← Тараджим

Тараджим · id 1347

طبقات الأولياء

ابن الملقن

Полный текст (567 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

حرف الباء بشر الحافي ١٥٢ - ٢٢٧ للهجرة بشر الحارث الحافى؛ لقب بذلك لأنه جاء إلى إسكاف يطلب منه شسعاً لأحد نعليه، وكان قد انقطع، فقال له الإسكاف: " وما أكثر كلفتكم على الناس! " فألقى النعل من يده والأخرى من رجله، وحلف لا يلبس نعلا بعدها. كنيته أبو نصر، أحد رجال الطريقة، ومعدن الحقيقة، مثل الصلحاء وأعيان الورعاء. أصله من مرو، سكن بغداد. صحب الفضيل بن عياض ورأى سريا السقطي، وغيره.

стр. 107

وسبب توبته أنه أصاب فى الطريق رقعة فيها اسم الله، وقد وطئتها الأقدام، فأخذها واشترى بدرهم كان معه غالية، فطيبها وجعلها في شق حائط، فرأى في المنام كأن قائلا يقول: " يا بشر! طيبت أسمى، لأطيبن اسمك في الدنيا والآخرة! " وروى أنه إلى النهر فغسله، وكان لا يملك إلا درهما، فاشترى به مسكا وماء ورد، وجعل يتتبع اسم الله ويطيبه، ورجع إلى منزله فنام؛ فأتاه آت وقال: " يا بشر! كما طيبت أسمى لأطيبن ذكرك! وكما طهرته لأطهرن قلبك! ". ومناقبه جمة أفردها ابن الجوزى بالتأليف. مات عشية الأربعاء لعشر بقين من ربيع الأول - وقيل: لعشر خلون من المحرم - سنة سبع وعشرين ومائتين، وقد بلغ من العمر خمساً وسبعين سنة، وقيل: سبعاً وستين. وأخرجت جنازته بعد صلاة الصبح، ولم يحصل في القبر إلى الليل، وكان نهاراً صافياً. ومن كلامه: " لا تكون كاملا حتى يأمنك عدوك، وكيف يكون

стр. 108

فيك خير وأنت لا يأمنك صديقك؟! ". وقال: أول عقوبة يعاقب بها ابن آدم في الدنيا مفرقة الأحباب ". وقال: " من أراد أن يكون عزيزاً فى الدنيا سليما في الآخرة فلا يحدث، ولا يشهد، ولا يؤم قوماً، ولا يأكل لأحد طعاماً ". وأنشد: وليس من يزوق لي دينه ... يغرني، يا قوم!، تزويقه من حقق الإيمان في قلبه ... يوشك أن يظهر تحقيقه وقال الساجى: سمعت بشراً ينشد: أقسم بالله! لرضخ النوى ... وشرب ماء القلب المالحة

стр. 109

أعز للإنسان من حرصه ... ومن سؤال الأوجه الكالحه فاستغن باليأس تكن ذا غنى ... مغتبطاً بالصفقة الرابحه فاليأس عز والتقى سؤدد ... ورغبة النفس لها فاضحه من كانت الدنيا به برة ... فإنها يوماً له ذابحه وقال: " غنيمة المؤممن غفلة الناس عنه، وإخفاء مكانه عنهم ". وقال: " التكبر على المتكبر من التواضع ". وقال: " من أراد عز الدنيا وشرف الآخرة فعليه بثلاث: لا يأكل طعام أحد، ولا يسأل أحداً حاجة، ولا يذكر إلا بخير ". وقال: " يكون الرجل مرائياً في حياته، وبعد موته يحب أن يكثر الناس على جنازته! ". وقال: " لو علمت أن أحداً يعطى لله لأخذت منه، ولكن يعطى بالليل ويحدث بالنهار ".

стр. 110

وقال: " يقول أحدهم: توكلت على الله! ويكذب، لأنه لو توكل على الله صادقاً لرضى بما يفعله به ". وقال: " إذا أراد الله أن يتحف العبد سلط عليه من يؤذيه ". وقال: " الصبر الجميل الذي لا شكوى فيه للناس ". وقيل له: باى شئ آكل الخبز؟ " فقال: " اذكر العافية، واجعلها إداماً! ". وقال، يوم ماتت أخته: " إن العبد إذا قصر في الطاعة سلب من يؤنسه ". ولقيه سكران، فجعل يقبله ويقول: " يا سيدي! " ولا يدفعه بشر عن نفسه، فلما ولى تغرغرت عينا بشر، وجعل يقول: " رجل أحب رجلا على خير توهمه! لعل المحب قد نجا، والمحبوب لا يدرى ما حاله! ".

стр. 111

قال أبو عبد الله المحاملي، حدثني أبى قال: كان عندنا رجل من التجار صديقاً لي، وكان يقع في الصوفية كثيراً، ثم رأيته بعد ذلك يصحبهم، وينفق عليهم ماله. فقلت له: " أليس كنت تبغضهم؟! " فقال: " ليس الأمر على ما كنت أتوهم ". فقلت له: " كيف؟ ". قال: " صليت يوماً الجمعة، فرأيت بشراً مسرعاً خارجاً من المسجد، فقلت في نفسي: لأنظرن إلى هذا الزاهد!. فاشترى خبز الماء بدرهم، ثم شواء بمثله؛ فزادني غيظاً. ثم ثم قالوا ذجاً بدرهم؛ فتبعته فخرج إلى الصحراء، وأنا أقول: " يريد الخضرة والماء! ". فما زال يمشى إلى العصر وأنا خافه، فدخل مسجداً في قرية، فيه مريض، فجعل يلقمه. فقمت أنظر إلى القرية وعدت، فقلت للمريض: " أين بشر؟ ". قال: " ذهب إلى بغداد ". قلت: " كم بيني وبينها؟ ". قال: " أربعون فرسخاً ". فقلت: " أنا لله! " فقال: " اجلس حتى يرجع ". فجاء الجمعة القابلة، ومعه شئ يطعمه للمريض، فلما فرغ قال له: " يا أبا نصر! هذا الرجل صحبك من بغداد، وهو عندي منذ جمعة ". قال فنظر إلى كالمغضب، وقال: " لم صحبتنى؟! " قلت: " أخطأت! " قال: " قم فامش! ". فمشيت إلى المغرب، فلما قربنا من بغداد قال: " اذهب

стр. 112

إلى محلتك ولا تعد! " فتبت إلى الله مما كنت أعتقده فيهم، ثم آثرت صحبتهم، وأنا على ذلك ". وقال بعضهم: " دخلت على بشر في يوم شديد البرد، وقد تعرى من ثيابه وهو ينتفض، فقلت له: " الناس يزيدون من الثياب فى مثل هذا اليوم، وأنت قد نقصت؟! " فقال: " ذكرت الفقراء، وما هم فيه، ولم يكن لي ما أواسيهم به، فأردت أن أواسيهم بنفسي في مقاساة البرد ". وقال منصور الصياد: " مر بي بشر - وهو منصرف من صلاة العيد - فقال لى: " فى هذا الوقت؟! " فقلت: " ليس في البيت دقيق ولا خبز! " فقال: " الله المستعان! احمل شبكتك وتعال إلى الخندق ". وأمرني بالوضوء وصلاة ركعتين، ثم قال لي: " ألقها، وقل: بسم الله! " فألقيتها، فوقعت فيها سمكة كبيرة، فقال: " بعها! " فبعتها بعشرة دراهم، واشتريت منها جميع ما يحتاجونه اليه. ثم أخذت رقاقتين وعليهما حلوى، وجئت بهما إلى بشر، فدققت الباب، فقال: " من؟ " قلت: " منصور الصياد! " فقال: " ادفع الباب، وضع ما معك فى الدهليز، وادخل أنت " فدخلت، فقال " لو الهمنا أنفسنا هذا ما خرجت السمكة! ".

стр. 113

وروى أنه أتى باب المعافى بن عمران فدقه، فقيل: " من؟ " قال: " بشر الحافى " فقال: بنية من داخل الدار: " لو اشتريت نعلا بدانقين ذهب عنك اسم الحافى ". وروى أن امرأة جاءت إلى أحمد بن حنبل، فقالت: " إنى امرأة أغزل بالليل والنهار، وأبيع الغزل، ولا أبين غزل النهار من الليل، فهل على فى ذلك شىء؟. فقال: " يجب أن تبيني! " ثم انصرفت، فقال أحمد لأبنه: " اذهب فانظر أين تدخل! ". فرجع فقال: " دخلت دار بشر ". وقال محمد بن نعيم: " دخلت عليه في علته، فقلت: " عظني! ". فقال: " إن في هذه الدار نملة، تجمع الحب فى الصيف لتأكله في الشتاء؛ فلما كان يوماً أخذت حبة في فمها، فجاء عصفور فأخذها، فلا ما جمعت أكلت، ولا ما أملت نالت ".

стр. 114

وروى أن رجلا سأله أن يوصيه، فقال له بشر: " عليك بلزوم بيتك، وترك ملاقاة الناس ". فقال له الرجل: " بلغني عن الحسن أنه قال: " لولا الليل وملاقاة الإخوان ما كنت أبالي متى مت! ". فقال بشر: " رحم الله الحسن! لقد كان الظن به خلاف هذا! ". وأنشد: يا من يسر برؤية الإخوان ... هلا أمنت مكايد الشيطان؟! خلت القلوب من المعاد وذكره ... وتشاغلت بالحرص والخسران صارت مجالس من ترى وحديثهم ... في هتك مستور وفتق قران قال حسن المسوحي: " رآني بشر يوماً بارداً، وأنا أرتعد من البرد، فنظر إلى ثم أنشد: قطع الليالي مع الأيام في خلق ... والنوم تحت رواق الهم والقلق

стр. 115

أحرى وأجدر بى من أن يقال غداً ... إني التمست الغنى من كف ممتلق قالوا: رضيت بذا؟! قلت: القنوع غنى ... ليس الغنى كثرة الأموال والورق رضيت بالله في عسري وفى يسرى ... فلست أسلك إلا واضح الطرق وقال الحسن بن عمران المروزى، سمعت بشراً ينشد: ذهب الرجال المقتدى بفعالهم ... والمنكرون لكل أمر منكر وبقيت في خلف بزين بعضهم ... بعضاً ليدفع معور عن معور

стр. 116

بكار بن قتيبة ١٨٢ - ٢٧٠ للهجرة بكار بن قتيبة، قاضى مصر، من ذرية أبى بكرة. ولد بالبصرة سنة اثنتين وثمانين ومائة. ومات سنة سبعين ومائتين. عوتب في توليه القضاء، وكان أحد البكائين التالين لكتاب الله. له الدعوات المستجابة، مشهور بالزهد والورع. أعطى النجاب لذي جاءه بتقليد القضاء رغيفين، فاستحقرهما وقال: " وا خيبة طريقاه! ". ففرط في أحدهما في الطريق، وأعطاه المتوكل على الرغيف الآخر ألف دينار، وقال: " لو أتيتني بالآخر أعطيتك مثلها! ". وجعله في الكحل والأدوية يستشفي به. وقد أفردت ترجمته بالتأليف.

стр. 117

بندار بن الحسين الشيرازي - ٣٥٣ للهجرة أبو الحسين بندار بن الحسين الشيرازي. سكن أرجان. وكان كبير الشأن، عالماً بالأصول. صحب الشبلي. مات بأرجان سنة ثلاث وخمسين وثلثمائة. ومن كلامه: " صحبة أهل البدع تورث الإعراض عن الحق ". وقال: " ليس من الأدب أن تسأل رفيقك: " إلى أين؟ " أو: " في أيش؟ ".

стр. 118

وقال: " من اقبل على الدنيا، وسكن لها، أحرقته بنيرانها، وصار رماداص، لا قيمة له ولا قدر. ومن أقبل على الآخرة، وسكن اليها، أحرقته بنورها، وصار سبيكة من ذهب ينتفع به. ومن أقبل على الله أحرقه التوحيد، فصار جوهراً لا قيمة له ". وقال: نوائب الدهر أدبتني ... وإنما يوعظ الأريب قد ذقت حلواً وذقت مراً ... كذاك عيش الفتى ضروب ما مر بؤس ولا نعيم ... إلا ولى فيهما نصيب

стр. 119

بنان الحمال - ٣١٦ للهجرة بنان الحمال السالف بعض ترجمته. قال: " بينا أنا أسير بين مكة والمدينة، وإذا شخص

стр. 120

قد تراءا لي، فأممت نحوه، فلما قربت منه سلمت عليه، وقلت له: " أوصني! " فقال: " يا بنان! إن كان الله قد أعطاك من سر سره سراً، فكن مع ما أعطاك؛ وإن كان الله لم يعطك من سر سره سراً فكن مع الناس على ما هم عليه من الظاهر ". وقال: " دخلت البرية - على طريق تبوك - وحدي، فاستوحشت، فإذا هاتف يهتف: يا بنان! نقضت العهد! لم تستوحش؟! أليس حبيبك معك؟! ". وتكلم يوماً في المحبة بكلام عجيب، ثم أنشد: لحانى العاذلون، فقلت: مهلا! ... فإنى لا أرى فى الحب عارا فقالوا: قد خلعت! فقلت: لسنا ... بأول عاشق خلع العذارا وقال أبو على الروذبارى: " كان سبب دخولي مصر حكاية بنان الحمال، وذلك أنه أمر ابن طولون بالمعروف، فأمر به أن يلقى بيم يدي السبع، فجعل السبع يشمه ولا يضره،

стр. 121

فلما أخرج من بين يديه قيل له: " ما كان في قلبك حين شمك؟ " قال: " منت أتفكر فى اختلاف العلماء فى سؤر السباع ولعابها ". وروى أن رجلا كان له على رجل مائة دينار بوثيقة إلى أجل، فلما جاء الأجل طلب الوثيقة، فلم يجدها، فجاء إلى بنان، فسأله الدعاء، فقال له: " أنا رجل قد كبرت، وأنا أحب الحلوى، اذهب فأشتر لى رطل معقود، وجئني به أدعو لك! ". فذهب الرجل، فاشترى ما قال ثم جاء به، فقال له بنان: " افتح القرطاس! " ففتحه فإذا هو بالوثيقة، فقال لبنان: " هذه وثيقتي! " فقال: " خذ وثيقتك، وخذ المعقود، وأطعمه صبيانك ". فأخذه ومضى. وروى أن قاضى مصر سعى به إلى أن ضرب سبع درر، فدعا عليه بنان، فقال: " حسبك الله بكل درة سنة! ". فأخذه ابن طولون وحبسه سبع سنين ". قال أحمد بن مسروق: أنشدني بنان الحمال في المسجد الحرام، قال: أنشدني بعض أصحابنا وقد دعوته: من دعانا فأبينا ... فله الفضل علينا فإذا نحن أجبنا ... رجع الفضل إلينا

стр. 122

حرف الثاء ثابت بن أسلم البناني ٤١ - ١٢٧ للهجرة ثابت بن أسلم البناني، أبو محمد البصري، التابعي، القاص الزاهد العابد، أحد مفاتيح الخير. كان بقول: " اللهم أن كنت قد أعطيت أحداً الصلاة في قبره، فأعطني الصلاة في قبرى ". ويقال إن هذه الدعوة أستجيبت له، وأنه رؤى بعد موته يصلى في قبره. مات بعد العشرين ومائة، عن نيف وثمانين سنة.

стр. 123

حرف الجيم أبو القاسم الجنيد - ٢٩٧ للهجرة الجنيد بن محمد، الخراز القواريري أبو القاسم. شيخ وقته، ونسيج وحده. أصله نهاوند، ومولده ومنشؤه ببغداد. صحب جماعة من المشايخ، واشتهر بصحبة خاله السري، والحارث المحاسبي. ودرس الفقه علي أبي ثور، وكان يفتي في حلقته - بحضرته - وهو ابن عشرين سنة.

стр. 124

قال: " كنت بين يدي سري ألعب، وأنا ابن سبع سنين، وبين يديه جماعة يتكلمون في الشكر؛ فقال لي: " يا غلام! ما الشكر؟ " قلت: " الشكر ألا تعصي الله بنعمه ". فقال لي: " أخشي أن يكون حظك من الله لسانك! " قال الجنيد: " فلا أزال أبكي علي هذه الكلمة التي قالها لي السري ". وقال: " علامة لإعراض عن العبد أن يشغله بما لا يعنيه ". وقال: " من لم يحفظ القرآن، ولم يكتب الحديث، لا يقتدي به في هذا المر، لأن علمنا مقيد بالكتاب والسنة ". وقال: " من طلب عزاً بباطل أورثه الله ذلا بحق ". وقال: " من هم بذنب لم يفعله ابتلي بهم لم يعرفه ". وقال: " الصوفية أهل بيت واحد، لا يدخل فيهم غيرهم ". وقال: " الأدب أدبان: أدب السر، وأدب العلانية.

стр. 125

فالأول طهارة القلب من العيوب، والعلانية حفظ الجوارح من الذنوب ". وقال له رجل: " علمني شيئاً يقربني إلي الله وإلي الناس "، فقال: " أما الذي يقربك إلي الله فمسألته، وأما الثاني فترك مسألتهم ". وقال: " لكل أمة صفوة، وصفوة هذه الأمة الصوفية ". وسئل: " من العرف؟ " فقال: " من نطق عن سرك وأنت ساكت ". ورؤى في يده يوماً سبحة، فقيل له: " أنت، مع تمكنك وشرفك، تأخذ بيدك سبحة؟! " فقال: " نعم! سبب وصلنا به إلي ما وصلنا لا نتركه أبداً ". وقال: " قال لي خالي سرى السقطى: " تكلم علي الناس! " وكان في قلبي حشمة من ذلك، فاني كنت أتهم نفسي في استحقاق ذلك، فرأيت ليلة، في المنام، رسول الله صلي الله عليه وسلم - وكان ليلة جمعة - فقال لي: " تكلم علي الناس! ". فانتبهت، وأتيت باب سري قبل أن أصبح، فدققت الباب، فقال: " لم تصدقنا حتى قيل لك! ". فقعدت في غد للناس بالجامع، وانتشر في الناس أني قعدت أتكلم، فوقف علي غلام نصراني متنكر وقال: " أيها الشيخ! ما معني قوله ﵇:) اتقوا فراسة المؤمن.

стр. 126

فانه ينظر بنور الله (فأطرقت، ثم رفعت رأسي فقلت: " أسلم! فقد حان وقت غسلامك! " فأسلم ". وقال الجنيد: " معاشر الفقراء! إنما عرفتم بالله، وتكرمون له؛ فإذا خلوتم به فانظروا كيف تكونون معه " وقال رجل له: " علي ماذا يتأسف المحب من أوقاته؟ ". قال: " علي زمان بسط أورث قبضاً، أو زمان أنس أورث وحشة ". ثم أنشأ يقول: قد كان لي مشرب يصفو برؤيتكم ... فكدرته يد الأيام حين صفا وقال الخلدي: " دفع إلى الجنيد درهما، وقال: " اشتر به تيناً وزيرياً، فاشتريته، فلما أفطر أخذ واحدة، ووضعها في فيه، ثم ألقاها وبكي، وقال لي: " احمله! " فقلت له في ذلك، فقال: " هتف بي هاتف في قلبي: أما تستحي؟! تركت هذا من أجلي ثم تعود؟! ". ثم أنشد:

стр. 127

نون الهوان من الهوى مسروقة ... فصريع كل هوى صريع هوان وقال أبو عمرو بن علوان: " خرجت يوماً إلي سوق الرحبة في حاجة، فرأيت جنازة، فتبعتها لأصلي عليها، فوقفت حتى تدفن، فوقعت عيني علي امرأة مسفرة، من غير تعمد، فألححت بالنظر إليها، واسترجعت واستغفرت الله تعالى وعدت إلي منزلي. فقالت عجوز لي: " يا سيدي! مالي أري وجهك أسود؟!. فأخذت المرآة فنظرت، فإذا هو كما قالت، فرجعت إلي سري أنظر من أين ذهبت، فذكرت النظرة، فانفردت في موضع، أستغفر الله، وأسأله الإقامة، أربعين يوماً. فخطر في قلبي: أن زر شيخك الجنيد!. فانحدرت إلي بغداد، فلما جئت حجرته طرقت الباب، فقال لي: " ادخل يا أبا عمرو! تذنب بالرحبة ونستغفر لك ببغداد ". وقال علي بن ابرهيم الحداد: " حضرت مجلس ابن سريج

стр. 128

الفقيه الشافعي، فكان يتكلم في الفروع والأصول بكلام حسن عجيب. فلما رأي إعجابي قال: " أتدري من أين هذا؟ " قلت: " لا! " قال: " هذا ببركة مجالسة أبي القاسم الجنيد ". وقال خير: " كنت يوماً جالساً في بيتي، فخطر لي خاطر، أن الجنيد بالباب فاخرج إليه، فنقيته عن قلبي وقلت: " وسوسة! ". فوقع لي خاطر ثان بأنه علي الباب فاخرج اليه، فنقيته عن سري؛ فوقع لي ثالث، فعلمت أنه حق، ففتحته، فإذا بالجنيد قائم، فسلم علي، وقال لي: " يا خير! لم لا تخرج مع الخاطر الأول؟! ". وقال عبد الرحمن بن إسماعيل: " كنت ببغداد، ووافي الحاج من خراسان، فلقيني بعض أصحابنا ممن له فضل وإفضال، فسألني أن أعرفه بجماعة ليصلهم بشيء، فقلت له: " ابدأ بالجنيد! " فحمل إليه دراهم وثياب كثيرة، فلما رآه أعجبه أدبه في رفقه، فقال: " اجعل بعضه لفقراء اذكرهم لك " فقال: " أنا أعرف الفقراء أيها الشيخ؟! " فقال له الجنيد: " وأنا! أؤمل أن أعيش حتى آكل هذا؟! "، فقال: " إني لم أقل لك: أنفقه في الخل والبقل، والكامخ والجبن والمالح!، إنما أريد أن تنفقه في الطيبات وألوان الحلاوات،

стр. 129

فكل ما أسرع فهو أحب إلي ". فتبسم الجنيد وقال: " مثلك لا يجوز أن يرد عليه! " وقبل ذلك منه. فقال الخراساني: " ما أعلم أحداً ببغداد أعظم منة علي منك! "، فقال الجنيد: " ولا ينبغي لأحد أن يرتفق إلا ممن كان مثلك ". وقال الجنيد: " رأيت إبليس في المنام كأنه عريان، فقلت له: " أما تستحي من الناس؟! " فقال: " يا لله! هؤلاء عندك من الناس؟!. لو كانوا منهم ما تلاعبت بهم كما تتلاعب الصبيان بالكرة، ولكن الناس غير هؤلاء ". فقلت: " ومن هم؟ " قال: " قوم في مسجد الشونيزي، قد أضنوا قلبي، وأنحلوا جسمي؛ كلما هممت أشاروا بالله، فأكاد أحرق ". فانتبهت ولبست ثيابي، وأتيت مسجد الشونيزي وعلى ليل، فلما دخلت المسجد إذا أنا بثلاثة أنفس - قيل: هم أبو حمزة، وأبو الحسين

стр. 130

النوري، وأبو بكر الزقاق - جلوس، ورءوسهم في مرقعاتهم؛ فلما أحسوا بي قد دخلت أخرج أحدهم رأسه وقال: " يا أبا القاسم! أنت كلما قيل لك شيء تقبله! ". وبات الجنيد ليلة العيد في الموضع الذي كان يعتاده في البرية، فإذا هو وقت السحر بشاب ملتف في عباءته يبكي ويقول: بحرمة ربتي! كم ذا الصدود؟! ... الا تعطف علي؟! ألا تجود؟! سرور العيد قد عم النواحي ... وحزني في ازدياد لا يبيد فإن كنت أفترفت خلال سوء ... فعذري في الهوى أفلا تعود؟ وقال أبو محمد الجريري: " كنت واقفاً علي رأس الجنيد وقت وفاته - وكان يوم جمعة - وهو يقرأ، فقلت: " ارفق بنفسك! " فقال: " ما رأيت أحداً أحوج إليه مني في هذا الوقت، هو ذا تطوي صحيقتي ". وقال أبو بكر العطار: حضرت الجنيد عند الموت، في جماعة من أصحابنا، فكان قاعداً يصلي ويثني رجله، فثقل عليه حركتها، فمد رجليه وقد تورمتا، فرآه بعض أصحابه فقال: " ما هذا يا أبا القاسم؟! "، قال: " هذه نعم!. الله أكبر ". فلما فرغ من صلاته قال له أبو محمد الجريري:

стр. 131

" لو اضطجعت! "، قال: " يا أبا محمد! هذا وقت يؤخذ منه. الله أكبر ". فلم يزل ذلك حاله حتى مات ". وقال ابن عطاء: " دخلت عليه، وهو في النزع، فسلمت عليه، فلم يرد، ثم رد بعد ساعة، وقال: " اعذرني! فإني كنت في وردي "، ثم حول وجهه إلي القبلة ومات ". وكان عند موته قد ختم القرآن، ثم ابتدأ في البقرة فقرأ سبعين آية ". وكانت وفاته في شوال، آخر ساعة من يوم الجمعة، سنة سبع وتسعين ومائتين ببغداد. وقيل: سنة ثمان. وغسله أبو محمد الجريري، صلي عليه ولده، ودفن بالشونيزيه، بتربة مقبرة بغداد، عند خاله سري. وحزر الجمع الذين صلوا عليه، فكانوا ستين ألفاً. قال أبو محمد الجريري: " كان في جوار الجنيد رجل مصاب في خربة، فلما مات الجنيد ودفناه، تقدمنا ذلك المصاب، وصعد موضعاً رفيعاً، وقال لي: " يا أبا محمد! تراني أرجع إلي تلك الخربة بعد أن فقدت ذلك السيد؟! "، ثم أنشد:

стр. 132

واأسفي من فراق قوم ... هم المصابيح والحصون! والمدن والمزن والرواسي ... والخير والأمن والسكون لم تتغير لنا الليالي ... حتي توفتهم المنون فكل جمر لنا قلوب ... وكل ماء لنا عيون ثم غاب عنا فكان ذلك آخر العهد منه ". وسئل الجنيد عن التوحيد، فأنشد قائلا: وغني لي من قلبي ... وغنيت كم غني وكنا حيثما كانوا ... وكانوا حيثما كنا فقال السائل: " وأين القرآن والأخبار؟! " فقال: " الموحد يأخذ علي التوحيد من أدني الخطاب ". وأنشد مرة: وإن امرءاً لم يصف لله قلبه ... لفي وحشة من كل نظرة ناظر وإن امرءاً لم يرتحل ببضاعة ... إلي داره الأخرى فليس بتاجر وإن امرءاً باع دنيا بدينه ... لمنقلب منها بصفقة خاسر

стр. 133

وسئل عن الفقر فأنشأ يقول: لا الفقر عار ولا الغنى شرف ... ولا شئ في طاعة سرف قلت: وأستاذ الجنيد محمد بن علي القصاب، أبو جعفر البغدادي. وكان الجنيد يقول " الناس ينسبوني إلي سري، وإنما أستاذي هذا يعني القصاب. سئل القصاب: " ما بال أصحابك محرومين من الناس؟ " قال: " لثلاث خصال: أحدها: أن الله لا يرضي لهم ما في أيديهم، ولو رضي لهم ما لهم لترك ما لأنفسهم عليه. وثانيها: أن الله لا يرضي أن يجعل حسناتهم في صحائفهم، ولو رضي لهم لخلطهم بهم. وثالثها: أنهم قوم لم يسيروا إلا إلي الله، فمنعهم كل شيء سواه وأفردهم به ".

стр. 134

أصحاب الجنيد ومن أصحاب الجنيد أبو محمد أحمد بن محمد بن الحسين الجريري، وأبن الأعرابي أبو العباس احمد بن محمد بن زياد، وقد سلفاً؛ وكذا اسماعيل بن نجيد؛ أما الشبلي فسيأتي. وصحبه علي بن بندار أبو الحسن الصيرفي، من جلة مشايخ نيسابور. صحب أيضاً الحيري، وكتب الحديث الكثير، وكان ثقة. رزق من رؤية المشايخ وصحبتهم ما لم يرزق غيره. مات سنة تسع وخمسين وثلثمائة. قال: " دخلت دمشق علي أبي عبد الله بن الجلاء، فقال: " متي دخلت دمشق؟ " قلت: " منذ ثلاثة أيام " فقال: " ما لك لم تجئني؟! " قلت: " دخلت إلي أبي ابن جوصاء، وكتبت

стр. 135

عنه الحديث ". فقال: " شغلتك السنة عن الفريضة ". ومن كلامه: " فساد القلوب علي حسب فساد الزمان وأهله ". وقال: " زمان يذكر فيه بالصلاح زمان لا يرجى منه الصلاح ". وقال: " دار أسست على البلوي بلا بلوي محال ". وقال: " إياك والخلاف على الخلق، فمن رضي الله به عبداً فارض به أخاً ". وكان يقول: " إياك والاشتغال بالخلق فقد عدم الربح عليهم اليوم ". وقال لبعض أصحابه: " إلى أين؟ " قال: " أخرج إلى النزهة ". فقال: " من عدم الأنس من حاله لم تزده النزهة إلا وحشة ". وقال: " كنت أماشي يوماً أبا عبد الله بن خفيف، فقال لي:

стр. 136

" تقدم يا أبا الحسن! " فقلت: " بأي عذر أتقدم؟! " قال: " بأنك لقيت الجنيد وما لقيته ". ومنهم عبد الله بن محمد الشعراني أبو محمد الرازي الأصل، النيسابوري المولد والمنشأ. وصحب أيضاً رويماً والحيري وسمنوناً وغيرهم. ومات سنة ثلاث وخمسين وثلثمائة. ومن كلامه: من أراد أن يعرف متابعة للحق فلينظر إلي من يخالفه في مراد له، كيف يجد نفسه عند ذلك، فإن لم يتغير فليعلم أن نفسه متابعة للحق ". سئل: " ما بال الناس يعرفون عيوبهم ولا ينتقلون عنها، ولا يرجعون إلي الصواب؟! " فقال: " لأنهم اشتغلوا بالمباهاة بالعلم، ولم يشتغلوا باستعماله، واشتغلوا بآداب الظواهر وتركوا آداب البواطن، فأعمي الله قلوبهم، وقيد جوارحهم عن العبادات ".

стр. 137

ومن أصحابه أيضاً علي بن محمد المزين أبو الحسن البغدادي. وصحب أيضاً سهلا. ومات مجاوراً بمكة سنة ثمان وعشرين وثلثمائة. ومن كلامه: " من استغني بالله أحوج الله الخلق إليه، ومن افتقر إلى الله، وصح فقره أليه بملازمة آدابه، أغناه الله عن كل ما سواه ". وقال: " الذنب بعد الذنب عقوبة الذنب؛ والحسنة بعد الحسنة ثواب الحسنة ". وقال المزين: " لما مرض أبو يعقوب النهرجوري، قلت - وهو في النزع -: " قل: لا إله إلا الله! " فتبسم إلي وقال: " إياي تعني؟! وعزة من لا يذوق الموت! ما بيني وبينه إلا حجاب العزة " وانطفأ من ساعته. فكان المزين يأخذ بلحيته ويقول: " حجام مثلي يلقن أولياء الله الشهادة؟! واخجلتاه منه! " ويبكي إذا ذكر ذلك.

стр. 138

وروي أنه رؤي يوماً متفكراً، ثم أنشد: منازل كنت تهواها وتألفها ... أيام أنت علي الأيام منصور وقد كان يوماً يبكي - وهو بالتنعيم يريد العمرة - وهو ينشد: أنافعي دمعي فأبكيك؟! ... هيهات! مالي طمع فيك فلم يزل كذلك حتي بلغ مكة. وممن لقيه أبو محمد عبد الله بن محمد المرتعش النيسابوري، أحد مشايخ العراق. كان يقيم في مسجد الشونيزية ببغداد، وصحب أبا حفص وأبا عثمان، وكان كبير الشأن. قيل: " عجائب بغداد ثلاثة: نكت المرتعش؛ وإشارات الشبلي، وحكايات جعفر الخلدي ". مات ببغداد سنة ثمان وعشرين وثلثمائة.

стр. 139

من كلامه: " سكون القلب إلي غير المولي تعجيل عقوبة من الله في الدنيا ". وقيل له: " بماذا ينال العبد حب الله تعالي؟ ". قال: " ببغض ما أبغضه وهي الدنيا والنفس ". وقيل له: " إن فلاناً يمشي علي الماء! ". فقال: " عندي أن من مكنه الله من مخالفة هواه فهو أعظم من المشي علي الماء ". وسئل عن التصوف فقال: " الأشكال والتلبيس والكتمان ". ثم أنشد يقول: سري وسرك لا يعلم به أحد ... إلا الجليل ولا ينطق به نطق وانشد أيضاً علي إثره: إذا جئت فامنح طرف عينك غيرنا ... لكيلا يحسبوا أن الهوى حيث تنظر وسئل: " بماذا ينال العبد المحبة؟ ". فقال: " بمولاة أولياء الله تعالي ومعاداة أعدائه ".

стр. 140

ثم قال لبعض جلسائه: " أنشدني الأبيات التي كنت تنشد بالأمس " فأنشأ يقول: وقف الهوى بي حيث أنت فلي ... س لي متأخر عنه ولا متقدم أجد الملامة في هواك لذيذة ... حباً لذكرك فليلمني اللوم أشبهت أعدائي فصرت أحبهم ... إذ صار حظي منك حظي منهم وأهنتني فأهنت نفسي صاغراً ... ما من يهون عليك ممن يكرم وقال السلمي: سمعت أحمد بن علي بن جعفر يقول: " كنت عند المرتعش قاعداً، فقال رجل: " قد طال الليل وطال الهوى! " فنظر أليه المرتعش وسكت ساعة، ثم قال: " لا أدري ما تقول! غير أني سمعت بعض القوالين في هذه الليالي: لست أدري أطال الليل أم لا ... كيف يدري بذاك من غفلا لو تفرغت لاستطالة ليلي ... ولرعي النجوم كنت مخلي ان للعاشقين عن قصر الليل وعن طوله من الوجد شغلا فبكي من حضره، واستدلوا علي عمارة أوقاته ".

стр. 141

وقال وقت وفاته: " سألت الله ثلاث حوائج فقضاها لي: سألته أن يكون موتي في مسجد الشونيزية، فأني قد صحبت فيه أقواماً، سادة كراماً، وهوذا أنا أموت فيها. وألا يكون لي أمر الدنيا شيء وقت خروجي منها، وليس لي غير الخرقه التي تحتي؛ فإذا مت فأخرجوها من تحتي واشتروا بها شيئاً للفقراء، فإنهم لا يدفنونني بغير كفن. وسألته ألا يحضرني في وقت وفاتي رجل أبغضه، وأنا أحبكم كلكم وليس فيكم من أبغضه ". ثم مات. ومن أصحابه أيضاً محمد بن علي بن جعفر الكتاني - نسبة إلي الكتان، بفتح الكاف، وعمله - أبو بكر، ويقال: أبو بكر عبد الله، البغدادي، ثم المكي.

стр. 142

هاجر ال مكة وبها مات مجاوراً سنة اثنتين وعشرين وثلثمائة. وصحب أيضاً النوري والخراز. ومن كلامه: " التصوف خلق، فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في التصوف ". وقال: " العاجز من عجز عن سياسة نفسه ". وقال: " إذا صح الافتقار إلي الله صح الغني به، لأنهما حالان لا يصح أحدهما إلا بصاحبه ". وقال: " رأيت النبي صلي الله عليه وسلم في النوم، فقلت: " يا رسول الله! ادع الله ألا يميت قلبي ". قال: " قل - كل يوم أربعين مرة -: " يا حي! يا قيوم! لا إله إلا أنت! " فإنه لا يموت فلبك، ويكون قلبك حياً ". وقال: " من حكم المريد أن يكون فيه ثلاثة أشياء: نومه غلبة، وأكله فاقة، وكلامه ضرورة ".

стр. 143

وقال: " النقباء ثلثمائة، والنجباء سبعون، والأبدال أربعون، والأخيار سبعة، والعمداء أربعة، والغوث واحد ". فمسكن النقباء المغرب، والنجباء مصر، والأبدال الشام، والأخيار سياحون في الأرض، والعمداء زوايا الأرض، والغوث بمكة. فإن عرضت الحاجة من أمر العامة ابتهل النقباء، ثم النجباء، ثم الأبدال، ثم الأخيار، ثم العمداء؛ فإن أجيبوا وإلا ابتهل الغوث، فلا يتم مسألته حتى تجاب دعوته ". وقال: " صحبني رجل، وكان ثقيلا علي قلبي، فوهبت له شيئاً ليزول ما في قلبي، فلم يزل، فحملته إلي بيتي، وقلت: " ضع رجلك علي خدي " فأبي، فقلت: " لا بد تفعل! " واعتقدت أنه لا يرفع رجله علي خدي حتى يرفع الله من قلبي الذي كنت أجده. فلما زال عن قلبي ما كنت أجده قلت له: " ارفع رجلك الآن! ". وسئل عن الفائدة في مذاكرة الحكايات، فقال: " الحكايات جند من جنود الله، تقوي بها أبدان المريدين ". فقيل له:

стр. 144

" هل لهذا شاهد؟ ". قال: " نعم! قال الله تعإلي:) وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك (. وروي عنه انه قال: " كنت وأبو سعيد الخراز، وعباس بن المهتدي، وآخر لم يذكره، نسير بالشام علي ساحل البحر وإذا شاب يمشي ومعه محبرة، فظننا أنه من أصحاب الحديث، فتثاقلنا به، فقال أبو سعيد: " يا فتي! علي أي طريق تسير؟ " فقال: " ليس أعرف إلا طريقتين: طريق الخاصة وطريق العامة؛ أما طريق العامة فهذا الذي أنتم عليه، وأما طريق الخاصة فباسم الله! " وتقدم إلي البحر ومشي حيالنا علي الماء، فلم نزل نراه حتي غاب عنا ". ونظر الكتاني إلي شيخ أبيض الرأس واللحية يسأل، فقال: " هذا رجل أضاع حق الله في صغره فضيعه الله في كبره ". وكان كثيراً ما ينشد:

стр. 145

الشوق والوجد في مكاني ... قد منعاني من القرار هما في لا يفارقاني ... فذا شعاري وذا دثاري وخيم في الطواف اثنتي عشرة ألف ختمة. وقال: " لولا أن ذكره فرض علي ما ذكرته إجلالا له، مثلي يذكره ولم يغسل فاه بألف توبة متقبلة عن ذكره؟! ". وأنشد: ما إن ذكرتك إلا هم يغلبني ... قلبي وسري وروحي عند ذكراكا حتي كأن رقيباً منك يهتف بي: ... إياك! ويحك والتذكار! إياكا! ومن أصحابه أيضاً محمد بن موسى الواسطي - نسبة إلي واسط العراق بلدة مشهورة - أبو بكر الخراساني، من فرغانة.
следующие страницы →