Полный текст (567 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
في شتاء ولا صيف. فسئل عن ذلك، فقال: " أني كنت ولعاً بكثرة الثياب، فرأيت في منامي كأني في الجنة، وإذا بفقراء على مائدة، فأردت أن أجلس معهم، فإذا جماعة من الملائكة أخذوا بيدي، فأقاموني وقالوا: " هؤلاء أصحاب قميص واحد. وأنت لك قميص، فلا تجلس معهم ". فانتبهت ونذرت ألا ألبس غير ثوب واحد إلى أن القى الله ".
وأنشد:
قف بالديار فهذه آثارهم ... تبكى الأحبة حسرة وتشوقا
كم قد وقفت بها أسائل مخبراً ... عن أهلها، أو صادقاً، أو مشفقا
فأجابني داعي الهوى في رسمها: ... فرقت من تهوى فعز الملتقى!
وقال: " الصبر ألا تفرق بين حالتي النعمة والمحنة، وع
стр. 72
سكون الخاطر فيها. والتصبر هو السكون في البلاء مع وجدان أثقال المحنة ".
وأنشد لبعضهم في المعنى:
صبرت ولم أطلع هواك على صبري ... وأخفيت ما بي منك عن موضع الصدر
مخافة أن يشكو ضميري صبابتي ... إلى دمعتي سراً، فتجري ولا أدري
ومن أصحابه أبو عبد الله، وأبو القاسم، ابنا أحمد بن محمد المقرئ. وصحبا غيره أيضاً.
مات الأول سنة ست وستين وثلثمائة. وكان ورعاً.
ومات الثاني سنة ثمان وسبعين وثلثمائة.
ومن كلام الأول: " الفقير الصادق الذي يملك كل شئ ولا يملكه شئ ".
стр. 73
ومن كلام الثاني: " الفتوة رؤية فضل الناس ونقصانك ".
ومن أصحابه أيضاً أبو محمد عبد الله بن محمد الراسبي البغدادي. مات سنة سبع وستين وثلثمائة.
قال: " المحبة إذا ظهرت افتضح بها الحب، وإذا كتمت قتلت المحب كمداً ". وأنشد:
ولقد أفارقه بإظهار الهوى ... عمداً ليستر سره إعلانه
فلربما كتم الهوى إظهاره ... ولربما فضح الهوى كتمانه
وعى المحب لدى الحبيب بلاغه ... ولربما قتل البليغ لسانه
كم قد رأينا قاهراً سلطانه ... للناس، ذل بحبه سلطانه
стр. 74
أبو سعيد بن الأعرابي
٢٤٧ - ٣٤٠ للهجرة
أبو سعيد أحمد بن محمد بن زياد البصري، المعروف بابن الأعرابي. صحب الجنيد والنوري وغيرهما. وكتب وصنف في التصوف وفي غيره.
سكن مكة، ومات بها سنة أربعين وثلثمائة، عن ثلاث وستين سنة.
من كلامه: " أخسر الخاسرين الخاسرين من أبدى للناس صالح عمله، وبارز بالقبيح من هو أقرب اليه من حبل الوريد ".
стр. 75
وسئل عن أخلاق الفقراء، فقال: " أخلاقهم السكون عند الفقد، والاضطراب عند الوجود، والأنس بالهموم، والوحشة عند الأفراح ".
وقال: " خرجت في بعض السنين أريد العراق من مكة، ومعي جماعة من الفقراء، فجئنا إلى بئر في بعض المنازل، وليس معنا ما نستقي به. فقطعنا ما معنا من العباء، وشددناه في ركوة، وسقيت أصحابي، ثم أدليته لأشرب، فانقطعت الركوة والحبل، فارتفع الماء حتى شربت، فتعجب أصحابي، فقلت: " مم تتعجبون؟. هذا يسير في القدرة! ".
ودخلنا الكوفة فاجتمع إلى طرف من الصوفية، فجلسوا يسيراً ثم قاموا، وقالوا: " أخوان تحابا، أحدهما عليل! " فقلت: " أنا معكم " فدخلنا على رجل طريح، وآخر ينظر في وجهه. فلما دخلنا قام وجلس ناحية، فجلس أصحابي عند العليل، وأقبلت أنا على الآخر، وكلما أن العليل أن هو. قال أصحابى: " قد مات! " فقال الآخر: " هاه! " وخرجت نفسه، فصلينا عليهما ".
стр. 76
أبو العباس الدينورى
- ٣٤٠ للهجرة
أبو العباس أحمد بن محمد الدينورى، صحب ابن عطاء والجريرى وغيرهما؛ وكان عالماً فاضلا، واعظاً بنيسابور.
ومات بسمرقند، بعد الأربعين وثلثمائة.
ومن كلامه: " أدنى الذكر أن تنسى ما دونه، ونهايته أن يغيب الذاكر - في الذكر - عن الذكر ".
وتكلم يوماً، فصاحت عجوز في المجلس
стр. 77
صيحة، فقال لها: " موتى! " فقامت، وخطت خطوات، ثم التفتت أليه وقالت: " قد مت " ووقعت ميتة.
ولما أراد أن يخرج إلى سمرقند، قيل له: " ما حملك على ذلك، مع ميل أهل نيسابور اليك، ومحبتهم لك؟! " فأنشأ يقول:
إذا عقد القضاء عليك عقداً ... فليس يحله غير القضاء
فمالك قد أقمت بدار ذل ... ودار العز واسعة الفضاء؟!
стр. 78
أبو عبد الله بن الجلاء
- ٣٠٦ للهجرة
أحمد بن يحيى الجلاء، أبو عبد الله البغدادي، ثم الشافعي. أقام بالرملة، ومات بدمشق سنة ست وثلثمائة.
وكان عالماً ورعاً. صحب أباه وأبا تراب وذا النون وغيرهم، وهو أستاذ محمد بن داود الدقي. وكان مذهبه في سفره التوكل والتجريد.
ومن كلامه: " من استوى عنده المدح والذم فهو زاهد، ومن حافظ على الفرائض
стр. 79
في أول مواقيتها فهو عابد، ومن رأى الأفعال كلها من الله فهو موحد ".
قال لأبيه وأمه: " أحب أن تهباني لله! " ففعلا.) قال (: " فغبت عنهما مدة، ثم رجعت في ليلة ممطرة، فدققت الباب، فقالا: " من؟ " قلت: " ولدكما! " قالا: " كان لنا ولد، فوهبناه لله، ونحن من العرب، لا نرجع فيما وهبنا ". وما فتحا له.
وكان إذا سئل عن المحبة قال: " مالي ولها!، أنا أريد أن أتعلمها ".
وسئل عن الفقر، فسكت، ثم ذهب ورجع عن قرب، ثم قال: " كان عندي أربعة دوانق، فاستحييت من الله أن أتكلم في الفقر) وهى عندي (فذهبت فأخرجتها ". ثم قعد وتكلم فيه.
وقال: " لولا شرف التواضع كان حكم الفقير إذا مشى يتبختر ".
وقال حمدان بن بكر: " لقيت أبا عبد الله بن الجلاء في الطواف. فقال لى: " من أين أحرمت؟ " قلت: " على طريق تبوك "، قال: " على
стр. 80
التوكل؟ " قلت: " نعم! "، قال: " أنا أعرف من حج اثنتين وخمسين حجة على التوكل، وهو يستغفر الله منها! ". قلت: " يا عم! بحق هذه البنية، يعنى الكعبة، من هو؟ " قال: " أنا، وأستغفر الله من ذلك! " وبكى.
وقال: " الدنيا أوسع رقعة، وأكبر زحمة من أن يجفوك واحد فلا يرغب فيك آخر ". وأنشد:
تلقى بكل بلاد، إن حللت بها ... أهلا بأهل وجيراناً بجيران
ومن أصحابه أبو عمرو الدمشقي، أحد مشايخ الشام، بل أوحدها علماً بعلوم الحقائق. مات سنة عشرين وثلثمائة.
ومن كلامه: التصوف رؤية الكون بعين النقص، بل غض الطرف عن كل ناقص بمشاهدة من تنزه عن كل نقص ".
ومن أصحابه أيضاً أبو إسحاق ابرهيم بن أحمد بن
стр. 81
المولد. من كبار مشايخ الرقة، وأحسنهم سيرة.
وله شعر:
لولا مدامع عشاق ولوعتهم ... لبان في الناس عز الماء والنار
فكل نار فمن أنفاسهم قدحت ... وكل ماء فمن عين لهم جارى
وأنشد للعباس بن الأحنف:
خيالك ... حين أرقد نصب عيني إلى وقت انتباهي، لا يزول
وليس يزورني صلة، ولكن ... حديث النفس عنه هو الوصول
ووالده يحيى كان خادم بشر الحافي، ومن خيار عباد الله الصالحين، ولقى معروفاً الكرخى.
مات سنة ثمان وخمسين ومائتين.
стр. 82
قال: " كنت يوماً جالساً عند معروف، فجاء رجل، فقال له: " رأيت أمس عجباً!. اشتهى أهلي سمكة فاشتريتها؛ فبينا أنا أطلب من يحملها إذا بصبي ملتف بعباءة، معه طبق، فقال: " عم! تحمل عليه؟ " قلت: " نعم! ". فحملها، فمررنا بمسجد يؤذن فيه الظهر، فقال: " يا عم! هل لك في الصلاة؟ ". قلت: " نعم! " فطرحها ودخل المسجد وصلى، فلما أقيمت الصلاة قلت: " صبى توكل على الله في طبقه، ألا أتوكل على الله في سمكة؟! " فتركتها وصليت، وخرجت فإذا هى بحالها؛ فحملها، ثم عاد إلى ما كان عليه من الذكر إلى أن وصل إلى منزلى، فأخبرت أهلي خبره، فقالوا له: " كل معنا! " فقال: " انى صائم " فقلت: " تفطر عندنا؟ " قال: " نعم، فأين طريق المسجد؟ " فدللته عليه، فلم يزل راكعاً ساجداً إلى العصر. فلما صلى العصر جعل رأسه بين ركبتيه إلى الغروب، فصلى. فقلت له: ٠٠ هل لك في الفطور؟ " قال: " على العادة ". قلت: " وما هي؟ " قال: " بعد العشاء ". فلما كان بعدها أخذته إلى البيت، وغلقت الباب؛ وكانت لى ابنة مقعدة في بيت الدار منذ زمان، فبينا نحن في جوف الليل، وإذا بداق يدق باب البيت، فقلت: " من هذا؟ " قلت:
стр. 83
" فلانة ". فبادرناها، فاذا هى تمشى، فقلنا: " ما شأنك؟! " قالت: " لا أدرى! إنى سهرت الليلة، فألقى في نفسي أن أسأل الله بحق ضيفكم، فقلت: " ألهى! بحق ضيفنا إلا أطلقتني! "؟. فكان ما ترون! ". قال: فبادرت البيت أطلب الصبي، وإذا الباب مغلق، وهو قد ذهب.
قال: فبكى معروف، وقال: " نعم! منهم كبار وصغار ".
وقال ولده أحمد: " مات أبى، فلما وضع على المغتسل وجدناه يضحك، فلتبس على الناس أمره، فجاءوا بطبيب، وغطوا وجهه، فأخذ مجسه فقال: " هذا ميت! " فكشف عن وجهه الثوب، فرآه يضحك، فقال الطبيب: " ما أدرى أحي هو أم ميت! ". فكان كلما جاء إنسان يغسله لبسته منه هيبة، فلا يقدر على غسله. حتى جاء رجل من إخوانه فجهزه، وصلى عليه ودفن ".
وهذا المعنى ذكره القشيري في ولده أحمد. وأما ابن الجوزي فذكره في حق والده.
стр. 84
ومن أصحاب أبى عبد الله حماد الأقطع.
ومن أصحاب والده طاهر المقدسي. من جلة مشايخ الشام وقدمائهم، ورأى ذا النون أيضاً. وكان عالماً، سماه السبلي: " حبر أهل الشام ".
من كلامه: " لا يطيب العيش إلا لمن وطئ بساط الأنس، وعلاه على سرير القدس، وغيبه الأنس بالقدس، والقدس بالأنس، ثم غاب عن مشاهدتهما بمطالعة القدوس ".
وأنشد:
أراعى النجوم، ولا علم لي ... بعد النجوم بجنب الظلام
وكيف ينام فتى لا ينام ... إذا نام عنه عيون الحمام؟
стр. 85
أسير يسير إليه هواه ... فيضحي الأسير قتيل الغرام
فلم يبق منه سوى أنه ... يقال له: عاشق، والسلام
لفرط النحول، وحر الغليل ... وحزن مذيب لطول السقام
стр. 86
أبو العباس الطوسي
٢١٤ - ٢٩٩ للهجرة
أبو العباس أحمد بن محمد بن مسروق الطوسي. سكن بغداد، وصحب الحارث المحاسبي وسريا السقطي.
مات ببغداد سنة تسع وتسعين ومائتين. وقيل سنة ثمان.
ومن كلامه: " تعظيم حرمات المؤمن من تعظيم حرمات الله، وبه يصل العبد إلى مجمل حقيقة التقوى ".
وقال: " كنت آوى إلى مسجد؛ وفيه سدرة يأوي أليها بلبلان، ففقد أحدهما صاحبه. وبقى الآخر على غصن ثلاثة أيام، لا ينزل يرعى، ولا
стр. 87
يلتقط من الأرض شيئاً. فلما كان في الثالث - آخر النهار - مر به بلبل آخر، فصاح، فذكره صاحبه، فسقط ميتاً ".
ومن إنشاداته:
وإني لأهواه، مسيئاً ومحسناً ... وأقضي على قلبي له بالذي يقضى
فحتى متى روح الرضا لا ينالني؟ ... وحتى متى أيام سخطك لا تمضى؟
стр. 88
أبو بكر الزقاق الكبير
- ٢٩١ للهجرة
أحمد بن نصر، أبو بكر الزقاق، نسبة إلى بيع الزق وعمله. من أقران الجنيد، ومن أكابر مشايخ مصر، لا تحضرني وفاته.
وسيأتي أبو بكر الزقاق - أحد مشايخ الصوفية - محمد بن عبد الله في حرف الميم. وأغفله القشيري.
ومن كلامه: " من لم يصحبه التقى في فقره أكل الحرام المحض ".
стр. 89
وقال: " تهت في تيه بنى إسرائيل مقدار خمسة عشر يوماً، فلما وقفت على الطريق استقبلني إنسان جندي، فسقاني شربة من ماء، فعادت قسوتها على قلبي ثلاثين سنة ".
قال الكناني: " لما مات الزقاق انقطعت حجة الفقراء في دخولهم مصر! ".
أي: لأن سعى أهل الأقطار إليها لأجل كثرة الخير والرزق؛ أما زيارة الشيخ فلا يهتمون بها، لأن محبتهم في المجيء إليها لغيره، فلما مات انقطعت حجتهم في دخولهم إليها.
стр. 90
أبو العباس أحمد الرفاعي
٥٠٠ - ٥٧٨ للهجرة
أبو العباس أحمد بن أبى الحسن على، الرفاعي نسبة، ابن يحيى بن حازم بن على بن ثابت بن على بن الحسن الأصغر ابن المهدى بن محمد بن الحسن، ابن يحيى بن ابرهيم بن الإمام موسى الكاظم بن الإمام جعفر الصادق
стр. 91
ابن الإمام محمد الباقر بن الإمام على زين العابدين بن الإمام الشهيد الحسين ابن الإمام على بن أبى طالب كرم الله وجهه.
وطريقه في الصحبة. صحب خاله الشيخ منصور، وهو صحب بها الشيخ علياً القارئ الواسطى، وهو صحب بها الشيخ أبا الفضل بن كامخ، وهو صحب الشيخ على بن تركان، وهو صحب بها الشيخ ابا على الروذباوي، وهو صحب بها الشيخ علياً العجمي، وهو صحب بها الشيخ أبا بكر الشبلي، وهو صحب بها الشيخ أبا القاسم الجنيد، وهو صحب بها السرى.
وبقية السند معروف.
أستاذ الطائفة المشهورة، كان من حقه التقديم، فإنه أوحد وقته حالا وصلاحاً. فقيهاً شافعياً.
أصله من المغرب، وسكن البطائح، بقرية يقال لها " أم عبيدة " - بفتح العين - وانضم اليه خلق عظيم من الفقراء، وأحسنوا الاعتقاد فيه.
والرفاعي، نسبة إلى رفاعة، رجل من المغرب. والبطائح قرى
стр. 92
مجتمعة في وسط الماء، بين واسط والبصرة، مشهورة بالعراق.
ومن كلامه: " من اشتغل بما لا يعنيه فاته ما يعنيه؛ والأنس بالخلق انقطاع عن الحق؛ والدب سنة الفقراء ووراثة الأغنياء ".
وسئل: " لماذا نحجب إجابة الدعوة؟ " فقال: " لقلة الحلال! ".
وسئل عن الفتوة، فقال: " هي الصفح عن عثرات الإخوان. وألا ترى لنفسك فضلا على غيرك ".
وسئل عن التصوف، فقال للسائل: " تسألنا عن تصوفنا أو تصوفكم؟ " فقال: " يا سيدي! كانت مسألة فصارت اثنتين؛ اشرحهما لي! " فقال: " أما تصوفكم أنتم فهو أن تصفي أسرارك، وتطيب أخبارك، وتطيع جبارك، وتقوم ليلك وتصوم نهارك.
وأما تصوف القوم، فكما قيل:
ليس التصوف بالخرق ... من قال هذا قد مرق
إن التصوف يا فتى ... حرق يمازجها قلق
وكان يعظ الناس بكرة يوم الخميس، وما بين الظهر والعصر منه.
стр. 93
وكان يسمع صوته البعيد منه في المجلس كالقريب. ويحضر مجلسه الأصم الذي لا يسمع، فيفتح الله سمعه بكلامه حتى ينتفع بما يقول.
وكان كثيراً ما ينشد هذا الشعر:
والله لو علمت روحي بما نطقت ... قامت على رأسها فضلا عن القدم
قيل إنه أقسم على أصحابه إن كان فيه عيب أن ينبهوه عليه، فقال الشيخ عمر الفاروقي: " يا سيدي! أنا أعلم فيك عيباً! "، قال: " وما هو؟ " قال: " يا سيدي! عيبك أننا من أصحابك ". فبكى الشيخ والفقراء، وقال: " أي عمر! إن سلم المركب حمل من فيه! ".
وتوضأ يوماً، فوقعت عليه بعوضة، فوقف لها حتى طارت.
وقال: " أقرب الطرق، والذل والافتقار، وتعظيم أمر الله، والشفقة على خلق الله، وأن يقتدى بسنة رسول الله ﷺ ".
ولأتباعه أحوال عجيبة: من أكل الحيات بالحياة، والنزول إلى النار فيطفئونها، ويركبون الأسد، ونحوه.
ولهم مواسم يحضرها من لا يحصى، ويقومون بكفاية الكل، ولم تكن لغيرهم وإنما الولاية لهم. وأولادهم يتوارثون المشيخة والولاية على تلك الناحية إلى الأن.
стр. 94
وله شعر حسن. ومنه:
إذا جن ليلى هام قلبي بذكركم ... أنوح كما ناح الحمام المطوق
وفوقي سحاب يمطر الهم والأسى ... وتحتي بحار للهوى تتدفق
سلوا أم عمرو كيف بات أسيرها ... تفم الأساري دونه وهو موثق
فلا هو مقتول، ففي القتل راحة ... ولا هو ممنون عليه فيطلق
قيل إنه رأى فقيراً يقتل قملة، فقال: " لا، وآخذك الله!. شفيت غيظك؟! ".
وأحضر بين يديه طبق تمر، فبقى ينقى لنفسه الحشف يأكله، ويقول: " أنا أحق بالدون، فأنى مثله دون ".
وكان لا يجمع بين لبس قميصين، ويأكل بين يومين أو ثلاثة أكلة ".
وعنه: " لفقير المتمكن، إذا سأل حاجة وقضيت له، أنقص تمكنه درجة ".
وكان لا يقوم للرؤساء، ويقول: " النظر إلى وجوههم يقسي القلب ".
ولما مرض مرض الوفاة، قال له بعض أصحابه: " أوصنا! " فقال: " من عمل خيراً قدم عليه، ومن عمل شراً ندم عليه ".
стр. 95
وكان مرضه بالاسهال، دام عليه أكثر من شهر، وكان يعاوده في اليوم والليلة أكثر من ثلاثين مرة؛ وهو عقيب كل مرة يسبغ الوضوء ويصلى.
وأخبر أن الرب تعالى وعده ألا يعبر وعليه شئ من لحم الدنيا، ففنى لحمه بأجمعه قبل خروجه من الدنيا.
ولم يزل على تلك الحال إلى أن توفي يوم الخميس، ثاني عشرى شهر جمادى الأولى سنة ثمان وسبعين وخمسمائة، في عشر السبعين، بأم عبيدة.
وقال الشطنوفي: " ناهز الثمانين " في كتابه: " مناقب سيدي عبد القادر الجيلي ".
قال: وهو القائل: " الشيخ من يمحو اسم مريده من ديوان الأشقياء! ".
ودخل عليه شخص؛ وكان على جبهته مكتوب سطر الشقاوة، فمحى ببركته.
وهو القائل، وقد سئل عن وصف الرجل المتمكن، فقال: " هو
стр. 96
الذي لو نصب له سنسان على أعلى شاهق في الأرض، وهبت الرياح اليمانية ما حركت منه شعرة واحدة ".
وقعد مرة على الشط، وقال: " أشتهى أن أكل سمكاً مشوياً! " فلم يتم كلامه حتى امتلأ الشط سمكاً. ورؤى ذلك اليوم منه في الشط ما لا يرى مثله، فقال: " إن هذه الأسماك تسألني بحق الله أن أكل منها! " فأكل القوم، وبقى في الطواجن رؤوس وأذناب وقطع. فقال له رجل: " ما صفة الرجل المتمكن؟ ". فقال: " أن يعطى التصريف العام في جميع الخلائق. وعلامته أن يقول لبقايا هذه الأسماك: قومي فاسعى! فتقوم فتسعى " ثم أشار الشيخ أليها، فكان كما ذكر.
ورآه ابن أخته عبد الرحيم أبو الفرج، ورجل قد نزل عليه، فقال له: " مرحباً بوتد المشرق! ". فقال له: " إن لي عشرين يوماً لم آكل ولم أشرب! وأريد أن آمر هذا الأوز الذى في السماء، فتنزل واحدة مشوية! " ففعل، فنزلت كذلك، ثم أخذ حجرين من جانبه فصارا رغيفين، ثم مد يده إلى الهواء فأخذ كوز ماء، فأكل ذلك وشرب ثم طار. فقال الشيخ لتلك العظام: " اذهبي باسم الله! " فذهبت سوية وطارت.
وقال قبل موته: " أنا شيخ من لا شيخ له، أنا شيخ المنقطعين ".
стр. 97
وما تصدر في مجلس، ولا جلس على سجادة قط، وقال: " أمرت بالسكوت! " وكان لا يتكلم إلا قليلا.
وقال أبو العباس الخضر بن عبد الله الحسنى الموصلي: " كنت يوماً جالساً بين يدى الشيخ عبد القادر الجيلانى، فخطر في نفسي الشيخ أحمد فقال الشيخ: " أتحب رؤيته؟ ". فقلت: " نعم! " فأطرق وقال: " حضر! " فقمت اليه وسلمت عليه، فقال: " يا خضر! ومن يرى مثل الشيخ عبدج القادر سيد الأولياء يتمنى رؤية مثلى؟! وهل أنا إلا من رعيته؟! " ثم غاب. فبعد وفاة الشيخ زرته، فقال لى: " يا خضر! ألم تكفك الأولى؟! ".
وقال الإمام أبو عبد الله محمد البطائحي: " انحدرت في أيامي سيدي عبد القادر إلى أم عبيدة، فقال لى الشيخ أحمد: " اذكر لى شيئاً من مناقب الشيخ عبد القادر وصفاته ". فذكرت منها شيئاً؛ فجاء رجل في أثناء حديثي، فقال: " مه! لايذكر عندنا مناقب هذا! ". فنظر الشيخ أليه مغضباً، فرفع الرجل من بين يديه ميتاً. ثم قال: " ومن يستطيع وصف مناقبه؟!. ومن يبلغ مبلغه؟!. ذاك رجل بحر الشريعة على يمينه، وبحر الحقيقة عن يساره، من أيهما شاء اغترف!. لا ثاني له في وقتنا هذا ".
стр. 98
ووصى أولاد أخيه وأكابر أصحابه، وجاء رجل يودعه لأنه مسافر إلى بغداد، فقال: " إذا دخلتم بغداد فلا تقدموا على زيارة الشيخ أحداً؛ حياً أو ميتاً - فقد أخذ له العهد: أيما رجل من أصحاب دخل بغداد فلم يزره سلب حاله ولو قبيل الموت. الشيخ عبد القادر؟ حسرة من لم يره! ".
стр. 99
أبو الفتح أحمد الغزإلى
- ٥٢٠ للهجرة
أحمد بن محمد بن محمد أبو الفتح الغزالي الطوسي، أخو الغزالي حجة الإسلام أبى حامد من كبار الوعاظ السادات، صاحب إشارات وكرامات. طاف البلاد وخدم الصوفية بنفسه وكان مائلا إلى الانقطاع والعزلة.
مات بقزوين سنة عشرين وخمسمائة نقطة ومن كلامه: " من كان فى الله تلفه كان على الله خلفه ".
وقال - في قوله سبحانه في الحديث القدسي:) كذب كم ادعى محبتي فإذا جنه الليل نام عنى (-: " لا تظن ان كل نوم حرام.
стр. 100
الحرام نومك، لأنه غفلة في غفلة، إذا كان نومهم عن غلبة. فهم، ما داموا أحياء، يراقبونه؛ فإذا ناموا راقبهم،) إن الله كان عليكم رقيبا (.
وكان لأخيه؛ الإمام أبى حامد، كتاب قلما يفارقه، ولا يمكن أحد من مطالعته؛ فأوصى عند وفاته أن يحمل إلى أخيه أحمد، ولا يذل لأحد ثم أمر بغسله وعدم إرساله إليه.
واختصر " الإحياء " - ظفرت به، وكتبت بيدي عندي منه نسخة - وله: " الذخيرة في علم البصيرة ".
ومن إنشاداته:
تقاطعنا وليس بنا صدود ... وقلن: توق، ما تلقى مزيد
فظن الحاسدون بأن سلونا ... ودون سلونا الأمد البعيد
وأخوه الإمام أبو حامد محمد الغزالي. صنف في الفقه والأصول وعلم الطريقة وتزهد. ودخل إلى مصر الإسكندرية والقدس ودمشق، ودرس بها، وببغداد ووعظ بها.
стр. 101
ثم عاد إلى وطنه طوس، ومات بها سنة خمس وخمسمائة.
وقد بسطت ترجمته في " طبقات الفقهاء ".
وكان يقول: أما الوعظ فلست أرى نفسي له أهلا، لأن الوعظ زكاة نصابه الإتعاظ، ومن لا نصاب له كيف يخرج الزكاة؟!. وهل يستقيم الظل والعود أعوج؟! ".
стр. 102
أبو يعقوب النهر جورى
- ٣٣٠ للهجرة
إسحاق بن محمد النهرجورى أبو يعقوب. صحب الجنيد وغيره. مات بمكة مجاوراً، سنة ثلاثين وثلثمائة.
ومن كلامه: " الدنيا بحر، والآخرة ساحل؛ والمركب التقوى، والناس سفر ".
وقال: " من كان شبعه بالطعام لم يزل فقيراً، ومن قصد بحاجته الخلق لم يزل محروماً، ومن استعان على أمره بغير الله لم يزل مخذولا ".
стр. 103
وقال: " المتوكل - على الحقيقة - من رفع مئونته عن الخلق، وشكر من أعطاه، ولم يذم من منعه، لأنه يرى المنع والعطاء من الله ".
وقال: " رأيت رجلا فى الطواف بفرد عين، يقول: " أعوذ بك منك! ". فقلت: " ما هذا الدعاء؟! ". فقال: " نظرت إلى شخص فاستحسنته، فإذا لطمة وقعت على بصري، فسألت عيني، فسمعت: " لطمة بلحظة، ولو زدت لزدنا ".
стр. 104
أبو عمرو بن نجيد السلمي
٢٩٢ - ٣٦٥ للهجرة
إسماعيل بن نجيد بن أحمد بن يوسف السلمي أبو عمرو، جد الشيخ أبى عبد الرحمن السلمي. صحب أبا عثمان، وكان من أكابر أصحابه وآخر من مات منهم. ولقي الجنيد؛ وكان من أكبر مشايخ وقته.
مات سنة خمس - وقيل: ست - وستين وثلثمائة.
ومن كلامه: " من لم تهذبك رؤيته فاعلم أنه غير مهذب ".
стр. 105
وقال: " التصوف الصبر تحت الأمر والنهى، والتوكل أدناه حسن الظن بالله ".
وقال: " من أراد أن يعرف قدر معرفته بالله فلينظر قدر هيبته له وقت خدمته ".
وقال: " إذا أراد الله بعبد خيراً رزقه خدمة الصالحين والأخيار، ووفقه لقبول ما يشيرون به عليه، وسهل عليه سبل الخير ".
وقال: " من ضيع - في وقت من أوقاته - فريضة افترضها الله عليه في ذلك لوقت حرم لذة تلك الفريضة ولو بعد حين ".
وقال: " من قدر على إسقاط جاهه عند الخلق سهل عليه الإعراض عن الدنيا وأهلها ".
стр. 106
حرف الباء
بشر الحافي
١٥٢ - ٢٢٧ للهجرة
بشر الحارث الحافى؛ لقب بذلك لأنه جاء إلى إسكاف يطلب منه شسعاً لأحد نعليه، وكان قد انقطع، فقال له الإسكاف: " وما أكثر كلفتكم على الناس! " فألقى النعل من يده والأخرى من رجله، وحلف لا يلبس نعلا بعدها.
كنيته أبو نصر، أحد رجال الطريقة، ومعدن الحقيقة، مثل الصلحاء وأعيان الورعاء.
أصله من مرو، سكن بغداد. صحب الفضيل بن عياض ورأى سريا السقطي، وغيره.
стр. 107
وسبب توبته أنه أصاب فى الطريق رقعة فيها اسم الله، وقد وطئتها الأقدام، فأخذها واشترى بدرهم كان معه غالية، فطيبها وجعلها في شق حائط، فرأى في المنام كأن قائلا يقول: " يا بشر! طيبت أسمى، لأطيبن اسمك في الدنيا والآخرة! " وروى أنه إلى النهر فغسله، وكان لا يملك إلا درهما، فاشترى به مسكا وماء ورد، وجعل يتتبع اسم الله ويطيبه، ورجع إلى منزله فنام؛ فأتاه آت وقال: " يا بشر! كما طيبت أسمى لأطيبن ذكرك! وكما طهرته لأطهرن قلبك! ".
ومناقبه جمة أفردها ابن الجوزى بالتأليف.
مات عشية الأربعاء لعشر بقين من ربيع الأول - وقيل: لعشر خلون من المحرم - سنة سبع وعشرين ومائتين، وقد بلغ من العمر خمساً وسبعين سنة، وقيل: سبعاً وستين. وأخرجت جنازته بعد صلاة الصبح، ولم يحصل في القبر إلى الليل، وكان نهاراً صافياً.
ومن كلامه: " لا تكون كاملا حتى يأمنك عدوك، وكيف يكون
стр. 108
فيك خير وأنت لا يأمنك صديقك؟! ".
وقال: أول عقوبة يعاقب بها ابن آدم في الدنيا مفرقة الأحباب ".
وقال: " من أراد أن يكون عزيزاً فى الدنيا سليما في الآخرة فلا يحدث، ولا يشهد، ولا يؤم قوماً، ولا يأكل لأحد طعاماً ".
وأنشد:
وليس من يزوق لي دينه ... يغرني، يا قوم!، تزويقه
من حقق الإيمان في قلبه ... يوشك أن يظهر تحقيقه
وقال الساجى: سمعت بشراً ينشد:
أقسم بالله! لرضخ النوى ... وشرب ماء القلب المالحة
стр. 109
أعز للإنسان من حرصه ... ومن سؤال الأوجه الكالحه
فاستغن باليأس تكن ذا غنى ... مغتبطاً بالصفقة الرابحه
فاليأس عز والتقى سؤدد ... ورغبة النفس لها فاضحه
من كانت الدنيا به برة ... فإنها يوماً له ذابحه
وقال: " غنيمة المؤممن غفلة الناس عنه، وإخفاء مكانه عنهم ".
وقال: " التكبر على المتكبر من التواضع ".
وقال: " من أراد عز الدنيا وشرف الآخرة فعليه بثلاث: لا يأكل طعام أحد، ولا يسأل أحداً حاجة، ولا يذكر إلا بخير ".
وقال: " يكون الرجل مرائياً في حياته، وبعد موته يحب أن يكثر الناس على جنازته! ".
وقال: " لو علمت أن أحداً يعطى لله لأخذت منه، ولكن يعطى بالليل ويحدث بالنهار ".
стр. 110
وقال: " يقول أحدهم: توكلت على الله! ويكذب، لأنه لو توكل على الله صادقاً لرضى بما يفعله به ".
وقال: " إذا أراد الله أن يتحف العبد سلط عليه من يؤذيه ".
وقال: " الصبر الجميل الذي لا شكوى فيه للناس ".
وقيل له: باى شئ آكل الخبز؟ " فقال: " اذكر العافية، واجعلها إداماً! ".
وقال، يوم ماتت أخته: " إن العبد إذا قصر في الطاعة سلب من يؤنسه ".
ولقيه سكران، فجعل يقبله ويقول: " يا سيدي! " ولا يدفعه بشر عن نفسه، فلما ولى تغرغرت عينا بشر، وجعل يقول: " رجل أحب رجلا على خير توهمه! لعل المحب قد نجا، والمحبوب لا يدرى ما حاله! ".
следующие страницы →