Полный текст (567 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
وكان قد ركبه من الدين سبعمائة دينار، وحضره غرماؤه، فنظر إليهم وقال: " اللهم انك جعلت الرهون وثيقة، فأد عنى! ". قال: فدق داق الباب، وقال: " أهذه دار أحمد بن خضرويه؟ ". فقالوا: " نعم! ". قال: " فاين غرماؤه؟ " قال: فخرجوا، فقضى عنهم، ثم خرجت روحه.
стр. 37
أبو سعيد الخراز
- ٢٧٧ للهجرة
أبو سعيد أحمد بن عيسى الخراز البغدادي. صحب ذا النون وغيره، وكان من جملة مشايخ القوم.
مات سنة سبع وسبعين ومائتين. وقال السمعاني: " سنة ست وثمانين ".
من كلامه: " كل باطن يخالفه ظاهر فهو باطل ".
стр. 38
وقال: " مثل النفس مثل ماء واقف طاهر صاف، فان حركته ظهر ما تحته من الحمأة. وكذا النفس، تظهر عند المحن والفاقة والمخالفة. ومن لم يعرف ما في نفسه كيف يعرف ربه؟! ".
وقال: " ليس من طبع المؤمن قول: لا. وذلك أنه إذا نظر ما بينه وبين ربه من أحكام الكرم استحى أن يقول: لا ".
مقال: " رأيت إبليس في النوم، وهو يمر عنى ناحية، فقلت: " تعال! " فقال: " أيش أعمل بكم؟! أنتم طرحتم عن نفوسكم ما أخادع به الناس " قلت: " وما هو؟ ". قال: " الدنيا ".
وقال: " ورأيته مرة أخرى، وكان بين يدي عصا، فرفعتها حتى أضربه بها، فقال لى قائل: " هذا لا يفزع من العصا! ". فقلت له: " من أى شيء يفزع؟ ". قال: " من نور يكون فى القلب ".
وقال في قوله تعالى:) ولله خزائن السموات والأرض (: خزائنه في السماء الغيوب، وفى الأرض القلوب ".
стр. 39
وقال في معنى قوله ﵇:) جبلت القلوب على حب من أحسن أليها (: " واعجباً ممن لم ير محسناً غير الله، كيف لا يميل بكليته إليه؟! ".
وقال: " دخلت المسجد الحرام، فرأيت فقيراً عليه خرقتان يسأل شيئاً، فقلت في نفسي: " مثل هذا كل على الناس! ". فنظر إلى قال:) واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه (؛ قال: فاستغفرت في سرى، فناداني فقال:) وهو الذي يقبل التوبة عن عباده (.
وقال: " صحبت الصوفية ما صحبت، فما وقع بيني وبينهم خلاف ". قالوا: " لم؟ ". قال: " لأني كنت معهم على نفسي ".
وقال الجنيد: " لو طالبنا الله بحقيقة ما عليه أبو سعيد الخراز لهلكنا، فانه أقام كذا وكذا سنة يخرز ما فاته الحق بين الخرزتين ".
стр. 40
ومن أصحاب أبى سعيد أبو الحسن بن بنان، من كبار مشايخ مصر.
ومن كلامه: علامة سكون القلب إلى الله تعالى أن يكون بما في يد الله تعالى أوثق منه بما في يده ".
وقال: " اجتنبوا دناءة الأخلاق كما تجتنبون الحرام ".
وقال الخراز: " كنت بالبادية، فنالني جوع شديد، فغلبتني نفسي أن اسأل الله صبراً، فلما هممت بذلك سمعت هاتفاً يقول:
ويزعم أنه منا قريب ... وأنا لا نضيع من أتانا
ويسألنا الفتى جهداً وصبراً ... كأنا لا نراه ولا يرانا
стр. 41
قال: " فأخذني الاستقلال من ساعتى، فقمت ومشيت ".
وقال: " وبقيت إحدى عشرة سنة، أتردد من مكة إلى المدينة، ومن المدينة إلى مكة؛ لا أرى مكة وأرى رب مكة، فما صح لى منه نفس. فلما كان بعد ذلك تراءى لى بعض الجن وقال لى: " يا أبا سعيد! قد - والله - رحمتك، من كثرة تردادك!، وقد حضرني شعر، فاستمع:
أتيه، فلا أدرى من التيه من أنا ... سوى ما يقول الناس فى وفى جنسي
أتيه على جن البلاد وانسها ... فان لم أجد خلقاً أتيه على نفسي
قال أبو سعيد؛ فقلت له: " اسمع - يا من لا يحسن يقول - ان كنت تسمع:
أيا من يرى الأسباب أعلى وجوده ... ويفرح بالتيه الدنى وبالأنس
فلو كنت من أهل الوجود حقيقة ... لغبت عن الأكوان والعرش والكرسي
وكنت بلا حال مع الله واقفاً ... تصان عن التذاكر للجن والأنس
стр. 42
وقال: رويم بن أحمد: " حضرت وفاة ابي سعيد في آخر نفسه:
حنين قلوب العارفين إلى الذكر ... وتذكارهم وقت المناجاة للسر
أدريت كئوس المنايا عليهم ... فأغفوا عن الدنيا كإغفاء ذي السكر
فأجسامهم في الأرض تحيى بحبه ... وأرواحهم في الحجب تحت العلا تسرى
فما عرسوا إلا بقرب مليكهم ... ولا عرجوا عن مس بؤس ولا ضر
стр. 43
أحمد بن عاصم الأنطاكي
١٤٠ - ٢٣٩ للهجرة
أبو على أحمد بن عاصم الأنطاكي، من أقران السرى وغيره. وكان الداراني يسميه " جاسوس القلوب " لحدة فراسته.
من كلامه: " إذا طلبت صلاح قلبك فاستعن بحفظ لسانك ".
وقال: " اليقين نور يجعله الله في قلب العبد، حتى يشاهد به أمور آخر، ويخرق بقوته كل حجاب بينه وبين ما في الآخرة، حتى يطالع أمور الآخرة كالمشاهد لها ".
стр. 44
وقال: " يسير اليقين يخرج كل الشك من القلب. ويسير الشك يخرج اليقين كله من القلب ".
وقال: " اذا جالستم أهل الصدق فجالسوهم بالصدق، فانهم جواسيس القلوب؛ يدخلون في قلوبكم، ويخرجون منها من حيث لا تحسون ".
وقال: " من كان بالله أعرف كان له أخوف ".
стр. 45
أبو جعفر بن سنان
- ٣١١ للهجرة
أبو جعفر أحمد بن حمدان بن على بن سنان، من كبار مشايخ نيسابور صحب أبا عثمان.
كتب وحدث وصنف " المسند " على صحيح مسلم.
وكان أحد الخائفين الورعين، حتى كان أبو عثمان يقول: " من أحب أن ينظر إلى سبيل الخائفين فلينظر إلى أبى جعفر بن سنان ".
مات سنة احدى عشرة وثلثمائة.
стр. 46
ومن كلامه: " أنت تبغض العاصي بذنب واحد تظنه، ولا تبغض نفسك مع ما تتيقنه من ذنوبك ".
وقال: " من لزم العزلة والخلوة كان أقل لفضيحته في الدنيا، إلى أن يبلغ إلى فضيحة الآخرة ".
وقال: " ذمك لأخيك بعيوبه يوقعك في ما فوقه وشر منه ".
وقال: " علامة من انقطع إلى الله على الحقيقة إلا يرد عليه ما يشغله عنه ".
стр. 47
أبو علي الرذباري
- ٣٢٢ للهجرة
أبو على أحمد بن محمد الروذبارى البغدادي ثم المصري. مات سنة اثنتين وعشرين وثلثمائة، وقال السمعاني: سنة ثلاث وعشرين وثلثمائة.
وروذبار يقال لمواضع عند الأنهار الكبار؛ وهذا الموضع عند طوس كما قال السمعاني؛ وقال الطلحي: " قرية من بغداد ".
стр. 48
صحب الجنيد والنوري وابن الجلاء وغيرهم. كان أظرف المشايخ وأعلمهم بالطريقة، كبير الشأن.
من كلامه: " من الاغترار أن تسيء فيحسن اليك، فتترك الإنابة والتوبة توهماً انك تسامح فى الهفوات، وترى أن ذلك من بسط الحق عليك ".
وقال: " لو تكلم أهل التوحيد بلسان التجريد ما بقى محب إلا مات ".
وأنشد:
نعمى تسر إذا رأتك، وأختها ... تبكى بطول تباعد وفراق
فاحفظ لواحدة أوان سرورها ... وعد التي أبكيتها بتلاقي
وقال: " قدم علينا فقير في يوم عيد، في هيئة رثة، فقال: " هل عندك مكان نظيف، يموت فيه فقير غريب؟ ". فقلت كالمتهاون به: " ادخل ومت حيث شئت؟ ". فدخل فتوضأ وصلى ركعتين، ثم اضطجع
стр. 49
ومات. فجهزته، فلما دفنته وكشفت عن وجهه لأضعه في التراب، ليرحم الله غربته، فتح عينيه وقال: " يا أبا على!. أتدللني بين يدي من يدللنى؟! ". فقلت: " يا سيدى! أحياة بعد الموت؟! ". قال: " نعم! أنا حي، وكل محب لله حي، لأنصرنك غداً بجاهي يا روذبارى ".
قالت فاطمة أخته: " لما قربت وفاة أخي كانت رأسه في حجري، ففتح عينيه وقال: هذه أبواب السماء قد فتحت، وهذه الجنان قد زينت، وهذا قائل يقول: يا أبا على! قد بلغناك الرتبة القصوى، وان لم تسالها، وأعطيناك درجة الأكابر وان لم تردها ". وأنشأ يقول:
وحقك لا نظرت إلى سواكا ... بعين مودة حتى أراكا
أراك معذبي بفتور لحظ ... وبالخد المورد من جناكا
ثم قال: " يا فاطمة! الأول ظاهر، والثاني أشكال ".
وقال: " رأيت بالبادية حدثاً، فلما رآني قال: " ما يكفيه أن شغفني بحبه حتى أعلني! ". ثم رأيته يجود بروحه، فقلت له: " قل: لا اله إلا الله! ". فأنشأ يقول:
стр. 50
أيا من ليس لي منه ... وان عذبني بد
ويا من نال من قلبي ... منالاً ما له حد
وقال: " دخلت مصر، فرأيت الناس مجتمعين، فقالوا: كنا في جنازة فتى سمع قائلا يقول:
كبرت همة عين ... طمعت في أن تراكا
أو ما حسب عين ... ان ترى من قد رآكا
قال: فشهق شهقة ومات ".
ومن شعره:
تشاغلتم عنى فكلى أفكر ... لأنكم منى بما بي أخبر
فان شئتم وصلى فذاك أريده ... وان شئتم هجري فذلك أوثر
فلست أرى إلا بحال يسركم ... بذلك أزهو ما حييت وأفخر
ولني على أخت زاهدة مشهورة، وهى والدة أحمد بن عطاء الروذبارى، الآتي ذكره. لها كلام حسن.
стр. 51
حكى عنها أخوها فقال:
" تكلمت يوماً في المروة، فرجعت إلى أختي، فأخبرتني بذلك، وقالت: وقع في نفسي أنها - مع الله - حفظ أسراره، والقيام بما يوصلك أليه. والمروءة مع الخلق الشفقة عليهم، والاحتمال عنهم، ورؤية فضلهم عليك، بمشاهدة نقصانك ". فاستحسنت ذلك منها ".
قلت: واحمد هذا هو أبو عبد الله، شيخ الشام في وقته مات بصور، سنة تسع وستين وثلثمائة.
ومن كلامه: التصوف ينفى عن صاحبه البخل، وكتب الحديث ينفى عن صاحبه الجهل؛ فإذا اجتمعا في شخص فناهيك به نبلاً ".
وأنشد لنفسه:
فما مل ساقيها وما مل شارب ... عقار لحاظ كأسه يذهب اللبا
يدور بها طرف من السحر فاتر ... على جسم نور ضوؤه يخطف القلبا
стр. 52
يقول بلفظ يخجل الصب حسنه: ... تجاوزت يا مشغوف في حالك الحبا
فسكرك من لحظي هو الوجد كله ... وصحوك من لفظي يبيح لك الشربا
وقال: " أقبح من كل قبيح صوفي شحيح ".
وأنشد:
أشرت إلى الحبيب بلحظ طرفي ... فاعرض عن إجاباتي المليح
فقلت: أضاع مذهبه المرجى ... ومزق ذلك العهد الصحيح!
ألم تسمع بألا قبح إلا ... وأقبح منه صوفي شحيح!
وقال: " من خدم الملوك بلا عقل أسلمه الجهل إلى القتل ".
وقال: " أن الخشوع في الصلاة) علامة (فلاح المصلى، قال تعالى:) قد أفلح المؤمنون. الذين هم فى صلاتهم خاشعون (.
стр. 53
وقال، في قوله تعالى:) أن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا (: " استقاموا بالرضاء، على مر القضاء، والصبر على البلاء، والشكر في النعماء ".
روى أنه دخل يوماً دار بعض أصحابه، فوجده غائباً، ورأى فيه باب بيت مقفل، فقال الأستاذ: " اكسروا القفل " فكسروه؛ وأمر بجميع ما في البيت فباعوه، وأصلحوا بثمنه وقتاً ن وجاسوا في الدار. فدخل صاحب الدار ولم يقل شيئاً، ودخلت زوجته بعده إلى الدار، وعليها كساء، فدخلت بيتاً ورمت بالكساء، وقالت: " يا اصحابنا، هذا من جملة المتاع، فبيعوه! "، فقال لها الزوج: " ما حملك على هذا؟! ". قالت له: " مثل الشيخ يباسطنا، ويحكم علينا، ويبقى بنا شيء ندخره عنه؟! ".
وقال أبو طاهر الرقى: " سمعت أحمد بن عطاء يقول: " كلمني جمل في طريق مكة. رأيت الجمال والمحامل عليها، وقد مدت أعناقها ليلا، فقلت: " سبحان من يحمل عنها ما هي فيه! ". فالتفت جمل وقال: " قل: جل الله ".
стр. 54
وأنشد أحمد هذا:
إذا أنت صاحبت الرجال فكن فتى ... كأنك مملوك لكل رفيق
وكن مثل طعم الماء عذباً وبارداً ... على الكبد الحرى لكل صديق
ومن أصحابه أبو على الحسن بن أحمد الكاتب، أحد مشايخ وقته، من كبار اهل مصر. مات سنة نيف وأربعين وثلثمائة.
من كلامه: " إذا انقطع العبد إلى الله تعالى بكليته، فأول ما يفيد الاستغناء به عن الناس ".
وقال: " صحبة الفساق داء، والدواء مفارقتهم ".
وقال: " إذا سكن الخوف في القلب لم ينطق اللسان إلا بما يعنيه ".
стр. 55
وانشد:
إذا ما أسرت انفس الناس ذكره ... تبينته فيهم ولم يتكلموا
تطيب به أنفاسهم فتذيعه ... وهل سر مسك أودع الريح مكتم؟
وأنشد متمثلا:
ولست بنظار إلى جانب الغنى ... إذا كانت العلياء في جانب الفقر
وانى لصبار على ما ينوبني ... وحسبك أن الله أثنى على الصبر
وقال: " روائح نسيم المحبة تفوح من المحبين وان كتموها، وتغلب عليهم دلائلها وان أخفوها، وتدل عليهم وان ستروها ".
стр. 56
أبو العباس بن عطاء الأدمى
- ٣٠٩ للهجرة
أبو العباس أحمد بن محمد بن سهل بن عطاء الأدمى. صحب الجنيد، وابرهيم المارستاني، وغيرهما.
وكان من أقران الجنيد وعلمائهم. وكان أبو سعيد الخراز يعظم شأنه. مات سنة تسع وثلثمائة.
من كلامه: " من الزم نفسه آداب السنة نور الله قلبه بنور المعرفة.
стр. 57
ولا أشرف من متابعة الحبيب ﷺ فى أوامره، وأفعاله وأخلاقه، والتأدب بآدابه ".
وقال. " أعظم الغفلة غفلة العبد عن ربه، وعن أوامره، وعن آداب معاملته ".
وقال: " علامة الولي أربعة: صيانة سره فيما بينه وبين الله، وحفظ جوارحه فيما بينه وبين أمره، واحتمال الأذى فيما بينه وبين خلقه، ومداراته للخلق على تفاوت عقولهم ".
وسئل: " ما العبودية؟ " فقال: " ترك الاختيار، وملازمة الافتقار ".
وسئل: " ما المروءة؟ " فقال: " ألا تستكثر لله عملاً ".
وقال: " لما عصى آدم ﵇ بكى عليه كل شيء في الجنة إلا الذهب
стр. 58
والفضة؛ فأوحى الله أليهما: " لم لا تبكيان على آدم؟! " فقالا: " ما كنا لنبكى على من يعصيك! ". فقال الله: " وعزتي وجلالي! لأجعلن قيمة كل شيء بكما، ولأجلعن بنى آدم خدماً لكما ".
وأنشد أبو العباس بن عطاء:
اذا صد من أهوى صددت عن الصد ... وان حال عن عهدي أقمت على العهد
فما الوجد إلا أن تذوب من الوجد ... وتصبح في جهد يزيد على الجهد
стр. 59
أبو الحسين النورى
- ٢٩٥ للهجرة
أبو الحسين أحمد بن محمد النوري البغدادي. لم يكن في وقته أحسن طريقة منه، ولا ألطف كلاماً.
صحب السري وابن أبى الحواري. وكان من أقران الجنيد، كبير الشأن. مات قبل الجنيد، في سنة خمس وتسعين ومائتين.
والنورى نسبة إلى " نور "، بليدة بين بخاري وسمرقند؛ ويقال: لنور كان بوجهه فنسب اليه، وقيل: قيل له النوري لحسن وجهه.
стр. 60
سئل عن أدب المعرفة. فقال: " لا تصل إلى أول مبدأ حواشي المعرفة حتى تخوض إلى الله سبعة بحار من نيران، بحراً بعد بحر؛ فعسى بذلك يقع لك أوائل بدو علم المعرفة ".
وقال: " إذا امتزجت نار التعظيم مع نور الهيبة في السر هاجت ريح المحبة من حجب العطف على النار والنور، فيظهر فيه الاشتياق، وتتلاشى البشرية، فيتولد من ذلك المثابرة ".
ومن كلامه: " التصوف ترك كل حظ للنفس ".
وأنشد لنفسه:
إلى الله أشكو طول شوقي وحيرتي ... ووجدي بما طالت على مطالبه
ومن قد برى جسمى، وكدر عيشي ... ويمنعني الماء الذي أنا شاربه
فيا ليت شعري! ما الذي فيه راحتى؟! ... وما آخر الأمر الذي أنا طالبه؟!
وقال، في قوله تعالى:) وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم (: " أوفوا بعهدي في دار محبتي، على بساط خدمتى، بحفظ حرمتي، أوف بعهدكم
стр. 61
في دار نعمتي، على بساط قربتي، بسرور رؤيتي ".
ومكث عشرين سنة، يأخذ من بيته رغيفين. فيخرج إلى سوقه فيتصدق بهما، ويدخل إلى مسجده، فلا يزال يركع حتى يحيء وقت سوقه، فيذهب أليه. فيظن أهل سوقه أنه تغدى في منزله، وأهل بيته أنه اخذ معه غداءه، وهو صائم.
ودخل الماء ليغتسل، فجاء لص فأخذ ثيابه، فخرج فلم يجدها، فرجع إلى الماء. فلم يكن إلا قليلا حتى جاء بها، وقد جفت يده اليمنى، فلبسها وقال: " سيدي! قد رد ثيابي فرد عليه يده! " فردت ومضى.
ولما سعى بالصوفية إلى الخليفة، وأمر بضرب أعناقهم، تقدمهم النوري، وقد بسط النطع، فقال له السياف: " لا أدرى لماذا تبادر؟! وما الذي يعجلك؟ " قال: " أوتر أصحابي على بحياة ساعة! " فتحير السياف،
стр. 62
وأنهى خبرهم إلى الخليفة، فرد أمرهم إلى القاضي. فألقى القاضي يومئذ على أبى الحسين مسائل فقهية. فأجاب عنها، ثم قال: " وبعد! فان لله عباداً اذا قاموا قاموا بالله، واذا نطقوا نطقوا بالله! " وسرد ألفاظاً حتى أبكى القاضى. فأرسل إلى الخليفة، وقال: " إن كان هؤلاء زنادقة، فما على وجه الأرض موحد! " فخلى سبيلهم.
وقال: " حيل بيني وبين قلبي أربعين سنة، ما اشتهيت شيئاً، ولا تمنيت شيئاً، ولا استحسنت شيئاً منذ عرفت ربى ".
وأنشد لنفسه:
ذكرت ولم أذكر حقيقة ذكره ... ولكن بوادي الحق تبدو فأنطق
اذا ما بدا ذكر لذكر ذكرته ... يغيبني عن ذكر ذكرى فأغرق
وأغرق بالذكر الذي قد ذكرته ... عن الذكر، بالذكر الذي هو أسبق
стр. 63
وروى أن زيتونة، خادمة أبي الحسين، واسمها فاطمة - وكانت تخدم الجنيد وأبا حمزة - قالت: " جئت يوماً إلى النوري، وكان يوماً شديد البرد والريح، فوجدته في المسجد وحده جالساً. فأمرني بإحضار خبز ولبن، فأحضرته. وكان بين يديه قصعة فيها فحم، فقلبه بيده وهو مشتعل، ثم أخذ الخبز واللبن، فجعل اللبن يسيل على يديه، وفيها سواد الفحم، فقلت: " يا رب! ما أقذر أولياءك! ما فيهم أحد نظيف! ". قالت: " ثم خرجت من عنده، فتعلقت بى امرأة وقالت: " سرقت رزمة ثياب! ". وجروني إلى الشرطي. فأخبر النوري بذلك، فخرج وقال: " لا تتعرض لها، فأنها ولية من أولياء الله ". فقال الشرطي: " كيف أصنع والمرأة تدعى ذلك؟! ". قالت: " فجاءت جارية ومعها الرزمة المطلوبة ". وانطلق النوري بزيتونة، وقال لها: " تقولين - بعد هذا - يا رب! ما اقذر أولياءك؟! "، فقالت: " قد تبت ".
واعتل النوري، فبعث الجنيد بصرة فيها دراهم وعاده، فردها النوري. ثم اعتل الجنيد، فدخل عليه النوري عائداً، فقعد عند رأسه، ووضع
стр. 64
يده على جبهته، فعوفي في ساعته. فقال النورى للجنيد: " إذا زرت إخوانك فأرفقهم بهذا البر ".
وروى أنه أصابته علة، وأصابت الجنيد علة، فالجنيد أخبر عن حاله، والنورى كتم، فقيل له: " لم لم تخبر كما اخبر صاحبك؟ " فقال: ما كنا لنبتلى ببلوى فنوقع عليها اسم الشكوى؛ ثم أنشد:
أن كنت للسقم أهلا ... قد كنت للشكر أهلا
عذب فلم يبق قلب ... يقول للسقم: مهلا
فأعيد ذلك على الجنيد، فقال: " ما كنا شاكين، ولكنا أردنا أن نكشف عن عين القدر فينا ". ثم أنشد يقول:
أجل ما عنك يبدو ... لأنه عنك جلا
وأنت، يا أنس قلبي ... أجل من أن يجلا
أفنيتني عن جميعي ... فكيف أرعى المحلا
فبلغ ذلك الشبلى، فأنشأ يقول:
محنتي فيك أنني ... لا أبالي بمحنتي
стр. 65
يا شفائي من السقام، وان كنت على ... تبت دهراً، فمذ عرفتك ضيعت توبي
قربكم مثل بعدكم ... فمتى وقت راحتي؟!
وروى انه اجتمع الجنيد والنورى ورويم وابن وهب وغيرهم في سماع، فمضى بعض الليل وأكثره، فلم يتحرك أحد منهم، ولا أثر فيه القول. فقال النورى للجنيد: " يا أبا القاسم! هذا السماع يمر مراً ن ولا أرى وجداً يظهر! " فقال الجنيد: " يا أبا الحسين!) وتر الجبال الجبال يحسبها جامدة وهى تمر مر السحاب (فأنت يا أبا الحسين، ما أثر عليك؟! ". فقال النورى: " ما بلغت مقامي في السماع ". فقال له الجنيد: " وما مقامك فيه؟ " فقال: " الرمز بالإشارة دون الإفصاح، والكناية دون الإيضاح ". ثم وثب وصفق بيديه، فقام جميع من حضر بقيامه ساعة.
وكان سبب وفاته أنه سمع هذا البيت:
لا زلت أنزل من ودادك منزلا ... تتحير الألباب دون نزوله
فتواجد وهام في الصحراء، فوقع في أجمة قصب قد قطع، وبقيت أصوله
стр. 66
مثل السيوف؛ وكان يمشى عليها ويعيد البيت إلى الغداة، والدم يسيل من رجليه، ثم وقع مثل السكران، فورمت قدماه ومات.
وقال الحسين بن الفضيل: " حضرت النوري، وهو في الموت؛ فقلت: " ألك حاجة؟ أو في نفسك شهوة؟ ". فرفع رأسه، وقد انكسر لسانه، وقال: " أي والله! أشتهى شهوة كبيرة! ". قلت: " وما هي؟ " قال: " أشتهي أن أرى الله! ". ثم تنفس ثلاثاً عالياً، كالواجد بحاله، وفارق الدنيا ".
وأنشد النورى:
كم حسرة لي قد غصت مرارتها ... جعلت قلبي لها وقفاً لبلواكا
وحق ما منك يبليني ويتلفني ... لأبكيك أو أحظى بلقياكا
قلت: وأستاذه بنان بن محمد الحمال - بالحاء المهملة - أبو الحسن. أصله من واسط، ونشأ ببغداد، وسمع الحديث: ثم استوطن مصر، ومات بها
стр. 67
في رمضان سنة ست عشرة وثلثمائة. وكان كبير الشأن صاحب كرامات.
ومن كلامه: " الحر عبد ما طمع، والحر حر ما قنع ".
وقال: " من أساء استوحش ".
وقال: " من كان يسره ما يضره متى يفلح؟ ".
стр. 68
أبو محمد الجريرى
- ٣١١ للهجرة
أحمد بن محمد الحسين الجريرى - يضم الجيم - نسبة إلى جرير بن عباد، أخي الحارث بن عباد، من بنى بكر بن وائل؛ يكنى أبا محمد. من كبار أصحاب الجنيد، وخلفه في مكانه؛ وصحب سهل بن عبد الله التستري.
مات سنة أحدى عشرة وثلثمائة.
ومن كلامه:
" من استولت عليه النفس صار أسيراً في حكم الشهوات، محصوراً
стр. 69
في سجن الهوى، وحرم الله على قلبه الفوائد، فلا يستلذ بكلام الحق ولا يستحليه، وان كثر ترداده على لسانه، لقوله تعالى:) سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق (. يعنى: لا يفهمونه، ولا يجدون له لذة. صرف الله عن قلوبهم فهم مخاطباته، وأغلق عليهم سبيل فهم كتابه، وسلبهم الانتفاع بالمواعظ، فلا يعرفون الحق، ولا يسلكون سبيله ".
وقال: " ما مددت رجلي في الخلوة منذ عشرين سنة، فان حسن الأدب مع الله أولى ".
واعتكف مرة بمكة فلم يأكل، ولم ينم، ولم يستند إلى حائط، ولم يمد رجليه، فقيل: " بماذا قدرت على اعتكافك؟ ". فقال: " علم صدق باطني فأعانني على ظاهري ".
وأنشد:
شكرتك، لا أبى مجازيك منعماً ... بشكر، ولا كيما يقال له الشكر
стр. 70
وأذكر أياماً لديك، وحسنها ... وآخر ما يبقى على الذاكر الذكر
وقال مرة - وكان عنده جماعة -: " هل فيكم من إذا أراد الله أن يحدث في المملكة حدثاً أبى علمه إلى وليه قبل ابتدائه في كونه؟ " فقالوا: " لا! " فقال: " مروا! وابكوا على قلوبكم لم تجد من الله شيئاً من هذا ".
وكان كثيراً ما ينشد:
تعلمت ألوان الرضا خوف هجره ... وعلمه حبي له كيف يغضب
ولى ألف وجه، مذ عرفت طريقه، ... ولكن بلا قلب إلى أين أذهب؟!
وعزى إلى ابن عطاء الأدمى السالف، وأوله:
ومستحسن للهجر والوصل أعذب ... أطالبه ودي فيأبى ويهرب
إذا حدثته بالهوى أظهر الجفا ... ويعلم منى أنني لست أذنب
وقال: " كان في جامع بغداد فقير لم يجتمع له ثوبان قط،
стр. 71
في شتاء ولا صيف. فسئل عن ذلك، فقال: " أني كنت ولعاً بكثرة الثياب، فرأيت في منامي كأني في الجنة، وإذا بفقراء على مائدة، فأردت أن أجلس معهم، فإذا جماعة من الملائكة أخذوا بيدي، فأقاموني وقالوا: " هؤلاء أصحاب قميص واحد. وأنت لك قميص، فلا تجلس معهم ". فانتبهت ونذرت ألا ألبس غير ثوب واحد إلى أن القى الله ".
وأنشد:
قف بالديار فهذه آثارهم ... تبكى الأحبة حسرة وتشوقا
كم قد وقفت بها أسائل مخبراً ... عن أهلها، أو صادقاً، أو مشفقا
فأجابني داعي الهوى في رسمها: ... فرقت من تهوى فعز الملتقى!
وقال: " الصبر ألا تفرق بين حالتي النعمة والمحنة، وع
стр. 72
سكون الخاطر فيها. والتصبر هو السكون في البلاء مع وجدان أثقال المحنة ".
وأنشد لبعضهم في المعنى:
صبرت ولم أطلع هواك على صبري ... وأخفيت ما بي منك عن موضع الصدر
مخافة أن يشكو ضميري صبابتي ... إلى دمعتي سراً، فتجري ولا أدري
ومن أصحابه أبو عبد الله، وأبو القاسم، ابنا أحمد بن محمد المقرئ. وصحبا غيره أيضاً.
مات الأول سنة ست وستين وثلثمائة. وكان ورعاً.
ومات الثاني سنة ثمان وسبعين وثلثمائة.
ومن كلام الأول: " الفقير الصادق الذي يملك كل شئ ولا يملكه شئ ".
стр. 73
ومن كلام الثاني: " الفتوة رؤية فضل الناس ونقصانك ".
ومن أصحابه أيضاً أبو محمد عبد الله بن محمد الراسبي البغدادي. مات سنة سبع وستين وثلثمائة.
قال: " المحبة إذا ظهرت افتضح بها الحب، وإذا كتمت قتلت المحب كمداً ". وأنشد:
ولقد أفارقه بإظهار الهوى ... عمداً ليستر سره إعلانه
فلربما كتم الهوى إظهاره ... ولربما فضح الهوى كتمانه
وعى المحب لدى الحبيب بلاغه ... ولربما قتل البليغ لسانه
كم قد رأينا قاهراً سلطانه ... للناس، ذل بحبه سلطانه
стр. 74
أبو سعيد بن الأعرابي
٢٤٧ - ٣٤٠ للهجرة
أبو سعيد أحمد بن محمد بن زياد البصري، المعروف بابن الأعرابي. صحب الجنيد والنوري وغيرهما. وكتب وصنف في التصوف وفي غيره.
سكن مكة، ومات بها سنة أربعين وثلثمائة، عن ثلاث وستين سنة.
من كلامه: " أخسر الخاسرين الخاسرين من أبدى للناس صالح عمله، وبارز بالقبيح من هو أقرب اليه من حبل الوريد ".
стр. 75
وسئل عن أخلاق الفقراء، فقال: " أخلاقهم السكون عند الفقد، والاضطراب عند الوجود، والأنس بالهموم، والوحشة عند الأفراح ".
وقال: " خرجت في بعض السنين أريد العراق من مكة، ومعي جماعة من الفقراء، فجئنا إلى بئر في بعض المنازل، وليس معنا ما نستقي به. فقطعنا ما معنا من العباء، وشددناه في ركوة، وسقيت أصحابي، ثم أدليته لأشرب، فانقطعت الركوة والحبل، فارتفع الماء حتى شربت، فتعجب أصحابي، فقلت: " مم تتعجبون؟. هذا يسير في القدرة! ".
ودخلنا الكوفة فاجتمع إلى طرف من الصوفية، فجلسوا يسيراً ثم قاموا، وقالوا: " أخوان تحابا، أحدهما عليل! " فقلت: " أنا معكم " فدخلنا على رجل طريح، وآخر ينظر في وجهه. فلما دخلنا قام وجلس ناحية، فجلس أصحابي عند العليل، وأقبلت أنا على الآخر، وكلما أن العليل أن هو. قال أصحابى: " قد مات! " فقال الآخر: " هاه! " وخرجت نفسه، فصلينا عليهما ".
следующие страницы →