إلهًا مع الله، فوقعوا في الشرك ونسبة الولد إلى الله، وهذا الجواب بين واضح والشبهة واهية داحضة.
ولا شك أن الكفر قد يجتمع في الشخص الواحد لعدة أسباب، فاليهود كفروا بتكذيب المسيح، وقتل الأنبياء، وكفروا أيضًا بتكذيب محمد ﷺ ، وكل واحدة من هذه الثلاث هي كفر مستقل بنفسه، والنصارى كفروا بزعمهم أن عيسى ابن الله، واتخاذه وأمه إلهين من دون الله، وكفروا أيضًا بتكذيبهم محمد ﷺ .
فإذا قال لك هذا المشرك الذي يتعلق بالصالحين، ويتوجه إليهم بالدعاء والاستغاثة، ويلجأ إليهم بالشدائد محتجًا على باطله: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُون (٦٢)﴾ [يونس]، وجه الاستدلال عنده هنا كأنه يقول إن أولياء الله لا بد أن يرضيهم الله بنجاة من يتعلق بهم ويتوجه إليهم؛ لأن من كمال أمنهم من الحزن والخوف أن الذين يغلون فيهم، ويتعلقون بهم؛ لا بد أن ينالوا مرادهم.
فنقول: أولًا: الجواب على هذا الاستدلال تقدم في الجواب المجمل.
وثانيًا: نعم أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون حقًا، فإن لهم منزلة عظيمة عند ربهم، وقد أمنهم الله من الخوف والحزن، ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيم (٦٤)﴾ [يونس]، ولكنهم مع ذلك لا يُعبَدون، وهذه الآية ليس فيها حجة على عبادة الأولياء والالتجاء إليهم، وإنما فيها ثناء من الله عليهم، ووعد لهم.
стр. 72
ونحن لا ننكر إلا الغلو فيهم وعبادتهم من دون الله، وإلا فإن الواجب على المسلم أن يحب أولياء الله، ويعرف لهم فضلهم، ويتبعهم على الهدى، وأن يقر بكراماتهم التي هي الأمور الخارقة التي يجريها الله على يد بعض أوليائه؛ إظهارًا لفضلهم، ودفعًا للحاجة في بعض الأحيان، وفيها إقامة الحجة على خصومهم ومن يعاديهم، وهذا من عقيدة أهل السنة والجماعة، ولا ينكر كرامات الأولياء إلا أهل البدع والضلال؛ كالمعتزلة، ولكن ليس كل ما يُحكى ويذكره الناس يصير واقعًا، وإنما يجب التصديق بما ثبت من كرامات الأولياء.
فدين الله حق بين باطلين في كل المعاني وكل الأبواب، وهذا يفيد بأن الذين يخاصمون من هؤلاء الغلاة المشركين يرمون أهل التوحيد بهضم منزلة أولياء الله.
* * * * * * *
стр. 73
* قال الشيخ ﵀:
فإذا عرفت: أن هذا الذي يسميه المشركون في زماننا: «الاعتقاد» هو الشرك الذي نزل فيه القرآن، وقاتل رسول الله ﷺ الناس عليه؛ فاعلم أن شرك الأولين أخف من شرك أهل زماننا بأمرين:
أحدهما: أن الأولين لا يشركون ولا يدعون الملائكة والأولياء والأوثان مع الله؛ إلا في الرخاء. وأما في الشدة، فيخلصون لله الدعاء، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الْضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الإِنْسَانُ كَفُورًا (٦٧)﴾ [الإسراء]، وقال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُكُم إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِين (٤٠) بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاء وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُون (٤١)﴾ [الأنعام]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّار (٨)﴾ [الزمر]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَّوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [لقمان: ٣٢].
فمن فهم هذه المسألة التي وضحها الله في كتابه، وهي: أن المشركين الذين قاتلهم الرسول ﷺ يدعون الله، ويدعون غيره في الرخاء. وأما في الضراء والشدة، فلا يدعون إلا الله وحده لا شريك له وينسون ساداتهم؛ تبين له الفرق بين شرك أهل زماننا وشرك الأولين، ولكن أين من يفهم قلبه هذه المسألة فهمًا راسخًا؟ والله المستعان.
стр. 74
الأمر الثاني: أن الأولين يدعون مع الله أناسًا مقربين عند الله؛ إما أنبياء وإما أولياء وإما ملائكة، أو يدعون أشجارًا أو أحجارًا مطيعة لله تعالى ليست عاصية، وأهل زماننا يدعون مع الله أناسًا من أفسق الناس، والذين يدعونهم هم الذين يحكون عنهم الفجور من الزنا والسرقة وترك الصلاة وغير ذلك، والذي يعتقد في الصالح أو الذي لا يعصي مثل الخشب والحجر أهون ممن يعتقد فيمن يشاهد فسقه وفساده، ويشهد به.
هذا الكلام مبني على ما سبق - يعني: من الشرك -، يقول: إذا عرفت أن ما يسميه أهل زماننا: «الاعتقاد» بفلان والاعتقاد بعلان؛ كالاعتقاد بالبدوي والعيدروس وابن علوان وشمسان من شيوخ الطرق الصوفية؛ هذا الاعتقاد هو نفس الشرك الذي كان عليه المشركون الأولون، وبهذا يعلم أن أولئك الذين يعتقدون في الصالحين حكمهم حكم المشركين الأولين الذين قاتلهم الرسول ﷺ .
فإذا عرفت ذلك فاعلم أن شرك الأولين أخف من شرك أهل زماننا، وإن شئت قل: فاعلم أن شرك أهل زماننا أغلظ شركًا من الأولين، كما عبر بذلك في «القواعد الأربع» (١)، والشيخ هنا بعدما قرر أن شرك أهل زماننا هو نفس ما كان عليه المشركون الأولون؛ أراد أن يبين أن شرك أهل هذا الزمان أشد من شرك الأولين، وذلك لأمرين:
стр. 75
الأول: أن المشركين الأولين كانوا في الرخاء يدعون الله، ويدعون من يدعون من الملائكة والأنبياء والصالحين ويدعون أوثانهم. وأما في الشدة إذا نزلت بهم الضراء وألمَّت بهم الخطوب، وأحاطت بهم الأمواج كالظلل؛ فهم يخلصون ويفردون الله ومن الأدلة على ذلك قوله تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُون (٦٥)﴾ [العنكبوت]، وقال سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنِّ مِنَ الشَّاكِرِين (٢٢) فَلَمَّا أَنجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [يونس]، وهكذا قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّار (٨)﴾ [الزمر].
أما مشركو أهل هذا الزمان؛ فيشركون في الرخاء والشدة، فمن يخالط أو يسافر مع مشركي هذا الزمان يراهم عند هيجان البحار وتلاطم الأمواج؛ يستغيثون بسادتهم وبمعظميهم، فالرافضي يقول: يا علي أو يا حسين! والصوفي يقول: يا بدوي أو يا سيدي أو يا فلان! وكلٌ له معظم يغلو فيه، ولا شك أن الذي يشرك في الرخاء والشدة أغلظ شركًا ممن لا يشرك إلا في الرخاء.
فحري بالمسلم أن يعرف الحق من الباطل، ويعرف أنواع الباطل والكفر والشرك؛ وحري به أن يعرف أن أحوال المشركين متفاوتة، فمن عنده بصيرة؛ فرق بين هذه الأصناف والأنواع.
стр. 76
يقول ﵀: «الأمر الثاني: أن الأولين يدعون مع الله أناسًا مقربين عند الله؛ إما أنبياء وإما أولياء وإما ملائكة، أو يدعون أشجارًا أو أحجارًا مطيعة لله تعالى ليست عاصية … ».
الأمر الثاني من الأمور التي تدل على أن شرك الأولين أخف من شرك المتأخرين؛ أن الأولين كانوا يعبدون أناسًا صالحين؛ إما ملائكة أو أنبياء أو أولياء أو يعبدون أشجارًا وأحجارًا هي في حقيقتها عابدة ومسبحة لله. وأما المتأخرون فمن معبوديهم من هو معروف بالفسق والفجور، وهم يشهدون بذلك عليهم، ومنهم من يعبد بعض الطواغيت ممن يدَّعون فيهم الصلاح، وهم في الحقيقة فجرة فسقة؛ يرتكبون الحرام، وهذا ينطبق على بعض طواغيت الصوفية، ولكن الشيطان يلبس عليهم، فيقول: إنما فعل ما فعل لأنه قد وصل إلى الغاية في علم الباطن، ومن وصل إلى تلك الغاية فإنه تسقط عنه التكاليف، وتحل له المحرمات، وهذه من أقبح أنواع الكفر والضلال، فبدهيٌّ أن الذي يغلو في عبد صالح خير من الذي يغلو في عبد فاسق؛ لأن الصالحين لهم حق المحبة والتعظيم، وأما الفاسق والفاجر فليس له حق المحبة.
إذًا؛ فالمشركون الأولون أصح عقولًا؛ لأنهم يفهمون معاني الكلام وكما تقدم أنهم يعلمون معنى: «لا إله إلا الله»، ولهذا امتنعوا من قولها؛ لعلمهم بمناقضتها لدينهم، بخلاف المتأخرين فإنهم ليس لهم هذا الفقه.
* * * * * * *
стр. 77
* قال الشيخ ﵀:
إذا تحققت أن الذين قاتلهم رسول الله ﷺ أصح عقولًا وأخف شركًا من هؤلاء؛ فاعلم أن لهؤلاء «شبهة» يوردونها على ما ذكرنا، وهي من أعظم شبههم، فأصغ سمعك لجوابها، وهي أنهم يقولون:
إن الذين نزل فيهم القرآن لا يشهدون أن «لا إله إلا الله»، ويكذبون الرسول ﷺ ، وينكرون البعث، ويكذبون القرآن ويجعلونه سحرًا، ونحن نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ونصدق القرآن، ونؤمن بالبعث، ونصلي ونصوم فكيف تجعلوننا مثل أولئك؟
فالجواب:
١ - أنه لا خلاف بين العلماء كلهم أن الرجل إذا صدق رسول الله ﷺ في شيء وكذبه في شيء؛ أنه كافر لم يدخل في الإسلام، وكذلك إذا آمن ببعض القرآن وجحد بعضه، كمن أقر بالتوحيد، وجحد وجوب الصلاة، أو أقر بالتوحيد والصلاة، وجحد وجوب الزكاة، أو أقر بهذا كله وجحد الصوم، أو أقر بهذا كله وجحد الحج، ولما لم ينقد أناس في زمن النبي ﷺ للحج؛ أنزل الله تعالى في حقهم: ﴿وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِين (٩٧)﴾ [آل عمران].
ومن أقر بهذا كله وجحد البعث؛ كفر بالإجماع وحل دمه وماله كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللّهِ
стр. 78
وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا (١٥٠) أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا (١٥١)﴾ [النساء]، فإذا كان الله تعالى قد صرح في كتابه أن من آمن ببعض وكفر ببعض فهو الكافر حقًا، وأنه يستحق ما ذكر؛ زالت [هذه] الشبهة، وهذه هي التي ذكرها بعض أهل الأحساء في كتابه الذي أرسله إلينا.
٢ - ويقال أيضًا: إن كنت تقر أن من صدق الرسول ﷺ في كل شيء وجحد وجوب الصلاة، إنه كافر حلال الدم والمال بالإجماع؛ كذلك إذا أقر بكل شيء إلا البعث، وكذلك لو جحد وجوب صوم رمضان وصدق بذلك كله؛ لا تختلف المذاهب فيه، وقد نطق به القرآن كما قدمنا.
فمعلوم أن التوحيد هو أعظم فريضة جاء بها النبي ﷺ ، وهو أعظم من الصلاة والزكاة والصوم والحج، فكيف إذا جحد الإنسان شيئًا من هذه الأمور كفر، ولو عمل بكل ما جاء به الرسول ﷺ ، وإذا جحد التوحيد الذي هو دين الرسل كلهم لا يكفر؟ سبحان الله ما أعجب هذا الجهل!
٣ - ويقال أيضًا لهؤلاء: أصحاب رسول الله ﷺ قاتلوا بني حنيفة، وقد أسلموا مع النبي ﷺ وهم يشهدون: أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ﷺ ، ويؤذنون ويصلون، فإن قال: إنهم يقولون: إن مسيلمة نبي؟ فقل: هذا هو المطلوب، إذا كان من رفع رجلًا إلى
стр. 79
رتبة النبي ﷺ كفر وحل ماله ودمه، ولم تنفعه الشهادتان ولا الصلاة، فكيف بمن رفع شمسان أو يوسف أو صحابيًا أو نبيًا إلى مرتبة جبار السماوات والأرض؟ سبحان الله ما أعظم شأنه ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُون (٥٩)﴾ [الروم].
٤ - ويقال - أيضًا -: الذين حرَّقهم علي بن أبي طالب ﵁ بالنار؛ كلهم يدعون الإسلام، وهم من أصحاب علي ﵁، وتعلموا العلم من الصحابة، ولكن اعتقدوا في علي مثل الاعتقاد في يوسف وشمسان وأمثالهم، فكيف أجمع الصحابة على قتلهم وكفرهم؟! أتظنون أن الصحابة يكفرون المسلمين؟! أم تظنون أن الاعتقاد في «تاج» وأمثاله لا يضر، والاعتقاد في علي بن أبي طالب يكفِّر؟
٥ - ويقال أيضًا: بنو عبيد القداح الذين ملكوا المغرب ومصر في زمان بني العباس؛ كلهم يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ويدَّعون الإسلام، ويصلون الجمعة والجماعة، فلما أظهروا مخالفة الشريعة في أشياء دون ما نحن فيه؛ أجمع العلماء على كفرهم وقتالهم، وأن بلادهم بلاد حرب، وغزاهم المسلمون حتى استنقذوا ما بأيديهم من بلدان المسلمين.
٦ - ويقال أيضًا: إذا كان الأولون لم يكفروا إلا لأنهم جمعوا بين الشرك وتكذيب الرسول ﷺ والقرآن، وإنكار البعث وغير ذلك، فما معنى الباب الذي ذكره العلماء في كل مذهب: باب حكم المرتد؟! وهو: المسلم الذي يكفر بعد إسلامه؟ ثم ذكروا أنواعًا كثيرة، كل
стр. 80
نوع منها يكفر ويحل دم الرجل وماله، حتى أنهم ذكروا أشياء يسيرة عند من فعلها، مثل: كلمة يذكرها بلسانه دون قلبه، أو كلمة يذكرها على وجه المزح واللعب.
٧ - ويقال أيضًا: الذين قال الله فيهم: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ﴾ [التوبة: ٧٤]، أما سمعت الله كفّرهم بكلمة مع كونهم في زمن رسول الله ﷺ ، ويجاهدون معه ويصلون ويزكون ويحجون ويوحدون؟! وكذلك الذين قال الله فيهم: ﴿قُلْ أَبِاللّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُون (٦٥)﴾ ﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة]؛ فهؤلاء الذين صرح الله فيهم أنهم كفروا بعد إيمانهم وهم مع رسول الله ﷺ في غزوة تبوك قالوا كلمة ذكروا أنهم قالوها على وجه المزح.
فتأمل هذه الشبهة وهي قولهم: تكفرون من المسلمين أناسًا يشهدون أن لا إله إلا الله ويصلون ويصومون؟ ثم تأمل جوابها؛ فإنه من أنفع ما في هذه الأوراق.
٨ - ومن الدليل على ذلك أيضًا: ما حكى الله عن بني إسرائيل - مع إسلامهم وعلمهم وصلاحهم -؛ أنهم قالوا لموسى: ﴿اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف: ١٣٨]، وقول أناس من الصحابة: اجعل لنا ذات أنواط فحلف رسول الله ﷺ أن هذا نظير قول بني إسرائيل لموسى: ﴿اجْعَل لَنَا إِلَهًا﴾ (١).
стр. 81
ذكر أهل العلم في باب أحكام الردة أمورًا من وقع فيها وأقيمت علية الحجة وكان غير متأول؛ فإنه يكفر، فمن أقر بالتوحيد وجحد وجوب الصلاة أو وجوب الزكاة أو الصوم أو الحج؛ كفر، لأنه تكذيب لله ورسوله فلو أقر الرجل بما جاء به الرسول ﵊ لكنه جحد شيئًا مما جاء به الرسول مما هو مقطوع به فإنه يكفر؛ لأن الله جعل المكذب لرسول مكذبًا لجميع الرسل، فقال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِين (١٤١)﴾ [الشعراء]، وقال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِين (١٢٣)﴾ [الشعراء]، وقال تعالى: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ﴾ [الفرقان: ٣٧]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللّهِ وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا (١٥٠)﴾ ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا (١٥١)﴾ [النساء]، وهكذا من كذب بشيءٍ مما جاء به الرسول ﷺ ، فإنه يكفر، ولو صدق الرسول بكل شيء سوى ذلك، وهذا متفق عليه بين المسلمين؛ أن من أنكر هذا الشيء مما جاء به الرسول مما هو معلوم من الدين بالضرورة فإنه يكفر، ويصير مرتدًّا حلال الدم، قال النبي ﷺ : «من بدَّل دينه فاقتلوه» (١).
ولو قال: أطيع الرسول في كل شيء إلا في مسألة تحريم الخمر، فأنا لا أطيعه فيستحل الخمر، فإنه يكفر بذلك - نسأل الله العافية -، فإذا كان الأمر كذلك فكيف بمن جحد التوحيد الذي هو أعظم ما جاء به الرسل،
стр. 82
وزعم أن الغلو في الصالحين ليس بشرك؟! لا شك أنه أشد كفرًا، وبهذا يعلم بطلان هذه الشبهة، فإن الكفر يكون بكلمة، ويكون بفعل ويكون باعتقاد، وهذا كله يبين أن النطق بالشهادتين لا يعصم الدم والمال إذا أتى الإنسان بناقض من نواقض الشهادتين التي هي أسباب الردة.
ومن الوجوه التي يرد بها على هذه الشبهة: أن الصحابة ﵃ قاتلوا بني حنيفة أصحاب مسيلمة قتال الكفار، وسبوا نساءهم وذريتهم؛ مع أنهم ينطقون بالشهادتين ويؤذنون ويصلون، فعلم بهذا أن من أتى بناقض يكفر، ولو كان يتكلم بالشهادتين.
ولكن قد يقول الخصم: إن هؤلاء كفروا لأنهم ادعوا أن مسيلمة نبي، فيقال: نعم، إذا كانوا قد كفروا بأن رفعوا بشرًا إلى مرتبة النبي ﵊، فكيف بمن رفع بعض البشر؛ كشمسان أو يوسف أو غيرهم ممن تعظم قبورهم، ويدعون ويستغاث بهم من دون الله إلى مرتبة رب السماوات والأرض! فمن فعل هذا فإنه يكون كافرًا من باب أولى.
ومن الوجوه التي يرد بها على هذه الشبهة؛ ما وقع في خلافة علي ﵁، من تحريقه للسبئية الذين ادعوا فيه الإلهية (١)؛ مع أنهم كانوا يشهدون أن لا إله إلا الله، ويدعون الإسلام، وهم من أصحاب علي، وتعلموا من الصحابة، وسموا بالسبئية؛ لأنهم أصحاب عبد الله بن سبأ، وهو الذي زين لهم هذا الباطل، فلما اعتقدوا في علي ﵁، ما يعتقده الضلال في هذا الزمان في يوسف وشمسان وتاج وغيرهم
стр. 83
من المعظمين والمعبودين في زمن الشيخ؛ حرقهم ﵁ وقال قولته المشهورة:
لما رأيت الأمر أمرًا منكرًا
أججت ناري ودعوت قنبرًا
وقد أجمع الصحابة على قتلهم وكفرهم، فهل يظن ظانٌّ أن الاعتقاد في تاج لا يضر، والاعتقاد في علي يوجب الكفر؟ هذا من أبطل الباطل، أم يظن أن الصحابة يكفرون المسلمين؟ وهذا أيضًا ظن سوء في أصحاب رسول الله ﷺ .
فعلم من هذا أن النطق بالشهادتين لا ينفع مع وجود ما يناقضها، فإذا حصل ما يناقضها حصلت الردة، وقد قال ﷺ : «لا يحل دم امرئٍ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة» (١)، وقال ﷺ «من بدل دينه فاقتلوه» (٢).
ومن الوجوه أيضًا في الرد على هذه الشبهة: أن بني عبيد القداح الذين ملكوا مصر والمغرب، بل والحجاز في خلافة بني العباس، واستمر ملكهم قريبًا من مائتي سنة؛ كانوا يشهدون شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ويصلون ويقيمون الجمعة والجماعة، فلما أظهروا مخالفة الشريعة، ومن ذلك ما يذكر عنهم أنهم كانوا يظهرون
стр. 84
الرفض، ويبطنون الكفر المحض، واعتقادهم في الحاكم العبيدي - أول ملوكهم - الإلهية، فكفرهم المسلمون، وعدوا ديارهم ديار حرب، وغزوهم حتى أنقذ الله بلاد المسلمين من أيديهم على يد صلاح الدين الأيوبي ﵀.
وقول الشيخ: «في أشياء دون ما نحن فيه» فيه نظر؛ فالقول بأنه دون ما عليه القبوريون الجهال ليس بظاهر؛ لأن بنو عبيد القداح ملاحدة من غلاة الروافض، والرافضة ثلاث طوائف على سبيل الإجمال: «غلاة وإمامية متوسطون، وزيدية».
ومن الوجوه في الرد على هذه الشبهة؛ أنه:
إذا كان الإنسان لا يكفر حتى يجمع بين الشرك والتكذيب بالقرآن والبعث والرسول؛ إذًا فما معنى الباب الذي ذكره أهل العلم في كل مذهب واسمه «باب حكم المرتد»؟ والمرتد هو من كفر بعد إسلامه؛ لأن الكافر نوعين: كافر أصلي، وهو من لم يدخل في الإسلام أصلًا، مثل اليهود والنصارى، وكافر مرتد: وهو الذي أسلم ثم ارتد، وهو أقبح من الكافر الأصلي؛ لأن الكافر الأصلي يمكن أن يقر على كفره بالجزية، ويمكن يعاهد. أما المرتد، فإنه لا يقبل منه إلا الإسلام أو يقتل.
وقد ذكر أهل العلم أقوال وأفعال كثيرة في موجبات الكفر وأسباب الردة؛ حتى ذكروا أشياء يسيرة؛ كمن يتكلم بكلمة لا يلقي لها بالًا يقولها على سبيل المزح فيكفر بذلك؛ كما قال تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ﴾ [التوبة: ٧٤]، وكذلك الذين قالوا:
стр. 85
﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُون (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَّعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِين (٦٦)﴾ [التوبة]، فأخبر سبحانه أنهم كفروا بعد ما آمنوا؛ وذلك بسبب ما كان منهم من استهزاء، وقد جاء في سبب نزول هذه الآية عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رجل في غزوة تبوك في مجلس: «ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطونًا ولا أكذب ألسنًا ولا أجبن عند اللقاء»، فقال رجل في المجلس: كذبت ولكنك منافق؛ لأخبرن رسول الله ﷺ ، فبلغ ذلك النبي ﷺ ، ونزل القرآن، قال عبد الله بن عمر: فأنا رأيته متعلقًا بحقب ناقة رسول الله ﷺ ، تنكبه الحجارة، وهو يقول: «يا رسول الله! إنما كنا نخوض ونلعب» ورسول الله ﷺ يقول: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُون (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة] (١)، ولا شك أن من نواقض الإسلام وأسباب الردة الاستهزاء بالله أو القرآن أو الرسول، ولو قال: أنا أمزح.
فإذا أتى الإنسان بناقض من نواقض الإسلام؛ عالمًا عامدًا مختارًا، فإنه يكفر ولو كان يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله. ومعنى كلام الشيخ أن الذين يدعون الصالحين ويستغيثون بهم ويعكفون على قبورهم؛ قد وقعوا في ناقض من نواقض شهادة أن لا إله إلا الله؛ ولذلك فلا ينفعهم أنهم ينطقون بلا إله إلا الله؛ لأن شهادة أن لا إله إلا الله تقتضي تخصيصه بالعبادة، فلا يرجى ولا يخاف، ولا يتوكل ولا يدعى إلا الله سبحانه.
стр. 86
لكن من قال كلمة الكفر سهوًا من غير شعور، أو لسبق لسان؛ كالذي قال: «اللهم أنت عبدي وأنا ربك» (١)، فأخطأ من شدة الفرح، هذا ليس كمن قالها عالمًا، وإن كان من غير اعتقاد؛ لكنه قالها عالمًا بمعناها، مختارًا متعمدًا.
فتأمل هذه الشبهة وهي قولهم: تكفرون من المسلمين أناسًا يشهدون أن لا إله إلا الله ويصلون ويصومون ثم تأمل جوابها فإنه أنفع ما في هذه الأوراق.
وقد ذكر الشيخ الشواهد من الأقوال الفقهية لأهل العلم في حكم المرتد، فالذي يعبد مع الله غيره، فيدعوهم ويستغيث بهم، ويتقرب إليهم؛ يصير مشركًا، ولو كان يقول لا إله إلا الله. والسبب أن هؤلاء كما تقدم في مطلع الكتاب لا يدركون ولا يفهمون معنى لا إله إلا الله، فلذلك يشركون مع الله، ويقولون: لا إله إلا الله، ويفعلون ما يناقض دلالتها ومقتضاها.
قوله: «ومن الدليل على ذلك أيضًا: ما حكى الله عن بني إسرائيل - مع إسلامهم وعلمهم وصلاحهم -؛ أنهم قالوا لموسى: ﴿اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف: ١٣٨]، وقول أناس من الصحابة: «اجعل لنا ذات أنواط»، فحلف رسول الله ﷺ ؛ أن هذا نظير قول بني إسرائيل: ﴿اجْعَل لَنَا إِلَهًا﴾ [الأعراف: ١٣٨] … ».
стр. 87
لما قال بنو إسرائيل لموسى ﵇: ﴿اجْعَل لَنَا إِلَهًا﴾ [الأعراف: ١٣٨]، فأنكر عليهم وأغلظ في الإنكار وقال: ﴿قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُون (١٣٨)﴾ [الأعراف]، وظاهر الحال أنهم لم يكفروا؛ لأنهم لم يفعلوا، ولو اتخذوا إلهًا وصنمًا كالذين رأوهم لكفروا، وليس المراد بالجهل هنا عدم العلم مطلقًا؛ لكن كل من فعل منكرًا فهو جاهل ويحتمل - والله أعلم - أنه يريد جهلهم وهو عدم العلم.
ولكن إذا حصل شيء من ذلك؛ أي: إذا طلب الإنسان أمرًا منكرًا محرمًا فإنه يبين له، وينكر عليه؛ خصوصًا ما يناقض التوحيد، فإذا تكلم فيه مسلم فإنه لا يكفر، لكن ينبغي أن يغلظ عليه لبيان عظم هذا الأمر، فإن موسى ﵇ قال لهم: ﴿إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُون (١٣٨)﴾ ﴿إِنَّ هَؤُلاء مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُون (١٣٩)﴾ ﴿قَالَ أَغَيْرَ اللّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِين (١٤٠)﴾ [الأعراف]، وكبر الرسول ﷺ ، وقال لأصحابه: «الله أكبر! إنها السنن، قلتم والذي نفسي بيده … »، وهذا فيه تغليظ في الإنكار.
* * * * * * *
стр. 88
* قال الشيخ ﵀:
ولكن للمشركين شبهة يدلون بها عند هذه القصة، وهي أنهم يقولون: إن بني إسرائيل لم يكفروا بذلك، وكذلك الذين قالوا للنبي ﷺ : اجعل لنا ذات أنواط؛ لم يكفروا.
فالجواب أن نقول: إن بني إسرائيل لم يفعلوا ذلك وكذلك الذين سألوا النبي ﷺ لم يفعلوا ذلك، ولا خلاف أن بني إسرائيل لو فعلوا ذلك لكفروا، وكذلك لا خلاف في أن الذين نهاهم النبي ﷺ لو لم يطيعوه واتخذوا ذات أنواط بعد نهيه؛ لكفروا، وهذا هو المطلوب.
ولكن هذه القصة تفيد: أن المسلم، بل العالِم، قد يقع في أنواع من الشرك لا يدري عنها، فتفيد التعلم والتحرز، ومعرفة أن قول الجاهل: «التوحيد فهمناه»: أن هذا من أكبر الجهل ومكائد الشيطان.
وتفيد أيضًا أن المسلم المجتهد إذا تكلم بكلام كفر - وهو لا يدري - فنبه على ذلك وتاب من ساعته أنه لا يكفر، كما فعل بنو إسرائيل، والذين سألوا رسول الله ﷺ .
وتفيد أيضًا: أنه ولو لم يكفر، فإنه يغلط عليه الكلام تغلّظًا شديدًا كما فعل رسول الله ﷺ .
وهذه شبهة للمشركين والخرافيين، وهي: أن بني إسرائيل لم يكفروا، وكذلك الذين سألوا النبي ﷺ .
стр. 89
والجواب أن يقال: إن بني إسرائيل لو فعلوا ذلك بعد ما نهاهم موسى ﵇، وأنكر عليهم؛ لكفروا، وكذلك الذين قالوا للنبي ﷺ : اجعل لنا ذات أنواط، لو لم يطيعوا الرسول ﵊، وفعلوا ما نهاهم عنه؛ لكفروا.
وقد ذكر الشيخ بعض فوائد هذه القصة، ومنها:
- أن المسلم - بل العالِم - قد يغلط، ويقع في نوع من الشرك وهو لا يدري، وهذا يوجب للمسلم العناية بمعرفة الدين؛ لا سيما التوحيد، فإن السبب الحامل لبني إسرائيل على قولهم ذلك، وكذلك من قال من الصحابة: «اجعل لنا ذات أنواط»؛ هو الجهل.
وبعض الجهال الآن يقول: لا نحتاج لدراسة التوحيد في كل مراحل التعليم المتوسط والثانوي والجامعة؛ فالعقيدة واضحة - ولله الحمد -، وهؤلاء يريدون الاكتفاء بما يدرس في الابتدائي، وهذا الاكتفاء غلط، فإن المسلم في حاجة إلى مزيد من العلم، والتفقه في الدين، وإذا جئنا للحقيقة، فهل ما يدرسه الإنسان في الابتدائي يكفيه؟!
إن الطالب في الابتدائي يدرس ما يدرسه تلقينًا من غير أن يفهم معاني ما يدرس، بل إن الإنسان - حتى وإن بلغ - فإنه لا يزال في حاجة إلى التفقه في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، ومعرفة ما يناقض أصول الدين.
- ومن الفوائد أيضًا أن من تكلم بكلام وهو كفر جاهلًا بحقيقته وبحكمه، ثم نُهِي عن ذلك فتاب؛ لم يضره فإن من تاب؛ تاب الله عليه.
стр. 90
- ومن فوائدها أيضًا: أن من تكلم بكلام هو كفر عن جهل وخطأ، فإنه ينكر عليه - وإن لم يكفر -، ويغلظ عليه؛ ليتبين قبح ما طلب، كما فعل موسى ﵊، وكما فعل النبي ﷺ .
* * * * * * *
стр. 91
* قال الشيخ ﵀:
وللمشركين شبهة أخرى، يقولون: إن النبي ﷺ أنكر على أسامة ﵁ قتل من قال: لا إله إلا الله، [وقال: «أقتلته بعدما قال: لا إله إلا الله» (١)، وكذلك قوله: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله» (٢)، وأحاديث أخر في الكف عمن قالها، ومراد هؤلاء الجهلة: أن من قالها لا يكفر ولا يقتل، ولو فعل ما فعل.
فيقال لهؤلاء المشركين الجهال: معلوم أن رسول الله ﷺ قاتل اليهود وسباهم، وهم يقولون: لا إله إلا الله، وأن أصحاب رسول الله ﷺ قاتلوا بني حنيفة، وهم يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ويصلون ويدعون الإسلام، وكذلك الذين حرقهم علي بن أبي طالب ﵁ بالنار، وهؤلاء الجهلة مقرون أن من أنكر البعث كفر وقتل، ولو قال: لا إله إلا الله، وأن من جحد شيئًا من أركان الإسلام كفر وقتل ولو قالها، فكيف لا تنفعه إذا جحد فرعًا من الفروع، وتنفعه إذا جحد التوحيد الذي هو أصل دين الرسل ورأسه؟! ولكن أعداء الله ما فهموا معنى الأحاديث.
فأما حديث أسامة ﵁ فإنه قتل رجلًا ادعى الإسلام بسبب أنه ظن أنه ما ادعى الإسلام إلا خوفًا على دمه وماله، والرجل إذا أظهر الإسلام وجب الكف عنه حتى يتبين منه ما يخالف ذلك، وأنزل الله تعالى في ذلك: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾ [النساء: ٩٤]؛
стр. 92
أي: تثبتوا، فالآية تدل على أنه يجب الكف عنه والتثبت، فإذا تبين منه بعد ذلك ما يخالف الإسلام قتل لقوله: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾، ولو كان لا يقتل إذا قالها لم يكن للتثبت معنى، وكذلك الحديث الآخر وأمثاله، معناه ما ذكرناه: أن من أظهر الإسلام والتوحيد وجب الكف عنه، إلى أن يتبين منه ما يناقض ذلك.
والدليل على هذا: أن رسول الله ﷺ الذي قال: «أقتلته بعد ما قال: لا إله إلا الله؟»، وقال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلى الله»، هو الذي قال في الخوارج: «أينما لقيتموهم فاقتلوهم» (١)، «لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عادٍ» (٢)، مع كونهم من أكثر الناس عبادة وتهليلًا وتسبيحًا، حتى إن الصحابة يحقرون صلاتهم عندهم، وهم تعلموا العلم من الصحابة فلم تنفعهم لا إله إلا الله، ولا كثرة العبادة، ولا ادعاء الإسلام لما ظهر منهم مخالفة الشريعة.
وكذلك ما ذكرناه من قتال اليهود، وقتال الصحابة ﵃ بني حنيفة، وكذلك أراد النبي ﷺ أن يغزو بني المصطلق لما أخبره رجل أنهم منعوا الزكاة، حتى أنزل الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦] وكان الرجل كاذبًا عليهم (٣).
وكل هذا يدل على أن مراد النبي ﷺ في الأحاديث التي يحتج بها ما ذكرناه.
стр. 93
هذه أيضًا شبهة من شبهات المشركين الذين يتعلقون بالصالحين، ويعبدونهم ويطوفون عند قبورهم، يقولون: إن الرسول ﷺ أنكر على أسامة عندما قتل الرجل الذي قال: لا إله إلا الله، وأغلظ عليه في ذلك، قائلًا له: «يا أسامة أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله؟ فكيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة؟»، وكذلك قال ﵊: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا أن لا إله إلا الله».
وهم بهذا الاستدلال يريدون أن من قال لا إله إلا الله لا يكفر؛ ولا يستوجب القتل، ولو قال ما قال، ولو فعل ما فعل، وعلى هذا فهو ما دام يقول: «لا إله إلا الله»، فإنه يجب الكف عنه.
وهذه الشبهة أطال الشيخ في الجواب عنها، وقد أجاد وأفاد، ونقض هذه الشبهة بما ذكره؛ من أن الرسول ﷺ قاتل اليهود وسباهم، وسبا نساءهم وذرياتهم، مع أنهم يقولون لا إله إلا الله؛ وذلك أنه لا يعرف عن اليهود الشرك الظاهر، وهم يقولون: لا إله إلا الله، ولكنهم كفروا بأشياء أخرى؛ كقتل الأنبياء، وتحريف الكتب، واتخاذهم لأحبارهم أربابًا، وكفروا أيضًا بتكذيب المسيح، وكفروا بتكذيب محمد ﷺ ، فلم ينفعهم أنهم يقولون: لا إله إلا الله، وكذلك قاتل الصحابة ﵃ بني حنيفة أتباع مسيلمة، وسبوا نساءهم وذراريهم مع أنهم يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ولكنهم أتوا بما يناقض الشهادتين،
стр. 94
وأقروا بنبوة مسيلمة، فلم ينفعهم النطق بالشهادتين، وكذا السبئية الذين حرقهم علي كانوا يظهرون الإسلام، ويقولون: لا إله إلا الله.
ولا شك أن هذه شبهة داحضة، وجوابها ظاهر، فدعوى أن من قال لا إله إلا الله؛ لا يكفر إذا سب الله، أو سب كتابه، أو سب رسوله ﵊، أو امتهن المصحف كما لو بال عليه، أو وسخه بنجاسة؛ دعوى باطلة، فحكمه الكفر ولو كان ينطق بالشهادتين، ولو كان يصلي ويصوم، ولو أقر بكل ما جاء به الرسول ﵊، فالنطق بالشهادتين لا يمنع من الكفر إذا وقع فيه المتكلم، أو أتى ناقضًا من نواقض الإسلام يوجب ردته.
وهؤلاء الذين يحتجون بهذه الشبهة متناقضون، فإنهم يقرون بأن من أنكر البعث كفر، ولو قال: لا إله إلا الله، وهذا حجة عليهم؛ فإذا علم أنه ليس كل من قال: لا إله إلا الله يكون معصوم الدم والمال، ولا كل من قالها لا يكون كافرًا؛ بل قد يكفر الإنسان بمكفر من المكفرات، وإن كان يقول: لا إله إلا الله.
وسبب ضلالهم وتعلقهم بهذه الشبهات: الجهل وعدم النظر والتدبر للأحاديث طلبًا للحق، وهكذا أصحاب الباطل لا بد أن يتناقضوا، وأقوال أهل الضلال متناقضة.
وكذا من أنكر وجوب الصلاة والزكاة، أو وجوب الصيام؛ فإنه يكفر عند هؤلاء ولو كان يقول: لا إله إلا الله، فكيف يكفر ويستوجب القتل من أنكر شيئًا من الفروع ولا يكفر من نقض التوحيد الذي هو الأصل؟!
стр. 95
ويراد بالفروع أركان الإسلام العملية؛ إذ يسميها بعض الفقهاء ب «الفروع»، ولكن التحقيق أنها أصول، حيث يقول ﷺ : «بني الإسلام على خمس» (١)، ويمكن أن تكون أحكامها التفصيلية فروعًا. أما نفس هذه الفرائض فهي أصول عملية من أصول الإسلام.
ويجاب عن قول النبي ﷺ لأسامة: «أقتلته بعد أن قال: لا إله إلا الله؟» بأن الذي قتله أسامة كان كافرًا، ولكنه تلفظ بالشهادتين، فكان الواجب أن يترك حتى يتبين أمره، فالكافر إذا أعلن الإسلام، وأقر بالشهادتين، فإنه يحكم له بالإسلام ويجب الكف عنه؛ فإن استقام على ذلك والتزم الفرائض؛ وإلا قُتِل مرتدًّا.
واستدل المؤلف بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾ [النساء: ٩٤]؛ ومعناه: تثبتوا، فدل ذلك على أن من أظهر الإسلام وجب الكف عنه، والتثبت في معرفة حقيقة دعواه، فإن تبين بعد ذلك منه ما يخالف ما أظهره من الإسلام قتل، ولو كان من قال: لا إله إلا الله لا يقتل مطلقًا إذا قالها؛ لم يكن للتثبت معنى، فيكون من أظهر الإسلام وجب الكف عنه، ولا يحتاج إلى التثبت والنظر في حاله.
وكذلك حديث النبي ﷺ : «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: أن لا إله إلا الله» يجاب عنه - كما سبق - بأن هذا في حق الكفَّار الأصليين إذا دعوا إلى الإسلام، وأعلنوا الشهادة، وجب الكف عنهم.
стр. 96
ويجاب عنهم أيضًا بأن النبي ﷺ أمر بقتل الخوارج، فقال: «فأينما لقيتموهم فاقتلوهم»، وقال: «لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد» مع أنهم أكثر الناس عبادة، حتى قال فيهم الرسول ﷺ : «يخرج فيكم قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، وصيامكم مع صيامهم، وعملكم مع عملهم، ويقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم» (١)، فالذي قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله»، وقال لأسامة: «أقتلته بعد ما قال: لا إله إلا الله؟» هو الذي قال في الخوارج ما سبق، فلا بد من الجمع بين هذه الأحاديث كلها دون الاقتصار على بعض دون بعض.
و الخوارج مختلف في حكمهم، ورجح كثير من أهل العلم أنهم ليسوا كفارًا مرتدين؛ لكنهم ضُلَّال (٢)، فهم من شر أهل الأهواء ﴿مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا﴾ [الروم: ٣٢].
ولا يلزم من الأمر بقتالهم كفرهم، فإن القتل له أسباب، فقد يقتل المسلم حدًا كما في الثيب الزاني، ويقتل قصاصًا، ويقتل لبغيه، ويقتل لكف شره، ويقتل لردته.
وخلاصة الرد على هذه الشبهة: أن الإنسان إذا قال: لا إله إلا الله وجب الكف عنه، فإذا أظهر ما يخالف الشريعة؛ وجب قتله كالخوارج مثلًا، ويؤيد هذا أن الرسول ﷺ أراد أن يغزو بني المصطلق لما بلغه أنهم منعوا الزكاة، وكان الذي أخبر بذلك قد كذب عليهم، فهم كانوا
стр. 97
يقولون: لا إله إلا الله، فلما بلغ النبي ﷺ ؛ أنهم منعوا الزكاة أراد قتالهم، فأنزل الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦].
وكذلك قاتل الصحابة ﵃ مانعي الزكاة، كل هذا وغيره يدل على بطلان هذه الشبهة، وقد أفاض الشيخ ﵀ في الرد على هذه الشبهة؛ لأنها من أقوى شبهاتهم.
* * * * * * *
стр. 98
* قال الشيخ ﵀:
ولهم شبهة أخرى وهو: ما ذكر النبي ﷺ ؛ أن الناس يوم القيامة يستغيثون بآدم ثم بنوح ثم بإبراهيم ثم بموسى ثم بعيسى؛ فكلهم يعتذرون حتى ينتهوا إلى رسول الله ﷺ (١).
قالوا: فهذا يدل على أن الاستغاثة بغير الله ليست شركًا.
والجواب أن تقول: سبحان من طبع على قلوب أعدائه:
١ - فإن الاستغاثة بالمخلوق فيما يقدر عليه لا ننكرها؛ كما قال تعالى في قصة موسى: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ [القصص: ١٥]، وكما يستغيث الإنسان بأصحابه في الحرب وغيره في أشياء يقدر عليها المخلوق.
٢ - ونحن أنكرنا استغاثة العبادة التي يفعلونها عند قبور الأولياء، أو في غيبتهم في الأشياء التي لا يقدر عليها إلا الله تعالى. إذا ثبت ذلك، فاستغاثتهم بالأنبياء يوم القيامة يريدون منهم أن يدعوا الله أن يحاسب الناس حتى يستريح أهل الجنة من كرب الموقف، وهذا جائز في الدنيا والآخرة؛ وذلك أن تأتي عند رجل صالح حي يجالسك، ويسمع كلامك، فتقول له: ادع الله لي، كما كان أصحاب رسول الله ﷺ يسألونه ذلك في حياته، وأما بعد موته، فحاشا وكلَّا
стр. 99
أنهم سألوه ذلك عند قبره؛ بل أنكر السلف الصالح على من قصد دعاء الله عند قبره، فكيف بدعائه نفسه؟!
ولهم شبهة أخرى، وهي: قصة إبراهيم ﵇ لما ألقي في النار؛ اعترض له جبريل في الهواء، فقال له: ألك حاجة؟ فقال إبراهيم ﵇: أما إليك فلا، قالوا: فلو كانت الاستغاثة بجبريل شركًا لم يعرضها على إبراهيم.
فالجواب: أن هذا من جنس الشبهة الأولى، فإن جبريل ﵇ عرض عليه أن ينفعه بأمر يقدر عليه، فإنه كما قال الله تعالى فيه: ﴿شَدِيدُ الْقُوَى (٥)﴾ [النجم]، فلو أذن الله له أن يأخذ نار إبراهيم وما حولها من الأرض والجبال ويلقيها في المشرق أو المغرب لفعل، ولو أمره الله أن يضع إبراهيم في مكان بعيد عنهم لفعل، ولو أمره أن يرفعه إلى السماء لفعل.
وهذا كرجل غني له مال كثير، يرى رجلًا محتاجًا، فيعرض عليه أن يقرضه أو يهبه شيئًا يقضي به حاجته، فيأبى ذلك الرجل المحتاج أن يأخذ ويصبر إلى أن يأتيه الله برزق لا منة فيه لأحد، فأين هذا من استغاثة العبادة والشرك لو كانوا يفقهون؟
يريد القبوريون الذين يستغيثون بالصالحين ويلجأون إليهم أن يستدلوا بهذه الشبهة على جواز الاستغاثة بالمخلوق، وهذه شبهة واهية ضعيفة؛ لأن الاستغاثة بالمخلوق الحي الحاضر بما يقدر عليه جائزة لا
стр. 100
ننكرها، وذلك مثل أن يستغيث الرجل بإخوانه عند الشدة في الحرب وغيرها، ومن ذلك ما تواترت به سنة النبي ﵊؛ من أن الناس يوم القيامة يشتد عليهم الموقف والكرب، فيقول بعضهم لبعض: اذهبوا إلى أبيكم آدم يشفع لنا عند ربنا أن يخرجنا من هذا الكرب، فيأتون آدم فيقولون له: أنت آدم الذي خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته، ويذكرون له من الفضائل؛ ألا ترى ما نحن فيه، اشفع لنا عند ربك، ادع الله أن يريحنا، أو كما جاء في الحديث، فيذكر أكله من الشجرة، ويذكر أن الله نهاه عن الأكل من الشجرة فأكل منها، ويقول: نفسي نفسي، وفي بعض الروايات يقول: إن ربي غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، اذهبوا إلى نوح، فيأتون نوحًا، فيذكرون له ذلك، فيعتذر ويذكر أنه دعا على قومه؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (٢٦)﴾ [نوح]، فيعتذر قائلاً: اذهبوا إلى إبراهيم، فيأتون إبراهيم فيعتذر أيضًا، ويقول نحو ما قاله من قبله، ويذكر كذباته الثلاث - وكلها في ذات الله -، ويقول: اذهبوا إلى موسى، فيأتون موسى فيعتذر ويقول: إني قتلت نفسًا لم أؤمر بقتلها، فيعتذر فيقول: اذهبوا إلى عيسى، فيأتون عيسى فيعتذر كذلك ولا يذكر ذنبًا، فيقول: إن ربي غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، اذهبوا إلى محمد عبد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال ﵊: «فيأتوني، فأنطلق فآتي ربي، فإذا
стр. 101
رأيته خررت له ساجدًا، فيتفتح علي بمحامد لا أتقنها الآن، فيقال: ارفع رأسك، وسل تُعط، واشفع تُشفَّع … » الحديث (١).
فالأنبياء يوم القيامة أحياء قادرون على الدعاء، واستغاثة الناس بهم هي استغاثة بالمخلوق فيما يقدر عليه، ومن جملة هذا النوع من الاستغاثة أيضًا استغاثة الإسرائيلي بموسى كما قال الله تعالى: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ [القصص: ١٥]، فإذا أتى الإنسان إلى من يتوسم فيه الخير، وسأله أن يدعو له؛ فلا بأس، وإن كان لا ينبغي التوسع كثيرًا في مثل هذا؛ لأن فيه سؤال الناس، وقد جاء النهي عن كثرة السؤال، والترغيب في عدم سؤال الناس. ولكن على كل حال، إذا طلب الدعاء من غيره، فهذا جائز وليس بشرك، وقد كان الصحابة يأتون إلى الرسول ﷺ ويسألونه الدعاء في الاستسقاء وفي غيره، كما قال الأعرابي فادع الله أن يغيثنا (٢)، فهذا سؤال إلى الرسول ﷺ أن يدعو لهم، وكما قال عكاشة: «ادع الله أن يجعلني منهم» (٣)، وقالت المرأة التي كانت تُصرع وتتكشف: «إني أصرع فادع الله أن يعافيني»، فقال: «إن شئتِ صبرتِ ولك الجنة»، فقالت: «أصبر، ولكن ادع الله أن لا أتكشف»، فطلبت الدعاء، وكذلك حديث الأعمى الذي طلب من الرسول ﷺ أن يدعو له أن يرد الله عليه بصره (٤).
стр. 102
والمنكر والممنوع هو الاستغاثة بالأموات والغائبين، فالاستغاثة بهم لا تجوز مطلقًا؛ لا فيما يقدر عليه المخلوق، ولا فيما لا يقدر عليه؛ لأن الميت لا يقدر على شيء.
ولما مات الرسول ﷺ لم يكن الصحابة ﵃ يأتون إلى قبره - وهو أفضل الخلق -، والصحابة أعلم الخلق بما يليق به ﷺ ، وبما لا يليق، وقد حصل لهم قحط شديد في السنة السابعة عشرة من الهجرة، فلم يأتوا إلى قبره ليستغيثوا به، بل استغاثوا بالله، وطلب عمر الفاروق ﵁ من العباس ﵁؛ أن يدعو الله (١)، فتبين بهذا الفرق بين الاستغاثة بالحي والميت.
فإذا ثبت أن الاستغاثة بالحي فيما يقدر عليه جائزة؛ تبين أن الاستغاثة بالأنبياء يوم القيامة من هذا النوع، فالناس إذ ذاك يريدون منهم أن يدعوا الله أن يحاسب الناس حتى يستريح أهل الجنة من كرب الموقف، وهذا جائز في الدنيا والآخرة، كما كان أصحاب رسول الله ﷺ يسألونه ذلك في حياته. أما بعد موته، فلم يحصل من ذلك شيء، بل ثبت عن السلف أنهم كانوا ينكرون على من يدعو الله عند قبره ﵊.
يقول الشيخ: «ولهم شبهة أخرى، وهي: قصة إبراهيم ﵇ لما ألقي في النار اعترض له جبريل في الهواء، فقال له: ألك حاجة؟ فقال إبراهيم ﵇: أما إليك فلا، قالوا: فلو كانت الاستغاثة بجبريل شركًا لم يعرضها على إبراهيم … » إلى آخره.
стр. 103
فهذه القصة من الإسرائيليات، وتذكر في كتب التفسير عند قوله تعالى: ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنتُمْ فَاعِلِين (٦٨)﴾ [الأنبياء]، وقوله تعالى: ﴿قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيم (٩٧)﴾ [الصافات]، فقوم إبراهيم المشركون كانوا قد أضرموا له نارًا عظيمة، ولم يستطيعوا أن يضعوه فيها من قرب؛ فجاءوا بالمنجنيق فوضعوه فيه، وقذفوا به إلى النار، فعرض جبريل ﵇ لإبراهيم في أثناء القذف، وهو في الهواء، فقال له: ألك حاجة؟ قال أما إليك فلا، وأما إلى الله فبلى، فيستدل المبطل: بأن هذا جبريل عرض على إبراهيم أن يغيثه، فلو كانت الاستغاثة شركًا لما عرض ذلك عليه.
والجواب على هذه الشبهة كالجواب على الشبهة السابقة، وهو أن استغاثة الناس بالأنبياء يوم القيامة استغاثة بحي قادر، وهكذا لو استغاث إبراهيم بجبريل، فإنها استغاثة بحي قادر، كيف وقد وصفه الله بأنه: ﴿شَدِيدُ الْقُوَى (٥)﴾ [النجم]، فلو أذن الله له أن يلقي نار إبراهيم وما حولها من الأرض والجبال في مكان بعيد؛ شرقًا أو غربًا، أو أذن له أن يأخذ إبراهيم إلى مكان بعيد، أو أن يرفعه إلى السماء؛ لفعل.
ويمثل الشيخ هذه القصة برجل غني له مال يعرض على فقير محتاج أن يسلفه، أو يعطيه هبة، فيأبى ذلك الفقير، ويصبر حتى يأذن الله له برزق لا منَّة فيه لأحد، فهكذا فعل إبراهيم ﵇، حيث أبى أن يفعل له جبريل شيئًا توكلًا منه على الله؛ ولهذا جاء في الصحيح عن ابن عباس ﵄؛ أنه قال في قول الله تعالى ﴿حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيل (١٧٣)﴾ [آل عمران]، قالها إبراهيم ﵇ حين ألقي في النار، وقالها
стр. 104
محمد ﷺ حين قالوا: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيل (١٧٣)﴾ [آل عمران] (١)، وهذا يتضمن التوكل على الله، والرضا بكفايته، وعدم الالتفات لسواه.
فقول إبراهيم لجبريل: أما إليك فلا، من باب التوكل على الله، وكمال الثقة بأن الله سينصر نبيه وخليله، قال الله تعالى: ﴿قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيم (٦٩)﴾ [الأنبياء]، فإنها أمام أعينهم نار ملتهبة من اتصل بها أحرقته، وهي على إبراهيم الذي كان بداخلها بردًا وسلامًا، ولم يأت الأمر ﴿كُونِي بَرْدًا﴾ فقط، ولو أمرها الله أن تكون بردًا لحالت إلى برد بالنسبة لكل أحد، ولكنه قيد الأمر، فقال: ﴿كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيم (٦٩)﴾.
يقول الشيخ في ختام هذا الكلام: «فأين هذا من استغاثة العبادة والشرك؟!» أي: أين الاستغاثة بالحي القادر من الاستغاثة بالأموات والغائبين؟ وهي الاستغاثة البدعية الشركية، والله أعلم.
* * * * * * *
стр. 105
* قال الشيخ ﵀:
ولنختم الكلام إن شاء الله تعالى بمسألة عظيمة مهمة تُفهم مما تقدم، ولكن نفرد لها الكلام؛ لعظم شأنها، ولكثرة الغلط فيها، فنقول:
لا خلاف أن التوحيد لا بد أن يكون بالقلب واللسان والعمل، فإن اختل شيء من هذا لم يكن الرجل مسلمًا.
فإن عرف التوحيد ولم يعمل به فهو كافر معاند؛ كفرعون وإبليس وأمثالهما.
وهذا يغلط فيه كثير من الناس، يقول: هذا حق، ونحن نفهم هذا، ونشهد أنه الحق؛ ولكنا لا نقدر أن نفعله ولا يجوز عند أهل بلدنا إلا من وافقهم، أو غير ذلك من الأعذار، ولم يدر المسكين أن غالب أئمة الكفر يعرفون الحق، ولم يتركوه إلا لشيء من الأعذار؛ كما قال تعالى: ﴿اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللّهِ ثَمَنًا قَلِيلاً فَصَدُّوا﴾ [التوبة: ٩] وغير ذلك من الآيات كقوله: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ﴾ [البقرة: ١٤٦].
فإن عمل بالتوحيد عملًا ظاهرًا، وهو لا يفهمه أو لا يعتقده بقلبه، فهو منافق، وهو شر من الكافر الخالص؛ [كما قال تعالى]: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء: ١٤٥].
وهذه المسألة مسألة كبيرة طويلة، تتبين لك إذا تأملتها في ألسنة الناس ترى من يعرف الحق ويترك العمل به لخوف نقص دنيا، أو جاه، أو مداراة لأحد.
стр. 106
وترى من يعمل به ظاهرًا لا باطنًا، فإذا سألته عما يعتقد بقلبه؛ إذا هو لا يعرفه، ولكن عليك بفهم آيتين من كتاب الله تعالى:
أولاهما: قوله تعالى: ﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إ﴾ [التوبة: ٦٦]، فإذا تحققت أن بعض الصحابة الذين غزوا الروم مع الرسول ﷺ كفروا بسبب كلمة قالوها على وجه المزح واللعب؛ تبين لك أن الذي يتكلم بالكفر أو يعمل به خوفًا من نقص مال أو جاه أو مداراة لأحد؛ أعظم ممن يتكلم بكلمة يمزح بها.
والآية الثانية: قوله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللّهِ مِنْ بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِن مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيم (١٠٦)﴾ ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الْدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ﴾ [النحل].
فلم يعذر الله من هؤلاء إلا من أكره مع كون قلبه مطمئنًا بالإيمان. وأما غير هذا، فقد كفر بعد إيمانه؛ سواء فعله خوفًا، أو مداراة لأحد، أو مشحة بوطنه أو أهله، أو عشيرته، أو ماله، أو فعله على وجه المزح، أو لغير ذلك من الأغراض إلا المكره، فالآية تدل على هذا من جهتين:
الأولى قوله: ﴿إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ﴾ [النحل: ١٠٦]، فلم يستثن الله تعالى إلا المكره، ومعلوم أن الإنسان لا يكره إلا على الكلام أو الفعل.
وأما عقيدة القلب، فلا يكره عليها أحد.
стр. 107
والثانية: قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الْدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ﴾ [النحل: ١٠٧]، فصرح أن هذا الكفر والعذاب لم يكن بسبب الاعتقاد أو الجهل أو البغض للدين أو محبة الكفر، وإنما سببه: أن له في ذلك حظًا من حظوظ الدنيا، فآثره على الدين، والله أعلم.
وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
ختم الشيخ هذه الرسالة بهذه المسألة التي هي بحق عظيمة، وكما ذكر الشيخ أنه أفردها لعظم شأنها، وكثرة الغلط فيها.
وقد قدم الشيخ لهذه المسألة بالقول: إن التوحيد لا بد أن يكون ظاهرًا وباطنًا بالقلب واللسان والجوارح، فمن عرفه بقلبه ولم يقر به ظاهرًا؛ فإنه كافر معاند كفرعون، وكثير من أمم الكفر يعرفون الحق ولكنهم يعاندون ويجحدون، فمثلًا فرعون قال: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِين (٢٣)﴾ [الشعراء]، وقال: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨]، فقال الله عن هذا التكبر والجحود: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤]. وقال تعالى عن موسى لما قال لفرعون: ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلاء إِلاَّ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِرَ﴾ [الإسراء: ١٠٢]، وقال تعالى عن أهل الكتاب اليهود: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ﴾ [البقرة: ١٤٦].
وقال تعالى: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللّهِ يَجْحَدُون (٣٣)﴾ [الأنعام]، يقولون: هو مجنون، هو
стр. 108
كاهن، وهم في قرارة أنفسهم يعلمون ويقرون أو يعتقدون أنك صادق تمامًا، وهذا واقع كثير من الكفار، فهم يقرون بالحق في قلوبهم، ويقرون به بألسنتهم؛ لكنهم يقولون إننا لا نقدر أن نعمل به من أجل قومنا وأهلينا وعشيرتنا، وهذا ينطبق على حال أبي طالب عم النبي ﷺ ، فإن أبا طالب كان مصدقًا بالرسول ﷺ ؛ ظاهرًا وباطنًا، إلا أنه لم يستجب ولم ينقد ولم يقر بما جاء به، فامتنع أن يقول: لا إله إلا الله إلى آخر رمق؛ تعصبًا لملة أبيه عبد المطلب، فلم ينفعه ذلك التصديق.
وهذه حال كثير من أهل الكفر، يعرفون الحق ولكنهم لا يعملون به ولا ينقادون له لعذر من الأعذار؛ إما تعصبًا للآباء، أو خوف المذمة عند قومهم وعشيرتهم، أو لأمر مادي؛ كما قال الله : ﴿اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللّهِ ثَمَنًا قَلِيلاً ف﴾ [التوبة: ٩].
فالناس بهذا الاعتبار ثلاثة أقسام:
الأول: مؤمنون ظاهرًا وباطنًا، ويدخل فيه جميع المؤمنين: الظالم لنفسه والمقتصد والسابق للخيرات.
والثاني: كافرٌ ظاهرًا وباطنًا، وهو المعلن للكفر، والمعلن للكفر كافر؛ لا ينفعه تصديقه الباطن أو معرفته الباطنة.
والثالث: مؤمن ظاهرًا لا باطنًا، وهم المنافقون.
وهذه الأقسام الثلاثة ذكرها الله في مواضع كما فصلها في أول سورة البقرة؛ ذكر صفات المؤمنين وصفات الكافرين، وصفات المنافقين.
стр. 109
فإن عمل بالإيمان بجوارحه وهو لا يعتقده بقلبه فهو منافق؛ لأن المنافقين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر؛ كما قال الله تعالى عنهم: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكْمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُون (١٤)﴾ [البقرة].
والمنافقون مصيرهم معروف، وأنهم شر من الكفار المظهرين المعلنين لكفرهم؛ ولهذا كان المنافقون ﴿فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء: ١٤٥].
وغلاة المرجئة يقولون: الإيمان هو المعرفة، فمن عرف بأن الله ربه وخالقه فهو مؤمن، ويقولون: لا يضر مع الإيمان ذنب، كما لا ينفع مع الكفر طاعة.
والكرامية يقولون: إن من أقر بلسانه فهو مؤمن.
وكل هذه أقوال باطلة، فإن التوحيد والإسلام والإيمان لا بد أن يتطابق فيه الظاهر والباطن.
والمسألة العظيمة التي يريد أن يتكلم الشيخ عنها هي مسألة «ما تقع به الردة عن الإسلام»، وقد تقدم أن الردة تقع بالشرك بالله، وبالتكذيب بما أخبر الله ورسوله، وإن كان الشخص يقول: «لا إله إلا الله».
وإذا تأمل الإنسان أحوال الناس وأقوالهم، فإنه يدرك أن منهم من يعمل بالحق ظاهرًا لا باطنًا؛ أي يوافق على الحق مداهنة، وهو بالباطن خلاف ذلك، ومنهم من يترك الحق، فيكون كفره ظاهرًا، فالأمر يتردد إما بين الكفر الظاهر، أو النفاق.
стр. 110
والنجاة تكون بمعرفة الحق واتباعه؛ ظاهرًا وباطنًا.
أما من ترك الحق إيثارًا لدنيا، أو لأغراض مختلفة؛ فإنه لا يعذر، ومما يوضح هذا الأمر النظر في آيتين:
الآية الأولى: قوله تعالى في المستهزئين: ﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٦]، فهذه الآية نزلت في الذين أطلقوا كلامًا على وجه المزح استهزاءً بالرسول ﷺ وأصحابه حيث قالوا: «ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء، أرغب بطونًا، وأكذب ألسنة، وأجبن عند اللقاء»، وفي الرواية أنهم يعنون رسول الله ﷺ ؛ فأنزل الله هذه الآية، وذهب عوف بن مالك يبلغ الرسول ﵊، فوجد الوحي قد سبقه، وجاء ذلك الرجل الذي أطلق الكلمة يعتذر إلى الرسول ﷺ ، وقد ركب الرسول ﷺ راحلته، فتعلق بنسعة الراحلة، فجعل يردد: «إنما كنا نخوض ونلعب، ونتحدث حديث الركب، نقطع به عناء الطريق»؛ فأنزل الله: ﴿أَبِاللّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُون (٦٥)﴾ ﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة] (١).
فإذا كان هؤلاء قد كفروا بعد إيمانهم؛ لأنهم تكلموا بكلام على وجه المزح فكيف بمن أظهر الكفر من أجل غرض من أغراض الدنيا، وخوفًا على فوت مصلحة من المصالح، أو مشحة بالوطن أو بالأهل والعشيرة؟! كمن يعز عليه فراق أهله وعشيرته، ويعز عليه مخالفتهم أيضًا كأبي طالب الذي ما منعه من قول «لا إله إلا الله» إلا المشحة بالآباء والخوف من مخالفتهم.