Полный текст (203 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
ورثاه أيضاً الفقيه الكاتب أبو المطرف أحمد بن عبد الله بن عميرة المخزومي، فقال من قصيدة " متقارب ":
وأعظم ميتٍ فجعنا به ... حليف الندى الماجد الواهب
وذاك سليمان لا غائب ... إذا الأمر جد ولا لا عب
فلله من حقه جانب ... واللصحب من أنسه جانب
فأى امرئٍ صار نحو الردى ... كما صمم الصارم القاضب
وأى مناقب ملء الزمان ... يلم بها بعده النادب
فيا نور علمٍ تبدى لنا ... شهاب لناظره ثاقب
ويا طود حلمٍ هوى سائخاً ... وهو على حاله راسب
ألا في سبيل هداة السبيل ... مضاؤك حين بنا الهائب
هربت إلى الله في موطنٍ ... على عاره حصل الهارب
وغودرت نهب عفاة العلى ... فنال الذي شاءه الناهب
إذا كان للدود ميت القبور ... فللذئب أكرم والناعب
تلقاك ربى برضوانه ... وجادك منه الحيا الساكب
وإن الذي نلت من قربه ... لأفضل ما يطلب الطالب
عليك السلام إلى غايةٍ ... من الموت كل لها ذاهب
أوريط
مدينة قديمة بالأندلس، كانت عظيمة مذكورة مع طليطلة، وهي معها في حدٍ واحدٍ من قسمة قسطنطين، وإنما عمرت قلعة رباح وكركى بخراب أوريط.
стр. 37
أوريولة
حصن بالأندلس، وهو من كور تدمير، وأحد المواضع السبعة التي صالح عليها تدمير بن عبدوس عبد العزيز بن موسى بن نصير، حين هزمه عبد العزيز ووضع المسلمون السيف فيه، فصالحه على هذه المعاقل وعلى أداء الجزية، وكان حصن أرويولة قاعدة تدميرٍ، وذكره مشروح في ذكر قرطاجنة.
وبين أوريولة وألش ثمانية وعشرون ميلاً، ومدينة أوريولة قديمة أزلية. كانت قاعدة العجم وموضع مملكتهم، وتفسيرها باللطينى الذهبية.
ولها قصبة في نهايةٍ من الامتناع على قنة جبلٍ، ولها بساتين وجنات فيها فواكه كثيرة، وفيها رخاء شامل وأسواق وضياع، وبينها وبين مرسية اثنا عشر ميلاً، وبينها وبين قرطاجنة خمسة وأربعون ميلاً.
ولى قضاءها أبو الوليد الباجى.
أولية السهلة
بالأندلس قريبة من قرطبة، وتعرف بالرملة، وهي أم الأقاليم، كثيرة الأهل، واسعة الخطبة، ومثمرة الأرضين، بها ديار للعجم متقنة البنيان، في أحداها أربع سوارٍ مجزعة من نفيس الرخام في نهاية العظم والطول، عليها الناقوس.
стр. 38
أونبة
من مدن جبل العيون بالأندلس، وهي مدينة ممتنعة بين جبالٍ ضيقة المسالك، وهي قديمة، لها آثار للأول، فيها ماء مجلوب في أقباء واسعةٍ قد خرق بها الجبال الشامخة حتى وصل الماء إلى أسفل هذه المدينة، فيسقى بعض بساتينها، ولا يدري من أين أصل هذا الماء، وشرقى المدينة كنيسة كبيرة معظمة عندهم؛ يزعمون أن أحد الحواريين بها، وما أكثر ما يوجد في حفائر هذه المدينة من آثارٍ عجيبةٍ.
وهذه المدينة برية بحرية، بينها وبين البحر ميلٍ، وبينها وبين لبلة ستة فراسخ.
стр. 39
حرف الباء
باجة
وأما باجة الأندلس فهي من أقدم مدائنها، بنيت في أيام الأقاصرة، وبينها وبين قرطبة مائة فرسخ، وهي من الكور المجندة، نزلها جند مصر وكان لواؤهم في الميسرة بعد جند فلسطين، وهم النازلون بشذونة، فحمل الأمير عبد الرحمن بن معاوية لواءهم، وأسقط جندهم، وأخمل ذكرهم؛ وكان سبب ذلك أن العلاء بن مغيث اليحصبى كان رئيس جند باجة، وفثار بها، وقام بها بدعوة بني العباس، ولبس السواد، ورفع راية سوداء، واجتمع إليه قيام من الناس؛ فقاتله عبد الرحمن بن معاوية في قريةٍ من قرى إشبيلية تعرف بالكرم حتى هزمه الإمام وقتله.
ومدينة باجة أقدم مدن الأندلس بنياناً، وأولها اختطاطاً، وإليها انتهى يوليش القيصر، وهو أول من سمى قيصر، وهو الذي سماها باجة، وتفسير باجة في كلام العجم الصلح وحوز باجة وخطتها واسعة، ولها معاقل موصوفة بالمنعة والحصانة.
ومنها الإمام القاضي أبو الوليد الباجى، سليمان بن خلف، شارح الموطا، الفقيه الأديب، العالم المتكلم، رحل إلى الحجاز والعراق، ولقى العلماء وتجول ثلاثة عشر عاماً، وصنف في الأصول والفروع.
وله " متقارب ":
إذا كنت أعلم علماً يقيناً ... بأن جميع حياتى كساعه
فلم لا أكون صيننا بها ... وأجعلها في صلاح وطاعه
стр. 40
ذكر ابن عساكر في تأريخه أنه توفي في سنة ٤٧٤ بالمرية، وقبره في الرباط، على حاشية البحر.
ببشتر
بالأندلس، حصن منيع بينه وبين قرطبة ثمانون ميلاً، وهو حصن تزل عنه الأبصار، فكيف الأقدام، على صخرةٍ صماء منقطعةٍ، لها بابان يتوصل إلى أعلاهما من شعب يسلكه الراجل الخفيف، وطريقه عند الطلوع والهبوط على النهر، وأعلى الصخرة سهلة مربعة ذات مياهٍ كثيرةٍ تقطع الحجر، فينبعث الماء العذب، وينبط فيها الآبار بأيسر عملٍ وكدٍ.
وحصن ببشتر كان قاعدة العجم، كثير الديارات والكنائس والدواميس، ولهذا الحصن قرى كثيرة، وحصون خطيرة، وما حوله كثير المياه، والأشجار، والثمار، والكروم، وشجر التين، وأصناف الفواكه، والزيتون؛ وما بها الآن إلا نبذ مما كان، فإن فتنة ابن حفصون أتت على أكثر ذلك.
بجانة
بفتح الباء بعدها جيم مفتوحة مشددة بعدها ألف وبعد الألف نون.
مدينة بالأندلس، كانت في قديم الدهر من أشرف قرى أرش اليمن، وإنما سمى الإقليم أرش اليمن لأن بني أمية لما دخلوا الأندلس أنزلوا بني سراج القضاعيين في هذا الإقليم، وجعلوا إليهم حراسة ما يليهم من البحر وحفظ الساحل، فكان ما ضمنوا من مرسى كذا إلى مرسى كذا يسمى أرش اليمن، أي عطيتهم ونحلتهم.
стр. 41
وبقرب بجانة كان جامع الإقليم بالأعظم، إلا أنها كانت حارات مفترقة حتى نزلها البحريون وتغلبوا على ما كان فيها من العرب وصار الأمر لهم فجمعوها وبنوا سورها، وامتثلوا في ذلك ببنية قرطبة وترتيبها، وجعلوا على أحد أبوابها صورة تشا كل الصورة التي على باب القنطرة، فأمتها الناس من كل جهةٍ وانجفلوا إليها من كل ناحيةٍ، فارين من الفتن التي كانت إذ ذاك شاملةً، فكانت أمنا لمن قصدها، وحرماً لمن لجأ إليها، وكانت الميرة تجلب إليها من العدوة، وضروب المرافق والتجارات؛ وكان ذلك أيضاً من الأسباب الداعية إلى قصدها واستيطانها، وصار حولها أرباض كثيرة. ويدخلها من النهر جدولان، أحدهما بأعلى المدينة من جانب الشرق ويسقى بساتينها كلها، والثاني يشق الأرباض الجوفية، ويخرج عنها إلى الأرباض القبلية، حتى يقع في النهر هناك؛ وجامعها داخل المدينة، بناه عمر بن أسود، وفيه قبو على قبةٍ فيها أحدى عشر حنية، منضربة على أربعة عشر عموداً، فنقش أعاليه بنقوش عجيبة. وبغربى القبو ثلاث بلاطات أوسع من الشرقية على عمد صخرٍ، وفي الصحن بئر عذبة؛ وكان بمدينة بجانة إحدى عشر حماماً، وطرز حريرٍ ومتاجر رابحة، وكان يذهب الوادي الآتي من شرقيها كثيراً من أرباضها وأسواقها عند حمله.
وبشرقى بجانة على ثلاثة أميالٍ جبل شامخ فيه معادن غريبة، وفيه الحمة العجيبة الشأن، ليس لها نظير في الأندلس، في طيب مائها وعذوته وصفائه وبذرقته ونفعه عموم بركته، يقصدها أهل الأسقام والعاهات من جميع النواحي، فلا يكاد يخطئهم نفعها، وعليها من بناء الأول صهريج إلى جانب العين مربع واسع كانوا قد
стр. 42
بنوا على شرقيه قيوين، فأعلاهما هناك ظاهر إلى اليوم، والجدر الباقية حواليه، واتخذوا على ذلك الماء قريةً كثيرة الزيتون والأشجار وضروب الثمار، يسقى جميعها من هذا الماء، تعرف بقرية الحمة، وما فضل عن سقى هذه القرية يجتمع أسفلها في صهريجٍ عظيمٍ من بناء الأول أيضاً، فإذا تكامل فيه الماء سرب إلى قريةٍ متخذةٍ تسمى آبله، فسقيت بذلك الماء.
وبجوفي مدينة بجانة حمة أخرى أغزر من الحمة الأولى، أنجع في الأسقام، وأصلح للأبدان، وهم يزعمون أن جرى الأولى على الكبريت، وجرى هذه على النحاس؛ وتذكر الأعاجم أن ملك تدمير وملك ريه في غابر الدهر خطبا ابنة ملك أرش اليمن وما يليه، فشرطت ابنة الملك أن من بلغ ماء إحدى الحمتين حتى يدخله في دار سكنى أبيها وكان في موضع مدينة بجانة اليوم أنه أحق ببضعها؛ فجد كل واحدٍ منهما في ذلك وجهد جهده، وبنيا قنى يجلبون الماء فيها، فاعترض صاحب الحمة الجوفية خندق، ولم يكن بد من بناء قناطر عليه، فشغله ذلك حتى بلغ صاحب الحمة الشرقية ماءه، فزوجه الملك ابنته؛ وأثر ما حاولاه من ذلك باقٍ في الجانبين إلى اليوم؛ وبين بجانة والمرية خمسة أميال أو ستة أميال.
بربشتر
هي مدينة من بلاد بريطانية بالأندلس، وهي حصن على نهرٍ مخرجه من عين قريبةٍ منها، وبربشتر من أمهات مدن الثغر الفائقة في الحصانة والامتناع، وقد
стр. 43
غزاها على غرةٍ، وقلة عددٍ من أهلها، وعدةٍ، أهل غاليش والروذمانون، وكان عليهم رئيس يسمى ألبيطش، وكان في عسكره نحو أربعين ألف فارسٍ، فحصرها أربعين يوماً حتى افتتحها، وذلك في سنة ٤٥٦، فقتلوا عامة رجالها، وسبوا فيها من ذرارى المسلمين ونسائهم مالا يحصى كثرةً؛ ويذكر أنهم اختاروا من أبكار جوارى المسلمين وأهل الحسن منهن خمسة آلاف جارية، فأهدوهن إلى صاحب القسطنطينية، وأصابوا فيها من الأموال والأمتعة ما يعجز عن وصفه، وتخلفوا فيها من جلة رجالهم وأهل البأس منهم من وثقوا بضبطه لها، ومنعه إياها، واستوطنوها بالأهل والولد وجعلوها ثغراً من ثغورهم، ثم انصرفوا عنها.
وفي ذلك يقول الفقيه الزاهد ابن العسال من قصيدة كامل:
ولقد رمانا المشركون بأسهمٍ ... لم تخط لكن شأنها الصماء
هتكوا بخيلهم قصور حريمها ... لم يبق لا جبل ولا بطحاء
جاسوا خلال ديارهم فلهم بها ... في كل يومٍ غارة شعراء
باتت قلوب المسلمين برعبهم ... فحماتنا في حربهم جبناء
كم موضع غنموه لم يرحم به ... طفل ولا شيخ ولا عذراء
ولكم رضيع فرقوا من أمه ... فله إليها ضجة وبغاء
ولرب مولودٍ أبوه مجدل ... فوق التراب وفرشه البيداء
ومصونةٍ في خدرها محجوبةٍ ... قد أبرزوها ما لها استخفاء
стр. 44
وعزيز قومٍ صار في أيديهم ... فعليه بعد العزة استخذاء
لولا ذنوب المسلمين وأنهم ... ركبوا الكبائر ما لهن خفاء
ما كان ينصر للنصارى فارس ... أبداً عليهم فالذنوب الداء
فشرارهم لا يختفون بشرهم ... وصلاح منتحلى الصلاح رياء
ثم تداعت لأخذها ممالك الأندلس، وجمع أحمد بن سليمان بن هود صاحب سرقسطة وجهاتها أهل الثغور، ونهد إليها في جمع كثيفٍ، ذوى جدٍ وحدٍ، ففتحها الله على يديه عنوةً، فقتل المقاتلة وسبى النساء والذرية، ودخل منها سرقسطة نحو خمسة آلاف سبيةٍ مختارةٍ، ونحو ألف فرسٍ وألف درع، وأموال كثيرة، وثياب جليلة، وعدة وسلاح؛ وكان افتتاحه لها لثمانٍ خلون من جمادى الأولى سنة٤٥٧، ولذلك تسمى بالمقتدر بالله، وكانت مدة ملك النصارى لها تسعة أشهرٍ
برذال
مدينة من إقليم برغش، كاملة شاملة بضروب النعم كثيرة الفواكه، بينها وبين البحر اثنا عشر
برذيل
في بلاد جليقية، وإقليم برذيل من أشرف أقاليم تلك الناحية، وهو كثير الكروم والفاكهة والحبوب، وهي مدينة كبيرة مبنية بالكلس والرمل، وهي على نهرٍ عجاج يسمى جرونة، وربما عطبت مراكب المجوس فيه عند الأهوال لاتساعه وانخراقه، وبين هذه المدينة وموقع نهرها في البحر مائة وخمسون ميلاً؛ وأهل برذيل في
стр. 45
أخلاقهم ولباسهم على أخلاق الجليقيين؛ وبجوفي مدينة برذيل بنيان منيف على سوارٍ ساميةٍ جليلةٍ هو قصر طيطش، وفي سواحل هذه المدينة يوجد العنبر.
برشانة
بالأندلس، وهي حصن على مجتمع نهرين، وهو من أمنع الحصون مكاناً، وأوثقها بنياناً، وأكثرها عمارةً.
برشلونة
مدينة للروم بينها وبين طركونة خمسون ميلاً، وبرشلونة على البحر، ومرساها ترش لا تدخله المراكب إلا عن معرفةٍ، وبها ربض، عليها سور منيع، والدخول إليها والخروج عنها إلى الأندلس على باب الجبل المسمى بهيكل الزهرة، ويسكن برشلونة ملك إفرنجة، وهي دار ملكهم، وله مراكب تسافر وتغزو، وللإفرنج شوكة لا تطاق.
وبرشلونة كثيرة الحنطة والحبوب والعسل، واليهود بها يعدلون النصارى كثرةً، ولها ربض خارج منها، وهي في القسم الثالث من الأندلس، وهي مسورة كبيرة.
وصاحب برشلونة اليوم راى مند بن بلنقير بن بريل، وكان خرج يريد بيت المقدس سنة ٤٤٦، فنزل في مدينة نربونة على رجل من كبراء أهلها، فتعشق امرأته وتعشقته، ثم تمادى في سفره حتى وصل بيت المقدس، ثم كر راجعاً حتى أتى نربونة
стр. 46
فنزل على ضيفه بها وليس له هم إلا امرأته، فحكم ذلك التعشق بينهما، واتفق معها على أن تعمل الحيلة في الهروب إليه من بلدها، فيزوجها من نفسه؛ فلما وصل إلى برشلونة أرسل إليها قوماً من اليهود في ذلك، ودخل صاحب طرطوشة في الأمر فأوصلهم في الشوانى إلى نربونة، فلم تتوجه لليهود الحيلة في أمرها، وأحسن زوجها ببعض شأنها، وكان بها كلفاً فثقفها، فكان تثقيفه لها سبباً لمعونة أهلها، على مرادها، فوصلت مع قوم منهم إلى برشلونة، فنزل راى مند عن امرأته وتزوج النربونية، فلبست الأولى المسوح، وخرجت مع جماعة من أهل بيتها إلى رومة حتى أتت عظيمها وصاحب الدين بها، وهو الذي يسمونه البابه، فشكت إليه ما صنع زوجها، وأنه تركها بغير سبب، وهو أمر لا يحل في دينهم، وأنهم لا يجوز لهم فعله، وإنما حمله على ذلك عشقه لها، وشهد لها شهود قبلهم، فحرم البابه على صاحب برشلونة دخول الكنائس، وأمر أن لا يدفن له ميت، وأن يتبرأ منه جميع من يعتقد النصرانية فلما علم ذلك، علم أنه لا حيلة له معه ولا بقاء في أفقٍ يكون فيه لنصراني حكم؛ فبذل الأموال ودس مشاهير الأساقفة والقسيسين، فأوطاهم على الشخوص إلى البابه، وأن يشهدوا له أنه تقصى عن نسب المرأة التي ترك، فوجدها منه بقربى يحرمها عليه، وأن النربونية فرت من زوجها لذلك، لأنه كانت منه بنسبٍ، وكان يكرهها على المقام معه، فنفذ القوم إلى البابه، وشهدوا للقومس ما أوصاهم عليه، فقبلهم، وأباح له دخول الكنائس ودفن من مات له، وسائر ما حجر عليه.
стр. 47
برغش
في بلاد الروم بالقرب من مدينة ليون، وهي مدينة كبيرة يفصلها نهر، ولكل جزء منها سور، والأغلب على الجزء الواحد منها اليهود، وهي حصينة منيعة، ذات أسواقٍ وتجارٍ، وعددٍ وأموال، وهي رصيف للقاصد والمتحول، وهي كثيرة الكروم، ولها رساتيق وأقاليم معمورة.
بريانة
بالأندلس بقرب عقبة أنيشة.
وهي مدينة جليلة عامرة، كثيرة الخصب والأشجار والكروم، وهي في مستوٍ من الأرض، وبينها وبين البحر ثلاثة أميالٍ، وهي قريبة من بلنسية.
بزليانة
قرية على ساحل البحر، قريبة من مالقة، وهي قرية تشبه بالمدينة في مستوٍ من الأرض، وأرضها رمل، وبها الحمام والفنادق، ويصاد بها الحوت الكثير، ويحمل منها إلى الجهات المجاورة لها، وبينها وبين مالقة ثمانية أميال.
بسطة
مدينة بالأندلس بالقرب من وادي آش، وهي متوسطة المقدار، حسنة الموضع،
стр. 48
عامرة، آهلة، حصينة، ذات أسواقٍ، وبها تجارات، وفعلة بضروب الصناعات، وبينها وبين جيان ثلاث مراحل؛ وهي من كور جيان، وشجر التوت فيها كثير.
وعلى قدر ذلك غلة الحرير والزيتون، وسائر الثمار بها على مثل ذلك من الكثرة، وأرضها عذاة كثيرة الريع، وبها كانت طرز الوطاء البسطى من الديباج الذي لا يعلم شفيرها، وبها جبل يعرف بجبل الكحل، لا يزال ينقر منه كحل أسود، يزيد بزيادة القمر، وينقص بنقصانه، لم يزل على ذلك من قديم الدهر.
ومدينة بسطة مدينة مفردة من الجزء الرابع من قسمة قسطنطين، وهي مشهورة بالمياه والبساتين، وكان الأديب أبو الحسن على بن محمد بن شفيع البسطى يقول: لو طبعت على الزهد لحملنى حسن بلادي على المجون والتعشق والراحات!، وكان شاعر بسطة.
بطروش
بالأندلس في طريق قرطبة، وهو حصن كثير العمارة، شامخ الحصانة، لأهله جلادة وحزم على مكافحة أعدائهم، ويحيط بجبالهم وسهولهم شجر البلوط، الذي فاق طعمه كل بلوط على وجه الأرض، ولهم اهتمام بحفظه وخدمته، وهو لهم غلة وغياث في سنى الشدة والمجاعة.
стр. 49
بطليوس
بالأندلس من إقليم ماردة، بينهما أربعون ميلاً، وهي حديثة الاتخاذ، بناها عبد الرحمن بن مروان المعروف بالجليقى بإذن الأمير عبد الله له في ذلك، فأنفذ له جملة من البناة، وقطعة من المال، فشرع في بناء الجامع باللبن والطابية، وبنى صومعته خاصةً بالحجر، واتخذ مقصورةً، وبنى مسجداً خاصاً بداخل الحصن، وابتنى الحمام الذي على باب المدينة، وأقام البناة عنده حتى ابتنوا له عدة مساجد؛ وكان سور بطليوس مبنيا بالتراب، وهو اليوم مبنى بالكلس والجندل، وبنى في سنة ٤٢١.
وهي مدينة جليلة في بسيطٍ من الأرض، ولها ربض كبير أكبر من المدينة في شرقيها، فخلا بالفتن، وهي على ضفة نهرها الكبير المسمى الغور، لأنه يكون في موضع يحمل السفن، ثم يغور تحت الأرض حتى لا توجد منه قطرة، فسمى الغؤور لذلك، وينتهي جريه إلى حصن ما رتلة، ويصب قريباً من جزيرة شلطيش؛ ومن بطليوس إلى إشبيلية ستة أيامٍ، ومنها إلى قرطبة ستة مراحل.
بلاطة
فحص بلاطة بالأندلس بين أشبونة وشنترين. يقول أهل أشبونة وأكثر أهل الغرب إن الحنطة تزرع بهذا الفحص، فتقيم في الأرض أربعين يوماً فتحصد، وإن الكيل الواحد منها يعطى مائة كيل، وربما زاد ونقص.
стр. 50
بلطش
بالأندلس، إقليم من أقاليم سرقسطة، ونهر هذا الإقليم يسقى مسافة عشرين ميلاً، وبقرب بلطش موضع ينفجر بالماء العذب أول ليلة شهر أغشت، ومن الغد إلى حد الزوال، ثم يبدو فيه القلوص والنقصان، فإذا غربت الشمس، جف إلى تلك الليلة من العام المستقبل، هذا دأبه أبداً.
بلنسية
في شرق الأندلس، بينها وبين قرطبة على طريق بجانة ستة عشر يوماً، وعلى الجادة ثلاثة عشر يوماً.
وهي مدينة سهلية، وقاعدة من قواعد الأندلس، في مستوٍ من الأرض، عامرة القطر، كثيرة التجارات، وبها أسواق وحط وإقلاع، وبينها وبين البحر ثلاثة أميال. وهي على نهرٍ جارٍ ينتفع به، ويسقى المزارع، ولها عليه بساتين، وجنات، وعمارات متصلة.
والسفن تدخل نهرها، وسورها مبنى بالحجر والطوابى، ولها أربعة أبواب، وهي من أمصار الأندلس الموصوفة، وحواضرها المقدمة، ولأهلها حسن زيٍ، وكرم طباع، والغالب عليهم طيب النفوس، والميل إلى الراحات، وهي في أكثر الأمور راخية الأسعار، كثيرة الفواكه والثمار، جامعة لخيرات البر والبحر، ولها أقاليم كثيرة، وهي في الجزء الرابع من قسمة قسطنطين.
стр. 51
وكان الروم تغلبوا على بلنسية قديماً، ثم أحرقوها عند خروجهم منها سنة٤٩٥، فقال أبو إسحاق إبراهيم بن أبي الفتح بن خفاجة كامل:
عاثت بساحتك الظبى يادار ... ومحا محاسنك البلى والنار
فإذا تردد في جنابك ناظر ... طال اعتبار فيك واستعبار
أرض تقاذفت النوى بقطينها ... وتمخضت بخرابها الأقدار
فجعلت أنشد خير سادة أهلها ... لا أنت أنت ولا الديار ديار
وقال الأستاذ أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن بن خلصة البلنسى بسيط:
وروضة زرتها للانس مبتغياً ... فأوحشتنى لذكرى سادةٍ هلكوا
تغيرت بعدهم خرباً وحق لها ... مكان نوارها أن ينبت الحسك
لو أنها نطقت قالت لفقدهم ... بأن الخليط ولم يرثوا لمن تركوا
ثم في سنة ٦٣٠، ملك الروم بلنسية صلحاً، واستولى عليها ملك أرغون جاقمه، وأكثر أدباؤها بكاؤها، والتأسف عليها نظماً ونثراً؛ فمن ذلك قول الكاتب أبي المطرف ابن عميرة، خاطب به الكاتب أبا عبد الله بن الأبار، جواباً عن رسالةٍ: طارحنى حديث موردٍ جف، وقطينٍ خف؛ فيا لله لأترابٍ درجوا، وأصحاب عن الأمطان خرجوا؛ قصت الأجنحة وقيل: طيروا، وإنما هو القتل أو الأسر أو تسيروا؛ فتفرقوا أيدي سبا، وانتشروا ملء الوهاد والربا؛ ففي كل جانبٍ عويل وزفره، وبكل صدرٍ غليل وحسره؛ ولكل عينٍ عبره، لا ترقأ من أجلها عبره؛
стр. 52
داء خاص بلادنا حين أتاها، وما زال بها حتى سجى على موتاها، وشجا ليومها الأطول كهلها وفتاها؛ وأنذر بها في القوم بحران أنيجه، يوم أثاروا أسدها المهيجه؛ فكانت تلك الحطمة طل الشؤبوب، وبا كورة البلاء المصبوب؛ اثكلتنا إخواناً أبكانا نعيهم، فالله أحوذيهم وألمعيهم؛ ذاك أبو ربيعنا، وشيخ جميعنا؛ سعد بشهادة يومه، ولم ير ما يسوءه في أهله وقومه؛ وبعد ذلك أخذ من الأم بالمخنق، وهي بلنسية ذات الحسن والبهجة والرونق؛ وما لبث أن أخرس من مسجدها لسان الأذان، وأخرج من جسدها روح الإيمان؛ فبرح الخفاء، وقيل على آثار من ذهب العفاء وانعطفت النوائب مفردةً ومركبةً كما تعطف الفاء؛ وأودت الخفة والحصافه، وذهب الجسر والرصافة؛ ومزقت الحلة والسهله، وأوحشت الجرف والرمله؛ ونزلت بالحارة وقعة الحره، وحصلت الكنيسة من جآذرها وظبائها على طول الحسره؛ فأين تلك الخمائل ونضرتها، والجداول وخضرتها؛ والأندية وأرجها، والأودية ومنعرجها؛ النواسم وهبوب مبتلها، والأصائل وشجوب معتلها؛ دار ضاحكت الشمس بحرها وبحيرتها، وأزهار ترى من أدمع الطل في أعينها ترددها وحيرتها؛ ثم زحفت كتيبة الكفر بزرقها وشقرها، حتى أحاطت بجزيرة شقرها؛ فآها لمسقط الرأس هوى نجمه، ولفادح الخطب سرى كلمه؛ وبالجنة أجرى الله تعالى النهر تحتها، وروضةٍ أجاد أبو إسحاق نعتها؛ وإنما كانت داره التي فييها دب، وعلى أوصاف محاسنها ألب، وفيها أتته منيته كما شاء وأحب؛ ولم تعدم بعده محبين قشيبهم إليها ساقوه، ودمعهم عليها أراقوه.
وله من رسالةٍ أخرى في المعنى: ثم ردف الخطاب الثاني بقاصمة المتون،
стр. 53
وقاضية المنون، ومضرمة الشجون، ومذرية ماء الشؤون؛ وهو الحادث في بلنسية دار النحر، وحاضرة البر والبحر؛ ومطمح أهل السياده، ومطرح شعاع البهجة والنضاده؛ أودى الكفر بإيمانها، وأبطل الناقوس صوت أذانها؛ ودهاها الخطب الذي أنسى الخطوب، وأذاب القلوب، وعلم سهام الأحزان أن تصيب، ودموع الأجفان أن تصوب؛ فيا ثكل الإسلام، ويا شجو الصلاة والصيام؛ يوم الثلاثاء، وما يوم الثلاثاء، يا ويح الداهية الدهياء، وتأخير الإقدام عن موقف العزاء؛ أين الصبر وفؤادي أنسيه، لم يبق لقومي على الرمى سيه؛ هيهات نجد ما مضى من اتنسية، من بعد مصابٍ حل في بلنسيه.
يا طول هذه الحسره! ألا جابر لهذه الكسره؟ أكل أو قاتنا ساعة العسرة؟ أخى! أين أيامنا الخوالي؟ وليالينا على التوالي؟ ولأية عيش نعم بها الوالي؟ ومسندات أنس يعدها الرواة من الغوالي؛ بعداً لك يا يوم الثلاثاء من صفر، ما ذنبك عندي بشيئ يغتفر؛ قد أشمت بالإسلام حزب من كفر، من أين لنا المفر كلا لأمفر.
كل رزءٍ في هذا الرزء يندرج، وقد اشتدت الأزمة فقل لي متى تنفرج، كيف انتفاعنا بالضحى والأصائل إذا لم يعد ذلك النسيم الأرج؛ ليس لنا إلا التسليم، والرضى بما قضاه الخلاق العليم.
وقال في رسالةٍ أخرى في المعنى: وأجريت خبر الحادثة التي محقت بدر التمام، وذهبت بنضارة الأيام: فيا من حضر يوم البطشه، وعزى في أنسه بعد تلك الوحشه؛ أحقاً إنه دكت الأرض، ونزف المعين والبرض؛ وصوح روض المنى، وصرح الخطب وما كنى؟ أبن لي كيف فقدت رجاحة الأحلام، وعقدت مناحة الإسلام؛
стр. 54
وجاء اليوم العسر، وأوقدت نار الحزن فلا تزال تستعر؛ حلم ما نرى؟ بل ما رأى ذا حالم، طوفان يقال عنده لا عاصم، من ينصفنا من الزمان الظالم، الله بما يلقى الفؤاد عالم؛ بالله أي نحوٍ تنحو، ومسطورٍ تثبت وتمحو؛ وقد حذف الأصلى والزائد، وذهبت الصلة والعائد؛ وباب التعجب طال، وحال البائس لا تخشى الانتقال؛ وذهبت علامة الرفع، وفقدت سلامة الجمع؛ والمعتل أعدى الصحيح، والمثلث أردى الفصيح؛ وامتنعت العجمة من الصرف، وأمنت زيادتها من الحذف؛ ومالت قواعد الملة، وصرنا إلى جمع القله؛ وللشرك صيال وتخمط، ولقرنه في شركه تخبط؛ وقد عاد الدين الى غربته، وشرق الإسلام بكربته؛ كأن لم يسمع بنصر ابن نصيرٍ، وطرق طارقٍ بكل خيرٍ؛ ونهشات حنشٍ وكيف أعيت الرقى، وأذالت بليل السليم يوم الملتقى، ولم تخبر عن المروانية وصوائفها، وفتى معافر وتعفيره للأوثان وطوائفها: لله ذلك السلف، لقد طال الأسى عليهم والأسف.
وقال في رسالةٍ أخرى: وما الذي نبغيه، وأي أمل لا نطرحه ونلغيه؛ بعد الحادثة الكبرى، والمصيبة التي كل كبدٍ لها حرى، وكل عينٍ من أجلها عبرى: لكن هو القضاء لا يرد، ولله الأمر من قبل ومن بعد.
ومما قاله في ذلك من المنظوم قوله كامل:
ما بال دمعك لا ينى مدراره ... أم ما لقلبك لا يقر قراره
أللوعةٍ بين الضلوع لظاعنٍ ... سارت ركائبه وشطت داره
أم للشباب تقاذفت أوطانه ... بعد الدنو وأخفقت أوطاره
أم للزمان أتى بخطب فادح ... من مثل حادثة خلت أعصاره
стр. 55
بحر من الأحزان عب عبابه ... وارتج ما بين الحشا زخاره
في كل قلبٍ منه وجد عنده ... أسف طويل ليس تخبو ناره
أما بلنسية فمثوى كافرٍ ... حفت به في عقرها كفاره
زرع من المكروه حل حصاده ... عند الغدو غداة لج حصاره
وعزيمة للشرك جعجع بالهدى ... أنصارها إذ خانه أنصاره
قل كيف تثبت بعد تمزيق العدا ... آثاره أم كيف يدرك ثاره
ما كان ذاك المصر إلا جنة ... للحسن تجرى تحته أنهاره
طابت بطيب بهاره آصاله ... وتعطرت بنسيمه أشجاره
أما السرار فقد غداه وهل سوى ... قمر السماء يزول عنه سراره
قد كان يشرق بالهداية ليله ... والآن أظلم بالضلال نهاره
ودجا به ليل الخطوب بصبحه ... أعيا على أبصارنا إسفاره
ومما صدر عن الكاتب أبي عبد الله محمد بن الأبار في ذلك من رسالةٍ: وأما الأوطان المحبب عهدها بحكم الشباب، المشبب فيها بمحاسن الأحباب: فقد ودعنا معاهدها وداع الأبد، وأخنى عليه الذي أخنى على لبد؛ أسلمها الإسلام، وانتظمها الانتثار والاصطلام؛ حين وقعت أنسرها الطائره، وطلعت أنحسها الغائرة؛ فغلب على الجذل الحزن، وذهب مع المسكن السكن: بسيط
كزعزع الريح صك الدوح عاصفها ... فلم يدع من جنى فيها ولا غصن
واهاً وواهاً يموت الصبر بينهما ... موت المحامد بين البخل والجبن
أين بلنسية ومغانيها، وأغاريد ورقها وأغانيها؛ أين حلى رصافتها وجسرها،
стр. 56
ومنزلا عطائها ونصرها؛ أين أفياؤها تندى غضاره، وركاؤها تبدو من خضاره؛ أين جداولها الطفاحة وخمائلها، أين جنائبها النفاحة وشمائلها؛ شد ما عطل من قلائد أزهارها نحرها، وخلعت شعشعانية ضحاها بحيرتها وبحرها؛ فأية حيلةٍ لا حيلة في صرفها مع صرف الزمان، وهل كانت حتى بانت إلا رونق الحق وبشاشة الإيمان؛ ثم لم يلبث داء عقرها، أن دب إلى جزيرة شقرها؛ فأمر عذبها النمير، وذوى غصنها النضير؛ وخرست حمائم أدواحها، وركدت نواسم أرواحها؛ ومع ذلك اقتحمت دانيه، فنزحت قطوفها وهي داينة؛ ويالشاطبة وبطحائها، من حيف الأيام وإنحائها؛ ولهفاه ثم لهفاه على تدمير وتلاعها، وجيان وقلاعها؛ وقرطبة ونواديها، وحمص وواديها؛ كلها رعى كلأها، ودهى بالتفريق والتمزيق ملأها؛ عض الحصار أكثرها، وطمس الكفر عينها وأثرها؛ وتلك إلبيرة بصدد البوار، وريه في مثل حلقة السوار؛ ولا مرية في المرية وخفضها على الجوار؛ وإلى بنيات لواحق بالأمهات، ونواطق بهاك لأول ناطقٍ بهات؛ ما هذا النفخ بالمعمور، أهو النفخ في الصور، أم النفر عارياً من الحج المبرور؛ وما لأندلس أصيبت بأشرافها، ونقصت من أطرافها؛ قوض عن صوامعها الأذان، وصمت بالنواقيس فيها الآذان؛ أجنت ما لم تجن الأصقاع، أعقت الحق فحاق بها الإيقاع؛ كلا بل دانت للسنة، وكانت من البدع في أحصن جنه؛ هذه المروانية مع اشتداد أركانها، وامتداد سلطانها؛ ألقت حب آل النبوة في حبات القلوب، وألوت ما ظفرت من خلعةٍ ولا قلعةٍ بمطلوب؛ إلى المرابطة بأقصى الثغور، والمحافظة على معالي الأمور، والركون إلى الهضبة المنيع، ة والروضة المريعه، من معاداة الشيعه، وموالاة الشريعه؛ فليت شعرى بم استوثق
стр. 57
تمحيصها، ولم تعلق بعموم البلوى تخصيصها؛ اللهم غفراً! طالما ضر ضجر، ومن الأنباء ما فيه مزدجر؛ جرى بما لم نقدره المقدور، فما عسى أن ينفث به المصدور؛ وربنا الحكيم العليم، فحسبنا التفويض له والتسليم؛ ويا عجبا لبنى الأصفر، أنسيت مرج الصفر، ورميها يوم اليرموك بكل أغلب غضفر؛ دع ذا فالعهد به بعيد، ومن اتعظ بغيره فهو سيعد؛ هلا تذكرت العامرية وغزواتها، وهابت العامرية وهبواتها.
ومما قاله في ذلك من المنظوم، قصيدته السينية التي أولها: بسيط.
أدرك بخيلك خيل الله أندلسا يقول فيها:
يا للجزيرة أضحى أهلها جزاراً ... للحادثات وأمسى جدها تعسا
يا للمساجد عادت للعدى بيعاً ... وللنداء يرى أثناءها جرسا
لهفى عليها إلى استرجاع فائتها ... مدارساً للمثانى أصبحت درساً
كانت حدائق للأحداق مونقةً ... فصوح النضر من أدواحها وعسا
وحال ما حولها من منظر عجبٍ ... يستجلس الركب أو يستركب الجلسا
محا محاسنها طاغ أتيح لها ... ما نام عن هضمها حيناً ولا نعسا
ورج أرجاءها لما أحاط بها ... فغادر الشم من أعلامها خنسا
مدائن حلها الإشراك مبتسما ... جذلان وارتحل الإيمان مبتئسا
وصيرتها العوادي العائثات بها ... يستوحش الطرف منها ضعف ما أنسا
стр. 58
وفي بلنسيةٍ منها وقرطبة ... ما ينسف النفس أو ما ينزف النفسا
وهي طويلة.
وفي بلنسية، يقول أبو عبد الله بن عياش طويل:
بلنسية بيني عن القلب سلوةً ... فإنك روض لا أحن لزهرك
وكيف يحب المرء داراً تقسمت ... على صارمي جوع وفتنة مشرك
وانتقض من هذا القول أبو الحسن بن حريق فأجاب وافر:
بلنسية نهاية كل حسن ... حديث صح في شرق وغرب
فإن قالوا محل غلاء سعرٍ ... ومسقط ديمتى طعن وضرب
فقل هي جنة حفت رباها ... بمكروهين من خوفٍ وحرب
بنبابش
مدينة في بلاد الإفرنجة، عامرة، كثيرة الأهل، سورها بالآجر والكلس، وبها نحو من خمسمائة حداد، يعملون الدروع والسيوف والبيضات والرماح؛ وهو بلد واسع الخطة، كثير الخير، وتنتهي أحوازها في الجوف إلى البحر المحيط مسيرة ثلاثة أيامٍ، وأهل بنبابش يزعمون أنهم من الإفرنج، يشبهونهم في صفتهم وملابسهم وهيئتهم وأخلاقهم.
بنبلونة
مدينة بالأندلس، بينها وبين سرقسطة مائة وخمسة وعشرون ميلاً، بها كانت دار مملكة غرسية بن شانجه سنة ٣٣٠، وهي بين جبالٍ شامخةٍ، وشعاب غامضةٍ،
стр. 59
قليلة الخيرات، أهلها فقراء، جاعة لصوص، وأكثرهم متكلمون بالبشقية لا يفهمون؛ وخيلهم أصلب الدواب حافراً الخشونة بلادهم، ويسكنون على البحر المحيط في الجوف.
بنشكلة
حصن بالأندلس، وبالقرب من طركونة، منيع على ضفة البحر، وهو عامر آهل، وله قرى وعمارات ومياه كثيرة، وبه عين ثرة تريق في البحر، ويقابل مرسى بنشكلة من بر العدوة جزائر بنى مزغناى، بينه وبينها ستة مجارٍ.
البونت
هي قرية من أعمال بلنسية، ينسب إليها صاحب الوثائق المجموعة، عبد الله بن فتوح بن عبد الواحد.
بيارة
مدينة بالأندلس، قريبة من بلكونة، بينهما عشرة أميال، وكان ميناها على النهر الأعظم معقوداً بالرصيف، وكانت المحجة العظمى عليها من باب نربونة إلى بابها إلى باب قرطبة، وحنية بابها باقية لم تتثلم وهي عالية، لا يدرك أعلاها فارس بقناته، وكانت من بناء ركارد بن لويلد ملك القوط، وهو الذي جمع الفرق، وقطع الشعوب، وبث الاختلاف، وقدم ثمانين أسقفاً على ثمانين مدينة، وكان مستقره طليطلة، وهو الذي بنى الكنائس الجليلة في نواحي الأندلس، وهو الذي قال بالتثليث.
стр. 60
بيّاسة
بالأندلس أيضاً: بينها وبين جيان عشرون ميلاً، وكل واحدةٍ منهما تظهر من الأخرى؛
وبياسة على كديةٍ من ترابٍ، مطلةٍ على النهر الكبير المنحدر إلى قرطبة، وهي مدينة ذات أسوارٍ وأسواقٍ ومتاجر، وحولها زراعات، ومستغلات الزعفران بها كثيرة.
وفي سنة ٦٢٣، ملك الروم بياسة يوم عرفة من ذي حجتها، وكان صاحب جيان إذ ذاك عبد الله بن محمد بن عمر بن عبد المؤمن، قد تغير له عبد الله العادل بن المنصور، صاحب إشبيلية، فخافه فخرج إلى بياسة ودخلها، وكلم أهلها في مساعدته وامتناعه بهم، إلى أن يأخذ لنفسه الأمان، فساعدوه على مراده، ومنعوه عن رأيه، فجهز إليه العادل العساكر، وقدم عليهم إدريس بن المنصور؛ فلما نزلوا بظاهر بياسة مكثوا عليها أياماً، والزمان شاتٍ، فلم يغنوا شيئاً؛ وأرد عبد الله صاحب بياسة تفريق ذلك الجمع بما أمكن، فداخله بأن صالحة على أن يدفع له ابناً صغيراً ليكون رهينة لديه بطاعته؛ فوجد إدريس السبيل إلى الانصراف عنه، وكان أكبر همه؛ إذ قد جهده وأصحابه شدة البرد ونزول المطر، إلى ما كانوا يخافونه من مد النهر، ووصول روم طليطلة، الذين كانوا أولياء لصاحب بياسة، وأنصاراً له؛ فخاف أن يدعو بهم، فيلبوه، إذ كان حصل من أنفسهم محلاً كثيراً لشجاعته؛ فارتحل أبو العلاء لذلك، ورأى أنه قد صنع شيئاً، وأنه قد أقام عذره فلما وصل إلى إشبيلية، استقصر فعله، واستهجن رأيه، وبقي عندهم كالخامل المتخوف.
стр. 61
ثم جهزوا بعده جيشاً آخر إلى بياسة، قدموا عليه عثمان بن أبي حفص، فسار حتى بلغ قبلى بياسة، خلف النهر الكبير، على خمسة أميال من بياسة، فبرز إليهم دون المائة من فرسان عبد الله صاحب بياسة، ومن الروم الذين معه؛ فلما رأوهم انهزموا، وولوا الأدبار، ولم يجتمع منهم أحد؛ وبقى صاحب بياسة ببلده، ولا أحد يرومه، إلى أن تملك قرطبة ومالقة وغيرهما؛ وكاد يستولى على الأمر لو ساعده القدر، وخرج فأوقع بأهل إشبيلية بفحص القصر سنة٦٢٢، وقتل منهم نحواً من ألفي رجل، وانصرف عنها مكسوراً مفلولاً.
وقد كان أدخل الروم قصبة بياسة وأسكنهم فيها، والمسلمون معهم في سائر المدينة، وكان دفعه القصبة إليهم على سبيل الرهن في مال كان تعين لهم عليه؛ فبقوا في القصبة ساكنين، والمسلمون في البلد يداخلونهم ويعاملونهم، وهو إذ ذاك في قرطبة مقيم؛ فلما غزا إشبيلية وانصرف عنه مفلولاً مكسوراً، ثار به أهل قرطبة؛ إذ توهموا أنه يريد إدخال النصارى مدينتهم، فخرج عنهم فاراً إلى الحصن المدور فأقام هناك، وبقيت قصبة بياسة بيد الروم وغلق الرهن، وأحب أهل بياسة إخراج الروم عن قصبتهم، فداخلوا صاحب جيان عمر بن عيسى بن أبي حفص بن يحيى، وسألوه المسير إليهم في جموعه، فجاءهم بحشوده ومعه محمد بن يوسف المسكدالي، فدخلوا بياسة، وأما من كان بالقصبة من الروم فلم ينالوا شيئاً، وأما من كان منهم بالمدينة فأتى عليها القتل بعد أن أبلوا في الدفاع، إلا أنهم غلبوا بالكثرة، وبقي أهل القصبة لا يستطيع أحد الوصول إليهم لحصانتها، ولو أراد الله تعالى لوفق هذا الوالي المقام؛ فإن أهل
стр. 62
القصبة لم يكن عندهم شئ يقتاتونه إلا ما يأتيهم من المدينة مياومةً، فلو مكث عليه يوماً أو يومين لضاقوا وخرجوا؛ ولم يكن أهل ملتهم نصروهم إلا في مدةٍ بعيدة لبعد المسافة، لكن أبى المقدار إلا أن يفرغ في يومه ذلك، ولم يختر على المبيت ليلةً واحدةً وظن أن الفجاج ترميه بالخيل والرجال، فقال لأهل البلد: أنا راجع؛ فمن أحب أن يخرج فليخرج، ومن أحب أن يقعد فليقعد! فرغبوه أن يمكث يوماً أو يومين فأبى عليهم إلا الرجوع في يومه، فلم يكن لأهل البلد بد من فراق بلدهم والخروج عن نعمتهم فتفرقوا في البلاد، وبقي الروم في جميع المدينة، وملكوها كلها.
ومن أهل بياسة الأديب التأريخى أبو الحجاج يوسف بن إبراهيم البياسى، مصنف كتاب الإعلام لحروب الإسلام، وغيره من تصانيفه.
بيانة
بالأندلس من أعمال قرطبة، وهي من مدن قبرة، وعلى يمين الطريق الذاهب إلى قرطبة، وشرقي قبرة، بينهما عشرة أميال، وهي على ربوة من الأرض طيبة التربة، كثيرة المياه السائحة، ولها حصن منيع، وبها جامع بناه الإمام عبد الرحمن ومنبر، وكانت قبل الفتنة من غرر البلدان، وكان بها أسواق عامرة، وحمامات، وهي كثيرة البساتين والكروم والزيتون، وهي على نهر مربلة، يأتيها من جهة القبلة، وهو نهر كبير، عليه الأرحارء الكثيرة.
ومن بيانة، قاسم بن أصبغ بن محمد بن يوسف بن ناصح بن عطاء البياني، مولى الوليد بن عبد الملك، سمع بقرطبة من بقى بن مخلد وغيره، وبمكة من جماعة، وبالعراق
стр. 63
من أحمد بن زهير بن حرب، وهو ابن أبي خيثمة، وعبد الله بن أحمد بن حنبل، وعبد الله بن مسلم بن قتيبة، ومحمد بن يزيد المبرد، وثعلب، وغيرهم.
بيران
حصن من حصون الأندلس، ومن قصيدة ابن الأبار يمدح بها السيد أبا زيد عند انقياد أهل بيران لابنه السيد أبي يحيى أبي بكر سنة٦٢٢ بسيط:
لله قلعة بيران وعزتها ... على الأعاصر في ماضي الأعاصير
عنت ودانت على حكم المنى فرقاً ... من سيدٍ قد هوت من أرفع السور
وأذعنت وهي الشماء ذروتها ... على حجاج لها من قبل مذكور
ولو أصرت على الإعراض ثانيةً ... لأصبحت بين تخريب وتدمير
مدت إليك أبا زيد بطاعتها ... يداً مخافة صولٍ منك مشهور
وأكدت في الرضى والصفح رغبتها ... كما تقدم تأييد المقادير
فجدت جودك بالنعمى بما سألت ... من الأمان لها طلق الأسارير
بيغو
مدينة بالأندلس من عمل غرناطة.
كان عبد الله صاحب بياسة من بني بعد الؤمن وهو المعروف بالبياسي استدعى عدو الدين لما نزل عليه العادل ببياسة، فحاصره فأقلع عنه دون شيء لما لم
стр. 64
يجد في المسلمين كبير إعانة، استدعى النصارى فوصلوا إليه، فسلم إلى الفنش بياسة، وجازى أهلها شر الجزاء، بعد ما آووه ونصروه، فأخرجهم منها وسار مع الفنش ليأخذ معاقل الإسلام باسمه، فدخل قيجاطة من عمل جيان بالسيف، وقتل العدو فيها خلقاً كثيراً، وأسر آخرين، وكان حديثها شنيعاً تنفر منه الأسماع والقلوب؛ ثم نهض أيضاً ومعه العدو إلى لوشة من عمل غرناطة، فاستعصم أهلها بسورها الحصين، وقاتلوه أشد قتال، وأسمعوه ما هاج غيظه، فلما تمكن منها سلط عليهم عدوهم في الدين، ففتكوا بهم أشد الفتك، ثم سار إلى بيغو هذه فأطال مع الفنش حصارها إلى أن دخل البلد بعد شدةٍ، وصالحه أهل القلعة، وما زال أمره يقوى إلى أن احتوى على قرطبة ومالقة وكثير من معاقل هاتين القاعدتين وبلادهما، فخاف منه العادل بإشبيلية، وجمع من عنده من الجند، ونظر في كفه عن جهته، وكان ذلك في سنة٦٢٢.
بيونة
مدينة في بلاد الروم على ساحل البحر وهي بالقرب من مدينة طودة.
стр. 65
حرف التاء
تاجه
نهر عظيم يشق طليطلة قصبة الأندلس في الزمان الأقدم، يخرج من بلاد الجلالقة، ويصب في البحر الرومي، وهو نهر موصوف من أنهار العالم، وعليه، على بعدٍ من طليطلة، قنطرة عظيمة، بنتها ملوك سالفة، وهي من البنيان الموصوف.
تاكرنا
مدينة بالأندلس بمقربةٍ من إستجة، وهي مدينة أزلية، إليها تنسب الكورة، وبها بلاط من بناء الأول لم يتغير.
وإقليم تاكرنا مصاف إلى إقليم إستجة، ومن مدن تاكرنا مدينة رندة، وهي قديمة، ولها آثار كثيرة، وسنذ كرها في موضعها إن شاء الله تعالى.
تدمير
من كور الأندلس، سميت باسم ملكها تدمير.
ونسخة كتاب الصلح الذي صالحه عليه عبد العزيز بن موسى بن نصير: بسم الله الرحمن الرحيم، كتاب من عبد العزيز بن موسى بن نصير لتدمير ابن عبدوش.
أنه نزل على الصلح، وأن له عهد الله وذمته، وذمة نبيه " ﷺ "، ألا يقدم له
стр. 66
ولا لأحدٍ من أصحابه، ولا يؤخر، ولا ينزع من ملكه، وأنهم لا يقتلون ولا يسبون ولا يفرق بينهم وبين أولادهم ولا نسائهم، ولا يكرهوا على دينهم، ولا تحرق كنا ئسهم، ولا ينزع عن كنائسه ما يعبد، وذلك ما أدى الذي اشترطنا عليه، وأنه صالح على سبع مدائن: أرويولة، وبلتنه، ولقنت، ومولة، وبلانة، ولورقة، وأله، لا يأوى لنا آبقاً، ولا يأوى لنا عدوا، ولا يخيف لنا آمناً، ولا يكتم خبر عدو علمه، وأن عليه وعلى أصحابه ديناراً كل سنة، وأربعة أمداد قمح، وأربعة أمداد شعير، وأربعة أقساط طلاء، وأربعة أقساط خلٍ، وقسطى عسلٍ، وقسطى زيتٍ، وعلى العبد نصف ذلك، وكتب في جب سنة ٩٤ من الهجرة.
ترجاله
مدينة بالأندلس.
كالحصن المنيع، لها أسوار، وأسواق عامرة، وخيل ورجل يقطعون أعمارهم في الغارات على بلاد الروم، والأغلب عليهم التلصص والخداع.
وفي سنة ٦٣٠ نزل الروم على ترجاله فحاصروها، فخرج إليهم محمد بن يوسف بن هود طامعاً في انتهاز فرصة فيهم فلم يمكنه ذلك، فرحل إلى إشبيلية وأخذ منها مراحله إلى ترجاله، وفجاءه الخبر بأخذ الروم لها، فرجع إلى إشبيلية؛ وكان تملك الروم لترجاله في ربيع الأول من هذه السنة.
стр. 67
تطيلة
مدينة بالأندلس في جوفي وشقة، وبين الجوف والشرق من مدينة سرقسطة، ويطيف بجنات تطيلة نهر كالش، وهي من أكرم تلك الثغور تربة، يجود زرعها، ويدر ضرعها، وتطيب ثمرتها، وتكثر بركتها، وأهل تطيلة لا يغلقون أبواب مدينتهم ليلاً ولا نهاراً، قد انفردوا بذلك بين سائر البلاد.
ومن الغرائب المستطربة، أنه كان بتطيلة بعد الأربعمائة من الهجرة، أو على رأسها، امرأة لها لحية كاملة سابغة كلحى الرجال، وكانت تتصرف في الأسفار، وسائر ما يتصرف فيه الناس، ولا يؤبه لها حتى أمر قاضي الناحية نسوةً من القوابل بالنظر إليها، فأحجمن عن ذلك لما عاينه من منظرها، فألزمهن النظر إليها، فإذا بها امرأة كسائر النساء؛ فأمر القاضي بحلق لحيتها، وأن تتزيا بزي النساء، ولا تسافر إلا مع ذي محرم. ومن بنات تطيلة مدينة طرسونة.
ومن تطيلة الشاعر المجيد التطيلى الأعمى، صاحب القصيدة المشهورة، التي أولها طويل:
ألا حدثاني عن فلٍ وفلان ... لعلى أرى باقٍ على الحدثان
التوبة
جزيرة بالأندلس على البحر المحيط، قد أحاط بها خليج، وهي مأوى للصالحين، ورباط لأخيار المسلمين، وبها آبار عذبة، يعتملون عليها من أصناف البقول ما يقوم لمعايشهم مع مرافق البحر.
стр. 68
حرف الجيم
جرف مواز
بالأندلس، على قرطبة جبل يقال له جلطراء، يشرف على قرطبة وجميع منتزهاتها وقصورها، وهو وعر في الشتاء، ومزلة لا يستمسك عليه قدم، وفيه يقول بعض الظرفاء خفيف:
نشبتني أخاء من ليس يرعى ... لأخيه الودود حق الإخاء
تشبه الجمر والهواء مطير ... في جنوب الأجراف من جلطراء
وفي هذا الجبل جرف منقطع عالٍ جداً، تحته مهوى، بعيد مشرف على جميع بساتين رملة قرطبة، يعرف بجرف مواز؛ ومواز رجل أسود من أهل هذه القرية، كان يأتي كل غداة، فيقف بأعلى هذا الحرف، فينادي بأعلى صوته: يا أهل الرملة ثلاثاً يسمعهم عن آخرهم، لجهارة صوته، وإشراف معانية، فإذا تشوفوا له كشف لهم عن دبره، ويركع على أربع، قابضاً على أصل شجيرة كبرٍ هناك ثابتةٍ، يعتصم بها من السقوط؛ فلما طال ذلك عليهم من فعله، دسوا من قطع عروق تلك الشجرة التي كان يتمسك بها، وسوى عليها التراب كحالتها الأولى، وأتى مواز بالغد فصاح بهم على عادته، وصنع كمعهود صنيعه، فتهور من أعلى ذلك الجرف؛ فما وصل إلى الأرض إلا ميتاً فضرب به المثل، حتى قال بعض الشعراء سريع:
стр. 69
وعدتني وعداً وقربته ... تقريب من يثنى بإنجاز
حتى إذا قلت انقضت حاجتي ... رميت بي من جرف مواز
جليقية
الجلالقة من ولد يافت بن نوح ﵇، وهو الأصغر من ولد نوح، وبلدهم جليقية وهي التي تلي المغرب، وتنحرف إلى الجوف، وكانوا حوالي مدينة براقرة التي في وسط الغرب، وبراقرة هذه أولية من بنيان الروم، وقواعدهم ودور مملكتهم شبيهة بماردة في إتقان بنائها وصنعة أسوارها، وهي اليوم مهدومة الأكثر خالية، هدمها المسلمون وأجلوا أهلها.
وبلد الجليقيين سهل، والغالب على أرضهم الرمل، وأكثر أقواتهم الدخن والذرة ومعولهم في الأشربة على شراب التفاح وأنيشكه، وهو شراب يتخذ من الدقيق، وأهلها أهل غدرٍ ودناة أخلاقٍ، لا يتنظفون ولا يغتسلون في العام إلا مرةً أو مرتين بالماء البارد، ولا يغسلون ثيابهم منذ يلبسونها إلى أن تنقطع عليهم، ويزعمون أن الوضر الذي يعلوها من عرقهم به تتنعم أجسامهم، وتصلح أبدانهم، وثيابهم أضيق الثباب، وهي مفرجة تبدو من تفاريجها أكثر أبدانهم، وفيهم بأس شديد، لا يرون الفرار عند اللقاء، بل يرون الموت دونه.
стр. 70
وتنتهي أحواز الجليقيين في الجوف إلى البحر المحيط، وفي القبلة إلى أحواز مدينة طلسونة، وقاعدتهم مدينة أقش، وهي مبنية بالصخر المربع الكبير الخ.
جنجالة
حصن بالأندلس في شمال مرسية.
فيها حبس أبو زيد عبد الرحمن بن موسى بن وجان بن يحيى الهنتاتي، الذي كان وزير المنصور من بني عبد المؤمن، ثم نهض في زمان ابنه الناصر إلى ولاية تلمسان وإصلاح الطرق من عتاة زناتة؛ ولما تمكن أبو سعيد بن جامع وزير المستنصر سعى في ولاية تلمسان لعمه السيد أبى سعيد بن المنصور، فحبس ابن وجان، وجعل بنوه يكتبون سطوراً في البراءة من أفعاله وفرقوها على البلاد؛ ولما زار أبو سعيد بن جامع الوزير غنكيت في سنة٦١٧ بعد تأخيره من الوزارة بلغة أن ابن وجان شمت به وهو في حبسه بتلمسان، وتكلم ورجا التسريح، فما كان عنده خبر حتى وصل إليه من جازبه إلى الأندلس وحبسه في حصن جنجالة.
ولما حمل إلى ذلك الثغر السحيق، وظنوا إذ ذاك أنه قد حسم بذلك الإقصاء والتفريق؛ وفرقوا بنيه على البلاد، قضى الله تعالى أن مات أبو سعيد بن جامع، وخلص ابن وجان من ذلك الحصن، وقلب الدولة، وسعى في الفتنة، وذلك أنه لما وصل الخبر إلى مرسية بوفاة المستنصر يوسف بن محمد الناصر بن يعقوب المنصور بن يوسف بن عبد المؤمن، واستخلاف المبارك عبد الواحد بن يوسف بن عبد المؤمن بمراكش،
стр. 71
والأمر لابن وجان بالمسير إلى جزيرة ميورقة، قرأ قول الله تعالى: ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة، وطلب الاجتماع بالسيد أبي محمد عبد الله بن المنصور صاحب مرسية يومئذ، فلما حضر عنده قال له: أراهم قد أخرجوا الإمامة عن عقب سيدنا المنصور رحمة الله عليه، وأنا أشهد أنه قال: إن لم يصلح محمد فعبد الله قد نصر عليكم، وإن طالبتموهما لم يخالفكم أحد مع كراهية الناس في بني جامع الذين قد اتخذوا الوزارة وراثةً، وجعلوا يقصون من الحضرة كل من هو مؤهل لوزارةٍ واستشارةٍ، وقد وطأ الله لكم هذا الأمر بأن جعل إخوتكم الميامن أولاد المنصور بقرطبة ومالقة وغرناطة، فأول ما قدم فمخاطبتهم بذلك، وتهييج حفائظهم في خروج الإمامة عن بيتهم، وكان السيد أبو محمد هذا لم يبايع عمه عبد الواحد، وهو ناظر في البيعة، فأصغى إلى ابن وجان وعلم أنه قد تقدم له في هذا الأمر سابقة بوزارة المنصور، وأن الموحدين يصيرون إلى قوله في البرين، فنصب نفسه للإمامة، وتلقب بالعادل، وخاطب إخوته فجاوبوه، ثم انتقل العادل من مرسية إلى إشبيلية ومعه ابن وجان، وهو غالب على جميع التدبير، ناظر في مخاطبات ولاة العدوة، والتطلع لأخبار مراكش.
ثم إن العادل أراد أن يستريح من ابن وجان لتفرغ أتباعه إلى تدبير الآراء، والاستبداد بحضرته فإنه غم الجميع، وكان ابن وجان إذا احتوى على أمر ضم أطرافه ولم يترك لأحدٍ منه شيئاً، ولذلك رماه أهل الدول عن قوس واحدةٍ، فرسم له العادل ركوب البحر إلى سبتة ليكون بها نائب سلطانه، وناظراً في جميع بر العدوة، فركب في القطائع من نهر إشبيلية إلى سبتة، وذلك كله في سنة٦٢١، فاشتغل بالنظر في بلاد العدوة.
стр. 72
ثم أن العادل خلع، واجتمع أهل الحل والعقد وقالوا: نحب ألا نبيت الليلة إلا بإمامٍ! فقال لهم ابن وجان: إن رأيتم أن تتربصوا حتى تتحقق أخبار أبي العلى صاحب الأندلس، فقد ظهرت نجابته بتلك البلاد، وفد ذاق الاستبداد، وما أظنه يترك هذا الأمر لغيره. فعدلوا عن كلامه، وأجمع أبو زكرياء بن الشهيد وأبو يعقوب بن علي على مبايعة أبي زكرياء يحيى بن محمد الناصر.
ثم خاطب أبو العلى المذكور لابن وجان يدعوه إلى مبايعته، فأجابه وكذلك خاطبه هلال بن مقدم أمير الخلط، وعمر بن وقاريط شيخ هسكورة في شأن مبايعة أبي العلى، والتضييق على أهل مراكش الذين انحرفوا عن مبايعة أبي العلى وأخذ رأي ابن وجان ومشاركته في ذلك، فأجابهما بأن: لا تزالا تشنا الغارات طرفه عين، وأن تجتهدا في قطع الطرق حتى تحوج الضرورة أهل مراكش إلى مبايعة أبي العلى، وإخراج من لا ينفعهم؛ فلما تواصلت مصائب العرب وهسكورة على مراكش، وصاروا لا يخرج منهم جيش إلا هزموه وغنموه، حتى أفنوا كثيراً من رجالها، واجتمع أهل الرأي فيها على قتل ابن وجان، إذ كان في اعتقادهم أنه يغرى العدو الظاهر بإهلاكهم، فاطلع ابن وجان وابنه الأكبر أبو محمد على ذلك، فاختفى هو في غرفةٍ لبعض أتباعه في جهةٍ ربما يخفى عن العيون، ووقع ابنه في دربٍ من دروب هرغة فاختفى في مسجد هناك؛ ووقع النهب في جميع ما كان لهما، وصار الزمال والسائس والدخاني وأمثالهم يضع كل واحدٍ منهم يده فيمن وقع له من الحرم وغير ذلك، ولا أحد ينكر، ولا يقدر من ينكر أن يتلفظ بذلك، لأنهم كانوا عند العامة مناطبين لأعدائهم، ووقع البحث على
стр. 73
الشيخ ابن وجان وعلى ولده؛ فأما الشيخ فانتهى إليه جزار، فصاح بصاحبٍ له استعان به على جره فجراه، وذبحه الجزار، وغدا برأسه إلى أبي زيد بن الشيخ أبي محمد عبد الواحد، إذ هو ابن عمه، لأن أبا زيد المقتول هو عبد الرحمن بن عبد الواحد بن أبي جعفر بن يحيى، فيحيى يجمع بين أبي حفص وبين وجان، وجعل الله تعالى بين هذين البيتين ما جعل بين بني هاشم وبني أمية؛ وأما ابنه الوزير أبو محمد فنمى خبره إلى أولاد أبي زكرياء ابن الشهيد فوصلوا إليه وأخرجوه وضربوا عنقه على باب المسجد، وكان قتلهما في نسة٦٢٥.
جيان
مدينة بالأندلس، بينها وبين بياسة ستون ميلاً، وهي كثيرة الخصب، رخيصة الأسعار، كثيرة اللحوم والعسل؛ ولها زائد على ثلاثة آلاف قرية، كلها يربى فيها دود الحرير، وبها جنات وبساتين ومزارع وغلات القمح والشعير والباقلاء وسائر الحبوب؛ وعلى ميل منها نهر بلون وهو نهر كبير عليه أرحاء كثيرة جداً، وبها مسجد جامع وعلماء جلة.
وجيان في سفح جبل عالٍ جداً، وقصبتها من القصاب الموصوفة بالحصانة وهي من أغر المدن وشريف البقاع، وفي داخلها عيون وينابيع مطردة، ومنها عين ثرة عذبة، عليها قبو من بناء الأول، ولها بركة كبيرة عليها كان حمام الثور، فيه صورة
стр. 74
ثورٍ من رخامٍ وحمام الولد، وهما للسلطان، وحمام ابن السليم، وحمام ابن طرفة، وحمام ابن إسحاق، وتسقى بفضلته بسائط عريضة، ومن عيونها عين البلاط، عليها قبو للأول، وماؤها لا ينقض في زمان من الأزمان، على هذه العين حمام يعرف بحمام حسين، وتسقى بها أيضاً أرض كثيرة، ومن عيونها عين سطرون، وماؤها غزير نمير وعليها سقى كثير؛ والأرحاء الطاحنة على أبواب المنازل بجيان، والجنات بظهور البيوت؛ وجامع جيان مشرف يصعد إليه على درجٍ من جميع نواحيه، وهو من خمس بلاطات على أعمدة رخام، وله صحن كبير حوله سقائف، وهو من بناء الإمام عبد الرحمن بن الحكم على يد ميسرة عامل جيان.
وجبل من جبال جيان إذا تبايع أهلها أموالهم فيه شرطوا أنه في مجرى السحاب، لأن هذا الجبل في مكان لا يكاد يخطئه السحاب بالرياح المختلفة، فهم يغالون فيه لهذه الخاصية.
وبكورة جيان أقاليم عدة، وبها أسواق كثيرة، وسوقها الجامع يوم وكورتها من أشرف الكور، وهي أشبه الكور بكورة إلبيرة في طيب بقعتها، ووفور غلتها، ورفع بذرها، وكثرة خيرها؛ وجزيرتها تفوق جزيرة إلبيرة طيباً.
ومن أمثال العامة: يذكر البلدان، ويسكن جيان!؛ ولها أقاليم كثيرة، وقرىً عامرة، وعمائر واسعة.
ومن جيان الحافظ أبو علي الجياني الإمام الضابط؛ وأنشد بعض أهل جيان عند الخروج منها بتغلب العدو عليها وافر:
стр. 75
أودعكم أودعكم جياني ... وأنثر عبرتي نثر الجمان
وإني لا أريد لكم فراقاً ... ولكن هكذا حكم الزمان
وقال الخطيب بها على المنبر عند العزم على الانفصال عنها في خطبته: وهذه آخر خطبةٍ تقام بجيان! ومن أهل جيان الأستاذ أبو ذر مصعب بن محمد بن مسعود بن عبد الله بن مسعود الخشنى المعروف بابن أبي ركب، وهو القائل بعد خروجه من جيان طويل:
أجيان أنت الماء قد حيل دونه ... وإني لظمآن إليك وصادى
ذكرتك إذ هبت شمال وإذ بدا ... لعيني من تلك المعالم بادى
متى ما أرد سيراً إليك تردني ... مخافة آسادٍ هناك عوادى
وكان سكن إشبيلية وولى خطة المناكح بها، ثم سكن فاساً وأقرأ بها، ثم ولى قضاء بلده جيان سنة٥٠٩، ومن شعره طويل:
أيا نخلتي جيان بالله أسعدا ... غريباً بكى من فقد أهلٍ وجيران
يحن إلى ظليكما وفؤاده ... رهين بأظعانٍ حللن بجيان
يؤمل أقصى الغرب والشرق همه ... ويذكر أوطاناً تحن لأوطان
وما ذاك عن بغضٍ ولا عن قلى لها ... ولكن عدت عنها تصاريف أزمان
عسى من قضى بالبعد عنهم بلطفه ... يسدد من حالي ويصلح من شاني
следующие страницы →