← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 1344

صفة جزيرة الأندلس

الحميري، ابن عبد المنعم

Полный текст (203 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

والأمر لابن وجان بالمسير إلى جزيرة ميورقة، قرأ قول الله تعالى: ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة، وطلب الاجتماع بالسيد أبي محمد عبد الله بن المنصور صاحب مرسية يومئذ، فلما حضر عنده قال له: أراهم قد أخرجوا الإمامة عن عقب سيدنا المنصور رحمة الله عليه، وأنا أشهد أنه قال: إن لم يصلح محمد فعبد الله قد نصر عليكم، وإن طالبتموهما لم يخالفكم أحد مع كراهية الناس في بني جامع الذين قد اتخذوا الوزارة وراثةً، وجعلوا يقصون من الحضرة كل من هو مؤهل لوزارةٍ واستشارةٍ، وقد وطأ الله لكم هذا الأمر بأن جعل إخوتكم الميامن أولاد المنصور بقرطبة ومالقة وغرناطة، فأول ما قدم فمخاطبتهم بذلك، وتهييج حفائظهم في خروج الإمامة عن بيتهم، وكان السيد أبو محمد هذا لم يبايع عمه عبد الواحد، وهو ناظر في البيعة، فأصغى إلى ابن وجان وعلم أنه قد تقدم له في هذا الأمر سابقة بوزارة المنصور، وأن الموحدين يصيرون إلى قوله في البرين، فنصب نفسه للإمامة، وتلقب بالعادل، وخاطب إخوته فجاوبوه، ثم انتقل العادل من مرسية إلى إشبيلية ومعه ابن وجان، وهو غالب على جميع التدبير، ناظر في مخاطبات ولاة العدوة، والتطلع لأخبار مراكش. ثم إن العادل أراد أن يستريح من ابن وجان لتفرغ أتباعه إلى تدبير الآراء، والاستبداد بحضرته فإنه غم الجميع، وكان ابن وجان إذا احتوى على أمر ضم أطرافه ولم يترك لأحدٍ منه شيئاً، ولذلك رماه أهل الدول عن قوس واحدةٍ، فرسم له العادل ركوب البحر إلى سبتة ليكون بها نائب سلطانه، وناظراً في جميع بر العدوة، فركب في القطائع من نهر إشبيلية إلى سبتة، وذلك كله في سنة٦٢١، فاشتغل بالنظر في بلاد العدوة.

стр. 72

ثم أن العادل خلع، واجتمع أهل الحل والعقد وقالوا: نحب ألا نبيت الليلة إلا بإمامٍ! فقال لهم ابن وجان: إن رأيتم أن تتربصوا حتى تتحقق أخبار أبي العلى صاحب الأندلس، فقد ظهرت نجابته بتلك البلاد، وفد ذاق الاستبداد، وما أظنه يترك هذا الأمر لغيره. فعدلوا عن كلامه، وأجمع أبو زكرياء بن الشهيد وأبو يعقوب بن علي على مبايعة أبي زكرياء يحيى بن محمد الناصر. ثم خاطب أبو العلى المذكور لابن وجان يدعوه إلى مبايعته، فأجابه وكذلك خاطبه هلال بن مقدم أمير الخلط، وعمر بن وقاريط شيخ هسكورة في شأن مبايعة أبي العلى، والتضييق على أهل مراكش الذين انحرفوا عن مبايعة أبي العلى وأخذ رأي ابن وجان ومشاركته في ذلك، فأجابهما بأن: لا تزالا تشنا الغارات طرفه عين، وأن تجتهدا في قطع الطرق حتى تحوج الضرورة أهل مراكش إلى مبايعة أبي العلى، وإخراج من لا ينفعهم؛ فلما تواصلت مصائب العرب وهسكورة على مراكش، وصاروا لا يخرج منهم جيش إلا هزموه وغنموه، حتى أفنوا كثيراً من رجالها، واجتمع أهل الرأي فيها على قتل ابن وجان، إذ كان في اعتقادهم أنه يغرى العدو الظاهر بإهلاكهم، فاطلع ابن وجان وابنه الأكبر أبو محمد على ذلك، فاختفى هو في غرفةٍ لبعض أتباعه في جهةٍ ربما يخفى عن العيون، ووقع ابنه في دربٍ من دروب هرغة فاختفى في مسجد هناك؛ ووقع النهب في جميع ما كان لهما، وصار الزمال والسائس والدخاني وأمثالهم يضع كل واحدٍ منهم يده فيمن وقع له من الحرم وغير ذلك، ولا أحد ينكر، ولا يقدر من ينكر أن يتلفظ بذلك، لأنهم كانوا عند العامة مناطبين لأعدائهم، ووقع البحث على

стр. 73

الشيخ ابن وجان وعلى ولده؛ فأما الشيخ فانتهى إليه جزار، فصاح بصاحبٍ له استعان به على جره فجراه، وذبحه الجزار، وغدا برأسه إلى أبي زيد بن الشيخ أبي محمد عبد الواحد، إذ هو ابن عمه، لأن أبا زيد المقتول هو عبد الرحمن بن عبد الواحد بن أبي جعفر بن يحيى، فيحيى يجمع بين أبي حفص وبين وجان، وجعل الله تعالى بين هذين البيتين ما جعل بين بني هاشم وبني أمية؛ وأما ابنه الوزير أبو محمد فنمى خبره إلى أولاد أبي زكرياء ابن الشهيد فوصلوا إليه وأخرجوه وضربوا عنقه على باب المسجد، وكان قتلهما في نسة٦٢٥. جيان مدينة بالأندلس، بينها وبين بياسة ستون ميلاً، وهي كثيرة الخصب، رخيصة الأسعار، كثيرة اللحوم والعسل؛ ولها زائد على ثلاثة آلاف قرية، كلها يربى فيها دود الحرير، وبها جنات وبساتين ومزارع وغلات القمح والشعير والباقلاء وسائر الحبوب؛ وعلى ميل منها نهر بلون وهو نهر كبير عليه أرحاء كثيرة جداً، وبها مسجد جامع وعلماء جلة. وجيان في سفح جبل عالٍ جداً، وقصبتها من القصاب الموصوفة بالحصانة وهي من أغر المدن وشريف البقاع، وفي داخلها عيون وينابيع مطردة، ومنها عين ثرة عذبة، عليها قبو من بناء الأول، ولها بركة كبيرة عليها كان حمام الثور، فيه صورة

стр. 74

ثورٍ من رخامٍ وحمام الولد، وهما للسلطان، وحمام ابن السليم، وحمام ابن طرفة، وحمام ابن إسحاق، وتسقى بفضلته بسائط عريضة، ومن عيونها عين البلاط، عليها قبو للأول، وماؤها لا ينقض في زمان من الأزمان، على هذه العين حمام يعرف بحمام حسين، وتسقى بها أيضاً أرض كثيرة، ومن عيونها عين سطرون، وماؤها غزير نمير وعليها سقى كثير؛ والأرحاء الطاحنة على أبواب المنازل بجيان، والجنات بظهور البيوت؛ وجامع جيان مشرف يصعد إليه على درجٍ من جميع نواحيه، وهو من خمس بلاطات على أعمدة رخام، وله صحن كبير حوله سقائف، وهو من بناء الإمام عبد الرحمن بن الحكم على يد ميسرة عامل جيان. وجبل من جبال جيان إذا تبايع أهلها أموالهم فيه شرطوا أنه في مجرى السحاب، لأن هذا الجبل في مكان لا يكاد يخطئه السحاب بالرياح المختلفة، فهم يغالون فيه لهذه الخاصية. وبكورة جيان أقاليم عدة، وبها أسواق كثيرة، وسوقها الجامع يوم وكورتها من أشرف الكور، وهي أشبه الكور بكورة إلبيرة في طيب بقعتها، ووفور غلتها، ورفع بذرها، وكثرة خيرها؛ وجزيرتها تفوق جزيرة إلبيرة طيباً. ومن أمثال العامة: يذكر البلدان، ويسكن جيان!؛ ولها أقاليم كثيرة، وقرىً عامرة، وعمائر واسعة. ومن جيان الحافظ أبو علي الجياني الإمام الضابط؛ وأنشد بعض أهل جيان عند الخروج منها بتغلب العدو عليها وافر:

стр. 75

أودعكم أودعكم جياني ... وأنثر عبرتي نثر الجمان وإني لا أريد لكم فراقاً ... ولكن هكذا حكم الزمان وقال الخطيب بها على المنبر عند العزم على الانفصال عنها في خطبته: وهذه آخر خطبةٍ تقام بجيان! ومن أهل جيان الأستاذ أبو ذر مصعب بن محمد بن مسعود بن عبد الله بن مسعود الخشنى المعروف بابن أبي ركب، وهو القائل بعد خروجه من جيان طويل: أجيان أنت الماء قد حيل دونه ... وإني لظمآن إليك وصادى ذكرتك إذ هبت شمال وإذ بدا ... لعيني من تلك المعالم بادى متى ما أرد سيراً إليك تردني ... مخافة آسادٍ هناك عوادى وكان سكن إشبيلية وولى خطة المناكح بها، ثم سكن فاساً وأقرأ بها، ثم ولى قضاء بلده جيان سنة٥٠٩، ومن شعره طويل: أيا نخلتي جيان بالله أسعدا ... غريباً بكى من فقد أهلٍ وجيران يحن إلى ظليكما وفؤاده ... رهين بأظعانٍ حللن بجيان يؤمل أقصى الغرب والشرق همه ... ويذكر أوطاناً تحن لأوطان وما ذاك عن بغضٍ ولا عن قلى لها ... ولكن عدت عنها تصاريف أزمان عسى من قضى بالبعد عنهم بلطفه ... يسدد من حالي ويصلح من شاني

стр. 76

حرف الخاء الخضراء بالأندلس، وهي الجزيرة الخضراء، ويقال لها جزيرة أم حكيم، وهي جارية طارق بن زياد مولى موسى بن نصير كان حملها معه فخلفها هذه الجزيرة فنسبت إليها، وعلى مرسى أم حكيم مدينة الجزيرة الخضراء، وبينها وبين مدينة قلشانة أربعة وستون ميلاً، وهي على ربوةٍ مشرفةٍ على البحر وسورها متصل به، وبشرقيها خندق وبغربيها أشجار تينٍ وأنهار عذبة؛ وقصبة المدينة موفية على الخندق وهي منيعة حصينة سورها حجارة وهي في شرقي المدينة ومتصلة بها؛ وبالمدينة جامع حسن البناء فيه خمس بلاطات وصحن واسع وسقائف من جهة الجوف وهو في وسط المدينة في أعلى الربوة، وأسواقها متصلة من الجامع إلى شاطئ البحر؛ وعلى البحر بين القبلة والشرق من مدينة الجزيرة مسجد سوى يعرف بمسجد الرايات، ركزت فيه المجوس راياتها، فنسب إليها، وله باب من خشب سفن المجوس، وبها كانت دار صناعةٍ بناها عبد الرحمن بن محمد أمير المؤمنين للأساطيل، وأتقن بناءها، وعلى أسوارها، ثم اتخذها المنتزون بها في الفتنة قصراً، وبقرب المدينة مدخل الوادي في البحر، عليه بساتين كثيرة، ومهبطه من حيث تدخله السفن، ومنه شرب أهل الجزيرة، ويسمونه وادي العسل، ويمده البحر إلى قدر شطر المدينة، وهو نحو نصف ميل، وتجاهه أثر مدينة الجلندي الملك صاحب

стр. 77

قرطاجنة إفريقية بقبلى مدينة الجزيرة، وهو اليوم خربة تزدرع، وبها حائط عريض مبنى بالحجارة داخل البحر، ومن هذا الحائط كانت تشحن المراكب، وبنى عليه محمد بن بلال برجاً. ومدينة الجزيرة طيبة رفيقة بأهلها جامعة لفائدة البر والبحر قريبة المنافع من كل وجهٍ لأنها وسطى مدن الساحل وأقرب مدن الأندلس مجازاً إلى العدوة. ومنها تغلب ملوك الأندلس على ما تغلبوا عليه من بلاد إفريقية؛ وبها ثلاث حمامات، ولها كور كثيرة، وكانت جبايتها ثماني عشر ألفاً وتسعمائة. وأهل الجزيرة هذه هم الذين أبوا أن يضيفوا موسى والخضر ﵉، وبها أقام الخضر الجدار وخرق السفينة، والجلندى هو الذي كان يأخذ كل سفينة غصباً، حكى ذلك عن وكيع بن الجراح. ومرسى الجزيرة مشتى مأمون، وهو أيسر المراسى للجواز، وأقربها من بر العدوة، ويحاذيه مرسى مدينة سبتة، ويقطع البحر بينهما في ثلاث مجارٍ، ويتلوه جبل طارق. وللخضراء هذه سور حجارةٍ مفرغ بالجيار، ولها ثلاثة أبوابه، وبها دار صناعةٍ داخل المدينة؛ وعلى نهرها المسمى نهر العسل بساتين وجنات بضفتيه معاً، وبالجزيرة الخضراء إنشاء وإقلاع وحط، وأمام المدينة الجزيرة المعروفة بأم حكيم المتقدمة الذكر؛ والجزيرة الخضراء أول مدينةٍ افتتحت من الأندلس في صدر الإسلام

стр. 78

سنة٩٠ من الهجرة على يد موسى بن نصير من قبل المروانيين، ومعه طارق بن عبد الله ابن ونمو الزناتي في قبائل البربر. وعلى باب البحر مسجد يسمى مسجد الرايات يقال إن هناك اجتمعت رايات القوم للراى. وكان وصولهم أيضاً من جبل طارق، وإنما سمى بجبل طارق لأن طارق ابن عبد الله لما جاز بالبربر الذين معه تحصن بهذا الجبل. وقدر أن العرب لا ينزلونه فأراد أن ينفى عن نفسه التهمة، فأمر بإحراق المراكب التي جاز بها فتبرأ بذلك مما اتهم به. وبين هذا الجبل والجزيرة الخضراء ستة أميال، وهو جبل منقطع مستدير، في أسفله كهوف فيها ماء. ولها من الأبواب الباب الكبير، يعرف بباب حموة غربي، وباب الخوخة قبلي، وباب طرفة جوفي؛ ولها ثلاث حمامات. وتغلب المجوس عليها في سنة٢٤٥، وأحرقت المسجد الجامع بها؛ وفي الشرق من مدينة الجزيرة مسجد يقال إنه من بناء صاحبٍ من أصحاب رسول الله " ﷺ "، ويقال إنه أول مسجدٍ بنى بالأندلس ويعرف الموضع الذي هو فيه بقرطاجنة، فإذا أقحط أهل الجزيرة استسقوا فيها بفضل الله تعالى ورحمته. والجزيرة في شرقي شذونة، وقبلي قرطبة، ولها أقاليم عدة.

стр. 79

حرف الدال دانية مدينة بشرقي الأندلس. على البحر عامرة حسنة، لها ربض عامر، وعليها سور حصين، وسورها من ناحية المشرق في داخل البحر قد بنى بهندسة وحكمة؛ ولها قصبة منيعة جداً، وهي على عمارةٍ متصلة، وشجر تينٍ كثيرة، وكروم؛ والسفن واردة عليها، صادرة عنها، ومنها كان يخرج الأسطول إلى الغزو، وبها ينشأ أكثره لأنها دار إنشاءٍ؛ وفي الجنوب منها جبل عظيم مستدير، وتظهر من أعلاه جبال يابسةٍ في البحر. ومن دانية أبو عمرو الداني المقرئ المعروف بابن الصيرفي، له تواليف في القراءات، سمع بالأندلس من محمد بن عبد الله أبي زمنين، ووصل إلى المشرق، وفسمع من جماعةٍ، توفي بدانية سنة٤٤٤. دروقة مدينة بالأندلس من عمل قلعة أيوب، وعظيمة في سفح جبل، وعلى مقربة منها كنيسة أبرونية، ولها ثلاثمائة باب وستون باباً، وهي إحدى عجائب البنيات. وقيل بين دروقة وبين قلعة أيوب ثمانية عشر ميلاً، وهي مدينة صغيرة مختصرة،

стр. 80

كثيرة العامر كثيرة البساتين والكروم، وكل شيء بها كثير رخيص، وبينها وبين سرقسطة خمسون ميلاً. دلاية قرية بالأندلس من عمل المرية.

стр. 81

حرف الراء رصافة ورصافة أخرى بقرطبة في الجهة الجوفية منها، ورصافة أخرى بيلنسية بينها وبين البحر، وأظن منها الرصافى الشاعر، مادح عبد المؤمن بن علي. الرقيم وفي الأندلس في جهة إغرناطة، بقرب قريةٍ تسمى لوشة، كهف فيه موتى، ومعهم كلب رمة، وأكثرهم قد انجرد لحمه، وبعضهم متماسك، وقد مضت القرون السالفة ولم نجد من علم شأنهم، ويزعم أناس أنهم أصحاب الكهف، قال: ودخلت إليهم ورأيتهم سنة ٥٠٤ وهم بهذه الحالة، وعليهم مسجد، وقريباً منهم بناء رومي يسمى الرقيم، كأنه قصر محلق، وقد بقي بعض جدرانه، وهو في فلاةٍ من الأرض خربةٍ، وبأعلى حضرة إغرناطة مما يلي القبلة آثار مدينةٍ رومية يقال لها مدينة دقيوس، وجدنا في آثارها غرائب وقبوراً. ركلة مدينة بالأندلس، بقرب سرقسطة وقلعة أيوب، عالية البنيان، على وادي شلون، وبساتينها تسقى منه، ونزل بمدينة ركلة في أيام بني هود برد عظيم، حطم

стр. 82

أغصان شجر الكمثرى حتى تركها جذوعاً دون أغصان، وجد في زنة واحد منها في اليوم الثاني من نزوله ثلاثة أرطال بالبغدادي. فسبحان من له القدرة الباهرة! رندة بالأندلس من مدن تاكرنا، وهي مدينة قديمة، بها آثار كثيرة، وهي على نهر ينسب إليها، واجتلب الماء إليها من ق ريةٍ بشرقيها ومن جبل طلوبرة بغربيها، فيوافى الماء داخلها من شرقيها وغربيها، ويتوارى نهرها في غارٍ فلا ترى جرتيه أميالاً، ثم يظهر حتى يقع في نهر لكه. وبقرب مدينة رندة عين تعرف بالبراوة، وتجرى من أول الربيع إلى آخر الصيف، فإذا دخل الخريف نضب ماؤها فلا يفيض بقطرةٍ إلى أول الربيع من عامٍ ثانٍ. ريمية مدينة بالأندلس تعرف بمدينة بني راشد، بها أنشام عادية، ويأوي إليها عقبان كثيرة فلا تؤذيهم في شيء من دجاجهم، وهي تأتى على ما في سائر القرى المجاورة لها، وإذا حصرها الثلج هناك ومنعها من التصرف صرصرت من الجوع، وأرمقت بأصواتها، فيلقى لها أهل ريمية من فضول ما عندهم، فتأكل وتسكث. ريه كورة من كور الأندلس، في قبلي قرطبة، نزلها جند الأردن من العرب، وهي كثيرة الخيرات.

стр. 83

حرف الزاي الزاهرة مدينة متصلة بقرطبة من البلاد الأندلسية، بناها المنصور بن أبي عامر لما استولى على دولة خليفته هشام. قال ابن حيان: كان الخليفة الحكم وقف من الأثر على البقعة التي بنيت فيها الزاهرة، وكانت ملوك المروانية قبله تتخوف ذلك، وكان فيها اهتم بشأنها الحكم، فنظر فيا وقاس على جهاتها البقعة المدعوة بألش بفتح اللام، وهي بغربي مدينة الزهراء، ووجد انتقال الملك إليها، فأمر حاجبه أبا أحمد المصحفى بالسبق إلى بنائها، طمعاً في مزية سعدها، وألا يخرج الأمر من يد ولده، فأنفق عليها ما لا عظيماً؛ فمن الغرائب أن محمد بن أبي عامر تولى له شأنها ولا يعلم يومئذٍ به، ثم وقع إلى الحكم أن البقعة بغير ذلك الموضع، وأنها بشرقي مدينة قرطبة، فأنفذ رسوله بالوقوف عليها، فانتهى إلى منزل ابن بدر المسمى ألش مضمومة اللام؛ وأصاب هناك عجوزاً مسنة وقفته على حد الارتياد وقالت له: سمعنا قديماً أن مدينة تبنى هنا، ويكون على هذه البئر نزول ملكها، فكم سعى أمير المؤميني بالسؤال عنها، وأمر الله واقع لا محالة! فعاد الرسول بالجلية، فلم تطل المدة حتى بناها محمد بن أبي عامر، وبنيى بأرجاء تلك البئر قراره. قال الفتح بن خاقان: لما استفحل أمره، واتقد جمره، وجل شأنه، وظهر

стр. 84

استبداده، وكثر حساده؛ وخاف على نفسه من الدخول إلى قصر السلطان، وخشى أن يقع بطالبه في أشطان؛ فتوثق لنفسه، وكشف له ما ستر عنه في أمسه؛ من الاعتزاز عليه، ورفض الاستناد إليه؛ وسما إلى ما سمت إليه الملوك من اختراع قصرٍ ينزل فيه، ويحله بأهله وذويه؛ ويضم إليه رياسته، ويتم به تدبيره وسياسته؛ ويجمع فيه فتيانه، وغلمانه؛ ويحشر إليه صنائعه. فارتاد موضع مدينته المعروفة بالزاهره الموصوفة بالمشيدات الباهره؛ وأقامها بطرف البلد على نهر قرطبة الأعظم، ونسق فيها كل اقتدار معجز ونظم؛ وشرع في بنائها سنة ٣٦٨، فحشر إليها الصناع والفعله، وأبرزها بالذهب واللازورد متوجة منعله؛ وجلب نحوها الآلات الجليله، وسربلها بهاء يرد العيون كليله؛ وتوسع في اختصاطها، وتولع بانتشارها في البسيطة وانبساطها؛ وبالغ في رفع أسوارها، وثابر على تسوية أنجادها وأغوارها؛ فاتسعت هذه المدينة في المدة القريبة، وصار بناؤها من الأبنية الغريبة؛ وبنى معظمها في عامين. وفي سنة ٣٧٠ انتقل المنصور إليها ونزلها بخاصته وعامته، وفتبوأها وشحنها بجميع أسلحته، وأمواله وأمتعته؛ وتخذفيها الدواوين للعمال، ترتفع فيها ضروب الأعمال؛ والاصطبلات لأنواع الكراع وعمل داخلها الأهراء، وأطلق بساحتها؛ ثم أقطع وزراءه وكتابه، وقواده وحجابه؛ القطائع الواسعة فابتنوا بأكنافها كبار الدور، وجليلات القصور؛ واتخذوا خلالها المستغلات المفيده، والمنازه المشيده؛ فاتسعت هذه المدينة

стр. 85

في المدة القريبة وقامت فيها الأسواق، وكثرت فيها الأرزاق؛ وتنافس الناس في النزول بأكنافها، والحلول بأطرافها؛ للدنو من صاحب الدولة، وتناهى الغلو في البناء حوله؛ حتى اتصلت أرباضها بأرباض قرطبة، وكان الفراغ منها في سنة ٣٧٠. وفي هذه السنة نزل فيها بخاصته، وعامته؛ وخلع الخليفة إلا من الاسم الخلافي، وصير ذلك هو الرسم العافي؛ ورتب فيها جلوس وزرائه، ورؤوس أمرائه؛ وكبت إلى الأقطار بالأندلس والعدوة في أن تحمل إلى مدينته تلك الأموال الجبايات، ويقصدها أصحاب الولايات؛ فحشد إليها الناس من جميع الأقطار، وحجر على خليفته كل تدبير؛ واتفق له ذلك بسرعة بطشه، وأقام الخليفة منذ نقل عنه الملك إلى قصر الزاهرة مهجور الفنا، محجور الغنا؛ خفى الذكر، مسدود الباب، محجوب الشخص، لا يخاف منه بأس ولا يرجى منه إنعام، وليس له إلا الرسم السلطاني في السكة والدعوة والاسم الخلافي، وأزال أطماع الناس منه، وصيرهم لا يعرفونه، واشتد ملكه منذ نزل قصر الزاهرة؛ وتوسع مع الأيام في تشييد أبنيتها، وتنجيد أفنيتها؛ حتى كملت أحسن كمال، وجاءت في نهاية الحسن والجمال؛ ومازالت هذه المدينة رائقةً متناسقة السعود، تراوحها الفتوح وتغاديها، لا توجه منها راية إلا إلى فتح، ولا يصدر عنها تدبير إلا إلا بنجح؛ إلى أن حان يومها العصيب، وقيض لها من المكروه أوفر نصيب؛ فتولت فقيده، وخلت من بهجتها كل عقيده.

стр. 86

الزقاق بحر الزقاق وهو الداخل من البحر المحيط، والذي عليه سبتة، والذي يضيق من المشرق إلى المغرب حتى يكون عرضه ثمانية عشر ميلاً، وهو بساحل الأندلس الغربي بمكان يقال له الخضراء، ما بين طنجة من أرض المغرب وبين الأندلس، ثم يتسع الزقاق كلما امتد حتى يصير إلى ما الا ذرع له ولا نهاية، وهو مخرج بحر الروم المتصاعد إلى الشأم، وسنذكر ذلك إن شاء الله عند ذكر سبتة. وفي بعض الأخبار أنه قبل افتتاح المسلمين البلاد المصرية بمائة سنة، طغى ماء البحر وزاد، فأغرق القنطرة التي كانت بين بلاد الأندلس وبين ساحل طنجة من أرض المغرب، وكانت قنطرة عظيمة لا يعلم لها في المعمور نظير؛ يقال إنها من بناء ذي القرنين مبنية بالحجارة، يمر عليها الإبل والدواب من ساحل المغرب إلى الأندلس، وكان طولها أثنى عشر ميلاً، في عرضٍ واسعٍ وسموٍ كبير؛ وربما بدت هذه القنطرة لأهل المراكب تحت الماء فعرفوها، والناس يقولون: لا بد من ظهورها قبل فناء الدنيا. الزلاقة بطحاء الزلافة من إقليم بطليوس من غرب الأندلس، فيها كانت الوقيعة الشهيرة للمسلمين على الطاغية عظيم الجلالقة إذ فونش بن فرذلند عهيد المعتمد محمد بن عباد، وكان ذلك في الثاني عشر من رجب سنة ٤٧٩.

стр. 87

وكان السبب في ذلك فساد الصلح المنقعد بين الطاغية وبين المعتمد؛ فإن المعتمد اشتغل عن أداء الضريبة في الوقت الذي صارت عادته يؤديها فيه، بغزو ابن صمادح صاحب المرية، واستنفاده ما في يديه بسبب ذلك، فتأخر لأجل ذلك أداء الإتاوة عن وقتها، فاستشاط الطاغية غضباً، وتشطط فطلب بعض الحصون زيادة على الضريبة، وأمعن في التجنى، فسأل في دخول امرأته القمطيجة إلى جامع قرطبة لتلد فيه من حملٍ كان بها، حيث أشار إليه بذلك القسيسون والأساقفة، لمكان كنيسةٍ كانت في الجانب الغربي منه، ومعظمةٍ عندهم، عمل المسلمون عليها الجامع الأعظم؛ وسأل أن تنزل امرأته المذكورة بمدينة الزهراء غربي مدينة قرطبة، تنزل بها فتختلف منها إلى الجامع المذكور، حتى تكون تلك الولادة بين طيب نسيم الزهراء، وفضيلة ذلك الموضع الموصوف من الجامع، وزعم أن الأطباء، أشاروا عليه بالولادة في الزهراء، كما أشار عليه القسيسون بالجامع، وسفر بذلك بينهما يهودى، وكان وزيراً لابن فرذلند، فتكلم بين يدي المعتمد ببعض ما جاء به من عند صاحبه، فأيأسه ابن عباد من جميع ذلك، فأغلظ له اليهودى في القول، وشافهه بما لم يحتمله، فأخذ ابن عباد محبرة كانت بين يديه، فأنزلها على رأس اليهودى، فألقى دماغه في حلقه، وأمر به فصلب منكوساً بقرطبة. واستفتى ابن عباد الفقهاء لما سكت عنه الغضب، عن حكم ما فعله باليهودى، فبادره الفقيه محمد بن الطلاع بالرخصة في ذلك، لتعدى الرسول حدود الرسالة إلى ما يستوجب له القتل، إذ ليس له أن يفعل ما فعل؛ وقال للفقهاء حين خرجوا: إنما بادرت بالفتوى خوفاً أن يكسل الرجل عما عزم عليه من منابذة العدو، وعسى الله أن يجعل في عمزيمته للمسلمين فرجاً!

стр. 88

بلغ الفنش ما صنع ابن عباد، فأقسم بآلهته ليغزونه بإشبيلية، ويحصره في قصره؛ فجرد جيشين جعل على أحدهما كلباً من مساعير كلابه وأمره أن يسير على كورة باجة من غرب الأندلس، ويغير على تلك التخوم والجهات، ثم يمر على لبلة إلى إشبيلية، وجعل موعده إياه طريانة للاجتماع معه؛ ثم زحف ابن فرذلند بنفسه في جيش آخر عرمرم، فسلك طريقاً غير طريق صاحبه، وكلاهما عاث في بلاد المسلمين وخرب ودمر، حتى اجتمعا لموعدهما بضفة النهر الأعظم، قبالة قصر ابن عباد، وفي أيام مقامه هناك كتب إلى ابن عباد زارياً عليه: كثر بطول مقامي في مجلس الذبان، واشتد على الحر، فألقني من قصرك بمروحةٍ أروح بها على نفسى، وأطرد بها الذباب عنى! فوقع له ابن عباد بخط يده في ظهر الرقعة: قرأت كتابك، وفهمت خيلاءك وإعجابك، وسأنظر لك في مراوح من الجلود اللمطية، في أيدي الجيوش المرابطية، تروح منك لا تروح عليك، إن شاء الله! فلما ترجم لا بن فرذلند توقيع ابن عباد في الجواب، أطرق إطراق من لم يخطر له ذلك ببالٍ. وفشا في بلاد الأندلس خبر توقيع ابن عباد، وما أظهر من العزيمة على إجازة الصحراويين والاستظهار بهم على ابن فرذلند، فاستبشر الناس، وفتحت لهم أبواب الآمال، وانفرد ابن عباد بتدبير ما عزم عليه من مداخلة يوسف بن تاشفين، ورأت ملوك الطوائف بالأندلس ما عزم عليه من ذلك، فمنهم من كتب إليه، ومنهم من شافهه. كلهم يحذره سوء عاقبة ذلك، وقالوا له: الملك عقيم، والسيفان لا يجتمعان في غمدٍ واحدٍ! فأجابهم ابن عباد بكلمته السائرة مثلاً: رعى الجمال خير من رعى الخنازير! أي أن كونه مأكولاً لابن تاشفين أسيراً يرعى جماله في الصحراء، خير من كونه ممزقاً لابن فرذلند، أسيراً يرعى خنازيره في قشتالة؛ وكان

стр. 89

مشهوراً برزانة الاعتقاد. وقال لعذاله ولوامه: يا قوم أنا من أمري على حالتين، حالة يقين وحالة شكٍ، ولا بد لي من إحداهما؛ أما حالة الشك فإني إن استندت إلى ابن تاشفين أو إلى ابن فرذلند ففي الممكن أن يفيالي ويبقيا على، ويمكن ألا يفعلا؛ فهذه حالة الشك. وأما حالة اليقين، فهي أني إن استندت إلى ابن تاشفين فأنا أرضي الله، وإن استندت إلى ابن فرذلند أسخطت الله، فإذا كانت حالة الشك فيها عارضة فلأي شيء أدع ما يرضى الله وآتي ما يسخطه! وحينئذ أقصر أصحابه عن لومه. فلما عزم خاطب جاريه المتوكل عمر بن محمد صاحب بطليوس، وعبد الله بن حبوس ابن ماكسن الصنهاجي صاحب إغرناطة، يأمرهما أن يبعث إليه كل واحدٍ منهما قاضي حضرته، ففعلا؛ ثم استحضر قاضي الجماعة بقرطبة أبا بكر عبيد الله بن أدهم، وكان أعقل أهل زمانه؛ فلما اجتمع القضاة عنده بإشبيلية، أضاف إليهم وزيره أبا بكر ابن زيدون، وعرفهم أربعتهم أنهم رسله إلى يوسف بن تاشفين، وأسند إلى القضاة ما يليق بهم من وعظ يوسف، وترغيبه في الجهاد؛ وأسند إلى ابن زيدون ما لا بد منه في تلك السفارة، من إبرام العقود السلطانية. وكان يوسف بن تاشفين لا تزال تفد عليه وفود ثغور الأندلس، مستعطفين، مجهشين بالبكاء، ناشدين الله والإسلام، مستنجدين بفقهاء حضرته، ووزراء دولته، فيستمع إليهم، ويصغى لقولهم، وترق نفسه لهم؛ فما عبرت رسل ابن عباد البحر إلا ورسل يوسف بالمرصاد؛ وقد آذن صاحب سبتة بقصده الغزو، وتشوقه إلى نصرة أهل الإسلام بالأندلس، وسأله أن يخلى الجيوش تجوز في المجاز؛ فتعذر عليه، فشكاه يوسف إلى الفقهاء، فأفتوا أجمعين بما لا يسر صاحب سبتة. ولما انتهت الرسل إلى ابن تاشفين أقبل عليهم، وأكرم مثواهم، وجددوا الفتوى

стр. 90

في حق صاحب سبتة، واتصل ذلك بابن عباد، فوجه من إشبيلية أسطولاً نحو صاحب سبتة، فانتظمت في سلك يوسف، ثم جرت بينه وبين الرسل مراوضات، ثم انصرفت الىمرسلها. ثم عبر يوسف البحر عبوراً هنيئاً، حتى أتى الجزيرة الخضراء ففتحوا له، وخرج إليه أهلها بما عندهم من الأقوات والضيافات، وجعلوا سماطاً أقاموا فيه سوقاً، جلبوا عليه من عندهم من سائر المرافق، وأذنوا للغزاة في دخول البلد، والتصرف فيها، فامتلأت المساجد والرحبات بضعفاء المطوعين وتواصوا بهم خيراً. فلما عبر يوسف وجميع الجيوش، انزعج إلى إشبيلية على أحسن الهيئات، جيشاً بعد جيش، وأميراً بعد أمير، وقبيلاً بعد قبيل؛ وبعث المعتمد ابنه إلى لقاء يوسف، وأمر عمار البلاد بجلب الأقوات والضيافات، ورأى يوسف من ذلك ما سره ونشطه، وتواردت الجيوش مع أمرائها في إشبيلية، وخرج المعتمد إلى لقاء يوسف من إشبيلية في مائة فارسٍ ووجوه أصحابه، فأتى محلة يوسف فركض نحو القوم وركضوا نحوه، فبرز إليه يوسف وحده، والتقيا منفردين، وتصافحا وتعانقا، وأظهر كل واحدٍ منهما المودة والخلوص، فشكرا نعم الله، وتواصيا بالصبر والرحمة، وبشرا نفسهما بما استقبلاه من غزو أهل الكفر، وتضرعا إلى الله تعالى في أن يجعل ذلك خالصاً لوجهه، مقرباً إليه وافترقا؛ فعاد يوسف لمحلته، ورجع ابن عباد إلى جهته، ولحق بابن عباد ما كان أعده من هدايا وتحفٍ وألطافٍ، وأوسع بها محلة ابن تاشفين. وباتوا تلك الليلة. فلما صلوا الصبح ركب الجميع؛ وأشار ابن عباد على يوسف بالتقدم إلى إشبيلية، ففعل، ورأى الناس من عزة سلطانه ما سرهم؛ ولم يبق من ملوك الطوائف بالأندلس إلا من

стр. 91

بادر وأعان وخرج وأخرج؛ وكذلك فعل الصحراويون مع يوسف بكل صقع من أصقاعه، رابطوا وصابروا. ولما تحققق ابن فرذلند جواز يوسف، استنفر جميع أهل بلاده وما يليها، وما وراءها، ورفع القسيسون والرهبان والأساقفة صلبانهم، ونشروا أناجيلهم، فاجتمع له من الجلالقة والإفرنجة وما يليهم مالا يحصى عدده؛ وجعل يصغى على أبناء المسلمين متغيظا على ابن عباد جافياً ذلك عليه، متوعداً له. وجواسيس كل فريقٍ مترددون بين الجميع، وبعث ابن فرذلند إلى ابن عباد: إن صاحبكم يوسف قد تعنى من بلاده، وخاض البحور، وأنا أكفيه العناء فيما بقى، ولا أكلفكم تعباً، أمضى إليكم، وألقاكم في بلادكم، رفقاً بكم، وتوفيراً عليكم. وقال لأهل وده ووزرائه: إني رأيت إن أمكنتهم من الدخول إلى بلادي، فناجزوني بين جدرها، وربما كانت الدائرة على، فيكتسحون البلاد، ويحصدون من فيها في غداةٍ؛ لكن أجعل يومهم معي في حوز بلادهم، فإن كانت على اكتفوا بما نالوه، ولم يجعلوا الدروب وراءهم إلا بعد أهبةٍ أخرى، فيكون في ذلك صون لبلادي، وجبر لمكاسرى! وإن كانت الدائرة عليهم كان مني فيهم وفي بلادهم ما خفت أنا أن يكون منهم في وفي بلادي إذا ناجزوني في وسطها! ثم برز بالمختار من أنجاد جموعه على باب دربه، وترك بقية جموعه خلفه، وقال حين نظر إلى ما اختاره من جموعه: بهؤلاء أقاتل الجن والإنس وملائكة السماء، فالمقلل يقول: كان هؤلاء المختارون من أجناده أربعين ألف دراع، ولا بد لمن هذه صفته أن يتبعه واحد أو اثنان، وأما النصارى فيتعجبون ممن يزعم ذلك ويقوله. واتفق الكل أن عدة المسلمين كانت أقل من عدة المشركين. ورأى ابن فرذلند في نومه كأنه

стр. 92

راكب على فيلٍ، فضرب نقيرة طبلٍ فهالته روياه، وسأل عنها القسوس والرهبان فلم يجبه أحد! ودس يهودياً إلى من يعلم تأويلها من المسلمين، فدل على عابر فقصها عليه، ونسبها إلى نفسه، فقال له العابر: كذبت! ما هذه الرويا لك، ولا بد أن تخبرني من صاحبها وإلا لم أعبرها لك! فقال له: اكتم، ذلك هو الفنش بن فرذلند! فقال العابر: قد علمت أنها رؤياه ولا ينبغي أن تكون لغيره، وهي تدل على بلاء عظيمٍ، ومصيبةٍ فادحة، تؤذن بصلبه عما قريب، أما الفيل فقد قال الله تعالى: ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل السورة، وأما ضرب النقيرة فقد قال الله تعالى: فإذا نقر في الناقور فذلك يومئذٍ يوم عسير الآية؛ فانصرف اليهودى إلى ابن فرذلند وجمجم له وذكر له ما وافق خاطره ولم يفسرها له. ثم خرج ابن فرذلند ووفق على الدروب، ومال بجيوشه إلى الجهة الغربية من بلاد الأندلس، فتقدم يوسف فقصده، وتأخر ابن عباد لبعض الأمر، ثم انزعج يقفو إثره بجيش فيه حماة الثغور، ورؤساء الأندلس، وجعل ابنه عبد الله على مقدمته، وسار وهو يتفاءل لنفسه، مكملاً البيت المشهور كامل: لا بد من فرج قريب ... يأتيك بالعجب العجيب غزو عليك مبارك ... سيعود بالفتح القريب لله سعدك إنه ... نكس على دين الصليب لا بد من يوم يكو ... ن أخاً له يوم القليب ورافت الجيوش كلها بطليوس، فأناموا بظاهرها، وخرج إليهم صاحبها

стр. 93

المتوكل عمر بن محمد فلقيهم بما يجب من الأقوات والضيافات، وبذلك مجهوده، ثم جاءهم الخبر بشخوص ابن فرذلند إليهم، ولما ازدلف بعضهم إلى بعضٍ، أذكى المعتمد عيونه في محلات الصحراويين خوفاً عليهم من مكايد ابن فرذلند، إذ هم غرباء لا علم لهم بالبلاد، وجعل يتولى ذلك بنفسه حتى قيل إن الرجل من الصحراويين كان يخرج عن طرق محلاتهم لبعض شأنه، أو لقضاء حاجته، فيجد ابن عباد بنفسه مطيفاً بالمحلة بعد ترتيب الكراديس من خيلٍ على أفواه طرق محلاتهم؛ فلا يكاد الخارج منهم من المحلة يخطئ إذ ذاك من لقاء ابن عباد لكثرة تطوافه عليهم. ثم كتب يوسف إلى ابن فرذلند يدعوه إلى الإسلام أو الجزية أو يأذن بحربه فامتلأ غيظاً وعتا وطغا وراجعه بما يدل على شقائه، وقامت الأساقفة والرهبان فرفعوا صلبهم، ونشروا أناجيلهم، وخرجوا يتبايعون على الموت؛ ووعظ يوسف وابن عباد أصحابهما، وقام الفقهاء والعباد يعظون الناس ويحضونهم على الصبر، ويحذرونهم الفرار؛ وجاءهم الطلائع بخبر أن العدو مشرف عليهم صبيحة يومهم، وهو يوم الأربعاء فأصبح المسلمون قد أخذوا مصافهم، فكع ابن فرذلند ورجع إلى إعمال الخديعة، ورجع الناس إلى محلاتهم، وباتوا ليلتهم، ثم أصبح يوم الخميس فأخذ ابن فرذلند في إعمال الحيلة، فبعث لابن عباد يقول: غداً يوم الجمعة وهو عيدكم، وبعده الأحد وهو عيدنا فليكن لقاؤنا بينهما وهو يوم السبت! فعرف المعتمد بذلك يوسف، فقال: نعم! فقال له المعتمد: هذه خديعة من ابن فرذلند! إنما يريد غدر المسلمين! فلا تطمئن إليه، وليكن الناس على استعدادٍ له طول يوم الجمعة كل النهار! وبات الناس ليلتهم على أهبةٍ واحتراسٍ بجميع المحلات، خائفين من كيد العدو، وبعد مضي جزءٍ من الليل انتبه

стр. 94

الفقيه الناسك أبو العباس أحمد بن رميلة القرطبي وكان في محلة ابن عباد فرحاً مسروراً، يقول إنه رأى النبي " ﷺ " فبشره بالفتح والشهادة له في صبيحة غدٍ وتأهب ودعا ودهن رأسه وتطيب، وانتهى ذلك إلى ابن عباد، فبعث إلى يوسف فخبره بها تحقيقاً لما توقعه من غدر ابن فرذلند، فحذروا أجمعين، ولم ينفع ابن فرذلند ما حاوله من الغدر. ثم جاء في الليل فارسان من طلائع المعتمد، يخبران أنهما أشرفا على محلة ابن فرذلند وسمعا ضوضاء الجيوش، واضطراب الأسلحة. ثم تلاحق بقية الطلائع محققين بتحرك ابن فرذلند، ثم جاءت الجواسيس من داخل محلة ابن فرذلند يقولون: استرقنا السمع الساعة فسمعنا ابن فرذلند يقول لأصحابه: ابن عباد مسعر هذه الحروب، وهؤلاء الصحراويون، وإن كانوا أهل حفاظٍ وذوي بصائر في الجهاد، فهم غير عارفين بهذه البلاد، وإنما قادهم ابن عباد، فاقصدوه واهجموا عليه، واصبروا، فإن انكشف لكم هان عليكم الصحراويون بعده، ولا أرى ابن عباد يصبر لكم إن صدقتموه الحملة! وعند ذلك بعث ابن عبد كاتبه أبا بكر بن القصيرة إلى يوسف يعرفه بإقبال ابن فرذلند، ويستحث نصرته، فمضى ابن القصيرة يطوي المحلات حتى جاء يوسف بن تاشفين، فعرفه بجلية الأمر، فقال له: قل له إني سأقرب منك إن شاء الله تعالى. وأمر يوسف بعض قواده أن يمضي بكتيبةٍ رسمها له حتى يدخل محلة النصارى فيضرمها ناراً، ما دام ابن فرذلند مشتغلاً مع ابن عباد. وانصرف ابن القصيرة إلى المعتمد، فلم يصله إلا وقد غشيته جنود ابن فرذلند، فصدمها ابن عباد صدمةً قطعت آماله، ولم ينكشف له، فحميت الحرب بينهما، ومال ابن فرذلند على المعتمد بجموعه، وأحاطوا به من كل جهةٍ فاستحر القتل فيهم،

стр. 95

وصبر ابن عبادٍ صبراً لم يعهد مثله لأحد، واستبطأ يوسف وهو يلاحظ طريقه، وعضته الحرب، واشتد البلاء، وأبطأ عليه الصحراويون، وساءت ظنون أصحابه، وانكشف بعضهم، وفيهم ابنه عبد الله، وأثخن ابن عباد جراحات، وضرب على رأسه ضربة فلقت هامته، حتى وصلت إلى صدغيه، وجرحت يمنى يديه، وطعن في أحد جانبيه، وعقرت تحته ثلاثة أفراس، كلما هلك واحد قدم له آخر، وهو يقاسي حياض الموت، ويضرب يميناً وشمالاً، وتذكر في تلك الحالة ابناً له صغيراً، كان مغرماً به، تركه بأشبيلية عليلاً، إسمه العلاء، وكنيته أبو هاشم، فقال " متقارب ": أبا هاشم هشمتني الشفار ... ولله صبري لذاك الأوار ذكرت شخيصك تحت العجاج ... فلم يثننى ذكره للفرار ثم كان أول من وافى ابن عباد، من قواد ابن تاشفين، داود بن عائشة، وكان بطلاً شهماً، فنفس بمجيئه عن ابن عباد؛ ثم أقبل يوسف بعد ذلك، وطبولة تصدع الجو، فلما أبصره ابن فرذلند وجه أشكولته إليه، وقصده بمعظم جنوده، وقد كان عمل حساب ذلك من أول النهار، وأعد له هذه الأشكولة، وهي معظم جنوده، فبادر إليه يوسف وصدمهم بجمعه فردهم إلى مركزهم، وانتظم به شمل ابن عباد، ووجد ريح الظفر، وتباشر بالنصر، ثم صدقوا جميعاً الحملة، فتزلزلت الأرض بحوافر خيلهم، وأظلم النهار بالعجاج والغبار، وخاضت الخيل في الدماء، وصبر الفريقان صبراً عظيماً؛ ثم تراجع ابن عباد إلى يوسف وحمل معه حملةً نزل معها النصر، وتراجع المنهزمون من أصحاب ابن عباد حين علموا بالتحام الفئتين، فصدقوا الحملة، فانكشف الطاغية، ومر هارباً منهزماً، وقد طعن في إحدى ركبتيه طعنةً بقي أثرها بقية عمره، فكان

стр. 96

يخمع منها، فلجأ إلى تلٍ كان يلي محلته في نحو الخمسمائة فارس كلهم مكلوم، وأباد القتل والأسر من عداهم من أصحابهم، وعمل المسلمون بعد ذلك من رؤوسهم صوامع يؤذنون عليها، وابن فرذلند ينظر إلى موضع الوقيعة ومكان الهزيمة، فلا يرى إلا نكالاً محيطاً به وبأصحابه. وأقبل ابن عباد على يوسف فصافحه وهنأه وشكره وأثنى عليه، وشكر يوسف مقامه، وحسن بلائه وجميل صبره، وسأله عن حاله عندما أسلمته رجاله بانهزامهم عنه فقال: هم هؤلاء قد حضروا بين يديك فليخبروك! ولما أنحاز الطاغية بشرذمته، جعل ابن عبادٍ يحرض على اتباع الطاغية، وقطع دابره، فأتى ابن تاشفين واعتذر بأن قال: لو اتبعناه اليوم لقي في طريقه أصحابنا المنهزمين راجعين إلينا منصرفين، فيهلكهم؛ بل نصبر بقية يومنا حتى يرجع إلينا اصحابنا، ويجتمعوا بنا، ثم نرجع إليه فنحسم داءه. وابن عباد يرغب في استعجال إهلاكه ويقول: إن فر أمامنا لقيه أصحابنا المنهزمون فلا يعجزون عنه! ويوسف مصر على الامتناع من ذلك. ولما جاء الليل تسلل ابن فرذلند وهو لا يلوى على شيء، وأصحابه يتساقطون في الطريق واحداً بعد واحدٍ من أثر جراحهم، فلم يدخل طليطلة إلا في دون المائة. وتكلم الناس في اختلاف ابن عباد وابن تاشفين، فقال شيع ابن عباد: لم يخف على يوسف أن ابن عباد أصاب وجه الصواب والرأي في معالجته، لكن خاف أن يهلك العدو الذي من أجله استدعاه فيقع الاستغناء عنه! وقالت شيع يوسف: إنما أراد ابن عباد قطع حبال يوسف من العود إلى جزيرة الأندلس! وقال آخرون: كلا الرجلين أسر حسوا في ارتغاءٍ، وإن كان ابن عباد أحرى بالصواب.

стр. 97

وكتب ابن عباد إلى ابنه بإشبيلية: كتابي هذا من المحلة يوم الجمعة الموفى عشرين من رجب وقد أعز الله الدين، ونصر المسلمي، وفتح لهم الفتح المبين؛ وأذاق المشركين العذاب الأليم، والخطب الجسيم؛ فالحمد لله على ما يسره وسناه من هذه الهزيمة العظيمة، والمسرة الكبيرة، هزيمة إذ فونش أصلاه الله نكال الجحيم، ولا أعدمه الوبال العظيم. بعد إتيان النهب على نحلاته، واستئصال القتل في جميع أبطاله وأجناده، وحماته وقواده. حتى اتخذ المسلمون من هاماتهم صوامع يؤذنون عليها، فالله الحمد على جميل صنعه، ولم يصبني بحمد الله تعالى إلا جراحات يسيرة ألمت، لكنها قرحت بعد ذلك، وغنمت وظفرت. ولما فرغ يوسف من وقيعة يوم الجمعة، تواردت عليه أبناء من قبل السفن، فلم يجد معها بداً من سرعة الكرة، فانصرف إلى إشبيلية، فأراح بظاهر ثلاثة أيام، ونهض نحو بلاده، ومشرى ابن عباد معه يوماً وليلةً. فعزم عليه يوسف في الرجوع، وكانت جراحاته تثعب وتورم كلم رأسه، فرجع وأمر ابنه بالمسير بين يديه إلى فرضه المجاز حتى يعبر البحر إلى بلده. ولما دخل ابن عباد إشبيلية جلس للناس وهنى بالفتح، وقرأت القراء، وقامت على رأسه الشعراء فأنشدوه. قال عبد الجليل بن وهبون: حضرت ذلك اليوم، وأعددت قصيدة أنشده إياها، فقرأ القارئ: " إلا تنصروه فقد نصره الله " فقلت: بعداً لي ولشعري! والله ما أبقت لي هذه الآية معنىً أحضره إليه، وأقوم به. واستشهد في ذلك اليوم جماعة من أعيان الناس، كابن رميلة المتقدم الذكر،

стр. 98

وقاضي مراكش أبي مروان عبد الملك المصمودي وغيرهما. وطار ذكر ابن عباد بهذه الوقيعة، وشهد مجده، ومالت إليه القلوب، وسالمته ملوك الطوائف، وخاطبوه جميعاً بالتهنئة، ولم يزل ملحوظاً معظماً إلى أن كان من أمره مع يوسف ما كان. قال مؤلف هذا الكتاب رحمه الله تعالى عليه: قد خالفت بشرح هذه الوقيعة شرط الاختصار لحلاوة الظفر في وقت نزول الهموم، ووقوعها في الزمن الخامل، والله يفعل ما يشاء وهو المستعان! الزهراء مدينة في غربي قرطبة، بناها الناصر عبد الرحمن بن محمد، كذا قالوا، ولا أدري أهي الزاهرة المتقدمة الذكر، أو غيرها؛ وبينها وبين قرطبة خمسة أميال. وكانت قائمة الذات بأسوارها، ورسوم قصورها، وكان فيها قوم سكان بأهاليهم وذراريهم، وكانت في ذاتها عظيمة، مدرجة البنية؛ وهي مدينة فوق مدينةٍ، سطح الثلث الأعلى على الحد الأوسط، وسطح الثلث الأوسط على الثلث الأسفل، وكل ثلثٍ منها له سور، فكان الحد الأعلى منها قصوراً يعجز الواصفون عن وصفها، والحد الأوسط بساتين وروضات، والحد الأسفل فيه الديار والجامع، ثم خرب ذلك كله، وأصابه ما أصاب قرطبة وغيرها من بلاد موسطة الأندلس، فإنا لله وإنا إليه راجعون.

стр. 99

حرف السين سرقسطة في شرق الأندلس، وهي المدينة البيضاء. وهي قاعدة من قواعد الأندلس، كبيرة القطر، آهلة، ممتدة الأطناب، واسعة الشوارع، حسنة الديار والمساكن، متصلة الجنات والبساتين، ولها سور حجارةٍ حصين، وهي على ضفة نهرٍ كبيرٍ، يأتي بعضه من بلاد الروم، وبعضه من جبال قلعة أيوب ومن غير ذلك؛ فتجتمع مواد هذه الأنهار كلها فوق مدينة تطيلة، ثم تنصب إلى مدينة سرقسطة؛ ومدينة سرقسطة هي المدينة البيضاء، وسميت بذلك لكثرة جصها وجيارها؛ ومن خواصها أنها لا تدخلها حية ألبتة، وإن جلبت إليها ماتت؛ فمن الناس من يزعم أن فيها طلسما لذلك، ومنهم من يقول إن أكثر بنيانها من الرخام الذي هو صنف من الملح الدراني؛ ومن خاصيتها ألا تدخل الحناش موضعاً يكون فيه، وكذا بأقاليم عدة. ولسرقسطة جسر عظيم يجاز عليه إلى المدينة، ولها أسوار منيعة، ومبانٍ رفيعة. واسمها مشتق من اسم قيصر، وهو الذي بناها، وذكر أنها بنيت على مثل الصليب وجعل لها أربعة أبواب: باب إذا طلعت الشمس من أقصى المطالع في القيظ قابلته عند بزوغها، فإذا غربت قابلت الباب الذي بإزائه من الجانب الغربي، وباب إذا

стр. 100

طلعت الشمس من أقصى مطالعها في الشتاء قابلته عند بزوغها وهو الباب القبلي؛ وإذا غربت قابلت الباب الذي بإزائه من الجانب الغربي. وهذه المدينة على خمسة أنهار. وسرقسطة واسعة الخطة لا تعرف بالأندلس مدينة تشبهها، وقيل تعرف بالبيضاء لأن أسوارها القديمة من حجر الرخام الأبيض؛ وكان الذي بنى المسجد الجامع بسرقسطة ووضع محرابه حنش بن عبد الله الصنعاني، فلما زيد فيها، هدم الحائط القبلي، غير المحراب، فإنه احتفر من جوانبه حتى انتهى إلى قواعده، فأعملت الحيلة في حمله على الخشب وجره إلى الموضع الذي هو فيه اليوم، فتصدع وبنى عليه وحواليه البناء الذي هو باقٍ إلى الآن؛ وتوفي حنش هذا وعلى بن رباح اللخمى، وهما من جلة التابعين، بمدينة سرقسطة، وقبراهما معروفان بمقبرة باب القبلة، وكان بعض من مضى من الملوك أراد أن يتخذ عليها مشهداً، ويبنى فوقها مصنعاً، فلما اعتزم ذلك أتته امرأة معروفة بالصلاح والأمانة، موسومة بالعدالة، فأخبرته أنها رأتهما فيما يرى النائم. وأخبراها أنهما يكرهان أن يبنى على قبرهما شيء. فرجع عن ذلك الأمر الذي كان هم به. ومدينة سرقسطة أطيب البلدان بقعةً، وأكثرها ثمرة، لكثرة الفواكه في بساتينهم، حتى لا يقوم ثمنها بمؤنة نقلها لرخصها. فيتخذونها سرجيناً يدمنون به أرضهم؛ وربما بيع فيها وسق القارب من التفاح بما تباع به الأرطال اليسيرة في غيرها. ومما خصت به سرقسطة معدن الملح الدراني، الذي لا يوجد مثله في مكان ولا يعدل به. وأخذ النصارى سرقسطة من يد المسلمين سنة ٥١٢، بعد أن حاصروها تسعة أشهرٍ،

стр. 101

صلحاً؛ خرج إليها الإفرنج في خمسين ألف راكب، وابن ردمير في جملةٍ أخرى، أعادها الله للإسلام بفضله. ومن سرقسطة قاسم بن ثابت صاحب كتاب الدلائل، بلغ فيه الغاية من الإتقان ومات قبل أن يكمله، وأكمله أبوه ثابت بعده. وكان قاسم ورعاً فاضلاً، وأريد على أن يلي قضاء سرقسة، فأبى من ذلك، فأراد أبوه إكراهه على ذلك، فسأله أن يتركه ثلاثة أيام حتى ينظر في أمره، ويستخير الله تعالى، فمات في الثلاثة الأيام. فيروى أنه دعا لفنسه بالموت، وكان يقال إنه مجاب الدعوة، توفي برقسطة سنة ٣٠٢. سمورة هي دار مملكة الجلالقة، على ضفة نهرٍ كبيرٍ جداً، خرارٍ، كثير الماء، شديد الجرية، عميق القعر. وبين سمورة وبين البحر ستون ميلاً. وسمورة مدينة جليلة، قاعدة من قواعد الروم، وعليها سعة أسوار من عجيب البنيان، وقد أحكمته الملوك السالفة، وبين الأسوار فصلان وخنادق ومياه واسعة. وقد كان عبد الرحمن بن محمد الخليفة الأموي بالأندلس غزاسنة٣٢٧ في أزيد من مائتي ألف من الناس، فنزل على دار مملكة الجلالقة، وهي سمورة هذه، وكان أشد ما على أهل الأندلس من الأمم المحاربة لهم الجلالقة، كما أن الإفرنجة حرب لهم، غير أن الجلالقة أشد بأساً. وكان لبعد الرحمن بن محمد صاحب الأندلس وزير من ولد أمية يقال له أحمد بن إسحاق، فقبض عليه عبد الرحمن على موجدةٍ وجدها عليه، فقتله

стр. 102

عبد الرحمن، وكان لذلك الوزير أخر يقال له أمية في مدينة شنترين من ثغور الأندلس. فلما علم ما فعل بأخيه عصا عبد الرحمن، وصار في حيرز ردمير ملك الجلالقة، فأعانه على المسلمين، ودله على عوراتهم، ثم خرج أمية في بعض الأيام عن المدينة يتصيد في بعض متنزهاته، فغلب على المدينة بعض غلمانه، ومنعه من الدهول إليها، وكاتب عبد الرحمن، فمضى أمية بن إسحاق أخو الوزير المقتول إلى ردمير فاصطفاه واستوزره وصيره في جملته، وغزا عبد الرحمن صاحب الأندلس مدينة سمورة دار مملكة الجلالقة، وكان في أزيد من مائة ألف، فكانت الوقيعة بينه وبين ردمير ملك الجلالقة في شوال سنة٣٢٧ كما قدمناه، فكانت اللمسلمين عليهم، ثم ثابوا بعد أن حوصروا وألجئوا، فقتلوا من المسلمين بعد عبورهم الخندق خمسين ألفاً، وقيل إن الذي منع ردمير من طلب من نجا من المسلمين أمية بن إسحاق، خوفه الكمين، ورغبه فيما كان في عسكر المسلمين من الأموال والعدد والخزائن، ولولا ذلك لأتى على جميع المسلمين. ثم إن أمية هذا استأمن عبد الرحمن بعد ذلك، وتخلص من ردمير، فقبله عبد الرحمن أحسن قبولٍ؛ وقد كان عبد الرحمن بعد ذلك، وتخلص من ردمير، فقبله عبد الرحمن أحسن قبولٍ؛ وقد كان عبد الرحمن صاحب الأندلس بعد هذه الوقيعة جهز عساكره مع عدةٍ من قواده إلى دار الجلالقة، فكانت لهم بهم حروب هلك فيها من الجلالقة ضعف من قتل من المسلمين في الوقيعة الأولى وكانت للمسلمين عليهم. ومدينة سمورة محدثة اتخذت داراً سنة٢٨٨.

стр. 103

حرف الشين شجس قرية بالأندلس قريبة من بطرير، وهي قرية جامعة مفيدة، وهي قريبة من شاطبة. شذونة بالأندلس، وهي كورة متصلة بكورة مورور، وعمل شذونه خمسون ميلا في مثلها، وهي من الكور المجندة، نزلها جند فلسطين من العرب، وكورة شذونة كورة جليلة القدر، جامعة لخيرات البر والبحر، كريمة البقعة، عذبة التربة، يفيض مياهها بلا ندوى مع المحل ثمارها، وقد لجأ إليها عامة أهل الأندلس سنة١٣٦، وكانت الأندلس قد قحطت ستة أعوامٍ. ومن كور شذونة شريش وغبرها، وفيها كانت الهزيمة على لذريق حين افتتحت الأندلس سنة٩٦. وبقرب شذونة موضع يعرف بالجبل الواسط، وهو جبل فيه آثار للأول، وفي شق صخرةٍ داخل كهفٍ فيه فأس حديدٍ، يتعلق من الشق الذي في الصخرة، تراه العين وتجسه اليد، فمن رام إخراجه لم يطق ذلك، وإذا رفعته اليد ارتفع وغاب في شق الصخرة، ثم يعود إلى حالته. ويذكر مشايخ كورة شذونة أن النار أوقدت على الموضع، ورش بالخل لينكس، ويوصل إلى استخراج الفأس، فلم يقدر على ذلك،

стр. 104

وأعياهم أمره، وقرنت الثيران في بعض الأزمنة، وجعلت عجلتان، وشد بهما طرفا حبلٍ وثيقٍ قد ربط في الفأس، وحملوا على الثيران ليقلع الفأس، فلم يستطع ذلك. قالوا: وأطيب العنبر الغربي إنما يوجد بساحلها، وبساحل شذونه يوجد حوت التن لا في غيره من سواحل الأندلس، فيظهر في أول شهر مايه، لا يرى قبل هذا الشهر، فإنه يخرج من البحر المحيط فيدخل إلى البحر المتوسط الذي يسمى البحر الرومي، فيصيد مدة ظهوره أربعين يوماً، ثم يعود على مثل ذلك الوقت من العام الآخر. وبساحل شذونة المقل الذي يعظم جماره حتى يكون قلبه مثل قلب النخل، وكانت تصنع منه الغرابيل عن الحلفاء. وكانت جباية شذونة في أيام الأمير الحكم بن هشام خمسين ألفاً وستمائة. الشرف من غربي إشبيلية بالأندلس، وهو جبل شريف البقعة، كريم التربة، دائم الخضرة، فراسخ في فراسخ طولاً وعرضاً، لا تكاد تشمس منه بقعة لا لتفاف زيتونه، واشتباك غصونه، وزيته من أطيب الزيوت، كثير الريع عند العصر، لا يتغير على طول الدهر، ومن هناك يتجهز به إلى الآفاق براً وبحراً؛ وكل ما استودع أرض إشبيلية وغرس في تربتها نما وزكا وفضل وجل. ويقال إن في الشرف ثمانية آلاف قرية عامرة، وديارها حسنة، وبين الشرف وبين إشبيلية ثلاثة أميال، وسمي بذلك لأنه مشرف على ناحية إشبيلية، ممتد من الجنوب

стр. 105

إلى الشمال، وهو كله تراب أحمر، وشجر الزيتون فيه من هذا المكان إلى قنطرة لبلة. شريش من كور شذونة بالأندلس، بينها وبين قلشانة خمسة وعشرون ميلاً، وهي على مقربة من البحر، يجود زرعها، ويكثر ريعها. وبين المغرب والقبلة من شريش حصن روطة، على شاطئ البحر، بينهما ستة أميال، وهو موضع رباطٍ، ومقر للصالحين، مقصود من الأقطار، وبروطة هذه بئر حصب بماء لا يعلم مثله في بقعةٍ، وهي بئر أولية، قديمة البنية، ينزل المرء يستسقى الماء بيده حيث انتهى من البئر، فكلما كثر البشر بحصن روطة، واجتمعت إليه المرابطة طما الذي في البئر وزاد حتى يستسقى من رأس البئر باليد دون مهانةٍ ولا مشقة، فإذا قل الناس بها وتفرفوا نضب الماء حتى يكون بآخر دركه. وشريش متوسطة حصينة حسنة الجهات، قد أطافت بها الكروم الكثيرة، وشجر الزيتون والتين والحنطة بها ممكنة. شقر جزيرة بالأندلس، قريبة من شاطبة، وبينها وبين بلنسية ثمانية عشر ميلاً. وهي حسنة البقعة، كثيرة الأشجار والثمار والأنهار، وبها أناس وجلة، وبها

стр. 106

جامع ومساجد وفنادق وأسواق، وقد أحاط بها الوادي. والمدخل إليها في الشتاء على المراكب، وفي الصيف على مخاضة. وفي إحاطة الوادي بها يقول ابن خفاجة في شعرٍ يتشوق فيه إلى معاهده، ويندب ماضي زمانه " خفيف ": بين شقرٍ وملتقى نهريها ... حيث ألقت بنا الأماني عصاها ويغنى المكاء في شاطئيها ... يستخف النهى فحلت حباها عيشة أقبلت يشهى جناها ... وارف ظلها لذيذ كراها لعبت بالعقول إلا قليلاً ... بين تأويبها وبين سراها فانثنينا مع الغصون غصوناً ... مرحاً في بطاحها ورباها ثم ولت كأنها لم تكن تل؟ ... بث إلا عشيةً أو ضحاها فاندب المرج فالكنيسة فالش؟ ... ط وقل آه يا معيد هواها آه من غربةٍ ترقرق بثا ... آه من رحلةٍ تطول نواها آه من فرقةٍ لغير تلاقٍ ... آه من دارٍ لا يجيب صداها لست أدري ومدمع المرز رطب ... أبكاها صبابةً أم سفاها فتعالى يا عين نبك عليها ... من حياة إن كان يغنى بكاها وشباب قد فات إلا تناس؟ ... يه ونفسٍ لم يب إلا شجاها ما لعيني تبكي عليها وقلبي ... شمنى سواده لو فداها وفي جزيرة شقر يقول الكاتب أبو المطرف بن عميرة طويل:

стр. 107

فقد حازنا نأى عن الأهل بعدما ... نأينا عن الأ وطان فهي بلاقع نرى غربةً حتى تنزل غربة ... لقد صنع البين الذي هو صانع وكيف بشقرٍ أو بزرقة مائه ... وفيه لشقرٍ أو لزرقٍ شوارع وقال من قصيدة يمدح فيها صاحب إفريقية الأمير الأجل أبا زكرياء " منسرح ": وعاد قلبي من شوق أندلسٍ ... عبداً شرفته وما فتر فأين منا منازل عصفت ... ريح عليها من العدى صرصر ودون شقرٍ ودون زرقته ... أزرق يحكى قناه وأشقر شقندة قرية بعدوة نهر قرطبة، قبالة قصرها، فيها اجتمع وجوه العجم يتشاورون في حرب العرب، ويحذرونهم من العقود عنهم، ويحضون بعضهم بعضاً على أن يكونوا يداً واحدة، وقدموا على لذريق بقرطبة بسبب ذلك، فنزلوا أكناف شقندة هذه، ولم يطمئنوا إلى الدخول على لذريق أخذاً بالحزم. شقوبية بالأندلس، ليست بمدينة، إنما هي قرى كثيرة متجاورة متقاربة متلاصقة، متداخلة العمارات، فيها بشر كثير، وجم غفير، وهم في نظر صاحب طليطلة، وهم أنجاد أجلاد، ومنها إلى طليطلة مائة ميلٍ.

стр. 108

شقورة مدينة من أعمال جيان بالأندلس، قالوا: وجبل شقورة ينبت الورد الذكي المعطر، والسنبل الرومي الطيب، وفي غيران شنت مرتين من جبل شقوره أشقاقل كبير قوى الفعل، يفوق غيره، وإذا نزل بتلك الغيران أحد كثر منه الاحتلام، وربما نزل المنى منه بغير إرادة ولا تذكر؛ ويقال إن في قريةٍ هنالك ماء يفعل مثل ذلك. وفي جبل شقورة شجر الطخش الذي يتخذ منه القسى، وعصير ورقه سم قتال وحي. وفي تلك الناحية ماء صعيدة في حجر قد رما تدخل الدابة رأسها فيه، فتشرب ويتتابع على ذلك العدد الكثير من الدواب فتصدر رواءً، فإذ استقى في إناء لم يكن يروى الرجل. ولعلى بن أبي جعفر بن همشك، وكتب على قبره بشقورة وافر: لعمرك ما أردت بقاء قبري ... وجسمي فيه ليس له بقاء ولكن رجوت وقوف من على ... قبر مر فينفعني الدعاء سبيل الموت غاية كل حيٍ ... فكل سوف يلحقه بالفناء ومن شقورة أبو بكر بن مجبر الشاعر المفلق المجيد، شاعر دولة بني عبد المؤمن.

стр. 109

شلب من بلاد الأندلس، وهي قاعدة كورة أكشونبة، وهي مدينة بقبلي مدينة ياجة، ولها بسائط فسيحة، وبطائح عريضة؛ ولها جبل عظيم منيف، كثير المسارح والمياه، واكثر ما ينبت فيه شجر التفاح العجيب، يتضوع منه روائح المود. وعليها سور حصين، ولها غلات وجنات، وشرب أهلها من واديها الجاري إليها من جهة جنوبها، وعليه أرحاء البلد، والبحر منها في الغرب على ثلاثة أميالٍ، ولها مرسىً في الوادي وبها الإنشاء، والعود بجبالها كثير، يحمل منها إلى كل الجهات؛ والمدينة في ذاتها حسنة الهيئة، بديعة البناء، مرتبة الأسواق، وأهلها وسكان قراها عرب من اليمن وغيرها، وكلامهم بالعربية الصريحة، وهم فصحاء يقولون الشعر، وهم نبلاء خاصتهم وعامتهم؛ وأهل بوادي هذه البلدة في غاية الكرم، لا يجاريهم فيه أحد. ومن شلب إلى بطليوس ثلاث مراحل، ومن شلب إلى مارتلة أربعة أيام. وفي سنة ٥٨٥ في ربيع الآخر منها، نازل ابن الرنق صاحب قلمرية وما يليها من غرب الأندلس مدينة شلب هذه، فلم يزل محاصراً لها إلى أن ضاق أهلها بالحصار، فخافوا الغلية عليهم، فصالحوهم على أن يخرجوا سالمين في أنفسهم، ويتركوا البلد بجميع ما فيه من أموالهم وأثاثهم، فأجابهم على ذلك، ووفي لهم بما صالحهم عليه، ودخلها في الموفى عشرين من رجب هذه السنة، وبلغ أمر شلب إلى صاحب المغرب والأندلس، المنصور يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن، فامتعض من ذلك

стр. 110

وأنف منه، وكبر عليه، فاعترض جنوده، واستنفر حشوده، واستعد الأسلحة، وفرق الأموال، وخرج من مراكش قاصداً الأندلس في وسط ذي الحجة من هذه السنة، واستمر سيره إلى أن وصل إلى رباط الفتح من مدينة سلا، فأقام بها نحواً من ثلاثين يوماً إلى أن توافقت الحشود، وتكاملت القبائل، وورد عليه في أثناء مقامه برباط الفتح فتح فتح عليه في المغرب، وهنى به؛ وفيه يقول أبو بكر بن مجبر " طويل ": قلائد فتح كان يذخرها الدهر ... فلما أردت الغزو أبرزها النصر القصيدة بطولها. وتحرك المنصور من رباط الفتح في أخريات المحرم عام ٥٨٦، وركب البحر من قصر مصمودة في الثاني والعشرين من ربيع الأول، فأقام بطريف إلى أن تحرك منها في غرة ربيع الآخر، وسار إلى قرطبة، وعقدت له الرايات بجامعها الأكبر؛ وفي ذلك يقول أبو بكر بن مجبر قصيدته المشهورة التي أولها " بسيط ": بشراى هذا لواء قل ما عقدا ... إلا وقد مده الروح الأمين بدا وأقبل النصر لا يعدو بناحيةٍ ... فحيما قصدت راياته قصدا واستقبلته بتبشير الفتوح فقد ... كادت تكون على أكتافه لبدا إلى آخر القصيدة، وهي طويلة. ثم تحرك من إشبيلية إلى قصر أبي دانس من غرب الأندلس، فنزلوا على حكمه، فاحتملهم إلى مراكش، ورحل من قصر أبي دانس إلى حصن بلمالة، فاست سلموا ورغبوا في الأمان على أن يتركوا الحصن، ويسلموا في أنفسهم، وينصرفوا إلى بلادهم، فأجيبوا إلى ذلك، وخلى سبيلهم، فنهضوا إلى بلادهم؛
следующие страницы →