← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 1340

درة التنزيل وغرة التأويل

الخطيب الإسكافي

Полный текст (1 361 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

ثم قال الكرماني تعقيبا على جواب الخطيب: ((وهذا جواب حسن، إن رضيت به كفيت مؤنة السهر إلى السحر)) (٢٩) . ولا يزال الثناء والتقدير مستمرين على الخطيب وكتابه الجليل من العماء في كل عصر، كلما جاءت مناسبة ذلك. وقد نوه الشيخ الزرقاني - في عصرنا الحاضر- بمكانة الخطيب أثناء كلامه عن أسلوب القرآن في كتابه الممتع ((مناهل العرفان في علوم القرآن)) حيث قال: ((ولعلمائنا الأفاضل - أكرمهم الله- أذواق مختلفة في استنباط الفروق الدقيقة بين استعمال حرف أو كلمة، مكان حرف أو كلمة، ومن السابقين في حلبة هذا الاستنباط الخطيب الإسكافي المتوفي سنة ٤٢٠هـ (٣٠) في كتابه درة التنزيل وغرة التأويل، وهاك مثالا منه يفيدنا فيما نحن فيه، إذ ٢٢ يتحدث عن سر التعبير بالفاء في لفظ ((كلوا)) من قوله سبحانه في سورة البقرة [٥٨] : (وإذ قلنا ادخلو هذه القرية فكلوا منها حيث شأتم) ، وعن سر التعبير بالواو لا بالفاء في لفظ ((كلوا)) أيضا، من قوله سبحان في سورة الأعراف [١٦١] : (وإذا لهم اسكنوا هذه القرية وكلوا منها حيث

стр. 37

شئتم..) مع أن القصة واحدة، ومدخول الحرف واحد، ثم نقل جواب الخطيب على هذه المسألة (٣١) . المطلب الرابع: آثاره العلمية، ووفاته: للخطيب مؤلفات عديدة متنوعة بعضها في اللغة، والأدب، وبعضها في التفسير وعلوم القرآن، ونذكرها هنا ما وصل إلى علمنا منها:

стр. 38

وكتاب ((مبادئ اللغة)) يشتمل على موضوعات شتى، أولها باب ذكر السماء والكواكب، ثم باب أسماء البروج والأزمنة، ثم باب الليل والنهار، ثم باب صفة الحر والبرد، وباب الرياح، وباب أسماء الرعد والبرق، وباب المياه وأوصافها وذكر أماكنها..الخ. ((شواهد كتاب سيبويه)) (٣٥) . وفي هذا الكتاب شرح الخطيب أبيات كتاب سيبويه (٣٦) .

стр. 39

((نقد الشعر)) (٣٧) . ((درة التنزيل وغرة التأويل)) في الآيات المتشابهة (٣٨) . هذا الكتاب أفرده مؤلفه ليتناول فيه جانبا من جوانب التفسير، وهو توجيه الآيات المتشابهة لفظا، وهو الكتاب الذي نقوم بتحقيقه، والحمد لله الذي قدر لي هذا العمل المبارك، وسيأتي الكلام عليه، موسعا في الفصل الثاني، تحت المبحث الثاني (٣٩) إن شاء الله تعالى. وهو أخلق كتبه بأن يقال فيه أنه أشهر كتبه، وأعظمها ابتكارا. ((لطف التدبير في سياسات الملوك)) (٤٠) .

стр. 40

تناول الخطيب فيه أخبار الملوك والأمراء السابقين رغبة في إفادة من عاصره من الولاة، مرتبا ذلك كله على أبواب يحتاج إليها كل من ساس أمر الناس، أو ولي شأنهم، فكان ذلك مجيدا بارعا في التقسيم والتبويب وحسن العرض (٤١) . وهذه الكتب السبعة المتقدمة ذكرها ياقوت في ((معجم الأدباء)) وتناقلها عنه من ترجم للمؤلف بعد ذلك. وهناك كتب أخرى لأبي عبد اله الخطيب لم تذكرها المصادر التي ترجمت له، وعثرت منها على ٢٣ ما يأتي: ((كتاب المجالس)) (٤٢) . تكلم الخطيب في كتابه المجالس على شرح طائفة من الآيات القرآنية التي يعترض عليها الملحدون، والأحاديث، والأمثال، والأشعار، والحكم، مع ذكر ما يناسبها من العلوم المختلفة.

стр. 41

٩ كتاب ((خلق الإنسان)) (٤٣) . يبدأ الخطيب كتابه هذا بمقدمة يتناول فيها تدرج الإنسان في سنه، منذ ولادته إلى آخر مراحل سنه، ثم يتناول أسماء جملة خلق الإنسان، مثل الطلل، والشبح (٤٤) ، والجسم، والجسمان، وهكذا، ثم فصل في أجزائه مبتدئا بالرأس.. إلى أن انتهى إلى القدم ... ، ثم يختم كتابه ب ((باب الحمل والولادة)) . ١٠ ((مختصر كتاب العين)) (٤٥) . لم يذكر هذا الكتاب من ترجم له، وهو صريح النسبة إلى الخطيب، حيث جاء في الغلاف: ((مختصر كتاب العين)) استخراج أبي عبد الله الخطيب أيده الله ١١ ((شرح الحماسة)) . (٤٦) .

стр. 42

١٢ ((جامع التفسير)) (٤٧) . ١٣ ((معاني القرآن)) ٤٨. ومن العجيب أن الذين ترجموا للخطيب الإسكافي لم ينوهوا إلا بجانبه اللغوي والأدبي، ولم ينوهوا بتفوقه في التفسير وعلوم القرآن، مع رسوخ قدمه فيهما، بل لم يذكروا له كتابا في التفسير، غير كتاب ((درة التنزيل)) مع أنه يشير في آخر هذا الكتاب في ((سورة الكافرون)) إلى أن له كتابا في التفسير يحمل اسم ((جامع التفسير)) (٤٩) . وكذلك يشير في كتبه ((المجالس)) إلى أن له كتابا في التفسير يحمل اسم ((معاني القرآن) حيث جاء فيه أثناء الكلام عن الحروف المقطعة (٥٠) : ((والكلام في تفصيلها يطول، وهو مجموع في باب من أبواب خطبة الكتاب الذي ألفناه في معاني القرآن)) . وفاة المؤلف: أصحاب كتب التراجم (٥١) الذين ترجموا للخطيب ذكروا بالتحديد أنه توفي سنة عشرين وأربعمائة من الهجرة النبوية (٤٢٠ هـ) ، وهذا هو المشهور المتداول.

стр. 43

٢٤ وقيل: كانت وفاته سنة ٤٢١ هـ، وهو ما ذكره حاجي خليفة في ((كشف الظنون)) (٥٢) ، وإسماعيل باشا في ((هدية العارفين)) (٥٣) .

стр. 44

٢٥ الفصل الثاني التعريف بعلم متشابه القرآن ودراسة كتاب درة التنزيل وغرة التأويل يشتمل على مبحثيت: المبحث الأول: التعريف بعلم متشابه القرآن. يشتمل على مطالب سبعة: المطلب الأول: التعريف بالمتشابه لغة واصلاحا المطلب الثاني: التعريف بالمتشابه في القرآن الكريم. المطلب الثالث: موضوع علم المتشابه اللفظي في القرآن الكريم. المطلب الرابع: نكتة هذا العلم، وحكمته، وأهميته، وفوائده. المطلب الخامس: نشأة علم المتشابه اللفظي في القرآن وتطوره، وتدوينه. المطلب السادس: التأليف في توجيه متشابه القرآن اللفظي. المطلب السابع: الكتب المؤلفة في المتشابه اللفظي. المبحث الثاني: دراسة درة التنزيل وغرة التأويل يشتمل على مطالب ثمانية: المطلب الأول: تحقيق صحة اسم الكتاب. المطلب الثاني: تحقيق صحة نسبة الكتاب إلى المؤلف. المطلب الثالث: موضوع الكتاب.

стр. 45

المطلب الرابع: سبب تأليف الكتاب المطلب الخامس: منهج المؤلف في الكتاب المطلب السادس: مصادر المؤلف في الكتاب المطلب السابع: قيمة الكتاب العلمية، وأثره فيمن بعده. المطلب الثامن: المآخذ على الكتاب.

стр. 46

المبحث الأول التعريف بعلم متشابه القرآن. المطلب الأول: التعريف بالمتشابه لغة وإصلاحا: ٢٦ المتشابه في اللغة: اسم فاعل مشتق من التشابه، وأبدأ هنا كر ما قاله علماء اللغة في بيان معناه، فأقول وبالله التوفيق: ١ - قال إسماعيل بن حماد الجوهري (ت ٣٩٣هـ)) ) والمتشابهات من الأمور: المشكلات، والمتشابهات: المتماثلات)) (١) . ٢- قال أحمد بن فارس (ت٣٩٥ هـ) : ((الشين والباء والهاء: أصل واحد يدل على تشابه الشيء وتشاكله لونا ووصفا ... )) (٢) . ٣- قال محمود بن عمر الزمخشري (ت ٥٣٨هـ) : تشابه الشيآن واشتبها، واشتبهت الأمور وتشابهت: التبست لإشباه بعضها بعضا)) (٣) . ٤- قال محمد بن مكرم المعروف بابن منظور (ت ٧١١ هـ) : ((تشابه الشيآن واشتبها: أشبه كل واحد منهما صاحبه. والمشتبهات من الأمور: المشكلات، والمتشابهات: المتماثلات.. وأمور مشتبهة ومشبهة: مشكلة يشبه بعضها بعضا (٤) .

стр. 47

٥- قال أحمد بن محمد الفيومي (ت ٧٧٠هـ) : ((واشتبهت الأمور وتشابهت: التبست فلم تتميز ولم تظهر..، وتشابهت الآيات: تساوت أيضا..، فالمشابهة: المشاركة في معنى من المعاني، والإشتباه: الإلتباس)) (٥) . ٦- قال محمد بن يعقوب الفيروز آبادي (ت ٨١٧ هـ) : وشابه وأشبهه: ماثله، وتشابها واشتبها: أشبه كل منهما الآخر حتى التبسا، وأمور مشتبهة ومشبهة: مشكلة (٦) . نستطيع- حسب ما مر بنا لدى أهل اللغة- أن نقرر بأن المتشابه يطلق في اللغة على ما تماثل من الأشياء وأشبه بعضها بعضا، وعلى ما يلتبس من الأمور. المتشابه في الإصلاح: أن يشتبه اللفظ في الظاهر مع اختلاف المعنى، كما قال تعالى في وصف ثمر الجنة (وأتوا به متشابها) [البقرة: ٢٥] أي: متفق المناظر ومختلف الطعوم. وقد يقال لكل ما غمض ودق: ومتشابه، وإن لم تقع الحيرة فيه من جهة الشبه بغيره، كما يقال للحروف المقطعة في أوائل السور: متشابه لخلفاء معناها، وليس من جهة الشبه بغيرها والتباسا بها. والمتشابه مثل المشكل، لأنه أشكل، أي دخل في شكل غيره فأشبهه وشاكله (٧) . وقال محمد عبد الرؤوف المناوي (ت ١٠٣١ هـ) : ((المتشابه: المشكل الذي يحتاج

стр. 48

فيه إلى فكر وتأمل (٨)) ) . وهو أعم من المتشابه في القرآن وغيره، والدليل على ذلك أن أبا منصور الثعالبي (ت ٤٢٩ هـ) ٢٧ ألف كتابا بعنوان ((المتشابه)) ، وهو كتاب صغير الحجم خصصه لأخبار الأدباء والشعراء والكتاب، وقد أوجز في مقدمة كتابه هذا، الخطة التي سار عليها فقال)) ثم إن هذا الكتاب مبني على ثلاثة أقسام: فالقسم الأول في المتشابه الذي يشبه التصحيف (٩) ، والقسم الثاني في المتشابه من التجنيس الصحيح، والقسم الثالث في المتشابه خطأ ولفظا)) (١٠) . اهـ المطلب الثاني: التعريف بالمتشابه في القرآن الكريم: ذهب ابن المنادي (١١) - وهو من أوائل من ألف في متشابه القرآن- إلى أن المتشابه في القرآن الكريم يطلق على أشياء كثيرة، حيث قال: ((إن المتشابه كائن في أشياء

стр. 49

فمنها متشابه إعراب حروف القرآن، ومنها متشابه غريب القرآن ومعانيه، وفيلك كتب عن المسمين آنفا، ومنها متشابه تأويل القرآن، وفي ذلك كتب عن أهل التأويل كمجاهد وقتادة، وأبي العالية، وسعيد بن جبير، وعطاء بن يسار، وعطية، والسدي، وأبي صالح، وغيرهم، ومنتهى أكثر ذلك إلى ابن عباس ﵄، يدخل في ذلك متشابه ناسخ القرآن ومنسوخه، وتقديمه وتأخيره، وخصوصه وعمومه، وأكثر من سمينا قبل لهم كتب في ذلك. وقد يدخل في ذلك متشابه النوادر، والفرائض، والإباحات والتصريح والكنايات، وفي ذلك كتب لعدة من الفقهاء. ومنها متشابه خطوط المصاحف الأول، وحروف كتب في بعضها على خلاف ما كتبت في البعض الآخر، وفي ذلككتب لبعض القراء. ومنها متشابه حروف القرآن المجموعة للأذكار من النسيان، وهو هذا الضرب (١٢) الذي أجرينا ذكر أصول المتشابه من أجله)) (١٣) . ومن الواضح أن ابن المنادي ﵀ توسع في استعمال كلمة المتشابه، وبالرجوع إلى الكتب المصنفة في علوم القرآن نجد أن أصحابها تناولوا المتشابه في نوعين منفصلين، واقتصروا عليهما فقط، وهما: الأول: المتشابه الذي يقابل المحكم (١٤) .

стр. 50

والثاني: المتشابه اللفظي الذي يحصل في بعض آيات القرآن الكريم. وإذا كان المتشابه (١٥) هو الذي يحتمل أثر من وجه من وجوه الرأي والنظر، لما فيه اشتباه في الدلالة على كثير من الناس، أو بعضهم، فإن الآيات التي فيها تشابه لفظي هي عبارة عن الآيات التي تكررت واشتبهت بسبب التقديم والتأخير، أو الزيادة والحذف، أو التعريف والتنكير، أو إبدال حرف مكان حرف آخر، أو كلمة مكان كلمة أخرى ... والنوع الأول (١٦) ليس مجال بحثنا الآن في هذه الرسالة، وقد تناوله الزركشي في كتابه ٢٨ ((البرهان)) (١٧) تحت عنوان: ((النوع السادس والثلاثون: معرفة المحكم من المتشابه)) . وتناوله السيوطي في ((الإتقان)) (١٨) تحت عنوان ((النوع الثالث والأربعون: في المحكم والمتشابه)) ، وبحث أيضا في هذا الموضوع في كتابه ((معترك الأقران)) (١٩) تحت عنوان:

стр. 51

((الوجه التاسع من وجوه إعجازه: انقسامه إلى محكم ومتشابه)) ، كما تناوله في كتابه ((التحبير)) (٢٠) تحت عنوان: ((النوع الرابع والأربعون والخامس والأربعون: المحكم والمتشابه)) . وأما النوع الثاني فهو المتشابه اللفظ في بعض آيات القرآن وسوره، وهذا هو موضوع كتاب ((درة التنزيل)) الذي وفقني الله تعالى لتحقيقه. ومن الجدير بالذكر أن هذا النوع من المتشابه قد تناوله علماء الدراسات القرآنية تحت تسمية مختلفة، ولعل ذلك يرجع إلى زيادة في البيان والإيضاح. فمثلا: قد تناوله الإمام أبو الفرج عبد الرحمن ابن الجوزي (ت ٥٩٧ هـ) في كتابه ((فنون الأفنان)) تحت عنوان: أبواب المتشابهة، وقال: ((فنحن نذكرالآن من محاسن المتشابه في اللفظ: أبواب المتشابه)) (٢١) ، وأورد تحت هذا العنوان بعض أنواع المتشابه اللفظي في القرآن الكريم بذكر أمثلة كثيرة، من غير ذكر السبب والحكمة في ذلك. وسمى الإمام الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) في كتابه ((البرهان في علوم القرآن)) هذا النوع علم المتشابه (٢٢) . وسماه الإمام السيوطي في ((الإتقان)) (٢٣) الآيات المشتبهات، وتناوله ﵀ في

стр. 52

كتابه ((معترك الأقران)) (٢٤) تحت عنوان: الوجه السادس من وجوه إعجازه مشتبهات آياته، وتناوله أيضا في كتابه ((التحبير)) (٢٥) تحت عنوان: النوع التاسع والستون: الأشباه. وكل ما تقدم يكشف لنا أن الذين صنفوا في علوم القرآن أشاروا إلى هذا التفريق بين المتشابه الذي يقابل المحكم وين المتشابه في اللفظ، وراعوا هذا التقسيم في مصنفاتهم، وجعلوا كل قسم علما خاصا مستقلا من علوم القرآن. تعريف المتشابه اللفظي اصلاحا: ويجدر بنا في هذا المقام أن نورد ما ذكره العلماء في تعريف علم المتشابه اللفظي الذي هو موضوع بحثنا: ١- قال الزركشي (ت٧٩٤ هـ) في البرهان ((وهو - أي علم المتشابه- إيراد القصة الواحدة في ٢٩ صور شتى وفواصل مختلفة..)) (٢٦) . اهـ. ٢- قال السيوطي (ت٩١١ هـ في إتقان (٢٧) : ((والقصد ايراد القصة الواحدة في صور شتى، وفواصل مختلفة بأن يأتي (٢٨) : في موضع واحد مقدما وفي آخر مؤخرا كقوله تعالى: (وادخلوا الباب سجادا وقولوا حطة) [البقرة ٥٨] ، وفي

стр. 53

[الأعراف ١٦١] : (وقولوا حطة وادخلوا الباب سجدا) ..، وفي موضع بزيادة وفي آخر بدونها..، وفي موضع معرفا وفي آخر منكرا، أو مفردا وفي آخر جمعا، أو بحرف وفي آخر بحرف آخر، أو مدغما وفي آخر مفكوكا)) . اهـ. ٣- قال أبو البقاء (ت ١٠٩٤ هـ) في كتابه الكليات (٢٩) : ((إيراد القصة الواحدة في صور شتى وفواصل مختلفة في التقديم والتأخير، والزيادة والترك، والتعريف والتنكير، والجمع والإفراد، والإدغام والفك، وتبديل حرف)) اهـ. وتتبين لنا من كلام السيوطي وأبي البقاء متابعتهما لما قاله الزركشي من قبل. ويجدر أيضا أن أذكر هنا أن هؤلاء العلماء الأجلاء ما أرادوا من القصة: المعنى المشهور للقصة القرآنية، مقصة موسى ﵇، بل المراد بالقصة (٣٠) عندهم: الأمر والموضوع مطلقا، سواء ورد في أثناء قصة قرآنية أو غيرها، والدليل على ذلك أن الأمثلة التي ذكروها، منها ما يوجد في هذا القصص القرآني، ومنها ما يوجد في غيره، ومن الأمثلة على وجود آيات متشابهات في غير القصص: قوله تعالى في [سورة النساء ١٣٥] : (يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله..) وفي [سورة المائدة ٨] : (يا أيها الذين آمنواكنوا قوامين لله شهداء بالقسط..) .

стр. 54

يقول أبو عبد الله الخطيب ﵀ تعقيبا على ذلك: ((للسائل أن يسأئل فيقول: ما الفائدة في تقديم قوله (بالقسط) على قوله (شهداء الله) في الآية الأولى، وتأخيره عنه في الآية الثانية؟)) ثم أجاب عن المسألة (٣١) . وقد فهم بعض الباحثين (٣٢) أن المراد بالقصة في كلام الزركشي والسيوطي المعنى المشهور للقصة، ولكن الصواب أن تفهم على معناها العام، لأن الزركشي لم يحصر المتشابه في القصص، بل صرح بأنه يكثر فيه حيث قال ((يكثر في إيراد القصص والأنباء)) (٣٣) . وكذلك المثال الذي تقدم ذكره ذكره يؤيد ما ذهبنا إليه أيضا، لأنه ليس من القصص القرآني والله أعلم. وفي نهاية المطاف نستطيع أن نقول: إن المتشابه اللفظي في آيات القرآن الكريم هو أن تجيء الآيات القرآنية متكررة في القصة الواحدة من قصص القرآن، أو موضوعاته، في ألفاظ متشابهة، ٣٠ وصور متعددة، وفواصل شتى، وأساليب متنوعة، تقديما وتأخيرا، وزيادة ونقصا، وذكرا وحذفا، وتعريفا وتنكيرا، وإفرادا وجمعا، وإيجازا وإطنابا، وإبدال حرف بحرف آخر، أو كلمة بكلمة أخرى، ونحو ذلك، مع

стр. 55

اتحاد المعنى لغرض بلاغي، أو لمعنى دقيق يراد تقريره، لا يدركه إلا جهابذة العلماء وأساطين البيان (٣٤) . المطلب الثالث: موضوع علم المتشابه اللفظي في القرآن الكريم: موضوع هذا العلم هو الآيات القرآنية باعتبار ما فيها من تشابه لفظي. ونتعرف به على تلك الظاهرة العجيبة التي امتاز بها القرآن الكريم في تكرير بعض آياته في عدة مواضع بالكلمات المتفقة، أو وتقديما وتأخيرا، وذكرا وحذفا ... ، إلى غير ذلك من الأنواع التي تقدم ذكرها سابقا، مما قد يظنه بعض قصار النظر تكرارا خاليا عن فوائد وأسرار، فالمتشابه اللفظي في الآيات القرآنية على هذا النحو لون من ألوان الإعجاز في القرآن الكريم. لقد تناول ابن المنادي (ت٣٣٦ هـ) هذا المتشابه اللفظي في كتابه تحت نوعين رئيسيين، هما: الأول: النوع الأبوابي، فقد خصصه لجمع النظائر من ألفاظ القرآن التي تشبه على من كان سيء الحفظ من حفاظ القرآن الكريم. وقد ذكر تحت هذا النوع تسعة أقسام، وأشار أثناء ذكر هذه الأقسام (٣٥) أكثر من مرة أن منها ما يجمع للحفظ فقط (٣٦) ، ومنها ما يجمع لرأي العين دون

стр. 56

الحفظ٣٧، ومنها ما يصلح بعضه للحفظ، وبعضه لرأي العين ٣٨. وقد أوصل ابن المنادي أبواب هذا النوع من المتشابه إلى خمسين بابا، إضافة إلى عشرين بابا فأكثر تتفرع منه تحتها، حيث قال: ((ومبلغ أبوابه الأصول خمسون بابا، والمتفرعة عشرون بابا فأكثر، وبذلك كمل النوع الأبوابي من متشابه الكلام المخوف على بعض القرأة- بترك مراعاة حفظ نظم حروفه- الغلط..)) (٣٩) . وبالتتبع تبين لي أن هذه الأمثلة وغيرها مما ذكرها ابن المنادي تحت النوع الأبوابي كلها فيما تكرر من أجزاء متفقة في الآيات القرآنية، سواء كانت تلك الآيات في موضوع واحد، أو موضوعات مختلفة، وليس فيها ذكر من الآيات المتشابهة التي في

стр. 57

بعضها شيء مما ليس في الأخرى، من تقديم وتأخير، وحذف وزيادة، وتعريف وتنكير، في قضية واحدة، وموضوع واحد. والثاني: النوع السوري (٤٠) ، فقد ذكر ابن المنادي فيه الآيات التي تتغاير فيها أبنية الكلام والقصص، والآيات التي يتغير ترتيبها في التقديم والتأخير، والإيجاز والتأكيد ... (٤١) . ٣١ وهذا النوع السوري الذي ذكره ابن المنادي هو أساس للكتب المؤلفة المتخصصة لتوجيه الآيات المتشابهة، بمعنى أن الآيات التي ذكرت في هذا النوع هي التي تكون متن مسائل تلك الكتب، والتي منها كتاب ((درة التنزيل وغرة التأويل)) الذي نحققه. واعتنى أيضا بذكر أنواع هذا الول من المتشابه بعض العلماء الذين صنفوا في علوم القرآن. فقد توسع ابن الجوزي (ت٥٩٧هـ) فيه، وأخذ هذا البحث حجما كبيرا من كتابه (٤٢) ، حيث إنه ﵀ جعل لهذا المتشابه سلسلة من الأبواب، وتحت بعضها عدة فصول، ولكنه لم يحصر أنواعه، وإنما اكتفى بذكر بعضها، مثل باب إبدال كلمة،

стр. 58

أو حرف بحرف من المتشابه، وباب الحروف الزوائد والنواقص من المتشابه، وباب في المقدم والمؤخر من المتشابه. ثم تناول هذا الموضوع من مصنفي علوم القرآن بعد ابن الجوزي: الإمام الزركشي (ت ٧٩٤هـ) ، وبين ما يتعلق به خمسة عشر فصلا، وجعل الفصل الأول منها: ((المتشابه باعتبار الأفراد)) (٤٣) ، وحصر هذا النوع من المتشابه في ثمانية أقسام (٤٤) : الأول: أن يكون في موضع على نظم، وفي آخر على عكسه، كقوله تعالى: (قل إن هدى الله هو الهدى..) [البقرة: ١٢٠، الأنعام: ٧١] ، وفي سورة آل عمران ٧٣: (قل إن الهدى هدى الله..) . الثاني: ما يشتبه بالزيادة والنقصان، ومثاله في سورة البقرة ٣٨: (فمن تبع هداي..) وفي طه ١٢٣: (فمن اتبع هداي..) . الثالث: بالتقديم والتأخير، وهو قريب من الأول، ومنه في البقرة ١٢٩: (.. يتلوا عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم..) بتأخير (يزكيهم) ، وما

стр. 59

سواه: (.. ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة) [آل عمران: ١٦٤، الجمعة: ٢] بتقديم (ويزيكهم) . الرابع: بالتعريف والتنكير، ومنه في سورة البقرة ١٢٦ قوله تعالى: (هذا بلدا آمنا) ، وفي سورة إبراهيم ٣٥ قوله تعالى: (هذا البلد آمنا) . الخامس: بالجمع والإفراد، كقوله تعالى في سورة البقرة ٨٠: (لن تمسنا النار إلا أياما معدودة) وفي آل عمران ٢٤: (.. لن تمسنا النار إلا أياما معدودات) . السادس: بإبدال حرف بحرف غيره، كقوله تعالى في سورة البقرة ٥٨: (وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا..) بالفاء، وفي سورة الأعراف ١٦١: (وإذ قيل لهم اسكنوا هذه القرية وكلوا منها..) بالواو. ٣٢ السابع: بإبدال كلمة بأخرى، ومنه قوله تعالى في البقرة ١٧٠: (.. ما ألفينا عليه آباءنا..) وفي سورة لقمان ٢١: (..ما وجدنا عليه آباءنا..) . الثامن: بالإدغام وتركه، ومنه قوله تعالى: (ومن يشاقق الرسول) النساء: ١١٥، وفي سورة الحشر ٤: (.. ومن يشاق الله فإن الله شديد العقاب) . وهذه الأنواع الثمانية التي ذكرها الزركشي في الفصل الأول آنفا، هي مجمل الأنواع التي اشتملت عليها الكتب المؤلفة في توجيه الآيات المتكررة والمشتبهة في كتاب الله العزيز.

стр. 60

والذي يطلع على الكتب القديمة المؤلفة في توجيه الآيات المتشابهة يرى أن مؤلفيها لم يحددوا أنواع هذا اللون من المتشابه، وإنما أشاروا في مقدمات كتبهم إلى بعض ما ستتضمنه كتبهم من صوره (٤٥) . المطلب الرابع: نكتة هذا العلم، وحكمته، وأهميته، وفوائده: نكتته (٤٦) : ((ما في إحدى المتشابهتين مما ليس في الأخرى من تقديم أو تأخير أو زيادة)) (٤٧) . حكمته: ((التصرف في الكلام، والإتيان به على ضروب، ليعلمهم- أي العرب- عجزهم عن جميع طرق ذلك: مبتدأ به ومتكررا (٤٨)) ) ، وهذا التصرف في اللفظ برئ من الإسراف والتقتير، حيث أنك تجد القرآن الكريم قد احتفظ بالمعنى في صورة كاملة لا ينقص شيئا يعتبر عنصرا أصليا فيه، كما أنه لا يزيد شيئا يعتبر دخيلا فيه

стр. 61

وغريبا عنه، بل هو كما قال الله تعالى: (كتاب أحكمت آيياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير) هود: ١. أهميته: ترجع أهميته هذا العلم إلى تأصيل الدراسات القرآنية والعلمية، وإذ أن علم المتشابه اللفظي في القرآن الكريم قسم قائم بذاته، وهو من الأنواع التي اشمل عليها القرآن في بيان أنه وحي، لا عمل للبشر فيه مع تنوع استعمالاته من تقديم وتأخير، أو زيادة وحذف، أو تعريف وتنكير، أو إبدال شيء منه بشيء آخر في الموضوع الواحد ... وترجع أهميته أيضا إلى أهمية نشأته، حيث إنه أنشيء حفاظا على القرآن الكريم من أن يقع اللحن في كلماته، وتيسيرا لحفظة كتاب الله ، وهو من علوم القرآن التي تخدمه وتحافظ عليه وتبرز كثيرا من وجوه إعجازه وأسراره التي تنفذ. من فوائد هذا العلم: ٣٣ ١-من خلال دراسة هذا العلم نلاحظ في كثير من ألفاظ القرآن أنها اختيرت اختيارا فيه وجه الإعجاز من هذا الاختيار، وبذلك نتعرف على أن لأسلوب القرآن الكريم طابعا خاصا يسلكه في اختيار ألفاظه وتراكيبه، ولذا فإن هذا العلم هو أساس هام للدراسات اللفظية في القرآن الكريم. (٤٩) .

стр. 62

ومن ناحية أخرى فإن هـ\االعلم يكشف لنا أن الآيات المتشابهة في القرآن الكريم مترابطة الأجزاء والجمل مع تنويع الأسلوب في الاستعمالات القرآنية من تكرار، وإيجاز وإطناب، وتقديم وتأخير، حذف وزيادة، وتعريف وتنكير، وفي قضية واحدة وموضوع واحد. ٢- أنه يرد على بعض المشككين والملحدين الذين يطعنون في القرآن من خلال ما تشابه أو تماثل أو تكرر من ألفاظ القرآن وآياته، مدعين أن ما به من المتشابه اللفظي غير مفهوم، أو تكرار لا هدف له. ٣- من عجيب أمر هذا العلم ((المتشابه اللفظي في القرآن الكريم)) أنه كما كان دليل إعجاز من ناحية، كان أكبر عون على حفظ كتاب الله تعالى، إذ أن التصنيف في هذا العلم يساعد حفاظ القرآن الكريم على ضبط حفظهم بأداء كل لفظ في موطنه، دون ما التباس بالمتشابه معه. ٤- إن علم الآيات المتشابهات يملأ النفس إيمانا بعظمة الله تعالى وقدرته حين يقف الإنسان في تفسير هذا النوع من الآيات على دقائق الأسلوب البياني للقرآن الكريم، ودراسته تعين على الفقه في كتاب الله، وإظهار إعجازه وغزارة معانيه وأسراره.

стр. 63

المطلب الخامس: نشأة علم المتشابه اللفظي في القرآن وتطوره وتدوينه: إن القول على سبيل الجزم والقطع ببداية محددة لهذا الفن ليس بأمر هين، لعدم وجود أخبار قاطعة بذلك، ولكن أستطيع القول حسب ما أمكنني الإطلاع عليه من المراجع أن هذا النوع من المتشابه تدرج كالتالي: ١- نشأ أول ما نشأ محدودا يسيرا يتداول القراء، تيسرا لحفظ ألفاظ القرآن المتشابة، وصيانة لها من الغلط. ثم بدأ فيه التأليف بما وضعه بعض القراء لإرشاد الذين يحفظون كتاب الله، حيث يتحير الحافظ أحيانا، أو يتنقل سهوا من آية إلى آية، ومن سورة إلى أخرى. وأقدم ما وقفت عليه كتاب يحمل اسم (متشابه القرآن) (٥٠) ، لأحد الأئمة القراء

стр. 64

السبعة، وهو أبو الحسن على بن حمزة الكسائي (ت١٨٩ هـ) (٥١) . وقد وضع الكسائي كتبه هذا على أساس طريقة الجمع التي تقوم على عرض الآيات المتشابهة لفظا. وقال ابن المنادي (ت ٣٣٦هـ) في مقدمة كتابه ((متشابه القرآن)) : ((ولم يبق إلا النوع الذي استحدثه فريق من القراء، ولقبوه المتشابه، وإنما حملهم على وضعهم إياه للقرأة ردا من سوء الحفظ، وحداهم (٥٢) كون القرآن ذا قصص، وتقديم وتأخير، كثير ترداد أنبائه ومواعظه، وتكرار أخبار من سلف من الأنبياء، والمهلكين الأشقياء، يأتي بعضه بكلام متساوي الأبنية والمعاني على تفريق ذلك في آن القرآن وسوره، قد يجيء حرف من غير هذا الضرب، فيأتي بالواو مرة، وبالفاء مرة، وآخر يأتي بالإدغام تارة، وبالتبيان تارة، وأسماء متماثلة..)) ثم قال: ((فاستحبوا أن يجمعوا من حروف متشابهة القرآن ما إذا حفظ منع الغلط)) (٥٣) . ومما يؤكد أن واضعي هذا العلم هم الأئمة القراء، أن ابن المنادي ﵀ قد اقتصر في سياق أسماء القراء، حيث يقول:

стр. 65

((سألت أبا الحسن إدريس بن عبد الكريم (٥٥) المقريء، أن يدفع إلى كتاب خلف ابن هشام (٥٦) ت ٢٢٩ هـ، الذي صنفه في متشابه حروف القرآن، فقال لي حين سألته ذلك: قال لي خلف حين سألته ما سألتني: إيش تعمل بهذا الكتاب؟ فقلت له: أكتبه عنك كما كتبه غيري، وإحفظه كما حفظه فلان وفلان، قال: فقال لي خلف: أرأيت إن قلت لكم إن في القرآن ثلاثة أحرف من وجوه المتشابه فوجدتموه أكثر مما قلت لكم، أكنتهم تقبلون ذلك مني؟ فقلت له: لا، ولكني لا أجد بدا من أن أكتبه عنك، قال: فأعطانيه، وقال لي: قد نصحت لك وأنت أعلم ... (٥٧) . ثم يقول ما خلاصته: إنه مكث مدة يظن أن خلفا أول من رسم للناس هـ\االمتشابه من أجل المحاورة التي كانت جرت بينه وبين إدريس فيه، حتى ورد إليه كتب أخرى من مشايخ القرآة المتقديمين. ويستدل بما يراه دليلا عنده أن كتاب موسى الفراء من بين تلك الكتب أول شيء وضع في هذا الضرب (٥٨) . ٢- وهناك من توسع في هذا النوع أسئلة أو تأليفا، حتى ذكروا أمورا لا جدوى وراءها، ودقائق لا طائل تحتها، مما دفع ابن المنادي إلى استنكار ذلك حيث يقول:

стр. 66

((ولقد أوغل جماعة ممن شاهدناهم فيه، حتى بلغوا به ألف حرف، ثم صعدوا به وصوبوا، فأقبلوا يتذاكرون فيما بينهم منه بمحلات، وبما لا يجدي، وإن كان غير محال نفعا فكان ممن يحذق فيه أبو جعفر محمد بن اسحاق الكوفي المراوحي (٥٩) ، وكان مما يلقيه: كم في القرآن: من، ومن، وما ولن،..)) وكان غيره يلقي: كم في القرآن حرفان مقترنان على لفظ واحد؟ يريد بذلك قوله في أل عمران ١٥: (..ورضوان من اله والله بصير بالعباد) ، وفيها: (.. واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم) أل عمران: ١٧٤ ... (٦٠) . ٣٤ ٣- وهناك طريقة أخرى استحدثت في تصنيف الآيات المتشابهات، تعد تطورا كبيرا في تدرج هذا الفن، وهي تعتمد على حصر المتشابهات على أساس كل سورة سورة، حسب ترتيب المصحف الشريف، وقد أشار إلى ذلك ابن المنادي، وجعل النصف الثاني من كتابه متشابه القرآن لهذا النوع من التأليف (٦١) ، حيث قال ((نذكر ما في النوع السوري من تغايير أبنية الكلام والقصص، وترتيبها في التقديم والتأخير، والإيجاز، والتأكيد.. (٦٢)) ) . ثم قال: ((.. وكأن الذي استحدثه أراد أن يقرب بعض الأشكال إلى بعض، فعمد إلى ما في سورة البقرة من حرف له نظير مذكور في سورة أخرى أو سور عدة، فأضاف

стр. 67

تلك النظائر إلى الحرف أو الحروف التي تشبهها في سورة القرة، حتى إذا استنظف (٦٣) ما في سورة البقرة من ذكر القصص والحروف المتشابهة ذكر ما في سورة أل عمران وما يليها إلى آخر القرآن بذلك النعت)) (٦٤) . وهكذا بدأت هذه الدراسة القرآنية متمثلة في تتبع الآيات التي تشابهت، وجمع نظائرها كما فعل أئمة القراءات. ٤ ثم تطور التصنيف فيه، فاتجهت همة طائفة من العلماء إلى توجيه هذا النوع من الآيات، وبيان السبب، والحكمة في اختصاص كل آية بما جاء فيها مختلفا عن الآية المشابهة لها، وذلك لما نشأ أقوام من الزنادقة والملحدين فجعلوا يطعنون في كتاب الله العزيز، محتجين لباطلهم بما في القرآن من آيات تبدو لهم متعارضة المعنى، وتكرار لا فائدة فيه، وتشابه في الألفاظ القرآنية مما يؤدي إلى اشتباه بعضها ببعض، بسبب تقديم أو تأخير، أو في غير ذلك مما تقدم ذكره. ومن هنا انتقل هذا العلم إلى مرحلة من أجل مراحل العلم، وهي مرحلة توجيه المتشابه اللفظي في القرآن الكريم، وبيان أسراره العلمية، وما فيه من وجوه الإعجاز، وهذه المرحلة هي التي كان فيها الكتاب الذي نحققه درة التنزيل وغرة التأويل لأبي عبد الله الخطيب، وما تبعه من المؤلفات التي سنذكرها إن شاء الله بعد قليل.

стр. 68

المطلب السادس: التأليف في توجيه متشابه القرآن اللفظي: تكلمنا فيما سبق عن نشأة وتطور التأليف في كتب المتشابه اللفظي في القرآن الكريم، سواء منها ما جمع تحت النوع الأبوابي، أو النوع السوري (٦٥) كما سماهما ابن المنادي رحمه الله تعالى. والنوع السوري الذي ذكر ابن المنادي صورة التأليف فيه (٦٦) وهو أساس للكتب التي خصصت لتوجيه الآيات المتشابهة كما قلنا سابقا، فهو بمثابة المتن لها، وهي شارحة وموجهة، ٣٥ ومبينة لأسرار التشابه في الآيات المتعددة. من كل ما تقدم يمكننا أن نقسم المؤلفات في المتشابه اللفظي في القرآن الكريم إلى قسمين: أولا: مؤلفات ظهر فيها الإقتصار على جمع الآيات المتشابهات. وهذا النوع من التأليف يتمثل فيما قال به بعض أئمة القراءات من جمع النظائر من ألفاظ القرآن التي تشتبه على من يرد حفظ القرآن الكريم، ليتنبه لها، فيتقن حفظها دون أي التباس بما يشبهها. وأقدم ما وصل إلينا من مؤلفات بهذا النوع هو

стр. 69

ما يعزى إلى ابي الحسن الكسائي ت ١٨٩هـ بعنوان متشابه القرآن كما تقدم ذكره. وقد أشار إلى هذا النوع من التأليف الكرماني ت ٥٠٥هـ في مقدمة كتابه البرهان متشابه القرآن فقال: واقتصروا على ذكر الآية ونظيرها ولم يشتغلوا بذكر وجوهها وعللها والفرق بين الآية ومثلها، المشكلة الذي لا يقوم بأعبائه من وفقه الله لأدائه (٦٧) . ثانيا: مؤلفات لم يكتف أصحابها بجمع تلك الآيات، بل اتجهوا إلى توجيه ما تكرر، واشتبه لفظا، أو اختلف من آيات الكتاب العزيز تقديما وتأخيرا، وإفرادا وجمعا، وتعريفا وتنكيرا، إلى غير ذلك من أنواع المتشابه. والتأليف في توجيه المتشابه اللفظي اخذ طريقتين: الأول: توجيه مدرج في ثنايا كتب التفسير وعلوم القرآن والإعراب وغير ذلك، حيث يذكره المؤلف عند مناسبته، ولا يفرده البحث. وعلى سبيل المثال يقول القاضي عبد الجبار ت ٤١٥هـ في سر تكرار قوله تعالى: (لا أعبد ما تعبدون) . ((وبما قيل في قوله تعالى: (قل يا أيها الكافرون * لا أعبد ما تعبدون) الكافرون: ١-٢، كيف يحسن ذلك في الحكمة مع التكرار الذي فيه؟

стр. 70

وجوابنا أنه لا تكرار في ذلك، لأن قوله تعالى: (لا أعبد ما تعبدون) المراد به في المستقبل، وقوله تعالى (ولا أنت عابدون ما أعبد) الكافرون: ٣-٥ المراد به في الحال، (ولا أنا عابد ما عبدتم) الكافرون ٤، المراد به في المستقبل، وفي الحال: أي لا أعبد ما تقدمت عبادتكم له، ومن يعد ذلك تكرارا فمن قلة معرفته، وتدبره، لأنه ينظر إلى اللفظ الثاني: توجيه مفرد بالتأليف، مستقل في كتب خاصة به والذين سلكوا هذا النوع من التأليف في ويعدل عن تأمل المعنى)) (٦٨) اهـ متشابه القرآن اتخذوا محورا خاصا من حيث كيفية تناوله، ومن حيث معالجته، حيث إنهم ٣٦ يذكرون الوجوه المحتملة في بيان هذا النوع من التفسير، وذلك يتم بعد تتبع الآيات ذات الموضوع الواحد، أو ذات الأسلوب الواحد، وفي ذلك يستعملون طريقة طرح السؤال والجواب عنه، كما في درة التنزيل لأبي عبد الله الخطيب ت ٤٢٠هـ، وملاك التأويل لابن الزبير الغرناطي ت ٧٠٨ هـ، وكشف المعاني لأبي عبد الله ابن جماعة ت ٧٣٣هـ. ومن الجدير بالذكر أن هؤلاء الذين يؤلفون في توجيه الآيات المتشابهات لا يقفون عند كل آية هي من المتشابه اللفظي، بل يتنقلون بين الآيات المتشابهة منتقين ما يحتاج إلى توجيه، تاركين توجيه ما لا يحتاج إلى أعمال فكر، وما لا يبدو فيه إشكال. ومن هذا اختلف المتشابه بالنسبة للأفراد والعلماء بحسب دائرة علم كل منهم، فما يهتدي إليه عالم قد يغفل عنه الآخر، وقد تشبهه الآية على عالم ولا تشبهه على غير وهكذا، ومما لا شك فيه أيضا أن قدرات المشتغلين بتوجيه الآيات من هذا

стр. 71

النوع تتفاوت تفاوتا بعيدا، لأن ميدان التوجيه فسيح وحمال ذو وجوه تحتملها ألفاظ الآية الكريمة. وبهذا الإعتناء ونحوه وما أكثره يصون الله كتابه من طعن الملحدين وما زالت الدراسات حول هذه الآيات في حاجة إلى استكمال، وإلى توسيع، وتعميق، حسب ما جد من حاجات الزمان. المطلب السابع: الكتب المؤلفة في المتشابه الفظي، وفي توجيهه: نذكر في هذا المبحث ما استطعنا جمعه وإحصاءه من الكتب المؤلفة في نوعي التأليف في علم متشابه القرآن الكريم، وهما: أ- جمع الآيات المتشابهات لفظا. ب- توجيه الآيات المتشابهات لفظا. أولا: الكتب التي جمعت الآيات المتشبهات لفظا: ١- كتاب (٦٩) نافع بن عبد الرحمن، وهو أحد القراء السبعة ت ١٦٩هـ (٧٠) .

стр. 72

٢- متشابه القرآن لأبي الحسن علي بن حمزة الكسائي، وهو أحد القراء السبعة ت ١٨٩ هـ، وهو فيما يحسبه السيوطي أول كتاب أفرد بالتصنيف في متشابه القرآن (٧١) ، وقد جمع مصنفه فيه ﵀ الآيات المتشابهات من حيث اللفظ، بحسب ترتيب الصور ولم يتعرض لأسرار المتشابه وبيان فروقه الدقيقة. ٣- كتاب محمود بن الحسن (٧٢) . ٤- كتاب خلف بن هشام الأزدي، وهو أحد القراء العشرة. ت٢٢٩هـ (٧٣) . ٣٧ ٥- كتاب القطيعي (٧٤.) ٦- كتاب حمزة بن حبيب الزيات ت ١٥٨ (٧٥) . ٧ - كتاب علي بن القاسم الرشيدي (٧٦) .

стр. 73

٨- كتاب جعفر بن حرب المعتزلي ت ٢٣٦ هـ (٧٧) . ٩- كتاب مقاتل بن سليمان البلخي ت ١٥٠ (٧٨) . ١٠- كتاب أبي علي الجبائي ت ٣٠٣ هـ (٧٩) ١١- كتاب أبي هذيل العلاف (٨٠) . ١٢- متشابه القرآن العظيم، تأليف أبي حسين احمد بن جعفر ابن أبي داود المنادي ٣٣٦هـ، وكتاب ابن المنادي هذا يعتبر مرحلة أساسية في تحديد هذا العلم وتعقيده، ووضع ضوابط له، وقد جمع فيه مصنفه النظائر من ألفاظ القرآن التي تشبه على القارئ ليحفظها وينتبه لها فيتقن حفظها. ونجد في آخر هذا

стр. 74

الكتاب مبحثين (٨١) تناولهم االمؤلف على طريقة الكتب التي ألفت في توجيه تلك الآيات مما يدل على اهتمامه بهذا الجانب أيضا. ١٣- مجالس ابن الجوزي في المتشابه من الآيات القرآنية (٨٢) . ١٤- هداية المرتاب وغاية الحفاظ والطلاب في معرفة متشابهات كلام رب الأرباب (٨٣) ، تأليف شيخ القراء نور الدين علي بن عبد الله السخاوي الشافعي ت ٦٤٣هـ وهي أحسن منظومة فيما يشتبه على القارئ محمد نجيب الشهير بالآلا، وسماه كشف الحجاب عن هداية المرتاب (٤٨) . ١٥- بغية المريد حفظ القرآن المجيد (٨٥) ، تأليف السيد عمر السهمودي المدني (٨٦، يقع في ٣١ ورقة، ويقول مؤلفه في المقدمة: قد نظم العالم العامل ... ، خاتمة المحققين عمدة المدققين نور الدين علي السخاوي ... ، منظومة في مشكل القرآن ومتشابه الفرقان، فإنها بينة الألفاظ واضحة المعنى للحفاظ، وأما من أراد الحفظ فقد)

стр. 75

يعسر لضيق النظم عليه في بعض المواضع الفهم خصوصا وقد تقاصرت الهمم وتقاعست (٨٧) عن الترقي بحفظ المتشابه والمحكم، فاقتديت في ذلك بالشيخ الإمام ... ، وألفت هذه الرسالة المتكفلة بواضح البيان والدلالة وسميتها بغية المريد حفظ القرآن المجيد (٨٨) . ١٦- مشابه القرآن على حروف المعجم لمحمد بن أحمد بن أبي بكر الخزرحي القرطبي ت ٦٧١هـ (٨٩) . ١٧- التبيان في متشابهات القرآن، تأليف الحافظ جلال الدين السيوطي ت٩١١هـ (٩٠) . ٣٨ ١٨-كتاب معين الإنسان على ضبط متشابه القرآن (٩١) .
следующие страницы →