Полный текст (1 361 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.
стр. 701
الجملة الثانية به تعلق الجزاء بالشرط اقتضت من التوكيد ما قصد به مثله في الأول، فكان من ذلك أن أكد معنى النهي بتكرير لا في قوله: (فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم) .
وأما الثانية فهي مخالفة للأولى في هذا المعنى، لأنه لا شرط ينطوي عليه الفعل الذي قبلها كما انطوى علي الفعل الذي قبل الفاء، ولم يتضمن أيضا من التوكيد المقتضى بناء يتعلق عليه فخلا من الدواعي إلى التوكيد، فلم يكرر فيه لا لذلك.
والجواب عن المسألة الثالثة وهي وصل الإرادة باللام في الأولى حيث قال: (ليعذبهم بها) ووصلها ب أن في الثانية حيث قال: (أن يعذبهم) هو أن الأولى معناها: إنما يريد الله أن يزيد في نعمائهم بالأموال والأولاد ليعذبهم بها في الحياة
стр. 702
الدنيا، فمفعول الإرادة محذوف، واللام لام الصيرورة، والآية الأخيرة مخالفة للأولى في ذلك، لأنها في الإخبار عن قوم قد ماتوا وانقرضوا على النفاق، فلم يضمر للإرادة مفعول، وهو: أن يزيد في نعمائهم لانقطاع الزيادة بالموت عنهم، فعديت الإرادة إلى ما آل إليه حالهم من تعذيبهم، فصار المعنى: إنما يريد الله في حال إنعامه عليهم تعذيبهم به في الدنيا، ففرق بين الخبرين إذ كان أحدهما خبرا عن قوم معرضين لزيادة إنعام الله عليهم، والأخير خبرا عمن انقطعت أعمالهم وبلغت نعمة الله عليهم غاية لا مزيد فيها لهم، والله يريد تعذيبهم بذلك بعد كفرهم ومقامهم على نفاقهم.
والجواب عن المسألة الرابعة وهي قوله في الأولى: (في الحياة الدنيا) فجعل الدنيا صفة للحياة، قوله في الآخرة: (في الدنيا) فأغنى بذكر الصفة عن ذكر
стр. 703
الموصوف هو أن الثانية لما كانت بعد الأولى، وقد نبه فيها على الموصوف، كان في ذكره هناك غنى عن ذكره في هذا المكان، لا سيما والدنيا كاسم علم للحياة الأولى وللدار الدنيا، فأغنى كل ذلك عن ذكر الحياة، والإتيان بالموصوف، وهذه حال الصفة.
стр. 704
٩٧ الآية الخامسة منها
قوله تعالى: (.. استأذنك أولو الطول منهم وقالوا منهم وقالوا ذرنا نكن مع القاعدين* رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون) التوبة: ٨٦-٨٧.
وقال بعدها في العشر التي تلي هذه العشر: (وإنما السبيل على الذين يستأذنوك وهم أغنياء رضوا
بأن يكونوا مع الخوالف وطبه الله على قلوبهم فهم لا يعلمون) التوبة: ٩٣.
للسائل أن يسأل هنا عن مسأليتين:
إحداهما عن قوله في الأولى: (وطبع) بفعل مالم يسم فاعله وفي الثانية سمى فاعله بقوله:: (وطبع الله) .
والمسألة الثانية قوله في الأولى: (فهم لا يفقهون) وفي الآخرة: (فهم لا يعلمون) .
والجواب عن المسألة الأولى أن قوله تعالى: (وطبع) في آخر آية افتتحت بقوله تعالى: (وإذا أنزلت سورة) التوبة: ٨٦ والمعنى: وإذا أنزل الله سورة، فلما صدرت
стр. 705
الآية بفعل علم أن فاعله الله فيما لا يقتضي ذكر الفاعل به مزية، بل يقوم المفعول به مقام، كان مثل هذا الفعل في منتهى الآية محمولا عليه، لأنه معلوم أن الله تعالى يطبع، كما علم أن الله ينزل، فكانت التوفقة بين آخر الآية وأولها في ذلك هو الاختيار.
والآية الأخرى وقعت هذه اللفظة منها في موضع إشباع وتأكيد، لا تراها في قوله: (إنما السبيل على الذين يستأذنوك وهم أغنياء) التوبة: ٩٣ فجاءت إنما بعد نفي مكرر في قوله: (ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا الله ورسوله ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم * ولا على الذين إذا أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه ... ) التوبة ٩١-٩٢ فنفى الحرج عمن قعد عن الجهاد لإحدى المعاذير التي ذكرها،
стр. 706
ثم ألزم الحرج القوم الذين حالهم مضادة لأحوال أولئك، فقال: (إنما السبيل على الذين يستأذنوك وهم أغنياء رضوا بأن يكونوا مع الخوالف..) أي الاثم يتوجه على من يستأذن في المقام، وهو قادر على الجهاد بالغنى واليسار وصحة الأبدان، رضوا بأن يكونوا مع النساء والزمنى والضعفاء، والله طبع على قلوبهم، فهم لا يعلمون، فلما كان هذا الموضع موضعا يتبين فيه مضادة حالهم لأحوال غيرهم لتخالف بين أفعالهم وأفعال من فسخ في القعود لهم، كان موضع تنبيه وتأكيد وتخويف وتحذير، فسمى الفاعل وهو الله تعالى ليليق الفعل إذا جاء هذا المجيء بمكانه.
стр. 707
والجواب عن المسألة الثانية هو أن الذين ذكروا بالطول، وهو الفضل في النفس والمال والقدرة على الجهاد وإنما مالوا إلى الدعة، وأخلدوا إلى الراحة، وأشفقوا من الحر، ولم يفطنوا أن الراحة في تحمل التعب مع رسول الله ﷺ ، وأن الدعة توجد بتحمل المشقة معه، فطلبوا ما كان مطلوبهم ضده لو فقهوا، وتفطنوا، فكان هنا موضع يفقهون.
وأما الآية الأخرى وهي: (وإنما السبيل على الذين يستأذنوك وهم أغنياء) أي
стр. 708
العقاب يتوجه إلى هؤلاء، وهم الذين لا يعلمون ما أعد الله لكل ذي عمل محق عمله ما يعلمه المؤمنون الذين يستجبون للخروج، والذين تفيض أعينهم، إذ لم يعنهم بالركوب فلما كان بإزائهم في الآتين اللتين قبل، ذكر من تحقق، وعلم الثواب والعقاب على اليقين، وخالفهم هؤلاء، نفي عنهم ما أثبته لأولئك وهو العلم، فلذلك جاء في هذا المكان: (فهم لا يعلمون) .
стр. 709
٩٨ الآية السادسة
قوله تعالى (..قل لا تعتذروا لن نؤمن لكم قد نبئنا الله من أخباركم وسيرى الله عملكم ورسوله ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعلمون) التوبة: ٩٤.
وقال بعده: (وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعلمون) التوبة: ٩٤.
للسائل أن يسأل عن شيئين في هذا المكان:
أحدهما: ذكر (والمؤمنون) في الآية الثانية، وتركه في الأولى.
والسؤال الثاني: قوله في الآية الأولى: (ثم تردون) وفي الآية الثانية: (وستردون) وهل لاختلافهما معنى يوجبه ويخصصه بالمكان الذي يخصه؟
والجواب عن الأولى أن يقال: إن المخاطبين في الآية الأولى هم المنافقون، والمخاطبون في الثانية هم المؤمنون، لأنه قال في الأولى: (يعتذرون إليكم إذا رجعتم
стр. 710
إليهم قل لا تعتذروا لن نؤمن لكم قد نبئنا الله من أخباركم..) والثانية قال قبلها (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم..) التوبة: ١٠٣ وبعدها: (ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات ... ) التوبة: ١٠٤ ثم قال: (وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون) التوبة: ١٠٥.
وإذا اختلف المخاطبون بما بينا في الآيتين كان قوله: (وسيرى الله عملكم ورسوله) بعد قوله: (قد نبأنا الله من أخباركم) معناه: أن الله قد أخبرنا بأخباركم التي تخفونها في أنفسكم وتجاهرون بها من كان من المنافقين مثلكم، والله سيرى ما يكون منكم بعد، ويرى رسوله بإطلاع الله له عليه،
стр. 711
وأعمالهم التي لأجلها يحكم عليها بالإنفاق يراها الله تعالى ويطلع الله عليها ﷺ ، وما كل مؤمن يعلمها، فلذلك لم يقل في هذا المكان: (والمؤمنون) بعد قوله: (وسيرى الله عملكم ورسوله) .
وأما الآية الثانية فإنها فيمن أمر الله تعالى نبيه وهم الذين أوجب عليهم الصدقات بأن يقول لهم:
اعملوا ما أمركم الله تعالى به من الطاعات كالصلوات والصدقات، فإن الله ورسوله والمؤمنين يرون ذلك. وهذه الأعمال مما ترى بالعين خلاف أعمال المنافقين التي تقتضي لهم النفاق لإضمارهم
стр. 712
خلاف إظهارهم، وهو مما لا يرى بالعين، وإنما يعلمه عالم الغيب، فلذلك لك يذكر (المؤمنون) في الأولى، وذكروا في الثانية.
والجواب عن المسألة الثانية: أن معنى قوه للمنافقين: (..قد نبأنا الله أن أخباركم وسيرى الله عملكم ورسوله) أي: سيعلم الله حقيقة عملكم، وأنه عن غير صحة اعتقاد منكم، وأن اعتذاركم قول بلسانكم، لا يطابقه منطوى ضميركم، وهذا ظاهر، يكون الجزاء عليه خلافه،
ففصل بينه وبين ردهم إلى الله تعالى للجزاء عليه بقوله: (ثم) أي: عملكم، يعلم الله من باطنه خلاف ظاهره، وقد أمرنا بالرضى به وحقن دمائكم له، ثم إن الحكم إذا رددتم إلى الله تعالى في الآخرة بخلافه، فلبعد ما بين الظاهر من عملكم، وما تجازون به دخلت ثم.
وليست كذلك الآية الأخيرة، لأن قبلها بعثا على عمل الخير بقوله تعالى: (وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون) التوبة: ١٠٥ وهو وعد،
стр. 713
والأول وعيد، وبعده: (وستردون) لأنه وعد بما يشاكل أفعالهم ويطابق أعمالهم من حسن الثواب وجميل الجزاء، ولم يبعد عنها كبعد جزاء المنافقين عما هو ظاهر من أعمالهم التي يراؤونها بها، ويعلم الله تعالى خلافها منهم، فجرى الكلام على نسق واحد، فقال: (فسيرى الله) (وستردون) ولم تدخل ثم التي هي للتراخي والتباعد، فاختصاص كل موضع بما اختص به من اللفظ لما ذكرنا.
стр. 714
٩٩ الآية السابعة منها
قوله تعالى: (..ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطئون موطئا غريبا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح إن الله ليضيع أجر المحسنين) التوبة: ١٢٠.
وقال بعده: (ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ولا يقطعون واديا إلا كتب لهم ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون) التوبة: ١٢١.
للسائل أن يسأل في ذلك عن مسألتين:
إحداهما: قوله تعالى في الآية الأولى: (إلا كتب لهم به عمل صالح) وقوله في الثانية: (إلا كتب لهم به) فحسب، ولم يذكر (عمل صالح) كما ذكر في الأولى.
والمسألة الثانية: تعقيبه الأولى بقوله: (إن الله ليضيع أجر المحسنين) وتعقيبه الثانية بقوله: (ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون) ووجه الاختلاف في هاتين الآيتين.
والجواب عن المسألة الأولى هو أن في جملة ما ذكره تعالى مما أوجب لهم
стр. 715
الأجر ليست من أعمالهم، لأن الظمأ ليس هو من فعل الإنسان والنصب والمخمصة كذلك فلما تضمن مما نسق بعضه على بعض ما ليس بعمل لهم وما هو عمل لهم بقوله: (ولا يطئون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا) الحق أجر ما ليس بعمل لهم بما هو عمل لهم فقط فقال: (إلا كتب لهم به عمل صالح) أي أجر عمل صالح.
وما ذكر الله تعالى في الآية الثانية كله من أعملهم، وهو قوله: (ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ولا يقطعون واديا إلا كتب لهم) أي: لا يخرجون من أموالهم ما دق أو جل، ولا يقطعون في مسيرهم على أعدائهم واديا إلا كان ذلك محفوظا
стр. 716
لهم معلوما مكتوبا، أو كالمكتوب عند الله تعالى ليجزيهم عليه أحسن الجزاء فلما كان ما في الثانية عملهم كتب على جهته، ولم يحتج إلى أن يكتب بع عمل صالح، لأنه هو والأول كان فيه ما ليس بعملهم فكتب به أجر مثل عملهم، فلذلك كانت الزيادة في الأولى ولم تحتج إليها الأخرى.
والجواب عن المسألة الثانية وهي تعقيب الأولى بقوله: (إن الله لا يضيع أجر
стр. 717
المحسنين) هو أن من أخبر عنه بأنه أصابه ظمأ ونصب وجوع، فقد أخبر عنه بفعل غيره، ولم يخبر عنه بفعل فعله هو، إلا أنه يحسب له بما وصل إليه من ألم العطش والجوع والتعب والنصب الأجر، فلذلك عقبه بقوله: (إن الله لا يضيع أجر المحسنين) أي: أجر من أحسن طاعة اللع وتعرض منها لما تلحقه فيه هذه الشدائد.
وأما الآية الثانية وتعقيبها بقوله: (ليجزيهم) الله أحسن ما كانوا يعملون
فلأن جميع ما ذكر كان عملا لهم، فوعدهم حسن الجزاء على عملهم وذلك ظاهر والله أعلم.
انقضت سورة براءة عن سبعة مواضع فيها ثلاثة عشرة مسألة.
стр. 718
سورة يونس ﵇
١٠٠ الآية الأولى منها
قول تعالى: (ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم..) يونس: ١٨
وقال في سورة الفرقان٥٥: (ويعبدون من دون الله ما لا ينفعهم ولا يضرهم ... )
للسائل أن يسأل عن تقديم (يضرهم) على (ينفعهم) في الآية الأولى، وتقديم (ينفعهم) على (يضرهم) في الآية الثانية؟ وهل صلح أحدهما مكان الآخر؟ .
فالجواب ان يقال: إنما قدم: (ما لا يضرهم) على (لا ينفعهم) في الآية الأولى لأن العبادة تقام للمعبود خوفا من العقاب أولا، ثم رجاء للثواب ثانيا، وقد تقدم في هذا المكان ما أوجب تقديم (ما لا يضرهم) على (لا ينفعهم) في الآية الأولى، وهو قوله: (..إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم) يونس: ١٥ فكأنه قال: ويعبدون من دون الله ما لا يخافون ضررا في معصيته، ولا يرجون نفعا في
стр. 719
طاعته، فتقدم (ما لا يضرهم) على (لا ينفعهم) في هذا المكان لهذا المعنى ولهذا اللفظ المتقدم.
وأما سورة الفرقان فقد تقدمت فيها آيات قدم فيها الأفضل على الأدون كقوله : (وهو الذي مرج البحرين هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج..) الفرقان: ٥٣، وكقوله بعده: (وهو الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا وكان ربك قديرا) الفرقان: ٥٤، وصلة النسب أفضل من صلة المصاهرة، كما أن العذب من الماء أفضل من الملح، وقال بعده: (ويعبدون من دون الله ما لا ينفعهم) أي: يتكلفون المشقة بعبادة ما لا يرجونه لنفع، ولا يخشونه لضر، فقدم الأفضل على الأدون لهذا المعنى، وللبناء على ما تقدم من الآيات،
стр. 720
فجاء في كل موضع على ما اقتضاه ما تقدم، وصح المعنى الذي اعتمد عليه.
стр. 721
١٠١ الآية الثانية منها
قوله تعالى (.. فلماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون* كذلك حقت كلمة ربك الذين فسقوا أنهم لا يؤمنون) يونس: ٣٢-٣٣.
وقال في سورة المؤمن ٥-٦ (..وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق فأخذتهم فكيف كان عقاب* وكذلك حقت كلمة ربك على الذين كفروا أنهم أصحاب النار) .
للسائل أن يسأل في هاتين الآيتين عن ثلاث مسائل:
إحداهما: دخول الواو على (كذلك) في سورة المؤمن وخلوها منها في سورة يونس.
والثانية قوله في الأولى: (على الذين فسقوا) وفي الثانية: (على الذين كفروا) .
والثالثة: قوله في يونس: (أنهم لا يؤمنون) وفي المؤمن (أنهم أصحاب
стр. 722
النار) .
والجواب عن المسألة الأولى، وهي ترك الواو في هذا الموضع وإثباتها في سورة المؤمن: أن القصة بعد (كذلك) هي التي قبلها، فهي مرتبطة بها بعودها إليها، وبكاف التشبيه، فاستغنت بهذين
الرابطين عن حرف العطف، هؤلاء الذين حقت عليه كلمة الله، أنهم لا يؤمنون، هم الذين خوطبوا بقوله: (قل من يرزقكم من السماء والأرض ... ) يونس: ٣١.
وليس كذلك ما في سورة المؤمن، لأنه وإن تعلق به بكاف التشبيه فإنه ينقطع عنه بأن المذكورين بعد كذلك غير المذكورين قبلها، ألا ترى أن قوله: (كذبت قبلهم قوم نوح والأحزاب من بعدهم وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه وجادلوا بالباطل..) المؤمن: ٥ خبر عن الذين كانوا قبل النبي وما بعد قوله: (وكذلك حقت كلمة ربك على الذين كفروا أنهم أصحاب النار) المؤمن: ٦ إنما
стр. 723
هو وعيد لمن هو في عصره ﵊، فلمت انقطع ما بعد كذلك هنا عما قبلها احتاج إلى الواو، وما في سورة يونس لما لم ينقطع ما بعدها عما قبلها لم يحتج إليها.
والجواب عن اختصاصه بقوله (على الذين فسقوا) في سورة يونس، واختصاص ما في سورة المؤمن بقوله: (على الذين كفروا) فلأن الأول في ذكر قوم أخبر عنهم بقوله: (قل من يرزقكم من السماء والأرض..) يونس: ٣١ فأخذ إقرارهم بأن الله تعالى هو الذي يرزقهم من مطر السماء ونبات الأرض، وهو الذي يملك أسماعهم وأبصارهم، فإن أحب سمعوا وأبصرواـ وإن لم يرد ذلك صمو وعموا، وهو الذي يخرج الحي من الميت كالفرخ من البيضة، ويخرج الميت من الحي كالبيضة من الدجاجة، وأنه هو الذي يدبر أمور الخلق من ابتداء أحوالهم إلى انتهائها، وكانوا ممن أخبر الله تعالى عنهم بقوله: ( ... والذين اتخذوا
стр. 724
من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ... ) الزمر: ٣ فباينوا بإثبات الصانع وما زعموه من معرفة الخالق من أنكره وجحد بآياته، وفسقوا بأن عبدوا معه غيره، ولم يثبتوا النبي ونبوته الفسق الذي هو كفر لا ينفع معه الإقرار الاول، فقال تعالى: هؤلاء الذين أقروا بالصانع وصفات فعله، ثم خرجوا عما دخلوا فيه بإنكار نبوة النبي ﷺ ، وبعبادة آلهة مع الله تعالى كان ذلك فسقا لخروجهم عن حكم من يقر بما أقروا به، والفسق فسقان:
أحدهما هو الكفر، وتسميته به لهذا الوجه الذي قلناه، وهو كقوله تعالى: (وأما الذين فسقوا فمأواهم النار) السجدة: ٢٠.
والثاني فسق ليس بكفر كقوله تعالى: (ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون) النور: ٤ ليس المراه بهد الكافرين، فأخبر عن هؤلاء بـ (الذين
стр. 725
فسقوا) في سورة يونس لذلك.
وأما في سورة المؤمن فإنه لم يتقدمه مثل ما تقدم هنا، بل قال تعالى قبله: (ما يجادل في آيات الله الذين كفروا فلا يغررنك تقلبهم في البلاد* كذبت قبلهم قوم نوح ... ) المؤمن: ٤-٥ فأخبر عن
الكفار الذين في عصره بأنهم كفروا بمجادلتهم في آيات الله، فشبههم بالقوم الذين مضوا قبلهم حيث قال (..وهمت كل أمة بسولهم ليأخذوه وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق..) المؤمن: ٥ ثم قال تعالى: (وكذلك حقت كلمة ربك على الذين كفروا أنهم أصحاب النار) المؤمن: ٦ فلما أراد الذين قدم ذكرهم من أول القصة، وهو الذين أخبر عنهم بقوله) ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا فلا يغررنك تقلبهم) المؤمن: ٤ كان أن يصفهم بما وصفهم به قبل من الكفر أولى وأدل على أن المعنيين بوجوب النار لهم، هم الذين قدم ذكرهم.
والجواب عن المسألة الثالثة، وهي: (كذلك حقت كلمة ربك على الذين فسقوا أنهم لا ؤمنون) يونس: ٣٣ وقوله في سورة المؤمن ٦: (أنهم أصحاب
стр. 726
النار) فلأنه تعالى أراد أن يبين أنهم وإن أقروا بالله تعالى وأثبتوه خالقا قادرا صانعا غير مؤمنين، وما داموا يعبدون غير لا يؤمنون، فالقصد إلى إبطال ما بذلوه بألسنتهم من الإقرار بخالقهم، والقصد في الآية التي في سورة المؤمن توعدهم على كفرهم بالنار إذ لم يتقدم ذكر إقرار يشبه إقرار المؤمنين، فيبطل بتركهم سائر ما أمر الله تعالى به.
стр. 727
١٠٢ الآية الثالثة منها
قوله تعالى: (ألا إن لله ما في السموات والأرض ألا إن وعد الله حق ولكن أكقرهم لا يعلمون) يونس: ٥٥.
وقال بعده في العشر التي تلي هذه العشر: (ألا إن لله من في السموات ومن في الأرض وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء ... ) يونس: ٦٦.
وقال بعده في هذه العشر: (قالوا اتخذ الله ولدا سبحانه هو الغني له ما في السموات وما في الأرض إن عندكم من سلطان بهذا....) يونس: ٦٨.
للسائل أن يسأل في ذلك عن مسائل:
إحداهما: لماذا كان في الآية الأولى: (ما في السموات والأرض) وفي الثانية: (من في السموات ومن في الأرض) وهل صلح من في الآية الأولى، وما في الثانية؟
والمسألة الثانية: ما الذي دعا إلى التوكيد في من حتى أعدت في قوله: (ومن في الأرض) ، ولم تعد ما في الآية الأولى عند ذكر الأرض؟ .
стр. 728
والمسألة الثالقة عما دعا إلى تكرير ما في قوله: (له ما في السموات وما فيالأرض) ولم يكررها
في الآية الأولى في قوله:: (ألا إن لله ما فغي السموات والأرض..) ولم يقل: وما في الأرض؟ .
فالجواب عن المسألة الأولى، واختصاص ما حيث اختصت، واختصاص من حيث اختصت، هو أن الأولى جاءت بعد قوله تعالى: (ولو أن لكل نفس ظلمت ما في الأرض لافتدت به..) ونس ٥٤، فكان المعنى: أن النفس الظالمة إذا رأت عذاب الله تعالى لو ملكت جميع ما في الأرض لبذلته في فداء نفسها، وهي تحرص على اليسير من حطامها في ظلم أهلها، فكرر على ذلك بقوله: (ألا إن لله ما في السموات والأرض) يونس ٥٥ أي أن النفس الظالمة لا تملك ما في الأرض فتفتد به، ولو ملكته لما قبل في فدائها، وكيف يكون لها ذلك؟
стр. 729
والله تعالى مالك ما في السموات والأرض، وليس للعبد ذلك، ولا محله هنالك، يوجب لهذا المكان ما لقوله: (ما في السموات والأرض) ، والمراد: نفائس ما في الأرض مما ملكه الله تعالى العباد.
وأما الموضع الذي ذكر فيه من فلم يصح فيها غيرها، لأن قبله (ولا يحزنك قولهم إن العزة لله جميعا هو السميع العليم* ألا إن لله من في السموات ومن في الأرض) يونس: ٦٥-٦٦ والمعنى: لا يحزنك ما يتوعدك به الكفار من القتل وأنواع المكروه فغن العزة لله تعالى، لا يمنح الكفار قدرة على ما يريدونه منك، بل يعطيك القدرة عليهم، والغلبة لهم، فإنه يملك من في
стр. 730
السموات ومن في الأرض، ولا قوة لهم إلا به، ولا قدرة لهم إلا من عنده، فاقتضى هذا المكان من كما رأيت.
والجواب غ عن المسألة الثانية، والسبب في إعادة من فيها، وترك إعادة ما في الآية الأولى فقال: (ومن في الأرض) وقال هناك: (ألا إن لله ما في السموات والأرض) ولم يقل: ما في الأرض، فلأن المقصود بالذكر أنه قادر على أن يكفي النبي أمره هو، من في الأرض من الكفار الذين بعث إليهم وخوفوه أذاهم، فقرن إلى ذكرهم ذكر من في السموات، وهم أكبر شأن وأعظم أمرا، فإذا ملكوا كان من دونهم أدون، فإعادة من مع ذكر الأرض للتوكيد الذي اقتضاه القصد إلى ذكرهم.
وأما حذف ما في الآية الأولى عند ذكر الأرض فلأن ذكرها قد تقدم، وهو: (ولو أن لكل نفس ظلمت ما في الأرض) فلما قال: (ألا إن لله ما في السموات والأرض) كان ما في ذكر الأرض هناك، ورجوع هذا إلى ذلك المعنى مثل ذكره في هذا الموضع، فأغنى ذلك عن التكرير.
стр. 731
والجواب عن المسألة الثالثة، وهي تكرير ما في قوله تعالى: (..له ما في السموات وما في الأرض) يونس: ٦٨ مع حذفها من الآية الأولى، هو أن قبله: (قالوا اتخذ الله ولدا سبحانه هو
الغني له ما في السموات وما في الأرض) يونس: ٦٨ فنزه نفسه تعالى عن الولد، وأخبر أنه غني عما يجلب باتخاذه، ويستفاد بمكانه، إذ كان مالكا لكل ما في السموات وما في الأرض، فكان الموضع موضع توكيد، فكأنه قال: إذا كان له كل ما في السموات وما في الأرض، فلماذا يتخذ الولد؟ ولا يجوز عليه اجتلاب مسرة وانتفاع به، لأنه هو الغني بنفسه، فإعادة ما في هذا المكان لهذا الضرب من التوكيد، أي هو غني لا يحتاج إلى ولد يعينه على شيء
стр. 732
مما في السموات، وهو مالك له كله، ولا إلى أن يعينه على شيء مما في الأرض، وهو مالك له بأسره، فلما تأكد الكلام في مثل هذا المكان جاءت ما معادة لهذا الشأن والله تعالى أعلم.
стр. 733
١٠٣ الآية الرابعة منها
قوله تعالى: (.. وأمرت أن أكون من المؤمنين) يونس: ١٠٤.
وقال في سورة النمل في آخرها ٩١: ( ... وأمرت أن أكون من المسلمين)
للسائل أن يسأل عن اختصاص هذا المكان ب (المؤمنين) واختصاص آخر سورة النمل ب (المسلمين) ؟
والجواب أن يقال: أن قبل هذه الآية في سورة يونس قوله تعالى: (ثم ننجي رسلنا والذين آمنوا كذلك حقا علينا ننج المؤمنين) يونس: ١٠٣ فقال بعده: وأمرت أن أكون منهم.
وأما في سورة النمل فإن قبل هذه الآية منها: ((وما أنت بهادي العمي عن ضلالتهم إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون) النمل: ٨١ فكأنه قال:
стр. 734
وأمرت أن أكون ممن إذا سمع بآياته آمن بها، وكان من المسلمين الذين مدحوا بأن النبي يسمعهم، إذا ينتفعون بما يسمعونه منه، فلما تقاربت اللفظتان وكانتا تستعملان لمعنى واحد، حملت كل واحدة منهما على اللفظ الذي تقدمها ولا ئمها.
стр. 735
١٠٤ الآية الخامسة منها
قوله تعالى: (فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها وما أنا عليكم بوكيل) يونس: ١٠٨.
وقال في آخر سورة النمل ٩٢: (فمن اهتدى فإنما يهدتي لنفسه ومن ضل فقل إنما أنا من المنذرين) .
للسائل ان يسأل عن اختلاف الموضعين، وقوله في الأولى: (ومن ضل فإنما يضل عليها) وفي الثانية (ومن ضل فقل إنما أنا من المنذرين) ؟
والجواب أن يقال: إن الآية الأولى فإنه لما قال فيها: (فمن يهتدي لنفسه) أي منفعة اهتدائه له، وهي دوام النعمة والخلود في الجنة فاقتضى هذا في الضلال ضده، فقال: ((ومن ضل فإنما يضل عليها) أي ضرر ضلاله عليه، وهو دوام العقاب بأليم العذاب (وما أنا عليكم بوكيل) ولا يلزمني أن أقيكم ما لا تقونه أنفسكم كالوكيل الذين يلزمه حفظ ما وكل به مما يضره.
стр. 736
وأما في الآية الثانية في آخر سورة النمل فإنها عدل بها عند ذكر الضلال عما حملت عليه في الآية التي في آخر سورة يونس لتحمل على الفواصل التي قبلها وهي مختومة بالواو والنون، أو الياء والنون، فقال تعالى (ومن ضل فقل إنما أنا من المنذرين) أي: ممن يعلمكم ما يلزمكم أن تحذروه ويخوفكم ما يجب عليكم أن تجتنبوه فاشتمل هذا على معنى: (ومن ظل فإنما يضل عليها وما أنا عليكم بوكيل) لأن في قوله تعالى: (فإنما يضل عليها) أي: لست ممن يكره على ما يحميكم من النار، ويقيكم حر العقاب كالوكيل الذي يحامي على/ ما وكل به أن يناله ضرر، مثل (وما أنا عليكم بوكيل) فجاء على لفظ (إنما أنا من المنذرين) لتكون
стр. 737
الفاصلة مشاكلة للفواصل التي قبلها مع تأدية مثل المعنى الذي أدته الآية التي شابهتها.
انقطعت سورة يونس عن خمس آيات فيها تسع مسائل.
стр. 738
سورة هود ﵇
(١٠٥) الآية الأولى منها:
قوله تعالى: (لا جرم أنهم في الآخرة هم الأخسرون) (هود: ٢٢) .
وقال في سورة النحل (١٠٩) : (لا جرم أنهم في الآخرة هم الخاسرون) .
للسائل أن يسأل عما خصص كل واحد من اللفظين بمكانه دون الآخر؟
والجواب أن يقال: إن الآية التي في سورة هود قد تقدمها قوله: ( ... وما كان لهم من دون الله من أولياء يضاعف لهم العذاب ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون) (هود٢٠) وإنما قال: (يضاعف لهم العذاب) لأنه خبر عن قوم أخبر عنهم بالفعل الذي استحقوا به مضاعفة العذاب في قوله تعالى: (الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا وهم بالآخرة هم الكافرون) (هود١٩) فإذا صدوا هم عن الدين صدودا، وصدوا غيرهم عنه صدا استحقوا تضعيف العذاب، لأنهم ضلوا وأضلوا، فهذا ل (الأخسرين) دون (الخاسرين) من طريق
стр. 739
المعنى، وهاهنا ما يضامه من طريق اللفظ، وهو أن ما قبله من الفواصل (يبصرون) (هود: ٢٠) (وضل عنهم ما كانوا يفترون) (هود: ٢١) قبل نونه وواوه متحركان، مستندان إلى ما قبلهما، فاجتماع
المعنى الذي ذكرناه، والتوفقة بين الفواصل التي بينا أوجبا اختيار (الأخسرين) في هذا الموضع على (الخاسرين) .
وأما التي في سورة النحل فإنها في آية لم يخبر فيها عن الكفار بأنهم مع ضلالهم أضلوا من سواهم، وإنما قال فيهم: (ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة وأن الله يهدي القوم الكافرين) (النحل: ١٠٧) فلم يذكر ما يوجب
стр. 740
مضاعفة العذاب، ثم كانت الفواصل التي حملت هذه عليها وزان (الكافرين) و (الغافلين) فاقتضى هذان الشيئان أن يقال: (هم الخاسرون) كما اقتضى السببان في الأولى المخالفان للسببين هنا أن قال: (الأخسرون) .
следующие страницы →