Полный текст (1 361 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
جامعة أم القرى، ١٤١٨ هـ
فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر.
الخطيب الإسكافي، محمد بن عبد الله
درة التنزيل وغرة التأويل/ تحقيق محمد مصطفى آيدن، إشراف عبد الستار فتح الله سعيد، مكة المكرمة
٤٨٠ ص ٢٤ x ١٧ سم
ردمك: ٢٦٨ - ٠٣ - ٩٩٦٠ مجموعة
٨ - ٢٦٩ - ٠٣ - ٩٩٦٠ ج ١
١ القرآن المحكم والتشابه أآيدين، محمد مصطفى محقق
ب سعيد، عبد الستار فتح الله مشرف ج العنوان
ديوي ٦٣، ٢٢٦
رقم الايداع: ١٩٩٠/ ١٨
ردمك: ٢٦٨ - ٠٣ - ٩٩٦٠ مجموعة
٨ - ٢٦٩ - ٠٣ - ٩٩٦٠ ج ١
الطبعة الأولى
حقوق الطبع محفوظة لجامعة أم القرى
أصل هذا العمل رسالة دكتوراه بعنوان درة التنزيل وغرة التأويل كلية الدعوة وأصول الدين بمكة المكرمة: قسم الكتاب والسنة أوصت لجنة المناقشة بطبعها ..
وبالله التوفيق
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 3
فهرس اجمالي للكتاب
الموضوع الجزء والصفحة
شكر وتقدير ٦
مفتاح رموز التحقيق ٨
المقدمة ١٠
أسباب اختياري تحقيق هذا الكتاب ١٣
خطة البحث ١٦
قسم الدراسة ٢٠
الفصل الأول عصر الإمام أبي عبد الله الخطيب وحياته ٢١
المبحث الأول عصر الإمام أبي عبد الله الخطيب ٢٢
المبحث الثاني حياة الإمام أبي عبد الله الخطيب ٢٨
الفصل الثاني التعريف بعلم متشابه القرآن ودراسة كتاب درة التنزيل وغرة التأويل ٤٥
المبحث الأول التعريف بعلم متشابه القرآن ٤٧
المطلب الأول: التعريف بالمتشابه لغة وإصلاحا: ٤٧
المطلب الثاني: التعريف بالمتشابه في القرآن الكريم ٤٩
تعريف المتشابه اللفظي إصلاحا ٥٣
المطلب الثالث: موضوع علم المتشابه اللفظي في القرآن وتطوره وتدوينه ٦٤
المطلب الرابع: نكتة هذا العلم، وحكمته، وأهميته، وفوائده ٦١
المطلب الخامس: نشأة علم متشابه القرآن اللفظي ٦٩
المطلب السادس: التأليف في توجيه متشابه القرآن اللفظي، وفي توجيه ٧٢
المطلب السابع: الكتب المؤلفة في المتشاتبع اللفظي، وفي توجيهه ٧٢
المبحث الثاني دراسة كتاب درة التنزيل وغرة التأويل ٨٧
المطلب الأول: تحقيق صحة اسم الكتاب ٨٨
٣
стр. 4
معنى اسم الكتاب ٩١
المطلب الثاني: تحقيق صحة نسبة الكتاب إلى المؤلف ٩٣
المطلب الثالث: موضوع الكتاب ١٣٤
المطلب الرابع: سبب تأليف الكتاب ١٣٧
المطلب الخامس: منهج المؤلف في الكتاب ١٣٨
المطلب السادس: قيمة الكتاب العلمية، وأثره فيمن بعده ١٦٢
المطلب الثامن: المآخذ على الكتاب ١٧٣
الفصل الثالث وصف النسخ ومنهج التحقيق ١٧٨
المبحث الأول وصف النسخ ١٧٩
المطلب الأول: وصف النسخ المطبوعة ١٧٩
المطلب الثاني وصف النسخ المخطوطة ١٨٧
المبحث الثاني منهج التحقيق ٢٠٩
النص المحقق لكتاب درة التنزيل وغرة التأويل ٢١٤
خاتمة ١٣٧٧
الفهارس ١٣٧٩
стр. 5
شكر وتقدير
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.
أما بعد:
فإني اشكر الله الذي تفضل علي بنعمه العظيمة، وآلائه الجسيمة، وحقق لي بفضله وكرمه إنجاز هذا العمل المبارك بجوار بيته العتيق، الذي جعل مثابه للناس وأمنا، فله الحمد أولا وآخرا.
ثم إني أقدم جزيل شكري، وعظيم امتناني، وعميق تقديري لكل من بذل جهدا في تعليمي، وكان له فضل علي في توجيهي، وإرشادي من أساتذتي الكرام.
وأخص منهم بالذكر شيخي، واستاذي المشرف على هذه الرسالة:
الأستاذ الدكتور عبد الستار فتح الله سعيد
فلقد أولاني من حسن رعايته، وجميل صبرهن وسعة صدره، وكان نعم المشرف في كل شيء علما وخلقا وتعاونا وتواضعا، ولم يدخر وسعا في التوجيه، والتسديد، والإرشاد والتتبع الجاد الدقيق لمراحل الدراسة والتحقيق أولا فأولا، ولم يكن لهذا الكتاب أن يرى النور على هذه الصورة لولا فضل اله أولا، ثم متابعته التامة، ونصائحه السديدة.
كما أرى لزاما علي أن أسجل هنا أنني قد أفدت منه كثيرا في المسائل العلمية، والبحث والتنقيب، وحل المشاكل التي كانت تواجهني أثناء البحث وكان يجلس معي الساعات الطوال وأن يبارك في علمه، وينفع به الإسلام والمسلمين.
стр. 6
وأيضا أقدم جزيل شكري وخاص تقديري لصاحبي الفضيلة الأستاذين الكريمين عضوي لجنة المناقشة، فجزاهما الله عني خير الجزاء على ما بذ من جهد في قراءة هذه الرسالة، لتبرز في أكمل حله بما قدماه من نصح وتوجيه وتصحيح.
ولا يفوتني أن اتقدم بالشكر الجزيل إلى فضيلة الشيخ الدكتور الشريف منصور بن عون العبدلي، أستاذي وشيخي، الذي نلت من فضيلته منذ عرفته، كل مساعدة علمية عالية، وكل تشجيع في سبيل تقدمي علميا، غجزاه الله عني وعن العلم وأهله وطلابه خير الجزاء.
كما أشكر أخي وزميلي الدكتور سليمان ملا إبراهيم أغلو إمام وخطيب جامع السليمانية باستانبول، الذي كان له فضل عظيم في الإشارة إلى تحقيق هذا الكتاب.
كما أشكر إخواني وزملائي الذين كان لهم فضل علي، فجزاهم الله عني خير الجزاء.
٥
ولا أنسى هنا أن اتقدم بالشكر الجزيل لجامعة أم القرى بمكة المكرمة، والعاملين فيها، وعلى رأسهم معالي مدير الجامعة فضيلة الدكتور الشريف راشد الراجح، وةكلية الدعوة واصول الدين متمثلة في عميدها فضيلة الدكمتور عبد الله بن عمر الدميجي، ورئيس قسم الكتاب والسنة الفضيلة الدكتور محمد سعيد البخاري وسائر أساتذتي فيها على رعايتهم، وحسن معاملتهم لنا في أطوار مراحل الدراسة، مع ما قدموه لنا من حسن الضيافة، وجميل الإكرام، فجزاهم الله عني وعن طلبة العلم خير الجزاء، ووفق الله الجميع فيه رضاه، إنه سميع الدعاء.
стр. 7
مفتاح رموز التحقيق
الدرة: درة التنزيل وغرة التاويل لأبي عبد الله الخطيب
البرهان: المراد به برهان في متشابه القرآن للكرماني
الملاك: المراد به ملاك التأويل لابن الزبير الغرناطي
كشف المعاني: المراد به كشف المعاني في المتشابه من المثاني لابن الجماعة
فتح الرحمن: فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن لشيخ الإسلام زكريا الأنصاري
اللسان: لسان العرب لابن منظور
السير: سير أعلام النبلاء للذهبي
المفردات: المراد به مفردات ألفاظ القرآن للراغب
عمدة الحفاظ: عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ للسمين الحلبي
الخطيب: المراد به صاحب أبو عبد الله محمد بن عبد الله مؤلف كتاب درة التنزل
الكرماني: المراد به صاحب البرهان في متشابه القرآن وليس الكرماني شارح البخاري
(٣/١٢٣) : أقصد بالرقم الأول الجزء أو المجلد، وبالرقم الثاني الصفحة
(أ) : نسخة أحمد الثالث (ب) : نسخة بايزيد
(حـ) : نسخة أحمد الثالث الثانية (خـ) : نسخة خسرو باشا
(د) : نسخة دار الكتب المصرية (ر) : نسخة راغب باشا
(س) : نسخة أسعد أفندي (ك) : نسخة مكتبة كوبريلني الأولى
(ق) : نسخة مكتبة كوبريلي الثانية (ل) : نسخة المتحف البريطاني
стр. 8
(و) : نسخة ولي الدين
[] : حصرت بهما أرقام الآيات ... ووضعت بينهما أيضا ما اضفته للضرورة
() : حصرت بينهما الآيات القرآنية الكريمة
(()) : حصرت بهما الأحاديث والاثار والأقوال المنقولة بنصها.
/: خط مائل: فصلت بين رقم الورقة من المخطوط وبين الرمز المشير إلى الصفحة، وكذلك يشير هذا الخط إلى بداية صفحة جديدة من الأصل.
(ص) : اختصار كلمة صفحة
(ط) : اختصار كلمة طبعة
стр. 9
٧
المقدمة
الحمد لله الذي (نزل الحديث كتابا متشابها) [المزر: ٢٣] ، وهو كتاب أحكمت آياته، وزاتقنت فصوله، وابدعت جمله، واختيرت كلماته، وعلا أسلوبه، واتفقت معانيه وائتلفت مبانيهن فلا ترى فيه عوجا، ولا تجد فيه اختلافا وتناقضا، وصدق إذ يقول (وإنه لكتاب عزيز، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد) . [فصلت: ٤١-٣٤] .
والصلاة والسلام على سيدنا محمّد بن عبد الله، النبي الأمي الذي أرسله الله (شاهدا ومبشرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا) . [الأحزاب: ٤٥-٤٦] ، ... وعى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين، وعلى من اهتدى بهديه، وسار على نهجه إلى يوم الدين أما بعد:
فقد كثرت العلوم، وتنوعت الأبحاث حول القرآن الكريم حيث نزوله، وجمعه وترتيبه، ومناسباته، ومبهماته، وأسباب نزوله، وناسخه ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه، وتفسيره.. وما إلى ذلك من علوم تتعلق بكتاب الله، أو تتصل به.
وعلم المتشابه اللفظي واحد من تلك العلوم الشريفة الكريمة، ولد في أحضان أئمة القراء، ونما وربى على أيدي الكبار العلماء، الذين عكفوا طوال حياتهم على إحاطة كتاب الله بعقولهم، وقلوبهم، وأسماعهم، وأبصارهم، وبذلو في خدمته عصارة أعمارهم وأوقاتهم، حتى عدوا كلماته، وحروفه، وذكروا الفرق بين الآيتين، أو الآيات المتشابهة لفظا.
стр. 10
ونتعرف بهذا العلم على أسلوب القرآن الكريم في تكرير بعض الآيات بالكلمات المتفقة أو المختلفة، وحروفها المتشابهة، بأن تذكر الآية الواحدة ذات الموضوع الواحد في أكثر من موقع، مع إختلاف في جوانب التناول بين موقع وآخر، تقديما وتأخيرا، أو تعريفا وتنكيرا، أو جمعا وإفرادا، أو إبدال كلمة بأخرى، أو حرف بآخر، إلى غير ذلك من أنواع التشابه، وكثيرا ما يتصل هذا الاختلاف بمناسبة السياق القرآني عرض الآيات، وذكر الأحداث التي يشتمل عليها.
إن هذا التنويع في الأسلوب القرآني هو لون عظيم من ألوان إعجازه، ووجه بديع من وجوه بلاغته، ذلك لأن تكرير الأيات القرآنية بألفاظ متفقة، أو مختلفة ليس كما قد يظنه بعض قصار النظر تكرارا خاليا عن فوائد وأسرار، وفي هذا الصدد يقول مؤلفنا أبو عبد الله الخطيب رحمه الله تعالى:
((إذا أو رد الحكيم- تقدست أسماؤه- آية على لفظة مخصوصة، ثم أعادها في موضع آخر من القرآن، وقد غير لفظة عما كانت عليه في الأولى فلا بد من حكمة هناك تطلب، وإن أدركتموها
٨
فقد ظفرتم، وإن لم تدركوها فليس لأنه لا حكمة هناك، بل جهلتم)) ١.
ومن هذا يتبين خطر هذا الموضوع، وأنه يجب أن يحاط بسياج من التحقيق العلمي الرصين، تتكسر دونه أمواج الشبهات التي يسوقها الجاهلون، وترتد عنه أعاصير المطاعن التي يثيرها الزائغون، وما أكثر هؤلاء وأولئك.
стр. 11
وكتاب الإمام الخطيب أبي عبد الله درة التنزيل وغرة التأويل هو أقدم المصنفات فيما نعلم التي صنفت مستقلة، مخصصة في توجيه ما يتشابه، أو يتماثل، أو يتكرر من ألفاظ القرآن وآياته، عرفه علماء هذا الشأن قديما وحديثا، فأثنوا عليه، واتخذوا مثلا يحتذي، مع أن المعاصرين لم يروه إلا من خلال مطبوعة غير محققة، كثيرة الخطأ والخلل، والسقط.
وإني أحمد الله تعالى على أن وفقني، بمنه وكرمه، إلى تحقيق هذا الكتاب النفيس والاستفادة منه، وتقديمه إلى العلماء والقراء، إعلاء لكلام الله، وخدمة له، ونشر كنوزه بين أبناء الأمة الإسلامية عامة، وبين المتخصصين في الدراسات القرآنية خاصة، إذ أن القارئ الكريم سيجد في مباحثه اليوم وفي الغد إن شاء الله ما يساعده للرد على الطاعنين في القرآن الكريم، بجانب ما سيعلمه من أسرار التكرار، والتشابه اللفظي في كتاب الله .
والكتاب الذي بين أيدينا يخرج محققا لأول مرة، وأنا بعد هذا الجهد لشاكر لله تعالى فضله علي، إذ وفقني إلى إخراجه في هذه الصورة، وسعيد بأنني عشت في رحاب القرآن أربع سنوات، وأمضيت بجواره أياما وليالي، هي من أحسن أيام العمر، وهل هنالك لحظات أسعد أهنأ آنس للنفس وأمتع من تلك التي يقضيها المؤمن مع كتاب ربه؟ يتدبر معانيه، ويستجلي أسراره، ويتلقى نفحاته، فيزيد إيمان.
стр. 12
أسباب إختياري تحقيق هذا الكتاب
دفعتني إلى تحقيق هذا الكتاب أمور كثيرة، منها: /
١ - أن كتاب درة التنزيل وغرة التأويل لأبي عبد الله الخطيب يندرج تحت علم متشابه القرآن، وهو من أهم علوم القرآن التي يحتاج إليها الدارس لتفسير القرآن الكريم، وترجع أهمية هذا الكتاب إلى أهمية موضوعه هو إبراز المعاني الكامنة فيما تشابه وتكرر من الآيات القرآنية، والرد على الطاعنين في القرآن الكريم.
٩
٢- القيمة العلمية للكتاب عالية القدر جدا، لدفع الإشكالات في الآيات القرآنية التي ظاهرها التعارض.
٣- ومن الأسباب التي جعلتني أختار هذا الكتاب للتحقيق رغبتي العلمية الملحة في حسم أمره، لوجود اختلاف في تسميته، وفي نسبته إلى مؤلفه الحقيقي، والفصل في قضية الإختلاف في اسم الكتاب، واسم مؤلفه بالأدلة والقرائن العلمية عمل علمي ضروري، خاصة بالنسبة لمثل هذا الكتاب في شرف موضوعه، وجلال قدره العلمي.
٤- كنت أعرف قبل ان أشرع في هذا العمل أن الكتاب طبع في القاهرة مرتين سنة ١٣٢٦هـ،
وسنة ١٣٢٧ هـ وأصبح نادرا، لا يمكن أن يحصل المرء اليوم على نسخة منه.
стр. 13
وكنت أعرف هذا، وأعرف كذلك أن هذا الكتاب طبع في لبنان مرتين: الأولى سنة ١٩٧٣م، والثانية سنة ١٩٧٩م في دار الآفاق الجديدة ببيروت.
ويبدو أن الذي أشرف على إعادة طبعه ما كان يريد تحقيقه أو مقابلة نسخه من جديد، ولا كان عنده محاولة ذلك، لأن نفس الأخطاء والنقص في الطبعة المصرية القديمة تكررت كما هي، وليست هذه الأخطاء التي ترددت في تلك الطبعات هينة ولا يسيرة.
والشأن في كتاب طبع أربع مرات، أن يكون في غنى عن أن يقدم محققا، لكنه في كل هذه الطبعات لم يأخذ حظه من التحقيق، والتصحيح، والتمحيص، والدراسة فجاءت كلها مليئة بالخطأ والتصحيف والتحريف، والاضطراب في بعض الكلمات، لكونها قرئت على غير حقيقتها، كما سنذكر لذلك أمثلة- إن شاء الله- في مطلب وصف النسخ المطبوعة.
٥- أن الكتاب المطبوع المتداول لم يقابل بالنسخ المخطوطة الكثيرة، فمعلوم أن تقويم النص بمقابلة النسخ يعين على الفهم الراشد، والحكم السديد، ولذا لا بد من الوقوف عند كل إختلاف بين النسخ، والتزام ذكر ما كان منها على الصواب، وما يناسب السياق.
٦- أن الكتاب المطبوع خال تماما من أي دراسة علمية عن الكتاب لم تحسم نسبته إلى مؤلفه، بل كان فيها اختلاف كثير، حتى وفقني الله تعالى للفصل في أمره ٢.
стр. 14
٧- ومن أسباب اختياري هذا الكتاب درة التنزيل وغرة التأويل لأبي عبد الله الخطيب للتحقيق والدراسة أنه كان من أهم مراجعي عند إعدادي رسالة الماجيستير، التي كانت تحمل عنوان: ((الأسماء الحسنى ومناسبتها للآيات التي ختمت بها)) ، حيث إن درة التنزيل كان يهتم بذكر
١٠
مناسبة الأسماء الحسنى لمضامين الآيات التي ختمت بها، ولقد نشأت في نفسي خلال تلك الفترة رغبة قوية لخدمة هذا الكتاب بإخراجه إخراجا يليق بخطر موضوعه، وجلال مضمونه.
стр. 15
٣- هذا الموضوع قسم بين ثلاثة باحثين في القرآن كله، وكان نصيبي فيه من أول سورة ((المائدة)) إلى آخر سورة ((المؤمنون)) .
خطة البحث
هذا، وقد اقتضت طبيعة البحث أن أقسمه إلى قسمين رئيسين:
قسم الدراسة.
وقسم التحقيق.
أما قسم الدراسة فيتكون من مقدمة وثلاثة فصول:
المقدمة:
وفيها ذكر الباعث على اختياري التحقيق هذا الكتاب، وبينت فيها أهمية الموضوع، وخطة البحث.
أما الفصول فكانت كما يلي:
الفصل الأول: عصر الإمام أبي عبد الله الخطيب وحياته، ويشتمل على مبحثين:
المبحث الأول: عصر الإمام أبي عبد الله الخطيب، وتناولت فيه:
الحالة السياسية.
الحالة الإجتماعية.
الحالة العلمية.
المبحث الثاني: حياة الإمام أبي عبد الله الخطيب، وفيه مطالب أربعة.
المطلب الأول: اسمه، نسبه، كنيته، لقبه نسبته.
المطلب الثاني: مولده، نشأته، أسرته، طلب للعلم، رحلاته، مذهبه، شيوخه، تلامذته.
стр. 16
المطلب الثالث: مكانته العلمية، وثناء العلماء عليه.
المطلب الرابع: آثاره العلمية، ووفاته.
الفصل الثاني: في التعريف بعلم متشابه القرآن، ودراسة كتاب ((درة التنزيل وغرة التأويل)) ، ويشتمل على مبحثين:
المبحث الأول: التعريف بعلم متشابه القرآن، ويشتمل على مطالب سبعة:
١١
المطلب الأول: التعريف بالمتشابه لغة وإصلاحا:
المطلب الثاني: التعريف بالمتشابه في القرآن الكريم
المطلب الثالث: موضوع علم المتشابه اللفظي في القرآن الكريم.
المطلب الرابع: نكتة هذا العلم، وحكمته، وأهميته، وفوائده.
المطلب الخامس: نشأة علم متشابه اللفظي في القرآن، وتطوره، وتدوينه.
المطلب السادس: التأليف في توجيه متشابه القرآن اللفظي.
المبحث الثاني: دراسة كتاب ((درة التنزيل)) ، ويشتمل على مطالب ثمانية:
المطلب الأول: تحقيق صحة اسم الكتاب.
المطلب الثاني: تحقيق صحة نسبة الكتاب إلى المؤلف.
المطلب الثالث: موضوع الكتاب.
المطلب الرابع: سبب تأليف الكتاب.
стр. 17
المطلب الخامس: منهج المؤلف في الكتاب.
المطلب السادس: مصادر المؤلف في الكتاب.
المطلب السابع: قيمة الكتاب العلمية، وأثره فيمن بعده.
المطلب الثامن: المآخذ على الكتاب.
الفصل الثالث: وصف النسخ، ومنهج التحقيق، وفيه مبحثان:
المبحث الأول: وصف النسخ، وفيه مطلبان:
المطلب الأول: وصف النسخ المطبوعة.
المطلب الثاني: وصف النسخ المخطوطة، مع نماذج مصورة منها.
المبحث الثاني: منهج التحقيق، وفيه تفصيل لنهجي في تحقيق الكتاب٤.
والقسم الثاني: النص المحقق
فقد طبقت المنهج الذي أعددته على نصوص الكتاب، وعلقت على ما يحتاج إلى تعليق، وغير ذلك مما خدمت به نص الكتاب بفضل الله تعالى.
стр. 18
١٣
هذا ما بذلته من الجهد في هذا الكتاب الجليل، وإني لأرجو الله تعالى أن أكون قد أديت حقه العلمي وخدمته بهذا التحقيق والإخراج، فإن أصبت فذلك الفضل من الله، يؤتيه من يشاء، وإن أخطأت فمني، وأستغفر الله من تقصيري، والله أسأل أن يتقبل صالح عملي، ويجعله خالصا لوجهه الكريم، وأن يدخر ثوابه في صحائف أعمالي يوم لا ينفع مال ولا بنون*إلا من أتى بقلب سليم] الشعراء: ٨٨_٨٩ [.
كما أرجو من القارئ الكريم أن يعذرني فيما يرى من خطأ أو زلل، فالكمال لله وحده، وأن يدعو لي بظهر الغيب دعوة صالحة بالرحمة والغفران، والحمد لله أولا وآخرا، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
مكة المكرمة محمد مصطفى آيدن
٢٥ من ذي الحجة سنة ١٤١٤ هـ ٤ يونيو حزيران سنة ١٩٩٤م
١٤١١
стр. 19
القسم الأول
قسم الدراسة
стр. 20
الفصل الأول عصر الإمام أبي عبد الله الخطيب وحياته
يشتمل على مبحثين:
المبحث الأول: عصر الإمام أبي عبد الله الخطيب
فيه المطالب الآتية:
الحالة السياسية.
الحالة الإجتماعية.
الحالة العلمية.
المبحث الثاني: حياة الإمام أبي عبد الله الخطيب.
يشتمل على مطالب أربعة:
المطلب الأول: اسمه، نسبه، كنيته، لقبه، نسبته.
المطلب الثاني: مولده، نشأته، أسرته، طلبه للعلم، وحلاته، مذهبه، شيوخه، تلامذته.
المطلب الثالث: مكانته العلمية، وثناء العلماء عليه.
المطلب الرابع: آثاره العلمية، ووفاته.
стр. 21
المبحث الأول
عصر الإمام أبي عبد الله الخطيب
الحالة السياسية:
كانت رقعة الإسلام خلال القرن الرابع الهجري تمتد من كاشغر (١) في أقصى المشرق إلى الأندلس في المغرب.
وبعد هذا الإتساع بدأ العالم الإسلامي يفقد من الناحية السياسية، حيث ضعف كيان الدولة الإسلامية وتفككت، وذلك بسبب أن الأمراء والسلاطين بدأوا يستقلون عن مركز الخلافة العباسية في بغداد، فنشأت دويلات كثيرة، وقد أخذت كل دولة من هذه الدويلات تهدف إلى تكوين كيان
١٥
مستقل، وذات سيادة مستقلة. لتنطلق منها إلى الاعتداء على غيرها من الدويلات والاستلاء على ما تحت يدها.
وقد تضافرت على العالم الإسلامي ظروف داخلية وخارجية صعبة، فقد كانت الروم تهدد العالم الإسلامي من الخارج، واليهود والنصارى والفرق الضالة والدعوات الشعوبية تهدد من الداخل، حيث كان هؤلاء جميعا يمثلون قوة خبيثة داخل المجتمع الإسلامي، وكانوا يحرصون كل الحرص على أن لا تكون لدولة الإسلام وحدة سياسية، وأن: ان يسرون ذلك.
стр. 22
وفي هذه الفترة التي عاش فيها أبو عبد الله الخطيب شهد الجزء الشرقي من الأمة الإسلامية أشد حالات الانقسام والفوضى السياسية، بسبب كثرة الدويلات، والنزاع بين الأمراء والسلاطين، وعلى سبيل المثال فقد استبد البويهيون (٢) (٣٣٤-٤٤٧هـ) أمور الدولة وشاركوا الخلفاء العباسيين حتى في بعض مظاهر الخلافة وشاراتها، فكان الأمير البويهي هو الذي يصدر الأوامر وعلى الخليفة توقيعها لتكتسب الشرعية أمام الرأي العام، ولولا عمق جذور الخلافة العباسية، وولاء الناس لها لأسباب تتصل بالعقيدة الدينية، لما أبقى البويهيون على وجودها حتى بالصورة الرمزية التي كانت عليها (٣) .
ومن خلال هذا العرض السريع للأوضاع السياسية التي عاصرها المؤلف في عهد الخلافة العباسية وسيطرة البويهيين نستنتج أنه عاش عصر اضطرابات ودويلات متناحرة في ظل خلافة ضعيفة لا تقدر على القيام بحماية نفسها.
ولكن المؤلف لم يعكس لنا من خلال مؤلفاته شيئا من الواقع السياسي الذي عاصره، فقد كان منكبا على العالم مشتغلا به تعلما وتعليما وتصنيفا.
стр. 23
الناحية الاجتماعية:
كانت السلطة في القرن الرابع الهجري في يد الدولة العباسية، وعاصمتها بغداد، ولكن تغلب عليها آل بويه الفرس، الذين امتد حكمهم من فارس إلى بغداد نفسها، الأمر الذي جعلهم قادرين
على الأخذ بزمام الأمور والتحكم بالبلاد ورقاب العباد، وقد أصبح لهم بحكم ذلك فرص لهم بحكم ذلك فرص الضرائب والمكوس، وجباية الأموال من كل طريق مما أثقل كواهل الناس، وجعل حياتهم الاقتصادية شاقة.
١١١
كما أن الفساد انتشر في جميع أركان الدولة حتى شمل الحسبة (٤) والقضاء، وهما أهم ما يرتبط في حياة الناس المعيشية، والاجتماعية، فعمت الفوضى والسرقة والغش والرشوة والتلاعب بمقدرات الناس مما جعلهم يغرقون في الفقر والحاجة حتى أصبحت الحياة بالنسبة لعامة الناس حملا ثقيلا لا يطاق.
وإضافة إلى هذه الفوضى، فقد ازداد الخلاف المذهبي في هذا القرن، وكان البويهيون وهم -الشيعة- يشجعون دعاة المذاهب الشيعية على التغلغل في البلدان، وفي نفس الوقت كانوا يشجعون النزاع المذهبي أيضا للقضاء على الخلافة العباسية (٥) .
стр. 24
الناحية العلمية:
وعلى الرغم من هذه الظروف الصعبة التي سبقت الإشارة إلى بعضها، ظل العلم والعلماء في مقاومة طويلة شاملة لكل عوامل التخلف والضياع، التي تسربت إلى جذور الأمة الإسلامية وحياتها، ذلك لأن العلم عند المسلمين دين، ومسؤولية إسلامية، وعبادة وقربى إلى الله تعالى، لذلك وجدناه ينطلق من خلال أئئمته الأعلم في حركة غلابة، من غير نظر إلى التقلبات العاصفة في السياسة والحروب، أو الأزمات الطاحنة من فتن، وثورات، ونكبات (٦) .
ويعتبر القرن الرابع الهجري قرنا مزدهرا من الناحية العلمية، حيث نضجت فيه ثمار العلوم في مختلف أنواعها، وظهر فيه كثير من أفذاذ العلماء والأدباء والشعراء ذوي الشهرة الواسعة في شتى ميادين العلوم والثقافة، في التفسير، والفقه، واللغة، والأدب، والشعر، والنقر، وغير ذلك من الفنون.
وكانت المكتبات العامة المليئة بذخائر العلوم تنتشر في كل مكان من العالم الإسلامي الواسع، فلا يكاد يخلو مسجد من مكتبة عامرة، وذلك أن العلماء كان من عادتهم أن يقفوا مكتباتهم على المساجد.
стр. 25
وكانت هنالك مكتبات في غير المساجد مثل بيت الكتب للصاحب ابن عباد (ت ٣٨٥ هـ) (٧) بالري، وكان يحوي من الكتب ما يحتاج نقله إلى أربعمائة جمل أو أكثر، وكانت فهرستها تقع في
عشرة مجلدات (٨) .
وقد أوجد انقسام الدولة العباسية إلى دويلات عواصم ثقافية كثيرة، وكل منها يتنافس ليكون له كيانه الثقافي الخاص بجوار بغداد التي كانت آنذاك أكبر مركز ثقافي.
ومن هذه المدن التي ازدهرت بالعلوم والثقافة في مشرق العالم الإسلامي مدينتنا أصبهان (٩)
١٧
والري (١٠) ، وبخاصة في عهد البويهيين الذين اندفعوا في التأثير في الأدب.
стр. 26
العربي اندفاعا تاما، مع أن أصلهم كان من الفرس كما أن أغلب وزرائهم كابن العميد وابن عباد كانوا من الفرس (١١) .
وأبو عبد الله الخطيب الذي هو مؤلف كتاب درة التنزيل وغرة التأويل عاش بين هاتين المدينتين في فترة من أزهى الفترات العلمية.
стр. 27
المبحث الثاني
حياة الإمام أبي عبد الله الخطيب.
المطلب الأول: اسمه، نسبه، كنيته، لقبه، نسبته.
هو محمد بن عبد الله (١٢) ، المكنى بأبي عبد الله، والملقب بالخطيب، الأصبهاني (نسبة إلى أصبهان، وهي وطنه الأصلي) ، الرازي (١٣) (نسبة إلى الري، وهي التي تولى فيها الخطابة) .
стр. 28
والمراجع التي بأيدينا لا تسعفنا في تحديد كونه فارسيا أو عربيا، وإنما نرجح أنه كان من أهل أصبهان نسبا ومولدا.
أما نسبته الإسكافي (١٤) فهو نسبة إلى الأسكفة، وهي حرفة الإسكاف (١٥) ، وكان بعض الأصبهانيين ينسبون إلى هـ\ه الحرفة، يقول ابن لأثير (ت ٦٣٠ هـ) في كتابه ((اللباب في تهذيب الأنساب)) ، ولعل مؤلفنا الشيخ أبا عبد الله الخطيب كان من هؤلاء. والله أعلم.
(١٢) مصادر ترجمته:
معجم الأدباء لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ) ، ٦/٢٥٤٩، وانظر كذلك في ترجمة أبي علي المرزوقي (٢/٥٠٦) حيث فيها ذكر للخطيب أيضا.
الوافي بالوفيات للصفدي (ت ٧٦٤ هـ) ، ٣/٣٣٧.
بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة السيوطي (ت ٩١١ هـ) ، ١/١٤٩.
هدية العارفين لاسماعيل باشا البغدادي (ت ١٣٣٩هـ) ، ٢/٦٤، وجاء فيها: الخطيب البغدادي وهو خطأ ظاهر.
معجم المؤلفين لرضا كحالة، ١٠/٢١١. ...
تاريخ الأدب العربي بروكمام، ١/٦/٢٢٧.
الأعلام لخير الدين الزركلي، ٦/٢٢٧.
معجم المفسرين لعادل نويهض، ٢/٥٥٨
١٨
قال ياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ) في ترجمته ((محمد بن عبد الله خطيب القلعة الفخرية (١٧) ، أبو عبد الله، المعروف بالخطيب الإسكافي، الأديب اللغوي، صاحب
стр. 29
التصانيف الحسنة، أحد أصحاب ابن عباد (ت ٣٨٥ هـ) ، وكان من أهل أصبهان، وخطيبا بالري)) (١٨) .
المطلب الثاني: مولده، نشأته، وأسرته، طلبه للعلم، رحلاته، مذهبه، شيوخه، تلامذته:
يحيط غموض كبير بهذه الجوانب كلها من حياة الخطيب الأصبهاني رغم ما ذكره الصاحب ابن عباد (ت ٣٨٥ هـ) من ذيوع شعرته، وكان خليقا بهذه الشهرة أن يكون لصاحبها تاريخ حافل بالأخبار، يحكي تفاصيل حياته، ويروي دقائق طفولته، وشبابه، وكهولته.
ولكن الكتب لم تسعفنا بأخبار وافية وشافية عن حياة الخطيب، بل حظه من الحديث في المصادر والمراجع قليل جدا.
فليس فيما بين أيدينا من المصادر ذكر لتاريخ ميلاده، ولا نعرف شيئا عن أسرته التي تربى فيها، ولا نعرف شيئا عن أسرته التي تربى فيها، ولا عن نشأته في ذلك شأن الكثير من القدماء.
ولم تحدثنا أيضا تلك الكتب التي ترجمت له عن الفترة التي مكثها في أصبهان، ومتى صار خطيبا بالري. فخر اباذ، وهي مشرفة على البساتين والمياه الجارية أنزه شيء يكون، وأظنها قلعة طبرك، والله أعلم.
стр. 30
وكذلك الأمر في طلبه، فلم ترو المصادر من أين ممن أخذ العلم؟ ، ولانعرف شيئا عن رحلاته العلمية إن كانت، وليس هناك أي ذكر على أنه غادر مدينة أصبهان والري، ولم تظهر أية إشارة إلى ذلك في الكتب التي ترجمت له.
كما أن المصادر لم تذكر شيئا عن شيوخه، ولا عن تلامذته، ولا شك أن هذا أمر يؤسف له، خاصة بالنسبة للعالم جليل مثل أبي عبد الله الخطيب، وقد وقع مثل هذا العدد من الأئمة الأعلام، كل بسبب خاص به، كالإمام أبي عبد الله القرطبي (ت ٦٧١ هـ) صاحب ((الجامع لأحكام
القرآن)) ، حيث لم يذكر من ترجم له التلاميذ الذين أخذوا عنه، وتخرجوا عليه، وأفادوا من معرفته الشيء الكثير، فيبعد جدا أن يعزف الناس عنه، ولا يفيد منه.
ولعل السبب بالنسبة للخطيب الإسكافي هو ميله للعزلة كما سيظهر بعد قليل إن شاء الله، ولعل هذا هو ما جعل بعض المراجع الشهيرة في التراجم يغفل ذكره على الإطلاق مثل ((سير أعلام
١٩
النبلاء)) ، الذي ترجم فيه الذهبي لعلماء دون الخطيب الإسكافي بمراحل شاسعة. والله أعلم.
مذهبه في العقيدة:
ظهر لي بحسب واقع ما جاء في كتاب ((درة التنزيل)) أن الخطيب سني المذهب في العقيدة، إذ لم أجد عنده نفيا للصفات، أو تأويلا لها بالمجاز، ونحوه، أو غلوا في أحكام التكفير بالذنب،
ويتضح ذلك بالاعتبارات التالية:
أولا: مما يدل على أنه مثبت للصفات، منكر على نفاتها، مقر لمذهب أهل السنة في علم الله تعالى
بالجزئيات والكليات: ما قاله في تفسير قوله تعالى) إنه سميع
стр. 31
عليم) [الأعراف: ٢٠٠] ((أي يسمع ما يكون منك، ويعلمه مع كل مسموع ومعلوم)) (١٩) .
ثانيا: مما يدل على أنه ينقد المذاهب العقائدية، حيث يقول ((وأما أن يكون الحكم بخلاف ما أنزل الله كفرا فهو مذهب الخوارج، يذهبون ب ((من)) هنا إلى الشياع الذي في المجازاة، وهذا مخصوص به اليهود الذين تقدم ذكرهم وتبديلهم حكم الله تعالى ليكذبوا رسول الله ص وذلك كفر)) (٢٠) .
مذهب الفقهي:
ولما كان موضوع كتاب ((درة التنزيل)) بعيدا عن المسائل الفقهية لم نعرف من خلال الكتاب مذهبه الفقهي ولم يذكر من ترجم له أيضا انتسابه إلى أحد من المذاهب الفقهية.
ولم أجد أحدا قبل ياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ) يذكر ترجمة الخطيب، بل تأكد لدي أن كل ما أورده أصحاب كتب التراجم عنه إنما هو عبارة عن أخبار يسيرة في أسطر قليلة وردت في معجم الأدباء لياقوت، والذين أتوا بعده كرروا ما جاء فيه ونقلوه من غير زيادة.
стр. 32
ولا شك أن ترجمة الخطيب التي أوردها ياقوت في معجمه جاءت موجزة، لا تتفق ومنزلته العلمية، ولا تشفي غليل الباحث أيضا، لأنها لا تتعدى اسمه وكنيته، وعمله، وشهرته التي عرف بها، وثناء الصاحب ابن عباد (ت ٣٨٥هـ) عليه، وتسمية بعض الكتب التي صنفها.
ولعل السبب في ذلك يرجع إلى أنه عاش حياة علمية خالصة فلم يختلط بالناس، وعلى ذلك لا توجد له إلا أخبار يسيرة.
وقد يكون ابتعاده عن الخلفاء والولاة وعدم اتصاله بهم وتقربه إليهم، سببا في هذا الإغفال. لأن كثيرا من العلماء والشعراء والأدباء، لم يعرفوا ولم يشتهروا إلا بعد أن إرتبط اسمهم بخليفة قربهم إليه، أو وال شملهم برعايته.
٢٠
غير أن ياقوتا الحموي يشير في ترجمته التي كتبها عنه في ((معجم الأدباء)) ، إلى أنه كان أحد أصحاب ابن عباد الصاحب- وزير أل بويه الشهير. وإذا كان ذلك صحيحا، فإنه يعني أن مجال الشهرة كان مفتوحا أمامه لو أراد، لما نعرفه عن الصاحب ورعايته العلماء والأدباء.
إلا أننا لم نلمس لهذه الصحبة أي تأثير على الخطيب الإسكافي، فإن من يدرس حياة ابن عباد،
ويتعرف على من اتصل به من العلماء والأدباء والشعراء، يجدهم كثيرين، وذاعت شهرتهم، وبعضهم ممن ليسوا بمنزلة الإسكافي العلمية والأدبية، وقد اقترنت أسماؤهم باسم ابن عباد، وهذا يجعلنا نميل إلى القول بأن الخطيب الإسكافي كان يؤثر العزلة في حياته، حتى لو كان من أصحاب ابن عباد.
стр. 33
ولعله كان منصرفا إلى مهنته الخحاصة التي اتخذها مصدرا لعيشه، وقد آثرها على الكسب من تقربه إلى ذوي السلطان، فلم يطرق أبوابهم أو يتردد على مجالسهم. فابتعد بذلك عن مجال الإشتهار، لأن وقته مستغرق في العلم والمهنة (٢١) .
المطلب الثالث: مكانته العلمية، وثناء العلماء عليه:
ربما كان بيان مكانته الخطيب العلمية أسعد حالا، وإن غطى الغموض جوانب ترجمته، لأن الذي وصل من مؤلفاته كان كافيا لتكوين فكرة جليلة عن هذا الرجل وعلمه، كما يوجد من معاصريه من امتدحه، وكذلك فإن كثيرا ممن نقلوا عنه متأخرا امتدحوا علمه.
كفى الخطيب مكانا أن يكون من أوائل المؤلفين الذين ألفوا في توجيه الآيات المتشابهة لفظا في القرآن الكريم، ومن جاء بعده ممكن ألف في هذا النوع من أنواع التفسير هم عيال عليه، وقد عرف قيمته الأئمة وقدروه، حتى ابن الزبير الغرناطي (ت ٧٠٨هـ) حذا في كتابه ((ملاك
التأويل)) حذو ((درة التنزيل)) للإسكافي، ونهج نهجه فاعتمد عين ما ورد فيه من آيات مع استدراك ما أغفل، ووصف مؤلفه قائلا:
((.. إنه (٢٢) باب لم يقرعه من تقدم وسلف، ومن حذا حذوهم ممن أتى بعدهم وخلف، أحد فيما علمته على توالي الأعصار والمدد، وترادف أيام الأبد، مع عظيم موقعه، وجليل منزعه، ومكانته في الدين، وفته أعضاء ذوي الشك والارتياب من
стр. 34
الطاعنين والملحدين، إلى أن ورد على كتاب لبعض المعتنين من جلة المشارقة نفعه الله سماه بكتاب ((درة التنزيل وغرة التأويل)) ، قرع به مغلق هذا الباب، وأتى في هذا المقصد بصفو من التوجيهات لباب، وعرف أنه باب لم يوجف
عليه (٢٣) أحد قبله بخيل ولا ركاب، ولا نطق ناطق قبل فيه بحرف مما فيه. وصدق ﵀،
٢١
وأحسن فيما سلك وسن، وحق لنا به-لإحسان- أن نفتدي ونستن ... )) (٢٤) .
ولقد من الله على الخطيب بالعلم الواسع، حتى نال إعجاب العلماء المعاصرين له، كالصاحب ابن عباد (ت ٣٨٥ هـ) حيث أشاد بمكانته العلمية عند ما قال- كما روى ياقوت الحموي (٢٥) :
((قال ابن عباد: فاز بالعلم من أهل أصبهان ثلاثة: حائك، وحلاج، وإسكاف. فالحائك: أبو علي
المرزوقي، والحلاج: أبو منصور ابن ماشدة، والإسكاف: أبو بعد الله الخطيب)) .
ونقل ياقوت قول ابن عباد في ترجمة أبي علي المرزوقي (ت ٤٢١ هـ) أيضا، حيث ((قال الصاحب بن عباد: فاز بالعلم من أصبهان ثلاثة: حائك، وحلاج، وإسكاف، فالحائك هو المرزوقي، والحلاج أبو منصور ابن ماشدة، والإسكاف أبو عبد الله الخطيب بالري، صاحب التصانيف في اللغة)) (٢٦) .
стр. 35
وذلك لا شك دليل واضح على سوي مكانة أبي عبد الله الخطيب العلمية ومركزه الثقافي في العصر الذي عاش فيه رحمه الله تعالى.
وليس يعني الصاحب أن أصبهان لم يبرز منها إلا هؤلاء العباقرة، ولكنه عني أنهم نبغوا من بين أصحاب الصناعات، وإلا فإن عباقرة أصبهان كثيرون، وقد ظهر فيها فحول كثار (٢٧) .
أو لعله يقصد أجمعهم للعلم، وأعظمهم في فنونه، فهم الذروة من أهل أصبهان. ولقد تتبعت كثيرا أقوال العلماء الذين نقلوا في مؤلفاتهم عن ((درة التنزيل)) فألفيت بعض العبارات التي تدل على
مكانة الخطيب العلمية الفذة في علم اللغة والتفسير، ومن ذلك:
стр. 36
ثم قال الكرماني تعقيبا على جواب الخطيب: ((وهذا جواب حسن، إن رضيت به كفيت مؤنة السهر إلى السحر)) (٢٩) .
ولا يزال الثناء والتقدير مستمرين على الخطيب وكتابه الجليل من العماء في كل عصر، كلما جاءت مناسبة ذلك.
وقد نوه الشيخ الزرقاني - في عصرنا الحاضر- بمكانة الخطيب أثناء كلامه عن أسلوب القرآن في كتابه الممتع ((مناهل العرفان في علوم القرآن)) حيث قال:
((ولعلمائنا الأفاضل - أكرمهم الله- أذواق مختلفة في استنباط الفروق الدقيقة بين استعمال حرف أو كلمة، مكان حرف أو كلمة، ومن السابقين في حلبة هذا الاستنباط الخطيب الإسكافي المتوفي سنة ٤٢٠هـ (٣٠) في كتابه درة التنزيل وغرة التأويل، وهاك مثالا منه يفيدنا فيما نحن فيه، إذ
٢٢
يتحدث عن سر التعبير بالفاء في لفظ ((كلوا)) من قوله سبحانه في سورة البقرة [٥٨] : (وإذ قلنا ادخلو هذه القرية فكلوا منها حيث شأتم) ، وعن سر التعبير بالواو لا بالفاء في لفظ ((كلوا)) أيضا، من قوله سبحان في سورة الأعراف [١٦١] : (وإذا لهم اسكنوا هذه القرية وكلوا منها حيث
стр. 37
شئتم..) مع أن القصة واحدة، ومدخول الحرف واحد، ثم نقل جواب الخطيب على هذه المسألة (٣١) .
المطلب الرابع: آثاره العلمية، ووفاته:
للخطيب مؤلفات عديدة متنوعة بعضها في اللغة، والأدب، وبعضها في التفسير وعلوم القرآن، ونذكرها هنا ما وصل إلى علمنا منها:
стр. 38
وكتاب ((مبادئ اللغة)) يشتمل على موضوعات شتى، أولها باب ذكر السماء والكواكب، ثم باب أسماء البروج والأزمنة، ثم باب الليل والنهار، ثم باب صفة الحر والبرد، وباب الرياح، وباب أسماء الرعد والبرق، وباب المياه وأوصافها وذكر أماكنها..الخ.
((شواهد كتاب سيبويه)) (٣٥) .
وفي هذا الكتاب شرح الخطيب أبيات كتاب سيبويه (٣٦) .
стр. 39
((نقد الشعر)) (٣٧) .
((درة التنزيل وغرة التأويل)) في الآيات المتشابهة (٣٨) .
هذا الكتاب أفرده مؤلفه ليتناول فيه جانبا من جوانب التفسير، وهو توجيه الآيات المتشابهة لفظا، وهو الكتاب الذي نقوم بتحقيقه، والحمد لله الذي قدر لي هذا العمل المبارك، وسيأتي الكلام عليه، موسعا في الفصل الثاني، تحت المبحث الثاني (٣٩) إن شاء الله تعالى.
وهو أخلق كتبه بأن يقال فيه أنه أشهر كتبه، وأعظمها ابتكارا.
((لطف التدبير في سياسات الملوك)) (٤٠) .
стр. 40
تناول الخطيب فيه أخبار الملوك والأمراء السابقين رغبة في إفادة من عاصره من الولاة، مرتبا ذلك كله على أبواب يحتاج إليها كل من ساس أمر الناس، أو ولي شأنهم، فكان ذلك مجيدا بارعا في التقسيم والتبويب وحسن العرض (٤١) .
وهذه الكتب السبعة المتقدمة ذكرها ياقوت في ((معجم الأدباء)) وتناقلها عنه من ترجم للمؤلف بعد ذلك.
وهناك كتب أخرى لأبي عبد اله الخطيب لم تذكرها المصادر التي ترجمت له، وعثرت منها على
٢٣
ما يأتي:
((كتاب المجالس)) (٤٢) .
تكلم الخطيب في كتابه المجالس على شرح طائفة من الآيات القرآنية التي يعترض عليها الملحدون، والأحاديث، والأمثال، والأشعار، والحكم، مع ذكر ما يناسبها من العلوم المختلفة.
следующие страницы →