* قال الشيخ ﵀:
وأنا أذكر لك أشياء مما ذكر الله في كتابه جوابًا لكلام احتج به المشركون في زماننا علينا، فنقول: جواب أهل الباطل من طريقين: مجمل ومفصل:
أما المجمل: فهو الأمر العظيم والفائدة الكبيرة لمن عقلها؛ وذلك قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِيَ أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عمران: ٧]، وقد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله في كتابه، فاحذروهم» (١)، مثال ذلك:
إذا قال بعض المشركين: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُون (٦٢)﴾ [يونس]، وإن الشفاعة حق، وإن الأنبياء لهم جاه عند الله، أو ذكر كلامًا للنبي ﷺ يستدل به على شيء من باطله؛ وأنت لا تفهم معنى الكلام الذي ذكره فجاوبه بقولك:
إن الله ذكر في كتابه أن الذين في قلوبهم زيغ يتركون المحكم ويتبعون المتشابه، وما ذكرت لك من أن الله ذكر أن المشركين يقرون بالربوبية، وأن كفرهم بتعلقهم على الملائكة والأنبياء والأولياء مع قولهم: ﴿هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللّهِ﴾ [يونس: ١٨]، وهذا أمر محكم بيِّن، لا يقدر أحد أن يغير معناه.
стр. 37
وما ذكرت لي - أيها المشرك - من القرآن أو كلام رسول الله ﷺ ؛ لا أعرف معناه، ولكن أقطع أن كلام الله لا يتناقض، وأن كلام النبي ﷺ لا يخالف كلام الله ، وهذا جواب جيد سديد ولكن لا يفهمه إلا من وفقه الله تعالى، فلا تستهن به؛ فإنه كما قال تعالى: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيم (٣٥)﴾ [فصلت].
يريد الشيخ أن يوضح هنا ما قرره من أن كتاب الله مشتمل على الحجج التي ترد على شبهات أهل الباطل، وذلك بما سيأتي مما ذكره من الشبه والجواب عنها، فذكر الشيخ ﵀ أن جوابَ أهلِ الباطل من طريقين:
- مجمل عام لا يختص بشبهة بعينها.
- ومفصل يوضح كل شبهة، ويكشف زيفها وفسادها.
ثم نوه ﵀ بشأن الجواب المجمل، وبين أنه أمر عظيم، وجواب سديد، وأنه مستمد من قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِيَ أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عمران: ٧].
فدلت هذه الآية على أن القرآن منه ما هو محكم ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران: ٧]؛ أي: أصله الذي يرد إليه غيره، وهو الواضح البين الذي لا يحتمل إلا معنى واحدًا، ومنه ما هو متشابه
стр. 38
﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾، وهو الذي فيه خفاء، ويحتمل أكثر من معنى، فيشكل على بعض الناس، وهذا هو الذي يمكن أن يتعلق به أهل الأهواء؛ ولهذا قال : ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِه﴾ يتبعونه، ويطلبونه، ويتعلقون به، ويتخذون منه حججًا لباطلهم، ويؤيد ذلك قوله ﷺ : «إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه، فأولئك الذين سمى الله في كتابه، فاحذروهم».
فإذا عرفت ما تضمنته الآية، وما تضمنه الحديث؛ فعندئذ إذا قال لك أحد المشركين يحتج على شركه وتعلقه بالصالحين: قال الله تعالى: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُون (٦٢)﴾ [يونس]، والشفاعة حق والأنبياء والصالحون لهم جاه عند الله، فيحتج بمثل هذا على أن الصالحين يستشفع بهم، ويدعون في النوائب والشدائد، فقل: هذه الآية فيها ثناء الله على أوليائه، ووعدهم بالبشرى في الدنيا والآخرة، وليس فيها أنهم يرجون أو يدعون أو يخافون.
فإذا كنت لا تستطيع أن تجيبه عن هذه الشبهة تفصيلًا، فقل له: إن الله تعالى أخبر بأن الذين في قلوبهم زيغ عن الحق يتركون الواضح البين، ويبحثون عن الشيء الذي فيه إشكال وخفاء؛ لأن الواضح البين لا يجدون فيه مدخلًا، وقد أخبر الله بأن المشركين مقرون بأن الله هو خالقهم وخالق السماوات والأرض، وهو الذي يدبر الأمر، ويخرج الحي من الميت، ويخرج الميت من الحي. ومع هذا الإقرار فقد كفرهم الله لتعلقهم بالملائكة والأنبياء والصالحين خوفًا ورجاءً، وتوكلًا ودعاءً
стр. 39
لهم؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللّهِ﴾ [يونس: ١٨]، وما ذكرتَه لا أفهم معناه؛ لأنك تستدل على أن التعلق بالصالحين رجاء ودعاء، وخوفًا ليس حرامًا، ولا كفرًا ولا شركًا، والله تعالى قد كفَّر المشركين مع إقرارهم له بالربوبية، وكلام الله لا يتناقض وكلام الرسول ﷺ لا يناقض ولا يخالف كلام الله تعالى؛ فلا يمكن أن يأتي ما يناقض ما دل عليه القرآن من أن المشركين كفار مع إقرارهم بالربوبية؛ لأن كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ حق ومحكم، والحق لا يناقض بعضه بعضًا، كما أن المحكم يصدق بعضه بعضًا.
ومضمون هذا الجواب أن القرآن قد دل على أن التعلق بالصالحين بالعبادة لهم وبطلب شفاعتهم؛ شرك وكفر، وهذا أصل ثابت، ولن يأتي ما يناقض ذلك، فكل ما يحتج به على خلاف هذا الأصل فهو مدفوع وباطل، وهذا جواب جيد سديد يمكن أن يحتج به مع كل مبطل، فاعتن بهذا الجواب وافهمه، ولا تستهن به فإنه لا يفهم أهمية هذا الجواب المجمل وعِظَم فائدته إلا محظوظ؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيم (٣٥)﴾ [فصلت].
* * * * * * *
стр. 40
* قال الشيخ ﵀:
[وأما الجواب المفصل]: فإن أعداء الله لهم اعتراضات كثيرة على دين الرسل، يصدون بها الناس عنه؛ منها:
قولهم: نحن لا نشرك بالله شيئًا، بل نشهد أنه لا يخلق ولا يرزق، ولا ينفع ولا يضر؛ إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا ﷺ لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا؛ فضلًا عن عبد القادر أو غيره، ولكن أنا مذنب، والصالحون لهم جاه عند الله، وأطلب من الله بهم.
فجاوبه بما تقدم، وهو: أن الذين قاتلهم رسول الله ﷺ مقرون بما ذكرت لي، ومقرون أن أوثانهم لا تدبر شيئًا، وإنما أرادوا الجاه والشفاعة، واقرأ عليه ما ذكره الله في كتابه ووضحه.
فإن قال: هؤلاء الآيات نزلت فيمن يعبد الأصنام، كيف تجعلون الصالحين مثل الأصنام؟! أم كيف تجعلون الأنبياء أصنامًا؟! فجاوبه بما تقدم، فإنه إذا أقر أن الكفار يشهدون بالربوبية كلها [لله]، وأنهم ما أرادوا ممن قصدوا إلا الشفاعة، ولكن إذا أراد أن يفرق بين فعلهم وفعله بما ذكر؛ فاذكر له: أن الكفار منهم من يدعو الأصنام، ومنهم من يدعو الأولياء الذين قال الله فيهم: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ [الإسراء: ٥٧]، ويدعون عيسى بن مريم وأمه، وقد قال الله تعالى: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُون (٧٥) قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللّهُ
стр. 41
هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيم (٧٦)﴾ [المائدة]، واذكر له قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاء إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُون (٤٠) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِم بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُم بِهِمْ مُّؤْمِنُون (٤١)﴾ [سبأ]، وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوب (١١٦)﴾ [المائدة]، فقل له: أعرفتَ أن الله كفَّر من قصد الأصنام؟ وكفَّر أيضًا من قصد الصالحين، وقاتلهم رسول الله ﷺ ؟
فإن قال: الكفار يريدون منهم، وأنا أشهد أن الله هو النافع الضار المدبر، لا أريد إلا منه، والصالحون ليس لهم من الأمر شيء، ولكن أقصدهم أرجو من الله شفاعتهم.
فالجواب: أن هذا قول الكفار سواءً بسواء، واقرأ عليه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]، وقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللّهِ﴾ [يونس: ١٨].
واعلم أن هذه الشبه الثلاث هي أكبر ما عندهم، فإذا عرفت أن الله وضّحها لنا في كتابه، وفهمتها فهمًا جيدًا، فما بعدها أيسر منها.
ثم بعدما ذكر الشيخ الجواب المجمل الذي ينفع في كل شبهات المشركين؛ أتبعه بذكر الجواب الثاني وهو المفصل، وهو أن يجيب
стр. 42
عن كل شبهة بجواب مفصل يخصها؛ فالمشركون لهم شبه يتعلقون بها، ويستدلون بها على صحة ما هم عليه، وهذه الشبه ما هي إلا حجج داحضة باطلة.
* * * * * * *
стр. 43
الشبهة الأولى والرد عليها
أول تلك الشبه هي قول بعض أولئك المشركين: أنا لا أشرك بالله، بل أقر بأن الله تعالى هو الخالق الرازق، لا يخلق ولا يرزق، ولا ينفع ولا يضر؛ إلا هو سبحانه، ولكن الصالحين والأنبياء والملائكة لهم جاه ومنزلة عند الله، فأنا أتوسل بهم إلى الله، وأنا مقصر ومذنب، فأنا أسأل الله وأستشفع بهم، وأطلب شفاعتهم عند الله.
فإذا قال ذلك، فالجواب عليه بما تقدم، وهو: أن الكفَّار والمشركين الذين نزل فيهم القرآن، وكفَّرهم الله، وقاتلهم الرسول ﷺ ؛ كانوا مقرين بنفس ما أقررت به، وإنما تعلقوا بالأولياء والصالحين طلبًا للشفاعة؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللّهِ﴾ [يونس: ١٨]، فما ذكرته لا يختلف عما حكى الله عن المشركين، وأخبر به في كتابه عن أنهم يقرون بالربوبية كلها لله، قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُم مِنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُون (٣١)﴾ [يونس]، وقال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُون (٨٧)﴾ [الزخرف]، وقال تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُون (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُون (٨٥)﴾ [المؤمنون]، وكل هذا التقرير قد سبق في أوائل هذه الرسالة، فهذا الذي يدعي أنه ليس بمشرك
стр. 44
لا تختلف حاله عن حال المشركين الأولين، من حيث إنهم كانوا مقرين بربوبية الله، ولكنهم يتوجهون إلى غيره، ويعبدون غيره، ويتقربون إلى غيره، وهذه هي الشبهة الأولى.
* * * * * * *
стр. 45
الشبهة الثانية والرد عليها
الشبهة الثانية: قد يقول: هذه الآيات التي ذكر الله فيها كفر المشركين إنما كفَّرهم سبحانه لأنهم كانوا يعبدون الأصنام والجمادات المنحوتة من أحجار أو معادن، ونحن إنما نتعلق ونتوسل بالصالحين فكيف تجعلوننا مثل أولئك؟ أم كيف تجعلون الأنبياء والأولياء مثل الأصنام؟
فهذه الشبهة مبنية على التفريق بين فعله وفعلهم من حيث ما يتعلقون به؛ وذلك أن المشركين الأولين إنما كانوا يتعلقون بالأصنام المنحوتة بأيديهم. أما نحن، فإنما نتعلق بأولياء الله وأنبيائه وملائكته.
والجواب عن هذه الشبهة ببيان أن المشركين الأولين لم يعبدوا كلهم الأصنام مباشرة، إنما عبدوا الأصنام على أنها تماثيل لأولئك الصالحين كما صنع قوم نوح ﵇ لما عبدوا تلك الأصنام على أنها تماثيل لأولئك الصالحين، ثم إن المشركين الأولين ليسوا كلهم يعبدون الأصنام، وإنما منهم من يعبد الأنبياء، ومنهم من يعبد الصالحين، ومنهم من يعبد الملائكة؛ دون أن يوسط بينه وبينهم صورهم وتماثيلهم، ومن الدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلَا تَحْوِيلا (٥٦) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ [الإسراء]؛ أي أن هؤلاء المدعوين هم أنفسهم يبتغون إلى ربهم الوسيلة، ويرجون رحمته
стр. 46
ويخافون عذابه، وهذه الآية قيل: إنها نزلت في الذين كانوا يعبدون الملائكة، والمسيح وعزيرًا (١)، وقيل: إنها نزلت في قوم من العرب كانوا يعبدون ناسًا من الجن، فأسلم الجن وبقي أولئك على شركهم (٢).
وقال سبحانه ذامَّا النصارى في غلوهم في المسيح ابن مريم: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُون (٧٥) قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيم (٧٦)﴾ [المائدة]، ومن ذلك قوله سبحانه: ﴿وَإِذْ قَالَ اللّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوب (١١٦)﴾ [المائدة].
فالله كفَّر النصارى لغلوهم في المسيح وأمه، وتأليههم للمسيح وأمه.
ودليل الشرك بالملائكة قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاء إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُون (٤٠) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِم بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُم بِهِمْ مُّؤْمِنُون (٤١)﴾ [سبأ]؛ فهؤلاء كانوا يعبدون الملائكة، ولكنَّ الملائكة تتبرأ منهم ومن شركهم في الدنيا والآخرة؛ لأن الملائكة لا يرضون بأن يعبدهم أحد.
فبهذا يُعرف أن المشركين ليسوا كلهم يعبدون الأصنام، بل منهم من يعبد الأصنام ومنهم من يعبد الأنبياء ومنهم من يعبد الأولياء ومنهم من يعبد الملائكة.
стр. 47
وبعد هذا البيان عرفت أن الله كفَّر أولئك الذين كانوا يتعلقون بالصالحين، وأن الرسول ﷺ كفَّرهم وقاتلهم، ولم يفرق بين من يعبد الأصنام من الأحجار والأشجار ونحوها من الجمادات؛ لأن الكل قد ألَّه مخلوقًا مع الله، وعبد مخلوقًا من دون الله، واتخذ ندًا من دون الله.
* * * * * * *
стр. 48
الشبهة الثالثة والرد عليها
الشبهة الثالثة: إن قال المشرك الذي يغلو في الصالحين ويتعلق بهم ويدعوهم من دون الله: الكفار كانوا يطلبون من أولئك الصالحين قضاء الحوائج؛ كشفاء المرضى والنصر على الأعداء؛ وأنا أعلم أن الله تعالى هو النافع الضار، وأن الصالحين ليس لهم من الأمر شيء، وأنا لا أريد إلا الله، ولكني أتوجه إليهم أطلب من الله بشفاعتهم.
فإذا قال هذا فقل له: هذا وقول الكفار سواء بسواء، فالكفار الأولون يؤمنون بأن الصالحين لا ينفعون ولا يضرون، وإنما يتعلقون بهم ليشفعوا لهم عند الله، واقرأ عليه هذه الآيات: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]، وقوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاء
стр. 49
شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللّهِ﴾ [يونس: ١٨]، فهاتان الآيتان تدلان على أن المشركين يؤمنون بأن الله هو الخالق الرازق المدبر المحيي المميت، وقد تقدمت الأدلة على إيمانهم بربوبية الله، ولكنهم يتخذون الصالحين وسائط يطلبون شفاعتهم عند الله بناء على ما يزعمونه من أنهم يشفعون لهم، والمشركون لا يريدون شفاعة من يعبدونهم من الأنبياء والصالحين يوم القيامة؛ لأن المشركين الأولين لا يقرون بالبعث؛ إنما يريدون شفاعتهم في الدنيا؛ فيعبدونهم ويتقربون إليهم، ويريدون شفاعتهم لقضاء حوائجهم في الدنيا: ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللّهِ﴾ [يونس: ١٨]، ويقول تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُون (٤٤)﴾ [الزمر].
فهذه هي الشبهات الثلاث، وهي كما قال الشيخ ﵀: «واعلم: أن هذه الشبه الثلاث هي أكبر ما عندهم، فإذا عرفت أن الله وضحها لنا في كتابه، وفهمتها فهمًا جيدًا، فما بعدها أيسر منها»، والشبهة الثالثة تشبه الشبهة الأولى، إلا أن ألفاظها وعباراتها تختلف، ولعل الشيخ كررها باعتبار أنهم تارة يعبرون بهذا، وتارة يعبرون بهذا، وهذه الشبه الثلاث والتي بعدها في بعضها تداخل وتقارب.
* * * * * * *
стр. 50
* قال الشيخ ﵀:
فإن قال: أنا لا أعبد إلا الله، وهذا الالتجاء إلى الصالحين ودعاؤهم ليس بعبادة، فقل له: أنت تقر أن الله فرض عليك إخلاص العبادة لله، وهو حقه عليك؟ فإذا قال: نعم، فقل له: بين لي هذا الذي فرضه الله عليك، وهو إخلاص العبادة لله وهو حقه عليك
فإن كان لا يعرف العبادة ولا أنواعها، فبينها له بقولك: قال الله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: ٥٥]، فإذا أعلمته بهذا فقل له: هل علمت هذا عبادة لله تعالى؟ فلا بد أن يقول: نعم، والدعاء مخ العبادة.
فقل له: إذا أقررت أنه عبادة، ودعوت الله ليلًا ونهارًا، خوفًا وطمعًا، ثم دعوت في تلك الحاجة نبيًا أو غيره؛ هل أشركت في عبادة الله غيره؟ فلا بد أنه يقول: نعم، فقل له: قال الله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَر (٢)﴾ [الكوثر]، فإذا أطعت الله ونحرت له؛ هل هذه عبادة؟ فلا بد أن يقول: نعم.
فقل له: إذا نحرت لمخلوق - نبي أو جني أو غيرهما - هل أشركت في هذه العبادة غير الله؟ فلا بد أن يقر ويقول: نعم.
وقل له - أيضًا -: المشركون الذين نزل فيهم القرآن هل كانوا يعبدون الملائكة والصالحين واللات وغير ذلك؟ فلا بد أن يقول: نعم.
стр. 51
فقل له: وهل كانت عبادتهم إياهم إلا في الدعاء والذبح، والالتجاء ونحو ذلك؟ وإلا فهم مقرون أنهم عبيده، وتحت قهر الله، وأن الله هو الذي يدبر الأمر ولكن دعوهم والتجأوا إليهم للجاه والشفاعة وهذا ظاهر جدًا.
هذه الشبهة الرابعة من شبه المشركين الذين يغلون في الصالحين، فيقول أحدهم: «أنا لا أعبد إلا الله وأما التجائي إلى الصالحين ورجائي وتوجهي إليهم فليس بعبادة»، وهذا هو أصل الشبهة، والجديد هو قولهم: «ليس بعبادة»، وهو إنكار أن الالتجاء إلى الصالحين عبادة.
وهذه الشبهة تشبه بعض الشبه المتقدمة؛ لكنها صيغت بعبارة أخرى، فقوله: «أنا لا أعبد إلا الله» مثل ما تقدم من قوله: «أنا لا أشرك بالله».
فإذا قال ذلك، فقل له: إن الله فرض عليك عبادته؛ لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١]، وقال سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُون (٥٦)﴾ [الذاريات]، فإذا كنت تقر أن الله فرض عليك إخلاص العبادة له، فبين لي ما هي العبادة التي فرض عليك أن تجعلها خالصة له ولا تصرف شيئًا منها لغيره؟
فإنه لا يعرف حقيقة العبادة التي يجب إخلاصها لله، حينئذٍ بيِّن له أنواع العبادة فالعبادة حقيقتها: ما أمر الله به من الدعاء والخوف والرجاء والصلاة والخضوع لله والحب لله والتعظيم له سبحانه، وبيِّن له أنها أنواع؛ منها: الخوف والرجاء والتوكل والدعاء والذبح والنذر،
стр. 52
فإذا قال: الدعاء ليس بعبادة، كما قال: الالتجاء إلى الصالحين ليس عبادة، فقل له: أليس الله يقول: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِين (٦٠)﴾ [غافر]، وفي الحديث: «الدعاء هو العبادة» (١)، وقد أمر الله سبحانه عباده بالدعاء في آيات كثيرة؛ منها قوله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِين (٥٥)﴾ [الأعراف]، وأثنى على عباده فقال: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [السجدة: ١٦]، وقال: ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ [الأنبياء: ٩٠]، فأمر بالدعاء وأثنى على عباده بأنهم يدعونه، وسمى الدعاء عبادة. فإذا تبين أن الدعاء عبادة فقل لهذا المشرك: إذا تبين لك بهذا الدليل أن الدعاء عبادة فإنك إذا دعوت الله ليلًا ونهارًا، ثم دعوت معه غيره؛ ألست قد أشركت معه في عبادته، حيث قد دعوت معه غيره والدعاء عبادة؟ فلا بد - إن كان عاقلًا ومنصفًا - أن يقول: نعم.
وإذا سلم أن الدعاء عبادة، وأنه إن دعا الله ودعا معه غيره؛ فقد أشرك معه في عبادته، فإنه قد اعترف بأن هؤلاء مشركون.
ومن الأمثلة الأخرى التي ذكرها الشيخ: الذبح قال تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَر (٢)﴾ [الكوثر]، فقد أمر الله في هذه الآية بالصلاة والنحر، وبهذا نعلم أن النحر عبادة؛ لأن الله أمر به، فإذا ذبحت لله ونحرت لله من أضحية أو غيرها، ثم ذبحت لنبي أو جني أو ملك أو صنم؛ أفليس هذا شركًا في العبادة، حيث قد تقرر أن النحر عبادة؟
стр. 53
فلا بد أن يقول: نعم؛ لأنه إذا سلَّم أن النحر لله عبادة فلا بد أن يكون النحر لغير الله شركًا، حيث هي عبادة لغيره معه سبحانه، وهكذا يقال في أمثلة أخرى، فالطواف بالبيت عبادة لله، والطواف على القبر شرك وبدعة، والمشركون الأولون إنما كان شركهم بأنهم كانوا يدعون مع الله غيره، ويذبحون لغيره، وينذرون لغيره، ويحجون لغيره، فهذا عين الشرك، وهذا الذي تفعله هو بعينه ما كان يفعله هؤلاء المشركون.
والالتجاء في الرخاء أو عند الشدائد إلى الصالحين الموتى أو إلى الصالحين الأحياء فيما لا يقدر عليه إلا الله؛ شرك. وأما الالتجاء إلى المخلوق فيما يقدر عليه فهذا شيء آخر؛ كمن يقع في شدة أو كربة، أو يخاف من عدو؛ فيلتجئ إلى من يقدر على دفع عدوه عنه ويخلصه منه.
* * * * * * *
стр. 54
* قال الشيخ ﵀:
فإن قال أتنكر شفاعة الرسول ﷺ وتبرأ منها؟
فقل له: لا أنكرها ولا أتبرأ منها بل هو ﷺ الشافع المشفع، وأرجو شفاعته، ولكن الشفاعة كلها لله؛ كما قال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٤٤]، ولا تكون إلا بعد إذن الله؛ كما قال : ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، ولا يشفع [النبي ﷺ ] في أحد إلا بعد أن يأذن الله فيه؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨]، وهو لا يرضى إلا التوحيد؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥].
فإذا كانت الشفاعة كلها لله، ولا تكون إلا من بعد إذنه، ولا يشفع النبي ﷺ ولا غيره في أحد حتى يأذن الله فيه، ولا يأذن إلا لأهل التوحيد؛ تبين لك أن الشفاعة كلها لله، فاطلبها منه، فأقول: اللهم لا تحرمني شفاعته، اللهم شفعه فيَّ، وأمثال هذا.
فإن قال: النبي ﷺ أُعطي الشفاعة، وأنا أطلبه مما أعطاه الله.
فالجواب: أن الله أعطاه الشفاعة ونهاك عن هذا، فقال: ﴿فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (١٨)﴾ [الجن]، وطلبك من الله شفاعة نبيه عبادة، والله نهاك أن تشرك في هذه العبادة أحدًا، فإذا كنت تدعو الله أن يشفعه فيك فأطعه في قوله: ﴿فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (١٨)﴾ [الجن].
стр. 55
وأيضًا: فإن الشفاعة أُعطيها غير النبي ﷺ ، فصح أن الملائكة يشفعون، والأفراط (١) يشفعون، والأولياء يشفعون.
أتقول: إن الله أعطاهم الشفاعة فأطلبها منهم؟ فإن قلت هذا رجعت إلى عبادة الصالحين التي ذكرها الله في كتابه، وإن قلت: لا، بطل قولك: أعطاه الله الشفاعة وأنا أطلبه مما أعطاه الله.
هذه الشبهة الخامسة في صيغة اعتراض، فإذا قال المشرك القبوري بعد المحاورة السابقة، وبعد الإنكار عليه الالتجاء إلى الصالحين وطلب الشفاعة منهم: أتنكر شفاعة النبي ﷺ ولا تقر بها وتبرأ منها؟ كأنه بعد إفحامه وبعد غلبته بالحجة، ذهب يتهم الموحد ويشهر به، ويدعي أن النهي عن الالتجاء إلى الصالحين وطلب الشفاعة منهم؛ يتضمن إنكار شفاعتهم، ويقول: أتنكر شفاعة النبي ﷺ ؟ فإذا قال ذلك، فقل له: لا أنكرها بل أقول: إن شفاعة النبي ﷺ حق فهو الشافع المشفع، وهو سيد الشفعاء، وله شفاعات منها: أنه يشفع في أهل الموقف أن يقضى بينهم - وهو المقام المحمود -، ويشفع فيمن دخل النار من أمته، فيخرج منها من شاء الله، وفي كل مرة يأتي ويسجد ويحمد ربه، فيقال له: ارفع رأسك وقُل يُسمَع وسل تُعْطَه واشفع تُشفَّع، يقول: «فيحد لي حدًّا فأخرجهم من النار» (٢) فهو أول شافع وأول مشفع (٣).
стр. 56
لكن مع هذا الإقرار بشفاعة الرسول ﷺ ، يجب أن نعلم أن الشفاعة يوم القيامة لا تكون إلا بشرطين:
- بإذن الله للشافع.
- ورضاه عن المشفوع له.
فالشفاعة عند الله ليست كالشفاعة عند الخلق؛ لأنَّ الشفاعة عند المخلوق تكون بغير إذنه، فالمقرب والوزير يأتي ويشفع وإن كان الملك غير راض، ولكنه قد يقبل الشفاعة لأنه محتاج إليه، وإن كان غير راض عن المشفوع له فيضطر إلى قبول شفاعته. أما الله تعالى، فله الملك كله ليس بحاجة إلى أحد من الخلق، ولهذا فلا أحد يشفع عند الله إلا بإذنه كما جاء ذلك في آيات منها قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]؛ أي: لا أحد يشفع عنده إلا بإذنه، وهذا سيد الشفعاء محمد ﷺ لا يبدأ بالشفاعة أولًا، بل يبدأ بالسجود والحمد حتى يؤذن له بالشفاعة، فيقال له: «ارفع رأسك، وقل يسمع، وسل تعطه، واشفع تشفع» (١).
وهكذا غيره من الملائكة والنبيين والصالحين لا يشفع أحد منهم حتى يُؤذن له ولا يشفعون إلا لمن ارتضى الله تعالى؛ كما قال سبحانه: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨]، وهو سبحانه لا يرتضي إلا أهل التوحيد، فلا يشفع أحد من الأنبياء أو الملائكة أو الصالحين إلا لمن كان موحدًا.
стр. 57
أما الظالمون المشركون فليس لهم شفيع؛ كما قال تعالى: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاع (١٨)﴾ [غافر].
إذا عرفت أن الشفاعة يوم القيامة لا تكون إلا بإذنه تعالى للشافع ورضاه عن المشفوع له؛ علمت أن الشفاعة كلها لله، فاطلبها من الله، وقل: «اللهم شفع فيَّ نبيك اللهم اجعلني من أهل شفاعته»؛ إذ الشفاعة لا تُطلب أصلًا إلا من الله تعالى، ولا يجوز أن تُطلب من ميت أو من غائب. أما الضُّلال فإنهم يطلبونها من الملائكة وهم غائبون عنهم، ويطلبونها من الأموات؛ فتجدهم يصرخون عند قبورهم يسألونهم الشفاعة، وشفاء مرضاهم، ونصرهم على الأعداء، ومنحهم ما يحتاجون إليه، وبدل أن يتوجهوا إلى الله يتوجهون إلى الأموات المرتهنون في قبورهم، وهذا من الضلال المبين.
وهذا الكلام أيضًا موجه ومناسب لحال المسلم أو المنتسب للإسلام الذي يتوجه إلى النبي ﷺ ، أو غيره طلبًا لشفاعته، يرجو أن يشفع له في حوائجه في الدنيا، ويدعوه ويتقرب إليه رجاء شفاعته في الآخرة، ولهذا قال الشيخ: اطلب من الرب أن يشفعه فيك، وهذا لا ينمُّ عن نقص في طلب الشفاعة من الحي القادر، كما سيأتي.
فقول الشيخ ﵀: «فإن قال: النبي ﷺ أعطي الشفاعة، وأنا أطلبه مما أعطاه الله … » هذه أيضًا شبهة سادسة من شبهات المشركين الذين يتعلقون على الأنبياء والصالحين، ويخصون النبي ﷺ بالكلام أحيانًا، فيقول: إن الرسول قد أعطاه الله الشفاعة كما في الحديث الصحيح:
стр. 58
«وأُعطيت الشفاعة» (١)، وقال ﵊: «وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة» (٢)، فالله أعطاه الشفاعة وأنا أطلب من الرسول الشفاعة، وأقول: يا رسول الله! اشفع لي، يا رسول الله ادع الله أن يغيثني - وهو في قبره -؟
نقول لو كان الرسول ﷺ حيًّا، فيجوز أن تطلب منه الشفاعة، فقد كان الصحابة يطلبون منه أن يشفع لهم عند الله بمعنى أن يدعو لهم، ومن ذلك قول ذلك الأعرابي: «إنا نستشفع بك على الله، ونستشفع بالله عليك»، فأنكر النبي ﵊ قوله: نستشفع بالله عليك، وقال له: «إنه لا يستشفع بالله على أحد من خلقه» (٣)، فأنكر عليه واحدة، وأقره على الثانية، فأقره في استشفاعه بالرسول إلى الله «ونستشفع بك على الله»، فيجوز الاستشفاع بالحي القادر، فيطلب من العبد الصالح أن يدعو الله له؛ إما طلب خاص، أو طلب عام للمسلمين قال عكاشة: «يا رسول! ادع الله أن يجعلني منهم» (٤)، والمرأة التي كانت تُصرع تأتي وتقول: يا رسول الله! ادع الله لي (٥)، ويطلب منه المسلمون أن يستسقي لهم، فيقول أحدهم: «ادع الله يغيثنا» (٦)، فيدعو فيجيب الله دعاءه،
стр. 59
وينزل الغيث، ويأتي هذا الرجل ويطلب من النبي ﷺ أن يدعو الله أن يرفع السحاب عنهم (١)، والرجل الأعمى الذي قال: «يا رسول الله! ادع الله أن يعافيني» (٢)، إلى غير ذلك.
والحي يشفع، وقد شرع الله جواز الدعاء للمؤمنين فقال لنبيه ﵊: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد: ١٩]، أما بعد موته ﷺ فلا يجوز طلب الدعاء منه؛ لأنه وإن كان يسمع سلام المؤمن، فلا يلزم منه أن يسمع ممن يطلب منه الدعاء، ولو فرض أنه يسمع لكنه في قبره فليس حاله كحاله في الدنيا؛ ولهذا لم يكن الصحابة ﵃ يأتون إلى قبره ويسألونه الدعاء؛ فضلًا عن أن يتقرب إليه أحدهم بصلاة أو نذر أو ذبح، أو أن يدعوه مباشرة، فيدعوه من بعد أو قرب، وإنما كان المسلمون بعد وفاة الرسول ﷺ يرجون شفاعته يوم القيامة، ولما أجدبت الأرض واحتاجوا للسقيا؛ لم يأتوا ليطلبوا منه أن يستسقي لهم كما قال عمر ﵁: «اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا» (٣)، فعدل عن الاستسقاء بالنبي ﵊ إلى الاستسقاء بالعباس ﵁، وهذا يدل على أنه لا يجوز طلب الشفاعة من الميت.
فإذا قال لك القبوري: إن النبي ﷺ أعطاه الله الشفاعة، فقل: نعم أعطاه الله الشفاعة، وأمرك أن لا تدعو مع الله أحدًا، فلما كان الله هو
стр. 60
الذي أعطاه الشفاعة، فالواجب عليك أن تسأل الله، وتقول: اللهم شفع فيَّ نبيك، اللهم وفقني لِاتباعه. أما إذا دعوت الرسول ﷺ فإن معنى ذلك أنك أشركت مع الله في عبادة الدعاء، والله تعالى يقول: ﴿فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (١٨)﴾ [الجن].
ورد عليه بجواب آخر أيضًا: وهو أن الذين أعطوا الشفاعة غير الأنبياء كثير، منهم: الملائكة والصالحين والأفراط، فإذا كان كل من أعطي الشفاعة يدعى إذًا فادع الأنبياء والملائكة والصالحين، فأنت بين خيارين: إما أن تدعو كل من أعطاه الله الشفاعة، فتدعو الملائكة، أو تدعو الأنبياء وتستغيث بهم، وتطلبهم النصر والرزق، والشفاء من الأمراض، فتكون قد شاركت الذين يغلون ويعبدون الصالحين والأنبياء.
وإما أن تقول: لا أدعو الملائكة ولا الأنبياء، فيقال لك: وكذلك النبي ﷺ ، إن كان إعطاء الملائكة والأنبياء والصالحين الشفاعة لا يوجب دعاءهم مع الله؛ فكذلك الرسول ﷺ .
ونحن أهل التوحيد نقر بشفاعة هؤلاء كلهم، ولكننا نؤمن بالله ونرجو ذلك، ولا نتوجه بالدعاء والخوف، والرجاء والرغبة، والرهبة والعبادات العملية الإيمانية، إلا إلى الله، فلا نستغيث إلا به، ولا ندعو غيره، ولا نرجو سواه، ولا نتوكل إلا عليه، ولا نذبح إلا له، ولا نتقرب إلا إليه سبحانه، فهذا جواب سديد محكم، وهذه الشبهات -كما تقدم - فيها تقارب وتداخل، إلا أن عباراتها تتنوع.
* * * * * * *
стр. 61
* قال الشيخ ﵀:
فإن قال: أنا لا أشرك بالله شيئًا حاشا وكلا. ولكن الالتجاء إلى الصالحين ليس بشرك. فقل له: إذا كنت تقر أن الله حرم الشرك أعظم من تحريم الزنا، وتقر: أن الله لا يغفره فما هذا الأمر الذي حرمه الله وذكر أنه لا يغفره؟ فإنه لا يدري.
فقل له: كيف تبرئ نفسك من الشرك وأنت لا تعرفه؟ أم كيف يحرم الله عليك هذا ويذكر أنه لا يغفره، ولا تسأل عنه ولا تعرفه؟! أتظن أن الله يحرمه ولا يبينه لنا.
فإن قال: الشرك عبادة الأصنام ونحن لا نعبد الأصنام.
فقل له: ما معنى عبادة الأصنام؟ أتظن أنهم يعتقدون أن تلك الأخشاب والأحجار تخلق وترزق وتدبر أمر من دعاها؟ فهذا يكذبه القرآن.
فإن قال: إنهم يقصدون خشبة أو حجرًا أو بنية على قبر أو غيره، يدعون ذلك ويذبحون له، ويقولون: إنه يقربنا إلى الله زلفى، ويدفع الله عنا ببركته، أو يعطينا ببركته.
فقل: صدقت، وهذا هو فعلكم عند الأحجار والأبنية التي على القبور وغيرها.
فهذا أقر أن فعلهم هذا هو عبادة الأصنام، فهو المطلوب.
стр. 62
ويقال له أيضًا: قولك: الشرك عبادة الأصنام، هل مرادك أن الشرك مخصوص بهذا؟ وأن الاعتماد على الصالحين ودعاءهم لا يدخل في ذلك؟ فهذا يرده ما ذكره الله تعالى في كتابه من كفر من تعلق على الملائكة أو عيسى أو الصالحين، فلا بد أن يقر لك أن من أشرك في عبادة الله أحدًا من الصالحين فهو الشرك المذكور في القرآن، وهذا هو المطلوب.
وسر المسألة: أنه إذا قال: أنا لا أشرك بالله، فقل له: وما الشرك بالله؟ فسره لي. فإن قال: هو عبادة الأصنام، فقل له: وما معنى عبادة الأصنام؟ فسرها لي، فإن قال: أنا لا أعبد إلا الله وحده، فقل: ما معنى عبادة الله وحده؟ فسرها لي. فإن فسرها بما بينه القرآن فهو المطلوب. وإن لم يعرفه فكيف يدعي شيئًا وهو لا يعرفه؟ وإن فسر ذلك بغير معناه بينت له الآيات الواضحات في معنى الشرك بالله وعبادة الأوثان، وأنه الذي يفعلونه في هذا الزمان بعينه، وأن عبادة الله وحده لا شريك له هي التي ينكرون علينا، ويصيحون فيه كما صاح إخوانهم، حيث قالوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَاب (٥)﴾ [ص].
فإن قال: إنهم لا يكفرون بدعاء الملائكة والأنبياء وإنما يكفرون لما قالوا: الملائكة بنات الله، فإنا لم نقل: إن عبد القادر ولا غيره ابن الله.
فالجواب: أن نسبة الولد إلى الله تعالى كفر مستقل، قال الله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد (١) اللَّهُ الصَّمَد (٢)﴾، والأحد: الذي لا نظير له
стр. 63
والصمد: المقصود في الحوائج، فمن جحد هذا فقد كفر ولو لم يجحد السورة.
وقال الله تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ﴾ [المؤمنون: ٩١] ففرق بين النوعين، وجعل كلًا منهما كفرًا مستقلًا، وقال الله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلّهِ شُرَكَاء الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام] ففرق بين الكفرين.
والدليل على هذا أيضًا أن الذين كفروا بدعاء اللات - مع كونه رجلًا صالحًا - لم يجعلوه ابن الله، والذين كفروا بعبادة الجن لم يجعلوهم كذلك.
وكذلك أيضًا: العلماء في جميع المذاهب الأربعة يذكرون في «باب حكم المرتد»؛ أن المسلم إذا زعم أن لله ولدًا فهو مرتد، [وإن أشرك فهو مرتد]، فيفرقون بين النوعين، وهذا في غاية الوضوح.
وإن قال: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُون (٦٢)﴾ [يونس].
فقل: هذا هو الحق، ولكن لا يُعْبَدون، ونحن لا ننكر إلا عبادتهم مع الله وشركهم معه، وإلا فالواجب عليك حبهم واتباعهم والإقرار بكرامتهم، ولا يجحد كرامات الأولياء إلا أهل البدع والضلالات، ودين الله وسط بين طرفين، وهدى بين ضلالتين، وحق بين باطلين.
стр. 64
وهذه هي الشبهة السابعة، وسبق أن قلنا إن هذه الشبه بينها تقارب كبير، لكنها تختلف في أسلوبها، مما يقتضي تنويع الجواب أيضًا.
فإذا قال هذا القبوري الذي يدعو الصالحين ويغلو فيهم ويذبح لهم: أنا لا أشرك بالله حاشا وكلَّا، والالتجاء إلى الصالحين ليس بشرك.
فقل له: إذا كنت تقر بأن الله حرم عليك الشرك، وأخبر أنه لا يغفره فما هذا الشرك الذي حرمه الله عليك، وأخبر بأنه لا يغفره؟ كيف تقر بهذا وأنت لا تعرف حقيقة الشرك، فلا بد أن تعرف حقيقة الشرك؛ لأن الله الذي حرم الشرك على عباده بيَّن حقيقته، ولا يحرم الله تعالى شيئًا ثم لا يبينه، قال تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ١١٩]، وقال: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [الأنعام: ١٥١]؛ يعني: اسأله عن هذا الشرك الذي يزكي نفسه، ويبرئ نفسه منه لاعتقاده أن الله حرمه، وأنه لا يغفره فاسأله ما هذا الشرك الذي حرمه الله، وأخبر أنه لا يغفره؟ فإنه لا يعرفه.
فقل له: هذا غلط، وتفريط عظيم أنك تؤمن وتعرف أن الله حرم الشرك وأخبر أنه لا يغفره ثم لا تعرفه ولا تسأل عنه، وهذا خلاف ما يجب، وما يقتضيه الحزم، كيف تقول: بأن الله حرم الشرك وأنه لا يغفره؛ ثم لا تدري ولا تسأل!!
стр. 65
وإن مما يجب على من يؤمن بالله، ويؤمن بوجوب تحريم الشرك؛ أن يعرف حقيقة ما نهى الله عنه، إذًا كيف يجتنب الإنسان ما لا يعرف حقيقته، فلا بد إذًا أن تعرف الذي نهاك الله عنه، وتوعَّد فاعله بعدم الغفران.
وقال ﵀ في الشبهة الثامنة: «فإن قال: الشرك: عبادة الأصنام، ونحن لا نعبد الأصنام … »، ففي هذه الشبهة يريد أن يدفع عن نفسه رميه بالشرك، فيقول: أنا لست مثل المشركين الأولين؛ لأنهم كانوا يعبدون الأصنام والشرك هو عبادة الأصنام، ونحن لا نعبد الأصنام، فالنتيجة أننا لسنا مشركين.
فإذا قال ذلك، فقل له: فما معنى عبادة الأصنام؟ إذ قد يظن أن عبادة الأصنام التي من أخشاب وأحجار وغيرها هو الاعتقاد بها أنها تنفع وتضر، وتخلق وترزق، فإذا فصل العبادة بهذا المعنى كان مبطلًا، وهذا التفسير باطل فليس عبادة المشركين للأصنام بهذا الاعتقاد؛ لأن هذا المعنى يكذبه القرآن كما في الآيات الدالة على أن المشركين لم يكونوا يعتقدون أن تلك الأصنام تخلق وترزق، وتدبر أمر العالم، ومنشأ هذا التفسير الباطل هو الجهل بحقيقة الشرك، مما يوجب على الإنسان أن يعرف ويتعلم ما هو الشرك، كما يتوجب عليه معرفة حقيقة غيره من المحرمات، فالربا مثلًا يعرف كل مسلم أنه حرام؛ لكن ما هو الربا؟ هذا هو الإشكال، وكثير من الناس مع معرفتهم وإيمانهم بتحريم الربا، فإنه لا يعرف ما هو الربا بسبب الإعراض، وعدم الاهتمام بمعرفة شرع الله؛ لذا يجب على العبد الذي آمن بالله وبرسوله وكتابه أن يعرف ما
стр. 66
أوجب الله عليه، وما حرم عليه، فإذا علم العبد أن الله حرم كذا، فعليه أن يعرفه ليحذره، كما يجب عليه أن يعلم الواجب ليفعله.
وإن قال إن الشرك هو القصد إلى تلك التماثيل والأحجار والأبنية التي على القبور بالذبح لها ودعائها، والظن بأن الله ينفع ويضر ببركتها؛ فهذا هو الشرك. فإن قال ذلك فقل له: فهذا فعلكم تمامًا، وقد لزمكم أن ما تفعلونه مثل شرك المشركين الأولين في عبادة الأصنام وهو المطلوب.
والضمير في قول المؤلف: «فهذا أقر أن فعلهم … » يحتمل أن يراد به فعل المشركين الأولين عباد الأصنام؛ أي: أن هذا هو عبادة الأصنام، ويحتمل أن يكون المراد بقوله: «أن فعلهم … » أي: فعل أولئك القبوريين، وقصدهم إلى تلك الأبنية التي على القبور، والذبح لها أو دعائها منهم مثل عبادة الأصنام.
فهذا المشرك بعد هذا الحوار قد أقر بأن التعلق على الصالحين شرك، وهو الذي نهى الله تعالى عنه في القرآن، وهذا الإقرار نتيجة لما تقدم؛ يعني: بعد إفهامه والرد على هذه الشبهة، لا بد أن يقر أن التعلق بالصالحين ودعاءهم، والعكوف عند قبورهم؛ هو الشرك الذي بينه الله ونهى عنه في القرآن.
وجواب آخر، هو أن يقال له: قولك «الشرك عبادة الأصنام» إن كان مرادك أن الشرك مخصوص بعبادة الأصنام، وأن الاعتماد على الصالحين ودعاءهم والاستغاثة بهم والتعلق بالملائكة؛ ليس بشرك، فهذا باطل
стр. 67
أيضًا يكذبه القرآن، فالله قد أخبر عن المشركين أنهم كانوا يتعلقون بالملائكة والأنبياء والصالحين، كما أخبر عن النصارى أنهم عبدوا المسيح، وقالوا: إنه ابن الله، وألهوه هو وأمه، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللّهِ﴾ [المائدة: ١١٦]، وقد كفرهم بقوله: ﴿لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ١٧]، وقال تعالى: ﴿لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٣]، وكفر الذين تعلقوا بالملائكة، فقال: ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنِّبِيِّيْنَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُّسْلِمُون (٨٠)﴾ [آل عمران]، فهذا المشرك القبوري إذا أقر أن الاعتماد على الصالحين والقصد إلى قبورهم فعل المشركين؛ فإنه سيقر بأن هذا هو الشرك، ويلزمه أن يقر بأن ما يفعلونه عند قبور الصالحين من جنس فعل المشركين الأولين وبهذا تبطل هذه الشبهة، ويتبين بهذا أن الشرك ليس مخصوصًا بعبادة الأصنام، وإنما هو عبادة غير الله؛ سواء كان ملكًا مقربًا أو نبيًا أو صالحًا أو شجرًا أو حجرًا، فكل ما عُبِد من دون الله فقد اتخذه عابده ربًّا وإلهًا من دون الله فكان بذلك من المشركين.
يقول المؤلف ﵀: «وسر المسألة: أنه إذا قال: أنا لا أشرك بالله، فقل له: وما الشرك بالله؟ فسره لي، فإن قال: هو عبادة الأصنام، فقل له: وما معنى عبادة الأصنام؟ فسرها لي، فإن قال: أنا لا أعبد إلا الله وحده، فقل: ما معنى عبادة الله وحده؟ فسرها لي … ».
стр. 68
فهذه طريقة الاستفصال عن الكلام المجمل والمبهم، وهي من أحسن الطرق لإفحام للخصم؛ وذلك بأن تقول له - إذا قال كلامًا مجملًا -: فسر كلامك حتى يتضح الأمر والحقيقة.
فإن قال: أنا لا أعبد إلا الله وحده، فهذا مثل قوله: أنا لا أشرك بالله، فقل له: ما معنى عبادة الله وحده؟ فسرها لي؟، وهنا بداية الاستفصال والسؤال.
فإن فسرها بما بينه القرآن ألزمناه به، وإن قال أنا لا أدري قلنا: إذًا كيف تدعي شيئًا أنت لا تعرفه؟ وإن فسر ذلك بغير معناه بينت له الآيات الواضحات في معنى الشرك بالله وعبادة الأوثان، وأن الذي يفعلونه في هذا الزمان من القصد إلى قبور الصالحين والاستغاثة بهم والالتجاء إليهم وذبح القرابين عند قبورهم هو نفس الشرك الذي فعله المشركون، وأنكره الله عليهم.
وبين له أن عبادة الله وحده لا شريك له وترك الغلو في الصالحين؛ هي التي ينكرون علينا، حتى إنهم ليقولون: إنكم بإنكاركم علينا تبغضون الصالحين، فجعلوا عبادة الصالحين هي التعبير عن حبهم، فصاروا ينكرون علينا ويصيحون بعنف وضجيج كما صاح إخوانهم، حيث قالوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَاب (٥)﴾ [ص].
ومنكرو التوحيد من أهل زماننا ينكرون علينا أننا لا نفعل عند قبور الأولياء مثل ما يفعلون كما صاح إخوانهم من قبل لما دُعوا وقيل لهم: قولوا لا إله إلا الله، فإذا قيل لهم ذلك اشمأزت قلوبهم؛ كما قال تعالى:
стр. 69
﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُون (٤٥)﴾ [الزمر]، وهو نفس واقع المشركين من الرافضة والصوفية؛ حيث إنهم إذا ذكر الله وحده أعرضوا، وإذا ذكر من يعظمونه كعلي ﵁ والحسين، وذكر السيد البدوي عندهم؛ هشوا وبشوا وتكلموا بكلمات التعظيم والإجلال، كما كان المشركون الأولون يعتزون بآلهتهم، ويستنصرون بها ويفتخرون بها، حتى قال أبو سفيان: اعل هبل، فأمر النبي ﷺ أصحابه أن يقولوا لأبي سفيان: «الله أعلى وأجل»، فقال أبو سفيان: لنا العزى ولا عزى لكم، فقال النبي ﷺ لأصحابه: «قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم» (١).
وهؤلاء المشركين على شاكلة من قبلهم من مشركي قوم نوح، ومشركي العرب، والشرك في العادة يتنوع تنوعًا لا حد له باعتبار المعبودات الكثيرة، فالمجوس يعبدون النار، وهناك من يعبد الحيوانات، ومنهم من يعبد أشياء عجيبة، وكله شرك؛ إذ كيف يتوجه الإنسان الذي أعطاه الله عقلًا إلى نار لا تسمع، ولا تبصر، ولا تعقل، أو يتوجه إلى حيوان، أو حجر، أو شجرة؛ ولهذا يقول أهل النار في الآخرة معترفين بسفاهتهم: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِير (١٠) فَاعْتَرَفُوا بِذَنبِهِمْ فَسُحْقًا لِّأَصْحَابِ السَّعِير (١١)﴾ [الملك].
وقال في الشبهة التاسعة: «فإن قال: إنهم لا يكفرون بدعاء الملائكة والأنبياء، وإنما يكفرون لما قالوا: الملائكة بنات الله، فإنا لم نقل: إن
стр. 70
عبد القادر ولا غيره ابن الله … » إلى آخره، فهذه أيضًا شبهة من شبه المشركين القبوريين.
والجواب عنها أن يقال: نسبة الولد إلى الله هو كفر مستقل، فإن الله تعالى نزه نفسه عن الولد وكذَّب من زعم ذلك فقال: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد (١) اللَّهُ الصَّمَد (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَد (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَد (٤)﴾، وفسر الأحد: أنه الذي لا نظير له، والصمد هو المقصود في الحوائج، فمن جحد ذلك جحد معنى السورة، ومن نسب الولد إلى الله كفر، ولو لم يجحد السورة.
ومن الأدلة على أن الشرك ونسبة الولد كل منهما كفر على حدة؛ قوله تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ﴾ [المؤمنون: ٩١]، وقال سبحانه:
﴿وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انتَهُوا خَيْرًا لَّكُمْ إِنَّمَا اللّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ﴾ [النساء: ١٧١]، ويؤكد ذلك أن العلماء في جميع المذاهب ذكروا في باب «حكم المرتد» أن المسلم إذا زعم أن لله ولدًا فقد كفر وصار مرتدًا، وإن أشرك بالله صار مرتدًّا، فجعلوا كلًّا من الأمرين موجب للردة.
ومما يبطل هذه الشبهة أن الذين كانوا يدعون «اللات» الذي كان يلت السويق للحاج في الطائف كفروا بشركهم مع أنهم لم يجعلوه ابنًا لله، وكذلك الذين عبدوا الجن لم يزعموا أنهم أبناء الله، فكانوا بهذا مشركين؛ قال : ﴿وَجَعَلُوا لِلّهِ شُرَكَاء الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُون (١٠٠)﴾ [الأنعام]، فمشركو العرب جمعوا بين هذين الشركين، والنصارى كذلك قالوا: المسيح ابن الله، فجعلوه
стр. 71
إلهًا مع الله، فوقعوا في الشرك ونسبة الولد إلى الله، وهذا الجواب بين واضح والشبهة واهية داحضة.
ولا شك أن الكفر قد يجتمع في الشخص الواحد لعدة أسباب، فاليهود كفروا بتكذيب المسيح، وقتل الأنبياء، وكفروا أيضًا بتكذيب محمد ﷺ ، وكل واحدة من هذه الثلاث هي كفر مستقل بنفسه، والنصارى كفروا بزعمهم أن عيسى ابن الله، واتخاذه وأمه إلهين من دون الله، وكفروا أيضًا بتكذيبهم محمد ﷺ .
فإذا قال لك هذا المشرك الذي يتعلق بالصالحين، ويتوجه إليهم بالدعاء والاستغاثة، ويلجأ إليهم بالشدائد محتجًا على باطله: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُون (٦٢)﴾ [يونس]، وجه الاستدلال عنده هنا كأنه يقول إن أولياء الله لا بد أن يرضيهم الله بنجاة من يتعلق بهم ويتوجه إليهم؛ لأن من كمال أمنهم من الحزن والخوف أن الذين يغلون فيهم، ويتعلقون بهم؛ لا بد أن ينالوا مرادهم.
فنقول: أولًا: الجواب على هذا الاستدلال تقدم في الجواب المجمل.
وثانيًا: نعم أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون حقًا، فإن لهم منزلة عظيمة عند ربهم، وقد أمنهم الله من الخوف والحزن، ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيم (٦٤)﴾ [يونس]، ولكنهم مع ذلك لا يُعبَدون، وهذه الآية ليس فيها حجة على عبادة الأولياء والالتجاء إليهم، وإنما فيها ثناء من الله عليهم، ووعد لهم.
стр. 72
ونحن لا ننكر إلا الغلو فيهم وعبادتهم من دون الله، وإلا فإن الواجب على المسلم أن يحب أولياء الله، ويعرف لهم فضلهم، ويتبعهم على الهدى، وأن يقر بكراماتهم التي هي الأمور الخارقة التي يجريها الله على يد بعض أوليائه؛ إظهارًا لفضلهم، ودفعًا للحاجة في بعض الأحيان، وفيها إقامة الحجة على خصومهم ومن يعاديهم، وهذا من عقيدة أهل السنة والجماعة، ولا ينكر كرامات الأولياء إلا أهل البدع والضلال؛ كالمعتزلة، ولكن ليس كل ما يُحكى ويذكره الناس يصير واقعًا، وإنما يجب التصديق بما ثبت من كرامات الأولياء.
فدين الله حق بين باطلين في كل المعاني وكل الأبواب، وهذا يفيد بأن الذين يخاصمون من هؤلاء الغلاة المشركين يرمون أهل التوحيد بهضم منزلة أولياء الله.
* * * * * * *
стр. 73
* قال الشيخ ﵀:
فإذا عرفت: أن هذا الذي يسميه المشركون في زماننا: «الاعتقاد» هو الشرك الذي نزل فيه القرآن، وقاتل رسول الله ﷺ الناس عليه؛ فاعلم أن شرك الأولين أخف من شرك أهل زماننا بأمرين:
أحدهما: أن الأولين لا يشركون ولا يدعون الملائكة والأولياء والأوثان مع الله؛ إلا في الرخاء. وأما في الشدة، فيخلصون لله الدعاء، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الْضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الإِنْسَانُ كَفُورًا (٦٧)﴾ [الإسراء]، وقال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُكُم إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِين (٤٠) بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاء وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُون (٤١)﴾ [الأنعام]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّار (٨)﴾ [الزمر]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَّوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [لقمان: ٣٢].
فمن فهم هذه المسألة التي وضحها الله في كتابه، وهي: أن المشركين الذين قاتلهم الرسول ﷺ يدعون الله، ويدعون غيره في الرخاء. وأما في الضراء والشدة، فلا يدعون إلا الله وحده لا شريك له وينسون ساداتهم؛ تبين له الفرق بين شرك أهل زماننا وشرك الأولين، ولكن أين من يفهم قلبه هذه المسألة فهمًا راسخًا؟ والله المستعان.
стр. 74
الأمر الثاني: أن الأولين يدعون مع الله أناسًا مقربين عند الله؛ إما أنبياء وإما أولياء وإما ملائكة، أو يدعون أشجارًا أو أحجارًا مطيعة لله تعالى ليست عاصية، وأهل زماننا يدعون مع الله أناسًا من أفسق الناس، والذين يدعونهم هم الذين يحكون عنهم الفجور من الزنا والسرقة وترك الصلاة وغير ذلك، والذي يعتقد في الصالح أو الذي لا يعصي مثل الخشب والحجر أهون ممن يعتقد فيمن يشاهد فسقه وفساده، ويشهد به.
هذا الكلام مبني على ما سبق - يعني: من الشرك -، يقول: إذا عرفت أن ما يسميه أهل زماننا: «الاعتقاد» بفلان والاعتقاد بعلان؛ كالاعتقاد بالبدوي والعيدروس وابن علوان وشمسان من شيوخ الطرق الصوفية؛ هذا الاعتقاد هو نفس الشرك الذي كان عليه المشركون الأولون، وبهذا يعلم أن أولئك الذين يعتقدون في الصالحين حكمهم حكم المشركين الأولين الذين قاتلهم الرسول ﷺ .
فإذا عرفت ذلك فاعلم أن شرك الأولين أخف من شرك أهل زماننا، وإن شئت قل: فاعلم أن شرك أهل زماننا أغلظ شركًا من الأولين، كما عبر بذلك في «القواعد الأربع» (١)، والشيخ هنا بعدما قرر أن شرك أهل زماننا هو نفس ما كان عليه المشركون الأولون؛ أراد أن يبين أن شرك أهل هذا الزمان أشد من شرك الأولين، وذلك لأمرين:
стр. 75
الأول: أن المشركين الأولين كانوا في الرخاء يدعون الله، ويدعون من يدعون من الملائكة والأنبياء والصالحين ويدعون أوثانهم. وأما في الشدة إذا نزلت بهم الضراء وألمَّت بهم الخطوب، وأحاطت بهم الأمواج كالظلل؛ فهم يخلصون ويفردون الله ومن الأدلة على ذلك قوله تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُون (٦٥)﴾ [العنكبوت]، وقال سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنِّ مِنَ الشَّاكِرِين (٢٢) فَلَمَّا أَنجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [يونس]، وهكذا قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّار (٨)﴾ [الزمر].
أما مشركو أهل هذا الزمان؛ فيشركون في الرخاء والشدة، فمن يخالط أو يسافر مع مشركي هذا الزمان يراهم عند هيجان البحار وتلاطم الأمواج؛ يستغيثون بسادتهم وبمعظميهم، فالرافضي يقول: يا علي أو يا حسين! والصوفي يقول: يا بدوي أو يا سيدي أو يا فلان! وكلٌ له معظم يغلو فيه، ولا شك أن الذي يشرك في الرخاء والشدة أغلظ شركًا ممن لا يشرك إلا في الرخاء.
فحري بالمسلم أن يعرف الحق من الباطل، ويعرف أنواع الباطل والكفر والشرك؛ وحري به أن يعرف أن أحوال المشركين متفاوتة، فمن عنده بصيرة؛ فرق بين هذه الأصناف والأنواع.