Полный текст (203 стр.). Показаны 176–203 · переход к 181.
стр. 176
وكان قدم قرطبة أيام الأمير محمد قوم من وجوه المضرية واليمانية بتدمير، فسألوهم عن هذا الفحص فذكروا فضله ونمو ما يزدرع فيه فأكثروا وقالوا: إن الحبة تتفرع من أصلها ثلاثمائة قصبة! فأنكر ذلك بعضهم، فكذبه، فوجهوا رسولاً أمروه بإغراء اليقين، وبحمل أصولٍ من ذلك الزرع فأحضرها، فأحصى في كل أصلٍ ثلاثمائة قصبة وأكثر، في كل قصبة سنبلة.
وبقرية تازة، من قرى لورقة، عين تخرج من حجرٍ صلد، تجري في قناةٍ منقورةٍ في الحجر، عمقها أكثر من قامة، نحو ميلين، ثم يتصل الماء بنقبٍ من الحجر الصلد، ومناهد مفتوحةٍ إلى أعلى المنافس للهواء، ثم يفضى إلى بيتٍ في داخل الجبل ظليم مملوء ماء، والجبل كله مغتمد له على أرجلٍ، ومن دخل إليه لا يعلم ما وراء تلك الأرجل.
لوشة
بالأندلس من أقاليم إلبيرة، بينهما ثلاثون ميلاً، وبها جبل فيه غار يصعد إليه، وعلى فمه شجرة، وهو في حجرٍ صلدٍ، عمقه نحو قامتين، فيه أربعة نفر موتى لا يعلم أول أمرهم ولا وقت موتهم، يذكر الأبناء عن الآباء أنهم ألفوهم هكذا، إلا أن الملوك والولاة لم يزالوا يراعون أمورهم، ويتعهدون تجديد أكفانهم، ولا توضع عليه إلا بعد أن يقطع فيها قطوع كثيرة لئلا يطمع الفسقة فيخلعونها عنهم.
وهو غار موحش مظلم مرهب، لا يدخله إلا رابط الجاش جرئ النفس.
وكان صاحب بياسة عبد الله المعروف بالبياسى من بني عبد المؤمن، لما ضايقه
стр. 177
العادل في سنة ٦٢٢ استعان بالنصارى وسلم لهم بياسة، فدخل قيجاطة بالسيف، وسار بالعدو إلى لوشة هذه، فقاتلهم أشد قتالٍ، وسقط عليهم عدو الدين، فقتلوا فيهم أشد القتل، ثم سار إلى بيغو من عمل غرناطة، فاحتوى عليها بعد شدة.
ليون
قاعدة من قواعد قشتالة، عامرة، بها معاملات وتجارات ومكاسب، ولأهلها همة ونفاسة.
стр. 178
حرف الميم
مارتلة
على نهر بطليوس، بجزيرة الأندلس، منها الزاهد موسى بن عمران المارتلي، اشتهر بإشبيلية بالصلاح، وله شعر مدون منقول، منه " كامل ":
أوصيك لا ترد الشها ... دة والإمامة والأمانة
تسلم من التجريح وال؟ ... حسد المبرح والخيانة
ولما جاز المنصور الموحدى البحر إلى الجهاد عام الأرك، زاره ثم وجه إليه مالاً، فقال للرسول: هو أحوج في ماله! قل له: هذه مائة دينار من حلالٍ خذها لفنقتك في هذه الغزوة، إني أرجو إن لم تطعم إلا الحلال أن تنصر! فيقال إن المنصور قبل منها ما نابه لخاصته في تلك الحركة، فلم يزل يتعرف ببركتها حتى نصره الله تعالى. وتوفي في سنة٥٩١.
ماردة
مدينة بجوفي قرطبة، منحرفة إلى الغرب قليلاً، وكانت مدينةً ينزلها الملوك الأوائل، فكثرت بها آثارهم والمياه المستجلبة إليها، واتصل ملكهم إلى أن ملك منهم سبعة وعشرون ملكاً؛ ويقال إن ذا القرنين كان منهم، وكان يقال لهذه الأمة الشبونقات، ثم دخلت أمة القوط فغلبوا على الأندلس، فاقتطعوها من صاحب
стр. 179
رومة، واتخذوا طليطلة دار ملكهم وأقروا فيا سرير ملكهم إلى أن دخل عليهم الإسلام؛ وكان آخرهم لذريق، وكان قد أحدق بماردة سوراً عرضه اثنا عشر ذراعاً، وارتفاعه ثماين عشر ذراعاً، وكان على بابها مما يلي الغرب حنايات يكون طولها خمسين ذراعاً، متقنة البناء، عددها ثلاثمائة وستون حنية، وفي وسط قنطرتها برج محنى، يسلك تحته من سلك في القنطرة؛ وتفسيرها باللسان اللطينى مسكن الأشراف.
وقيل بل كانت دار مملكةٍ لماردة بنت هرسوس الملك، وبها من البناء آثار ظاهرة تنطق عن ملكٍ وقدرة، وتعرب عن نخوةٍ وعزٍ وتفصح عن غبطةٍ وعبرة؛ لها في قصبتها قصورة خربة، وفيها دار يقال لها دار الطبيخ، وهي في ظهر القصر، وكان الماء يأتي في دار الطبيخ في ساقية، هي الآن باقية الأثر، فتوضع صحاف الذهب والفضة بأنواع الطعام في تلك الساقية على الماء حتى تخرج بين يدي الملكة، فترفع على الموائد، ثم إذا فرغ من أكل ما فيها وضعت في الساقية، فتستدير إلى أن تصل إلى يد الطباخ بدار الطبخ، فيرفعها بعد غسلها، ثم يمر ذلك الماء في سروب القصر؛ ومن أغرب الغرائب جلب الماء الذي كان يأتي إلى القصر على عمدٍ مبنيةٍ تسمى الارجالات، وهي أعداد كثيرة باقية إلى الآن، قائمة على قوائم لم تخل بها الأزمان، ولا غيرتها الدهور، فمنها قصار، ومنها طوال، بحسب الأماكن التي كان فيها البناء، وأطولها يكون غلوة سهمٍ، وهي على خطٍ مستقيمٍ؛ وكان الماء يأتي عليها في قنى مصنوعةٍ خربت وقنيت، وبقيت تلك الارجالات قائمةً، يخيل إلى الناظر إليها أنها من حجرٍ واحدٍ لحكمة إتقانها وتجويد صنعتها؛ وفي الجنوب من سور هذه المدينة قصر آخر صغير، وفي برج منه مكان مرآةٍ كانت الملكة ماردة تنظر إلى وجهها فيه،
стр. 180
ومحيط دوره عشرون شبراً، وكان يدور على حرفه، وكان دورانه قائماً، ومكانه إلى الآن باقٍ؛ ويقال إنما صنعته ماردة لتحاكى به مرآة ذي القرنين التي وضعها في منارة الإسكندرية.
وقال هاشم بن عبد العزيز، وقد تذاكروا شرف ماردة وفضل ما فيها من الرخام؛ قال: كنت كلفاً بالرخام، فلما وليت ماردة تتبعته لأنتقل منه كل ما استحسنته، فبينا أطوف في بعض الأيام بالمدينة إذ نظرت إلى لوح رخامٍ في سورها، شديد الصفاء، كثيراً ما يخيل للناظر أنه الجوهر، فأمرت باقتلاعه، فقلع بعد معاناةٍ، فلما أنزل وجد فيه كتاب أعجمي، فجمعت عليه من كان بماردة من النصارى، فزعموا أنه لا يقدر على ترجمته إلا أعجمي ذكروه يعظمونه، فأنفذت فيه رسولاً، فأتيت بشيخ هرمٍ كبير، فلما وضع اللوح بين يديه أجهش بالبكاء، واستعبر مليا، ثم قال لترجمته: براءة لأهل إيلياء من عمل في سورها خمس عشرة ذراعاً، فقد كان في افتتاح الأندلس وجد في كنائس ماردة ما وقع إليها من ذخائر بيت المقدس عند انتهاب بخت نصر لإيلياء، وكان ممن حضره في جنوده إشبان ملك الأندلس، ووقع ذلك وغيره في سهامه.
وقصر ماردة بناه عبد الملك بن كليب بن ثعلبة، وهو منيع، طول كل شقة من سوره ثلاثمائة ذراع، وعرض البناء اثنا عشر ذراعاً؛ وقنطرة ماردة عجيبة البنيان، طولها ميل بأبدع ما يكون من البنيان. ومن ماردة إلى بطليوس عشرون ميلاً.
مالقة
بالأندلس، مدينة على شاطئ البحر، عليها سور صخرٍ والبحر في قبلتها، وهي
стр. 181
حسنة عامرة آهلة، كثيرة الديار، وفيما استدار بها من جميع جهاتها شجر التين المنسوب إليها، وهي تحمل إلى مصر والشأم والعراق، وربما وصل إلى الهند، وهو من أحسن التين طيباً وعذوبةً، ولها ربضان كبيران، وشرب أهلها من الآبار، ولها وادٍ يجري في زمان الشتاء، وليس بدائم الجرى.
وهي من تأسيس الأول، وأكثر المدينة على جسرٍ من بناء الأول، والجسر داخل في البحيرتين هناك، قد بنى بصخرٍ كأنوف الجبال؛ وقصبتها في شرقي مدينتها، عليها سور صخرٍ، وهي في غاية الحصانة والمنعة. وفي هذه القصبة مسجد بناه الفقيه المحدث معاوية بن صالح الحمصى، وكان ممن حضر وقعة مروان بن محمد ليلة بوصير، فأنجاه الفرار، ولجأ إلى الأندلس فرقاً من المسودة، ومات بها، وله روايات وتقدم في السنة والعلم؛ وجامع مدينة مالقة بالمدينة، وهو خمس بلاطات، ولها خمسة أبواب، بابان منها إلى البحر، وباب شرقي يعرف بباب الوادي، وباب جوفي يعرف بباب الخوخة، وبها مبانٍ فخمة، وحمامات حسنة، وأسواق جامعة كثيرة في الربض والمدينة؛ وذكرها الأول في كتبهم فقالوا: مدينة مالقة لا بأس عليها، ولا فرق، آمنة من جوعٍ وسبيٍ ودمٍ، مكتوب ذلك في العلم الذي يكتب؛ وقد قيل إن هذه الكلمات وجدت في بعض حجارتها نقشاً بالقلم الإغريقي.
قال: وجميع هذه الآثار التي أمنها منها، وبقاؤها عنها، قد لحقت بها، وجمعت لها سنة ٤٥٩، بمحاصرة عباد بن عباد لها، واستطالة برابر قصبتها على أهلها، فشملهم الضر، وعمهم الفقر؛ ثم استحلت حرماتهم وسفت مهجاتهم؛ فما نجا في البحر إلا
стр. 182
الشريد، ولا تخلص إلا السعيد؛ فخلت ديارهم، وتعطلت آثارهم. انتهى.
وكذلك عندما نشأت الفتنة في آخر أيام الملثمين وصدر دولة الموحدين، بقيام ابن حسون فيها، وبعد ما قتل فيها من قتل وغرب من غرب، قتل نفسه عند قيام أهل البلد عليه، فسبيت حريمه، ومزقوا في البلاد كل ممزقٍ، وأسيطت حاله، ولله الحكمة البالغة.
ومن مالقة إلى أرشذونة ثمانية وعشرون ميلاً، ومرسى مالقة صيفي يكن بالغربى، وبإزائه مما يلي المدينة الجسر الذي ذكرناه، ينكسر عليه الموج.
ولما ولى القاضي المحدث الشهير أبو محمد عبد الله بن سليمان بن حوط الله الأنصارى قضاء مالقة، وقدم عليها، خرج طلبتها إلى لقائه، فأنشدهم سريع:
مالقة حييت يا تينها ... الفلك من أجلك يأتينها
نهى طبيبي عنك في علتى ... ما لطبيبي عن حياتي نها
مدينة المائدة
في أحواز طليطلة سميت بذلك لأنها وجدت فيها المائدة المنسوبة إلى سليمان بن داوود ﵉، وهي خضراء من زبرجد، حافاتها وأرجلها، وفيها ثلاثمائة وخمسة وستون رجلاً؛ وانتهى إليها طارق حين مضى إلى طليطلة سنة٩٣.
مجريط
مدينة بالأندلس شريفة، بناها الأمير محمد بن عبد الرحمن، ومن مجريط إلى قنطرة ما قدة، وهو آخر حيز الإسلام، إحدى وثلاثون ميلاً، وفي مجريط تربة
стр. 183
يصنع منها البرام، وتستعمل على النار عشرين سنةً لا تنكسر، وما طبخ فيها لا يكاد يتغير في حر الهواء؛ وحصن مجريط من الحصون الجليلة، وهو من بناء الأمير محمد ابن عبد الرحمن. وذكر ابن حيان في تأريخه الخندق الذي خندق بخارج سور مجريط قال: عثر فيه على قبر برمةٍ عاديةٍ، كان طولها إحدى وخمسين ذراعاً، التي هي مائة شبر وشبران، من نمرقة رأسه إلى طرف قدميه، وصح هذا بالثبت من مخاطبة قاضي مجريط، ووقوفه عليه، ومعاينته إياه، ومعاينة شهوده ذلك، وأخبر أن مقدار ما وسعه تجويف قحف دماغه ما قدره ثمانية أرباع أو نحوها، فسبحان من له في كل شيء آية! ومجريط مدينة صغيرة، وقلعة منيعة، وكان لها في زمن الإسلام مسجد جامع وخطبة قائمة، وهي بمقربة من طليطلة.
مربلة
بالأندلس بقرب مسرى سهيل ومرسى مالقة، ومر بلة مدينة صغيرة مسورة من بناء الأول، محكمة العمل، ممتنعة المرام؛ وهناك جبل منيف عالٍ، يزعم أهل تلك الناحية أن النجم المسمى سهيلاً يرى من أعلاه، ولذلك سمي أبو القاسم الأستاذ الحافظ، مؤلف الروض الأنف، السهيلي.
مربيطر
حصن بالأندلس، قريب من طرطوشة، وهو على جبل، والبحر بقبلته،
стр. 184
ويظهر منه شرقاً وغرباً؛ وبمربيطر جامع ومساجد، وفيها آثار للأول: دار ملعب وأصنام وغير ذلك؛ وهي كثيرة الزيتون والشجر والأعناب وأصناف الثمار؛ ومن مربيطر إلى أول قرى بريانة تسعة عشر ميلاً ونصف ميلٍ.
مرج الأمير
بالأندلس عند قرية مليس، بقرب وادي آش، وبه عسكر عبد الرحمن بن محمد إذ كان محاصراً لحصن اشتبين.
مرسانة
مدينة بكورة إشبيلية، ومرسانة أيضاً من حصون
المرية .
مرسية
بالأندلس، وهي قاعدة تدمير، بناها الأمير عبد الرحمن بن الحكم، واتخذت داراً للعمال، وقراراً للقواد. وكان الذي تولى بنيانها، وخرج العهد إليه في اتخاذها جابر بن مالك بن لبيد؛ وكان تأريخ الكتاب يوم الأحد لأربع خلون من ربيع الأول سنة ٢١٦؛ فلما بناها ورد كتاب الأمير عبد الرحمن على جابر بن مالك بخراب مدينة أله من المضرية واليمانية؛ وكان السبب في ذلك أن رجلاً من اليمانية استقى من وادي لورقة قلةً، وأخذ ورقةً من كرمٍ لرجل من المضرية، فغطى بها القلة، فأنكر ذلك المضرى وقال: إنما ذلك استخفافاً بي إذا انقطعت ورق كرمى، وتفاقم الأمر بينهما حتى تحارب الحيان، وعسكر بعضهم إلى بعضٍ، واقتتلا أشد قتالٍ.
ومرسية على نهر كبير يسقى جميعها كنيل مصر، ولها جامع جليل، وحمامات
стр. 185
وأسواق عامرة، وهي راخية أكثر الدهر، رخيصة الفواكه، كثيرة الشجر والأعناب وأصناف الثمار، وبها معادن فضةٍ غزيرة متصلة المادة؛ وكانت تصنع بها البسط الرفيعة الشريفة؛ ولأهل مرسية حذق بصنعتها وتجويدها لا يبلغه غيرهم.
ومن مرسية أبو غالب تمام بن غالب، المعروف بابن التياني اللغوى المرسى صاحب الموعب؛ وكان أبو الجيش مجاهد بن عبد الله، صاحب دانية، قد تغلب على مرسية وأبو غالب إذ ذاك بها، فأرسل إليه ألف دينار على أن يزيد في ترجمة الكتاب أنه ألفه لأبي الجيش مجاهد، فرد الدنانير وأبى من ذلك وقال: والله لو بذلت لي الدنيا على ذلك ما فعلت، ولا استجزت الكذب، فإني لم أجمعه لك خاصةً، وإنما جمعته لكل طالب علمٍ.
وعلى أربعين ميلاً من مرسية عين ماء عذبٍ، يقصدها منعلق العلق بحلقه، فيفتح به، فيسقط العلق لحينه، وذلك بإقليم إيلش؛ وقال بعضهم: هذا طب تمام يوجد في كل ماءٍ عذبٍ باردٍ إذا فتح فيه عليه من علق العلق به أسقطه في الأغلب، وذلك لأن العلق إنما ينشا في الماء العذب، فيطرأ عليه من خلاف ذلك المزاج ما يستروح منه إلى الماء، وكثيراً ما يطب به الأطباء فيستغنون به عن شجر أناغاليس الذي من شأنه قتل العلق، وعن العكوب وعن الخل وأمثال هذه الأشياء.
ومرسية في مستوٍ من الأرض، ولها ربض عامر آهل، وعليها وعلى ربضها أسوار، وحظائر متقنة، والماء يشق ربضها، وهي على ضفة النهر، ويجاز إليها على قنطرةٍ مصنوعةٍ من المراكب، ولها أرحاء طاحنة في مراكب تنتقل من موضع إلى
стр. 186
موضع، وبها شجر التين كثير، ولها حصون وقلاع وقواعد وأقاليم معدومة المثال، ومنها إلى بلنسية خمس مراحل، ومنها إلى قرطبة عشر مراحل.
ويخرج من نهر مرسية جدول على مقربة من قنطرة اشكابه، قد نقرته الأول فهي الجبل وهو حجر، وجابوه نحو ميلٍ، وهذا الجدول هو الذي يسقى قبلى مرسية، ونقبوا بإزاء هذا النقب في الجبل الموازي لهذا الجبل نقباً آخر، مسافته نحو ميلين، وأخرجوا فيه جدولاً ثانياً، وهو الذي يسقى جوفي مرسية؛ ولهذين الجدولين منافس في أعلى الجبلين، ومناهد إلى الوادي؛ تنقى الجدولان منه بفتحها وانحدار الماء مما اجمتع من الغثاء فيهما؛ ولا يسقى من نهر مرسية شئ بغير هذين الجدولين إلا بما رفع بالدواليب والسواني؛ وبين موقع هذين النقيرين ومرسية ستة أميالٍ.
المرية
بالأندلس مدينة محدثة، أمر ببنائها أمير المؤمنين، الناصر لدين الله، عبد الرحمن ابن محمد سنة ٣٤٤. وفيهاب يقول الشاعر مجتث:
قالوا المرية صفها ... فقلت نط وشيح
وقيل فيها معاش ... فقلت إن هب ريح
وكان المجوس لما قدموا المرية، وتطوفوا بساحل الأندلس والعدوة، فاتخذها العرب مرأى، وابتنت بها محارس، وكان الناس يتنجعونها ويرابطون فيها، وهي اليوم أشهر مراسى الأندلس وأعمرها، ومن أجل أمصارها وأشهرها، وعليها سور حصين منيع بناه أمير المؤمنين عبد الرحمن، وعلى ربضها المعروف بالمصلى سور ترابٍ،
стр. 187
بناه خيران العامري، وكان قد وصل إلى هذا الربض ماء العين التي هناك، وأجراه في ساقيةٍ، ثم وصله محمد بن صمادح إلى ساقيةٍ عند جامعها داهل المدينة، واستطرد منه، ولا يصب في أسفل القصبة ويرفع بالدواليب إلى أعلاه؛ ووادي بجانة يعم بالسقى بساتين المرية، والبحر بقبلى مدينة المرية، وقصبتها بجوفيها، وهو حصن منيع لا يرام، مديد من المشرق إلى المغرب، ولها باب قبلي يفضى إلى المدينة، مسافة ما بين أول المصعد في الجبل وبينه مائتا ذراع وثمانون ذراعاً، ولها باب شرقي خارج عن أسوار المدينة، والربض متصل بجبالها، وهي أسهل مرتقى من الباب القبلى؛ وعرض ممشى السور الدائر بالقصبة خمسة أشبارٍ، ومرسى المرية صيفي يكن بشرقيه وغربيه.
وكانت المرية في أيام الملثمين مدينة الإسلام، وكان بها من كل الصناعات كل غربية، وكان بها من طرز الحرير ثمانمائة طراز، يعمل بها الحلل والديباج السقلاطون والإصبهاني والجرجاني والستور المكللة، والثياب المعينة، والعتابى، والفاخر وصنوف أنواع الحرير؛ وكانت فيما تقدم يصنع بها صنوف آلات النحاس والحديد وما لا يحاد؛ وكان بها من فواكه واديها الكثير الرخيص؛ وكانت المرية تقصدها مراكب التجار من الإسكندرية والشأم، ولم يكن بالأندلس أكثر من أهلها مالاً.
والمرية في ذاتها جبلان بينهما خندق معمور، وعلى الجبل الواحد قصبتها المشهورة بالحصانة، وفي الجبل الثاني ربضها، والسور يحيط بالمدينة وبالربض؛ ولها أبواب عدة؛ والمدينة كبيرة كثيرة الخيرات، وفيها ألف فندقٍ إلا ثلاثين فندقاً؛ وكان الروم ملكوها فغيروا محاسنها وسبوا أهلها وخربوا ديارها.
стр. 188
حصن المنار
بالأندلس، قريب من مدينة لكه، وهو منتهى الركن الثالث من أركان الأندلس، التي هي حدودها؛ وهو على ضفة البحر المحيط من الغرب والجوف، وتتصل به الكنيسة المعظمة عندهم المسماة عندهم بشنت يا قوب. وهذا الموضع ضيق ما بين البحرين في حدود الأندلس، وعرضه من البحر إلى البحر ثمانون ميلاً.
مندوجر
بالأندلس، وبينه وبين المرية مرحلة، وهو حصن على تل ترابٍ أحمر، والمنزل في القرية، ويباع بها للمسافرين الخبز والسمك وجميع الفواكه.
منرقة
هي جزيرة تقابل برشلونة، بينهما مجرى، وبينها وبين سرذانية أربعة مجارٍ؛ وهي إحدى جزيرتي ميورقة، وهما منرقة هذه ويابسة. وما زالت في يد المسلمين تحت هدنة الطاغية البرشلونى ومصالحته بعد أن جرى على ميورقة ما جرى؛ وكان عامل ابن يحيى صاحب ميورقة الممتحن بعذاب البرشلونى بعد استيلائه على ميورقة حتى مات رحمه الله تعالى مقيماً بجزيرة منرقة هذه؛ وهو سعيد بن حكم، وقد ضبطها وقام عليها أحسن قيام، وهادن الأعداء؛ وطالت مدته في ذلك وحسنت سيرته إلى أن مات، فقصدها العدو واغتنم فرصتها واستولى عليها.
стр. 189
المنكب
بالأندلس، مرسى المنكب صيفي يكن بشرقيه، وله نهر يريق في البحر، وعليه حصن كبير لا يرام، به ربض وسوق وجامع، وفيه آثار للأول كثيرة وكانت لهم فيه مياه مجلوبة وآبار فيسقى بهتا إلى اليوم؛ وبقرب الحصن من ناحية الشمال ديماس عظيم، مبنى من حجارةٍ، مربع الأسفل محدد الأعلى، ارتفاعه نحو مائة ذراع، في رأسه منفس للماء المجلوب إليه، وقد نحت في عرض جهة الديماس الجنوبية من أعلاه إلى أسفله، فصب الماء حتى وصل إلى الأرض فدل أن الماء كان مجلوباً من موضعٍ هو أرفع من هذا الصنم.
وبهذا المرسى خرج الإمام عبد الرحمن بن معاوية عند دخوله الأندلس، وذلك في ربيع الأول من سنة ١٣٨، ويتلو مرسى المنكب مدينة حسنة متوسطة كثيرة مصايد السمك، وبها فواكه جمة.
قال بعض أهل الأخبار ما هو كالتفسير لما قدمناه: في وسط المنكب بناء مربع كالصنم، أسفله واسع، وأعلاه ضيق، وبه حفيران من جانبيه، متصلان من أسفله إلى أعلاه، وبإزائه من الناحية في الأرض حوض كبير يأتى إليه الماء من نحو ميلٍ على ظهر قناطر كثيرةٍ معقودةٍ من الحجر الصلد، ينصب ماؤها في ذلك الحوض؛ ويذكر أهل المعرفة من أهل المنكب أن ذلك الماء كان يصعد به إلى أعلى المنار، وينزل إلى الناحية الأخرى، فيجرى هناك إلى رحى صغيرةٍ كانت، وبقي أثرها الآن، على جبلٍ مطلٍ على البحر، ولا يعلم ما المراد بذلك، ومن المنكب إلى غرناطة أربعون ميلاً.
стр. 190
منية نصر
قرية بالأندلس قريبة من قرطبة، موفية على النهر، وهي في شرقيها، وتعرف بأرحاء الحناء؛ وهي مدينة فسيحة ذات مبانٍ رفيعةٍ، والذي ابتنى منية نصر الإمام عبد الله بن محمد، وفي ذلك يقول عبيد الله بن يحيى من قصيدةٍ له طويل:
لعل زماني يستجد بوصلها ... يجدد عهد الملك في منية النصر
فكم صدفت عنها الخطوب وأحرزت ... جنان المصلى دون صاقلة الفجر
جفاها البلا إذ وصل الملك ربعها ... وتم بها قصر يضاهي سنى البدر
قريب المدى رحب المحل تحفه ... رياض ونهر تحت عقرته يجرى
والركن الشرقي مما يلي القبلة من هذه المنية يعرف بالركين، وهو على النهر وفيه ثمرات زيتون؛ وبين النهر وبين الركين موضع يثوب به النبيذيون، وينتجعه الظرفاء فلا يكاد يخلو منهم، يمكثون في ظله ويعدمون في غيره لا شتهاره وبرده؛ وفي ذلك يقول محمد بن شخيص على لسان ابن الحمالة إذ كان غائباً في القسطنطينية في شعرٍ له طويل كامل:
أقر السلام على الركين وقل له ... مذ غبت لم أرتح لظل نسيم
سقياً لظلك بالعشى وبالضحى ... ولبرد مائك في اجترام سموم
لوكنت أملك منع مائك لم يقم ... في ظل
نقل في هذه الأبيات معنى شعر ابن المعتز وكثيراً من لفظه وهو:
أقرأ على الوشل السلام وقل له ... كل المشارب مذهجرت ذميم
стр. 191
مورور
كورة مورور متصلة بأحواز قرمونة من جزيرة الأندلس، وهي في الغرب والجوف من كورة شذونة، وأحوازها متصلة بأحوازها، وهي من قرطبة بين القبلة والمغرب؛ وقاعدة قلب مورور ودار الولاة بها، وكانت جباية كورة مورور أيام الحكم بن هشام بن عبد الرحمن إحدى وعشرين ألف دينار.
ميورقة
هي جزيرة في البحر الزقاقى تسامتها من القبلة بجاية من بر العدوة، بينهما ثلاثة مجارٍ، ومن الجوف برشلونة من بلاد أرغون، وبينهما مجرى واحد، ومن الشرق إحدى جزيرتيها منرقة، وبينهما مجرى في البحر طوله أربعون ميلاً؛ وشرقي ميورقة هذه سرذانية بينهما في البحر مجريان، وغربيها جزيرتها يابسة بينهما مجرى في البحر طوله سبعون ميلاً، وميورقة أم هاتين الجزيرتين، وهما بنتاها، وإليها مع الأيام خراجهما؛ وطول ميورقة من الغرب إلى الشرق سبعون ميلاً، وعرضها من القبلة إلى الجوف خمسون ميلاً.
فتحها المسلمون سنة ٢٩٠ إلى أن تغلب عليها العدو البرشلونى وخربها سنة ٥٠٨، وهي المرة الأولى، ودخل المدينة فلم يجد سوى العيال والأطفال والشيخ الفاني، فلحسابهم أحالوا السيف عليهم، فلما قضى وطره من الجزيرة أسرع بالرجوع إلى بلاده، ثم اختلفت عليها ولاة ابن تاشفين، ثم وليها محمد بن علي بن غانية المسوفى، وهو أول ولاة بني غانية، ثم تعاقبوا على ولايتها إلى أن كان آخرهم عبد الله بن إسحق،
стр. 192
فوجه إليه الملك الناصر محمد بن يعقوب المنصور بن يوسف بن عبد المؤمن بن علي، فاجتمعا بدانية، فعرض كل واحدٍ منهما من أسند إليه، فكان الفريقان ألفى فارسٍ ومائتى فارس، والرماة سبعمائة، والرجالة خمسة عشر ألفاً، غير غزاة القطع؛ وكان الأسطول ثلاثمائة جفن، منها سبعون غراباً، وثلاثون طريدة، وخمسون مركباً كباراً، وسائرها قوارب منوعة؛ وأما العدد والسلاح والمجانيق والسلالم والمساحى الفؤوس والمعاول والرقائق والحبال فشئ لا يأخذه عدد، وكذلك الدروع والسيوف والرماح والبيضات والأتراس والدرق والقسى وصناديق النشاب وجملة وافرة من الطعام؛ فصلوا الجمعية بيابسة، وأقلعوا غدوة السبت الرابع والعشرين من ذي الحجة مكمل سنة ٥٩٩؛ فأتو ميورقة ونزلوا، وتقرب العسكر من المدينة، ودار الأسطول بالمرسى مع السيد أبي العلى.
وخرج إليهم عبد الله بجموعه، وفنشبوا في القتال، ودافعوا كل الدفاع، وآخر ذلك انهزم ثم صرع فقتل، وغلق باب المدينة فأحاطت بها الرماة وغزاة البحر، فتغلبوا عليها فدخلت ونهبت ولم يسلم إلا قصبتها؛ ودخل السيد أبو العلي وأبو سعيد البلد ورأس عبد الله معهما على قناةٍ بيد رجلٍ غزى كان قطعه، فيها الناس عن النهب وأمرا بضرب عنق رجلٍ فعل ذلك وخالف النهى، وطيف برأسه وأمنا الناس، ونودي بالأمن في الأزقة والقصبة، فخرج الناس وأمنوا، وكتبا إلى الملك الناصر بالفتح.
وكان السبب في التوجيه إلى ميورقة أن المنصور يعقوب كان وجه إلى صاحب ميورقة على بن إسحق بن محمد بن غانية يستدعي بيعته، فأنف من ذلك وأساء الرد
стр. 193
واحتال على الرسل حتى اعتقلهم وأودعهم في السجون، ثم تحرك من ميورقة على المذكور إلى بجاية، فاحتال حتى استولى عليها وملكها، ولما تم له ذلك أتى الجزائر فدخلها، ثم مليانه ومازونة، ثم دخل أشير عنوةً ثم أتى القلعة فملكها؛ وبعد ثلاث من دخولها كانت له في العرب الحطمة المشهورة، وبث في هذه البلاد عمالاً وحكاماً ثم قصد قسطينة فسار إليها وحاصرها أشهراً فلم يفلح؛ وهنا بلغه أن عسكراً برياً، وأسطولاً بحرياً هاتئذٍ أيتاه من المغرب، ووصل الأسطول والعسكر إلى بجاية، فأخرج نائبه منها، وهو أخوه يحيى، فتوجه إلى أخيه على وهو على قسنطينة وخلى للقوم بلدهم، ثم توجها معاً نحو القبلة، ومرا بالقلعة فاستأصلاها، ثم سار علي إلى قفصة فأخذها، ثم توزر، ومع ذلك جاء عسكر المغرب فيه المنصور يعقوب، فجهز إليه عسكراً، فالتقوا بوطاء عمرة؛ فكانت الوقيعة المشهورة والهزيمة العظيمة على عسكر المنصور بعد الإثخان الكثير في أصحابه وتبددوا في الصحراء.
وكان أول خروج ابن غانية من ميورقة لذلك في سنة ٥٨٠، وهي السنة التي مات فيها صاحب مراكش والمغزب يوسف بن عبد المؤمن، ثم بقى على بن إسحق وأخوه يحيى يهيمان في تلك الجهات؛ ولما بلغ المنصور خبر وقيعة عمرة وما جرى فيها على عسكره، امتعض من ذلك واستبد برأيه، فتوجه بنفسه حتى نزل على قفصة فحاصرها حصاراً عظيماً، إلى أن نزلوا على حكمه، فحكم فيهم بالسيف، وأثر فيهم الأثر الشنيع، وهدم سورها.
ولابن مجبر في ذكر ذلك قصيدة مليحة جداً. منها بسيط:
ما غبر قفصة إلا أنها اجترمت ... فلم يكن عند أهل الحلم تثريب
стр. 194
ما بالها زار ... حوزتها ... فلم يكن عندها أهل وترحيب
وقد ذكرنا ذلك في حرف العين عند ذكر عمرة؛ وبعد ذلك كله مات على بعد أن تفرق جمعه، قيل سهم أصابه وهو على توزر سنة ٥٨٥؛ وتمادت ميورقة على امتناعها إلى إن توفي المنصور في شهر ربيع الأول سنة ٥٩٥؛ وولى ابنه الملك الناصر فوجه إليها الجيوش وحكم عليها كما قلناه. ثم لم تزل ولاة الملك الناصر تتخلف على ميورقة إلى أن كانت المصيبة العظمى والحادث الشنيع بهزيمة العقاب عليه سنة ٦٠٩؛ ثم إن الطاغية البرشلونى تحرك إلى ميورقة عازماً عليها، فنزل عليها أسطوله في شوال سنة ٦٢٦، فأراها من القتال وشدة الحصار وأنواع المحن ما لم يجر مثله في زمان، وحكم عليها عنوةً بعد طول الحصار والقتل والسبى، ثم أخذ واليها ابن يحيى فعذبه أشد العذاب حتى مات، واستولى الشرك على الجزيرة في عام ٦٢٧.
ميرتلة
مدينة بالأندلس شرقي مدينة باجة، بينهما أربعون ميلاً، وهي على وادي آنة، وبمقربة من شاطئ البحر مرسى هاشم، وهو حصن أولى فيه آثار قديمة، وبه كنيسة عظيمة بنيت في أيام قسليان قيصر الذي بنيت في أيامه كنيسة طليطلة المعروفة بكنيسة الملك، وقيصر هذا أول من نسج في ثيابه وفرشه الذهب، وهو الرابع والثلاثون من القياصرة.
стр. 195
حرف الواو
وادي آش
مدينة بالأندلس قريبة من غرناطة، كبيرة خطيرة تطرد حولها المياه والأنهار، ينحط نهرها من جبل شلير وهو في شرقيها وهي على ضفته، ولها عليه أرحاء لاصقة بسورها، وهي كثيرة التوت والأعناب وأصناف الثمار والزيتون، والقطن بها كثير، وكان بها حمامات، ولها بابان شرقي على النهر وغربي على خندق، وقصبتها مشرفة عليها، وعليها سور حجارةٍ، وهي في ركنها الذي بين المغرب والقبلة.
وبقرب وادي آش قرية بها عين تجرى سبعة أعوامٍ وتغور سبعة أعوامٍ، قالوا: وهذا معروف على قديم الزمان، تسكن بجريان عينها وتخلو بغورها.
منها عبد البر بن فرسان الواد يآشى المتصل بعلى بن غانية الميورقى، ثم استوزره بعده أخوه يحيى الطويل الفتنة بإفريقية وجهاتها، فكان صاحب رياسة السيف والقلم، وإليه تنسب الأبيات المشهورة طويل:
أجبنا ورمحى ناصرى وحسامى ... وعجزاً وعزمى قائدي وزمامى
ولي منك بطاش اليدين غضنفر ... يضارب عن أشباله ويحامى
ألا غنيانى بالصهيل فإنه ... سماعى ورقراق الدماء مدامى
وحطا على الرمضاء رحلى فإنها ... مهادى وخفاق البنود خيامى
стр. 196
وأكثر شعره فيما يكتنى به طول مدة الميورقى من الحروب، كقوله " طويل ":
أديروا مداماً للدماء فإنني ... بها أنتشي طيباً وبالنوح أطرب
معيشة ليث ليس يأوى لراحة ... يخال إذا ما جدت الحرب يلعب
ذكره ابن سعيد وابن بجير، ومات بفزان سنة٦٢٢.
وادي الحجارة
وهي مدينة تعرف بمدينة الفرج بالأندلس، وهي بين الجوف والشرق من قرطبة وبينها وبين طليطلة خمسة وستون ميلاً.
وهي مدينة حسنة كثيرة الأرزاق، جامعة لأشتات المنافع والغلات، ولها أسوار حصينة، ومياه معينة؛ وبغربيها نهر صغير، لها عليه بساتين وجنات وكروم وزراعات، وبها من غلة الزعفران الشئ الكثير، بتجهز به منه ويحمل إلى سائر البلاد، وبينها وبين مدينة سالم خمسون ميلاً.
وادي لكه
موضع من أرض الجزيرة الخضراء من ساحل الأندلس القبلى، فيه التقى طارق ابن زياد مولى ابن نصير وجموعه الداخلون الأندلس، مع لذريق طاغية الأندلس آخر ملوك القوط، الذين عدة ملوكهم بالأندلس ستة وثلاثون ملكاً؛ وكانت مدة ملكهم ثلاثمائة سنة واثنتين وأربعين سنة. ولم يكن لذريق هذا من أبناء الملوك ولا صحيح النسب في القوط، إنما اغتصب الملك وتسور عليه عند موت الملك الذي كان قبله،
стр. 197
واستصغر أولاده، واستمال طائفة من الرجال مالوا معه فانتزع الملك من أولاده، وكانت الوقيعة سنة ٩٢ من الهجرة، فانهزم القوط أعظم هزيمة، وقتل لذريق، وغلبت العرب على الأندلس.
عين والغر
بالأندلس بمقربة من جيان، وعين والغر هذه كثيرة تجرى سبعة أيامٍ متواليةٍ وتغيض سبعة أيام كذلك دائماً.
والمو
بالأندلس إقليم من أقاليم قونكة وهو على نهر شقر، وبإقليم والمو قرية، فيها غريبة، وذلك عين راكدة قد علاها الطحلب، فإذا فاجأها إنسان وصاح عليها بشدة صياحه درت بالماء، وغلي إلى البرام على النار، وينقطع طحلبها بشدة غليان الماء ثم يعود إلى حاله.
وبذة
مدينة بالأندلس وهي حصن على وادٍ بقرب أقليش، وعلى وادي وبدة قرية يقال لها بنتيج أهلها، ويسقم علة الحصى.
وشقة
مدينة بالأندلس لها سوران من حجر، بينها وبين سرقسطة خمسون ميلاً، ووشقة مدينة حسنة.
стр. 198
لها أسواق عامرة وصنائع قائمة، وأحوازها تتصل بأحواز بربطانية، ووشقة بشرقي مدينة تطيلة وهي مدينة كبيرة أولية قديمة، رائعة البنيان، قد أتقن سورها أتم إتقان، وبها ونهر يشق مدينتها ويجري في حمامين من حماماتها، ويسقي بفضل مائه بساتين، وهي كريمة التربة، ويحيط بها من جهاتها جنات معروشة وحدائق من الثمار ملتفة. وهي مخصوصة بطيب الكمثرى والزعرور.
وحاصر المسلمون مدينة وشقة منذ فتح الأندلس حصاراً طويلاً، حتى بنوا عليها المساكن، وغرسوا الغروس، وحرثوا لمعايشهم، واتصل ذلك من فعلهم سبعة أعوام والنصارى في القصبة القديمة محصورون، فلما طال عليهم الحصار استأمنوا لأنفسهم وذراريهم، فمن دخل في الإسلام ملك نفسه وماله وحرمته، ومن أقام على النصرانية أدى الجزية، فليس بوشقة من أهلها المتأصلين رجل ينتهي إلى أصلٍ صحيحٍ من العرب.
وشكة
مدينة بثغر سرقسطة، منها أبو عبد الله محمد بن أحمد الوشكى، سكن مرسية، وعاشر صفوان صاحب زاد المسافر وبينهما مراسلات، ومن شعره " رمل ":
لست أهوى الجد إلا ... مثل ماء دون طحلب
والذي يلقاه يهوى ... ذاك كالهائم يطلب
سريع:
إن عضك الدهر بأنيابه ... فاصبر عسى ينزع من عضه
ودار من تبصره مبغضاً ... فربما يضجر من بغضه
стр. 199
وقش
قرية بثغر الأندلس، ينسب إليها أبو الوليد هشام بن أحمد بن هشام بن خالد الكناني الوقشى من أهل طليطلة، ولي قضاء طلبيرة، وعني بالهندسة والمنطق، مليح النادرة؛ ذكر أنه اختصم إليه رجلان فقال أحدهما: يا فقيه اشتريت من هذا اثنى عشر تيساً حاشاك! فقال له: قل أحد عشر! توفي بدانية سنة٤٨٩.
وقعة الحمار
موضع من عمل إشبيلية كانت وقعة للمسلمين على النصارى وذلك في سنة ٦١٠، اتفق صاحب قشتالة وصاحب بلاد الجوف أن يخرجا بعسكرهما على بلاد الإسلام التي لا دافع عنها بجزيرة الأندلس بعد وقيعة العقاب، فأما صاحب بلاد الجوف فجاء في الشمال إلى عمل إشبيلية فاصطلم كل ما مر عليه إلى أن انتهى إلى مرج الحمار، فخرج إليه أبو زكرياء أبي حفص بن عبد المؤمن صاحب إشبيلية بعسكر الأندلس الوافر الذين لم تلحقهم معرة العقاب في السنة الماضية، فوعدهم ومناهم وأثار حفائظهم، وزحف بهم إلى العدو، فأعطاه الله نعل النصر؛ فيقال إنه قتل منهم نيفاً على عشرة آلاف، وامتلأت أيديهم مما كان في عسكرهم. وكانت وقعة تحدث بها زماناً، وما زال أهل إشبيلية يعتزون بما اتفق فيها، فيخرجون متى هم عدو بجهاتهم، فيرجعون إلى أنخس حالةٍ، وأكثرهم أسير أو قتيل.
стр. 200
حرف الياء
يابرة
مدينة من كور باجة بالأندلس، وهي قديمة، وتنتهي أحواز باجة فيما حواليها مائة ميلٍ، وينسب إليها ابن عبدون اليابرى الشاعر، وفي قصيدة عيسى بن الوكيل المشهورة التي مدح بها علي بن القاسم بن محمد بن عشرة قاضي سلا، التي أولها طويل:
سل البرق إذ يلتاح من جانب البرقا ... أقرطى سليمى أم فؤادي حكى خفقا
ولم سيلت تلك الغمامة دمعها ... أريعت لو شك البين أم ذاقت العشقا
يقول فيها:
غريب بأرض الغرب فرق قلبه ... فآوت سلا فرقاً ويابرة فرقا
إذا ما بكى أو ناح لم يلق مسعداً ... على شجوه إلا الغمائم والورقا
ومنها في المدح:
يحاء يغض الطرف إلا عن العلى ... وعرض كماء المزن في الحزن بل أنقا
وفضل نمير الماء قد خضر الربا ... وعدل منير النجم قد نور الأفقا
بلغنا بنعماك الأماني كلها ... فما بقيت أمنية غير إن تبقا
وسبب مدحه له بهذه القصيدة أنه كان مستعملاً بغرناطة في الدولة اللمتونية، فحكى أنه انكسر عليه مال جليل يبلغ عشرة آلاف دينارٍ، فقبض عليه، وأشخص منكوباً إلى مراكش، فلما بلغ الموكلون به مدينة سلا، وبها يومئذٍ بنو القاسم المعروفون ببنى عشرة، رباب السماح، وأرباب الأمداح، قال هذه القصيدة
стр. 201
يمدح القاضي أبا الحسن منهم، ويستجير به، وسأل إيصالها إليه، فبادر عند الوقوف عليها إلى المخاطبة بتضمن المال وتحمله، وسؤال الصفح عنه والإبقاء عليه بإعادته على عمله، فصار جوابه الإسعاف والإسعاد، وعاد ابن الوكيل إلى غرناطة.
يابسة
جزيرة تلى جزيرة ميورقة، ويقال لهذه الجزيرة ولمنورقة بالنون، بنتا جزيرة ميورقة.
وهي جزيرة حسنة كثيرة الكروم والأعناب، وبها مدينة حسنة صغيرة متحضرة، وأقرب برٍ إليها مدينة دانية، بينهما مجرى والمجرى مائة ميلٍ، وفي شرقي يابسة جزيرة ميورقة بينهما مجرى.
وبجزيرة يابسة عشرة مراسٍ، وبها أنهار جارية، وقرى كثيرة، وعمائر متصلة، وأرضها ينبت الصنوبر الجيد العود للإنشاء وعدة المراكب، وبها ملاحة لا ينفد ملحها، ويتصل بها في القبلة جزيرتان، بينهما وبينها مجازات تسمى الأبواب.
يبورة
مدينة بالأندلس بينها وبين مدينة القصرين مرحلتان.
ينشتة
حصن من حصون الأندلس، على نحو مرحلتين من جنجالة التي تعمل فيها البسط.
стр. 202
وإليها ينسب أبو العباس الينشتى صاحب سبتة، كان قيامه فيها سنتة ٦٣٠، ويلقب بالموفق وكان أمره بها مستقيماً براً وبحراً، يخاف ويمدح ويقصد ويخاطبه الملوك من البلاد إلى أن غتر ب " ... " بن مسعود الكومى من جهة الزهد واطراح الدنيا، فكان إذا ورد سبتة يكرمه " ويغزله " والسماع ويتبرك به، ويستريح إليه، وهو في أثناء ذلك يعلم القلوب المائلة إليه، والقلوب المتغيرة عليه، ويتأمل الأماكن التي يدخل منها إلى إفساد دولته وإعادتها إلى بني عبد المؤمن، حتى اطلع من ذلك على المطلب، وظفر بالغرض، ولم يشعره الينشتى المغتر بزهده حتى نثر عليه سلكه، وابتز منه ملكه؛ فصبحه بمثل راغية البكر، وجاء مع جيش من قبل الملك الرشيد عبد الواحد، فخرج جنده القليل ورجاله وعامة أهل سبتة فحمل عليهم الجيش حملةً فقد فيها من السبتيين نحو ستمائة، وتخاذل الباقون فهلك عليه الأهل والولد ما وثب عليه الينشتى، وكان له ولدان فاختفى الأكبر محمد فكان خلوصه إلى البحر، ثم حبسه بجاية، ثم وصوله بالإسكندرية ولحوقه باليمن وموت أبيه فيقال إن وباء جارفاً كان بحضرة مراكش أهلك الجميع من الغرباء؛ وقيل إنه والولد هلكا بشربة لبن؛ واستمرت بسبتة دولة الرشيد عبد الواحد إلى آخر أيامه.
وكان أبو العباس هذا سلك الأدباء وهو يقول وقد رآه على فرسٍ عتيقٍ وعليه ثياب ملوكية وتكنفته الرجال بالرماح وبجانبيه الحجاب: ذا العار بن العابر يريد أن يحكى بني عبد المؤمن! فمازال العار من
стр. 203
لا يحكى بني عبد المؤمن؟ ثم خلى سبيله فلم يصبح المراكشى إلا في طريق مراكش.
وكان من جهةٍ أخرى في نهايةٍ من الغيرة على الملك، بلغه أن طلحة بن الشرقي من أقارب بني عبد المؤمن قد قال: لو كان في سبته رجل ما ملكها هذا! وأشار إليه فأحضره وقال: زعمت ألا بسبتة رجل؟ وأنا أكذبك! احملوه وغرقوه في اللجة! فحمل في زورقٍ وغرق.
انتهى
ما تضمنه كتاب الروض المعطار من صفة الجزيرة الأندلسية وذكر كورها وثغورها ومدنها وأقاليمها، والبلاد النصرانية المصاقبة لها وما اشتهر بها من العجائب والآثار، والوقائع والأخبار.