← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 1344

صفة جزيرة الأندلس

الحميري، ابن عبد المنعم

Полный текст (203 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

وإخراجه من مجلسه الحشود الأندلسية غضباً عليهم، ومخادعة النضارى لباقي الأجناد باشتهار الصلح والعمل على ضده، حتى خالطوهم على غفلة، فأخذ المسلمون في فرارٍ ما سمع بمثله، وكان ذلك في العقاب بين بجيان وقلعة رباح، في منتصف صفر من سنة٦٠٩ كما ذكرناه، وكانت شنيعةً؛ وفر الناصر لا يلوى على شئ حتى وصله إشبيلية، وتبعهم العدو حتى حال بينهم الليل، وأخذوا خباء الساقة، وماتت تحتهم الخيل، فمشى ودافع بكل طريق سلكوه، ومنهاج وردوه، وأتى القتل على خلقٍ كثيرٍ من المسلمين، وقتل فيها من الأعيان والطلبة جملة، منهم على بن الغانى الميورقى وابن عاتٍ الفقيه وغيرهما؛ وكان فرس الملك الناصر بادناً فلم يطق الحركة، فنزل له بعض العرب عن فرسه وقال له: اركبه فهو خير لك من هذا! وكان أمر أبا بكر بن عبدب الله بن أبي حفص بالوقوف تحت الراية، وحملت الروم فقصدت الراية ظنا منها أن الناصر عندها، فوضعت السيف فيمن واجهها، فقتلت خلقاً، وقتل أبو بكر هذا، وانهزم الناس، واستولى العدو على جميع المحلة وأكثر مضاربها. ثم استولى الروم بعد ذلك على مدينتي بسطة وباغو، وما جاورهما من القرى والحصون، وقتلوا الرجال وسبوا الذرية، وكانت هذه الوقيعة أول وهنٍ دخل على الموحدين. فلم تقم بعد ذلك لأهل المغرب قائمة؛ ولما انتهى الناصر إلى إشبيلية آنس البلاد بخطاب كتبه إليهم بزخرفه الكاذب، ثم جاز البحر إلى مراكش فتوفى في قصره من مراكش سنة٦١٠؛ قيل عضه كلب وقيل غير ذلك.

стр. 142

حرف الغين غافق بالأندلس بقرب حصن بطروش. وهو حصن حصين، ومعقل جليل، في أهله نجدة وحزم، وجلادة وعزم؛ وكثيراً ما تسرى إليهم سرايا الروم، فيستنقذون منهم غنائمهم، ويخرجونهم من أرضهم، والروم تعلم بأسهم وبسالتهم فيجتنبونهم.

стр. 143

حرف الفاء فحص البلوط الترجمة في حرف الباء بالأندلس من ناحية قرطبة، منه القاضي أبو الحكم منذر بن سعيد البلوطي. كان متفنناً في ضروب من العلوم، وكانت له رحلة لقى فيها جماعةً من العلماء في الفقه واللغة، وكان كثير المناقب والخصال الحميدة غير مدافع، مع ثبات الجنان وجهارة الصوت وحسن الترتيل؛ وله تفسير على الكتاب العزيز. ومما جرى له مع عبد الرحمن الناصر أمير المؤمنين أنه بنى قبةً واتخذ قراميد القبة من فضة، وبعضها مغشى بالذهب. وجعل سقفها نوعين صفراء فاقعة، وبيضاء ناصعة؛ يستلب الأبصار شعاعها؛ فجلس فيها إثر تمامها لأهل مملكته، وقال لقرابته ووزرائه مفتخراً عليهم: أرأيتم أم سمعتم ملكاً كان قبلى صنع مثل ما صنعت؟ فقالوا: لا والله يا أمير المؤمنين، وإنك لأوحد في شأنك! فبينما هم على ذلك، إذ دخل منذر بن سعيد واجماً ناكساً رأسه؛ فلما أخذ مجلسه قال له ما قال لقرابته، فأقبلت دموع القاضي تنحدر على لحيته وقال له: والله! يا أمير المؤمنين! ما ظننت أن الشيطان لعنه الله يبلغ منك هذا المبلغ، ولا أن تمكنه من قيادك هذا التمكين، مع ما آتاك الله تعالى وفضلك به على المسلمين، حتى ينزلك منازل الكافرين! فاقشعر عبد الرحمن من قوله، وقال له: انظر ما تقول! كيف أنزلني منازلهم؟ قال: نعم! أليس الله تعالى

стр. 144

يقول: " ولولا أن يكون الناس أمةً واحدةً لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفاً من فضةٍ ومعارج عليهم يظهرون الآيات. فوجم الخليفة عبد الرحمن ونكس رأسه ملياً، ودموعه تنحدر على لحيته خشوعاً وتذمما لما جرى، ثم أقبل على منذر بن سعيدٍ، وقال له: جزاك الله عنا وعن الدين خيراً، وكثر في الناس أمثالك! فالذي قلت، والله! والله هو الحق! وقام من مجلسه ذلك يستغفر الله تعالى، وأمر بنقض سقف القبة، وأعاده قرمداً على صفةٍ غيرها. ومن أخباره أن الناصر لدين الله أمره بالخروج للاستقاء، فخرج واجتمع له الناس في مصلى الربض بقرطبة، بارزين إلى الله تعالى، في جمع عظيمٍ، ثم قام منذر بن سعيدٍ باكياً، خاشعاً لله تعالى، فخطب فقال: سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوءاً بجهالةٍ ثم تاب من بعده واصلح فأنه غفور رحيم! ثم قال: " استغفروا ربكم إنه كان غفاراً "، قال: فضج الناس بالبكاء، وارتفعت أصواتهم بالاستغفار، والتضرع إلى الله تعالى بالسؤال، فما تم النهار حتى أرسل الله السماء بماءٍ منهمرٍ. وكان ﵀، على متانة دينه، وجزالته في أحكامه، حسن الخلق، كثير الدعابة، ربما ارتاب بباطنه من لا يعرفه، حتى إذا رام أن يصيب من دينه ثار به ثورة الليث العادي، قيل له: إن قوماً من جيران أحد المتحاكمين من أهل ربض الرصافة، قد تألبوا معه على خصمه، وأعانوه بشهادةٍ مدخولةٍ، وهم غادرون بها عليك! وكان كثيراً

стр. 145

ما تأتيه عيونه بمثل ذلك، فغدوا عليه بمجلس نظره، وكانت أسماء جميعهم متفقةً في الوزن على مثال فعلون، فأخذوا مواضعهم، وقام الذين يشهدون له؛ فلما رأى القاضي أسماءهم قال رافعاً صوته: يا ابن صيفون، ويا ابن زيدون، ويا ابن سحنون، من الربض الملعون، ألقوا ما أنتم ملقون! فلما سمعوا قوله لاذوا عن الشهادة، وخرجوا متسللين؛ فكفى شأنهم. وكان نظاراً لا يقنع بالتقليد؛ ومن قوله في استقصار هذه الفرقة طويل: عذيرى من قومٍ إذا ما سألتهم ... دليلاً يقولوا هكذا قال مالك فإن زدت قالوا قال سحنون مثله ... وقد كان لا تخفى عليه المسالك فإن قتلت قال الله ضجوا وأعولوا ... على وقالوا أنت خصم مماحك ونوادره كثيره. الترجمة في حرف الفاء بالأندلس، بينه وبين قرطبة مرحلتان أو ثلاث، ومن هذا الفحص جبل البرانس وفيه معدن الزئبق، ومن هناك يحمل إلى الآفاق؛ وبهذا الجبل الزيتون المتناهى في الجودة؛ وبموضع بقرب من معدن الزئبق جبل يعرف بجبل المعز، في شعراء هنالك حجر يسمى حجر العابد، في وسطه قلة، وهي حفرة على قدر الصحفة بمقدار ما يدخل الإنسان فيها يديه، ويملؤهما من ماء هناك، فيشرب أو يصنع به ما احتاج إليه، فيأتي إيه البقر الكثير فيكفيهم، ويرجع إلى حجه لا يغيض ولا يغور؛ وذكر من رآه أنه جاءه في نيفٍ وثلاثين رجلاً أو نحو ذلك، وهذا معروف هناك.

стр. 146

وبهذا الفحص بلاد وأسواق. وجباية هذا الفحص في عهد الأمير محمد ألفان اثنان، ويتصل بأحواز فحص البلوط أحواز فريش ، وتنتظم قراها بقراها. وإلى فحص البلوط أحواز فريش، وتنتظم قراها بقراها. وإلى فحص البلوط ينسب الفقيه القاضي أبو الحكم منذر بن سعيد البلوطى، وقد مر ذكره في حرف الباء. فرنجولش بالأندلس بقرب حصن المدور. وهي مدينة جليلة، كثيرة الكروم والأشجار، ولها على مقربة منها معادن الذهب والفضة بموضع يعرف بالمرج. فريش موضع بالأندلس، بين الجوف والغرب من قرطبة، فيها معدن رخام، والغالب بها أشجار القسطل، وبها معدن حديدٍ؛ ويتصل بأحواز فريش أحواز فحص البلوط، وبينها وبين قرطبة مرحلتان، وبها قرية تعرف بقسطنطينة، كانت مدينةً عظيمةً أوليةً، وفيها آثار الكنائس، ويقال إنها بنيت في أيام قسطنطين ملك الروم؛ وبينها وبين قرطبة أربعون ميلاً. فنيانة قرية بقرب وادي آش من الأندلس، جامعة خطيرة، كثيرة الكروم والتوت

стр. 147

والبساتين وضروب الثمار، وكان بها طرز الديباج، والمياه تطرد في جميع جناتها، وأهلها عجم، ذوو يسار. الفهمين مدينة بالأندلس، بالقرب من طليطلة. وكانت مدينةً متحضرةً، حسنة الأسواق والمباني، وفيها منبر ومسجد جامع، وخطبة قائمة، وملكها الروم لما ملكوا طليطلة.

стр. 148

حرف القاف قادس جزيرة بالأندلس عند طالقة من مدن إشبيلية، وطول جزيرة قادس من القبلة إلى الجوف اثنا عشر ميلاً، وعرضها في أوسع المواضع ميل، وبها مزارع كثيرة الريع، وأكثر مواشيها المعز، وشعراؤها صنوبر ورتم؛ فإذا رعت معزهم خروب ذلك المكان عند عقدها، واسكر لبنها، وليس يكون ذلك في ألبان الضان. وقال صاحب الفلاحة النبطية: بجزيرة قادس نبات رتم إذا رعته المعز أسكر لبنها إسكاراً عظيماً؛ وأهلها يحققون هذه الخاصية. وفي طرف الجزيرة الثاني حصن خرب أولى، بين الآثار، وبه الكنيسة المعروفة بشنت بيطر، وشجر المثنان كثير بهذه الجزيرة، وبها شجيرة تشبه فسيل النخل، لها صمغ إذا خلط بالزجاج صمغه، وصار حجراً تتخذ منه الفصوص، وبها آثار للأول كثيرة. ومن أعجب الآثار بها الصنم المنسوب إلى هذه الجزيرة، بناه أركليش، وهو هرقلس، أصله من الروم الإغريقيين، وكان من قواد الروم وكبرائهم على زمن موسى ﵇؛ وقيل إنه أول معدودٍ لملوك اليونانيين، وملك أكثر الأرض، فحارب أهل المشرق وافتتح مدنهم، إلى أن وصل إلى الهند، وانصرف صادراً مفتتحاً لبلاد أولاد يافت، إلى أن انتهى إلى الأندلس؛ فلما بلغ البحر المحيط الغربي، سأل عما

стр. 149

وراءه فقيل إنه لا يجاوز إلا بر الأندلس فعمد إلى جزيرة قادس، فبنى بها مجدلاً عالياً منيفاً، وجعل صورة نفسه مفرغةً من نحاسٍ في أعلى المنارة، وقد قابلت المغرب، كرجلٍ متوشح برداً من منكبيه إلى أنصاف ساقيه، وقد ضم عليه وشاحه، وفي يده اليمنى مفتاح من حديد، وهو مادها نحو المغرب، وفي اليسرى صحيفة من رصاصٍ منقوشة، فيها ذكر خبره، ومعنى الذي بيده أنه افتتح ما وراءه من البلدان والمدن. والصنم في وسط الجزيرة، وبينه وبين الحصن المذكور ستة أميال، والصنم مربع، ذرع أسفله من كل جانبٍ أربعون ذراعاً، وارتفع على قدر هذا الذرع ثم ضاق، وارتفع على قدر ذلك الذرع الثاني، ثم ضاق، وارتفع على قدر ذلك الذرع الثالث، ثم خرط البنيان من ابتداء الطبقة الرابعة، إلى أن صارت قدما الصورة على صخرةٍ واحدةٍ، قدر تربيعها في رأي العين أربع أذرع، قد تقدمت رجله اليمنى، وتأخرت اليسرى كالماشى؛ وارتفاع الصنم من الأرض إلى رأس الصورة مائة وأربع وعشرون ذراعاً، لطول الصورة من ذلك ثماني أذرع، وقيل ست؛ وقيل إن هذا الذرع بالذراع الكبير الذي هو ثلاثة أشبارٍ ونصف، وقد خرج من بين رجليه عمود نحاسٍ أو ذهبٍ صاعداً حتى علا فوق رأسه نحو ذراعين في رأي العين. وكان يقول أهل العلم بالحدثان في سالف الأزمان: يوشك أن يقع من يد هذه الصورة أحد المفتاحين، فتكون بذلك يده تحرك الفتن بالأندلس، ثم يقع الآخر بعد فيكون حينئذٍ خراب الأندلس. فذكر جماعة أهل قادس أن أحد المفتاحين سقط سنة٤٠٠، وهو في صورة المفتاح، فحمل إلى صاحب مدينة سبتة، فأمر به فوزن،

стр. 150

فكانت زنته ثمانية أرطال، وقيل إن الصنمو بنى لتأريخ ألفين وأربعمائة وإحدى وخمسين من وقت الطوفان، وقيل لتأريخ ألفين وأربعمائة وإحدى وخمسين من وقت آدم ﵇؛ والذي لا يشك فيه أنه بنى على عهد موسى ﵇. وقال موسى بن شخيص يعنى هذا الصنم طويل: ورجراجة الأرداف موارة الخطا ... تهادى وليست من حسان الأوانس إلى أن ترى الشخص الملعلع موفياً ... على الصنم الموفى على بحر قادس ولما نزلنا تحته قال صاحبى ... أعاجيب رومٍ أم أعاجيب فارس فقلنا له خفض سؤالك والتمس ... نجاتك من مرسى البحار الكوائس وكانوا يتحدثون أن المتوسطة من البحر الغربي، الذي كان يسمونه ببلايه، لم تسلك قط إلى وقت سقوط ذلك المفتاح حتى سقط المفتاح؛ فمن حينئذٍ سلك الناس في البحر إلى سلا وإلى السوس وإلى غيرهما، وكان هذا مستفيضاً عندهم. وذكر بعض المؤلفين لغرائب الحدثان، أن صنم قادس موضوع على بلاد الأندلس، فجعل رأسه لطليطلة، وصدره لقرطبة، وكذلك أعضاؤه، قسمها عضواً عضواً على بلاد الأندلس، فمتى أصاب عضواً من هذه الأعضاء آفة حلت بذلك القطر الذي من قسيمته آفة. وفي بعض التصانيف: إذا هدم صنم قادس استولى النصارى على بلاد الأندلس؛ فنظروا فإذا الوقت الذي هدمه أبو الحسن على بن عيسى بن ميمون فيه دخل النصارى قرطبة وملكوها. قال المخبر: وكانت إشبيلية تحت الذمة لأن مرقيش النصارى

стр. 151

المعروف بالسليطين، لما استحوذ عليها أقر أبا زكرياء يحيى بن علي بن تايشا على ما كان بأيدي الملثمين منها ومن غيرها، وكان حكم السليطين فافذاً فيها؛ ولقد وقع سنة ٥٤٠ تنازع بين رجلين من المرابطين في إنزال جنان بقرية من قرى إشبيلية؛ فادعاه أحدهما بإنزال ابن غانية له فيه، وأتى بظهيرٍ؛ وادعاه الآخر بظهير السليطين؛ وحكم بينهما وإلى إشبيلية تحت نظر يحيى بن علي؛ وكان هذا الملثم قد كتب له به السليطين بطليطلة حين سفر إليه رسولاً عن يحيى بن على. وكان هدم على بن عيسى لهذا الصنم لأنه خيل إليه أنه على كنوزٍ ضخمةٍ، وأن داخله محشو تبراً، فدعا له الرجال والبناة وأخذوا في قطع حجرٍ منه، وكلما قطعوا حجراً ادعموا مكانه بدعامةٍ من خشب، حتى وقف ذلك الجرم العظيم على الدعائم؛ ثم رموا إلى الخشب النار، بعد ما ملأوا الخلل الذي بين الخشب حطباً، فسقط جميعة وكانت له وهلة عظيمة، واستخرج الرصاص المعقود بالحجارة، والنحاس الذي كان منه الصنم، وكان مذهباً؛ وبدت في يديه من مطلبه الخيبة. وكان يقال إن الذي يهدم صنم قادس يموت مقتولاً؛ وكذلك كان. ويزعم أهل جزيرة قادس أنهم لن يزالوا يسمعون أن الراكب في هذا البحر إن ألج فيه وغاب عنه صنم قادس، بدا له صنم ثانٍ مثله، فإذا وصلوا إليه وجاوزوه حتى يغيب عليه، بدا له صنم ثالث، فإذا تجاوزوا سبعة أصنامٍ صاروا في بلاد الهند؛ وهذا مستفيض عندهم، معروف جارٍ على ألسنتهم، لم يزل يأخذه آخرهم عن أولهم. قالوا: ولما أحكم أركليش هذه الآثار عمد إلى بلاد البربر؛ فعمد إلى مدينة سبتة من الزقاق الخارج من

стр. 152

البحر المحيط، ولم يزل يفتتح مدينةً بعد مدينةٍ حتى انتهى إلى لوبيا وتراقيا؛ فوجد هناك ألماً وأوجاعاً في بدنه، فلما اشتد ذلك به أجج ناراً وألقى نفسه فيها، واحترق؛ وكان غرضه أن يحرق الأوجاع التي في بدنه، فدل هذا من فعله على أنه كان من عبدة النيران. وتفرقت جموعه، واتخذه المجوس وثناً يعبدونه. قبتور قرية من قرى إشبيلية؛ وفي سنة ٦٢٣ وصلت شياطى الروم الغربيين نهر إشبيلية، فأسروا الناس، وحرقوا القوارب، ثم وصلوا إلى قبتور هذه، وغلبوا أهلها، ودخلوا عليهم عنوةً، ففر منهم من فر، وأخذوا جملةً منهم ومن نسائهم، واستبيح جميع ما كان في الديار من الآلات والمتاع. قبرة مدينة بالأندلس، بينها وبين قرطبة ثلاثون ميلاً، ذات مياهٍ سائحةٍ من عيونٍ شتى، منها العين التي عليها؛ والنهر الذي هناك مخرجه من ناحية جبل شيبة، عليه أرحاء كثيرة؛ وهذا الجبل شامخ ينبت ضروب النواوير وأصناف الأزاهر، وأجناس الأفاويه والعقاقير، وتدوم غضاره نواره، وتتصل بهجة نبته باعتدال هوائه وكثرة أندائه، فيقطف النرجس فيه بأعضان من الورد؛ وللمسجد الجامع بقبرة ثلاث بلاطات، ولها سوق جامعة يوم الخميس، وتحسن بها ضروب الغراسات، وأنواع الثمرات؛ وهي مخصوصة بكثرة الزيتون.

стр. 153

وعلى مقربة من مدينة قبرة، والمغارة المعروفة بالعروب، لا يدرك قعرها، ولا يسبر غورها، وهي باب من أبواب الرياح، ويعرفونها ببئر الريح، وكان بعض خلفاء بني أمية قد أمر عامل قبرة بردم تلك المغارة، وأن يحشد لذلك أهل الناحية، ويشرف عليه بنفسه، ففعل، واعتمل الناس من ذلك مدةً؛ وكان مما ردموها به التبن والحشيش، إلى أن استوى الردم، وجلس العامل على فم الغار ليخاطب الأمير بذلك، فرجف المكان، وانهال الردم، ونجا العامل ولم يكد ينجو، بقيت المغارة لا يدرك لها قعر كما كانت قبل الردم، ولم يعلم أين ذهب جميع ما قذف فيها؛ إلا أنه رئى من ذلك التبن في بعض ينابيع المياه بذلك الجبل. وفي هذه المغارة قذف جماعة من الصقالبة المأسورين، في هزيمة كانت، أحياء. القبطيل بالأندلس، هو مفرغ وادي طرطوشة في البحر، ويعرف أيضاً بالعسكر، لأنه موضع عسكر به المجوس واحتفروا حوله خندقاً أثره باقٍ إلى الآن. قرباكة بالباء بالأندلس أيضاً، من إقليم مولة، وهي قرية بها عين ماءٍ تولد الحصى بطبعها، وإذا طال مكثه في الإناء من النحاس أو غيره، تحجر بجنباته حتى تتضاعف زنة الإناء؛ وعين ماء أخرى تفتت الحصى بطبعها.

стр. 154

قربليان بالأندلس، بينها وبين أوريولة عشرون ميلاً، وهي كثيرة الزيتون، وبها سقى كثير. قرطاجنة هذا الأسم في ثلاثة مواضع: أحدها بالأندلس عند جبل طارق، وهي مدينة للأول غير مسكونة، وبها آثار كثيرة، وتعرف بقرطاجنة الجزيرة، وبمرساها نهر يريق في البحر يعرف بوادي البحر؛ والثانية: قرطاجنة الخلفاء بالأندلس أيضاً من كورة تدمير. وهي فرضة مدينة مرسية، وهي مدينة قديمة أزلية، لها مينا ترسو فيها المراكب الكبار والصغار، وهي كثيرة الخصب والرخاء المتتابع، ولها إقليم يسمى الفندون، وقليلاً ما يوجد مثله في طيب الأرض وعذوبة الماء. ويحكى أن السنبل يحصد فيه عن مطرةٍ واحدةٍ، وإليه المنتهى في الجودة. ومن مدينة قرطاجنة إلى مرسية في البر أربعون ميلاً. وبقرطاجنة هذه، هزم عبد العزيز بن موسى بن نصير تدمير عبدوس، الذي سميت به تدمير؛ هزمه وأصحابه، ووضع المسلمون فيهم السيف، يقتلونهم كيف

стр. 155

شاءوا، حتى نجا تدمير في شرذمةٍ من قلال أصحابه إلى حصن أوريولة، وكان مجرباً بصيراً ذاهيبة؛ فلما رأى قلة أصحابه، أمر النساء فنشرن شعورهن، وأمسكن القصب بأيديهن فيمن بقى من الرجال، وقصد بنفسه كهيئة الرسول واستأمن، فأمن، وانعقد الصلح له ولأهل بلده، وفتحت تدمير صلحا؛ فلا نفذ أمره عرفهم بنفسه وأدخلهم المدينة، فلم يروا بها إلا نفراً يسيراً من الرجال، فندم المسلمون على ما كان منهم؛ وكان ما انعقد من صلح تدمير مع عبد العزيز على إتاوةٍ يؤديها، وجزيةٍ عن يدٍ يعطيها، وذلك على سبع مدائن: منها أوريولة، ولقنت، وبلانة، وغيرها. وتأريخ فتحها سنة٩٤. ومن الغرائب ما حكى أن ديراً بقرطاجنة الخلفاء، كان على مقربة منها، بني لا مرأةٍ شهيدةٍ ولها قدر عندهم، وعلى القبر قبة، في أعلاها كوة، لا يعلو تلك القبة طائر، فإن علاها اجتذبته قوة من تلك الكوة، فسقط في القبة. وقد أخبر رجل بهذه القصة وهو يتصيد بقرطاجنة فأنكر ذلك، واعتمد دفع جوارح وصيده على القبة، فتساقطت داخلها. وكان لتلك القبة مشهد عظيم في يوم من العام، يجتمع إليه الدانى والقاصى من نصارى تلك النواحي، وذلك في الرابع والشعرين من أعشت؛ فلما كانت سنة ٤١٤، قصده جماعة من نصارى بلاد إفرنجة في مركبٍ جرى إلى تلك القبة، فاستخرجوا منها الشهيدة وحملوها؛ فلما وصلوا بها إلى جزيرة صقلية بذل لهم نصاراها مالاً عريضاً ليتركوا المرأة عندهم فيقبروها في كنائسهم، فأبوا عليهم؛ ووصلوا بها إلى بلادهم.

стр. 156

قرطبة قاعدة الأندلس، أم مدائنها ومستقر خلافة الأمويين بها، وآثارهم بها ظاهرة، وفضائل قرطبة ومناقب خلفائها أشهر من أن تذكر؛ وهم أعلام البلاد، وأعيان الناس؛ اشتهروا بصحة المذهب، وطيب المكسب، وحسن الزى، وعلو الهمة، وجميل الأخلاق؛ وكان فيها أعلام العلماء، وسادة الفضلاء؛ وتجارها مياسير، وأحوالهم واسعة؛ وهي في ذاتها مدن خمس يتلو بعضها بعضاً، وبين المدينة والمدينة سور حاجز؛ وفي كل مدينة ما يكفيها من الأسواق والفنادق والحمامات وسائر الصناعات؛ وطولها من غربيها إلى شرقيها ثلاثة أميال، وعرضها من باب القنطرة إلى باب اليهود ميل واحد. وهي في سفح جبل مطلٍ عليها، يسمى جبل العروس، ومدينتها الوسطى هي التي فيها باب القنطرة. وفيها المسجد الجامع المشهور أمره، الشائع ذكره؛ من أجل مصانع الدنيا كبر مساحةٍ، وأحكام صنعةٍ، وجمال هيئةٍ، وإتقان بنيةٍ؛ تهمم به الخلفاء المروانيون، فزادوا فيه زيادةً بعد زيادة، وتتميماً إثر تتميم، حتى بلغ الغاية في الإتقان، فصار يحار فيه الطرف، ويعجز عن حسنه الوصف؛ فليس في مساجد المسلمين مثله تنميقاً وطولاً وعرضاً؛ طوله مائة باع، وعرضه ثمانون باعاً، ونصفه مسقف، ونصفه صحن بلا سقف؛ وعدد قسى مسقفه تسع عشرة قوساً، وسوارى مسقفه بين أعمدته وسوارى قببه صغاراً وكباراً مع سوارى القبلة الكبرى وما يليها ألف ساريةٍ؛ وفيه مائة وثلاث

стр. 157

عشرة ثريا للوقيد، أكبرها واحدة منها تحمل ألف مصباح، وأقلها تحمل انثى عشر مصباحاً، وجميع خشبه من عيدان الصنوبر والطرطوشى، ارتفاع حد الجائزة منه شبر وافر، وفي عرض شبرٍ إلا ثلاثة أصابع، في طول كل جائزة منها سبع وثلاثون شبراً؛ وبين الجائزة والجائزة غلظ جائزة؛ وفي سقفه من ضروب الصنائع والنقوش مالا يشبه بعضها بعضاً، قد أحكم تزيينها، وأبدع تلوينها؛ بأنواع الحمرة والبياض والزرقة والخضرة والتكحيل، فهي تروق العين وتستميل النفوس، بإتقان ترسيمها ومختلفات ألوانها. وسعة كل بلاطٍ من بلاط سقفه ثلاثة وثلاثون شبراً؛ وبين العمود والعمود خمسة عشر شبراً؛ ولكل عمود منها رأس رخامٍ وقاعدة رخامٍ ولهذا الجامع قبلة يعجز الواصفون عن وصفها وفيها إتقان يبهر العقول تنميقها، وفيها من الفسفساء المذهب والملون ما بعث به صاحب القسطنطينة العظمى إلى عبد الرحمن الناصر لدين الله؛ وعلى وجه المحراب سبع قسىٍ قائمة على عمد، طول كل قوس أنيف من قامة، وكل هذه القصى موجهة صنعة القوط، قد أعجزت المسلمين والروم بغريب أعمالها، ودقيق صنعها؛ وعلى أعلى الكل كتابان منحوتان بين بحرين من الفسيفساء المذهب في أرض الزجاج اللازوردى، وعلى وجه المحراب أنواع كثيرة من التزيين والنقوش، وفي جهتي المحراب أربعة أعمدة: اثنان أخضران واثنان زرزوريان لا تقوم بمال، وعلى رأس المحراب خصة رخام قطعة واحدة مشبوكة منصعة بأبدع التنميق من الذهب واللازورد وسائر الألوان، واستدارت على المحراب حظيرة خشبٍ، بها من أنواع النقش كل

стр. 158

غريبة، ومع يمين المحراب المنبر الذي ليس بمعمور الأرض مثله صنعةً، خشبه آبنوس وبقس وعود المجمر، يقلل إنه صنع في سبع سنين، وكان صناعة ستة رجال غير من يخدمهم تصرفاً؛ وعن شمال المحراب بيت فيه عدد وطشوت ذهبٍ وفضةٍ وحسك، وكلها لو قيد الشمع في كل ليلة سبع وعشرين من رمضان؛ وفي هذا المخزن مصحف يرفعه رجلان لثقله، فيه أربع أوراق من مصحف عثمان بن عفان " رضه " الذي خطه بيمينه، وفيه نقطة من دمه؛ ويخرج هذا المصحف في صبيحة كل يومٍ، يتولى إخراجه قوم من قومه المسجد وللمصحف غشاء بديع الصنعة، منقوش بأعزب ما يكون من النقش، وله كرسي يوضع عليه، ويتولى الإمام قراءة نصف حزب فيه، ثم يرفع إلى موضعه. وعن يمين المحراب والمنبر باب يفضى إلى القصر بين حائطى الجامع في ساباط متصل، وفي هذا الساباط ثمانية أبواب: منها أربعة تنغلق من جهة القصر، وأربعة تنغلق من جهة الجامع؛ ولهذا الجامع عشرون باباً مصفحةً بصفائح النحاس وكواكب النحاس؛ وفي كل باب منها حلقتان في نهاية الإتقان، وعلى وجه كل باب منها في الحائط ضروب من الفص المتخذ من الآجر الأحمر المحكوك، أنواع شتى وأصناف مختلفة من الصناعات والتنميق: وللجامع في الجهة الشمالية الصومعة الغريبة الصنعة، الجلية الأعمال، الرائقة الشكل والمثال؛ ارتفاعها في الهواء مائة ذراع بالذراع الرشاشى، منها ثمانون ذراعاً إلى الموضع الذي يقف فيه المؤذن، ومن هناك إلى أعلاها عشرون ذراعاً؛ ويصعد إلى أعلى هذا المنار بمدرجين، أحدهما من الجانب الغربي والثاني من الشرقي؛ إذا افترق الصاعدان أسفل الصومعة لم يجتمعا إلا إذا وصلا الأعلى. ووجه هذه الصومعة مبطن

стр. 159

بالكذان، منقوش من وجه الأرض إلى أعلى الصومعة بصنعةٍ تحتوي على أنواع من التزويق والكتابة. وبالأوجه الأربعة الدائرة من الصومعة صفان من قسىٍ دائرةٍ على عمد الرخام، وبيت له أربعة أبواب معلقة يبيت فيه كل ليلة مؤذنان. وعلى أعلى القبه التي على البيت ثلاث تفاحات ذهباً، واثنان من فضة، وأوراق سوسنية؛ تسع الكبيرة من هذه التفاحات ستين رطلاً من الزيت، ويخدم الجامع كله ستون رجلاً، وعليهم قائم ينظر في أمورهم. فهذا ما حكاه محمد بن محمد بن إدريس. وقرطبة على نهرٍ عظيم، عليه قنطرة عظيمة من أجل البنيان قرارا، وأعظمه خطرا؛ وهي من الجامع في قبلته وبالقرب منه فانتظم به الشكل. قالوا: وبأمر عمر بن عبد العزيز قام على نهر قرطبة الجسر الأعظم الذي لا يعرف في الدنيا مثله، وحول الأندلس من عمل إفريقية، وجرد لها عاملاً من قبله، ووقعت المغانم فيها عن أمره. وذكر أن تفسير قرطبة بلسان القوط قرظبة بالظاء المعجمة، ومعنى ذلك بلسانهم القلوب المختلفة وقيل إن معنى قرظبة آخر فاسكنها. ودور مدينة قرطبة في كمالها ثلاثون ألف ذراع؛ ولها من الأبواب باب القنطرة، وهو بقبليها، ومنه يعبر النهر على القنطرة، والباب الجديد وهو شرقيها، وباب عامر وهو بين الغرب والجوف منها وغيرها، وقصر مدينة قرطبة بغربيها متصل بسورها القبلي والغربي؛ وجامعها بإزاء القصر من جهة الشرق، وقد وصل بينهما بساباط يسلك الناس تحته من المحجة العظمى التي بين الجامع والقصر إلى باب القنطرة، وكان طول مسقف

стр. 160

البلاطات من المسجد الجامع، وذلك من القبلة إلى الجوف قبل الزيادة، مائتين وخمسا وعشرين ذرعاً، والعرض من الشرق إلى الغرب قبل الزيادة مائة ذراع وخمس أذرع، ثم مازاد الحكم في طوله في القبلة مائة ذراع وخمس أذرع، فكمل الطول ثلاثمائة ذراع وثلاثين ذراعاً؛ وزاد محمد بن أبي عامر بأمر هشام بن الحكم في عرضه من جهة المشرق ثمانين ذراعاً، فتم العرض بمائتين وثلاثين ذراعاً. وكان عدد بلاطاته أحد عشر بلاطاً، عرض أوسطها ستة عشر ذراعاً، وعرض كل واحدٍ من اللذين يليانه شرقاً واللذين يليانه غرباً أربعة عشر ذراعاً؛ وعرض كل واحدٍ من الستة الباقية إحدى عشر ذراعاً؛ وزاد محمد بن أبي عامر فيه ثماني بلاطات، عرض كل واحدٍ عشر أذرع. وطول الصحن من المشرق إلى المغرب مائة وثمانٍ وعشرون ذراعاً، وعرضه من القبلة إلى الجوف مائة واحدة وخمس أذرع؛ وعرض السقائف المستديرة بصحنه عشرة أذرع؛ فتكسيره ثلاثة وثلاثون ألف ذراع ومائة وخمسون ذراعاً. وعدد أبوابه تسعة: ثلاثة في صحنه غرباً وشرقاً وجوفاً، وأربعة في بلاطات: اثنان غربيان واثنان شرقيان، وفي مقاصير النساء من السقائف بابان. وجميع ما فيه من الأعمدة ألف عمود ومائتا عمود وثلاثة وتسعون عموداً، رخام كلها. وقباب مقصورة الجامع مذهبة، وكذلك جدار المحراب وما يليه قد أجرى فيه الذهب على الفسيفساء، وثريات المقصورة فضة محضة؛ وارتفاع الصومعة اليوم وهي من بناء عبد الرحمن بن محمد، ثلاث وسبعون ذراعاً إلى أعلى القبة المفتتحة التي يستدير بها المؤذنون، وفي رأس هذه القبة تفاح ذهبٍ وفضةٍ، وارتفاعها إلى مكان الأذان أربع وخمسون ذراعاً، وطول كل حائطٍ من حياطانها على الأرض ثماني عشرة أذرع، وعدد المساجد بقرطبة على ما أحصى وضبط أربعمائة وإحدى وتسعون مسجداً.

стр. 161

وأحواز قرطبة تنتهي في المغرب إلى أحواز إشبيلية، وتأخذ في الجوف ستين ميلاً، ويختلط أحوازها في الشرق بأحواز جيان. وعلى الجملة فقد كانت أم البلاد وواسطة عقد الأندلس، وحوت من الأكابر من أهل الدنيا والآخرة، من الملوك والعلماء والصالحين والمفتين وغيرهم خلقاً، ومتعوا فيها ما أراد الله ، وذلك حين كان جدها صاعداً؛ وبعد ذلك طحنتها النوائب، واعتورتها المصائب؛ وتوالت عليها الشدائد والأحداث؛ فلم يبق من أهلها إلا البشر اليسير على كبر اسمها، وضخامة حالها؛ وقنطرتها التي لا نظير لها، وعد أقواسها تسع عشرة قوساً، بين القوس والقوس خمسون شبراً، ولها ستائر من كل جهة تستر القامة، وارتفاعها من موضع المشى إلى وجه الماء، في أيام جفوف الماء وقلته، ثلاثون ذراعاً؛ وتحت القنطرة يعترض الوادي برصيف مصنوع من الأحجار والعمد الجافية من الرخام؛ وعلى السد ثلاث بيوت أرحاء، في كل بيت منها أربعة مطاحن. ومحاسن هذه المدينة وشماختها أكثر من أن يحاط بها خبراً. فلما عثر جدها، وخوى نجمها، وضعف أمر الإسلام، واختلفت بالجزيرة كلمته، تغلب عليها النصارى، وحكموا عليها في أواخر شوال من سنة ٦٣٣. قرمونة مدينة بالأندلس في الشرق من إشبيلية، وبينها وبين إستجة خمسة وأربعون ميلاً، وهي مدينة كبيرة قديمة، وهي باللسان اللطينى كارب موية وهي الكاف والألف والراء والباء المعجمة بواحدة معناه صديقي؛ وهي في سفح جبلٍ عليها سور حجارة

стр. 162

من بنيان الأول كان تثلم في الهدنة، ثم بنى في الفتنة، وجنباتها حصينة ممتنعة على المحاربين إلا من جهة المغرب، وارتفاع سورها هناك أربعون حجراً، وبالذراع ثلاث وأربعون ذراعاً، وفي هذا السور الغربي برج يعرف بالبرج الأجم، عليه ينصب العرادات عند القتال؛ وفي ركن هذا السور أيضاً، مما يلي الجوف، بنيان مرتفع على السور يسمى سمرملة، عليه برج للمحاربين، وتحته مرج نضير لا ينهشم ولا يصوح كلاه، ويتصل بهذا السور خندق عميق جداً أولى، وترابه مستند إلى السور، وفي السور القبلي موضع فيه صخرة عظيمة منيعة منتصبة كالحائط، يحسر عنها الطرف من علوها، والسور مبنى فوقها، وقد بقي منها دونه قدر ممشى الرجل، فيتدلى من هناك الرجال لا شتيار العسل، واصطياد فراخ الطير من صدوع تلك الصخرة؛ وفي هذا السور القبلى باب يعرف بباب يرنى، نسب إلى قرية بإزائه تسمى يرنى، وباب قرطبة شرقية عليه قصبة وأبراج، وباب قلشانة بين الشرق والجوف، ومنه الخروج إلى قرطبة لسهولته؛ وأما باب قرطبة فطريقه وعر ممتنع، وباب إشبيلية غربي، دونه إلى داخل المدينة باب ثانٍ بينهما خمسون ذراعاً؛ وبمدينة قرمونة جامع حسن البناء، فيه سبع بلاطات، على أعمدة رخامٍ وأرجل صخرٍ، وسوقها جامعة يوم الخميس، وبها حمامات ودار صناعة، بنيت بعد سنة المجوس مخزناً للسلاح؛ وبداخل مدينة قرمونة آثار كثيرة للأول، ومقطع حجرٍ، وحواليها مقاطع كثيرة، منها مقطع بجوفيها. وإشبيلية بقرب مدينة قرمونة بينهما عشرون ميلاً. وبقرب قرمونة فحص عريض حمال للزرع فيه قرى كثيرة ذات مياهٍ غزيرةٍ وعيونٍ وآبارٍ. وافتتح عبد الرحمن بن محمد مدينة قرمونة سنة٣٠٥.

стр. 163

قرناطة بالنون مدينة بالأندلس، في ناحية منتزحة عن العمران، وفي جبالٍ شاهقة هناك غار فيه رجل ميت لم تغيره الأزمنة ولا يدرى له أول شأنٍ، ويكف من أعلى الغار ماء في وقبٍ لطيف فلا يفيض ذلك الوقب بدوام الماء، وإن شرب منه العدد الكثير لم ينقص. ويذكر أن بعض المستهزئين أخذ من أكفان ذلك الميت فصعق لفوره. قسطلة دراج قرية في غرب الأندلس، منها أبو عغمر أحمد بن محمد بن دراج القسطلى، ودراج هو الذي تنسب إليه القرية فيقال قسطلة دراج. وكان أبو عمر هذا كاتباً من كتاب الإنشاء في أيام المنصور بن أبي عامر، وهو معدود في جملة العلماء والمقدمين من الشعراء، واختبر واقترح عليه فبرز وسبق. فمن قوله يصف السوسن ويمدح الحاجب المظفر سيف الدولة عبد الملك بن المنصور بن أبي عامر منسرح: إن كان وجه الربيع مبتسما ... فالسوسن المجتلى ثناياه يا حسنه بين ضاحكٍ عبقٍ ... يطيب ريح الحبيب رياه خاف عليه العيون غاشيةً ... فاشتق من حده فسماه وهو إذا مغرم تنسمه ... خلى على الأنف منه سيماه يا حاجباً مذ براه خالفه ... توجه بالعلى وحلاه إذا رآه الزمان مبتهجاً ... فقد رأى كل ما تمناه وإن رآه الهلال مطلعاً ... يقول ربي وربك الله

стр. 164

قشتالة عمل من الأعمال الأندلسية، قاعدته قشتالة سمي العمل بها، وقالوا: ما خلف الجبل المسمى بالشارات في جهة الجنوب يسمى إشبانيا، وما خلف الجبل من جهة الشمال يسمى قشتالة، ولبعضهم كامل: الروم تضرب في البلاد وتغنم ... والعرب تأخذ ما بقي المغرم والمال يورد كله قشتالة ... فالله يلطف بالعباد ويرحم القصر مدينة بالأندلس، بينها وبين شلب أربعة مراحل. وهي مدينة حسنة متوسطة، على ضفة نهر كبير، وهو نهر تصعد فيه السفن السفرية، وفيما استدار بها من أرض كلها شجر الصنوبر، وبها الإنشاء الكثير، وهي خصيبة، كثيرة الألبان والسمن والعسل واللحم، وبين القصر والبحر عشرون ميلاً. قصر أبي دانس بغربي الأندلس، فيه كانت الوقيعة على المسلمين للروم في سنة ٦١٤، وأعانهم أهل الأشبونة وغيرها من مملكة ابن الرنق، فأخذوا في نقب الأرض تحت الحصن،

стр. 165

إلى أن قنطوا وأفضى الناس إلى الهلكة، وبلغ الأمر إلى الولاة الذين في غرب الأندلس وإشبيلية وقرطبة وجيان، فتجهزوا لدفاع العدو، وجاء منهم جيش عظيم لكنهم تخاذلوا على عادتهم، فكانت الهزيمة عليهم وولوا منهزمين، ووقع القتل والأسر، ولم يبرز للمسلمين من الروم إلا نحو سبعين فارساً، ورأى أهل الحصن ذلك فأيقنوا بالتغلب عليهم. قلب هي قاعدة مورور بالأندلس، ودار الولاية بها، وهي مدينة كبيرة، فيها مسجد جامع، وسوق ترده الناس بضروب المتاجر، وهي كثيرة الزيتون والثمار، ولها بطائح سهلة، وجبال شامخة وعرة، منها جبل بقبلتها منيع وعر حصين، وعلى مقربة منه جبل القرود. قلسانة قلشانة بالسين والشين بالأندلس، من كور شذونة، وهي مدينة سهلية على وادي لكه، وهو بقبلتها، وينصب فيه على مقربة منها نهر بوطة، وموقعه في نهر لكه، ولها قصبة مشرفة بغربيها، وتفتح بابها إلى القبلة؛ وفي المدينة جامع حسن البناء، فيه ست بلاطات، بناه الإمام عبد الرحمن بن محمد، وقلشانة متوسطة المدن بكور شذونة، وبها كان قرار العمال والقواد على شذونة، ومدينتها الأولية المذكورة في كتب القياصرة مدينة شذونة التي تعرف في عصرنا بمدينة ابن السليم، وبنو السليم قد انصرفوا

стр. 166

إليها عند خراب مدينة قلشانة وصاروا فيها، وبين قلشانة ومدينة ابن السليم خمسة وعشرون ميلاً، وهي بين الغرب والقبلة من قلشانة، وتعمل في قلشانة ثياب تعرف بالقلشانية مخترعة الصنعة، غريبة العمل. قلعة أيوب بالأندلس بقرب مدينة سالم. وهي مدينة رائقة البقعة، حصينة، شديدة المنعة، كثيرة الأشجار والثمار، كثيرة الخصب، رخيصة الأسعار، وبها يصنع الغضار المذهب، ويتجهز به إلى كل الجهات، وهي قريبة من مدينة دروقة، بينهما ثمانية عشر ميلاً. قلعة رباح بالأندلس أيضاً من عمل جيان، وهي بين قرطبة وطليطلة، وهي مدينة حسنة، ولها حصون حصينة على نهرٍ، وهي مدينة محدثة في أيام بني أمية، وإنما عمرت قلعة رباح بخراب أوريط، وبقرب قلعة رباح حامض إذا مخض في سقاء حلا. وفي سنة ٢٤١ أمر الإمام محمد بتحصين مدينة قلعة رباح والزيادة في مبانيها، ونقل الناس إليها وإلى مدينة طلبيرة، ثم ملكها النصارى ولم تزل في أيديهم إلى عام وقيعة الأرك، فخلت قبل الوصول إليها وكان بقاؤها في أيديهم إحدى وخمسين سنة وعشرة أشهر؛ فأمر المنصور يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن بتطهير جامعها، وصلى فيها، وقدم على قوادها يوسف بن قادس.

стр. 167

قلمرية " بالميم "، بالأندلس من بلاد برتقال، بينها وبين قورية أربعة أيام. وهي على جبل مستدير، وعليها سور حصين، ولها ثلاثة أبواب، وهي في نهاية من الحصانة. وهي صغيرة متحضرة عامرة كثيرة الكروم والتفاح والقراسيا؛ ومكانها في رأس جبل ترابٍ، لا يمكن قتالها، وهي على نهر عليه أرحاء، وبين قلمرية وشنترين ثلاث مراحل، وبينها وبين البحر اثنا عشر ميلاً. قنطرة السيف بالأندلس وهو حصن بينه وبين ماردة يومان وهو حصن منيع على نهر القنطرة، وأهلها متحصنون فيه، ولا يقدر لهم أحد على شيء، والقنطرة لا يأخذها القتال إلا من بابها فقط، والقنطرة هذه قنطرة عظيمة على قوسٍ من عمل الأول، في أعلاها سيف معلق لم تغيره الأزمنة ولا يدري ما تأويله. قورية بالأندلس، قريبة من ماردة، وبينها وبين قنطرة السيف مرحلتان، ولها سور منيع، وهي أولية البناء، واسعة الفناء، من أحصن المعاقل، وأحسن المنازل، ولها بوادٍ شريفة خصيبة، وضياع طيبة، وأصناف من الفواكه كثيرة، وأكثرها العنب والتين.

стр. 168

قيجاطة مدينة بالأندلس من عمل جيان؛ كان عبد الله المعروف بالبياسى من بني عبد المؤمن، لما نازعه العادل ونزل عليه في بياسة، فلم يقدر عليه، ورجع عنه خائباً، استدعى البياسى النصارى، فسلم لها بياسة، وأخرج منها المسلمين، وسار مع الفنش ليدخل معاقل الإسلام باسمه، فدخل قيجاطة هذه بالسيف، وقتل العدو فيها خلقاً، وأسر آخرين، وكان حديثها شنيعاً تنفر منه الأسماع والقلوب. ثم سار إلى لوشة من عمل غرناطة، فقاتل أهلها وقاتلوه، وأسمعوه ما غاظه، فسلط عليهم النصارى، ففتكوا فيهم أشد الفتك، ثم سار إلى بيغو من عمل غرناطة فدخلها بعد شدة، وذلك مذكور في حرف الباء، وكان ذلك سنة٦٢٢. قيشاطة حصن بالأندلس كالمدينة، بينه وبين شوذر اثنا عشر ميلاً؛ وفي قيساطة أسواق وربض عامر وحمام وفنادق، وعليها جبل، يقطع به من الخشب الذي تخرط القصاع والأطباق وغير ذلك مما يعم بلاد الأندلس وأكثر بلاد المغرب، وهذا الجبل يتصل ببسطة، وبين جيان وهذا الحصن مرحلتان.

стр. 169

حرف الكاف حصن الكرس بالأندلس من عمل جيان، كان الفنش نزل عليه مدة، وفيه القائد أبو جعفر بن فرج، فارس مشهور بالشجاعة، فرأى منه ضبطاً وصبراً وحسن دفاع؛ وكان عند الفنش مهندس من المسلمين المعاهدين بطليطلة، فصنع له برجاً عظيماً من خشب ارتفع به على سور الحصن، فلما أكمل المهندس عمله، بعث إلى ابن فرج في الباطن: إني صنعت هذا البرج اضطراراً لحفظ دمي، وصون من ورائي من الأهل، فاحتل في إحراقه، لئلا تكون ذنوب المسلمين في عنقي وعنقك، إن تركته وأنت قادر عليه بأنواع الحيل؛ وقد طليته بدهانٍ خفيٍ يقبل النار بسرعةٍ، فاعرف كيف تكون في الكتم والإبقاء على! فاختار ابن فرج من أنجاد الرجال جماعةً، ونهض بهم، وبأيديهم القطران والكتان والينران، ودفع تحت الظلام بهم نحو البرج، فأحرقه حتى صار رماداً، ومات من كان فيه ومن حامى عنه، ورجع سالماً. فاغتم الفنش وقال: هذا كان رجاؤنا في فتح الحصن، وقد طالت عليه إقامتنا، ولم يبق إلا أن نعلم قدر ما بقي فيه من الطعام والماء لنبنى أمرنا على حقيقةٍ في ذلك؛ فانتدب لهذا الشأن نصرانى ماكر أشقر أزرق أنحس، تقضى الفراسة بأنه جامع للشر، فأظهر أنه أسلم وأنه هرب من الوباء والغلاء

стр. 170

الواقعين في معسكرهم، فقبله المسلمون وخالطهم حتى اطلع على أنه لم يبق عندهم غير زبيب يقتسمونه بالعدد، وماء يتوزعونه بالقسط؛ فسار ونزل من السور ليلاً إلى أهل ملته، فأعلمهم بحقيقة الأمر؛ فوجه الفنش إلى ابن فرج: إنا قد اطلعنا على خبيئاتكم، ولم يبق إلا أن تسلموا الحصن، وتستريحوا من التعب، المفضى إلى الطب، أو تصبروا قليلاً حتى نظفر بكم رغماً، فنقتل جميعكم! فاشترط عليه ابن فرج أن يقيم لأهل الحصن سوقاً حتى يبيعوا مالا يقدر على حمله، وأن يدفع لهم دواب يحملون عليها أشياءهم إلى جيان فأوفى لهم بذلك. ولما خرج ابن فرج تعجب الفنش من طوله وعظم خلقته، وأنكر عليه كونه سلم عليه بالإشارة ولم يقبل يده، وتكلم معه الترجمان في ذلك فقال: لو كنت أخدمه أكان يجوز أن أقبل يد خصمه؟ فذكر ذلك للفنش فقال: لا يجوز! وضحك الفنش وقال: مثل هذا ينبغي أن تكون الرجال! وأحسن إليه وأعطاه فرسه وسلاحه وقال له: يعجبني أن يكون مثلك عند مثلي. قال: وشغل الله تعالى الفنش مدةً طويلةً بهذا الحصن عن بلاد الإسلام، وكان الناس يرون ذلك في صفيحة ابن فرج، وكان ذلك في سنة٦٢٠.

стр. 171

حرف اللام لاردة في ثغر الأندلس الشرقي، وهي مدينة قديمة ابتنيت على نهرٍ يخرج من أرض جليقية، يعرف بشيقر، وهو النهر الذي تلقط منه شذرات الذهب الخالص، وهي بشرقي مدينة وشقة. وكانت مدينة لاردة قد خربت وأقفرت، فجدد بنيانها إسماعيل ابن موسى بن لب بن قسى سنة٢٧٠. وحصنها منيع، فلا يرام بقتالٍ، ولا يطمع فيه بطول حصار؛ وبأعلاه مسجد جامع متقن البناء، بنى سنة ٢٨٨. والحصن مشرف على فحصٍ عريضٍ بفحص مشكيجان " بتفخيم الجيم "؛ ومدينة لاردة خصيبة على الجدوب، ولها بساتين كثيرة، وفواكه غزيرة، وهي مخصوصة بكثرة الكتان وطيبه، ومنها يتجهز بالكتان إلى جميع نواحي الثغور؛ وفحص مشكيجان كثيرة الضياع والمزارع والمراعي، ولا تخلو ضيعة منها أن يكون بها برج أو سرداب يمتنع فيه العامرون بها من العدو؛ وأهل الثغور في عملها يخرجون الأموال من الوصايا والصدقات. لبلة في غرب الأندلس مدينة قديمة بها ثلاث عيون: إحداها عين تهشر وهي أغزرها، والثانية عين تنبعث بالشب، والثالثة عين تنبعث بالزاج، ومن إشبيلية إلى طلياطة مرحلة من عشرين ميلاً، ومن طلياطة إلى لبلة مرحلة مثلها؛ وتعرف لبلة بالحمراء، وفيها آثار للأول كثيرة، وسور لبلة قد عقد على أربعة تماثيل: ضم تسميه العامة

стр. 172

دردب، وعليه صنم آخر، وصنم تسميه العامة مكبح، وعليه صنم آخر؛ ويخيل إلى الناظر أن ذلك البنيان موضوع على أعناقهم، وانفردت بهذه البنية من بين سائر المدن؛ ومن مدنها مدينة جبل العيون. ولبلة مدينة حسنة أزلية متوسطة القدر، ولها سور منيع، ونهرها يأتيها من ناحية الجبل، ويجاز عليه في قنطرة إلى لبلة، وبها أسواق وتجارات، وبينها وبين البحر المحيط ستة أميال. وكور لبلة جامعة لفوائد الكور، كثيرة الزيتون والشجر وضروب الثمار، يكون فيها القرنفل الفاضل، ويجود بها العصفر، وهي سهلية جبلية؛ وكانت جباية كورة لبلة في أيام الأمير الحكم بن هشام خمسة عشر ألفاً وستمائة. لكه مدينة بالأندلس، من كورة شذونة، قديمة، من بنيان قيصر اكتبيان، وآثارها باقية، ولها حمة من أشرف حمات الأندلس. وعلى نهر لكله هذه، التقى لذريق ملك الأندلس في جموعه من العجم، وطارق ابن زيادٍ في من معه من المسلمين، يوم الأحد لليلتين بقيتا من شهر رمضان لسنة ٩٢ من الهجرة؛ فاتصلت الحرب بينهم إلى يوم الاحد لخمس خلون من شوالٍ بعده، ثم هزم الله المشركين، فقتل منهم خلق عظيم، أقامت عظامهم بعد ذلك دهراً طويلاً بتلك الأرض، وحاز المسلمون من عسكرهم ما يجل قدره؛ فكانوا يعرفون كبار العجم

стр. 173

وملوكهم بخواتم الذهب يجدونها في أصابعهم، ويعرفون من دونهم بخواتم الفضة، ويميزون عبيدهم بخواتم النحاس. لماية إقليم لماية من أقاليم كورة ريه بالأندلس، وبهذا الإقليم جبل يتصل بفحص قرطبة، ويعرف واديه بوادي لماية؛ وفي سند هذا الجبل تمثال صورة إنسانٍ بموضع لا يصل إليه إلا من تدلى بالحبال؛ ويذكر أنه لا يزال يسقط من منخر ذلك التمثال الأيمن نقط ماء، وأن العذراء من النساء تختبر به، وذلك بأن تحاذى بيدها التمثال، فإن كانت بكراً قطر الماء في يدها، وإلا لم يوافق يدها، ولو جهدت في ذلك جهدها؛ هذا عند أهل الناحية مستفيض وأخبر به الثقات. لقنت من بلاد الأندلس، وبينها وبين دانية على الساحل سبعون ميلا. وهي مدينة صغيرة عامرة، وبها سوق ومسجد جامع ومنبر، ويتجهز منها بالحلفاء إلى جميع بلاد البحر، وبها فواكه وبقل كثير وتين وأعناب، ولها قصبة منيعة جداً، في أعلى جبلٍ يصعد إليه بمشقةٍ وتعبٍ، وهي على صغرها تنشأ بها المراكب السفرية والحراريق، ومن لقنت إلى ألش في البرمرحلة.

стр. 174

لورقة بالأندلس من بلاد تدمير، إحدى المعاقل السبعة عاهد عليها تدمير، وهي كثيرة الزرع والضرع والخمر. وهي على ظهر جبل، وبها أسواق وربض في أسفل المدينة، وعلى الربض سور، وفي الربض السوق، وبها معدن تربةٍ صفراء، ومعادن مغرةٍ تحمل إلى كثير من الأقطار، وبينها وبين مرسية أربعون ميلاً، وفيها معادن لازورد. ومن أغرب الغرائب الزيتون التي على مقربة من حصن سرنيط، وهو حصن من حصون لورقة البرانية منها، وهي زيتونة في حرمة الجبل، فإذا كان وقت صلاة العصر من اليوم الذي يستقبل أول ليلة من شهر ميه، نورت الزيتونة فلا يجن عليها الليل إلا وقد عقدت، ولا تصبح إلا وقد اسود زيتونها وطاب، قد عرف ذلك الخاصة والعامة ووقفوا عليه. وذكر إبراهيم بن يوسف الطرطوشى أن ملك الروم قال له سنة٣٠٥: إني أريد أن أرسل إلى ملك الأندلس قومساً بهديةٍ، وإن من أعظم حوائجي عنده، وأعظم مطالبي لديه أن القاعة الكريمة الكنيسة التي في الدار التي فيها الزيتونة المباركة، التي تنور وتعقد ليلة الميلاد، وتطعم من نهارها، فبها قبر شهيدٍ له محل عظيم عند الله ؛ فأنا أسأله مداراة أهل تلك الكنيسة، وملاطفتهم، حتى يسمحوا إلى بعظام ذلك الشهيد؛ فإن حصل لي فهو أجل عندي من كل نعمةٍ في الأرض!

стр. 175

وبهذه الناحية موضع معروف، من أراد أن يتخذ فيه جناناً، صرف إلى الموضع العناية بالتدمين والعمارة والسقى من النهر، فتنبت الأرض هناك بطبعها شجر التفاح والكمثرى والتين والرمان وضروب الفواكه، حاشا شجر التوت، من غير غراسةٍ ولا اعتمال. وهذا الموضع يعرف بأشكوني. وتفسير لورقة باللطينى الزرع الخصيب وهذا الاسم وافق معناه، لأنها من المعاقل الخصيبة، وعلى نهرٍ مجراه إلى الشرق من هذا القطر، كما يختبر في أرض مصر، ولهذا النهر هناك مجريان، أحدهما أعلى من الثاني، فإذا احتيج إلى السقى به عولى بالسداد حتى يرقى المجرى الأعلى فيسقى به. وعلى هذا النهر نواعير في مواضع مختلفة، تسقى به البساتين، ويخرج منه الجداول العظيمة، يسقى الجدول عشرة فراسخ وأكثر. وطعام لورقة يبقى مطمراً تحت الأرض عشرين عاماً لا يغير، وكثيراً ما يجاح زروع بالجراد، ويزعم أهلها أنه كان فيها جرادة من ذهب طلسما لدفع مضار الجراد، فسرقت من هناك، فلم يزل الجراد من حينئذٍ ظاهراً عندهم فاشياً. ويزعمون أن البقر كانت لا تفتل عندهم، ولا يقع عندهم فيها الموتان العام لها في بعض الأعوام، حتى وجد في بعض الأساس من مباني الأول ثوران من صخرٍ، أحدهما أمام صاحبه، ينظر إليه، فلما انتزعت من ذلك الموضع وقع الموتان في البقر عندهم ذلك العام. وللورقة الفحص الذي لا يعلم في الأرض مثله، وهو المعروف بالفندون، المتصل بفحص شنقنيرة، ومسافة ذلك خمسة وعشرون ميلاً.

стр. 176

وكان قدم قرطبة أيام الأمير محمد قوم من وجوه المضرية واليمانية بتدمير، فسألوهم عن هذا الفحص فذكروا فضله ونمو ما يزدرع فيه فأكثروا وقالوا: إن الحبة تتفرع من أصلها ثلاثمائة قصبة! فأنكر ذلك بعضهم، فكذبه، فوجهوا رسولاً أمروه بإغراء اليقين، وبحمل أصولٍ من ذلك الزرع فأحضرها، فأحصى في كل أصلٍ ثلاثمائة قصبة وأكثر، في كل قصبة سنبلة. وبقرية تازة، من قرى لورقة، عين تخرج من حجرٍ صلد، تجري في قناةٍ منقورةٍ في الحجر، عمقها أكثر من قامة، نحو ميلين، ثم يتصل الماء بنقبٍ من الحجر الصلد، ومناهد مفتوحةٍ إلى أعلى المنافس للهواء، ثم يفضى إلى بيتٍ في داخل الجبل ظليم مملوء ماء، والجبل كله مغتمد له على أرجلٍ، ومن دخل إليه لا يعلم ما وراء تلك الأرجل. لوشة بالأندلس من أقاليم إلبيرة، بينهما ثلاثون ميلاً، وبها جبل فيه غار يصعد إليه، وعلى فمه شجرة، وهو في حجرٍ صلدٍ، عمقه نحو قامتين، فيه أربعة نفر موتى لا يعلم أول أمرهم ولا وقت موتهم، يذكر الأبناء عن الآباء أنهم ألفوهم هكذا، إلا أن الملوك والولاة لم يزالوا يراعون أمورهم، ويتعهدون تجديد أكفانهم، ولا توضع عليه إلا بعد أن يقطع فيها قطوع كثيرة لئلا يطمع الفسقة فيخلعونها عنهم. وهو غار موحش مظلم مرهب، لا يدخله إلا رابط الجاش جرئ النفس. وكان صاحب بياسة عبد الله المعروف بالبياسى من بني عبد المؤمن، لما ضايقه

стр. 177

العادل في سنة ٦٢٢ استعان بالنصارى وسلم لهم بياسة، فدخل قيجاطة بالسيف، وسار بالعدو إلى لوشة هذه، فقاتلهم أشد قتالٍ، وسقط عليهم عدو الدين، فقتلوا فيهم أشد القتل، ثم سار إلى بيغو من عمل غرناطة، فاحتوى عليها بعد شدة. ليون قاعدة من قواعد قشتالة، عامرة، بها معاملات وتجارات ومكاسب، ولأهلها همة ونفاسة.

стр. 178

حرف الميم مارتلة على نهر بطليوس، بجزيرة الأندلس، منها الزاهد موسى بن عمران المارتلي، اشتهر بإشبيلية بالصلاح، وله شعر مدون منقول، منه " كامل ": أوصيك لا ترد الشها ... دة والإمامة والأمانة تسلم من التجريح وال؟ ... حسد المبرح والخيانة ولما جاز المنصور الموحدى البحر إلى الجهاد عام الأرك، زاره ثم وجه إليه مالاً، فقال للرسول: هو أحوج في ماله! قل له: هذه مائة دينار من حلالٍ خذها لفنقتك في هذه الغزوة، إني أرجو إن لم تطعم إلا الحلال أن تنصر! فيقال إن المنصور قبل منها ما نابه لخاصته في تلك الحركة، فلم يزل يتعرف ببركتها حتى نصره الله تعالى. وتوفي في سنة٥٩١. ماردة مدينة بجوفي قرطبة، منحرفة إلى الغرب قليلاً، وكانت مدينةً ينزلها الملوك الأوائل، فكثرت بها آثارهم والمياه المستجلبة إليها، واتصل ملكهم إلى أن ملك منهم سبعة وعشرون ملكاً؛ ويقال إن ذا القرنين كان منهم، وكان يقال لهذه الأمة الشبونقات، ثم دخلت أمة القوط فغلبوا على الأندلس، فاقتطعوها من صاحب

стр. 179

رومة، واتخذوا طليطلة دار ملكهم وأقروا فيا سرير ملكهم إلى أن دخل عليهم الإسلام؛ وكان آخرهم لذريق، وكان قد أحدق بماردة سوراً عرضه اثنا عشر ذراعاً، وارتفاعه ثماين عشر ذراعاً، وكان على بابها مما يلي الغرب حنايات يكون طولها خمسين ذراعاً، متقنة البناء، عددها ثلاثمائة وستون حنية، وفي وسط قنطرتها برج محنى، يسلك تحته من سلك في القنطرة؛ وتفسيرها باللسان اللطينى مسكن الأشراف. وقيل بل كانت دار مملكةٍ لماردة بنت هرسوس الملك، وبها من البناء آثار ظاهرة تنطق عن ملكٍ وقدرة، وتعرب عن نخوةٍ وعزٍ وتفصح عن غبطةٍ وعبرة؛ لها في قصبتها قصورة خربة، وفيها دار يقال لها دار الطبيخ، وهي في ظهر القصر، وكان الماء يأتي في دار الطبيخ في ساقية، هي الآن باقية الأثر، فتوضع صحاف الذهب والفضة بأنواع الطعام في تلك الساقية على الماء حتى تخرج بين يدي الملكة، فترفع على الموائد، ثم إذا فرغ من أكل ما فيها وضعت في الساقية، فتستدير إلى أن تصل إلى يد الطباخ بدار الطبخ، فيرفعها بعد غسلها، ثم يمر ذلك الماء في سروب القصر؛ ومن أغرب الغرائب جلب الماء الذي كان يأتي إلى القصر على عمدٍ مبنيةٍ تسمى الارجالات، وهي أعداد كثيرة باقية إلى الآن، قائمة على قوائم لم تخل بها الأزمان، ولا غيرتها الدهور، فمنها قصار، ومنها طوال، بحسب الأماكن التي كان فيها البناء، وأطولها يكون غلوة سهمٍ، وهي على خطٍ مستقيمٍ؛ وكان الماء يأتي عليها في قنى مصنوعةٍ خربت وقنيت، وبقيت تلك الارجالات قائمةً، يخيل إلى الناظر إليها أنها من حجرٍ واحدٍ لحكمة إتقانها وتجويد صنعتها؛ وفي الجنوب من سور هذه المدينة قصر آخر صغير، وفي برج منه مكان مرآةٍ كانت الملكة ماردة تنظر إلى وجهها فيه،

стр. 180

ومحيط دوره عشرون شبراً، وكان يدور على حرفه، وكان دورانه قائماً، ومكانه إلى الآن باقٍ؛ ويقال إنما صنعته ماردة لتحاكى به مرآة ذي القرنين التي وضعها في منارة الإسكندرية. وقال هاشم بن عبد العزيز، وقد تذاكروا شرف ماردة وفضل ما فيها من الرخام؛ قال: كنت كلفاً بالرخام، فلما وليت ماردة تتبعته لأنتقل منه كل ما استحسنته، فبينا أطوف في بعض الأيام بالمدينة إذ نظرت إلى لوح رخامٍ في سورها، شديد الصفاء، كثيراً ما يخيل للناظر أنه الجوهر، فأمرت باقتلاعه، فقلع بعد معاناةٍ، فلما أنزل وجد فيه كتاب أعجمي، فجمعت عليه من كان بماردة من النصارى، فزعموا أنه لا يقدر على ترجمته إلا أعجمي ذكروه يعظمونه، فأنفذت فيه رسولاً، فأتيت بشيخ هرمٍ كبير، فلما وضع اللوح بين يديه أجهش بالبكاء، واستعبر مليا، ثم قال لترجمته: براءة لأهل إيلياء من عمل في سورها خمس عشرة ذراعاً، فقد كان في افتتاح الأندلس وجد في كنائس ماردة ما وقع إليها من ذخائر بيت المقدس عند انتهاب بخت نصر لإيلياء، وكان ممن حضره في جنوده إشبان ملك الأندلس، ووقع ذلك وغيره في سهامه. وقصر ماردة بناه عبد الملك بن كليب بن ثعلبة، وهو منيع، طول كل شقة من سوره ثلاثمائة ذراع، وعرض البناء اثنا عشر ذراعاً؛ وقنطرة ماردة عجيبة البنيان، طولها ميل بأبدع ما يكون من البنيان. ومن ماردة إلى بطليوس عشرون ميلاً. مالقة بالأندلس، مدينة على شاطئ البحر، عليها سور صخرٍ والبحر في قبلتها، وهي
следующие страницы →