Полный текст (567 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
وقال: " نعهد نفسك في ثلاثة مواضع: إذا عملت فأذكر نظر الله إليك، وإذا تكلمت فأذكر سمع الله إليك، وإذا سكتَ فأذكر علمَ الله فيك ".
وقال: " من ادعي ثلاثاً بغير ثلاث فهو كذاب: من أدعي حُبَ اللهِ من غير وَرَع من محارمه؛ ومن ادعي حبَ الجنةِ غير أنفاق ماله؛ ومن ادعي محبةَ الرسول من غير محبة الفقراء ".
وقال له رجل: " ماتشتهي؟ "، فقال: " أشتهي عافيةَ يوم إلي الليل! " فقيل له: " أليست الأيامُ كلها عافيةَ؟! "، فقال: " أن عافيةَ يومي أل أعصي اللهَ فيه! ".
وسُئِل: " علام بنيتَ أمرَكَ هذا في التوكل علي الله؟ "، قال: " علي خصالِ أربع: علمتُ أن رزقي لا يأكله غيري، فاطمأنت به نفسي، وعلمتُ أن عملي لا يعملهُ غيري، فأنا مشغول به، وعلمتُ أن الموت يأتيني بغتةً، فأنا أبادره، وعلمتُ أني لا أخلو من عين الله حيث كنتُ، فأنا
стр. 177
مستحٍ منه ".
وقال: " ما من صباح إلا والشيطانُ يقول لي: " ماتأكلُ، وماتلبسُ؟ وأين تسكنُ؟ ". فأقول: " أّكل الموتَ، وألبس الكفنَ، وأسكن القبرَ ".
وقيل له: " من أين تأكل؟ "، فقال: " ولله خزائنُ السمواتِ والأرض ولكن المنافقين لا يعلمونَ (.
وقال: " لقينا التُرك، وكان بيننا جولة، فرماني تركي، فقلبني وقعد علي صدري، وأخذ بلحيتي، وأخرج من خفهِ سكيناً ليذبحني، فوحق سيدي ما كان قلبي عنده، ولا عند سكينه، إنما كان قلبي عند سيدي، لأنظر ماذا ينزل منه بي، فقلت: قضيت سيدي ذلك؟! فعلي الرأس والعين! إنما أنا ملكك! فبينا أنا أخاطب سيدي، وهو قاعد علي صدري، آخذ بلحيتي ليذبحني، إذا رماه المسلمين بسهم، فما اخطأ حلقه، فسقط عني، فقمت أنا أليه، وأخذتها من يده، وذبحته بها. غما هو ألا أن تكون قلوبكم عند السيد، حتى تروا من عجائب لطفه ما لم تروا من الآباء والأمهات ".
وذكر أبن عساكر في " تاريخه " حكاية في معني هذه - وهي غريبة - عن علي بن حرب، قال " خرجنا من " الموصل " في سفينة، نريد
стр. 178
" سري من رأي ". فإذا بسمكة قد وثبت من الماء إلي السفينة، فقال أحداث كانوا معنا: اعدلوا بنا إلي الشط، نطلب حطباً نشويها فجئنا إلي خربة فدخلناها، فوجدنا رجلا مذبوحاً، ورجلا مكتوفاً قائماً. فسألنا الرجل عن القصة، فقال: هذا المكارىُّ عدا من القافلة في الليل، فشدني وثاقاً - كما ترون - وعزم علي قتلي، فناشدته الله، وقلت: يا هذا! خذ جميع ما معي، ولا تقتلني!. فأني ألا قتلي، فأنتزع سكينا معه، فعسُرت عليه، فأجتذبها، فمرت علي أوداجه فذبحته. قال: فأطلقنا يديه، فوثبت السمكة في الماء وذهبت ".
стр. 179
حبيب العجمي
- ١١٩ للهجرة
حبيبُ بن عيسى بن محمد العجميُ، أبو محمد - وقيل - أبو مسلم الفارسي أصلاً، ثم البصري سكناً. كان عابداً زاهداً مجاب الدعوة.
لقى الحسن وابن سيرين، وروى عنهما.
مات سنة تسع عشرة ومائة، كما أفاده ابن الجوزي في " المنتظم ".
من كلامه: أن الشيطان ليلعب بالقراء كما يلعب الصبيان بالجوز. ولو أن الله تعإلى دعاني - يوم القيامة - فقال: " ياحبيب! " فقلت: " لبيل! " فقال: " جئني بصلاة يوم، أوركعة، أو سجدة، أو نسبيحة، أبقيت عليها
стр. 180
من أبليس، أل يكون طعن فيها طعنة فأفسدها. ما أستطعت أن أقول: نعم! أي ور! ".
وكان يخلو في البيت، فيقول: " من لم تقر عينه بك فلا قرت!. ومن لم يأنس بك فلا أَنِس! ".
وكان - أولا - تاجراً، فمر بصبيان، فقالوا: قد جاء آكل الربا! فنكس رأسه وقال: يا رب، أفشيت سري للصبيان!، فرجع فلبس مدرعة من شعر، وغلَ يده، ووضع ماله بين يديه، وجعل يقول: يا رب! أني أشتري نفسي منك بهذا المال، فأعتقني!. فلما اصبح تصدق به، وأخذ في العبادة، فلم ير ألا صائماً، أو قائماً، أو ذاكراً. فمر ذات يوم بأولئك الصبيان، فقالوا: اسكتوا! قد جاء حبيب العابد! فبكى وقال: يا رب! أنت تذم مرة، وتحمد مرة، فكل من عندك!.
وقال عبد الواحد بن زيد: " كنا عند مالك
стр. 181
أبن دينار، ومعنا محمد بن واسع وحبيب. فجاء رجل فكلم مالكا فأغلظ عليه قسمة قسمها، وقال: " وضعتها في غير حقها! وتتبعت بها أهل مجلسك، ومن يغشاك، لتكبر غاشيتك، وتصرف وجوه الناس إليك ".
فبكى مالك، وقال: " والله ما أردت هذا! " قال: " بلى! والله لقد أردته! ". فجعل مالك يبكي، والرجل يغلظ عليه، فلما كبر ذلك عليهم، رفع حبيب يده إلى السماء ثم قال: " اللهم أن هذا قد شغلنا عن ذكرك، فأرجهنا منه كيف شئت! ". قال: فسقط - والله - الرجل على وجهه ميثاً، فحمل إلى أهله على السرير ".
وعن أبي إسحاق، قال: سمعت مسلماً يقول: " أتي رجل حبيبا، فقال: أن لي عليك ثلثمائة درهم "، قال حبيب: " أذهب إلى غد " فلما كان من الليل توضأ وصلى وقال: " اللهم! أن كان صادقاً فأد أليه، وأن كان كاذباً فأبتلهِ في بدنه! " قال: فجيء بالرجل من غد، قد حُمِل
стр. 182
وضرب شقة الفالج، فقال: مالك؟!. قال: أنا الذي جئتك بالأمس، لم يكن لي عليك شئ، وإنما قلت: تستحي من الناس فتعطيني!. فقال له: تعود؟!. قال: لا! قال: الهم! أن كان صادقاً، فألبسه العافية! فقام الرجل على الأرض كأن لم يكن به شئ.
وقيا لحبيب: " ما بالك لا تضحك، وتجالس الناس، ولا تراك أبداً ألا محزوناً؟! "، فقال: " أحزنني شيئان: وقت أوضع في لحدي وينصرف الناس عني، فأبقى تحت الثرى، مرتهناً بعملي؛ ويوم القيامة، إذا أنصرف الناس عن حوضه، ﵇، فأنه بلغني أنه يلقى الرجلُ الرجلَ، في عرضة القيامة، فيقول له: أشربتَ من الحوض؟ فسيقول: لا!، فيقول: واحسرتاه!. فأي حسرة أشد من هذا؟!.
وقيل له في مرض الموت: " ما هذا الجزع الذي ما كنا نعرفه منك؟! " فقال: " سفري بعيد، بلا زاد!. وينزل بي في حفرة من الارض موحشة بلا مؤنس!. وأُقدم على ملك جبار، قد قدَم إلى العذر ".
ويروى أنه جزع جزعاً شديداً عند الموت، فجعل يقول: " أريد سفراً ما سافرته قط!. أريد أن أسلك طريقاً مت سلكته قط! أريد أن أزور سيداً ومولى ما رأيته قط!. أريد أشرف على أهوال ما شاهدت مثلها
стр. 183
قط!. أريد أن أدخل تحت التراب، وأبقى تحتهإلى يوم القيامة، ثم أقف بين يدي الله تعالى، وأخاف أن يقول لي: يا حبيب، هات تسبيحة واحدة، سبحتي في ستين سنة، لم يظفر الشيطان منها بشيء؟ فماذا أقول؟!. وليس لي حيلة؟!. أقول: يا رب!. هو ذا قد أتيتك مقبوض اليدين إلى عنقي! ". فهذا رجل عبد الله ستين سنة، ولم يشتغل من الدنيا بشيء قط. فكيف حالنا؟!
стр. 184
الحلاج
- ٣٠٥ه ـ
الحسين بن منصور الحلاج، أبو مغيث البيضاوي ثم الواسطي. صحب الجنيد والنوري وغيرهما.
واختلف فيه المشايخ، فرده أكثرهم. وابن خفيف والنصر ابادي وغيرهم.
قتل بسيف الشرع ببغداد سنة تسع وثلثمائة.
ومن كلامه: " حجبهم بالاسم فعاشوا، ولو أبرز لهم علوم القدرة لطاشوا، كشف لهم عن الحقيقة لماتوا ".
стр. 185
وقد افرد ابن الجوزي ترجمته بالتأليف، وردة.
ومن شعره:
لم يبقى بيني وبين الحق تبيان ... ولا دلائل آيات وبرهان
كل الدليل له، منه، إليه، به ... حق، وجدناه في علم وفرقان
هذا وجودي وتصريحي ومعتقدي ... هذا توحد توحيديوإيماني
هذا تجلي طلوع الشمس نائرة ... قد أزهرت في تلاليها بسلطان
لا يستدل على الباري بصنعته ... وأنتم حدث يفنى لإرمان
هذا وجود الواجدين له ... بين التجانس، أصحابي وخلاني
стр. 186
الحسين بن محمد الأزدري
- ٣٤٨ه ـ
الحسين بن محمد بن موسىالأزدري، والد أبي عبد الرحمن السلمي الأتي، أبو الحسن.
صحب عبد الله بن منازل وغيره، ولقى الشبلي وغيره، يرجع إلى حسن الخلق، ودوام اجتهاد، ولسان حق في علوم المعاملة.
باع جميع أملاكه وضياعه، حين ولد ابنه أبو عبد الرحمن.
قيل له: " قد ولد لك مولود، فلم تبيع ملكك؟! " فقال: " لا يخلو حاله من أحد أمرين: إما ان يكون صالحاً، فالله يكفيه؛ وإما أن يكون مفسداً فلا أكون عوناً على فساده " مات سنة ثمان واربعين وثلثماءة.
стр. 187
أبو الخير الأقطع
٢٢٣ - ٣٤٣ للهجرة
حماد بن عبد الله، الاقطع التيناتي أبو الخير. أحد مشايخ الصوفية٢ (، صحب كثيراً من جلة مشايخ الصوفية.
أصله من المغرب، وسكن التينات، قرية على أميال من المصيصة. وكان من العباد المشهورين، والزهاد المذكورين.
صحب أبا علد الله بن الجلاء، وسكن جبل لبنان، من نواحى دمشق. وكان ينسج الخوص بيديه، لا يدرى كيف ينسجه. وحكاية قطع يده طويلة مشهورة. وكانت السباع تأوى اليه، وتأنس به. ولم
стр. 188
تزل ثغور الشام محفوظة أيام حياته، إلى ان مضى لسبيله.
مات سنة نيف وأربعين وثلثمائة، عن مائة وعشرين سنة.
ومن كلامه: " القلوب ظروف: فقلب مملوء ايماناً، فعلامته الشفقة على جميع المسلمين، والاهتمام بهم، ومعاونتهم على ما يعود صلاحه اليهم؛ وقلب مملوء نفاقاً، فعلامته الحقد والغل، والغش والحسد ".
وقال: " من أحب أن يطلع الناس على عمله فهو مراء، ومن أحب أن يطلع الناس على حاله فهو مدع كذاب ".
وقال: " دخلت مدينة رسول الله، ﷺ ، وأنا بفاقة، فأقمت خمسة أيام ما ذقت ذواقاً، فتقدمت إلى القبر، فسلمت على رسول الله، ﷺ ، وعلى خليفته؛ وقلت: أنا ضيفك الليلة، يا رسول الله!. وتنحيت ونمت خلف المنبر. فرأيت رسول الله في المنام، والصديق عن يمينه، والفاروق عن شماله، وعلى بين يديه. فحركنى على، وقال لى:
стр. 189
قم! قد جاء رسول الله!. فقمت اليه، وقبلت بين عينيه؛ فدفع إلى رغيفاً، فأكلت نصفه، فأنتبهت فاذا في يدى نصفه ".
وقيل له: " أي شئ أعجب ما رأيت؟ ". قال: " رأيت عبداً أسود، في جامع طرسوس، أدخل رأسه في مرقعته، وخطر في قلبه الحرم، فأخرج رأسه وهو في الحرم ".
وقال أبو الحسين القرافي: " زرت أبا الخير، فلما ودعته خرج معي من باب المسجد، وقال: " أنا أعلم أنك لا تحمل معك معلوماً، ولكن احمل معم هاتين التفاحتين! ". فأخذتهما فوضعتهما في جيبي وسرت فلم بفتح لى بشيء ثلاثة أيام، فأخرجت واحدة منها فأكلتها؛ ثم أردت أن اخرج الثانية فإذا هما في جيبي، فكنت آكل منهما ويعودان، إلى ان وصلت باب الموصل فقلت في نفسي: أنهما يفسدان على توكلي إذا صارتا معلوماً لي. فأخرجتهما من جيبى ثمرة؛ فاذا فقير ملفوف بعباءة يقول: أشتهى تفاحة!. فناولتهما اليه. فلما عبرت وقع لي أن الشيخ بعثهما أليه وكنت في رفقة في الطريق فانصرفت، فلما كان الغد رجعت أليه فلم أجده ".
стр. 190
وقال أبو الحسن القرافي: " كنت ماضياً لأبى الخير أزوره، فلقيت أنساناً بغدادياً، فقال لي: " إلى أين؟ "، قلت: " أزور الشيخ! "، قال: " أنا ندخل أليه، فيقدم لنا الخبز واللبن، وأنا صفراوى! ". فدخلنا عليه، وقدم لى خبزاً ولبناً، ولرفيقى رماناً حلواً وحامضاً، وقال: " كل هذا! ".
ثم قال لي: " من أين صحبت هذا، فانه يدعى؟! ". وما كنت سمعت منه شيئاً، فلما أن كان بعد عشر سنين رأيته بتنيس - وهو تاجر - وإذا به معتزلي محض ".
وروى عن ابرهيم الرقى قال: " قصدته مسلماً، فصلى المغرب، ولم يقرأ الفاتحة مستوياً، فقلت في نفسي: " ضاعت سفرتي! ". فلما سلمت خرجت للطهارة، فقصدني السبع، فعدت أليه، وقلت: " أن الأسد قصدني! " فخرج وصاح على الأسد، وقال: " ألم أقل لك: لا تتعرض لأضيافي؟!: فتنحي وتطهرت. فلما رجعت قال: " اشتغلتم بتقويم الظواهر فخفتم الأسد، واشتغلنا بتقويم القلب فخافنا الأسد! ".
وروى أنه كان أسود، وفي لسانه عجمة الحبش، وقصده بعض
стр. 191
البغداديين - من أهل السان - ليمتحنه، ومعه تلامذة له، وأعلمهم أنه لا يحسن شيئاً، فدخل عليه، وحوله أصحابه، فسلم عليه وقال: " أيها الشيخ! مسألة؟! ". فقال: " ليس هذا موضع مسألتك، ولكن أجلس حتى يخلو الموضع ". فلما خلا أخذ بيد البغدادي، وأدخله إلى مسجد يأوي أليه للخلوة، في وسط الأجمة، فأجلسه في المسجد، وقام هو يركع، فإذا هو بصياح الأسد من كل جانب، فارتعد البغدادي واصفر لونه، فسلم أبو الخير وقال: " هات مسألتك! " فغشى عليه، فحمله أبو الخير على ظهره، ورده إلى أصحابه، وقال: " خذوا شيخكم! "، فلما أفاق هرب من عنده خفية ".
ومن إنشاداته:
أنحل الحب قلبه والحنين ... ومحاه الهوى فما يستبين
ما تراه الظنون إلا ظنونا ... وهو أخفي من أن تراه العيون
ولأبي الخير ولد اسمه عيسى، كان صالحاً أيضاً. طلب من والده الخبز، وكان صبياً فقال: أيما أحب إليك: أعطيك الخبز، وتكون عند السبع؟ أو تكون عندي بلا خبز؟ " قال، فقلت في نفسي: " هو والد، ولا تطيب نفسه أن يتركني مع السبع! " فقلت: " أعطني
стр. 192
الخبز، واحبسني حيث شئت! " فأعطاني الخبز، فلما أكلت، قال لي: " قم! "، قلت: " ترى يحملني إلى السبع؟! " فقمت معه، فدخل الغابة، وأنا خلفه؛ وإذا بسبعين، فلما أبصرا به قاما، فقال لى: " اجلس! "، فجلست، ومضى هو، وريض السبعان، فكنت أرجف من الخوف، ثم سكنت وقلت: " لو أراد بى أمراً لكانا قد فعلا " ثم خطر لي أنه ولهما بحفظي، فبقيت إلى قريب المغرب هناك، فلما جاء قرب العشاء جاء والدى، فلما بصرا به قاما؛ فأخذ بيدي وأخرجني، وخرج كل واحد منهما إلى جانب ".
стр. 193
خير النساج
٢٠٢ - ٢٢٢ للهجرة
خير بن عبد الله النساج، أبو الحسن. من " سر من رأى "، ونزل بغداد، وصحب أبا حمزة البغدادى، ولقى سرياً السقطي. وكان من أقران النوري. وعمر طويلا، وصحب الجنيد، وابن عطاء. وتاب في مجلسه ابرهيم الخواص والشبلي، وكان أستاذ الجماعة.
مات سنة اثنتين وعشرين مثلثمائة، عن مائة وعشرين سنة.
من كلامه: الخوف سوط الله، يقوم به أنفساً قد تعلمت سوء الأدب؛ فمتى
стр. 194
أساءت الجوارح الأدب فهو من غفلة القلب وظلمة السر ".
قال جعفر الخلدي: سألت خيراً النساج: " أكان النسج حرفتك؟ " قال: " لا! " قلت: " فمن اين سميت به؟! " قال: " عاهدت الله ألا آكل الرطب أبداً، فغلبتني نفسي يوماً، فأخذت نصف رطل، فلما أكلت واحدة، إذا رجل نظر إلى وقال: " يا خير! يا آبق! هربت منى؟! ". وكان له غلام اسمه خير، قد هرب منه، فوقع على شبهه. فاجتمع الناس فقالوا: " والله! هذا غلامك خير! ". فبقيت متحيراً، وعلمت بما أخذت، وعرفت جنايتي. فحملني إلى حانوته، الذي كان ينسج فيه غلمانه، فقالوا: " يا عبد السوء! تهرب من مولاك!. ادخل واعمل عملك الذي كنت تعمل ". وأمرني بنسج الكرباس. فدليت رجلي على أن أعمل، فكأني كنت أعمل من سنين. فبقيت معه أربعة أشهر أنسج له، فقمت ليلة فتوضأت وقمت إلى صلاة الغداة، فسجدت وقلت في سجودي: " إلهي! لا أعود إلى ما فعلت! ". فأصبحت فإذا الشبه قد ذهب عنى، وعدت إلى صورتي التي كنت عليها، فأطلقت، فثبت على هذا الاسم ".
وكان يقول: " لا أغير اسماً سماني به رجل مسلم ".
وقال عيسى بن محمد؛ سمعت أبا الحسن خيراً النساج يقول: " تقدم إلى شاب من البغاددة، وقد انطبقت يده، فقلت له: " مالك؟! " فقال:
стр. 195
" جلست اليك، فحللت عقدة من طرف إزارك، فأخذت منه درهماً، فجفت يدي ". فقلت: " كيف فعلت به؟ "، قال خير: - وكنت قد بعت به لأهلى غزلا - فمسحت يده بيدي، فردها الله عليه، وناولته الدرهم، قلت: " اشتر به شيئاً ولا تعد ".
وقال أبو الحسين المالكي: " كنت أصحب خيراً النساج عدة سنين، فقال لي، قبل موته بثمانية أيام: " أنا أموت يوم الخميس، وقت المغرب، وأدفن يوم الجمعة، قبل الصلاة، وستنسى هذا، فلا تنسى! "، قال أبو الحسين: فأنسيته إلى يوم الجمعة، فلقيني من أخبرني بموته، فخرجت لأحضر الجنازة قبل الصلاة كما قال ".
وحكى غيره أنه غشى عليه عند المغرب، ثم أفاق ونظر إلى ناحية من باب البيت، فقال: " قف! عافاك الله! فإنما أنت عبد مأمور وأنا عبد
стр. 196
مأمور، وما أمرت به لا يفوتك، وما أمرت به يفوتنى، فدعنى أمضى لما أمرت به ". ودعا بماء فتوضأ للصلاة وصلى، ثم تمدد وغمض عينيه، وتشهد ومات ".
رضى الله عنه، ورحمة الله عليه.
стр. 197
حرف الدال
داود الطائي
- ١٦٥ للهجرة
داود بن نصير الطائي أبو سليمان. كان كبير الشأن، سمع الحديث، واشتغل بالفقه مدة، ثم اختار العبادة والزهد، فبلغ منهما الغاية.
ورث عن ابيه عشرين ديناراً، فأكلها في عشرين سنة، كل سنة ديناراً، منه يصل، ومنه يتصدق.
وكان بدء توبته أنه دخل المقبرة، فسمع امرأة عند قبر تقول:
مقيم إلى أن يبعث الله خلقه ... لقاؤك لا يرجى وأنت قريب
نريد تلاقى كل يوم وليلة ... وتبلى كما تبلى وأنت حبيب
وقيل: سبب زهده أنه سمع نائحة تندب وتقول:
بأي خديك تبدى البلى ... وأي عينيك إذا سالا؟
стр. 198
مات بالكوفة سنة خمس - وقيل: ست - وستين ومائة، فى خلافة المهدى.
من كلامه: " ما أخرج الله عبداً من ذل المعاصي إلى عز التقوى إلا أغناه بلا مال، وأعزه بلا عشيرة، واّنسه بلا بشر ".
ودخل عليه رجل، فقال له: " ما حاجتك؟ "، قال: " زيارتك " فقال: " أما أنت فقد فعلت خيراً حين زرت، ولكن انظر ما ينزل بي أنا، إذا قال لي: من أنت لتزار؟. من الزهاد؟ والله. أنت من العباد؟ لا والله. أنت من الصالحين؟. لا والله ". ثم أقبل يوبخ نفسه " كنت في الشبيبة فاسقاً، ولما شبت صرت مرائياً ".
وقال عبد الله بن ادريس، قلت لداود: " أوصني " فقال: " أقلل من معرفة الناس ". قلت: " زدني "، قال: " ارض باليسير من الدنيا، عن سلامة الدين، كما رضى أهل الدنيا بالدنيا، مع فساد الدين ". قلت: " زدني "، قال: " اجعل الدنيا كيوم صمته، ثم أفطر على الموت ".
وأحتجم داود، فأعطى الحجام ديناراً، فقيل له: " هذا أسراف "، فقال: " لا عباد لمن لا مروءة له ".
стр. 199
ودخل عليه بعض أصحابه، فرأى جرة ماء، قد انبسطت عليها الشمس، فقال له: " ألا تحملها إلى الظل؟ " فقال: " حين وضعتها لم يكن شمس، وأنا أستحي من الله أن يراني أمشى لما فيه حظ نفسي ".
وقيل له: " قد رضيت من الدنيا باليسير "، فقال: " ألا أدلك على من رضى بأقل نم ذلك؟. من رضى بالدنيا كلها عوضاً عن الآخرة ".
ويروى أنه خرج يوماً إلى السوق، فرأى الرطب، فاشتهته نفسه، فجاء إلى البائع فقال: " أعطني بدرهم إلى الغد ". فقال له: " اذهب إلى عملك " فرآه بعض من يعرفه، فأخرج له صرة فيها مائة درهم، وقال له: " اذهب فان أخذ منك بدرهم رطباً فالمائة لك ". فلحقه البائع، وقال له: " ارجع خذ حاجتك " فقال: لا حاجة لي فيه. أنا جربت هذه النفس، فلم أرها تسوى فى هذه الدنيا درهماً، وهى تريد الجنة غداً ".
ودخل عليه رجل، فوجده يأكل ملحاً جريشاً بخبز يابس، فقال له: " كيف يشتهى هذا؟ " قال: " ادعه حتى أشتهيه ".
واشتكى داود أياماً، وكان سبب علته أنه مر بآية فيها ذكر
стр. 200
النار، فكررها مراراً في ليلته، فأصبح مريضاً، ووجدوه قد مات، ورأسه على لبنه.
ورآه بعض الصالحين في المنام، فقال له: " الساعة خلصت من السجن " فاستيقظ الرجل، وإذا الصياح: " قد مات داود ".
стр. 201
أبو بكر الشبلى
٢٤٧ - ٣٣٤ للهجرة
دلف بن جحدر، وقيل: ابن جعفر، الشبلى، نسبة إلى قرية من قرى اسروشنة، بلدة عظيمة وراء سمرقند، من بلا د ما وراء النهر.
كنيته أبو بكر، الخراساني الأصل، والبغدادي المولد والمنشأ. جليل القدر، مالكي المذهب عظيم الشأن.
صحب الجنيد وطبقته. ومجاهداته، في أول أمره، متواترة؛ يقال: أنه اكتحل بكذا وكذا من الملح ليعتاد السهر ولا يأخذه النوم.
وكان يبالغ في تعظيم الشرع المكرم، وإذا دخل رمضان جد فيه
стр. 202
الطاعات، ويقول: " هذا شهر عظمه ربى، فأنا أولى بتعظيمه ".
مات في ذي الحجة، سنة أربع وثلاثين وثلثمائة، عن سبع وثمانين سنة.
ومن كلامه: وقد سئل عن حديث) خير كسب المرء عمل يمينه (: " إذا كان الليل فخذ ماء، وتهيا للصلاة، وصلي ما شئت، ومد يدك، وسل الله، فذلك كسب يمينك ".
وسئل عن قوله تعالى:) لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا (، قال: " لو اطلعت على الكل لوليت منهم فراراً ألينا ".
قال، في معنى قوله تعالى:) قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم (، قال: " أبصار الرءوس عن المحارم، وأبصار القلوب عما سوى الله ".
ولما حج عن التجريد، ورأى مكة، وقع مغشياً عليه، فلما افاق أنشد:
стр. 203
هذه دراهم وأنت محب ... ما بقاء الدموع في الآماق
وقديماً هدت أفنية الدار ... وفيها مصارع العشاق
وقال القوال بين يديه ليلة شيئاً، فصاح، فقيل له: " ما لك، من بين الجماعة، تتواجد، فقال:
لي سكرتان، وللندمان واحدة ... شئ خصصت به، من بينهم، وحدي
ووقع ذلك مرة أخرى، فأنشأ:
لو يسمعون، كما سمعت، حديثها ... خروا لعزة ركعاً وسجوداً
وكان الشبلى يوماً حاضراً، فوقف عليه شخص ودعا، والشبلى ينظر إليه، فأنشأ:
أم الخيام فأنها كخيامهم ... وأرى نساء الحي غير نسائها
وحضر مرة فاجتمع الناس إليه، فسكت فسكتوا، ثم أنشأ:
كفى حزناً بالواله الصب أن يرى ... منازل من يهوى معطلة صفرا
وكان يقول: " ليت شعري ما اسما عندهم يا علام الغيوب؟. وما أنت صانع في ذنوبي يا غفار الذنوب؟. وبم يختم عملي يا مقلب القلوب؟ ".
стр. 204
وسئل عن حديث:) إذا رأيتم أهل البلاء فاسألوا الله العافية (: من هم أهل البلاء؟. قال: " أهل الغفلة عن الله ".
وقال له رجل: " ادع الله لي "، فانشأ:
مضى زمن والناس يستشفعون بي ... فهل لي إلى الليل الغداة شفيع؟
وقيل له: " أراك جسيماً بدينا، والمحبة تضنى؟ "، فأنشأ:
احب قلبي، وما درى بدني ... ولو درى ما أقام في السمن
وكان كثيراً ما ينشد:
ولي فيك ... ياحسرتي حسرت تقظي حياتي وما تنقضي.
стр. 205
ويروي انه قال: " كنت يوماً جالساً، فجرى بخاطري أني بخيل، فقلت: أنا بخيل؟! فقاومني خاطري، وقال: بلا!، انك بخيل!. فقلت: مهما فتح على اليوم، لأدفعنه إلى أول فقير يلقاني!. قال: بينا أنا أتفكر، إذ دخل على صاحب لمؤنس الخادم، ومعه خمسون ديناراً، فقال: اجعل هذه في مصالحك "، فأخذتها وخرجت. وإذا بفقير مكفوف، بين يدي مزين، يحلق رأسه، فتقدمت إليه، وناولته الصرة، فقال لي: أعطها للمزين ". فقلت: " أنها دنانير! "، فقال: " أو ليس قد قلنا انك بخيل؟! "، فناولتها للمزين: " من عاداتنا أن الفقير إذا جلس بين أيدينا لا نأخذ منه أجراً ". قال: فرميتها في دجلة فقلت: " ما أعزك أحد إلا أذله الله! ".
وقال: كنت في قافلة بالشام، فخرج الأعراب فأخذوها، وأميرهم جالس يعرضون عليه، فخرج جراب في لوز وسكر، فأكلوا منه إلا الأمير، فأنه لم يأكل؛ فقلت له: " لما تأكل؟! "، قال: " أنا صائم! ". قلت " تقطع الطرق، وتأخذ الأموال، وتقتل النفس، وأنت صائم؟! "، قال: " يا شيخ! اجعل للصلح موضعاً ". فلما كان بعد حين، رأيته يطوف، وهو محرم، كالشن البالي، فقلت: " أنت ذاك الرجل؟! ". فقال: " ذلك الصوم بلغ بي إلى هذا ".
ورؤى الشبلي في جامع المدينة قد كثر الناس عليه في الرواق
стр. 206
الوسطاني، وهو يقول: " رحم الله عبدا، ورحم والديه دعا لرجل كانت له بضاعة، وقد فقدها؛ وهو يسأل الله ردها! " والناس صموت. فخرق الحلقة غلام حدث، وقال: " من هو صاحب البضاعة؟ "، الشبلي: " أنا! " قال: " فأيش كانت بضاعتك؟ "، قال: " الصبر، وقد فقدته! " فبكى الناس بكائاً عظيماً ".
وللشبلي:
مضت الشبيبة والحبيبة فانبرى ... دمعان في الأجفاني يستبقان
ما أنصفتني الحادثات! ... رمينني بمودعيني، وليس لي قلبان
وقيل ضاق صدره يوماً ببغداد، فانحدر إلى البصرة، فلما ضاق صدره خرج لوقته، فلما قرب من دار الخليفة، إذا جار تغني بين يدي الخليفة:
أيا قادماً من سفرة الهجر، مرحباً ... أنا ذاك، لا أنساك، ما هب الصبا
قدمت على قلبي، كما قد تركته ... كئيباً حزيناً بالصبابة متعبا
فصاح صيحة، ووقعت الدجلة مغشياً عليه، فقال الخليفة:) ألحقوه واحملوه! " فحمل أليه، فقال له: " أمجنون أنت؟! ". قال:
стр. 207
" يا أمير المؤمنين! كان من أمري كيت وكيت، فتحيرت في أمري " فبكى الخليفة لما رأى من حرقته.
وآخر يوماً العصر، ونظر الشمس وقد نزلت للغروب، فقال: " الصلاة ياسادتي! " وقام فصلى، وانشأ يقول مداعباً وهو يضحك: " ما احسن من قال:
نسيت اليوم من عشقي صلاتي ... فلا ادري عشائي من غدائي
فذكرك ... سيدي أكلي وشربي ووجهك أن رأيتُ شفاء دائي
ورؤى يوماً في عيد خارجاً من المسجد، وهو يقول:
إذا ما كنت لي عيداً ... فما اصنع بالعيد؟
جرى حبك في قلبي ... كجري الماء في العود
وقال: " ما أحوج الناس إلى سكرة، تفنيهم عن ملاحظة أنفسهم وأفعالهم وأحوالهم " وأنشأ يقول:
وتحسبني حياً وأني لميت ... وبعض من الهجر أن يبكي على بعض
стр. 208
وأنشد:
وأني وإياها لفي الحب صادق ... نموت بما نهوى جميعاً، وما نبدي
وأنشد أيضاً:
ومن أين لي أين؟ وأني كما ترى ... أعيش بلا قلب وأسعى بلا قصد
وروى انه كان يقول في أخر أيامه:
وكم من موضعاً لو مت فيه ... لكنت نكالاً في العشيرة!
وقال خير النساج: " كنا في المسجد، فجاء الشبلي - في سكره - فنظر ألينا، فلم يكلمنا وهجم على الجنيد في بيته، وهو جالس مع زوجته، وهي مكشوفة الرأس، فهمت أن تغطي رأسها، فقال لها الجنيد: " لا عليك!، ليس هو هناك! " فصفق على رأس الجنيد وأنشد يقول:
عودوني الوصال، والوصل عذبٌ ... ورموني بالصد، والصد صعبُ
زعموا ... حين أيقنوا أن جرمي فرط حبي لهم، وما ذاك ذنبُ
لا! وحسن الخضوع عند التلاقي! ... ما عجزا من يحب إلا يحبُ!
قال: ثم ولى الشبلي خارجا، فضرب الجنيد على الأرض برجليه، قال: " هو ذاك يا أبا بكر، هو ذاك! "، وخر مغشياً عليه.
стр. 209
قال بكير الدينوري " وجد الشبلى خفة - في يوم جمعة - من وجع كان به، فأمر بمضيه إلى الجامع، فراح أليه متكئاً، فتلقاه رجل مقبل من الرصتفة، فقال: " سيكون لي غداً مع هذا الشيخ شأن! ". فصلينا ثم غدونا، فتناول شيئاً من الغداء، فلما كان الليل مات. فقيل لي: " في درب السقايين رجل يغسل الموتى " فدلوني عليه في السحر، فأتيته فدققت الباب خفيفاً فقلت: " سلام عليك "، فقال:، مات الشبلى؟ "، قلت: " نعم! " فخرج إلى، فإذا به الشيخ، فقلت: " لا أله إلا الله! " فقال: " لا اله إلا الله، تعجبا مم؟ " قال: " قال لى الشبلى أمس - لما وجدناك -: " غداً يكون لي مع هذا شأن. بحق معبودك!، ة من أين لك أن الشبلى قد مات؟ ". قال: " يا ابله! فمن أين للشبلى أن يكون له معي اليوم شأن؟ ".
وقيل لبكير الديننورى خادمه: " ما الذي رأيت منه؟ " يعنى عند وفاته، فقال: " قال: على درهم مظلمة، قد تصدقت عن صاحبه بألوف، فما على قلبي شغل أعظم منه " ثم قال: " وضئني للصلاة! " ففعلت، فنسيت تخليل لحيته، فقد أمسك على لسانه فقبض على يدى وأدخلها فى لحيته، ثم مات ". فهذا رجل لم يفته - فى أخر عمره - أدب من آداب الشريعة ".
وقيل له عند موته: " قل: لا اله إلا الله " فقال:
стр. 210
قال سلطان حبه: ... أنا لا أقبل الرشا
فسلوه فديته ... لم بقلبي تحرشا
أصحابه، منهم الحسين بن محمد بن موسى الأزدي، والد أبى عبد الرحمن السلمى، سلف قريباً.
ومنهم على بن إبرهيم، أبو الحسن الحصري البغدادي. حكى عنه انه كان لا يخرج إلا يوم الجمعة، وكان أحد الموصوفين بالعباده وشدة المجاهدة. وله كلام على الأحوال، دونه عنه الأعلام، ومنه: " لا يغرنكم صفاء الأوقات، فان تحتها آفات، ولا يغرنكم العطاء فان العطاء، عند أهل الصفاء، مقت ".
стр. 211
وكان شيخ بغداد في وقته، منفرداً بلسان التوحيد، لا يدانيه فيه أحد، وكان أوحد زمانه في أحواله، وحسن المشاهدة؛ شاهده يدل على صدق حاله، وسلامة صدره. ملت ببغداد سنة أحدى وسبعين وثلثمائة، وقد نيف على الثمانين، ودفن بباب حرب قرب بشر.
وكان ينشد:
أن دهراً يلف شملي بسلمى ... لزمان يهم بالأحسان
وقال أبو الحسين الزنجاني؛ كثيراً ما كنت أسمعه يقول: " عرضوا ولا تصرحوا فان التعريض أستر ".
وينشد:
وأعرض ... إذا ما جئت عنا بحيلة وعرض ببعض، أن ذلك استر
فما زلت في أعمال طرفك نحونا ... ولحظك، حتى كاد ما بك يظهر
ومنهم محمد بن أحمد بن حمدون الفراء، من كبار مشايخ
стр. 212
نيسابور. وصحب أيضاَ أبا على الثقفي، وغيره. وكان أوحد وقته في طريقته.
قيل له: " من هم الأبرار؟ " قال: " المتقون ".
ومنهم بندار بن الحسين، سلف.
ومنهم محمد بن سليمان الصعلوكي الحنفي، أبو سهل. كان اماماً في العلوم، وأوحد زمانه، وكان - مع تمام علمه وفضله - مقدم علوم هذه الطائفة، ويتكلم فيه بأحسن إشارة، ويحترمهم وصحب المرتعش وغيره أيضاً، وكان حسن السماع طيب الوقت.
قال: " ما عقدت على شئ قط، وما كان لى قفل ولا مفتاح، ولا صررت على دراهم ولا دنانير قط ".
وسئل عن التصوف، فقال: " الأعراض عن الأعراض ".
وقال: " من قال لأستاذه: " لم؟ " لا يفلح أبداً ".
стр. 213
وقال: " عقوق الوالدين تمحوه التوبة، وعقوق الاستاذين لا يمحوه شيء البته ".
مات سنة تسع وستين وثلاثمائة، عن ثلاث وسبعين سنة.
ومنهم نعمان الحديثي. لقي الشبلي وغيره، وكان أحد الزهاد، صاحب كرامات.
دخل على الشبلي ببغداد، مختفياً، فعرفه.
حكت عنه ابنته فاطمة، فالت: قال أبي: " دخلت على الشبلي ببغداد، فقال لي: " تعرف الله؟ "، قلت: " نعم! "، فحملني إلى بيته، وأمر بآلة الحلاوة، ونصب الدست، وأوقد النار، فلما إلى ادخل يده فيها فحركه، قال: فمددت يدي إلى الشعلتين التي تقدان تحته، فأختهما واكتحلت بهما، فضرب بيديه الي، وقال: " نعمان؟! "، قلت: " نعم! ".
ومن أقرانه عبد الله بن طاهر الأبهري أبو بكر. عالم ورع،
стр. 214
صحب يوسف بن الحسين وغيره. ومات قرب الثلاثين وثلاثمائة.
ومن كلامه: " إذا أحببت أخافني الله فأقلل من مخالطته في الدنيا ".
وانشد:
كل العذاب الذي في الناس مسترق ... مما الأقيه من شوق وتذكار
وقال: " حكم الفقير أن لا تكون له رغبة، فأن كان ولا بد فلا تتجاوز رغبته كفايته ".
ويروى انه حضر جنازة، فرأى أخوان الميت يكثرون البكاء، فنظر إلى أصحابه، ثم انشد يقول:
ويبكي على الموتى، ويترك نفسه ... ويزعم أن قد قل عنه عزاؤه
ولو كان ذي رأي وعقل وفطنة ... لكان عليه لا عليهم بكاؤه
وله أيضاً:
يا مدعي الود أن الود محضور ... باد على صادق لله مشهور
مستأنس لا يرى شيئاَ يروعه ... ولا يحاذره في الله محذور
стр. 215
حرف الذال
ذو النون المصري
١٥٧ - ٢٤٥ للهجرة
ذو النون بن ابرهيم المصري الاخميني، ابو الفيض احد ارجال الحقيقة. قيل: اسمه ثوبان، وقيل: الفيض، وقيل: ذو النون لقبه، واشتهر بذلك. وقد ذكره في حرف الذال ابن عساكر وغيره.
وكان احد العلماء الورعين في وقته، نحيفاً، تعلوه حمرة، ليس بأبيض اللحية، وكان ابوه نوبياً، فيما قيل.
следующие страницы →