ الفعل، كما قال في السور الأخر؟ وإذا عطف عليه بلفظ الاسم وهو (مخرج الميت من الحي) ، هلا ذكر اللفظ الأول بالاسم فيقول: مخرج الحي من الميت، فما الفائدة في ذلك؟ وما الفرق بينها وبين الآي الأخر؟
стр. 516
والجواب أن يقال: إن أول هذه الآية ذكر بلفظ الاسم وهو (فالق الحب والنوى) فكان اللائق به أن يقال: ومخرج الحي من الميت ولكنه لما اجتمع ثلاثة حروف من حروف العلة دفعة واحدة، وهي: الواو من النوى والياء من النوى والواو من مخرج وهي واو العطف، ونقل عن لفظ الاسم إلى لفظ الفعل لما كان يخرج ومخرج بمعنى واحد، فقال: (يخرج الحي من الميت) فجعل الجملة وهي: (يخرج الحي من الميت) خبر الابتداء، كما تقول: إن زيدا ضارب عمرو يكرم بكرا، ومكرم جعفرا، فهذا أفصح من أن تقول: إن زيدا ضارب عمرو، ومكرم بكر، ومكرم جعفر، فلهذا المعنى قال: (يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي) .
стр. 517
فلما انتهى إلى العاطف من قرينه لم تكن فيه تلك العلة التي كانت في المعطوف عليه فأجري على ما أجري عليه اول الآيى، وهو: (فالق الحب) وما بعده: (فالق الاصباح وجعل الليل ساكنا) الأنعام: ٩٦، وعاد إلى لفظ الاسم وهو: (ومخرج الميت من الحي) ، وعطفه على (فالق الحب) ،
وليس في الآي الأخر ما في هذه الآية قبلها وبعدها من الاسمية، فذكر فيها على لفظ الفعل عاطفها ومعطوفها فبان الفرق بينهما على ما بينت.
стр. 518
والله أعلم.
стр. 519
٥٢ الآية العاشرة منها
قوله تعالى: (قد فصلنا الآيات لقوم يعلمون) الأنعام: ٩٧.
والآية الثانية بعدها: (قد فصلنا الآيات لقوم يفقهون) الأنعام: ٩٨.
والآية الثالثة: (.. إن في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون) الأنعام: ٩٩.
للسائل أن يسأل فيقول: ما الذي أوجب في اختيار الكلام أن يقال في الأولى يعلمون وفي الثانية يفقهون وفي الثالثة يؤمنون؟ وهل صلح بعض ذلك مكان بعض أم في كل معنى يخض اللفظ الذي جاء عليه؟ .
فالجواب أن يقال: إن قوله تعالى: (قد فصلنا الآيات لقوم يعلمون) جاء بعد آيات نبهت على معرفة الله تعالى، وهي من قوله تعالى: (إن الله فالق الحب والنوى..) إلى قوله: (وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر
стр. 520
والبحر ... ) الأنعام: ٩٥-٩٧ فكان جميع ذلك دالا على العلم بالله تعالى وبوحدانيته، وهو أشرف معلوم.
ولا لفظ من ألفاظ يعلمون ويعقلون ويفقهون ويشعرون إلا ولفظة يعلمون أعلى منه، ولذلك صحت في الخبر عن الله تعالى ولميصح فيه غيرها من الألفاظ التي ذكرت فلما كان المعلوم أشرف المعلوم المعلومات عبر عن الآيات التي نصبت للدلالة عليه باللفظ الأشرف.
وأما ما استعمل في يفقهون فهو بعد قوله: (وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة فمستقر ومستودع.) الأنعام: ٩٨ فأخبر عن ابتدائه الإنسان وإنشائه إياه، ثم نبهه بما أراه من تنقله من حال إلى حال، من عدم إلى
стр. 521
وجود، ومن مكان إلى مكان، ومن صلب إلى رحب، ومن بطن أم إلى وجه الأرض، ومن وجه الأرض إلى بطنها، على أنه كما نقل من موت إلى حياة، ومن حياة إلى موت، كذلك ينقل من الموت إلى الحياة، ومن القبر إلى المحشر، ومنه إلى إحدى الدارين، لأن الاستيداع في الدنيا، والمستقر في العقبى كما نقل
стр. 522
في التفاسير فنطقت تلك الأحوال الحادثة لمن يفهمها ويفطن لها، ويستدل بمشاهدها على مغيبها أن بعد الموت بعثا وحشرا وثوابا وعقابا، وهذا مما يفطن له، فـ يفقهون أولى به.
وأما قوله تعالى: إن في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون، الأنعام: ٩٩، بعد ما عد نعمه على خلقه، وما وسعه من رزقه من الحب المعد للأقوات، ومن ضروب الأشجار وصنوف الثمار، وكان هذا
مستدعيا للإيمان، المشتمل على شكر نعمته، والقيام بما فرض من طاعته،
стр. 523
وأوجب من عبادته، كانت الآيات في ذلك معرضة لمن آمن بالله، فلذلك قال في الأخير، إن في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون، والله أعلم.
стр. 524
٥٣ الآية الحادية عشر منها:
قوله تعالى: ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه وهو على كل شيء وكيل، الأنعام: ١٠٢.
وقال في سورة المؤمن ٦٢: ذلكم الله ربكم خالق كل شيء لا إله إلا هو فأنى تؤفكون.
للسائل أن يسأل فيقو: لماذا في سورة الأنعام لا إله إلا هو على قوله: خالق كل شيء، وقدم في سورة المؤمن،: خالق كل شيء، على قوله تعالى: لا إله إلا هو؟
والجواب أن يقال: لأن ما في هذه السورة جاء بعد قوله تعالى: وجعلوا الله شركاء الجن وخلقكم وخرقوا له بنين وبنات بغير علم، الأنعام: ١٠٠، فلما قال: ذلكم الله ربكم، أتى بعده بما يدفع قول من جعل لله شريكا، فقال: لا إله إلا هو، ثم قال: خالق كل شيء.
стр. 525
وفي سورة المؤمن جاء هذا بعد قوله تعالى: لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون، غافر: ٥٧ فكان الكلام على تثبيت خلق الإنسان، لا على نفي الشريك عنه هنا، كما كان في الآية الأولى فكان تقديم خالق كل شيء هاهنا أولى. والله أعلم.
стр. 526
٥٤ الآية الثانية عشرة منها:
قوله تعالى: ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون، الأنعام: ١١٢، وقال بعده: ولو شاء الله ما فعلوه فذرهم وما يفترون، الأنعام: ١٣٧.
للسائل أن يسأل فيقول: كيف قال: وقال ربك، في الأولى، وفي الثانية ولو شاء الله؟ وهل في المكانين ما يوجب اختلاف الاسمين؟
والجواب أن يقال: إن الأولى قبلها: وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا، الأنعام: ١١٢، أي: كا للأنبياء قبلك من قبل العدو من الإنس والجن، ولو شاء من رباك وربك وقام بمصالحك لألجأهم إلى موافقتك وترك مخالفتك،
стр. 527
كان من يقوم بتربيتك يحجزهم عم مضرتك، وأن يظفروا بمرادهم من عداوتك فقد تضمن قوله ربك هذا المعنى.
وقوله في الآية الأخرى: ولو شاء الله ما فعلوه جاء بعد قوله تعالى: وجعلوا لله مما ذرأ من
الحرث والأنعام نصيبا، الأنعام: ١٣٦، فأخبر أنهم أقاموا لله الذي يحق إفراده بالعبادة شركاء ولو شاء الله أي: ولو شاء من نعمته عليهم نعمة توجب التأله إلا يعبدوا سواه ما تمكنوا من فعله، فهذا موضع لم يلق به إلا الإسم الذي يفيد معنى فيه حجة عليهم دون غيره من ألسماء فأفاد كل اسم من الإسمين في مكانه ما لم يكن ليستفاد بغيره.
стр. 528
والله أعلم.
стр. 529
٥٥ الآية الثالثة عشرة منها:
قوله تعالى: إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين، الأنعام: ١١٧.
وفي سورة القلم: ٧: (إن ربك هو أعلم بمن ظل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين) .
للسائل أن يسأل عن الفرق بين اللفظين، وحذف الباء وإثباتها، وهل كان يصح ما في سورة القلم أن يكون في سورة الأنعام، وما في سورة الأنعام أن يكون مكانها؟
والجواب أن يقال: إن مكان كل واحد يقتضي ما وقع فيه، وبين اللفظين فرق في المعنى يوجب اختصاص اللفظ الذي جاء له بمكانه.
فقوله: (إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله) معناه: الله أعلم أي المأمورين يضل عن سبيله، أزيد أم عمرو؟ وهذا المعنى يقتضيه ما تقدم
стр. 530
هذه الآية وما جاء بعدها مما تعلق بها، فالذي قبلها: (وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله..) الأنعام: ١١٦ أي: إن تطع الكفار يضلوك عن طاعة الله وعبادته، ثم أخبر أنه يعلم من الذين يغوونه ويضلونه ومن الذين لا يتمكنون من إضلاله؟ ولعد هذه الآية: (وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله..) الأنعام: ١١٩.
وأما قوله: (إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله) فمعناه غير معنى الآية الأولى أي: الله أعلم بأحوال من ضل، كيف كان ابتداء ضلاله،
следующие страницы →