Полный текст (1 361 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.
стр. 666
٨٨ الآية السابعة والعشرون منها
قوله تعالى: (قالوا إنا إلى ربنا منقلبون) الأعراف: ١٢٥.
وقال في سورة الشعراء ٥٠: (قالوا لا ضير إلى ربنا منقلبون) .
للسائل أن يسأل عن زيادة قوله: (لا ضرير) على ما ذكر في سورة الأعراف واختصاص تلك بها من دون هذه؟ .
والجواب أن يقال: إنهم قابلوا وعيده بما يهونه ويزيل ألمه من انتقالهم إلى ثواب ربهم مع المتحقق من منقلب معذبهم، فجاء في سورة الشعراء وهي التي قصد بها الإقتصاص الأكبر: (لا ضرير) أي لا ضرر علينا، فإن منقلبنا إلى جزاء ربنا فننعم أبدا، وتعذب أنت أبدا، فالضرر الذي تحاول إنزاله بنا، بك نازل، وعليك مقيم، ونحن نألم ساعة لا يعتد بها مع دوام النعيم بعدها، فكأنه
стр. 667
لم يلحقنا ضرر وفي سورة الاعراف وقع الإقتصار على قوله: ( ... إنا إلى ربنا منقلبون) وفيه كفاية وإبانة عن هذا المعنى، ودلالة بناء على ما قصد فيها مما يبين وشرح في سواها.
стр. 668
٨٩ الآية الثامنة والعشرون منها
قوله تعالى: (.. قل إنما علمها عند الله ولكن أكثر الناس لا يعلمون* قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله ... ) . الأعراف: ١٨٧-١٨٨.
قوله تعالى: (..ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين *قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله ... ) .
للسائل أن يسأل عن الآيتين، وتقدم النفع على الضر في الأولى، وتأخيره عنه في الأخرى، وهل لفائدة أوجبت في الاختيار تقديم المقدم وتأخير المؤخر؟
والجواب أن يقال: إن الألى بعد قوله: (يسألونك عن الساعة أان مرساها قل إنما علمها عند ربي) وبعده: (قل إنما علمها عند الله ولكن أكثر الناس لا يعلمون) الأعراف: ١٧٨ فكان معنى قوله: (قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا) أي: لا أملك تعجيل ثواب ولا عقاب لها، إلا ما ملكنية الله، فلا أملك إلا ما ملكت ولا أعلم إلا ما علمت.
стр. 669
والذي تسألون عنه أخفى الغيوب، وأنا لا أعلم منها ما هو أقرب إلى ججم الظنون، فكيف ما يختص به علام الغيوب؟ ولو علمت الغيب لاستكثرت في السنة المخصبة ما يدفع كلب المجدبة،
وقيل لاستكثرت من العمل الصالح، الذي أتحقق أنه رفع الأعمال عند الله تعالى درجة، لأن من علم الغيب عرف
стр. 670
الأفضل عند الله ولم يتركه إلى ما هو دونه وقوله (وما مسني السوء) الأعراف: ١٨٨ أي: ما بي جنون كما زعم المشركون، وقيل: الفقر لاستكثاري من الخير الذي يتدارك به الفقر عند شدة الزمان.
وأما الآية في سورة يونس فإنها فيما كان يستعجله الكفار من عذاب الله تعالى، وقبلها (وإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإلينا مرجعهم ثم الله شهيد على ما يفعلون) يونس: ٤٦.
أي: إن أريناك بعض ما نتوعد به هؤلاء الكفار من العذاب في عاجل الدنيا حتى تراه نازلا بهم في حياتك، أو أخرنا ذلك عنهم إلى بعد وفاتك ووفاتهم، فإن ذلك لا يفوتهم، لأن مرجعهم إلى حيث ييجازذى فيه العباد، ولا يملك بعضهم أمر بعض، ويقول الكفار: (متى هذا الوعد إن كنتم صادقين) يونس: ٤٨.
قل لا أملك ما وعدكم الله من هذا العذاب، ولا
стр. 671
أن أدفع عنكم سوء العقاب، كما لا أملك لنفسي ضرا ولا نفعا إلا ما شاء الله أن يملكينه منهما، فتقديم ضر على نفع في هذه الآية لخروجها عن ذكر العذاب الذي قال الله تعالى فيه بعدها: (أثم إذا ما وقع آمنتم به آلان وقد كنتم به تستعجلون) . يونس: ٥١ ثم إن اللفظة التي تزاوج لفظة الضر هي لفظة النفع ومعناه في الآية: إنه لا يملك الله منه عباده، وأنا واحد منهم، فلذلك أتبع ذكره ذكره.
стр. 672
٩٠ الآية التاسعة والعشرون:
قوله تعالى: (وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم) الأعراف: ٢٠٠.
وقال في سورة حم السجدة: (وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إن هو السميع العليم) .
للسائل أن يسأل فيقول: لأي معنى جاء في الآية من سورة الأعراف (سميع عليم) على لفظ النكرة، وفي سورة حم السجدة معرفتين بالألف واللام مؤكدتين بـ هو؟
والجواب أن يقال: إن الأول وقع في فاصلة ما قبلها من الفواصل أفعال جماعة، واسماء مأخوذة من الأفعال نحو قوله تعالى (فتعالى الله عما يشركون) الأعراف: ١٩٠. وبعده (يخلقون) الأعراف: ١٩١ و (ينصرون)
стр. 673
الأعراف: ١٩٢ و (لا يبصرون) الأعراف: ١٩٨ و (الجاهلين) الأعراف: ١٩٩. فأخرجت هذه الفاصلة بأقرب ألفاظ الأسماء المؤدية معنى الفعل، أعني النكرة، وكان المعنى: استعذ بالله إنه يسمع استعاذك، ويعلم استجارتك.
والتي في سورة (حم السجدة) قبلها فواصل سلك بها طريق الأسماء، وهي ما في قوله تعالى (ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم * وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم) فصلت: ٣٤-٣٥.
فقوله: (ولي حميم) ليس من السماء التي يراد بها الأفعال، وكذلك قوله: (ذو حظ عظيم) ليس ذو حظ بمعنى فعل، فأخرج (سميع عليم) بعد الفواصل التي هي على سنن الأسماء على لفظ يبعد عن اللفظ الذي يؤدي معنى الفعل، فكأنه قال: إنه هو الذي لا يخفي عليه مسموع ولا معلوم، فليس القصد الإخبار عن الفعل، كما كان في الأولى: إنه يسمع الدعاء، ويعلم الإخلاص، فهذا فرق ما بين
стр. 674
المكانين.
انقضت سورة الأعراف عن تسع وعشرين آية، فيها ثمان وثلاثون مسألة.
стр. 675
سورة الأنفال
قد مر في سورة البقرة، وآل عمران من الآيات التي تشبه الآيات من هذه السورة، وهذه الآية التي نذكرها فيها، قد سبقت نظيرتها في سورة الأعراف، فذكرناها في هذا المكان، كراهة إخلاء هذه السورة من تخصيصها/ بما خصصنا به أمثالها.
стр. 676
٩١ الآية الأولى منها:
قوله تعالى: (فذوقوا العذاب بما كنت تكفرون) الأنفال: ٣٥.
وقال في سورة الأعراف قبلها، ٣٩ (فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون) .
للسائل أن يسأل فيقول: إن الخبر في الموضعين عن الكفار، فما بال أحدهما احتص بقوله: (بما كنتم تكفرون) والآخر اختص بقوله (بما كنتم تكسبون) ؟ .
والجواب أن يقال: إن التي في سورة الأعراف خبر عن قوم ذكروا قبل هذه الآية في قوله تعالى: (فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته أولئك ينالهم نصبيهم من الكتاب حتى إذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم قالوا أين ما كنتم تدعون من دون الله) . الأعراف: ٣٧. والمعنى في قوله: (ينالهم نصيبهم من الكتاب) أي حظهم من العذاب المكتوب عليهم بقدر ما كسبوه من سيئات الأعمال
стр. 677
(حتى إذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم) أي يستوفونهم من دون غيرهم ليسوقوهم إلى النار. وهذا عن الحسن، وبين ذلك بعده قوله (قال ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجن والإنس في النار كلما دخلت أمة لعنت أختها حتى
стр. 678
إذا أداركوا فيها جميعا قالت أخراهم لأولاهم ربناء هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا ضعفا من النار قال
لكل ضعف ولكن لا تعلمون) . الأعراف: ٣٨.
فأخبر أن أخراهم تسأل الله أن يضعف العذاب على أولاهم لأنهم ضلوا وأضلوا فيستحقون العذاب على قدر اكتسابهم، فلذلك طبلوا أن يكون عذابهم ضعف عذاب هؤلاء لإثمهم، بما كسبوا من ضلالهم في أنفسهم وإثمهم بما اكتسبوا من إضلال غيرهم، (وقال أولاهم فما كان لكم علينا من فضل) الأعراف: ٣٩ أي: كنتم مثلنا في الضلال، لم يكن علينا فضل في تركه أو التقلل منه (فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون) أي يقول الله تعالى ذلك ذوقوا العذاب بقدر ما كنتم تكسبون فهذا موضع يقتضي ذكر الاكتساب، وما يجب على قدره من العقاب.
стр. 679
وأما الآية في الأنفال فهي في ذكر الكفار الذين قال الله تعالى فيهم (وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية) الأنفال: ٣٥ أي: صفيرا وتصفيفا لم تكن صلاتهم تسبيحا، وتمجيدا، وخضوعا لله تعالى كما يفعل المؤمنون فقال لهم في الآخرة، ذوقوا العذاب بكفركم ولم يتقدم هذه الآية ما يوجب قدرا من العذاب دون قدر حتى يقال: ذوقوا من العذاب بقدر كسبهم له، كما كان في الآية الأولى، وإنما ذكر كفرهم من حيث قال: (وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون* وما لهم ألا يعذبهم وهم يصدون عن المسجد الحرام وما كانوا أولياءه)
стр. 680
الأنفال: ٣٤-٣٥ وذلك كله في كفار قريش، فلذلك جاء فيه بعد (فذوقوا) (بما كنتم تكفرون) دون (بما كنتم تكسبون) .
стр. 681
٩٢ الآية الثانية منها:
قوله تعالى: (إن الذين أمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين أووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض) الأنفال: ٧٢.
وقال في سورة براءة ٢٠: (الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله) .
لم قدم ذكر الأموال والأنفس في الآية الأولى على قوله (في سبيل الله) ، وأخر في الأخرى؟
والجواب أن يقال: إن الآية الأولى في سورة الأنفال عقيب ما أنكره الله تعالى على من قال لهم: (تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم) الأنفال: ٦٧، وهم أصحاب النبي لما أسروا المشركين، ولم يقتلوهم طمعا في الفداء، فقال تعالى: (لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم)
стр. 682
الأنفال: ٦٨ أي: فيما أخذتم من هؤلاء الأسرى من الفداء، ثم قال تعالى لما غفر لهم ما كان منهم من ترك القتل إلى الأسرى: (فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا) الأنفال: ٦٩. أي:
استمتعوا بما نلتم من أموال المشركين، وبما أخذتم من فدائهم، فعقب ذلك/ بهذه الآية التي مدح فيها من أنفق أمواله في سبيل الله، لا من يجاهد طلبا للنفع العاجل فقال: (إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله) فقدم (بأموالهم وأنفسهم) على قوله (في سبيل الله) ليعلموا أن ذلك يجب أن يكون أهم لهم، وأولى بتقديمه عندهم صرفا لهم عما حرصوا عليه من فائدة الفداء.
ولم تكن كذلك الآية التي في
سورة براءة ، لأنها بعدما يوجب تقديم قوله (في سبيل الله) على ذمر المال، لأنه قال تعالى (أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله
стр. 683
الذين جاهدوا منكم) التوبة: ١٦. ثم قال في إبطال ما أتى به المشركون من عمارة المسجد الحرام، وسقاية الحاج من المقام على الكفر.: (أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله) التوبة: ١٩. فكان المندوب إليه في هذه الآية بعد الإيمان بالله الجهاد في سبيل الله، فقال بعده مادحا لمن تلقى بالطاعة أمره. (الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله) ثم ذكر (بأموالهم وأنفسهم) لما قدم ذكر ما اقتضى الموضع تقديمه، وأن يجعل أهم إليهم من غيره، فخالف هذا المكان قوله في سورة الأنفال، فقدم فيه ما أخر هناك لذلك فأعلمه. وبالله التوفيق.
стр. 684
انقضت سورة الأنفال عن آيتين ومسألتين.
стр. 685
سورة براءة
٩٣ الآية الأولى منها
قوله تعالى: (والله لا يهدي القوم الظالمين) بعد قوله (أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كما آمن بالله واليوم الآخر وجاهدوا في سبيل الله لا يستوون عند الله) التوبة: ١٩.
وقال بعده: (والله لا يهدي القوم الفاسقين) بعد قوله (قل إن كان آباؤهم وأبناؤكم وإخوانكم) من التوبة: ٢٤
وقال في هذه السورة: (والله لا يهدي القوم الكافرين) موصولة بقوله (إنما زيادة في الكفر) من التوبة: ٣٧.
للسائل أن يسأل عن تخصيص بعض هذه الآيات بـ (الظالمين) وبعضها (الفاسقين) وبعضها بـ (الكافرين) ، وهل ذلك لمعنى يخضه؟
والجواب أن يقال: إن المراد ب، (الظالمين) في الآية الأولى مشركو العرب الذين أقاموا بسقايا الحاج، وأنفقوا
على المسجد الحرام رجاء الثواب مع المقام.
стр. 686
الكفر والعصيان، فهم لأنفسهم بالكفر ظالمون، وبعملهم الذي يؤملون الانتفاع به مع مضامة الكفر واضعون الشيء غير موضعه، فلما فعل هؤلاء المشركون ذلك وكلن كل مشرك ظالما، وكل من وضع شيئا في غير موضعه يكون ظالما، وإنما يكون غير ظالم إذا أنفق في حال الإسلام على الملسمين من الحجاج دون الذين كانت صلاتهم عند البيت مكاء وتصدية، عبر عنهم بـ (الظالمين) لانطواؤ هذه الصفة على الكفر، وعلى المعنى الزائد بتضييع المال في حال الشرك، والمعنى لا يهديهم إلى نيل الثواب الذي ينفقون، وبسببه يعمرون، ولا يدلههم على ثمرة ما يؤمنون.
стр. 687
وأما الموضع الثاني، وهو (والله لا يهدي القوم الفاسقين) فإنه تحذير لمن قال فيهم من المسلمين: (قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله) . التوبة: ٢٤ فعرفهم أن من آثر مراعاة هذه الأبواب التي عدها على طاعة الله تعالى، التي أوجبها من الجهاد في سبيله، فليتربص نازل عقاب الله به، وأنه بفعله ذلك من جملة الفاسقين، وأن حكمه حكمهم، والله لا يهديهم إلى ما أعدوه للمؤمنين من الثواب لتعرضهم لمخالفة أمر الله تعالى للعقاب، فكان ذكر الفاسقين أليف بهذا المكان.
وأما الموضع الثالث، وهو (والله لا يهدي القوم الكافرين) فإنه بعد قوله في وصف الكفار: (إنما النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاما
стр. 688
ويحرمونه عاما) التوبة: ٣٧ وهو/ ما كان بعض العرب يأتيه من تحليل بعض الأشهر الحرم، وتحريم بدله من الشهر الذي ليس بمحرم ليوفي عدة الأربعة، فيكون في ذلك تحريم ما حلله الله وتحليل ما حرمه، فأخبر الله تعالى أن ذلك زيادة في كفرهم، ثم عقبة بوصفهم بأنه لا يهديهم، فكان أحق الأوصاف في هذا المكان لفظة (الكافرين) التي اقتضاها هذا المعنى والذكر المتقدم في مكانين من الآية. والله أعلم.
стр. 689
٩٤ الآية الثانية منها
قوله تعالى: (يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون) . التوبة: ٣٢.
وقال في سورة الصف٨: (يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره لو كره الكافرون) .
للسائل أن يسأل فيقول: قال تعالى في الآية الأولى: (يريدون أن يطفئوا نور الله) وقال في الثانية (ليطفئوا) فما الذي أوجب اختصاص الأولى بما اختصت به، والثانية باللام دون أن تكون مثل
الأولى بـ أن وهي الأصل في تعدي الإرادة إليه؟
والجواب أن يقال: إن الإرادة في الآية الأولى تعلقت بإطفاء نور الله بأفواههم، وإطفاء نور الله إنما يكون بما حاولوا من دفع الحق بالباطل فالحق يسمى نورا، لأن حججه وبراهينه تضيء لطالبه بها إليه، والباطل هو
стр. 690
قوله بأفواههم، وهو ما أخبر الله تعالى به قبل عن اليهود والنصارى فقال: (وقالت اليهود عزيز ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم) التوبة: ٣٠. أي: هو قول لا حقيقة له، ولا محصول، وبمصله لا يدفع الحق وبالأفواه لا يطفأ هذا النور كما يطفأ السراج، لأن هذا النور وإن أشبهه في أنه يهدي ويبين الحق من الباطل، فهو بخلافه في الامتناع من الإطفاء كما يتهيأ ذلك في السراج.
والنور يجوز أن يكون الآية المنيرة والحجة الساطعة ويجوز أن يكون المراد به القرآن، ويجوز أن يكون المراد به النبي ﷺ كما قال تعالى (إنا أرسلناك
стр. 691
شاهدا ومبشرا ونذيرا*وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا) الأحزاب: ٤٥-٤٦. فالسراج المنير يسمى نورا، وكل واحد من الثلاثة إذا دفعوه جاز أن يقال: حاولوا إطفاءه والخبر عن اليهود والنصارى الذين قال فيهم : (ذلك قولهم بأفواههم يضائهون قول الذين كفروا من قبل) التوبة: ٣٠. أي: يشاكلون بإثباتهم لله بنا وشريكا قول من أثبت مع الله آلهة: (وما أمروا إلا ليعبدوا إله واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون) التوبة: ٣١. وهذا واضح وتعدى الإرادة إلى هذا المراد ظاهر، وهو وجه الكلام والأصل. وأما الآية في سورة الصف، وتعليق الإرادة فيها بالإطفاء مع زيادة اللام، فإن للنحوين في ذلك مذهبين.
أحدهما: أن اللام توضع موضع أن لكثرة ما يقال: زرتك لتكرمني، فاللام
стр. 692
لما شهرت بنيابتها عن أن وقيامها مقامها في الموقع، كان تعدى الفعل إليها مع ما بعدها من الفعل كتعديه إلى أن وما تنصبه من المسقبل فيقال قصدت أن تفرح وقصدت لتفرح، وهذا لا يكون إلا على سبيل التوسع دون الحقيقة.
فأما المذهب الآخر فللمحققين، وهو أن الفعل معدى إلى المفعول محذوف، واللام الداخلة على الفعل المنصوب تكون منبئة على العلة التي لها أنشئ الفعل.
والمراد في الآية/ على هذا التحقيق: يريدون أن يكذبوا ليطفئوا نور الله بأفواههم لأن قبلها: (ومن أظلم ممن افترى على الله الكذب وهو يدعى إلى الإسلام) الصف: ٧. فقوله: (يريدون) لم يذكر فيه مفعول ما يريدون
стр. 693
اعتمادا على ما نبه عليه بقوله: (ومن أظلم ممن افترى على الله الكذب)
فكأنه قيل: يريدون افتراء الكذب ليطفئوا نور الله، وهو على نحو قوله.
أردت لكيما يعلم الناس أنها سراويل قيس والوفود شهود
وأن لا يقولوا غاب قيس وهذه سراويل عادي نمته ثمود
أي أردت أن انزع سراويلي ليعلم الناس إذا رأوا طولها على أنها عادي القامة، ثمودي الخلقة.
стр. 694
فلهذا خصت الآية الثانية بدخول اللام على يطفئوا ولما كان المراد في الآية الأولى الإطفاء بالأفواه لما دل عليه مفتتح العشر، وهو: (وقالت اليهود عزيز ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم) التوبة: ٣٠.
كانت الإرادة معداة إلى إطفاء نور الله تعالى بأفواههم، وهو ما حكى الله تعالى عنهم أنه قولهم بأفواههم، أي: يريدون أن يدفعوا الحق بالباطل من أفواههم، وهذا واضح.
стр. 695
٩٥ الآية الثالثة منها:
قوله تعالى: (وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون) . التوبة: ٤٥.
وقال في موضعين آخرين من هذه السورة: (ذلك بأنهم كفروا بالله ورسوله والله لا يهدي القوم الفاسقين)
التوبة: ٨٠.
وبعده: (ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون) التوبة: ٨٤.
للسائل أن يسأل عن الفرق بين هذه الأماكن حتى أعيد في الأول حرف الجر مع المعطوف، ولم يعد في المكانين الآخرين؟
والجواب أن يقال: لما كان الأول فيه إيجاب بعد نفي صار الخبر أوكد، وإلى أمارة التوكيد أو حج، ألا ترى أن قولك ما زيد إلا فاضل أوكد من قولك: زيد فاضل، وكذلك ما زيد إلا قائم أوكد من قولك زيد قائم فلما كان كذلك احتاج المعطوف على قوله (بالله) إلى توكيد لم يحتج إليه في قوله: (كفروا
стр. 696
بالله ورسوله) إذ ليس أحد من الموضعين الآخرين متضمنا إيجابا بعد نفي كما تضمنه قوله: (وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله) الآية.
стр. 697
٩٦ الآية الرابعة منها
قوله تعالى: (ولا ينفقون إلا وهم كارهون* فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبكم بها في الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون) التوبة: ٥٤-٥٥.
وقال بعده: (ولا تعجبك أموالهم وأولادهم إنما يريد الله أن يعذبكم بها في الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون) التوبة: ٨٥.
للسائل أن يسأل في الآيتين عن أربع مسائل:
أولها: (فلا تعجبك) بالفاء في الآية الأولى، وقوله (ولا تعجبك) بالوار في الآية الثانية.
والمسألة الثانية: تكرار لا في قوله: (ولا أولادهم) وتركه في قوله: (ولا
стр. 698
تعجبك أموالهم وأولادهم) .
والثالثة قوله: (إنما يريد الله ليعذبهم) باللام، وقال في الآية الأخرى: (إنما يريد الله أن يعذبهمن) .
والمسألة الرابعة قوله: (في الحياة الدنيا) في الآية الأولى، وفي الآخرة: (في الدنيا) من غير ذكر الحياة الموصوفة بها/.
والجواب عن المسألة الأولى في الفاء والوار، ومجيء الآية الأولى على (فلا تعجبك) والآخرة على (ولا تعجبك) هو أن يقال: إن قبل الفاء قوله تعالى (ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون) . التوبة: ٤٥. فأخبر عن المنافقين بما يقصدونه بأفعالهم التي يوقعونها في حالهم واستقبالهم على معنى: أن يكسلوا عن الصلاة ويتكرهوا الصدقات، فإن الله تعالى
стр. 699
ليس يجازيهم بما يسوءهم من أموالهم، بل يجعل ذلك عذابا لهم مدة بقائهم بما ينالهم من النقص في أموالهم بما أباح منها للمسلمين بالقتال، وما يصيبهم في الأولاد من السبي والاستبعاد، ثم عند الفراق يكون الألم على قدر محبة الأحياء، هذا سوء الانقلاب وما أعد لهم من العذاب ليوم المآب، فلما كان الفعل الذي قبل الفاء بمعنى الشرط صار بعدها في موضع
стр. 700
الجزاء فخضعت بالفاء لذلك.
وأما الآية التي دخلتها الواو فإن قبلها أفعالا ماضية كقوله: (إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون)
التوبة: ٨٤، وهذه الأفعال بمضيها وانقضائها لا تكونشرطا فتعقب بالفاء التي تدل على الجزاء، فعطفت الآية
بعدها على ما قبلها بالواو لبطلان المعنى الذي يقتضي الفاء. ألا ترى أنه قال: (وماتوا وهم فاسقون) ولا يشترط
فعل من قد مات فيعقب بذكر الجزاء، فلذلك اختلفا في الفاء والواو.
والجواب عن المسألة الثانية، وهي توكيد قوله (ولا أولادهم) بـ لا في قوله: (فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم) وتعرية الثانية منها حيث قال: (ولا تعجبك أموالهم وأولادهم) هو أن الذي نبأ عن
معنى الشرط في الفعل الأول وهو: (ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون) التوبة: ٤٥. بني على أوكد ما يبنى عليه الأخبار من الإيجاب بعد النفي، فلما علقت
стр. 701
الجملة الثانية به تعلق الجزاء بالشرط اقتضت من التوكيد ما قصد به مثله في الأول، فكان من ذلك أن أكد معنى النهي بتكرير لا في قوله: (فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم) .
وأما الثانية فهي مخالفة للأولى في هذا المعنى، لأنه لا شرط ينطوي عليه الفعل الذي قبلها كما انطوى علي الفعل الذي قبل الفاء، ولم يتضمن أيضا من التوكيد المقتضى بناء يتعلق عليه فخلا من الدواعي إلى التوكيد، فلم يكرر فيه لا لذلك.
والجواب عن المسألة الثالثة وهي وصل الإرادة باللام في الأولى حيث قال: (ليعذبهم بها) ووصلها ب أن في الثانية حيث قال: (أن يعذبهم) هو أن الأولى معناها: إنما يريد الله أن يزيد في نعمائهم بالأموال والأولاد ليعذبهم بها في الحياة
стр. 702
الدنيا، فمفعول الإرادة محذوف، واللام لام الصيرورة، والآية الأخيرة مخالفة للأولى في ذلك، لأنها في الإخبار عن قوم قد ماتوا وانقرضوا على النفاق، فلم يضمر للإرادة مفعول، وهو: أن يزيد في نعمائهم لانقطاع الزيادة بالموت عنهم، فعديت الإرادة إلى ما آل إليه حالهم من تعذيبهم، فصار المعنى: إنما يريد الله في حال إنعامه عليهم تعذيبهم به في الدنيا، ففرق بين الخبرين إذ كان أحدهما خبرا عن قوم معرضين لزيادة إنعام الله عليهم، والأخير خبرا عمن انقطعت أعمالهم وبلغت نعمة الله عليهم غاية لا مزيد فيها لهم، والله يريد تعذيبهم بذلك بعد كفرهم ومقامهم على نفاقهم.
والجواب عن المسألة الرابعة وهي قوله في الأولى: (في الحياة الدنيا) فجعل الدنيا صفة للحياة، قوله في الآخرة: (في الدنيا) فأغنى بذكر الصفة عن ذكر
стр. 703
الموصوف هو أن الثانية لما كانت بعد الأولى، وقد نبه فيها على الموصوف، كان في ذكره هناك غنى عن ذكره في هذا المكان، لا سيما والدنيا كاسم علم للحياة الأولى وللدار الدنيا، فأغنى كل ذلك عن ذكر الحياة، والإتيان بالموصوف، وهذه حال الصفة.
стр. 704
٩٧ الآية الخامسة منها
قوله تعالى: (.. استأذنك أولو الطول منهم وقالوا منهم وقالوا ذرنا نكن مع القاعدين* رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون) التوبة: ٨٦-٨٧.
وقال بعدها في العشر التي تلي هذه العشر: (وإنما السبيل على الذين يستأذنوك وهم أغنياء رضوا
بأن يكونوا مع الخوالف وطبه الله على قلوبهم فهم لا يعلمون) التوبة: ٩٣.
للسائل أن يسأل هنا عن مسأليتين:
إحداهما عن قوله في الأولى: (وطبع) بفعل مالم يسم فاعله وفي الثانية سمى فاعله بقوله:: (وطبع الله) .
والمسألة الثانية قوله في الأولى: (فهم لا يفقهون) وفي الآخرة: (فهم لا يعلمون) .
والجواب عن المسألة الأولى أن قوله تعالى: (وطبع) في آخر آية افتتحت بقوله تعالى: (وإذا أنزلت سورة) التوبة: ٨٦ والمعنى: وإذا أنزل الله سورة، فلما صدرت
стр. 705
الآية بفعل علم أن فاعله الله فيما لا يقتضي ذكر الفاعل به مزية، بل يقوم المفعول به مقام، كان مثل هذا الفعل في منتهى الآية محمولا عليه، لأنه معلوم أن الله تعالى يطبع، كما علم أن الله ينزل، فكانت التوفقة بين آخر الآية وأولها في ذلك هو الاختيار.
والآية الأخرى وقعت هذه اللفظة منها في موضع إشباع وتأكيد، لا تراها في قوله: (إنما السبيل على الذين يستأذنوك وهم أغنياء) التوبة: ٩٣ فجاءت إنما بعد نفي مكرر في قوله: (ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا الله ورسوله ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم * ولا على الذين إذا أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه ... ) التوبة ٩١-٩٢ فنفى الحرج عمن قعد عن الجهاد لإحدى المعاذير التي ذكرها،
следующие страницы →