← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 1340

درة التنزيل وغرة التأويل

الخطيب الإسكافي

Полный текст (1 361 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

بما أنزل الله، قال فيه من حكيت عنه قوله من المتقدمين أنه بمعنى الذي. والذي أذهب إليه أنا: أن من هاهنا بمعنى المجازماة، لا بمعنى الذي كما تقول فيمن لم يحكم/ بما أنزل لله منا، إنه لا يبلغ منزلة الكفر، وإنما يوصف بالفسق، فلذلك قال: فأولئك هم الفاسقون. فقد بان أن كل موضع من الآيات الثلاث أخبر فيه عن المذكورين قبل: بالكفر والظلم والفسق، إنما وجب فيه

стр. 457

النصارى، وعلى ضوء ذلك ذكر مناسبة ختم الأولى بالكافرين، وختم الثانية بالظالمين ولم يذكر مناسبة ختم الآية الثالثة بالفاسقين لوضوحها والله أعلم لأنه تقدم قوله تعالى: وليحكم وهو أمر، فناسب ذكر الفسق لأن من يخرج عن أمر الله تعالى يكون فاسقا كما قال تعالى: وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه، الكهف: ٥٠، أي خرج عن طاعة أمره تعالى، ينظر البحر المحيط لأبي حيان. وما ذهب إليه المؤلف ﵀ من أن هذه الآيات الثلاث في أهل الكتاب هو رأي جمع من المفسرين كأبي صالح والضحاك وعكرمة، وهو اختيار الطبري في تفسيره، والنحاس في كتابه إعراب القرآن، وهناك أقوال أخرى ذكرها المفسرون، والراجح، وإن كان السياق في أهل الكتاب أن ظاهر هذه الآيات: العموم، وإلى ذلك ذهب ابن مسعود وإبراهيم النخعي والحسن، لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فكل من استحل الحكم بغير ما أنزل الله جاحدا به فهو كافر. وأما من لم يحكم بما أنزل الله وهو مقر تارك الظالم الفاسق. قال الطبري في تفسيره: فإن قائل الله تعالى ذكره قد عم بالخير بذلك عن جميع من لم يحكم بما أنزل الله، فكيف جعلته خاصا؟ قيل: إن الله تعالى عم بالخبر بذلك عن قوم كانوا بحكم الله الذي حكم به في كتابه جاحدين، فأخبر عنهم أنهم بتركهم الحكم على سبيل ما تركوه، كافرون، وكذلك القول في كل من لم يحكم بما أنزل الله جاحدا به، هو بالله كافر، كما قال ابن عباس، لأنه بجحده حكم الله بعد علمه أنه أنزله في كتابه نظير نبوة نبيه بعد علمه أنه نبي. قال الآلوسي ﵀ في تفسيره ولعل الله تعالى وصفهم بالأوصاف الثلاث باعتبارات مختلفة، فالانكارهم ذلك وصفوا بالكافرين، ولوضعهم الحكم في غير موضعه وصفوا بالظالمين، ولخروجهم عن الحق وصفوا بالفاسقين، وهو أي الآلوسي يرى أيضا أن الخطاب يشمل اليهود وغيرهم فيقول: والوجه أن هذا كالخطاب عام لليهود وغيرهم، وهو مخرج مخرج التغليظ

стр. 458

ذاك، ولم يحسن فيه غيره هناك، فاعلمه.

стр. 459

٤٢، الآية السابعة منها قوله تعالى: قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك الفوز العظيم، المائدة ١١٩ وقال في سورة براءة ٨٨-٨٩ (لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم وأولئك لهم الخيرات وأولئك هم المفلحون، أعد الله لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك الفوز العظيم) . وقال بعده: والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم، التوبة: ١٠٠ وقال في سورة النساء: ١٣، (ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم) ، وكان حقها أن تذكر في موضعها، لكي لم تحضرني هناك فذكرتها مع أخواتها، وإن كان ذكرها مقدما في القرآن. وقال في سورة الحديد ١٢، (بشراكم اليوم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك هو الفوز العظيم) .

стр. 460

وفي المجادلة ٢٢: (أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون) . وقال في سورة الطلاق١١: (ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا) . للسائل أن يسأل عن مسائل فيقول: لم لم يذكر في سورة براءة في الآية الثانية في قوله: (تحتها الأنهار) لفظة من في قراءة الأكثرين، وقد ذكر في الآي الأخرى؟

стр. 461

والثاني: لم حذف (ابدأ) في بعض المواضع ولم يحذف في بعضها؟ والثالث: لم ذكر في سورة النساء ١٣: (وذلك الفوز العظيم) وفي سورة الحديد١٢: (ذلك الفوز العظيم) وفي غيرهما (ذلك الفوز العظيم) ؟ ولجواب عنه أن يقال: إن الآية الأولى وهي قوله تعالى (هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم) وإن كانت عامة في كل صادق مؤمن فإنها خرجت على يبكت الله به النصارى من دعاويهم الباطلة، ومقالاتهم الكاذبة منسوبة إلى عيسى ﵇ في قوله (وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله..) المائدة: ١١٦ فانكشف هذا عن صدقه ﵇، وكذب القوم لما أجاب وقال: (ما قلت لهم إلا ما أمرتني به) المائدة: ١١٧، فلفظة الصادقين في قوله: (هذا يوم ينفع الصادقين

стр. 462

صدقهم) أي: الذين صدقوا في الدنيا، ينفعهم اليوم صدقهم. والصادقون يجوز أن يكون منصرفا إلى عيسى وأمثاله من الأنبياء صلوات الله عليهم لقوله عز وجل: (بل جاء بالحق وصدق المرسلين) الصافات: ٣٧ أي قال: هم الصادقون، فتكون الإشارة بالألف واللام إليهم صلوات الله عليهم، وإن كان كل صادق داخلا في حكمهم من الانتفاع بصدقه. وكذلك الآية التي في آخر المجادلة خرجت على ذكر الرسل لقوله تعالى: (كتب الله لألغبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز) المجادلة: ٢١ ثم قال: (أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار) ثم قال: (أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون) المجادلة: ٢٢ فكان الذين أخبر الله عنهم بأن لهم جنات تجري من تحتها الأنهار: الأنبياء وغيرهم صلوات الله عليهم.

стр. 463

ومن لابتداء الغاية، والأنهار مباديها أشرف، والجنات التي مبادء الأنهار من تحت أشجارها أشرف من غيرها. فكل موضع ذكر فيه (من تحتها) إنما هو عام لقوم فيهم الأنبياء، والموضع الذي لم يذكر فيه من إنما هو لقوم مخصوصين، ليس فيهم الأنبياء ﵈ ألا ترى إلى قوله تعالى في سورة براءة، والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا. فجعل مبادئ الأنهار تحت جنات أخبر الله أنها للصادقين والمؤمنين والذين عملوا الصالحات، وفيهم الأنبياء ﵈، بل هم أولهم، والمعتاد أنها أشرف الأنهار. والآية التي في سورة المجادلة فيها الأنبياء ﵈ والآية التي في سورة براءة قد خرج الأنبياء عنها، لأن اللفظ لم يشتمل عليهم، فلم يخبر عن

стр. 464

جناتهم بأن أشرف الأنهار على مجرى العادة في الدنيا تحت اشجارها كما أخبر به عن الجنات التي جعلها الله لجماعة خيارهم الأنبياء ﵈، إذ لا موضع في القرآن ذكرت فيه الجنات وجري الأنهار تحتها إلا ودخلتها من سوى الموضع الذي لم ينطو ذكر الموعودين فيه على الأنبياء ﵈، فهذا الكلام في من تحتها، اعتبروا بما ذكرت ما جميع القرآن. وأما الجواب عن حذف أبدا في بعضها والاتيان في بعضها فهو أنها إنما حذفت عن أولى الآيتين اللتين في براءة آية في سورة

стр. 465

المجادلة، لأنه ذكر قبل الآية التي في سورة براءة، وأولئك لهم الخيرات وأولئك هم المفلحون، وبعد الآية التي في آخر سورة المجادلة رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا أن حزب الله هم المفلحون فاستغنى بذكر خالدين عن ذكر قوله أبدا في هاتين الآيتين من فلاحهم وثناء الله عليهم لما طال الكلام. وأما في سورة النساء فإنها لمك تذكر أبدا لأنه بعده في مقابلة خالدين فيها قوله خالدا فيها ولم يقل أبدا فلو ذكر فيهما أبدا لطال الكلام، فاستغنى بقوله خالدين وخالدا فيهما عن ابدا. وأما في سورة الحديد فلأنه ذكر قبله يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين ايديهم وبأيمانهم بشراكم اليوم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها

стр. 466

ذلك هو الفوز العظيم، الحديد، فلما طال الكلام في مدحهم وذكر بعد ذلك تأكيدا بقول الله تعالى هو استغنى بقوله خالدين عن ابدا. وهذا الجواب عن إدخال هو بعد ذلك لأنه ذكر ذلك بدلا وتأكيدا عن أبدا وليس كذلك في المواضع الآخر. وأما إدخال الواو في قوله وذلك الفوز العظيم في سورة النساء المحذوف أبدا عنه فلإدخال الوار في قرينة الكافر وله عذاب

стр. 467

مهين، النساء، فأدخل الواو فيه، أي وذلك لهم الفوز العظيم وليس كذلك في المواضع الآخر، إذا قرآت ما قبلها وما بعدها تبين لك ما قلت فارفه. انقضت سورة المائدة عن سبع آيات فيها ثماني مسائل.

стр. 468

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة الأنعام الآية الأولى منها قوله : فقد كذبوا بالحق لما جاءهم فسوف أتيهم أنباء ما كانوا به يستهزءون، الأنعام: ٥ وقال في سورة الشعراء: فقد كذبوا فسيأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزءون. للسائل أن يسأل فيقول: قد ذكر في الآية التي في الأنعام ما كذبوا به وهو الحق لما جاءهم وقال، فسوف يأتيهم، وفي سورة الشعراء لم يذكر ما كذبوا به، وجعل بدل سوف السين، فهل كان يجوز أحدهما مكان الآخر؟ فالجواب أن يقال إن الآية والأولى قد وفي المعنى فيها حقه من اللفظ، لأنها سابقة للثانية وإن كانتا مكيتين فاشبعت ألفاظ الأولى مستوفية لمعناها.

стр. 469

وفي الآية الثانية اعتمد على الاختصار لما سبق في الأولى من البيان اقتصر على قوله كذبوا وهذا اللفظ إذا أطلق كان لمن كذب بالحق، ألا ترى قوله ويل يومئذ للمكذبين المرسلات وإذا قيد جاز أن يقول: كذب وكذب الصدق، وكذب مسيلمة وكذب النبي ﷺ ، إلا أنه إذا عري عن التقييد لم يصح إلا لمن كذب بالحق، فصار قوله تعالى في الشعراء من هذا القبيل بعد البيان الذي سبق في سورة الأنعام. ولما بنيت هذه الثانية على الاختصار والاكتفاء بالقليل من الكثير جعل فيها بدل سوف السيف وحدها، وهي مؤدية معناها. ومن النحويين من ذهب إلى أنها من سوف وإن كان ذلك عندنا

стр. 470

ليس بصحيح. الآية الثانية: قوله متصلا بالآية التي تقدم ذكرها: ألم يرو كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم. الأنعام. وقال في سورة الشعراء متصلا بذلك بتلك الآية التي ذكرنا: أو لم يروا إلى الأرض كم أنبتنا فيها من زل زوج كريم، الشعراء ٧ للسائل أن يسأل فيقول: ما با الألف في الأية الأولى دخلت على لم وفي الآية الثانية دخلت على ولم فكان بين الألف ولم واو العطف ولم يكن في سورة الأنعام؟ وما الفصل بين ألم وألأو فهل ما في الشعراء مكان ما في سورة الأنعام أم لا.

стр. 471

والجواب أن يقال: إن الألف تدخل على واو العطف في الاستخبار والإنكار والتقريع على تقدير أن تكون الجملة التي فيها الواو معطوفة على الكلام مثلها يقتضيها وذلك كقولك لقائل: هل رأيت زيدا ثمة؟ أو زيد؟ ممن يكون ثمة فصورته بصورة من ثبت ذلك عنده أو قاله، فاستفهمه وعطفت على ما توهمت أنه في علمه أو وهمه.

стр. 472

فكل موضع فيه بعد ألف الإنكار واو ففيه تبكيت على ما يسهل الطريق إلى ما بعد الواو، فالاعتبار به لكثرة أمثاله كقوله تعالى: أو لم يروا إلى الأرض كم أنبتنا فيها من كل زوج كريم، كأن قائلا قال: كذبوا الرسول وغفلوا عن الفكر والتدبر فقد فعلوا ذلك ولم ينظروا إلى المشاهدات التي تنبه الفكر فيها من الغفلة. وكذلك قوله تعالى: ولقد كذب الذين من قبلهم فكيف كان نكير أو لم يروا إى الطير فوقهم صافات، الملك، ١٨/١٩. كأنه قال: كذبوا ولم ينظروا إلى ما يردع عن الغفلة من الفكر في المشاهدات. وكذلك قوله: أو لم يروا إلى ما خلق الله من شيء يتقيأ ظلاله عن اليمين والشمائل سجدا لله وهم داخرون، النحل: ٤٨، لأن ذلك مشاهد. وكل ما فيه واو مثل أولم يروا فهو تنبيه على ما تقدمه في التقدير أمثال منبهةو لكثرتها، فالتكبيت فيه أعظم، هذا كله في المشاهد وما في حكمه.

стр. 473

وما ليس فيه واو مثل ألم يروا فهو مما لم يقدر قبله ما يعطف عليه ما بعده، لأنه من باب ما لا يكثر مثله، وذلك فيما يؤدي إلى علمه الاستدلالات كقوله تعالى في سورة الأنعام: ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكانهم في الأرض ما لم نمكن لكم وأرسلنا السماء عليهم مدرارا وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم فأهلكناهم بذنوبهم، الأنعام: ٦ وهذا مما لم يشاهدوه ولكن علموه. وكذلك قوله: ألم يروا كم أهلكنا قبلهم من القرون أنهم إليهم لا يرجعون، يس: ٣١ هو ما الطريق إلى العلم به الاستدلال لا المشاهدة. فهذا ونحوه مما لم يكثر في معلومهم أشباهه، فهم ينبهون عليه ابتداء من غير تقدير تنبيه على شيء مثله مما قبله.

стр. 474

فإن عارض معارض بقوله تعالى: ألم يروا إلى الطير مسخرات في جو السماء، النحل: ٧٩، وقال هذا من القسم الذي يشاهد، وحقه أن يكون ملحقا بقوله، أولأم كما كان قوله أو لم يروا إلى الطير فوقهم صافات، الملك: ١٩، وهما في شيء واحد، فما بالك اختلفا من حيث وجب أن يتفقا؟ والانفصال أن يقال: إنا عللنا موضع ألم بما يوجب أن يكون هذا الموضع من أماكنها، ألا ترى أنا قلنا، هو كل موضع ينبهون عليه ابتداءا من غير تنبيه على شيء مثله مما قبله، فعللنا المشاهدات بما يخرج هذا عنها، لأن قبل هذه الآية: والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفدة لعلكم تشكرون، الم يروا إلى الطير مسخرات، النحل: ٧٨-

стр. 475

٧٩. فبنيت هذه الآية على التي أخبر الله فيها عن أول أحوال الإنسان، وأنه أخرجهم أطفالا صغارا، من بطون أمهاتهم، لا يعلمون شيئا من منافعهم فيقصدونها ولا من مضارهم فيتجنبونها، ثم بصرهم حتى عرفوا ونبههم على ما يشاهده كل حي من تصرف الطير في الهواء وعجزه عن مثل ذلك. وكان هذا مقرونا بأولى الأحوال، ولم يتقدمه أمثاله له يقع التنبيه عليها قبله فيكون في حكم ما يعطف على ما تقدمه. فإن عارض بقوله : وإذا أذقنا الناس رحمة فرحوا بها وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم يقطنون، أو لم يروا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، الروم: ٣٦-٣٧، وقال إن ذلك مما لا يعلم ولا يشاهد، وحكمه أن يكون بـ ألم.

стр. 476

قيل له: التوسعة في الرزق والتقتير فيه لما كانت لهما أمارات ترى وتشاهد من أحوال الغنى والفقر صار أمرهما كالمشاهدات فكانا مما شوهدت أمثال لهما فعطف عليها. فإن سأل عما جاء بالفاء في قوله تعالى: أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض، سبأ: ٩، وقال: ما الفرق بين هذا المكان الذي جاءت فيه الفاء وبين الأماكن التي جاءت فيها الواو؟ وهل كان يصح في اختيار الكلام الواو مكان الفاء ها هنا؟ فالجواب أن يقال: الفاء هاهنا أولى/ لأن قبلها: وقال الذين كفروا هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق إنكم لفي خلق جديد، أفترى على الله كذبا أم به جنة بل الذين لا يؤمنون بالآخرة في العذاب والضلال البعيد، أفلم يروا إلى ما بين أيديهم

стр. 477

وما خلفهم من السماء والأرض، سبأ: ٧-٩ فكأنه قيل فيهم، أنهم كذبوا الله ورسوله بما أنكروه من البعث، فلم يتفكروا ولم يخشوا غقيب هذا المقال نقمة تنزل بهم فقيل: لم يتفكروا ولم يخشوا أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض، أي: هم لا ينفكون من أرض تقلهم وسماء تظلهم، والذي جعلها تحتهم وفوقهم قادر على أن يخسف الأرض بهم، أو يسقط السماء عليهم، فهذا موضع الفاء، لا موضع غيرها،

стр. 478

لما بيّنها.

стр. 479

الآية الثالثة منها: قوله تعالى: قل سيروا في الأرض ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين، الأنعام: ١١. وفي سورة النمل: ٢٩: قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المجرمين. وقال في سورة العنكبوت ٢٠: قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم ينشئ النشأة الآخرة إن الله على كل شيء قدير. وقال في سورة الروم ٤٢: قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل كان أكثرهم مشركين. للسائل أن يسأل فيقول: التي في سورة الأنعام ما بين السر والنظر فيها مهلة متراخية، عبر عنها بـ ثم وسائر الآي المهلة بينهما فيها أقل فعبر عنها بالفاء، فما الذي خصص الأولى بـ ثم والباقية بالفاء؟ والجواب عن ذلك أن يقال: إن قوله: ... سيروا في الأرض فانظروا، يدل على أن السير يؤدي إلى النظر فيقع بوقوعه، وليس كذلك ثم ألا ترى الفاء وقعت في الجزاء، ولم تقع فيه ثم.

стр. 480

فقوله في سورة الأنعام: قل سيروا في الأرض ثم انظروا لم يجعل النظر فيه واقعا عقيب السير، متعلقا وجوده بوجوده، لأنه بعث على سير بعد سير لما تقدم من الآية التي تدل على أنه تعالى حداهم على استقراء البلاد ومنازل أهل الفساد، وأن يستكثروا من ذلك ليروا أثرا بعد اثر، في ديار بعد ديار قد عمم أهلها بدمار، لقوله تعالى: ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكانهم في الأرض ما لم نمكن لكم، ثم قال: فأهلكناهم بذنوبهم وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين. الأنعام: ٦ فذكر في قوله: كم أهلكنا من قبلهم من قرن أي: قرونا كثيرة أهلكانهم، ثم قال، وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين، فدعا إلى العلم بذلك بالسير في البلاد ومشاهدة هذه الآثار، وفي ذلك ذهاب أزمنة كثيرة ومدد طويلة تمنع النظر من ملاصقة السير، كما قال في المواضع الآخر التي دخلها الفاء لما قصد فيها من معنى التعقيب واتصال النظر بالسير، إذ ليس في شيء من الأماكن التي استعملتها فيها الفاء ما في هذا المكان من البعث على استقراء الديار وتأمل الآثار، فجعل السير في الأرض في هذا المكان مأمورا به على

стр. 481

حدة، والنظر بعده مأمورا به على حدة، وسائر الأماكن التي دخلتها الفاء علق فيها وقوع النظر بوقوع السير، لأنه لم يتقدم الآية ما يحدوا على السير الذي حدا عليه فيما قبل هذه الآية، فلذلك خصت بـ ثم التي تفيد تراخي المهلة بين الفعلين والله أعلم.

стр. 482

الآية الرابعة منها: قوله تعالى: وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يمسسك بخير فهو على كل شيء قدير، الأنعام: ١٧ وقال في سورة يونس: ١٠٧، وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله. للسائل أن يسأل فيقول: ما الذي أوجب أن يقرن إلى جملتي الشرط والجزاء في الآية الأولى: وإن يمسسك، ويجعل جواب الشرط الثاني: فهو على كل شيء قدير ثم قرن في الآية الثانية إلى جملتي الشرط والجزاء وإن يردك بخير ويجعل جوابه فلا راد لفضله فخالف الأول؟ والجواب أن يقال: إن السورتين اللتين وقعت فيهما الآيتان مكيتان، والأولى منها قبل الثانية.

стр. 483

فأما التي في سورة الأنعام وهي: وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو فمعناها، إن يمسسك الله ضرا وهو سوء الحال، فلا مزيل لع غير الله ولا يملك ما يعبد من دونه كشفه. ومعنى يمسسك ينلك لأن المماسة في الأعراض مجاز وتوسع في اللغة فمعنى مسه الله بضر: أنا له الله ضرا وأوصله إليه. وقوله: وإن يمسسك بخر فهو على كل شيء قدير أي: إن ينلك خيرا يرج الأكثر منه، لأنه قادر عليه وعلى أمثاله، والدليل على أن المعنى هذا.

стр. 484

أن الجزاء إذا كان جملة ابتداءا وخبر فإن معنى الخبر يكون جزاءا ومقدرا في مكان الفاء، كقولك: إن زرتي فأنا مكرم لك، وإن أحسنت إلي فأنا قادر على مقابلتك، والتقدير: إن زرتي أكرمك، وإن أحسنت إلى قدرت على مقابلتك، وفي قولك: قدرت على مقابلتك ضمان المقابلة. وأنت إذا قدرت قوله تعالى: وإن يمسسك بخير فهو على كل شيء قدير، وإن ينلك خيرا يقدر عليه، لم يستقم الكلام، لأن الجزاء حقه أن يكون بعد الشرط، والقدرة على الفعل لا تكون بعده، والمعنى، إن ينلك خيرا يرج لأمثاله، لأنه قادر عليه، وعلى كل شيء قدير، وكونه تعالى قادرا من صفات النفس، وإنالة الخير فعل من أفعاله، فلا يصح أن يكون كونه قادرا متأخرا عنها.

стр. 485

فالمعنى: إن نقلك إلى سوء حال لم يملك كشفه عنك غيره، وذلك كشدائد الدنيا من الأمراض والآلام والنقصان في الأموال. وإن نقلك إلى حسن حال، كان بعده قادرا على أمثاله، ومالكا لأضعافه، لأنه قادر على كل ما يصح أن يكون مقدورا عليه له، فهذا وصفه بالقدرة على النفع والضر. وأما الآية الثانية ففيها نفي أن يغالبه مغالب، ويمنعه عما يريد فعله مانع، لأن معناها: إذا أنزل بك مكروها لم يقدر أحد على دفع ما يريد إيقاعه بك، وإن أراد إحلال خير بك لم يرده أحد عنك، وهو معنى: لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت.

стр. 486

ورتبة هذا الوصف بعد رتبة الوصف الأول، لأنه يوصف الفاعل أولا بقدرته على الضدين، وليس كل من كان كذلك كان ممتنعا عن أن يقهره قاهر فيحول بينه وبين ما يريد فعله، فإذا وصفه بأنه قادر غالب للقادرين لا يدفعه عن مراد له دافع وصفا ثانيا، فلاق بكل موضع ما ورد فيه ونطق القرآن به. فالذي اقتضى هذا الوصف في الآيتين قوله تعالى قبل الأولى: (.. قل إني أمرت أن أكون أول مسلم ولا تكونن من المشركين) (الأنعام: ١٤) أي: إني لا أعبد إلها معه فأشرك به. وقوله قبل الآية الثانية: (ولا تدع من دون الله ما لا ينفع ولا يضر فإن فعلت فإنك إذا من الظالمين) (يوسف: ١٠٦) ، ومثلها قوله تعالى: (.. قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته..) (الزمر: ٣٨) .

стр. 487

(٤٧) الآية الخامسة منها: قوله تعالى: (ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته إنه لا يفلح الظالمون) (الأنعام: ٢١) . وقال تعالى في سورة يونس (١٧) : (فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته إنه لا يفلح المجرمون) . للسائل أن يسأل عن موضعين في الآيتين: أحدهما: عن الواو في الأول الآية الأولى وهو (ومن أظلم) ، والفاء في أول الآية الثانية وهو (فمن أظلم) ؟ والثاني: عن اختصاص آخر الآية الأولى بقوله: (الظالمون) واختصاص آخر الآية الثانية بقوله: (المجرمون) ؟

стр. 488

والجواب عن الأول أن يقال: إن ما تقدم الآية الأولى من قوله: (قل أي شئ أكبر شهادة..) إلى قوله: (ومن أظلم..) جمل عطف صدور بعضها على بعض الواو، ولم تتعلق الثانية بالأولى تعلق ما هو من سببها، فأجرى قوله: (ومن أظلم) مجراها، وعطف بالواو عليها، ألا ترى قوله: (.. وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ..) وبعده: (.. وإنني برئ مما تشركون) (الأنعام: ١٩) . وأما الآية الثانية فإن ما قبلها عطف بعضها على بعض بالفاء كقوله تعالى: (قل لو شاء الله ما تلوته عليكم به فقد لبث فيكم عمرا من قبله أفلا تعقلون) (يونس: ١٦) فتعلق كل ما بعد الفاء بما قبله تعلق المسبب بسببه، لأنه المعنى: لو أراد الله أن لا يوحي إلي هذا القرآن لما تلوته عليكم ولا عرفكم إياه في

стр. 489

هذا الوقت الذي أخبرتكم أن الله بعثني به إليكم، وهذا يؤديكم إلى أن تعلموا أني طويت فيكم شيئا مما تلوته الآن، فيؤديكم هذا إلى أن تعرفوا صحة ما أقول إنه من عند الله، لا من فعلي وقولي، فعطف بعض هذا الكلام على بعض بالفاء. وقوله بعده: (فمن أظلم) أي: إذا عرفتم أنه ليس من قولي لظهوره مني بعد ما لم يكن فيما مضى من عمري، فليس أحد أشد إضرارا بنفسه منكم في قولكم على الله ما لم يقله، فهذا موضع الفاء. وكل موضع في القرآن يكون بعد هاتين الآيتين بالواو أو بالفاء فاعتبره بما بينه لك. وفي الأعراف أيضا: (فمن أظلم) بالفاء فالجواب عنه مثل ما مضى.

стр. 490

والجواب عن السؤال الثاني أنه لما قال في الآية الأولى: (ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا..) وكان المعنى أنه لا أحد أظلم لنفسه ممن وصف الله تعالى بخلاف وصفه فأوردها العذاب الدائم، كان قوله: (إنه لا يفلح) عائدا إلى من فعل هذا الفعل، أي: لا يظفر برحمه الله ولا يفوز بنجاة نفسه من كان ما ذكر من فعله، فبناء الآخر على الأول اقتضى أن يكون: (إنه لا يفلح الظالمون) . وأما الآية الثانية في سورة يونس وتعقيبها بقوله: (إنه لا يفلح المجرمون) دون قوله: (إنه لا يفلح الظالمون) وإن كان الوصفان لفريق واحد، فلأنهما تقدمتها الآية التي تضمنت وصف هؤلاء القوم بما عاقبهم به فقال: (ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا وجاءتكم رسلكم بالبينات وما كانوا ليؤمنوا كذلك نجزي

стр. 491

القوم المجرمين) (يونس: ١٤-١٥) فوصفهم بأنهم مجرمون عند تعليق الجزاء بهم. وقال بعده: (ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعلمون. وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات..) (يونس: ١٤- إلى الموضع الذي أبطل فيه حجتهم ودفع سؤالهم وهو (..ائت بقرآن غير هذا أو بدله) يونس: ١٥ فقال تعالى: (إنه لا يفلح المجرمون) ليعلم أن هؤلاء سبيلهم في الضلال سبيل القوم الذين أخبر عن هلاكهم وقال: (كذلك نجزي القوم المجرمين) يونس: ١٣ ليوقع التسوية بينهم في الوصف كما أوقع التسوية بينهم في الوعيد.

стр. 492

٤٨ الآية السادسة منها قوله تعالى: (ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا وإن يرو كل آية لا يؤمنوا بها حتى إذا جاؤوك يجادلونك يقول الذين كفروا إن هذا إلا أساطير الأولين) الأنعام: ٢٥. وقال في سورة يونس ٤٢-٤٣: (ومنهم من يستمعون إليك أفأنت تسمع الصم ولو كانوا لا يعقلون* ومنهم من ينظر إليك أفأنت تهتدي العمى ولو كانوا لا يبصرون) . للسائل أن يسأل عن قوله تعالى: (من يستمع إليك) في الآية الأولى، وتوحيد الضمير العائد إلى من حملا على فظها؟ وعن قوله: (من يستمعون إليك) في الآية الثانية، وجمع الضمير العائذ إلى من حملا على معناها؟ ولماذا اختص الأول بالتوحيد والثاني بالجمع؟ وهل كان يجوز في الختيار عكس ذلك في المكانين؟ والجواب أن يقال: إن لكل من الموضعين ما يوجب اختصاصه باللفظ الذي جاء فيه فأما قوله تعالى: (ومنهم من يستمع إليك وجعلنا كل قلوبهم أكنة أن

стр. 493

يفقهوه وفي آذانهم وقرا) ، فقد قيل فيه: إنه في قوم من الكفار كانوا يستمعون إلى النبي وإلى قراءته بالليل، فإذا عرفوا بها مكانه رجموه وآذوه ومنعوه من الصلاة خوفا من أن يسمعه منهم من تدعوه دواعي الحق فيسلم. وهذا قوم قليلي العدد يرصدونه ﵇ بالليل، وكان الله يمنعهم عنه

стр. 494

بنوم يلقيه عليهم، وحجاب يحجبه به عنهم لقوله تعالى: (وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا) الإسراء: ٤٥ فصار ذلك كالكنان على قلوبهم، وكالصم في آذانهم. وأما قوله تعالى: (ومنهم من يستموعون إليك أفأنت تسمع الصم ولو كانوا لا يعقلون* ومنهم من ينظر إليك أفأنت تهدي العمي ولو كانوا لا يبصرون) الآيتين، فهو في كل الكفار الذين يستمعون مسموعا هو حجة عليهم، وهو القرآن ولا ينتفعون بسماعه، فكأنهم صم عنه. فلما كانت من تصلح للواحد فما فوقه، ويجوز أن يعود الضمير إلى لفظه وهو لفظ الواحد وإلى معناه، وهو ما يراد به من الواحد أو اثنين أو ثلاث، واختلف

стр. 495

هذان المكانان في القلة والكثرة حملت في موضع القلة على حكم اللفظ، وعاد الضمير إليها بلفظ الواحد فقال: (ومنهم من يستمع إليك) وفي موضع الكثرة على حكم المعنى، وعاد الضمير إليها بلفظ الجمع، فقال: (ومنهم من يستمعون إليك) ليفاد بالاختلاف هذا المعنى، فلم يصلح في كل مكان إلا اللفظ الذ خصه مع القصد الذي ذكرت. فإن قال قائل: فعلى هذا وجب في الاختيار: ومنهم من ينظرون إليك، لأنهم الأكثرون كالمستمعين؟
следующие страницы →