← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 1340

درة التنزيل وغرة التأويل

الخطيب الإسكافي

Полный текст (1 361 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

فالآية الأولى جاءت على الأصل الأكثر، ولهذا أكثر ما جاء في القرآن جاء على أنجيناه كقوله تعالى: (فأنجيناه والذين معه برحمة منا..) الاعراف: ٧٢ وكقوله: (وأنجينا موسى ومن معه أجمعين) الشعراء: ٦٥، وكقوله: (فأنجاه الله من النار) العنكبوت: ٢٤. وليست الجيم المزيدة المشددة في (نجيناه) للكثرة، وإنما هي المعاقبة للهمزة بدلالة قوله تعالى في ذي النون: (فاستجبنا له ونجيناه من الغم) الأنبياء٨٨ ولا كثرة هناك.

стр. 597

وأما قوله: (والذين معه في الفلك) فهو الأصل، ومن تجيء بمعناها، وتكونان مشتركتين في معان والذين خالصة للخبر، مخصوصة بالصلة، فاستعمل الأصل في اللفظين، وهما: أنجينا والذين. ولما كرر هذا الذكر كان العدول إلى اللفظين الآخرين اللذين هما معناهما، وهما: نجينا ومن أشبه بطريقة الفصحاء وعادة البلغاء. وأما قوله: (وجعلناهم خلائف) في الآية الثانية فإنه زيادة في الخبر عن أحوال الذين نجوا من الغرق فصاروا خلفاء للهالكين. وقيل: كانوا ثمانين نفسا، وهلك سائر أهل الأرض.

стр. 598

فإن قال قائل: كان الإراق قبل أن جعلوا خلائف، فكيف قدم عليه؟ قلنا: جوز أن يكون معنى (وجعلناهم خلائف) وإنما قدم لأنه من صفة الذين أجاهم، فلما أخبر عنهم بذلك ضم إليه الخبر الثاني، ويجوز أن يكون معنى (وجعلناهم خلائف) أي حكمنا لهم بذلك، ثم كان الإغراق بعده على أن الواو لا ترتيب فيها، ولا يمتنع أن يكون المذكور بعدها مقدما على ما قبلها.

стр. 599

٧٢ الآية الحادية عشرة منها قوله تعالى في قصة نوح ( ... قد جاءتكم بينة من ربكم هذه ناقة الله لكم آية ف>روها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم) الأعراف: ٧٢. وقال في سورة هود ٦٤: (ويا قوم هذه ناقة الله لكم آية فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب قريب) . وقال في سورة الشعراء ١٥٥-١٥٦: (قال هذه ناقة لها شرب ولكم شرب يوم معلوم* ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب يوم عظيم) . للسائل أن يسأل عن اختلاف الخبر الواحد في الأماكن الثلاثة، وهو حكاية ما قاله صالح ﵇ لقومه لما حذرهم التعرض للناقة؟ والجواب أن يقال: إن هؤلاء سألوا أن يخرج لهم من هضبة ملساء ناقة، فسأل الله تعالى صالح ﵇، وفي خبر آخر: أنه بدأهم بهذه الآية، لا عن

стр. 600

مسألة كانت منهم، فانفرجت عن ناقة بعدما تمخضت تمخض المرأة، والناقة عشراء، فنتجت بعد ذلك فصلا، فكانت ترد ماء لهم بين

стр. 601

جبلين يوما فتشربه كله وتسقيم اللبن بدله، وللقوم شرب يوم يخصهم، فثقل ﵈ التعرض لها إلى أن عقرها أحمر ثمود، فصار سبب هلاكهم. فالآية الألة من سورة الأعراف عامة في جمل ما كان من وعظه لهم، لأنه قال: (قد جاءتكم بينة من ربكم) أي آية تشهد بصحتها نفوسكم أنها من قدرة الله تعالى المختصة بفعله، لا بفعل غيره، ثم قال: (هذه ناقة الله لكم آية) هود: ٦٤ أي: هذه ناقة ليست ملك أحمد منكم، وإنما هي لله استخرجها من الصخرة أو الهضبة أمارة لصدق نبيه لتؤمنوا عندها، فاتركوها ترع

стр. 602

في الصحارى التي هي أرض الله من الكلأ الذي هو من نعمة الله تعالى، ولا تتعرضوا لها بسوء فيأخذكم عذاب أليم ينال منكم ويؤلمكم. وهذه المعاني المجملة في الآية الأولى زيدت بيانا في الآيتين، فالآية الأولى تحذير للقوم على طريق العموم. وأما قوله تعالى في الثانية: (فيأخذكم عذاب قريب) هود ٦٤ بعد ما قال في الآية الأولى: (أليم) فإنه اختص هذا المكان ب (قريب) لما بعده من قوله: (فعقروها فقال تمتعوا في داركم ثلاثة أيام..) هود: ٦٥ قدر المدة التي بينهم وبين هلاكهم، وقرب ما توعدهم به

стр. 603

من عذاب الله لهم، والقريب لا ينافي الأليم بل هو أشد ألما، إذ لم يكن بعد مهل فاختصاص الآية الثانية ب (قريب) دون (أليم) لما ذكرنا من قرب الميعاد المقرون ذكره إلى ذكره. وأما الآية الثالثة واختصاصها بقوله: (فيأخذكم عذاب يوم عظيم) الشعراء: ١٦٥ فلأن قبلها ذكر اليومين المقسومين بين الناقة وبينهم، كأنه قال لهم: إن منعتموها يومها بعقر ولا تتركونه لها أخذكم عذاب يوم عظيم. فيوم تؤلمونها فيه فيكون به يوم يؤلمكم الله فيه بعذاب الاستئصال، وهو يوم عظيم عليكم، وكل ذلك بمعنى واحد، وهو أنهم إن عقروها عوقبوا، بالألفاظ المختلفة دائرة على هذا المعنى، واختلافها لاختلاف مواضعها المقتضية تغيير الألفاظ فيها.

стр. 604

٧٣ الآية الثانية عشرة منها قوله تعالى في قصة صالح ﵇: (فأخذتكم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين) الأعراف: ٧٨. وقال فيهم في سورة هود ٦٥: (فعقروها فقال تمتعوا في داركم ثلاثة أيام..) . وقال فيهم في هذه السورة بعد هذه الآية: (وأخذ الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في دارهم جاثمين) هود: ٦٧. وقال في قصة شعيب ﵇ وقومه في سورة الأعراف ٩١: (فأخذتكم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين) . وقال في هذه القصة في سورة هود ٩٤ (وأخذت الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين) .

стр. 605

للسائل أن يسأل عن قوله تعالى: (فأصبحوا في دارهم) وتوحيد الدار في موضع، وجمعها في موضع، وهل هناك فرقان بين موضع الواحد وموضع الجمع؟ والجواب أن يقال: إذا كان الجمع والتوحيد جائزين كان وجه التوحيد على طريقين: أحدهما: أن يراد بدارهم بلدهم، فيوحد ذهابا إلى معنى البلد، وهو موحد. أو يذهب به مذهب الجنس كما تقول: دينارهم شر من درهمهم، كما قال: دينار آل سليمان ودرهمهم كالبابليين حفا بالعفاريت

стр. 606

بقي الكلام في اختصاص موضع بالتوحيد، وموضع بالجمع، وأن يقال: هل ذلك لفائدة تخصصه به؟ فنقول: إنه تعالى وحد ذلك في كل مكان ذكر في ابتدائه: (وإلى ثمود أخاهم صالحا) الأعراف: ٧٣، هود: ٦١ (وإلى مدين أخاهم شعيبا) الأعراف:: ٨٥، هود: ٨٤، العنكبوت: ٣٧ ولم يذكر إخراج النبي ومن آمن معه من بينهم، فجعلهم بني أب واحد، وجعلهم لذلك أهل دار واحدة، ورجاء أيضا أن يصيروا بالإيمان فرقة واحدة.

стр. 607

وكل موضع موضع أخبر عن تفرقه بينهم، وإخراج النبي ومن آمن منهم معه، أخبر عنهم الإخبار الدال على تفرق شملهم، وتشتت أمرهم، وذهاب المعنى الذي كان يجمعهم لأب واحد ودار واحدة، وأن يصيروا مع المؤمنين فرقة واحدة فقال: (فلما جاء أمرنا نجينا صالحا والذين آمنوا معه برحمة منا ... * وأخذ الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين) هود: ٦٦-٦٧. فإن قال قائل: فقد قال في قصة شعيب ﵇ في سورة الأعراف ٩١: (فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين) فوحد الدارأ وقد خرج شعيب ﵇ من بين أظهرهم، ووقع الحكم بتفرق شملهم، فكان ما ذهبت إليه يقتضي أن يجمع الدار فيقال ديارهم في هذا المكان؟ .

стр. 608

والجواب أن يقال: إنه لم يتقدم في هذا الموضع ذكر إخراجه بينهم مع الذين آمنوا معه، كما ذكر في الموضعين الآخرين في قصة صالح ﵇ في سوروة هود، وفي قصة شعيب فيها. ألا ترى قال في قصة صالح ﵇ في سورة الأعراف وسورة هود قبل أن أخبر أنه نجاه ومن آمن معه منهم لما جاء أمره مرتين، فوحد الدار فيهما، وفي الموضع الذي ذكرت قصته مع المؤمنين منهم جمع الدار فيها.

стр. 609

وكذلك جاء في قصة شعيب ﵇ في موضعين: أحدهما: جمع فيه، وفي الآخر وحد، والجمع حيث ذكر إخراجه منهم مع المؤمنين معه، فتدبره إن شاء الله تعالى.

стр. 610

٧٤ الآية الثالثة عشرة منها قوله تعالى في قصة صالح ﵇: (فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصت لكم ولكن لا تحبون الناصحين) الأعراف: ٧٩. وقال في قصة شعيب ﵇: (فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم فكيف آسى على قوم كافرين) الأعراف: ٩٣. للسائل أن يسأل عن إفراد الرسالة في قصة صالح ﵇، وجمعها في قصة شعيب ﵇، وما الفائدة المخصصة لكل واحد من الفظين بمكانه؟ والجواب عن ذلك أن يقال: إن الذي نطق به القرآن من تحذير صالح ﵇ قومه بعد أن أمرهم باتقاء الله تعالى وطاعته، وهو أمر الناقة، والمنع من التعرض لها، فجعل الرسالة جملة لما لم يفصل تفصيل ما أتى به شعيب ﵇ حين نهاهم عن عبادة الأوثان بدلالة قوله تعالى: (قالوا يا شعيب أصلاتك تأمرك أن نترك

стр. 611

ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء إنك لأنت الحليم الرشيد هود: ٨٧ ثم قال: (إن لكم رسول أمين* فاتقوا الله وأطيعون) الشعراء: ١٧٨-١٧٩ ثم قال: (أوفوا الكيل ولا تكونوا من المخسرين* وزنوا بالقسطاس المستقيم* ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين) الشعراء: ١٨١- ١٨٣ وقال: (ولا تقعدوا بكل صراط توعدون وتصدون عن سبيل الله..) الأعراف: ٨٦. قيل في التفسير: هم العشارون، عن قتادة والسدي، وقيل: كانوا يقعدون من قصد شعيبا فيوعدونه ويصدونه عن دين الله، فهذه التي أمر شعيب بها

стр. 612

قومه أشياء كثيرة، ليس ما أمر به صالح قومه مثها كثرة، فلهذا جمع الرسالة فقال: (رسالات ربي) وقال في قصة صالح ﵇: (رسالة ربي) .

стр. 613

وجواب ثان: وهو على ما يروى أن أيكة غير مدين، وأن شعيبا ﵇ بعث إلى أمتين، وهذا عن قتادة. وقيل: الأيكة: الغيضة الملتفة، وأصحاب الأيكة هم أهل مدين، فإذا حمل على الأول كان إلى كل واحدة من أمتيه رسالة، فجمع لاختلاف قوله، وتخصيص كل منهم برسالة من الله.

стр. 614

فغن قال قائل: عذاب الله أهلكوا، وقد نطق القرآن بالرجفة في أمرهم، ونطق بالصيحة التي خروا لها وماتوا، ونطق بعذاب يوم الظلة، وهي سحابة أظلتهم فأحرقهم الحر تحتها، وهذه أنواع من العذاب مختلفة، وفي كل واحد منها ما يغني عن الآخر في الغهلاك، فإذا أهلكوا بأحدها اكتفى به عن غيرها؟

стр. 615

والجواب أن يقال: في التفسير عن محمد بن كعب، قال: عذب قوم شعيب ﵇ بثلاثة اصناف من العذاب، أصابتهم الرجفة فخرجوا من ديارهم، ثم أصابهم حر شديد، ففرقوا من أن يدخلوا البيوت خوف الزلزلة، فبعث الله عليهم الظلة، وهي سحبة أنمنشئت لهم فصاح رجل منهم: هل لكم في الظلة؟ هل لكم في الظلة؟ وفي رواية: عليكم بالظلة، فما رأيت كاليوم من ظل أطيب ولا أبرد، فلجأوا إليها هربا من الحر الذي أصابهم، فلما اجتمعوا تحتحا أمطرتهم نارا فأحرقتهم وقيل: صيح بهم صيحة واحدة فماتوا منها فعلى هذا سلطت عليهم الأنواع الثلاثة من العذاب عذاب الاستئصال.

стр. 616

٧٥

стр. 617

الآية الرابعة عشرة منها قوله تعالى: (ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين* إنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم مسرفون* وما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوهم من قريتكم إنهم أناس يتطهرون* فأنجيناه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين) الأعراف: ٨٠-٨٣. وقال في سورة النمل ٥٤-٥٨: (ولوطا إذ قال قوله أتأتون الفاحشة وأنتم تبصرون* أئنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل انتم قوم تجهلون* فما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون* فأنجيناه وأهله إلا امرأته قدرناها من الغابرين* وأمطرنا عليهم مطرا فساء مطر المنذرين) . وقال في سورة العنكبوت ٢٨-٣٠: (ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين أئنكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل وتأتون في ناديكم المنكر فما كان جواب قومه إلا أن قالوا ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين* قال رب انصرني على القوم المفسدين) .

стр. 618

للسائل أن يسأل في هذه الآي عن موضع: فالأول: قوله في سورة الأعراف٨١: (..شهوة من دون النساء بل أنتم قوم مسرفون) وقال فيما وقع في سورة النمل٥٥: (شهوة من دون النساء بل أنتم قوم تجهلون) . والثاني: قوله تعالى بعد ذلك: (وما كان جواب قومه) في سورة الاعراف ٨٢ بالواو، وقال فيما أشبهه من سورة النمل ٥٦: (فما كان جواب قومه) بالفاء، وهل صلح أحدهما مكان الآخر في الاختيار؟ والثالث: قوله في سورة الأعراف٨٢: (إلا أن قالوا أخرجوهم) وقال في سورة النمل ٥٦: (إلا أن قالوا أخرجوا آل لوط) فأضمر في الأول واظهر في الثاني؟ والرابع: قوله في سورة الأعراف ٨٣: (إلا امرأته كانت من الغابرين) وفي سورة النمل ٥٧: (إلا امرأته قدرناه من الغابرين) . والخامس: قوله في سورة الأعراف ٨٠: (أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين) وقال في سورة النمل ٥٤: (أتأتون الفاحشة وأنتم تبصرون) .

стр. 619

والسادس: اختلاف المحكيات، قال في سورة الأعراف ٨٢ (وما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوهم) وفي النمل ٥٦: (فما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوا آل لوط) وفي العنكبوت ٢٩ (فما كان جواب قومه إلا أن قالوا ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين) . فأما المسألة الأولى، وهي مجيء (بل أنتم قوم مسرفون) في الأعراف، و (بل أنتم قوم تجهلون) في سورة النمل، فالمسرف مجهل بإسرافه، والجاهل مسرف بأفعاله، إذ الإسراف مجاوزة الحد الواجب إلى الفساد، فيجوز أن يكون لوط ﵇ لما كانت له مع قومه مقامات قال في بعضها هذا اللفظ، وفي بعضها اللفظ الآخر، ولم يناف أحدهما الآخر.

стр. 620

ثم اختصاص مسرفين بسورة الأعراف، فلأن الآيات التي قبلها فواصلها أسماء جمعت هذا الجمع، من حيث قال: (واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد وبوأكم في الأرض..) الأعراف: ٧٤ فكانت فاصلة هذه الآية: (مفسدين) وفاصلة ما بعدها: (مؤمنون) وما بعدها: (كافرون) وبعدها: (المرسلين) وبعدها: (جاثمين) وبعدها: (الناصحين) ، وبعد ذلك إذ انتهى إلى هذه الآية (العالمين) فكان الاسم أحق بالوضع في هذا المكان لتتساوى الفواصل، وفي سورة النمل تقدم الآية التي فاصلتها: (بل أنتم قوم تجهلون) .

стр. 621

النمل: ٥٥ قوله تعالى: (فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا إن في ذلك لآية لقوم يعلمون* وأنجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون* ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة وأنتم تبصرون) النمل: ٥٢-٥٤ فلما تناسقت هذه الأفعال في هذه الفواصل التي قبل هذه الفواصل التي قبل هذه الفاصلة كان بناؤها على ما قبلها بلفظ الفعل أولى بها، فجاء: (تجهلون) في هذا الموضع و (مسرفون) في الأول لهذا من القصد والله تعالى أعلم. وأما المسألة الثانية في اختصاص الواو بسورة الأعراف في قوله: (وما كان جواب قومه) ، والفاء في سورة النمل: (فما كان جواب قومه) فلأن

стр. 622

قبلها (مسرفون) وهو اسم وإن أدى معنى الفعل، و (تجهلون) صريح لفظ الفعل والأجوبة التي تتعلق بالأول المبتدأ به، وإنما أصلها ف الأفعال التي تقع وتوجد لوجود غيرها، والواو والفاء جائزتان في الموضعين إلا انه يختار حيث جاء الأصل الذي وضعت الفاء فيه لتوجب ما بعدها لوجود ما قبلها، وهو الفعل، واختيرت الواو حيث كان الملفوظ به الاسم ليفرق بين الموضعين، فيختار لكل ما هو أليق به، إذ ليس الاسم أصلا فيما جعلت الفاء للجواب فيه. وأما المسألة الثالثة، وهي إضمار آل لوط في الأعراف حيث قال (إلا أن قالوا أخرجوهم) وإظهاره في سورة النمل لما قال: (أخرجوا آل لوط من قريتكم) فالجواب عنه أن يقال: إن السورتين مكيتان وموجب هذا

стр. 623

الإضمار والإظهار ان يكون ما جاء فيه الإظهار نازلا قبل ما جاء فيه من الإضمار، فلما أظهر في الآية المنزلة قبل اعتمد في القصة التي هي عند ذكرهم على الإضمار الذ أصله أن يكون بعد تقدم الذكر. وأما المسألة الرابهة وهي (إلا امرأته كانت من الغابرين) في سورة الأعراف، وفي سورة النمل: (إلا امرأته قدرناها من الغابرين) فالجواب عنها ما يدل عليه الجواب عن المسألة الثالثة، وهو أن هذه القصة في سورة النمل نازلة قبل القصة التي في سورة الأعراف بدليل الإضمار والإظهار، وإذا بنينا على هذا فإن قوله: (إلا امرأته قدرناها من الغابرين) أي: كتبنا عليها أن تكون من الباقين في القرية الهالكين مع أهلها، فلما ذكر في الآية المنزلة أولا أحال في

стр. 624

الثانية على الأولى في البيان فقال: (كانت من الغابرين) أي: في تقدير الله الذي قدره لها، وأخبر فيما قبل عن حكمه عليها. وأما المسألة الخامسة فهي قوله تعالى في سورة الأعراف: (..أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين) وقال في سورة النمل: (أتأتون الفاحشة وأنتم تبصرون) فالجواب عنها على ما بينا، وهو أن ذكر قصة لوط وقومه نزل القرآن به قبل ذكره في سورة الأعراف، وتبكيتهم على الفاحشة، وتعظيم أمرها، وفحشهم فيها قبل الإخبار عن سبقهم إليها، فكان قوله: (وأنتم تبصرون) أي: لا تتكاتمون بها، لأنهم كانوا في مجالسهم لا يتحاشون عنها، وقيل: (وأنتم تبصرون) فحشها وشناعة قبحها، وهذه صفة ترجع إلى الفعلة نفسها، ثم إنهم لم يسبقوا

стр. 625

إليها، كما قيل في الخبر: نزا ذكر على ذكر حتى كان قوم لوط وهذا وصف حقه أي يجيء بعد توفيه الفاحشة حق وصفها في نفوسها، فأخر ذكره إلى حكاية الثانية لهذه القصة، وقد خاطبهم لوط ﵇ بذلك وأكثر منه في مقامات إنكاره عليهم ودعائهم لهم.

стр. 626

وأما المسألة السادسة فعن اختلاف المحكيات، إذ كان في سورتي الأعراف والنمل: (وما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوهم من قريتكم) و (أخرجوا آل لوط) وقال في سورة العنكبوت: (وما كان جواب قومه إلا أن قالوا إئتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين) والجواب عن ذلك أن هؤلاء لما كرر عليهم لوط ﵇ الإنكار وأعاد عليهم الإعذار والإنذار، قال في موقف ما حكاه الله تعالى عنه، فكان جوابهم له في ذلك الموقف ما ذكره الله تعالى. والجواب الثاني وإن خالف الجواب الأول فهو من جهتهم، وإذا خالفوا بين الأجوبة تناولت الحكاية مختلفها، على لو كان كل ذلك في موقف واحد لكان جائزا أن يكون جواب طائفة منهم ما ذكر أولا، وجواب طائفة أخرى ما ذكر ثانيا، وكل من الطائفتين قومه. فإذا قيل: (وما كان جواب قومه) أبعض قومه، فإذا كان قاله بعض ورضي به الآخرون، فكلهم أو في حكم القائلين، فلا يقدح ما جاء من

стр. 627

اختلاف أجوبتهم في الآيات التي نزلت في هذه القصة على ما يظنه المعترض، وإنما يتعلق بمثله من جهل للأنبياء ﵈ موافقها، ولم يعرف اللغات ومصارفها، وهذا كثير في قصة موسى ﵇ مع فرعون وحكايتها في هذه السور وغيرها مما نقف عليه إن شاء الله.

стр. 628

٧٦ الآية الخامسة عشرة منها تشتمل على ثلاث مسائل: قوله تعالى: (نقص عليك من أنبائها ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل كذلك يطبع الله على قلوب الكافرون) الأعراف: ١٠١. وقال في سورة يونس ٧٤: (ثم بعثنا من بعده رسلا إلى قومهم فجاءوهم بالبينات فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل كذلك نطبع على قلوب المعتدين) . للسائل ان يسأل عن اختلاف ما اختلف في الآيتين المتشابهتين فلم سقط (به) في سورة الأعراف دون سورة يونس؟ ولم قال: (يطبع الله) في الأولى، و (نطبع) في الثانية؟ ولم جعل الطبع على قلوب الكافرين في الأعراف، وعلى قلوب المعتدين في يونس؟ والجواب عن ذلك: أن سقوط (به) من قوله: (كذبوا) هو للبناء على ما جعل صدرا لهذه الآيات التي نزلت في الترغيب والترهيب، وهو: (ولو أن أهل

стр. 629

القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون الأعراف: ٩٦ فقوله: (ولكن كذبوا) لم يذكر له مفعول، وأنساقت الآيات بعد التحذير المتوالي بقوله: (أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا) الأعراف: ٩٧ ثم ختمت بقوله: (تلك القرى نقص عليك مكن أنبائها ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل) الأعراف: ١٠١. فالمكذبون هنا هم المكذبون في قوله (ولكن كذبوا) فدل على ذلك بأن أجرى مجراه في حذف ما يتعدى إليه كذب وما يتعدى إليه كذب إذا كان غير مميز يتعدى إليه بالباء، كقوله: (كذبوا بآياتنا) يونس: ٧٣. وإذا كان من المميزين فإنه يتعدى إليه بغير حرف إضافة نحو كذبه كقوله تعالى

стр. 630

(فكذبوا رسلي) سبأ: ٤٥ فالمحذوف في هذا المكان هو المفعول به، وهو الذي يتعدى إليه الفعل بالباء. وأما قوله تعالى في سورة يونس ٧٤: (فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل) وإثبات المفعول به هنا فلأن قبله نوح ﵇، وهي (واتل عليهم نبأ نوح إذ قال لقومه يا قوم إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله) . يونس: ٧١. ثم بعده: (فكذبوه فنجيناه ومن معه في الفلك) ثم بعده: (وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا) يونس: ٧٣ فجاءت كذب أمام القصة المبنية على القصة التي قبلها متعدية إلى ما وجب لها في موضعها، فروعي تعديها، فلما وقعت الإشارة في قوله: (ثم بعثنا من بعده رسلا إلى قومهم فجاءوهم بالبينات فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوه من قبل) إلى تكذيب من كذب من قوم نوح، اختير تعدية الفعل المكرر على الفعل الأول، ليعلم أن هذا الفعل معني به

стр. 631

ما تقدم، فلما جاء ذلك متعديا جاء هذا مثله. ولما لم يجيء في الآية التي في سورة الأعراف متعديا لم يجيء فيما بني عليه إلا محذوف المفعول به. وأما الجواب عن قوله) كذلك يطبع الله) الأعراف: ١٠١ و (كذلك نطبع) يونس: ٧٤ فلأن الآية في سورة الأعراف مبنية على ما تقدمها من الآيات، وهي تنتقل من الإضمار إلى الإظهار، ومن الإظهار إلى الإضمار، أعني في أخبار الله عن نفسه لقوله: (أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا) الأعراف: ٩٧. و (أن يأتيهم بأسنا ضحى) الأعراف: ٩٧ وقوله بعده: (أفأمنوا مكر الله) الأعراف: ٩٩ فأظهر: ولم يقل: أفأمنوا مكرنا.

стр. 632

فلما وقع هذا الإخبار في هذا المكان، ثم جاء بعده: (أو لم يهد للذين يرثون الأرض من بعد أهلها أن لو شاء أصبناهم بذنوبهم ونطبع على قلوبهم) الأعراف: ١٠٠. فأجرى الفعل على إضمار فاعله، ثم عاد إلى ذكر الطبع، كان إجراؤه على إظهار الفاعل أشبه بما بنيت عليه الآيات المتقدمة من الانتقال من الإضمار إلى الإظهار المختار استعماله في المكان. وأما الآية التي في سورة يونس وهي: (كذلك نطبع على قلوب المعتدين) يونس: ٧٤. فلأن ما قبلها جار على حد واحد وسنن لاحب وهو إضمار الفاعل من حيث في قصة نوح قبلهن وهي من مبتدأ العشر (واتل عليهم نبأ نوح) يونس: ٧١ إلى أن قال) فكذبوه فنجيناه ومن معه في الفلك وجعلناهم خلائف وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا فانظر كيف كان عاقبة المنذرين* ثم بعثنا من بعده رسلا إلى قومهم) فقال بعده: كذلك نطبع على قلوب المعتدين) يونس: ٧٣-٧٤ ولم يتقدمه ما يخالفه هذا المنهج، ولم يبن على الطريقين فاتبع الأول وحمل عليه في إضمار الفاعل فيه.

стр. 633

والمسألة الثالثة في هذه الآية قوله في سورة الأعراف ١٠١: (على قلوب الكافرين) وفي سورة يونس ٧٤: (على قلوب المعتدين) فالجواب عنها: أن الآيات التي تقدمت في سورة الأعراف تضمنت وصف الكفاء، لأنه لا يحذر عقاب الله ومجيئه بياتا أو ضحى إلا الكفار، ثم إطلاق الخاسرين لا يكون إلا في الكافرين/فلما وقع التصريح بصفات الكفر صرح به عند ذكر الطبع، ولما كانت الآية في سورة يونس قد تقدمها في وصف الكفار ما كان كالكناية عنهم فقال: (فانظر كيف كان عاقبة المنذرين) يونس: ٧٣. وما كل منذر كافر، كنى عن الكفار بعده عند ذكر الطبع بـ المعتدين وما كل معتد كافر، فمخالفة كل واحدة من الآيتين للأخرى إنما هي لموافقة ما قبل كل واحدة منهما من طرح الكلام وقصد الالتئام.

стр. 634

٧٧ الآية السادسة عشرة منها قوله تعالى في قصة موسى ﵇: (قال إن كنت جئت بآية فات بها إن كنت من الصادقين* فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين* ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين* قال الملأ من قوم فرعون إن هذا لساحر عليم* يريد أن يخرجكم من أرضكم فماذا تأمرون* قالوا أرجه وأخاه وأرسل في المدائن حاشرين* يأتوك بكل ساحر عليم* وجاء السحرة فرعون قالوا إن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين* قال نعم وإنكم لمن المقربين* قالوا يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون نحن الملقين) . الأعراف: ١٠٦-١١٥. وقال في سورة الشعراء مكان قولهك (قال الملأ من قوم فرعون إن هذا لساحر عليم) الأعراف: ١٠٩. (قال للملأ حوله إن هذا لساحر عليم* يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره فماذا تأمرون* قالوا أرجه وأخاه وابعث في المدائن حاشرين* يأتوك بكل سحار عليم* فجمع السحرة) . الشعراء: ٣٤-٣٨. للسائل أن يسأل في هذه القصة عن مسائل: أولها: قوله في سورة الأعراف ١٠٩-١١٠. (قال الملأ من قوم فرعون إن هذا لساحر عليم* يريد أن يخرجكم من أرضكم) ثم قال في سورة الشعراء ٣٤. (قال للملأ حوله إن هذا لساحر

стр. 635

عليم) . فأخبر في الأولى أن قائل ذلك الملأ من قومه وفي الثانية أن فرعون هو القائل ذلك لملئه، وهذا اختلاف ظاهر في الخبرين؟ والجواب أن يقال: إن قول الملأ فيما حكاه الله تعالى في سورة الأعراف قول فرعون، أداه عنه رؤساء قومه إلى عامة اصحابه، والدليل على أن ذلك قوله، وأنهم فيه مؤدو رسالة عنه قول العامة في جوابه: (أرجه وأخاه) الأعراف: ١١١، فكان هذا خطابا لفرعون ولم يكن للملأ، إذ لو كان لهم لكان: أرجوه وأخاه وإذا كان كذلك لم يخالف ما قاله في الشعراء من أنه: (قال للملأ حوله) الشعراء: ٣٤ بل يكون هو البادئ بذلك لمن حوله ليؤدوا إلى من بعد عنه قوله.
следующие страницы →