رؤوس الجبال صخور كبار، وصادمت بين الجبال في البراري والقفار، مع بُعْدِ ما بين الجبال من الأقطار؛ وفيها أصاب الناس غلاء شديد وفناء شديد وجهد جهيد، فمات خلق بهذا وهذا، فإنا لله وإنا إليه راجعون (١).
• من أحداث سنة (٥٩٣ هـ):
١ - ذكر السيوطي أنه (في سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة انقض كوكبٌ عظيم سُمِعَ لانقضاضه صوت هائل، واهتزت الدور والأماكن، فاستغاث الناس وأعلنوا بالدعاء، وظنوا ذلك من أمارات القيامة) (٢).
٢ - وقال ابن كثير ﵀ في حوادث هذه السنة: (فيها ورد كتاب من القاضي الفاضل إلى ابن الزكي يخبره فيه: أن في ليلة الجمعة التاسع من جمادى الآخرة أتى عارض [في مصر] فيه ظلمات مُتكاثفة، وبُروق خاطفة، ورياح عاصفة، فَقَوِيَ الجو بها، واشتد هبوبها حتى أثبت لها أعِنَّة مُطْلَقات، وارتفعت لها صفقات، فرجفتْ لها الجدران واصطفقت، وتلاقت على بُعْدِها واعتنقت، وثار السماء عَجَاجاً حتى قيل: " إن هذه على هذه قد انطبقت "، ولا يُحسب إلا أن جهنم قد سال منها وادٍ، وعدا منها عادٍ، وزاد عصف الريح إلى أن أطفأ سُرُج
стр. 72
النجوم، ومزقت أدِيِمَ السماء، ومَحَت ما فوقه من الرقوم، فكنا كما قال تعالى: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ﴾ (١)!، ويردون أيديهم على أعينهم من البوارق لا عاصم لخطف الأبصار، ولا ملجأ من الخَطْب إلا معاقل الاستغفار، وفرَّ الناس نساءً ورجالاً وأطفالاً، ونفروا من دُورهم خِفَافًا وثقالاً .. لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً، فاعتصموا بالمساجد الجامعة، وأذْعنوا [لله] بأعناق خاضعة، ووجوه عانية، ونفُوس عن الأهل والولد سالية، ينظرون من طَرْفٍ خَفي، ويتوقعون أيّ خَطْب جلي، قد انقطعت من الحياة عِلَقُهُمْ، وعَمِيَت عن النجاة طُرُقُهم، ووقعت الفكرة فيما هم عليه قادمون وقاموا إلى صَلاتهم، وَوَدّوا لو كانوا من الذين عليها دائمون) انتهى.
قلت: قارن بين كلام السلف عن الآيات، وما يفعله الناس حين حدوثها من التوبة والرجوع إلى الله، وبين ما نحن فيه من عدم ذكر الله بالكلية حين حدوث الآيات والحوادث، وكلّ ما يحصل مِنَّا هو ذكر الأسباب وآثارها!.
ثم قال القاضي الفاضل: (إلى أن أُذِن بالركود، وأُسْعِف الهاجدون بالهجود، فأصبح كل مسلم على رفيقه يُهنِّيه بسلامة طريقه، ويرى أنه قد
стр. 73
بُعث بعد النفخة، وأفاق بعد الصيحة والصرخة، وأن الله قد رَدّ له الكَرَّة، وأحياه بعد أن كاد يأخذه على غِرّة!.
ووردت الأخبار، بأنها كَسَرت المراكبَ في البحار، والأشجارَ في القِفَار، وأتلفت خَلْقاً كثيراً من السُّفَّار، ومنهم مَن فرَّ فلا ينفعه الفرار).
إلى أن قال: (ولا يحسب المجلس أني أرسلت القلم مُحَرَّفاً، والعلم مُجَوَّفًا، فالأمر أعظم، ولكن الله سَلَّم.
ونرجو أن الله قد أيقظنا بما به وعَظَنا، ونبهنا بما فيه ولهنا، فما من عباده مَن رأى القيامة عياناً، ولم يلتمس عليها من بعد ذلك برهاناً، إلا أهل بلدنا، فمَا قَصَّ الأولون مثلها في المثُلات، ولا سبَقت لها سابقة في المعضلات!.
والحمد لله الذي مِن فضله قد جعلنا نخبر عنها ولا يُخبر عنا، ونسأل الله أن يصرف عنا عارض الحِرص والغرور، ولا يجعلنا من أهل الهلاك والثبور) انتهى (١).
قال تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ ? كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ
стр. 74
مُسْتَنْفِرَةٌ ? فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ (١).
قال ابن القيم ﵀: (شبههم في إعراضهم ونفورهم عن القرآن بِحُمُر رأت الأسد أو الرماة ففرت منه، وهذا من بديع القياس والتمثيل، فإن القوم في جهلهم بما بعث الله به رسوله كالْحُمُر وهي لا تعقل شيئاً، فإذا سمعت صوت الأسد أو الرامي نَفَرت منه أشد النفور، وهذا غاية الذم لهؤلاء، فإنهم نَفَروا عن الهدى الذي فيه سعادتهم وحياتهم كنفور الحمر عما يهلكها ويعقرها) انتهى (٢).
• من أحداث سنة (٥٩٦ هـ):
قال السيوطي: (وفي سنة ست وتسعين وخمسمائة توقف النيل بمصر، بحيث كَسَرها، ولم يُكمل ثلاثة عشر ذراعاً، وكان الغلاء المفرط بحيث أكلوا الْجِيَفَ والآدميين.
وفَشَا أكل بني آدم واشتهر وَرُوِي من ذلك العجب العجاب، وتَعَدَّوْا إلى حفر القبور وأكل الموتى، وتمزّق أهل مصر كل ممزق، وكثُر الموت من الجوع بحيث كان الماشي لا يقع قدمه أو بصره إلا على ميت أو مَن هو في السياق، وهلك أهل القرى قاطبة بحيث إن المسافر يمر بالقرية
стр. 75
فلا يرى فيها نافخ نار، ويجد البيوت مفتحة وأهلها موتى.
وقد حكى الذهبي في ذلك حكايات يقشعر الجِلْدُ من سماعها، قال: " وصارت الطرق مُزَرَّعة بالموتى وصارت لحومها للطير والسباع، وبيعت الأحرار والأولاد بالدراهم اليسيرة، واستمر ذلك إلى أثناء سنة ثمان وتسعين وخمسمائة ") (١).
• من أحداث سنة (٥٩٧ هـ):
١ - قال الذهبي في أحداث سنة سبع وتسعين وخمسمائة: (وفي شعبان كانت الزلزلة العظمى التي عمت أكثر الدنيا) (٢).
(وقال صاحب المرآة وغيره: كانت زلزلة عظيمة من الصعيد، هدمت بنيان مصر، فمات تحت الهدم خلق كثير، ثم امتدت إلى الشام والسواحل والجزيرة وبلاد الروم والعراق وتهدم بالشام دور كثيرة، وخسفت قرية من أرض بصرى.
وأما السواحل؛ فهلك بها شيء كثير، وخرِبت مَحَالٌّ كثيرة من طرابلس وصور وعكا ونابلس، ولم يبقَ من نابلس سوى حارة السامرة،
стр. 76
ومات بها ثلاثون ألفاً تحت الهدم، وخرج الناس إلى الميادين يستغيثون، وسقط غالب قلعة بعلبك، وخرج قوم من بعلبك يجنون الريباس من جبل لبنان، فالتقى عليهم الجبلان، وما توا بأسرهم، وقطعت البحر إلى قبرص وانفرق البحر فصارَ أطواداً، وقذف بالمراكب إلى ساحله، وامتدت إلى ناحية الشرق: خلاط، وأرمينية، وأذربيجان، والجزيرة، وأحصي من هلك في هذه الزلزلة على وجه التقريب، فكان ألفَ ألفِ إنسان.
خطبة بليغة حول الزلازل وأسبابها الشرعية:
وقال بعض البلغاء في ذلك:
أما بعد؛ فإنه لَمَّا حدث بِمُلْكِ الشام من الزلازل، ووجد في أكثرها من عظيم البلايا والبلابل، حتى طغَت من أرض الجزيرة إلى بلاد الساحل، وهدمت الحصون والمعاقل، وأخرَبَت مالا يُحصى من الدور والمنازل، وسوَّتِ العالي من البنيان بالأسافل، وأوحشت من أهلها المجالسُ والمحافل، وكَثُرت في الدنيا اليتامى والأرامل، وأجهضت كثيراً من أجِنّةِ الحوامل؛ فكان ما حدَث عِبرة للبيب العاقل، وحسرة على الْمُصِرِّ الغافل، وتنبيهاً على إخلاص التوبة من المتغافل، وإزعاجاً للمتباطيء عن الطاعة والمتثاقل، وما ظَلَم الله عبادَه بإهلاك النسل والناسل، ولكنهم تعاموْا عن الحق، وتمادوْا في الباطل، وأضاعوا الصلوات، وعكفوا على الشهوات
стр. 77
والشواغل، وأهدروا دمَ المقتول، وأرشوْا في ترك القاتل، وارتكبوا الفجور، وشربوا الخمور، وانتشر فسقهم في القبائل، وأكلوا الربا والرِّشا وأموال اليتامى وهي شر المآكل، وزهدوا فيما رُغِّبوا فيه، وطمعوا في الحاصل، ومَن بقي منهم إنما يُستدرج في أيام قلائل، وما جرى على البلاد فعِبرة وموعظة للخارج والداخل، والله يَمُنّ على الإسلام وأهله بفرج عاجل، ويوفقهم للقيام بمرضاته من أداء الفرائض والنوافل، ويكفيهم من عذابه الأليم الهائل، وينجيهم من عقابه الآجل والعاجل، فهو مجيب المضطر ومعطي السائل، وفارج الكرب الفادح والْخَطْب النازل) انتهى (١).
٢ - وقال السيوطي: (وفي سنة سبع وتسعين وخمسمائة - في سَلْخ المحرم [أي في آخره]- ماجت النجوم، وتطايرت تطاير الجراد، ودام ذلك إلى الفجر، وانزعج الخلق، وضجوا إلى الله تعالى) انتهى (٢).
والملاحدة في زماننا ومقلدوهم من مرضى القلوب والعقول يقولون " هذا حصل لأجل النجم الفلاني، أو المذنّب الذي يُكمل دورته بعد كذا من السنين " .. وعلى تقدير صحة هذا الكلام فهو من جنس تعليلهم
стр. 78
كسوف الشمس بأن القمر يصير بينها وبين الأرض فيحجب نورها، وتعليلهم خسوف القمر بأنه يحصل بسبب تغطية ظِل الأرض له حيث تتفق حيلولتها بينه وبين الشمس التي يستفيد نوره منها، ومن جنس تعليلهم الزلازل بأنها أبخرة محتجرة في باطن الأرض فتطلب لها مخرجاً فتحصل الهزات الأرضية كما يسمونها، ومن جنس الأوبئة التي تنتقل بواسطة البهائم أو الحشرات أو غير ذلك، ومن جنس تعليلهم حدوث الأعاصير والفيضانات بأن هذا وقتها.
فالمراد هنا ليس إنكار الأسباب، وإنما المراد تجريد التفات القلب إلى المسبب الذي لا تتحرك ذرة في الكون إلا بتحريكه ولا تسكن إلا بتسكينه، وهذا من توحيد الربوبية.
كذلك فإن المراد - أيضاً - أن هذه آيات يُخَوِّف الله بها عباده ليرجعوا إليه قبل لقائه بتوبتهم مما يغضبه، وهذا من توحيد الإلهية.
فالأول: إثبات الأسباب باعتبارها آلات مُحرَّكة بالتخويف.
والثاني: العمل بمقتضى ما جُعِلَتْ سبباً له، وهو حصول التوبة والإنابة والإقلاع عما يسخط الله.
فالأول: التوحيد العلمي، وهو فعل الرب سبحانه.
والثاني: التوحيد العملي، وهو فعل العبد.
стр. 79
• من أحداث سنة (٦١٧ هـ):
في سنة سبع عشرة وستمائة خرج التتار إلى بلاد الإسلام فأحدثوا فيها من الدمار والقتل ما لا يُوصف حتى قال المؤرخ الشهير ابن الأثير الذي عاصر الحادثة [والمتوفى سنة ٦٣٠] وهو يصف عُظْمَ المصيبةِ التي حلت بالإسلام وأهله آنذاك، قال: (لقد بقيت عدة سنين معرضاً عن ذكر هذه الحادثة استعظاماً لها، كارهاً لذكرها، فأنا أقدِّم إليه رِجْلاً وأؤخر أخرى، فَمَن الذي يسهل عليه أن يكتب نعيَ الإسلام والمسلمين، ومَن الذي يَهُونُ عليه ذكرَ ذلك؟!، فياليت أمي لم تلدني، ويا ليتني متُّ قبل هذا وكنت نَسْياً مَنسِياً!، إلا أني حَثَّني جماعة من الأصدقاء على تسطيرها، وأنا متوقف، ثم رأيت أن تَرْكَ ذلك لا يجدي نفعاً، فنقول: هذا الفعل يتضمن ذكر الحادثة العظمى، والمصيبة الكبرى التي عَقَمَتِ الأيامُ والليالي عن مثلها، عَمَّت الخلائق، وخصت المسلمين؛ فلو قال قائل: إن العالم مُذ خلقَ الله آدمَ إلى الآن لم يُبتلوا بمثلها لكان صادقاً، فإن التواريخ لم تتضمن ما يقاربها ولا ما يدانيها.
ومن أعظم ما يذكرون من الحوادث ما فعله بختنصر ببني إسرائيل من القتلِ، وتخريب البيت المقدس، وما البيت المقدس بالنسبة إلى ما خرب هؤلاء الملاعين من البلاد التي كل مدينة منها أضعاف البيت المقدس!.
стр. 80
وما بنو إسرائيل بالنسبة إلى مَن قتلوا، فإن أهلَ مدينةٍ واحدةٍ ممن قتلوا أكثر من بني إسرائيل، ولعل الخلق لا يَرَوْن مثل هذه الحادثة إلى أن ينقرض العالم وتفنى الدنيا إلا يأجوج ومأجوج، وأما الدجال فإنه يبقي على مَن اتبعه، ويُهلك مَن خالفه، وهؤلاء لم يُبقوا على أحدٍ، بل قتلوا النساء والرجال والأطفال، وشَقُّوا بطونَ الحوامل، وقتلوا الأجنة، فإنا لله وإنا اليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم لهذه الحادثة التي استطار شررها، وعم ضررها، وسارت في البلاد كالسحاب استدبرته الريح، فإن قوماً خرجوا من أطراف الصين فقصدوا بلاد تركستان مثل كاشغر وبلاساغون، ثم منها إلى بلاد ما وراء النهر مثل سمرقند وبخاري وغيرهما، فيملكونها، ويفعلون بأهلها ما نذكره، ثم تعبر طائفة منهم إلى خراسان، فيفرغون منها ملكاً وتخريباً وقتلاً ونهباً، ثم يتجاوزونها إلى الري وهمذان وبلد الجبل، وما فيه من البلاد إلى حد العراق، ثم بلاد أذربيجان وأرانية ويخربونها، ويقتلون أكثر أهلها، ولم ينج إلا الشريد النادر في أقل من سنة .. هذا ما لم يسمع بمثله!، ثم لما فرغوا من أذربيجان وأرانية ساروا إلى دربندشروان فملكوا مدنه ولم يسلم غير القلعة التي بها ملكهم.
ثم تابعوا الزحف إلى القلعة وبها نحو أربعمائة فارس من المسلمين، فبذلوا جهدهم ومنعوا القلعة اثني عشر يوماً يقاتلون جمع الكفار وأهل البلد فقتل بعضهم، ولم يزالوا كذلك حتى زحفوا إليهم ووصل النقابون إلى
стр. 81
سور القلعة فنقبوه، واشتد حينئذٍ القتال، ومَن بها من المسلمين يرمون بكل ما يجدون من حجارة ونار وسهام، فغضب اللعين ورد أصحابه ذلك اليوم، وباكَرهم من الغد، فجدوا في القتال، وقد تعب مَن بالقلعة ونصبوا وجاءهم مالا قبل لهم به، فَقَهَرهم الكفار، ودخلوا القلعة، وقاتلهم المسلمون الذين فيها حتى قُتلوا عن آخرهم.
ودخل الكفار البلد فنهبوه، وقتلوا مَن وجدوا فيه، وأحاط بالمسلمين فأمر أصحابه أن يقتسموهم، فاقتسموهم وكان يوماً عظيماً من كثرة البكاء من الرجال والنساء والولدان.
وتفرقوا أيدي سبا، وتمزقوا كل ممزق، واقتسموا النساء أيضاً، وأصبحت بخارى خاوية على عروشها، كأن لَمْ تغنَ بالأمس، وارتكبوا من النساء العظيم والناس ينظرون ويبكون ولا يستطيعون أن يدفعوا عن أنفسهم شيئاً مما نزل بهم، فمنعهم مَن لم يرضَ بذلك واختار الموت على ذلك فقاتل حتى قتل؛ وممن فعل ذلك واختار أن يُقتل ولا يرى ما نزل بالمسلمين الفقيه الإمام ركن الدين إمام زاده وولده، فإنهما لَمَّا رأيا ما يفعل بالحرم قاتلا حتى قُتلا، وكذلك فعل القاضي صدر الدين خان، ومن استسلم أخذ أسيراً، وألقوا النارَ في البلد والمدارس والمساجد وعذبوا الناسَ بأنواع العذاب.
стр. 82
وأما العامة [الذين في مدينة مرو حينما حاصرهم التتار] فإنهم قسموا الرجال والنساء والأطفال فكان يوماً مشهوداَ من كثرة الصراخ والبكاء والعويل، وأخذوا أربابَ الأموالِ فضربوهم وعذبوهم بأنواع العقوبات في طلب الأموال، فربما مات أحدهم من شدة الضرب ولم يكن بقي له ما يفتدي به نفسه، ثم إنهم أحرقوا البلدَ وأحرقوا تربة السلطان سنجر، فبقوا كذلك ثلاثة أيام، فلما كان اليوم الرابع أمر بقتل أهل البلد كافة وقال: هؤلاء عَصَوْا علينا، فقتلوهم أجمعين، وأمر بإحصاء القتلى فكانوا نحو سبعمائة ألف قتيل، فإنا لله وإنا اليه راجعون مما جرى على المسلمين ذلك اليوم) انتهى (١).
• من أحداث سنة (٦٥٤ هـ):
ذكر أهلُ العلمِ النارَ التي ظهرت في أرض الحجاز - التي ورد فيها الحديث المخرج في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: " لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز تضئ أعناق الإبل بِبُصْرى " (٢) -؛ فقال الحافظ النووي: (وقد خرجت في زماننا نارٌ بالمدينة، سنة أربع وخمسين وستمائة، وكانت ناراً عظيمة جداً من جَنب المدينة الشرقي وراء الحرة،
стр. 83
تواتر العلم بها عند جميع الشام، وسائر البلدان، وأخبرنى مَن حضرها من أهل المدينة) انتهى (١).
وذكر القرطبي ظهور هذه النار العظيمة، وقد أطال في وصفها، حتى ذكر أنها رُئيت في مكة ومن جِبال بُصْرى في الشام (٢).
وقد ذكر ابن كثير ﵀ عِدّةَ كُتبٍ وردت متواترة إلى دمشق من الحجاز بصفة أمر هذه النار التي شوهدت معاينة؛ وقد اخترت منها كتاباً واحداً أنقله هنا، وفيه بيان أنه في وقت واحد غرقت بغداد واشتعلت أرض الحجاز بالنار التي أخبر بوقوعها رسول الله ﷺ .
قال ابن كثير: (ثم قال أبو شامة: ومن كتاب آخر من بعض بني الفاشاني بالمدينة يقول فيه: " وصل إلينا في جمادى الآخرة نَجّابة من العراق، وأخبروا عن بغداد أنه أصابها غرق عظيم حتى طفح الماء من أعلى أسوار بغداد إليها وغرق كثير منها، ودخل الماء دار الخلافة وسط البلد وانهدمت دار الوزير وثلاثمائة وثمانون داراً، وانهدم مخزن الخليفة، وهلك من خزانة السلاح شيء كثير، وأشرف الناسُ على الهلاك، وعادت السفن تدخل إلى وسط البلدة وتخترق أزقّة بغداد.
стр. 84
قال الفاشاني يصف نار الحجاز: وأما نحن فإنه جرى عندنا أمر عظيم .. لَمَّا كان بتاريخ ليلة الأربعاء الثالث من جمادى الآخرة ومن قبلها بيومين عاد الناس يسمعون صوتاً مثل صوت الرعد، فانزعج لها الناس كلهم، وانتبهوا من مراقدهم، وضَجّ الناس بالاستغفار إلى الله تعالى، وفزعوا إلى المسجد، وصلَّوا فيه، وتَمَّت ترجف بالناس ساعة بعد ساعة إلى الصبح، وذلك اليوم كله يوم الأربعاء وليلة الخميس كلها وليلة الجمعة، وصُبح يوم الجمعة ارتجت الأرض رجّة قوية إلى أن اضطرب منار المسجد بعضه ببعض، وسُمع لسقف المسجد صرير عظيم، وأشفق الناس من ذنوبهم، وسَكَنَت الزلزلة بعد صبحِ يوم الجمعة إلى قبل الظهر، ثم ظهرت عندنا بالحرّة وراء قريظة على طريق السوارقيّة بالمقاعد مسيرة من الصبح إلى الظهر نار عظيمة تنفجر من الأرض، فارتاع لها الناس روعة عظيمة، ثم ظهر لها دخان عظيم في السماء ينعقد حتى يبقى كالسحاب الأبيض، فيصل إلى قبل مغيب الشمس من يوم الجمعة، ثم ظهرت النار لها ألْسُنٌ تصعد في الهواء إلى السماء حمراء كأنها القلعة، وعَظُمت، وفزع الناس إلى المسجد النبوي، وأقرّوا بذنوبهم، وابتهلوا إلى الله تعالى، وأتى الناس إلى المسجد من كل فج، ومن النخل، وخرج النساء من البيوت والصبيان، واجتمعوا كلهم، وأخلصوا إلى الله، وغطّت حُمْرة النار السماءَ كلَّها حتى بقي الناسُ في مثل ضوء القمر، وبقيت السماء
стр. 85
كالْعَلَقة، وأيقن الناسُ بالهلاك أو العذاب، وبات الناس تلك الليلة بين مُصَلٍّ، وتالٍ للقرآن، وراكع وساجد، وداع إلى الله ، ومُتنصِّل من ذنوبه ومستغفر وتائب).
قلت: بالنظر في هذا يُعلم أن الخوف لا ينتفي لِعِلِّة العلم بوقوع الْمَخُوف حيث خاف الناس هذا الخوف العظيم وفزعوا إلى ربهم، مع أن النبي ﷺ قد أخبر بظهور هذه النار، فكذلك العلم بوقت الكسوف والخسوف لا يتنافى مع الخوف، مع التنبه للفارق بين ظهور النار وهو علم غيب محض لا يمكن العلم به إلا بالوحي وبين وقت حدوث الكسوف .. فهذا يُعلم بحساب سَيْر الشمس والقمر وليس هو من الغيب، والمراد هنا أن علّة عدم خوفنا ليس لمجرد علمنا بأوقات هذه الحوادث وأسبابها، وإنما لاختلاف قلوبنا عن السلف الذين ينتفعون بآيات التخويف حيث تُسْفِر عن آثار طيبة من التوبة والإنابة.
ثم قال الفاشاني: (ولَزِمَتْ النار مكانها، وتناقص تضاعفها ذلك، ولهبها، وصعد الفقيه والقاضي إلى الأمير يعظونه، فَطَرَح الْمَكْس [وهو مثل ما يُسمى: الجمرك، والضرائب]، وأعتق مماليكه كلهم وعبيده، وردّ علينا كل مالنا تحت يده وعلى غيرنا.
وبقيت تلك النار على حالها تلتهب التهاباً وهي كالجبل العظيم ارتفاعاً
стр. 86
، وكالمدينة عَرْضاً، يخرج منها حصىً يصعد في السماء ويهوي فيها، ويخرج منها كالجبل العظيم نار ترمي كالرعْد، وبقيت كذلك أياماً، ثم سالت سيلاناً إلى وادي أجْلين تنحدر مع الوادي إلى الشظا حتى لحق سيلانها بالبحرة بحرّة الحاج، والحجارة معها تتحرك وتسير حتى كادت تقارب حرّة العريض، ثم سكنت ووقفت أياماً، ثم عادت ترمي بحجارة خلفها وأمامها حتى بنت لها جبلين، وما بقي يخرج منها من بين الجبلين لسان لها أياماً، ثم إنها عظمت، وسناؤها إلى الآن، وهي تتّقد كأعظم ما يكون، ولها كل يوم صوت عظيم في آخر الليل إلى ضحوة، ولها عجائب ما أقدر أن أشرحها لك على الكمال، وإنما هذا طرف يكفي، والشمس والقمر منكسفان إلى الآن (١)، وكُتِبَ هذا الكتاب ولها شهر، وهي في مكانها ما تتقدم ولا تتأخر) انتهى (٢).
وقد قال بعضهم أبياتاً (٣):
يا كاشفَ الضُّرِّ صَفْحاً عَنْ جَرَائِمِنَا ... لقدْ أحاطتْ بنا يَا ربُّ بأساءُ
نشكُو إليكَ خُطوباً لا نُطيق لَهَا ... حمْلاً ونَحن بها حَقاً أحِقَّاءُ
زلازلٌ تخشَع الصُّمُّ الصِّلاَب لَهَا ... وكيف يَقوى على الزلزالِ شَمَّاءُ
عَن منظرٍ منه عينُ الشمسِ عَشْواءُ
стр. 87
مِنَ الهضابِ لَهَا في الأرضِ إرسَاءُ
أقامَ سَبعاً يَرُجّ الأرضَ فانصدَعَتْ ... موجٌ عليهِ لفرطِ البَهْجِ وَعْثَاءُ
بَحرٌ مِنَ النارِ تجري فوقه سُفُنٌ ... كأنها دِيِمَة تنصبّ هَطْلاءُ
كَأنما فوقهُ الأجبالُ طافيةٌ ... رُعْباً وترعدُ مثل السَّعْفِ أضَوَاءُ
ترمي لَهَا شَرَراً كالقَصْرِ طائشة ... أَنْ عادتِ الشمسُ منهُ وَهْيَ دَهْمَاءُ
تنشقّ منها قلوبُ الصخرِ إنْ زَفَرَتْ ... فليلةُ التَّمِّ بَعْدِ النُّورِ لَيْلاءُ
مِنها تكاثفَ فِي الجوِّ الدخانُ إلى ... بِمَا يُلاقي بها تحتَ الثرى الماءُ
قد أثَّرت سَفْعة في البدْرِ لفحتها ... أنْ كادَ يُلحقها بالأرضِ إهْوَاءُ
تُحَدّثُ النَّيِّراتُ السبع ألْسنها ... لِ اللهِ يَعْقِلُهَا القومُ الألِبَّاءُ
وقد أحاطَ لظاهَا بالبروجِ إلَى ... مِنَّا الذنوبُ وساءَ القلبَ أسْوَاءُ
فيا لَهَا آيةٌ مِن معجزاتِ رَسُو ... واصفحْ فكلٌّ لِفَرْطِ الجهلِ خَطّاءُ
فباسمك الأعظمِ المكنونِ إن عَظُمَت ... عذابُ عَنهُمْ وعَمّ القومَ نعمَاءُُ
فاسمحْ وهَبْ وتفضَلْ وامحُ واعفُ وجُدْ فقومُ يونسَ لَمَّا آمنوا كُشِفَ الْ ... عَلى عُلاَ مِنبرِ الأوْرَاقِ وَرْقاءُ
فارحَمْ وصَلِّ على المختارِ مَا خَطَبَتْ
ولو أن هذه الآية كائنة في زماننا لَمَا زاد مقلدة الغرب الملحد من مرضى العقول والقلوب والنفوس على أن هذا بركان مشتعل، وأن درجة حرارته كذا، واتساع فوَّهته كذا، وأن سبب ذلك موادّ منصهرة في باطن الأرض! .. إلى آخر الهذيان الصاد عن الإيمان، بينما لا ذِكر لله في ملكه وفعله، فضلاً عن خوفه سبحانه والتوبة إليه!.
стр. 88
ولا ريب أن مَن سَلَكَ هذا المسلك من أهل زماننا لَوْ عاصروا طوفانَ قومِ نوحٍ ﵇، وريحَ عاد، وقلْبَ ديار قوم لوط ﵇، وانفلاق البحر لموسى ﵇، وغرق فرعون وقومه .. وغير ذلك من آيات العذاب التي أخذ الله بها أعداءَه وأعداءَ رسله لقالوا عن ذلك كله مثل ما يقولونه اليوم في آيات رب العالمين، وهو الفناء مع الأسباب الطبيعية وحْدِها، وعزل مدبِّر الطبيعة وخالقها ومُسبب الأسباب ومقدرها سبحانه!، حتى وإن كان مَن حلَّت بهم عقوباتِ الإله العظيم في وقتنا قد زادوا على ما أتته الأمم المعذبة قبلهم!.
• من أحداث سنة (٦٥٦ هـ):
إن ما آلت إليه أحوالنا يُخشى من عواقبه، وإن سنن الله لا تتغير، وقد جرت أمورٌ عِظَام على مَن كان قبلنا مع عِظَم الفارق بيننا وبينهم، فليس ما أتوه من المعاصي مقارب لِمَا أتيناه لا بالكثرة ولا بالكيفية وقد سُلِّطَتْ عليهم الأعداء كما جرى على أهل بغداد من التتار سنة ستمائة وست وخمسين.
قال ابن كثير: (في هذه السنة أخَذَتِ التتارُ بغداد، وقتلوا أهلها حتى الخليفة، وانقضت دولة بني العباس فيها؛ وقد سُتِرَتْ بغداد ونُصبت فيها المجانيق والعرّادات وغيرها من آلات الممانعة التي لا ترد من قدر الله سبحانه
стр. 89
وتعالى شيئاً كما ورد في الأثر: " لن يغني حذر من قَدَر " وكما قال تعالى: ﴿إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لا يُؤَخَّرُ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾ (٢).
وأحاطت التتار بدار الخليفة يرشقونها بالنبال من كل جانب حتى أُصيبت جارية كانت تلعب بين يدي الخليفة وتضحكه، وكانت من جملة حظاياه، جاءها سهمٌ من بعض الشبابيك فقتلها وهي ترقص بين يدي الخليفة، فانزعج الخليفة من ذلك وفزع فزعاً شديداً، وأُحْضر السهم الذي أصابها بين يديه فإذا عليه مكتوب: " إذا أراد الله إنفاذ قضائه وقَدَره أذهب من ذَوِي العقول عقولهم ! ".
فأمر الخليفة عند ذلك بزيادة الاحتراز وكثرت الستائر على دار الخلافة.
وكان قدوم " هلاكوخان " بجنوده كلها، وكانوا نحو مائتي ألف مقاتل، ووصل بغداد بجنوده الكثيرة الكافرة الفاجرة الظالمة الغاشمة ممن لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر، فأحاطوا ببغداد من ناحيتيها الغربية
стр. 90
والشرقية، ومالُوا على البلد فقتلوا جميع مَن قدروا عليه من الرجال والنساء والولدان والمشايخ والكهول والشبّان، ودخل كثير من الناس في الآبار وأماكن الحشوش وقِني الوسخ، وكمنوا كذلك أياماً لا يظهرون، وكان الجماعة من الناس يجتمعون إلى الخانات ويغلقون عليهم الأبواب فتفتحها التتار إما بالكسر وإما بالنار، ثم يدخلون عليهم فيهربون منهم إلى أعالي الأمكنة، فيقتلونهم بالأسطحة حتى تجري الميازيب من الدماء في الأزقة، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وكذلك في المساجد والجوامع والرُّبَط، ولم ينج منهم أحد سوى أهل الذمة من اليهود والنصارى، ومَن التجأ إليهم وإلى دار الوزير ابن العلقمي الرافضي.
وعادت بغداد بعدما كانت آنس المدن كلها كأنها خراب ليس فيها إلا القليل من الناس وهم في خوف وجوع وذلّة وقلّة، وهذا الأمر لم يُؤرَّخ أبشع منه منذ بنيت بغداد وإلى هذه الأوقات!.
وقد اختلف الناس في كمية من قُتل ببغداد من المسلمين في هذه الوقعة فقيل: ثمانمائة ألف، وقيل: ألفُ ألفٍ وثمانمائة ألف، وقيل: بلغت القتلى ألفي ألف، فإنا لله وإنا إليه راجعون، ولا حول ولا وقوة إلا بالله العلي العظيم، وما زال السيف يقتل أهل بغداد أربعين يوماً، وقُتل الخليفة
стр. 91
المستعصم بالله أمير المؤمنين، وقُتل معه ولده الأكبر أحمد، ثم قُتل ولده الأوسط عبد الرحمن، وأُسِرَ ولده الأصغر مبارك، وأسرت بناته الثلاث فاطمة وخديجة ومريم، وأُسر من دار الخلافة من الأبكار ما يقارب ألف بِكْر فيما قيل، والله أعلم، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
ولما انقضى الأمر المقدّر، وانقضت الأربعون يوماً بقيت بغداد خاوية على عروشها ليس بها أحد إلا الشاذ من الناس، والقتلى في الطرقات كأنها التلول، وقد سقط عليهم المطر فتغيرت صُورهم، وأنتنتْ من جِيَفهم البلد، وتغيّر الهواء فحصل بسببه الوباء الشديد حتى تعدّى وسرى في الهواء إلى بلاد الشام، فمات خلق كثير من تغيّر الجو وفساد الريح فاجتمع على الناس الغلاء، والوباء، والفناء، والطعن والطاعون؛ فإنا لله وإنا إليه راجعون.
ولَمَّا نودي ببغداد بالأمان خرج من تحت الأرض من كان بالمطامير والقِني والمقابر كأنهم الموتى إذا نُبشوا من قبورهم وقد أنكر بعضهم بعضاً، فلا يعرف الوالد ولده، ولا الأخ أخاه، وأخذهم الوباء الشديد فتفانوْا وتلاحقوا بمن سبقهم من القتلى، واجتمعوا تحت الثرى، بأمر الذي يعلم السّر وأخفى ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ (١) انتهى (٢).
стр. 92
• من أحداث سنة (٧١٨ هـ):
وذكر ابن كثير أنه في سنة ثمان عشرة وسبعمائة وصلت الأخبار في المحرم من بلاد الجزيرة (١)، وبلاد الشرق سنجار والموصل وماردين وتلك النواحي بغلاءٍ عظيم، وفناء شديد، وقلة الأمطار، وخوف التتار، وعدم الأقوات، وغلاء الأسعار، وقِلّة النفقات، وزوال النعم، وحلول النقم، بحيث إنهم أكلوا ما وجدوا من الجمادات والحيوانات والميْتات، وباعوا حتى أولادهم وأهاليهم، فَبِيعَ الولد بخمسين درهماً وأقلّ من ذلك، حتى إن كثيراً لا يشترون من أولاد المسلمين، فكانت المرأة تصرخ بأنها نصرانية لِيُشترى منها ولدها لتنتفع بثمنه، ويحصل له من يطعمه، فيعيش وتأمَن عليه من الهلاك، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
ووقعت أحوال صعبة يطول ذكرها، وتنبو الأسماع عن وصْفها.
وذَكر أنه ترحّل منهم قريب الأربعمائة، وأنهم هلكوا في الطريق بسقوط الثلج عليهم، وطائفة أخرى صحبوا التتار، فلما انتهوا إلى عقبة صعدها التتار، ثم منعوهم أن يصعدوها لئلا يتكلفوا بهم، فماتوا عن آخرهم، فلا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم (٢).
стр. 93
ثم قال: (وفي ثاني صفر جاءت ريح شديدة ببلاد طرابلس، فأهلكت لهم كثيراً من الأمتعة، وقتلت خلقاً منهم، وكسرت الأمتعة والأثاث، وقتلت جِمالاً كثيرة وغيرها، وكانت ترفع البعير في الهواء مقدار عشرة أرماح ثم تلقيه مقطعاً، ثم سقط بعد ذلك مطر شديد، وبَرَدٌ عظيم بحيث أتلف زروعاً كثيرة في قرىً عديدة نحو من أربعة وعشرين قرية) انتهى (١).
• من أحداث سنة (٧٢٥ هـ):
وقال اليافعي في أحداث سنة خمس وعشرين وسبعمائة: (في جمادى الأولى كان غرق بغداد الْمَهُول، حتى بقيت كالسفينة، وساوى الماء الأسوار، وغرق أمم من الفلاحين، وعَظُمت الاستغاثة بالله، ودام خمس ليال، وعُمِلَت سكور فوق الأسوار، ولولا ذلك - بعد الله - لغرق جميع البلد، وليس الخبر كالعيان، وقيل تهدَّم بالجانب الغربي نحو خمسة آلاف بيت) انتهى (٢).
• من أحداث سنة (٧٤٩ هـ):
١ - ذكر ابن كثير - أيضاً - أنه في سنة تسع وأربعين وسبعمائة
стр. 94
تواترت الأخبار بوقوع البلاء في أطراف البلاد، فذُكر عن بلاد القِرْم أمر هائل ومُوتان فيهم كثير، ثم ذكر أنه انتقل إلى بلاد الإفرنج حتى قيل إن أهل قبرص مات أكثرهم أو ما يقارب ذلك، وكذلك وقع بغزّة أمر عظيم، وقد جاءت مطالعة نائب غزة إلى نائب دمشق أنه مات من يوم عاشوراء إلى مثله من شهر صفر نحو من بضعة عشر ألفاً، ودعا الناس برفع الوباء عن البلاد، وذلك أن الناس لَمَّا بَلَغَهم من حلول هذا المرض في السواحل وغيرها من أرجاء البلاد يتوهمون ويخافون وقوعه بمدينة دمشق - حماها الله وسلّمها -، مع أنه قد مات جماعة من أهلها بهذا الداء، وكثر الموت في الناس بأمراض الطواعين، وزاد الأموات كل يوم على المائة، فإنا لله وإنا إليه راجعون، وإذا وقع في أهل بيت لا يكاد يخرج منه حتى يموت أكثرهم، وقد توفي في هذه الأيام من هذا الشهر خلق كثير وجمّ غفير ولاسيما من النساء فإن الموت فيهن أكثر من الرجال بكثير كثير، وشرع الخطيب في القنوت بسائر الصلوات والدعاء برفع الوباء، وحصل للناس بذلك خضوع وخشوع وتضرع وإنابة، وكثرت الأموات جدًّا وزادوا على المائتين في كل يوم، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وتضاعف عدد الموتى، وتعطلت مصالح الناس، وتأخّرت الموتى عن إخراجهم، وَوَقَّف نائب السلطنة نعوشاً كثيرة في أرجاء البلد واتّسع الناس بذلك ولكن كَثُر الموتى، وخرج الناس إلى الجامع يتضرعون إلى الله
стр. 95
ويسألونه في رفع الوباء عنهم، فصام أكثر الناس، ونام الناس في الجامع وأحْيَوْ الليل كما يفعلون في شهر رمضان.
ولَمَّا أصبح الناس يوم الجمعة خرجوا من كل فج عميق واليهود والنصارى والسامرة والشيوخ والعجائز والصبيان والفقراء والأمراء والكبراء والقضاة من بعد صلاة الصبح، فما زالوا هنالك يدعون الله تعالى حتى تعالى النهار جداً، وكان يوماً مشهوداً، وفي منتصف شهر جمادي الآخرة قَوِيَ الموت وتزايد، وبالله المستعان.
وكان يُصَلَّى في أكثر الأيام في الجامع على أزْيد من مائة ميت، فإنا لله وإنا إليه راجعون، وبعض الموتى لا يؤتى بهم إلى الجامع، وأما حوْل البلد وأرجائها فلا يعلم عدد من يموت بها إلا الله ﵏ آمين.
٢ - وحصل بدمشق وما حولها ريح شديدة أثارت غباراً شديداً اصفرّ الجوُّ منه ثم اسودّ حتى أظلمت الدنيا، وبقي الناس نحواً من ربع ساعة يستجيرون الله، ويستغفرون، ويبكون مع ما هم فيه من شدة الموت الذريع، ورجا الناس أن هذا الحال يكون ختام ما هم فيه من الطاعون، فلم يزدد الأمر إلا شدة، وبالله المستعان) انتهى (١).
стр. 96
والآن نذكر أحداثاً قريبة من وقتنا، وأحداثاً في وقتنا أيضاً:
• من أحداث سنة (١١٨٧ هـ):
وقال عثمان بن بشر في أحداث سنة سبع وثمانين ومائة وألف: (وفي هذه السنة وقع الطاعون العظيم في بغداد والبصرة ونواحيهما، ولم يبْقَ من أهل البصرة إلا القليل، وذَكَروا أنه مات فيه منهم ثلاث مائة وخمسون ألفاً، ومات من أهل الزبير نحو ستة آلاف) (١).
• من أحداث سنة (١٢٠٤ هـ):
قال ابن بشر في أحداث سنة أربع ومائتين وألف: (وفيها نزَل على بلَد حريملاء برَد في الشتاء من خوارق العادات، قَتَل ما وَقَع عليه من البهائم والطيور وغيرها، وخسَفَ السطوح والأواني حتى النحاس، وأهلك الأشجار وكسَرها، وأهلك جميعَ زروعهم، وجأروا إلى الله، فَرِحِمَهم ودَفَع عنهم) انتهى (٢).
• من أحداث سنة (١٢٤٧ هـ):
قال ابن بِشر في أحداث سنة سبع وأربعين ومائتين وألف: (وفي هذه
стр. 97
السنة وقع الطاعون العظيم الذي عَمَّ العراق والسواد والمجرَّة وسوق الشيوخ والبصرة والزبير والكويت وما حولها، وليس هذا مثلَ الوباء الذي قبله المسمى " العقاص "، بل هو الطاعون المعتاد - نعوذ بالله من غضبه وعقابه -.
وحل بهم الفناء العظيم الذي انقطع منه قبائل وحمائل، وخلَت من أهلها منازل، وإذا دخل في بيت لم يخرج منه وفيه عينٌ تطْرُف، وجَثَى الناس في بيوتهم لا يجدون مَن يدفنهم، وأموالهم عندهم ليس لها والي، وأنتنت البلدان من جِيَفِ الإنسان، وبقيت الدواب والأنعام سائبة في البلدان ليس عندها من يُعلفها ويسقيها حتى مات أكثرها، ومات بعض الأطفال عطشاً وجوعاً، وخرَّ أكثرهم في المساجد صريعاً لأن أهاليهم إذا أحسوا بالألم رمَوْهُم في المساجد رجاءَ أن يأتيهم مَن يُنقذهم فيموتون فيها لأنها لايُقام فيها جماعة.
وبقيَت البلدان خالية لا يأتي إليها أحد، وفيها من الأموال ما لا يُحصى عدّه إلا الله، فما كان في النصف من ذي الحجة من السنة المذكورة ارتفع بإذن الله تعالى) انتهى (١).
стр. 98
هذه الحوادث العظيمة نماذج مما جرى في ديار الإسلام قديماً وحديثاً، ونعوذ بالله أن نكون ممن قال الله تعالى عنهم: ﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾ (١).
إنها آيات فيها اعتبار لمن يعتبر، وازدجار لمن يزدجر، والذي لم أنقله هنا أكثر مما نقلته إذِ المراد بيان ما آلت إليه أحوال العالَم اليوم من الأمان من حلول العقوبات العاجلة قبل يوم القيامة بسبب المعاصي، وأنّ آيات التخويف في وقتنا بدلاً من أن توقظنا من غفلتنا وتردّنا إلى ربنا أصبحت من أسباب زيادة المعاصي والذنوب حيث قُطِعَت عن الخالق وأوقِفَتْ مع أسبابها الطبيعية كما تقدم بيان ذلك فصار هذا بلاء على بلاء، وقد قال تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتاً وَهُمْ نَائِمُونَ ? أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحىً وَهُمْ يَلْعَبُونَ ? أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ (٢).
ثم إن المراد من ذِكْر ما تقدم من هذه الآيات والمصائب العظيمة أنها إذا أصيب بها العباد في الزمن الماضي فإنهم يتوبون إلى ربهم، فيكون في ذلك منفعة لهم بالتذكير، وهذا هو المقصود.
стр. 99
• من أحداث سنة (١٤٢٤ هـ):
وفي فجر يوم الجمعة الموافق لليوم الثالث من شهر ذي القعدة من سنة أربع وعشرين وأربعمائة وألف وقع زلزال مَهُول ومدمر في مدينة تابعة لـ (بَم) الإيرانية، حتى خلَّف أكثر من ثمانين ألف قتيل، وسوَّى قرى كاملة تابعة لهذه المدينة بالأرض حتى أصبحت قاعاً صفصفاً بإذن الله القوي العزيز.
• من أحداث سنة (١٤٢٥ هـ):
في وقتٍ كانت تمتلئ فيه شواطئ جنوب شرق آسيا بما لا يحصيهم إلا الله من الكفار والفجار والفسّاق، والزواني والزناة، وأصوات المعازف ومناتن الخمور والمخدرات تملأ تلك الأماكن .. شاء الله - الذي يغار أن تُنتهك محارمه - أن يكتسح البحرُ هؤلاء - الذين كفروا بربهم وعصوْه - بأمواج كالجبال عذاباً لهم وعبرة لغيرهم، وقد كان يوماً مشهوداً من كثرة الصراخ والرعب الشديد الذي أصاب هؤلاء الأقوام من شدة بأس الله حتى لقد قال بعضُ مَن رآهم وهم يركضون هرباً من الأمواج الهائجة: لقد تذكرت قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ ? لا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ ? قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ ? فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ
стр. 100
حَصِيداً خَامِدِينَ﴾! (١)، وقد صار ما أصابهم من بأس الله أمراً مهولاً هزت له أصقاع الدنيا.
ففي يوم الأحد الرابع عشر من شهر ذي القعدة من سنة خمس وعشرين وأربعمائة وألف وقع زلزالٌ هائل ضرب قاع المحيط فَنَتَج عنه طوفانٌ عظيم في جنوب شرق آسيا حيث تعاظمت الأمواج الصادرة من قاع البحر , وتحوَّلت هذه الأمواج في دقائق معدودة إلى طوفان بحري عظيم أسموه بـ (تسونامي) - أيْ موجة الميناء -، وقد أخذ يتجه نحو الشاطئ الممتليء بأولئك الكفرة والفجرة بسرعة ٥٠٠ كلم في الساعة، ووصل طول موجته إلى أكثر من ٤٠ متراً، أتت بإذن الله القوي العزيز على مُدنٍ وقرى بأكملها مخلفة مشاهدَ خرابٍ لا سابق لها، حيث دُمرت بقوةِ الله سواحلَ بما فيها، وسُوِّيت قرى كاملة بالأرض حتى أصبحت خاوية على عروشها وبئر معطلة وقصر مَشِيد، ولم يبقَ سوى حطام المنازل وأطلال المدن بعد أن خلَّف هذا الطوفان العظيم بإذن ربه أكثر من مائتي ألف قتيل ومئات الآلاف من المفقودين وملايين المشردين.
وبعد أن رجع البحر لحالته الطبيعية أسفرت شواطئه التي غمرها بأمواجه الهائجة عن حالة يكفي بعضها ليأخذ منها المسلم العبرةَ والعِظة
стр. 101
ليعود إلى ربه عودة صادقة حيث تحولت تلك الشواطئ إلى خراب بلاقع بعد أن كانت جناتٍ زاهية، وأصبح الذين كانوا بالأمس يملئونها بالعري والفساد كأنهم بين الدمار الذي خلفه الطوفان أعجاز نخل خاوية حيث رؤيت جثثهم تملأ المكان وليس عليها ما يسترها!، فلا إله إلا الله القوي العزيز الذي أحال تلك الأماكن ما بين عشية وضُحاها من جناتٍ وكنوز ومقام كريم إلى أماكن يملؤها الدمار والخراب .. قال تعالى: ﴿فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (١)، فهل من معتبر ﴿أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾؟! (٢).
وبما أن الحق ما شهدت به الأعداءُ - كما يقال - فقد قرأت لبعض الخبراء الأمريكيين بأن قوة الزلزال الذي تسبب بهذا الطوفان العظيم يمكن تقديرها بالقوة التفجيرية لقرابة مليون قنبلة ذرية!، فلا إله إلا الله القوي العزيز الذي تشهد كل ذرة في الكون على وجوده وقيوميته، وتشهد كل حادثة مدمرة يجريها في الكون كمثل ما ذكرنا على عظمة جبروته وأنه القوي العظيم الذي لا غالب ولا قاهر له.
стр. 102
• من أحداث سنة (١٤٢٦ هـ):
١ - في صبيحة يوم الاثنين، الموافق للرابع والعشرين من شهر رجب من عامنا هذا - عامَ ستةٍ وعشرين وأربعمائة وألف - ضرب إعصارٌ مدمر غير مسبوق جنوبَ شرقِ (أمريكا)، حتى خلَّف آلاف القتلى ودماراً واسعاً في ثلاث ولاياتٍ أمريكية حتى جعل - بإذن الله - واحدةً منها خاويةً على عروشها وكأن لم تغنَ بالأمس! .. قال تعالى: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ... (١).
ولقد شَبَّهَ حاكمُ أحدِ الولاياتِ الأمريكية التي ضربها هذا الإعصار العظيم بأن ولايته هذه - الذي أصبح جميع مبانيها حطاماً بسبب الإعصار - كمدينة (هيروشيما) التي دمرتها أمريكا بقنبلة ذرية قبل ستين عاماً (الموافق لـ ٢٨/ ٨ / ١٣٦٣هـ) حتى قُتِل من أهلها وجُرح أكثر من مائة وثلاثين ألفاً وتحولت مبانيها إلى حطام وركام.
وقد قرأت بعض ما أعلنه بعض الناس ممن كان يقيم بهذه الولاية - التي أغرقها الإعصار بأمر ربِّه بفيضانات عظيمة وأمطار لا سابق لها - بأنها قد عَقَدت العَزْم بمحاربة الجبار ﷻ بالقيام باحتفال كبير - يقومون به كلّ عام، وعلى مدى ثلاثٍ وثلاثين سَنَة -، ويضم اللوطية والزناة من
стр. 103
مختلف أنحاء أمريكا والعالَم، ويبدأ هذا الحفل الخبيث - الذي يحضره أكثر من مائةِ ألفٍ من أشباه الرجال، والنساء من كل مكان - بالمعازف الصاخبة، وإذا شَرِبُوا من الخمور حتى الثُّمالة والسُّكْر قاموا بفعل الفواحش من اللواط والزنا والسِّحاق - والعياذ بالله -، ولقد حَلم الله عليهم وأملى لهم أكثر من ثلاثين عاماً، ولكنهم لَمَّا تمادوْا في طغيانهم شاء جبارُ السموات والأرض- الذي لا تتبدل ولا تتغير سُننه في إهلاك الظالمين- أن يغرقهم ويدمر مكانهم الذي هيئوه لهذا الاحتفال الماجن تدميراً، وقبل ثلاثة أيام من إقامته أرسل الله على مدينتهم إعصاراً عظيماً قال رئيسهم (بوش) بأنه لم يسبق لأمريكا أن حلت بها كارثة (طبيعية) كهذه التي خلفها الإعصار بإذن الله حتى صارت تلك الولاية بأسرها ولايةً خاوية على عروشها!؛ فسبحان القوي الجبار الذي يُملي للظالم حتى إذا أخذه لَم يُفلته، وإذا أراد أخْذَه أخَذه أخْذ عزيزٍ مقتدر، فهل من معتبر والله تعالى يقول: ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ (١)؟!.
وإن مما يبين عُظْم ما حل بالقوم ما أعلنه الأمريكان بأنه قد انتحر من شُرطة هذه الولاية - التي أغرقها الإعصار بأمر ربه بفيضانات مدمرة وأمطار عارمة - قريباً من خمسمائة شرطي، وسبب انتحارهم هو أن نفوسهم لم تستطع تَحَمُّل ما شاهدته من الدمار العظيم الذي حلّ بمدينتهم هذه حتى
стр. 104
هلك من ذويهم وأولادهم وأموالهم ومُمْتلكاتهم ما جعلهم يفضلون الموت على أن يبقوْا أحياءاً تتقطع نفوسهم حَسَرات على ما يشاهدونه من العذاب الذي حل بهم، وقد صدق الله: ﴿وَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ (١).
ولقد خلَّف ذلك الإعصار العظيم خسائرَ ماديةٍ وماليةٍ هائلةٍ قُدرت بأكثر من مائتي مليار دولار.
وما إن حاول القومُ التعافي من بعض صدمة هذا الإعصار المدمر حتى حَلَّ بساحتهم إعصار آخر أسموه بـ (ريتا) في العشرين من شهر شعبان، فزاد الطين بِلَّة، حتى استفحلت خسائرهم في الأرواح والممتلكات والأموال، والحمد لله رب العالمين.
وما يزالون يستفتحون على أنفسهم بمزيد من النكال والعذاب حيث أعلنوا بأن ولاياتهم مقبلة على أنواع شتى من الكوارث، من زلازل وأعاصير مدمرة، وما يسمونه بانفلونزا الطيور، وبراكين هائلة غير مسبوقة تغطي بِحِمَمِها سماء أمريكا وقد تنفجر في أي لحظة كما يقولون؛ ونسأل الله الذي قال: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾ (٢) .. أن يجازيهم في الدنيا بما
стр. 105
استفتحوا به على أنفسهم بأن يدمرهم تدميراً، وأن يجعلهم كأنْ لَمْ يَغْنَوْا بالأمس.
٢ – وفي ضحى يوم السبت، الموافق للخامس من شهر رمضان من عامِنا هذا - عام (١٤٢٦هـ) - ضربَ زلزالٌ عظيمٌ باكستان وكشمير ودولاً بجنوب آسيا، ثم زُلزلت في نفْسِ هذا اليوم قريباً من خمسين مرة - كما ذكرت باكستان -؛ وقد خلَّفت هذه الزلازل العظيمة في باكستان وكشمير قريباً من سبعين ألفَ قتيل، ومثلهم من الجرحى، وملايين المشردين، كمَا دَمَّرتْ قرى كاملة حتى سوَّتها بالأرض؛ نسأل الله السلامةَ والعافية.
وقد أُعلن أنه خلال خمسة عشر عاماً ماضية فقط شَهِد العالَمُ أربعةً وعشرين زلزالاً مَهُولاً ومدمِّراً، فَضْلاً عن الزلازل الصغرى التي أصبحت من كثرتها لا يحصيها إلا الله!، ولا عجب من كثرتها فقد أخبر النبي ﷺ بتكاثر الزلازل في آخر الزمان حيث قال: (لا تقوم الساعة حتى تكثر الزلازل) (١).
وقد وقعت آية الزلازل التي ضربت جنوب آسيا بعد كسوف الشمس كَمَا وقعت آية إعصار أمريكا قبله مما يوضح ما تقدم من كلام شيخ الإسلام وتلميذه - رحمهما الله - من مقارنة الحوادث للكسوف في مواضع الكُفر والمعاصي.
стр. 106
ولقد كانت آثار هذه الزلازل التي يخوِّف الله بها عباده ليتوبوا الانشغال بالأسباب وآثارها حتى بلَغ الْهَوَس بمن ترَوَّوْا من علوم الملاحدة أن يُشيروا ببناء مساكن تُقَاوم الزلازل مع الاعتناء بالإنذار المبكِّر .. ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ﴾ (١)، وليس للدواء الشافي والْمُعْتَصَم الكافي ذكر الذي هو الرجوع إلى الله بالمتابِ ليندفع عن العباد شرُّ الدنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ (٢).
ومما يُبيِّن عُظْمَ ما آلت إليه الحالُ أن (قُريشاً) تُخلص لله في الشدة، وتدعوه، وتلجأ وتتضرع إليه؛ بينما لا أثر اليوم لهذا لأن البلاء جاءَ مِن علوم الملاحدة التي شَمِلَت الأرض كلها، ومدارها على التعطيل.
وهذه العقوبات والآيات الأربع الأخيرة قد حلت في وقتنا فيما يُقارب السَّنتَيْن فقط، وقد سُمِّيَ بعضها بأسماء تُبْعدها عن الفاعل سبحانه وتُلْغي ذكره ، فالطوفان العظيم الذي أغرق جنوب شرق آسيا أسْمَوْه بـ (تسونامي)، وثالثة الأثافِي ذلك الأعاصير العظيمة التي أسموها بـ (كاترينا) و (ريتا) وغيرها (٣)، ولا كأن للكون رباً يغضب إذا كُفِر
стр. 107
به أو انتهكت محارمه، فغاية ما يحصل اليوم من أكثر الناس تجاه هذه الحوادث العظيمة هو الكلام في الأسباب وآثارها بينما الملِكُ المالك سبحانه معزول عن ذلك حيث لا ذِكْر له، ولا خوف منه، ولا رجوع إليه، لا مِمَّن حلّ بساحتهم العذاب، ولا ممَّن أريد منهم الاعتبار والحذر من عقوبات الملك الجبار! .. فيا لَه من عالَم ضالٍّ ومرْذول، قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلاَّ نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَاباً شَدِيداً كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُوراً﴾ (١)، والمراد: القرى الظالمة؛ ولا تسأل عن هذه المواضع التي أخذها الله بالهلاك والعذاب، والأرض مملوءة مما يشابهها ..
والليالي مِنَ الزمانِ حُبَالَى ... مُثقلاَتٍ يَلِدْنَ كُلَّ عَجِيبَهْ!
نسأل الله الرحيم أن يدفع عنا وعن المسلمين البلاء، وأن يُلحق أعداءه بالقرون الأولى.
стр. 108
الفرق بين عقوبات الله على الكفار وعلى المسلمين
بعض الجهلة يُهَوِّن من شأن عقوبات الله لأعدائه الكفرة بما يحصل للمسلمين كما تقدم أمثله لذلك وكأنّ الأمر مُشْتَرَك دون فارق، وهذا ضَلال.
أما الكفار فيأخذهم الله بكفرهم ولهم عذاب الدنيا والآخرة، ولذلك ذكر الله تعالى في كتابه الكريم أنه أخذ الأمم الكافرة السابقة بالعذاب على تنوعه بسبب ذنوبهم والذي أعظمها الكفر، حيث قال سبحانه: ﴿فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (١)، وقال : ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَاراً وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ
стр. 109
شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (١)، وقال سبحانه: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَاراً فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ﴾ (٢).
وأما المسلمون فليس ما يعاقبهم الله به مماثلاً لِما يعاقب به الكفار بل هو أهْون، كذلك فيه تكفير لسيئاتهم وتمحيص لهم، كما أنه موعظة لهم وعِبْرة، كذلك فإن فيه الرحمة والخير الكثير لِمَا يحصل بسببه من توبتهم ورجوعهم إلى مولاهم الحقّ - سبحانه - بالانكسار والذُّل والخوف الذي يحجزهم عن التعرض لسخط ربهم؛ وقد تقدم من الأمثلة ما يوضح هذا - ولله الحمد -.
ومما يُبيِّن كَوْن ما يجري على المسلمين من العقوبات من الزلازل ونحوها يُعتبَر من تكفير السيئات هو ما جاء في الحديث الصحيح عن أبي موسى الأشعري ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (إنَّ أمتي أمةٌ مرحومة، ليس عليها في الآخرة عذاب إلا عذابها في الدنيا: القتل، والبلاء، والزلازل) (٣).
ومما يوضح كون هذه الزلازل وغيرها من الكوارث عقاباً على الكافرين وموعظة للمؤمنين ورحمة بهم هو ما رواه أنس بن مالك ﵁
стр. 110
أنه قال: (دخلت على عائشة ﵂ ورجل معي، فقال الرجل: يا أم المؤمنين حدثينا حديثاً عن الزلزلة، فأعرضت عنه بوجهها، قال أنس فقلت لها: حدثينا يا أم المؤمنين عن الزلزلة؛ فقالت: " يا أنس .. إن حدثتك عنها عشت حزيناً، وبعثت حين تبعث وذلك الحزن في قلبك "، فقلت: يا أماه حدثينا، فقالت: " إن المرأةَ إذا خلعت ثيابها في غير بيت زوجها هتكت ما بينها وبين الله من حجاب، وإن تطيبت لغير زوجها كان عليها ناراً وشناراً، فإذا استحلوا الزنا وشربوا الخمور بعد هذا وضربوا المعازف غار الله في سمائه فقال للأرض: [تزلزلي بهم]، فإن تابوا ونَزَعوا وإلا هدمها عليهم "، فقال أنس: عقوبة لهم؟!، قالت: " رحمة وبركة وموعظة للمؤمنين، ونكالاً وسُخطة وعذاباً للكافرين "، قال أنس: فما سمعت بعد رسول الله ﷺ حديثاً أنا أشدّ به فرحاً مِنِّي بهذا الحديث، بل أعيش فرحاً وأُبْعث حين أُبْعث وذلك الفرح في قلبي - أو قال -: في نفسي) انتهى (١).
أما في زماننا هذا فلم يَعُدْ في الآيات المتلوّة ولا المشهودة اعتبار ولا ازدجار، بل إن الضلال يزيد إلا ما شاء الله، وما الذي يؤمِّننا من عذاب الله، فليس لنا الْحُلوة وللكفار المرّة إذا سلكنا طريقهم - كما قال ذلك بعض الصحابة، ﵃.