← Фикх общий

Фикх общий · id 13443

التفكر والاعتبار بآيات الكسوف والزلازل والإعصار

عبد الكريم بن صالح الحميد

Полный текст (127 стр.). Показаны 106–127 · переход к 111.

стр. 106

ولقد كانت آثار هذه الزلازل التي يخوِّف الله بها عباده ليتوبوا الانشغال بالأسباب وآثارها حتى بلَغ الْهَوَس بمن ترَوَّوْا من علوم الملاحدة أن يُشيروا ببناء مساكن تُقَاوم الزلازل مع الاعتناء بالإنذار المبكِّر .. ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ﴾ (١)، وليس للدواء الشافي والْمُعْتَصَم الكافي ذكر الذي هو الرجوع إلى الله بالمتابِ ليندفع عن العباد شرُّ الدنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ (٢). ومما يُبيِّن عُظْمَ ما آلت إليه الحالُ أن (قُريشاً) تُخلص لله في الشدة، وتدعوه، وتلجأ وتتضرع إليه؛ بينما لا أثر اليوم لهذا لأن البلاء جاءَ مِن علوم الملاحدة التي شَمِلَت الأرض كلها، ومدارها على التعطيل. وهذه العقوبات والآيات الأربع الأخيرة قد حلت في وقتنا فيما يُقارب السَّنتَيْن فقط، وقد سُمِّيَ بعضها بأسماء تُبْعدها عن الفاعل سبحانه وتُلْغي ذكره ، فالطوفان العظيم الذي أغرق جنوب شرق آسيا أسْمَوْه بـ (تسونامي)، وثالثة الأثافِي ذلك الأعاصير العظيمة التي أسموها بـ (كاترينا) و (ريتا) وغيرها (٣)، ولا كأن للكون رباً يغضب إذا كُفِر

стр. 107

به أو انتهكت محارمه، فغاية ما يحصل اليوم من أكثر الناس تجاه هذه الحوادث العظيمة هو الكلام في الأسباب وآثارها بينما الملِكُ المالك سبحانه معزول عن ذلك حيث لا ذِكْر له، ولا خوف منه، ولا رجوع إليه، لا مِمَّن حلّ بساحتهم العذاب، ولا ممَّن أريد منهم الاعتبار والحذر من عقوبات الملك الجبار! .. فيا لَه من عالَم ضالٍّ ومرْذول، قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلاَّ نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَاباً شَدِيداً كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُوراً﴾ (١)، والمراد: القرى الظالمة؛ ولا تسأل عن هذه المواضع التي أخذها الله بالهلاك والعذاب، والأرض مملوءة مما يشابهها .. والليالي مِنَ الزمانِ حُبَالَى ... مُثقلاَتٍ يَلِدْنَ كُلَّ عَجِيبَهْ! نسأل الله الرحيم أن يدفع عنا وعن المسلمين البلاء، وأن يُلحق أعداءه بالقرون الأولى.

стр. 108

الفرق بين عقوبات الله على الكفار وعلى المسلمين بعض الجهلة يُهَوِّن من شأن عقوبات الله لأعدائه الكفرة بما يحصل للمسلمين كما تقدم أمثله لذلك وكأنّ الأمر مُشْتَرَك دون فارق، وهذا ضَلال. أما الكفار فيأخذهم الله بكفرهم ولهم عذاب الدنيا والآخرة، ولذلك ذكر الله تعالى في كتابه الكريم أنه أخذ الأمم الكافرة السابقة بالعذاب على تنوعه بسبب ذنوبهم والذي أعظمها الكفر، حيث قال سبحانه: ﴿فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (١)، وقال : ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَاراً وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ

стр. 109

شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (١)، وقال سبحانه: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَاراً فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ﴾ (٢). وأما المسلمون فليس ما يعاقبهم الله به مماثلاً لِما يعاقب به الكفار بل هو أهْون، كذلك فيه تكفير لسيئاتهم وتمحيص لهم، كما أنه موعظة لهم وعِبْرة، كذلك فإن فيه الرحمة والخير الكثير لِمَا يحصل بسببه من توبتهم ورجوعهم إلى مولاهم الحقّ - سبحانه - بالانكسار والذُّل والخوف الذي يحجزهم عن التعرض لسخط ربهم؛ وقد تقدم من الأمثلة ما يوضح هذا - ولله الحمد -. ومما يُبيِّن كَوْن ما يجري على المسلمين من العقوبات من الزلازل ونحوها يُعتبَر من تكفير السيئات هو ما جاء في الحديث الصحيح عن أبي موسى الأشعري ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (إنَّ أمتي أمةٌ مرحومة، ليس عليها في الآخرة عذاب إلا عذابها في الدنيا: القتل، والبلاء، والزلازل) (٣). ومما يوضح كون هذه الزلازل وغيرها من الكوارث عقاباً على الكافرين وموعظة للمؤمنين ورحمة بهم هو ما رواه أنس بن مالك ﵁

стр. 110

أنه قال: (دخلت على عائشة ﵂ ورجل معي، فقال الرجل: يا أم المؤمنين حدثينا حديثاً عن الزلزلة، فأعرضت عنه بوجهها، قال أنس فقلت لها: حدثينا يا أم المؤمنين عن الزلزلة؛ فقالت: " يا أنس .. إن حدثتك عنها عشت حزيناً، وبعثت حين تبعث وذلك الحزن في قلبك "، فقلت: يا أماه حدثينا، فقالت: " إن المرأةَ إذا خلعت ثيابها في غير بيت زوجها هتكت ما بينها وبين الله من حجاب، وإن تطيبت لغير زوجها كان عليها ناراً وشناراً، فإذا استحلوا الزنا وشربوا الخمور بعد هذا وضربوا المعازف غار الله في سمائه فقال للأرض: [تزلزلي بهم]، فإن تابوا ونَزَعوا وإلا هدمها عليهم "، فقال أنس: عقوبة لهم؟!، قالت: " رحمة وبركة وموعظة للمؤمنين، ونكالاً وسُخطة وعذاباً للكافرين "، قال أنس: فما سمعت بعد رسول الله ﷺ حديثاً أنا أشدّ به فرحاً مِنِّي بهذا الحديث، بل أعيش فرحاً وأُبْعث حين أُبْعث وذلك الفرح في قلبي - أو قال -: في نفسي) انتهى (١). أما في زماننا هذا فلم يَعُدْ في الآيات المتلوّة ولا المشهودة اعتبار ولا ازدجار، بل إن الضلال يزيد إلا ما شاء الله، وما الذي يؤمِّننا من عذاب الله، فليس لنا الْحُلوة وللكفار المرّة إذا سلكنا طريقهم - كما قال ذلك بعض الصحابة، ﵃.

стр. 111

قال ابن القيم في كتابه (مفتاح دار السعادة) في كلامه عن الجبال: (فهذا حال الجبال وهي الحجارة الصلبة وهذه رِقَّتها وخشيتها وتدكدكها من جلال ربها وعظمته، وقد أخبر عنها فاطرها وباريها أنه لَو أُنزل عليها كلامه لخشعت ولتصدّعت من خشية الله؛ فيا عجباً من مُضغة لحم أقسى من هذه الجبال تسمع آيات الله تتلى عليها ويُذكر الرب ﵎ فلا تلين ولا تخشع ولا تنيب!، فليس بمستنكر على الله ولا يخالف حكمته أن يخلق لها ناراً تذيبها إذْ لم تَلِنْ بكلامه وذِكره وزواجره ومواعظه، فمن لم يَلِن لله في هذه الدار قلبه، ولم يُنِب إليه ولم يُذِبْه بحبه والبكاء من خشيته .. فليستمتع قليلاً، فإن أمامه الْمُلَيِّن الأعظم [يعني النار - نعوذ بالله منها -]، وسَيُرَدّ إلى عالم الغيب والشهادة فيرى ويعلم) انتهى (١).

стр. 112

أسباب عدم حدوث العقوبات الكونية العامة على الناس اليوم لكثرة معاصيهم مع حصولها على أسلافهم مع قلة ذنوبهم إن من أعظم أسباب تأخير العقوبات الدنيوية هو الإملاء والاستدراج، وقد بين سبحانه وبحمده الحكمة من إمهاله الكثير من الكفار والعصاة وعدم أخذه لهم بالعقاب العاجل والعذاب الدنيوي فقال سبحانه: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ (١)، وقال تعالى عنهم: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ ? نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ﴾ (٢)، وقال سبحانه وهو يتوعدهم بالعذاب الآجل: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ (٣)، وقال: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ ? وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ (٤)، وقال : ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا

стр. 113

الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ ? وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ (١). قال ابن كثير على قوله سبحانه: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ﴾: (ومعناه أنه يفتح لهم أبواب الرزق ووجوه المعاش في الدنيا حتى يغتروا بما هم فيه، ويعتقدوا أنهم على شيء) انتهى (٢). وأخبر ﵎ عبادَه مبيناً لهم أنه لم ولن يغفل عن الكافرين والظالمين المفسدين الذين لَم يُصبهم العذاب الدنيوي .. فقال سبحانه وبحمده: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ (٣). وأخرج الإمام أحمد بإسناد صحيح عن عقبة بن عامر الجهني ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحبّ فإنما هو استدراج؛ ثم تلا رسول الله ﷺ : ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ ? فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا

стр. 114

وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (١) انتهى (٢). وإن الذي يتفكر في هذا الانفتاح من الدنيا والإقبال عليها، والغفلة والذهول عن الآخرة إلا على مقتضى ما قال الحسن البصري ﵀: (كلما حَسُنت منا الأقوال ساءت منا الأفعال)، وذلك منذ حوالي سبعين سنة؛ فقد حصل انفتاح من الدنيا باهر، وإقبال عليها لم يسبق له مثيل لا في كثرته ولا في صفته ولا في كيفيته، مع إعراض عن الآخرة، ومبارزة لله بمساخطه؛ ثم يتفكر بأنه ومنذ ذلك الوقت لم يأتِنا ما أتى مَن قبلنا مما تقدم ذكر أمثلة له، وأن أولئك خير منا بأكثر من الكثير ولا ريب في ذلك مع سلامتنا مما عاقبهم الله به في الدنيا!. وهذا لا تُمْكِنُ الإجابة عليه ومعرفة سِرِّهِ مِن أشباه الأنعام من المنافقين والفسَقة الفجَرة لأن هؤلاء كما وصفهم السلف بـ " البعير، عَقَلَه أهلُه .. فلا يدري لِمَ عَقَلوه!، وأطلقوه ولا يدري لِمَ أطلقوه! ". إن لله سُنَن لا تبديل لها، وهي عادته سبحانه، ومن عادته تعجيل العقوبة للمسلمين إذا تعرضوا لمساخطه تمحيصاً وتكفيراً لسيئاتهم، ولا يتعارض هذا مع غضبه، كذلك فإن في طيِّ ذلك الرحمة بعباده حيث

стр. 115

يرجعون إليه بعد إيقاظهم من الغفلة بالعقوبة. ولَمَّا كانت أحوال مَن مضى من هذه الأمة قريبة بيِّنة، وفِطَرهم سليمة حصَل لهم ما حصل. أما نحن فإننا نختلف عنهم بأمرين: الأول: لا مقارنة بين ما حصل في زماننا وما كان يحصل في أزمانهم، حيث كان ما يحصل في السابق من المعاصي شيء قليل بالنسبة لما يحصل اليوم، وكان ما يجري من العقوبات مناسباً لتلك الأحوال؛ أما اليوم فقد ولَجت على الأمة ظُلماتٌ هائلة لا كاشف لها إلا الوَلِيّ الحميد؛ وهذا مُوجِبُ سخطٍ عظيم وعقوبات تناسب الحال، نسأل الله لُطفه ودفع البلاء عنا وعن المسلمين. الثاني: أنه بما أن الحكمة من تعجيل العقوبة رجوع العباد إلى ربهم بإقلاعهم عن مساخطه، وهذا – والله أعلم – في زماننا لا أثَر له، وقد تبين معنى عزلَ الناسِ اليومَ الملكَ سبحانه عن مُلكه وعن تصرفه فيه في وقتنا حيث لا ذكر له سبحانه أثناء حصول الآيات والكوارث، بل ينسبونها للطبيعة (١)!.

стр. 116

فاتفق ضَعْف الشعور بالفاعل - سبحانه - أو عدَمه، فتلاشى الخوفُ وبقيَ الإصرار على مساخطه، بل والزيادة؛ فصار لا أثر للحكمة في تعجيل العقوبة الذي هو رجوع العباد إلى ربهم بإقلاعهم عن مساخطه. ومع كون تأخر العقوبات يأتي استدراجاً وإملاءاً، فإن تأخرها - أيضاً - يكون بسبب أمور أخرى، وهي: الأول: وهو المخيف حقاً!، فإن عقوبة الذنْبِ الذنْبُ بعده - كما قال السلف -. وقد جاء عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (إن العبد إذا أخطأ خطيئة نكتت في قلبه نكتة سوداء، فإذا هو نزع واستغفر وتاب صُقِل قلبه، وإن عاد زيد فيها حتى تعلو قلبه، وهو الرَّان الذي ذكر الله: ﴿كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (١) (٢). قال الحسن البصري ﵀ في هذه الآية: (الذنب على الذنب حتى يَعمَى القلبُ فيموت)، قال ابن كثير: " وكذا قال مجاهد بن جبر، وقتادة، وابن زيد، وغيرهم " (٣)، وقد جاء عن الحسين المزيّن أنه

стр. 117

قال: (الذنبُ بعد الذنبِ عقوبة الذنب، والحسنة بعد الحسنة ثواب الحسنة) (١)؛ فلو قال قائل: " إن العقوبات جارية في وقتنا على هذه السُّنن " لكان كلامه صحيحاً. فهذا أشَدُّ العقوبات، وليس مَن يعلم كَمَن لا يعلم، فذنوبنا جاءت على علمٍ مِنَّا بدين ربنا. عن طارق بن شهاب، عن حذيفة ﵁، قال: قيل له: في يوم واحدٍ تركت بنو إسرائيل دينهم؟!، قال: (لا، ولكن كانوا إذا أُمِرُوا بشيء تركوه، وإذا نُهوا عن شيء ركبوه حتى انسلخوا من دينهم كما ينسلخ الرجل من قميصه) (٢). ولقد تبعنا آثارهم كما أخبر بذلك نبينا ﷺ بقوله: (شبراً بشبر وذراعاً بذراع) (٣). الثاني: وهو أن الأمرَ قد قرُب، ومَن لم يستدل بما حصل لنا منذ سبعين سنة على قُرب الأمر بنهاية الدنيا، وأن ما غَشانا ما هو إلا مقدمات للدجال وعظيم الأهوال .. فليس من دينه على بصيِرة!.

стр. 118

وبما أن الأمرَ حقيقةً قد قَرُب فالذي أمامنا كل عظيمٍ قبله جلَل!، وأذكر أن عَمَّتي – وهي امرأة صالحة رحمها الله – أخبرتني أنها رأت في المنام كأنه نزَل مَلَكان من السماء رأتهما بجانب فرْع نخلة طويلة في الدار، ورأتهما مُمْسكان بصحيفة بينهما، فقلَبَها أحدهما وهو يقول للآخر: خَسْفٌ أو قَلْبٌ؟!، فأجابه: لا خسف ولا قلْب، إن الساعة قريب) انتهت الرؤيا (١). وقد رأتها منذ حوالي أربعين سنة، واليومَ قد زاد الأمرُ شدة!، ومعناها أن أمْرَنا فظيع – نسأل الله الرحمة -، كذلك يتبين منها أن قُرْبَ القيامة هو من أسرار تأخير العقوبات، والله أعلم. ولا تظنَّن أن مَن لا يزالون يحاربون الله تعالى، ويُصِرُّون على ارتكاب الكفر أو المعاصي، ولم يُدركهم عذابُ الله في الدنيا بمثل هذه الكوارث أنهم قد أفلتوا من العقاب .. ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ (٢).

стр. 119

وقال تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ (١)، والأجل المسمى هو يوم القيامة. وها نحن نشاهد كلَّ يوم كيف يساق الناس إلى المقابر رجالاً ونساءاً، وشيباً وشُبَّاناً .. فهل من معتبر؟!. وقد أحْسَن مَن قال: هو الموتُ ما مِنهُ مَلاذٌ وَمَهْربُ ... نشاهدُ ذا عين اليقينِ حقيقة ... ولكنْ عَلاَ الرَّانُ القلوبَ كأننا ... نؤمِّل آمَالاً ونرجو نَتاجَها ... ونبني القصورَ المشمخرَّاتِ في الهوى ... ونسعَى لجمعِ المالِ حِلاً ومأثماً ... نُحاسبُ عنه داخلاً ثُمَّ خارجاً وأول ما يبدو ندامةُ مُسْرِفٍ ... إذا قيل أنتمْ قد عَلِمْتمْ فَمَا الذي ... فياليتَ شِعْرِي مَا نقولُ وَمَا الذي إلى اللهِ نشكُو قسوةً في قلوبِنَا ... مَتَى حُطَّ ذا عَنْ نَعْشِهِ ذاكَ يَرْكَبُ ... عليهِ مَضَى طِفْلٌ وَكَهْلٌ وَأَشْيَبُ ... بِمَا قَدْ عَلِمْنَاهُ يَقيناً نكَذِّبُ ... وعلَّ الرَّدَى مِمَّا نُرَجِّيهِ أقْرَبُ ... وفي عِلْمِنَا أنَّا نموتُ وَتَخْربُ ... وبالرغمِ يَحْويهِ البَعِيدُ وأقْرَبُ ... وفيمَ صَرَفناهُ وَمِن أيْنَ يُكْسَبُ ... إذا اشتدَّ فيهِ الكَرْبُ والرُّوحُ تُجذَبُ عَمِلْتمْ وكلٌّ في الكتابِ مُرَتبُ ... نُجِيبُ بِهِ والأمرُ إذ ذاكَ أصْعَبُ ... وفي كلِّ يومٍ واعظُ الموتِ يَنْدبُ ... وبالجملةِ الأمثالُ للناسِ تُضْربُ: ... ولوْ بَينهمْ قد طابَ عَيشٌ وَمَشربُ ... ويومٌ به يُكسَى المذلةَ مُذنبُ ... كذا الأمّ لَمْ تنظرْ إليهِ ولا الأبُ ... مقالته: يَاويلتى أيْنَ أذهَبُ! ... نُردّ إلَى الدنيا ننيبُ ونرهَبُ ... شُغِفنا بدنياً تضْمِحِلُّ وَتذهَبُ ... إلى الله والدارِ التي ليسَ تخربُ ... وهذا غرابُ البيْنِ في الدارِ يَنعبُ ... .

стр. 120

وما الحالُ إلا مثل مَا قالَ مَن مَضى لكلِّ اجتماعٍ مِنْ خليلَيْنِ فُرْقَة ... وَمِن بَعْدِ ذا نشرٌ وحشرٌ ومَوْقِفٌ ... إذا فرَّ كلٌّ مِن أبيهِ وأمِّهِ ... وكمْ ظالمٍ يدْمى مِنَ العَضِّ كَفُّهُ ... وكمْ قائلٍ: واحسرتا ليتَ أنَّنَا ... فَهَا نحنُ في دارِ الْمُنى غير أنَّنَا ... فحُثُّوا مطايَا الارتحالِ وشَمِّرُوا ... فَمَا أقربَ الآتي وأبْعَدَ مَا مَضَى ... .

стр. 121

الرد على شبهة: (لو كانت الزلازل والأعاصير وغيرها عذاباً لَمَا حدثت في مواضعَ خاليةٍ من الناس) كذلك فبعض الناس يورد شبهة أخرى، وهي أنه لو كانت الزلازل والأعاصير ونحوها عذاباً يعذب الله بها مِن عِباده مَن كفَر به وعصاه لَمَا حدَثَت في مواضعَ خالية من البَشَر المكلَّف من البراري والبحار. وإنما جاءت هذه الشبهة مِن ظنِّ أن هذه الحوادث مختصة بالعذاب وليس الأمر كذلك، وإنما العذاب جزء من الحكمة التي أوجدها الله من أجلها. يوضح ذلك أن الأرض كلها من اليابس والماء جِسْمٌ واحد أودعه الله من المواد المائعة والصَّلْبة وما بين ذلك، كذلك المواد الحارة الشديدة الحرارة، والباردة الشديدة البرودة، وما بين ذلك، ولا يكون قَوَام الجسم إلا بهذا التركيب كجسم الإنسان وما فيه من الحرارة والبرودة والصلابة والليونة، وما يُفرزه بدنه من الفضلات الضارة. فالأرض يعتوِرُ باطنها وظاهرها تغيرات من حرارة وبرودة ومن ليونة

стр. 122

وصَلابة وبالعكس، فيحدث فيها ما يستدعي التوازن والاعتدال، فتتزلزل بإذن الله – كما تقدم بيان بعض أسبابِ الزلازل -. و أقدارُ الربِّ الحكيم سبحانه سابقة في كتابه مقارنة لعلمه ، فيكون في علمه السابق أن هذا الموضع من الأرض سوف يسكنه من الخلق مَن يستحقون العذاب فَيُحدث الله لهم من آياته من الزلازل ونحوها ما يكون عذاباً لهم وعقوبة، وهو أيضاً نفَس للأرض لِمَا يَحدُث في باطنها. والرب المدبِّر في ملكه سبحانه واحد، فيتفق الوقت الذي يريد سبحانه تعذيب بعض عِباده مع الوقت الذي تتنفس فيه الأرض هذا النفَس، وهو المقدِّر لذلك كله. كما أنه سبحانه يقدِّر للأرض أن تتنفَّس في المواضع الخالية من البشر. وهكذا البراكين والأعاصير وغير ذلك على هذا التأصيل، ومن هنا تتضح الحكمة في كون هذه الآيات تحدث أحياناً في مواضع خالية مثل البراري والقفار وقعر البحار؛ والله تعالى أعلم.

стр. 123

خاتمة الكتاب وليكن ختم هذه الرسالة بموعظة بليغة لم تدَوَّن في التاريخ لأجل أهلها فقط، وإنما لنا بعدهم، فإن سنة الله لا تتبدّل ولا يُرد بأسه عن القوم المجرمين، فإن أمْرَنا قد تعدى حدوده، ونعوذ بالله من حلول سخطه، فإنه في سنة ثلاث وعشرين وأربعمائة من الهجرة وقع مُوتان عظيم ببلاد الهند، وغزنة، وخراسان، وجرجان، والرّيْ، وأصبهان، خرج منها في أدنى مدة أربعون ألف جنازة. وقد رأى رجل من أهل أصبهان في منامه منادياً ينادي بصوت جهوري: " يا أهل أصبهان .. سَكَتْ، نَطَقْ، سَكَتْ، نَطَقْ ". فانتبه الرجل مذعوراً فلم يدرِ أحد تأويلها ما هو حتى قال رجلٌ بيتَ أبي العتاهية، فقال: احذروا يا أهل أصبهان فإني قرأت في شعر أبي العتاهية قوله: سَكَتَ الدهر زماناً عنهمو ... ثم أبكاهُمْ دَماً حين نَطَقْ! فما كان إلا قليل حتى جاء الملك مسعود بن محمود فقتل منهم خلقاً

стр. 124

كثيراً، حتى قتل الناس في الجوامع (١). فتأمل الآن سكوت الزمان ونطقه، وتأمل قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ (٢)، فما الذي يُؤَمِّننا إذا كانت هذه عادة الله أن يفتح على مَن عصاه أبوابَ كلِّ شيء من رفاهية الدنيا ونعيمها استدراجاً؟!، وقد فُتِح علينا بمدة لم يمضِ عليها ستين سنة من أبواب كل شيء ما لم يُعهد له نظير من حين أهبط الله آدم – ﵇ – إلى الأرض، والمعاصي والضلالات مقارنة لهذا الفتح ملازمة له تزيد بكثرته، ويستعصي التخلص منها بوفرته وصِفَتِه، فالحذَر الحذَر!. وعن معاذ بن جبل – ﵁ – قال: (كان في بني إسرائيل رجل عقيم لا ولد له، وكان يخرج، فإذا رأى غلاماً من غِلْمَان بني إسرائيل عليه حلي يخدعه حتى يدخل بيته فيقتله ويلقيه في مطمورة له، فبينما هو كذلك إذْ لقي غلاميْن أخويْن عليهما حُلِيّ فأدخلهما بيته، وقتلهما وطرحهما في مطمورته، وكانت له امرأة مسلمة تنهاه عن ذلك وتقول له: " إني أحذرك عن النقمة من الله "، فيقول:

стр. 125

" لو أن الله يأخذني على شيء لأخذني يوم فعلت كذا وكذا "، فتقول له المرأة: " إنَّ صَاعك لم يمتلئ، ولو امتلأ صاعك لأُخِذْتْ "، فلما قتل الغلامين خرج أبوهما في طلبهما فلم يجد أحداً يخبره عنهما، فأتى نبياً من أنبياء بني إسرائيل وذكر ذلك له، فقال له ذلك النبي: " هل كان معهما لعبة يلعبان بها؟! "، فقال أبوهما: " نَعَم، كان لهما جِرْو "، قال: " فأتني به "، فأتاه به، فوضع النبي خاتَمه بين عينيه، ثم خلى سبيله، ثم قال: " أول دارٍ يدخلها من دور بني إسرائيل فيها بيان ذلك "، فأقبل الجرو يتخلل الدُّور حتى دخل داراً من دور بني إسرائيل، فدخلوا خلفه، فوجدوا الغلامين مقتولين مع غلمان كثيرة قد قتلهم وطرحهم في المطمورة، فانطلقوا به إلى ذلك النبي – ﵇، فأمر به أن يصلب، فلما رُفع إلى الخشبة أتته امرأته وقالت: " قد كنت أحذرك هذا اليوم، وأخبرك أن الله غير تاركك وأنت تقول: لو أن الله يأخذني على شيء لأخذني يوم فعلت كذا وكذا، فأُخبرك أن صاعك لم يمتلئ بعد، أَلاَ وإن صاعك قد امتلأ! ") أخرجه البيهقي (١). وفي هذه القصة اعتبار في أخذِ الله مَن يأخذ بالعقاب، وإمهاله مَن يُمهل.

стр. 126

ألاَ يخاف أحدنا أن صاعَه قد امتلأ أوْ قَارَب؟!. وهَلاَّ نعلم أن الله تعالى يُملي للظالم حتى إذا أخذه لم يُفلته؟!، فَعَن أبي موسى الأشعري، قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته) ، قال: ثم قرأ قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ (١) (٢). وقال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مَنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ (٣). وتأمل ما جاء في الصحيحين عن عائشة – ﵂ أن رسول الله ﷺ : (كان إذا رأى غيماً أو ريحاً عُرف في وجهه؛ قالت: يا رسول الله .. إن الناس إذا رأوا الغَيْم فرحوا رجاء أن يكون فيه المطر، وأراك إذا رأيته عُرف في وجهك الكراهية؟!، فقال: يا عائشة .. ما يُؤمنِّي أن يكون فيه عذاب؟! .. عُذب قوم بالريح؛ وقد رأى قوم العذاب، فقالوا: هذا عارض ممطرنا) (٤).

стр. 127

فإذا كان النبي ﷺ وهو الذي غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر يبلغ منه الخوف من ربه أنه إذا رأى سحابة عُرف في وجهه الكراهية مخافة أن تكون عذاباً من الله على الناس فما بالك بنا نحن وقد بلغ سيل ذنوبنا الزبى؟!. وإنما معرفة النبي ﷺ بربه تعالى جَعَلته يخشاه كل هذه الخشية، و مَن كان بالله أعرف كان منه أخوف ، وعدم معرفتنا بربنا هو ماجعلنا على هذه الحال السوء التي نرجو من الله أن لا يهلكنا بسببها ولا بما فعل السفهاء منا. والله المستعان، وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا به، والحمد لله، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى مَن اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين. عبد الكريم بن صالح الحميد بريدة - رمَضَان / ١٤٢٦هـ