← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 1340

درة التنزيل وغرة التأويل

الخطيب الإسكافي

Полный текст (1 361 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

فعل، وفي الآخر ينكر كله من مقابلة أصله بأصله، وتوهمه أنه أشرف، إن سجود الأشرف لما دونه لا يجوز. وكذلك ما حكاه الله تعالى من قوله له في سورة الأعراف ١٣ (قال فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها فاخرج إنك من الصاغرين) لا يخالف قوله في سورة الحجر ٣٤-٣٥: (قال فاخرج منها فإنك رجيم وإن عليك اللعنة إلى يوم الدين) ولا يخالف أيضا قوله في سورة ص ٧٧-٧٨: (قال فاخرج منها فإنك رجيم *وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين) لأنه إذا أمره بالخروج من الجنة أو من السماء فقد أمره بالهبوط إلى الأرض.

стр. 562

وقوله: (وإن عليك اللعنة) الحجر: ٣٥ و (لعنتي) واحد، لأن اللعنة في الحقيقة إبعاد الله من يعصيه عن الخير، ثم لعن الملائكة والناس من التبع للعنة، نعوذ بالله منها.

стр. 563

٦٣ الآية الثانية منها قوله تعالى: (قالانظرني إلى يوم يبعثون* قالإنك من المنظرين) الأعراف: ١٤-١٥. وقال في سورة الحجر ٣٦-٣٨ وسورة ص ٧٩-٨١: (قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون* قال فإنك من المنظرين* إلى يوم الوقت المعلوم) . للسائل أن يسأل عن إدخال الفاء في قوله: (رب فأنظرني) في سورتي الحجر وص، وحذفها منه في سورة الأعراف؟ والجواب أن يقال: إن قوله: (أنظرني) في سورة الأعراف وقد مستأنفا، غير مقصود به عطف على ما يقع به هذا السؤال عقيبه فلم يحتج إلى الفاء. والجواب أيضا: لما لم يكن إجابة له إلى ما طلب لم يكن أيضا معطوفا عليه بالفاء، وإنما سأل تأخير اجله، فقال: (إنك) ف حكمي ممن أخر أجله، لا لأجل مسألتك.

стр. 564

وأما في الآيتين في سورتي الحجر وص فإنه قال عز من قائل: (قال رب فأنظرني) وجاء بعد إخبار الله بلعنه له، فكأنه قال: يا رب إن لعنتي وآيستني من الجنة فأخر أجلي إلى يوم يبعثون، ويوم يبعثون هو يوم القيامة، لا يوم الإماتة، فلم تقع الإجابة إلى ما طلب، لأنه قال: (فإنك من المنظرين* إلى يوم الوقت المعلوم) أي: إلى الوقت الذي هو آخر أوقات الأحياء فاقتضى إضمار إن لعنتي يا رب أن يأتي بالفاء فيقول: فأنظرني ويأتي في جوابه

стр. 565

بها وهو قوله: (فإنك من المنظرين) ، لأن التقدير: إن طلبت تأخير الأجل وتنفيس المهل من أجل أن لعنت فإنك مؤخر الموت لما حكمت به لك، لا لإجابتك إلى مسألتك، فهو معطوف على السؤال عطف الكلام على الكلام الذي يقتضيه، لا عطف الإيجاب على السؤال، لأن الله تعالى لم يجب عاصيا مثله إلى ما يسأل. فدخول الفاء في الموضعين لتقدم ذكر العن وأن المعنى: وأن المعنى: إن آيستني من رحمتك فأخر أجلي لأنال من عدوي الذي كان سبب ذلك ما أقدر عليه من الإغواء له، ولكم يكون من نسله، واستشفى بذلك لجهله، نعوذ بالله من طاعة الهوى المؤدي إلى سبيل الردى.

стр. 566

٦٤

стр. 567

الآية الثالثة منها قوله تعالى: (قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم* ثم لآتينهم من بين أديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين) الأعراف: ١٦-١٧. وقال في سورة الحجر ٣٩-٤٠: (قال رب بما أغويتني لأزينهن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين* إلا عبادك منهم المخلصين) . وقال في سورة ص ٨٢-٨٣: (قال فبعزتي لأغوينهم أجمعين* إلا عبادك منهم المخلصين) للسائل أن يسأل في هذه الآي عن شيئين: أحدهما: اختلاف المحكيات، ففي موضع (فبما أغويتني) وفي موضع (رب بما أغويتني) وفي الآخر (فبعزتك) ؟ والثاني: حذف الفاء في سورة الحجر من قوله: (رب بما أغويتني) وإثباتها في الآيتين الأخريين؟ .

стр. 568

والجواب عن اختلاف الألفاظ المحكية ان يقال متى حملت الباء على القسم في قوله: (فبما أغويتني) و (رب بما أغويتني) في الآيتين بشهادة الآية الثالثة، وهي: (فبعزتك) لم يكن هناك اختلاف في المعنى، لأن المراد في قوله: (بما أغويتني) : بإغوائك إياي، وهو يحتمل وجوها من المعاني. أحدهما: أن يكون المراد: بتخييبك إياي لأجتهدن في تخييبهن في تخييبهم، وهذا ظاهر الكلام، لأن القسم متلقى بالام، ولأن قوله: (فبعزتك) في مقابلتهما من الآية الأخرى وتخييب الله إياه هو بعزته، ومنه قول الشاعر:

стр. 569

ومن يغو لا يعدم على الغي لائما أي: من يخب لم ينل خيرا يشهد لذلك صدر البيت، وهو: فمن يلق خيرا يحمده الناس أمره. والثاني أن يكون المراد بإهلاكك إياي بأن لعنتي، وهذا الفعل أيضا عزة من الله تعالى. وكذلك إن حمل على معنى الحكم بغوايته فهو عزة من الله تعالى.

стр. 570

وإذا كان كذلك تساوت في المعنى، وكل قسم، والإغواء الذي هو التخييب أو الإهلاك أو الحكم بالغواية، كل ذلك عزة من الله تعالى، فالقسم به كالقسم بعزته. والجواب عن السؤال الثاني، وهو حذف الفاء من قوله: (رب بما أغويتني) ولأن الدعاء في الصدر يستأنف بعده الكلام، والقصة غير مقتضاة لما قبلها كما إقتضاه قوله: (رب فأنظرني) والفاء توجب ما بعدها بما قبلها. والنداء أولا يوجب القطع واستئناف الكلام لا سيما في قصة لا يقتضيها ما قبلها، فلم تحسن الفاء مع قوله: (رب بما أغويتني) ، والموضعان الآخران لم

стр. 571

يدخل الكلام فيهما نداء يوجب استئناف ما بعده، فلذلك وصل القسم فيهما بالأول بدخول الفاء.

стр. 572

٦٥ الآية الرابعة منها قوله تعالى: (..فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين* الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا وهم بالآخرة كافرون) الأعراف: ٤٤-٤٥. وقال في سورة هود: ١٨-١٩: (ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أولئك يعرضون على ربهم ويقول الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين *الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا وهم بالآخرة هم كافرون) . للسائل أن يسأل عن إعادة هم في قوله: (وهم بالآخرة هم كافرون) في سورة هود، وترك ذلك في سورة الأعراف؟ . والجواب أن يقال: إن الذي في سورة الأعراف جاء على أصله غير مزيد فيه ما يجري مجرى التوكيد، والذي في سورة هود جاء بعد قوله: (ويقول الأشهاد هؤلاء الذي كذبوا على ربهم) فأشير إليهم، ثم قال: (ألا لعنة الله على الظالمين) فأظهر ذكر الظالمين في موضع الإضمار، ولو أجرى على الحكم في إضمار الاسم عقيب الذكر لكان: ألا لعنة الله عليهم لأن المراد ب الظالمين هم المشار إليهم بقوله: (هؤلاء الذين كذبوا على ربهم) .

стр. 573

فلما أظهر مكان الإضمار تضمن معنى هم، أي: الظالمون هم الذين كذبوا على ربهم، وأشير بالكلام المتقدم إليهم، فلما استمر الكلام على الإضمار بعد ذكر الظالمين صار الظاهر كأنهم غير المشار إليهم بقوله: (هؤلاء الذين كذبوا على ربهم) فأعيد هم في قوله: (هم كافرون) لتحقق الكفر عليهم بنسبة الأوصاف المتقدمة إليهم، وأولها كذبهم على ربهم، ثم ظلمهم لأنفسهم، وصدهم عن سبيل الله، وأولها كذبهم على ربهم، ثم ظلمهم لأنفسهم، وصدهم عن سبيل الله، ووصفهم لها بدل الاستقامة بالاعوجاج، وكفرهم وصدهم عن سبيل الله، ووصفهم لها بدل الاستقامة بالإعوجاج، وكفرهم في هذه الأفعال بالله واستحقاقهم به، عقوبة الله في الآية.

стр. 574

فلما لم يصرف الخبر الثاني في سورة الأعراف مصرف ما ليس هو بالأول لم يحتج إلى توكيده. ولما عدل في سورة هود عن إعادة الضمير إلى الأول، ووضع مكانه ظاهر يحتمل أن يكون غير الأول، وعنى هم أنهم هم، كان الموضع موضع توكيد لتحقيق الخبر عنهم بالكفر، وتثبيته عليهم بأوكد لفظ، لأنا لما قلنا: هم هم، فهو المعاد المعاد في قوله: (وهم بالآخرة هم كافرون) ، إلا أنا نبين بذلك المكان مكان توكيد لنفرق بينه وبين الأول.

стр. 575

٦٦ الآية الخامسة منها قوله تعالى: (وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته حتى إذا أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت فأنزلنا به الماء ... ) الأعراف: ٥٧. وقال في سورة الفرقان: ٤٨: (وهو الذي أرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته وانزلنا من السماء ماء طهورا) . وقال في سورة الروم ٤٨: (الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا فيبسطه في السماء كيف يشاء ويجعله كسفا فترى الودق يخرج من خلاله ... ) . وقال في سورة الملائكة ٩: (والله أرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه إلى بلد ميت فأحيينا به الأرض بعد موتها كذلك النشور) . للسائل أن يسأل فيقول: هذه الآي الأربع قد خصت آيتان منها بقوله (يرسل) على لفظ المستقبل، وآيتان بقوله (أرسل) على لفظ الماضي، فهل في كل مكان ما قتضي اللفظ الذي خصه، أم كل جائز لو جاء عليه؟

стр. 576

والجواب أن يقال: بل لكل ما يوجب في الإختيار اللفظ الذي جاء عليه، وإن كان وصف الله بأنه أرسل الرياح فبسط بها السحاب فساقه فأنزل منه الأمطار فأحيا بها البلاد، كوصفه بأنه يفعل ذلك في المستقبل، لأنه قادر كما كان، وقد عودنا فعل ذلك وأعلمناه مشاهدة. إلا أن الآية التي في سورة الأعراف جاء فيها (يرسل) بلفظ المستقبل، لأن قبلها: (ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين* ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها وادعوه خوفا وطمعا إن رحمة الله قريب من المحسنين) .

стр. 577

الأعراف: ٥٥-٥٦ فكان في ذلك بعث على الدعاء والتضرع، وتعليق الخوف والطمع بما يكون منه من الرحمة وصنوف ما رزق الله الخلق من النعم فكان لفظ المستقبل أشبه بموضع الخوف والطمع للداعين، وأدعى لهم إلى الدعاء. وأما في سورة الفرقان، ومجيء هذا اللفظ فيها بلفظ الماضي فلأن قبل الآية: (ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ولو شاء لجعله ساكنا ثم جعلنا الشمس عليه دليلا * ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا* وهو الذي جعل لكم الليل لباسا والنوم سباتا وجعل النهار نشورا* وهو الذي أرسل الرياح) الفرقان: ٤٥-٤٨ فلما عدد أنواع ما أنعم به، وكان إرسال الرياح من جملة عده مع ما تقمه، وأخبر منه عما فعله وأوجده.

стр. 578

وأما في سورة الروم فغن قبل الآية: (ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات وليذيقكم من رحمته ولتجزي الفلك بأمره ... ) الروم: ٤٦، فبنى قوله: (الله الذي يرسل الرياح..) على البناء الذي جعل عليه ما هو من آياته، فحث على الاعتبار بما يعتاد من فعله تبارك الله . وأما في سورة الملائكة، واختيار لفظ الماضي فيها على المستقبل فلأن أولها: (الحمد لله فاطر السماوات والأرض جاعل الملائكة رسلا ... ) فاطر: ١ بمعنى فطر وجعل، وخاتمة هذه العشر من مبتدأ السورة: (والله الذي أرسل الرياح ... ) فاطر: ٩ فلما اقترح العشر من أول السورة بالتمدح بما صنع أتبعه

стр. 579

ما كان من جنسه مما فعل، فكان اختيار لفظ الماضي هاهنا، فافهمه فإنه يفتح عليك ما يشبهه إن شاء الله تعالى.

стр. 580

٦٧ الآية السادسة منها قوله تعالى: (لقد أرسلنا نوحا إلى قومه) الأعراف: ٥٩. وقال في سورة هود ٢٥: (ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه) . وفي سورة المؤمنين٢٣: (لقد أرسلنا نوحا إلى قومه) . للسائل ان يسأل عن حذف الواو من (لقد أرسلنا) في سورة الأعراف، والإتيان بها في سورتي هود والمؤمنين؟ والجواب أن يقال إن الآيات التي تقدمت قوله تعالى: (لقد أرسلنا نوحا إلى قومه..) في سورة الأعراف إلى أن اتصلت به في وصف ما اختص الله به من أحداث خلقه وبدائع فعله من حيث قال: (إن ربكم الله الذي خلق

стр. 581

السموات والأرض في ستة أيام..) الأعراف: ٥٤ إلى ذكر الشمس والقمر، والرياح والأمطار والنبات، والسهل من الأرض والطيب، والحزن منها والصلد، ولم يكن فيها ذكر بعثة نبي ومخالفة من كان له من عدو، فصار كالأجنبي من الأول فلم يعطف عليه، واستؤنف ابتداء كلام ليدل على أنه في حكم المنقطع من الأول. وليس كذلك الآية التي في سورة هود، لأن أولها افتتح إلى أن انتهى إلى قصة نوح بما هو احتاج على الكفار بآيات الله التي أظهرها على أيدي أنبيائه،

стр. 582

وألسنتهم صلوات الله عليهم، وتوعد لهم على كفرهم، وذكر قصة من قصص من تقدمهم من الأنبياء الذين جحد بآياتهم أممهم، فعطفت هذه الآية على ما قبلها إذ كانت مثلها ألا ترى أن أول السورة) ألر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير* ألا تعبدوا إلا الله إنني لكم منه نذير وبشير) هود: ١-٢ وبعد العشر منها: (فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضائق به صدرك أن يقولوا لولا أنزل عليه كنز..) إلى قوله: (.. قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات..) هود ١٢-١٣، ثم وصف حال من آمن بالله ورسله، وأخبت إلى ربه، وحال من افترى على ربه، وحصل على خسران نفسه وشبههما بحال من انطوى على ذكره في قوله: (مثل الفريقين كالأعمى

стр. 583

والأصم والبصير والسميع هل يستويان مثلا ... ) هود ٢٤ فاقتضى تشابه القصتين عطف الثانية على الأولى. وأما في سورة المؤمنين فإن قبل هذه الآية منها: (ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين المؤمنون: ١٢ ثم قوله: (ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق وما كنا عن الخلق غافلين المؤمنون: ١٧ ثم انقطعت الآي إلى قوله: (وعليها

стр. 584

وعلى الفلك تحملون المؤمنون: ٢٢، فكان ما تقدم في هذا المكان مثل ما تقدم الآية في سورة الأعراف إلا أنه باينة بأن كان فيه: (ولقد خلقنا الإنسان) وقوله (ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق) ثم انقطعت إلى قوله: (وعليهما وعلى الفلك تحملون والفلك التي يحمل عليها مما اتخذه نوح ﵇، فدخلت واو العطف في قصة نوح ﵇ للفظين المتقدمين، وهما: (ولقد) في رؤوس الآيتين، وللمعنى المقتضى من ذكر الفلك الذي نجى الله عليه من جعله أصل الخلق وبذر هذا النسل.

стр. 585

٦٨ الآية السابعة منها قوله تعالى متصلا بقوله: (لقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم) الأعراف: ٥٩. وقال في سورة هود ٢٥-٢٦: (ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه إني لكم نذير مبين *فقال ألا تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم) . وقال في سورة المؤمنين٢٣: (لقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون) . للسائل أن يسأل عن اختلاف المحكيات كقوله بعد: (مالكم من إله غيره) : (إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم) وقال في سورة هود: (إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم) وفي المؤمنين: (ما لكم من إله غيره أفلا تتقون) والقصة قصة واحدة؟ والجواب أن يقال: إن للأنبياء صلوات الله عليهم مقامات مع أممهم يكرر فيها الإعذار والإنذار، ويرجع فيها عودا على بدء، الوعد والوعيد، ولا يكون دعاؤهم إلى الإيمان بالله، ورفض عبادة ما سوى الله تعالى في موقف واحد بلفظ

стр. 586

واحد لا يتغير عن حاله، مثل الواعظ يفتن في مقاله، والجاحد المنكر تختلف أجوبته في مواقفه، جاءت المحكيات على اختلافها لم يطالب، وقد اختلفت في الأصل باتفاقها، لأنه قال لهم مرة باللفظ الذي حكى، ومرة أخرى بلفظ آخر في معناه كما ذكر.

стр. 587

وكذلك الجواب يرد من اقوام يكثر عددهم ويختلف كلامهم ومفصدهم، وصدق الخبر يتناول الشيء على ما كان عليه، فلا وجه إذا للاعتراض على هذا ونحوه.

стр. 588

٦٩ الآية الثامنة منها: متصلة بهذه الآية قوله تعالى: قال من قومه إنا لنراك في ضلال مبين*قال يا قوم ليس بي ضلالة ولكني رسول من رب العالمين، الأعراف: ٦٠-٦١. وقال في سورة هود: فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما نراك إلا بشرا مثلنا. وقال في سورة المؤمنين: فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما هذا إلا بشر مثلكم، الآية. للسائل أن يسأل فيقول: لأي معنى خلت قال في سورة الأعراف من الفاء وقد جاء مثلها في السورتين بالفاء وهو فقال؟

стр. 589

والجواب أن يقال: إن الموضعين اللذين دخلتهما الفاء ما بعدهما مما اقتضاه كلام النبي مما رآه الكفار جوابا له، فكان بناء الجواب على الابتداء يوجب دخول الفاء. وليس كذلك الآية في سورة الأعراف، لأنهم في جوابهم صاروا كالمبتدئين له بالخطاب، غير سالكين طريق الجواب، لأنهم قالوا: إنا لنراك في ضلال مبين، قال يا قوم ليس بي ضلالة، الأعراف: ٦٠-٦١ فكان كلامهم له كالكلام الذ يبتدئ به الإنسان صاحبه، فلذلك جاء بغير فاء مخالفا طريقة ما الكلام بعده مبني بناء الجواب. ومما أخرج من الأجوبة مخرج الابتداء بالكلام وإن كان في ضمنه الجواب قوله تعالى: (ولما جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا إنا مهلكو أهل هذه القرية إن أهلها كانوا ظالمين، قال إن فيها لوطا قالوا نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله إلا

стр. 590

امرأته كانت من الغابرين) العنكبوت: ٣١-٣٢. فلم يأت بالفاء في اللفظتين اللذين كان ما بعد كل واحد منهما كالجواب لما قبله. ومما يؤكد صحة هذا القول قوله تعالى فيما كان من جواب عاد لهوج: (وإلى عاد أخاهم هودا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون، قال الملأ الذين كفروا من قومه إنا لنراك في سفاهة وإنا لنظنك من الكاذبين) . الأعراف ٦٥-٦٦، ولم يقل: فقال الكلأ لأن ما بعد قال هنا مسلوك به طريق الابتداء بالخطاب، إذ رمي بالسفاهة كما رمي نوح ﵇ بالضلالة، فلم تدخل على واحد منهما الفاء التي تجعل الثاني متعلقا بالأول تعلق الجواب بالابتداء.

стр. 591

٧٠ الآية التاسعة منها: قوله تعالى: (أبلغكم رسالات ربي وأنصح لكم وأعلم من الله مالا تعلمون) الأعراف: ٦٢. وقال في قصة هود: (أبلغكم رسالات ربي وأنا لكم ضريح ناصح أمين) الأعراف: ٦٨. للسائل أن يسأل عن الفرق بين قوله: (وأنصح لكم) وبين قوله (وأنا لكم ناصح أمين) وما الذي اقتضى الاسم في الآخر والفعل في الأول، وهل كان يصح أحدهما مكان صاحبه؟ والجواب عن ذلك من وجهين: أحدهما أن يقال: إن المعنى كلام نوح ﵇ ما نطق به القرآن، ومعنى كلام هود ﵇ ما ذكره الله تعالى حاكيا عنه، وليس لقائل أن يقول: إذ كان القولان صحيحين في موضعهما فهلا قال أحدهما قول آخر؟

стр. 592

والوجه الثاني أن يقال: إن قول نوح ﵇ جواب من ضلل، لأنه قيل له: (إنا لنراك في ضلال مبين) ، الأعراف: ٦٠ وهود ﵇ قيل له: (إنا لنراك في سفاهة) . الأعراف: ٦٦. والضلال من صفات الفعل، تقول ضل فهو ضال، والسفاهة من صفات النفس وهي ضد الحلم، وهو معنى ثابت يولد الخفة، والعجلة المذمومتين، والحلم معنى ثابت يولد الأناة المحمودة، فكان جواب من عيب بفعل مذموم نفيه بفعل محمود، لا بل بأفعال تنفي ما ادعوه عليه، وهي أن قال لست ضالا ولكني رسول من رب العالمين أؤدي إليكم ما تحملت من أوامره، وأدعوكم بإخلاص إلى إصلاح أمركم، وأعلم من سوء عاقبة ما أنتم عليه ما لا تعلمون فنفى الضلال بهذه الأفعال.

стр. 593

وهود ﵇ لما رمي بالسفاهة وهي من الخصال المذمومة الثابتة، وليست من الأفعال التي ينتقل الإنسان عنها إلى أضدادها في الزمن القصير مرارا كثيرة، فكان نفيها بصفات ثابتة تبطلها أولى، كما كان نفي الفعل المذموم بالفعل المحمود أولى. فقوله: (وأنا لكم ناصح أمين) أي أنا ثابت لكم على النصح ثقة في النفس، لا أنتقل من النصح إلى الغش، ولا أتبدل خيانة بالأمانة وكان جواب كل من الكلامين ما لاق به واقتضاه.

стр. 594

٧١ الآية العاشرة منها قوله تعالى: (فكذبوه فأنجيناه والذين معه في الفلك وأغرقنا الذي كذبوا بآتنا إنهم كانواقوما عمين) الاعراف: ٦٤ وقال في سورة يونس ٧٣: (فكذبوه فنجيناه ومن معه في الفلك وجعلناهم خلائف وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا فنظر كيف كان عاقبة المنذرين) . للسائل أن يسأل فيقول: لم اختصت الآية الأولى بقوله (فأنجيناه والذين معه) والثانية بقوله: (فنجيناه ومن معه) وزاد فيها (وجعلناهم خلائف) ؟ والجواب أن يقال: السورتان مكيتان جميعا، إلا الآية في سورة الأعراف، وقوله: أنجينا أصل في هذا الباب، لأن أفعلت في باب النقل أصل ل فعلت وهو أكثر، تقول: نجا، وأنجيته كما تقول: ذهب وأذهبته، ودخل وأدخلته.

стр. 595

فأما فلته فمن القلة، بحيث يمكن عده، نحو فزع وفزعته وخاف وخوفته وقد يجاء معه الهمزة فيقال: أفزعته وأخفته، ولا يجاء مع تشديد العين الهمزة ولا تقول: ذهبته، ودخلته في أذهبته، وأدخلته.

стр. 596

فالآية الأولى جاءت على الأصل الأكثر، ولهذا أكثر ما جاء في القرآن جاء على أنجيناه كقوله تعالى: (فأنجيناه والذين معه برحمة منا..) الاعراف: ٧٢ وكقوله: (وأنجينا موسى ومن معه أجمعين) الشعراء: ٦٥، وكقوله: (فأنجاه الله من النار) العنكبوت: ٢٤. وليست الجيم المزيدة المشددة في (نجيناه) للكثرة، وإنما هي المعاقبة للهمزة بدلالة قوله تعالى في ذي النون: (فاستجبنا له ونجيناه من الغم) الأنبياء٨٨ ولا كثرة هناك.

стр. 597

وأما قوله: (والذين معه في الفلك) فهو الأصل، ومن تجيء بمعناها، وتكونان مشتركتين في معان والذين خالصة للخبر، مخصوصة بالصلة، فاستعمل الأصل في اللفظين، وهما: أنجينا والذين. ولما كرر هذا الذكر كان العدول إلى اللفظين الآخرين اللذين هما معناهما، وهما: نجينا ومن أشبه بطريقة الفصحاء وعادة البلغاء. وأما قوله: (وجعلناهم خلائف) في الآية الثانية فإنه زيادة في الخبر عن أحوال الذين نجوا من الغرق فصاروا خلفاء للهالكين. وقيل: كانوا ثمانين نفسا، وهلك سائر أهل الأرض.

стр. 598

فإن قال قائل: كان الإراق قبل أن جعلوا خلائف، فكيف قدم عليه؟ قلنا: جوز أن يكون معنى (وجعلناهم خلائف) وإنما قدم لأنه من صفة الذين أجاهم، فلما أخبر عنهم بذلك ضم إليه الخبر الثاني، ويجوز أن يكون معنى (وجعلناهم خلائف) أي حكمنا لهم بذلك، ثم كان الإغراق بعده على أن الواو لا ترتيب فيها، ولا يمتنع أن يكون المذكور بعدها مقدما على ما قبلها.

стр. 599

٧٢ الآية الحادية عشرة منها قوله تعالى في قصة نوح ( ... قد جاءتكم بينة من ربكم هذه ناقة الله لكم آية ف>روها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم) الأعراف: ٧٢. وقال في سورة هود ٦٤: (ويا قوم هذه ناقة الله لكم آية فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب قريب) . وقال في سورة الشعراء ١٥٥-١٥٦: (قال هذه ناقة لها شرب ولكم شرب يوم معلوم* ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب يوم عظيم) . للسائل أن يسأل عن اختلاف الخبر الواحد في الأماكن الثلاثة، وهو حكاية ما قاله صالح ﵇ لقومه لما حذرهم التعرض للناقة؟ والجواب أن يقال: إن هؤلاء سألوا أن يخرج لهم من هضبة ملساء ناقة، فسأل الله تعالى صالح ﵇، وفي خبر آخر: أنه بدأهم بهذه الآية، لا عن

стр. 600

مسألة كانت منهم، فانفرجت عن ناقة بعدما تمخضت تمخض المرأة، والناقة عشراء، فنتجت بعد ذلك فصلا، فكانت ترد ماء لهم بين
следующие страницы →