← Адаб

Адаб · id 1349

غرر الخصائص الواضحة

الوطواط

Полный текст (601 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

المقدمة بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي جعل اللسان عنوان عقل الانسان وآلة تظهر سر الجنان بفصيح العبارة وصريح البيان وصلاته وسلامه على سيدنا محمد المجتي من سرة عدنان المبعوث بجوامع الكلم الشاملة لأنواع البيان الباهرة بفصاحتها عقول ذوي الفطن والأذهان والمخصوص بمحاسن الشيم المتممة لمكارم الأخلاق ومزايا الاحسان والحائز في حلبات الاصطفاء قصبات الرهان وعلى آله وصحبه فروع شجرته الباسقة الأفنان وفراقد سماء رسالته أعيان السادات وسادات الأعيان صلاة وسلاماً دائمين ما دام طرف القلم مقاداً بعنان البنان وبعد فإني لما رأيت تغير معاني الأخلاق دالاً على تباين مباني الأعراق والنفوس تتفاوت في ميلها إلى أغراضها على حسب اختلاف جواهرها وأعراضها حداني غرض اختلج في سري وأمل اعتلج في صدري على أن أجمع كلاماً في المحامد والمذام المتخلقة بها نفوس الخواص والعوام وأجعله كتاباً يغني اللبيب عن الخليل والنديم ويخبر بالحديث والقديم فشمرت عن ساق الجد وحسرت عن ساعد الكد وعمدت إلى حسان الكتب المجموعة في ضروب الأدب فتصفحت مضمونها وتلمحت فنونها واستفتحت عيونها واستبحت أبكارها وعونها وجمعت في هذا الكتاب من زواهر أسدافها وجواهر أصدافها ملح فكاهات جلت عرائس المعاني في حلل موشاة وأظهرت نفائس المحاسن في أنواع من البراعة مغشاة وأزاهر بيان يغدو المتلفظ بها غايات ويروح المتحفظ بها صاحب آيات وجعلته شاملاً لمصايد شواردها ناهلاً من الفضائل أعذب مواردها محتوياً من إحراز الألفاظ على درر منظومة تستفتح النواظر بلمحات سلكها ومن أسرار المعاني على سرر مختومة تستروح الخواطر

стр. 2

بنفحات مسكها. أحاديث لو صيغت لألهت بحسنها عن الدر أو شمت لأغنت عن المسك وكسوته من الأخبار بزة رفيعة وأبدعت فيما أودعت فيه من الفكاهات الرائقة البديعة من نوادر مطربات وأبيات مهذبات هي للأوراق شموس مشرقات ولألئ أنوارها بارقات ألفاظها أرق من النسيم وأروق من التسنيم مفرد كما أزهرت روضات حسن وأثمرت ... فأضحت وعجم الطير فيها تغرّد وجنبته خرافات الأخبار ومطوّلات الأسمار لئلا تسأمه عند المطالعة النفوس ولئلا يكون ذكرها وضحاً في غرر الطروس وجعلته ستة عشر باباً تسفر عن وجه الابداع نقاباً وجعلتها متضادة لتضاد الأخلاق والشيم وتباين الأقدار والهمم كل باب يشتمل على ثلاثة فصول في ثلاثة معان تفك بلطائفها من أدهم الهم كل قلب عان وهذه الفصول قلائد أجناس فصلت بلآلئ أنواعها ومعاهد إيناس نصبت أشراك النفوس برباعها فجاءت فصولاً تعبر عن حسان فنونها ومعانيها وتغبر في وجه عائبها وشانيها وقدمت في أبواب المحامد فصلاً في مدائحها ليتنسم المتأمل عرف اليمن من فواتحها وأتبعته فصلاً ثانياً فيما ذكر عن المتخلقين بها من أزهار خمائل الأخبار وأبكار عقائل الأفكار الفائقة باختبارها درر الأمثال السائرة الرائقة في اختيارها فهي عن غرر المفاخر سافرة وعززت بثالث في ذم ما مدح من الأخلاق لسبب يطرأ عليها إذ البدر يطرأ عليه الخسوف والمحاق والشيء بالشيء يعرف فيذكر بعد ان كان يجهل وينكر فربما تجاذبت الأحاديث أذيالها فطلبت من المنمق أشكالها ولا غرو فالحديث كما يقال شجون وأحسنه ما جذل جده برقيق الهزل مقرون على أنني لم آل جهداً في إضافة كل شيء إلى ما يشاكله ويلائمه

стр. 3

ويضاهيه في المعنى ويساهمه مما يجري في هذا الاسلوب ولا يخرج عن المقصود والمطلوب ورتبت فصول أبواب المذام على العكس من أبواب المحامد والمآثر وأطلعت في دياجي مساويها من محاسن الملح الأنجم الزواهر ترتيباً لا يرتاب في جودته أريب وتقريباً يؤمن به من كل ما يريب فأبوابه على اختلافها بائتلافها في الحسن نظائر وبعضها لبعض ضرائر إن ازدهى الحسن باباً منها بتقسيمه ووصفه تنفس الآخر عن حسن ترصيعه وطيب عرفه مفرد ضدّان لما استجمعا حسناً ... والضدّ يظهر حسنه الضدّ وسددته جهدي رجاء أن يصيب صميم الآمال والأعراض وخوفاً أن تصرفه النفوس عند النقد بالصد عنه والاعراض ووسمته بغرر الخصائص الواضحة وعرر النقائص الفاضحة اسم يكون لحلة أدبه طرازاً معلماً وبمكنون أسراره معلناً ومعلماً إذ الكتاب لا يعلم ما في باطنه إلا من سمة عنوانه كما أن الانسان يعلم ما في قلبه من لفتات وجهه وفلتات لسانه وأنا راغب لمن وقف على هذا الكتاب من سراة الأعيان والكتاب القاطفي أزهار الآداب من جنان الخواطر العاطفي نفار الألباب في عنان النوادر أن لا يفوق لهدف الاختيار سهم الاختبار وأن يحدق إليه بصر الاعتقاد عند الانتقاد فأي جواد لا يكبو وأي مهند لا ينبو ومع هذا فإن لسان التقصير عن القيام بالعذر قصير والمصنف وإن استعان في تنقيح ما ألف بمالك وعقيل معرض لطاعن وحاسد إلا أن يتاح له عاذر ومقيل مفرد وإني لأرجو أن يفخم أمره ... من الناس حرّ شأنه الصفح والستر

стр. 4

والله أسأل أن يكسبه دلاً معشقاً يكون به لداء القلوب محظياً ويكسيه حسناً ورونقاً حتى يكون بعيون العقول مرعياً وللافهام مرضياً وبه أستعين على سبيل الرشاد فيما نحوت فهو المعين بهدايته لتحقيق ما رجوت ولما انتهى بنا جواد قريحتنا إلى غاية البيان عن المراد وحاز قصب السبق في مضمار النطق بالسداد رأينا صواباً أن نعقبه بذكر مقدمة في حض الانسان على الدأب في طلب المعالي ليظفر بالحظ الأوفر من الشرف المتعالي تكون أسالما قصدنا فيه التحرير والتحبير من الكشف عن ماهية الأخلاق وحقيقة معانيها وكيفية صورها ومبانيها بقول شاف وتلخيص كاف وهو مما اخترناه من كلام الحكماء الاعلام أولى البصائر والأحلام قالوا الخلق عادة للنفس يفعلها الانسان بلا روية وهي نوعان جميل محمود وقبيح مذموم والأخلاق المحمودة وإن كانت في بعض الناس غريزة فإن الباقين يمكن أن يصيروا إليها بالرياضة والألفة ويرتقوا إليها بالتدرب والعادة فإنهم وإن لم يكونوا على الخير مطبوعين صاروا به متطبعين والفرق بين الطبع والتطبع أن الطبع جاذب منفعل والتطبع مجذوب مفتعل تتفق نتائجهما مع التكلف ويفترق تأثيرهما مع الاسترسال وقد يكون في الناس من لا يقبل طبعه العادة الحسنة ولا الأخلاق الجميلة ونفسه مع ذلك تتشوف إلى المنقبة وتتأفف من المثلبة لكن سلطان طبعه يأباه عليه واستعصاؤه مع تكلف ما ندب إليه يختار العطل منها على التحلي ويستبدل الحزن على فواتها بالتسلي فلا ينفعه التأنيب ولا يردعه التأديب وسبب ذلك على ما قرره المتكلمون في الأخلاق أن طبع المطبوع أملك للنفس التي هي محله لاستيطانه إياها وكثرة إعانته لها والأدب طار على المحل غريب فيه قال الشاعر في ذلك إذا كان الطباع طباع سوء ... فليس بنافع أدب الأديب

стр. 5

وقال آخر ومن يبتدع ما ليس من خيم نفسه ... يدعه ويغلبه على النفس خيمها وأما الذي يجمع الفضائل والرذائل فهو والذي تكون نفسه الناطقة متوسطة الحال بين اللؤم والكرم وقد تكتسب الأخلاق من معاشرة الاخلاء فإن صلاحها من معاشرة الكرام وفسادها من مخالطة اللئام ورب طبع كريم أفسدته معاشرة الأشرار وطبع لئيم أصلحته مصاحبة الأخيار وقد ورد عن النبي ﷺ أنه قال يحشر المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل وقال علي ﵁ لولده الحسن الأخ رقعة في ثوبك فانظر بم ترقعه وقال بعض الحكماء في وصية لولده يا بني احذر مقارنة ذوي الطباع المرذولة لئلا يسرق طباعك من طباعهم وأنت لا تشعر ثم أنشد واصحب الأخيار وارغب فيهم ... ربّ من صاحبته مثل الجرب فإذا كان الخليل كريم الأخلاق حسن السيرة طاهر السريرة فبه في محاسن الشيم يقتدي وبنجم رشده في طرق المكارم يهتدي. وإذا كان سيء الأعمال خبيث الأقوال كان المعتبط به كذلك ومع ذلك فواجب على العاقل اللبيب والفطن الأريب أن يجهد نفسه حتى يحوز الكمال بتهذيب خلائقه ويكتسي حلل الجمال بدماثة شمائله وحميد طرائقه ويكد في الهواجر ويسهر الليالي إلى أن يرتقي شرفات المجد والمعالي فقد قيل من شمر عن ساق الجد وجد مفتاح الجد ومن كلام الثعالبي لا يحصل برد العيش الأبحر النصب ولله در الوزير أبي القاسم الحسين بن علي المغربي حيث قال سأعرض كل منزلة ... يعرض دونها العطب

стр. 6

فإن أسلم رجعت وقد ... ظفرت وأنجح الطلب وإن أعطب فلا عجب ... لكلّ منية سبب وقال عمرو بن العاصي المرء حيث يجعل نفسه إن رفعها ارتفعت وإن وضعها اتضعت وقال الشاعر وما الحرّ إلا حيث يجعل نفسه ... ففي صالح الأعمال نفسك فاجعل وقال بعض الحكماء النفس عروف غروف ونفور ألوف متى ردعتها ارتدعت ومتى حملتها حملت وإن أهملتها فسدت وقال الشاعر صبرت على اللذات حتى تولت ... وألزمت نفسي هجرها فاستمرّت وجرّعتها المكروه حتى تجرّدت ... ولو حملته جملة لاشمأزت وما النفس إلا حيث يجعلها الفتى ... فإن أطمعت تاقت وإلا تسلت وكانت على الآمال نفسي عزيزة ... فلما رأت عزمي على الترك ولت وقال آخر والنفس راغبة إذا رغبتها ... وإذا تردّ إلى قليل تقنع وقالوا الفخر بالنفس والأفعال لا بالأعمام والأخوال وقالوا الشرف بالهمم العالية لا بالرمم البالية وقال عامر بن الطفيل وإني وإن كنت ابن فارس عامر ... وفي السر منها والصريح المهذب فما سوّدتني عامر عن ورائه ... أبى الله أن أسمو بأمّ ولا أب ولكنني أحمي حماها وأتقي ... أذاها وأرمي من رماها بمقنب

стр. 7

وقال أبو الطيب المتنبي لا بقومي شرفت بل شرفوا بي ... وبجدّي فخرت لا بجدودي وقالوا كن عصامياً لا عظامياً ومعناه لا تفتخر بشرف آبائك ولكن بما يؤثر من أنبائك وعصام المشار إليه كان رجلاً سوقة ثم صار حاجباً للنعمان ابن المنذر فسئل عن سبب وصوله إلى هذه المنزلة العالية والرتبة الحالية فقال نفس عصام سودت عصاماً وعلمته الكر والاقداما وصيرته ملكاً هماماً وقالوا شرف الأعراق يحتاج إلى شرف الأخلاق ولا حمد لمن شرف نسبه وسخف أدبه يحكي في هذا أن رجلاً من بني هاشم تخطى رقاب الناس في مجلس أحمد بن أبي دواد فقال له أحمد يا بني الأدب ميراث الأشراف ولست أرى عندك من سلفك ميراثاً فاستحسن كلامه من حضر مجلسه شاعر وإذا افتخرت بأعظم مقبورة ... فالناس بين مكذب ومصدّق فأقم لنفسك في انتسابك شاهداً ... بحديث مجد للقديم محقق آخر إذا ما الحيّ عاش بذكر ميت ... فذاك الميت حيّ وهو ميت ومن يك بيته بيتاً رفيعاً ... وهدّمه فليس لذاك بيت ابن الرومي وما الحسب الموروث لا ذرّ ذرّه ... يفيد الفتى الابا خر مكتسب

стр. 8

فلا تتكل إلا على ما فعلته ... ولا تحسبنّ المجد يورث بالنسب وليس يسود المرء إلا بنفسه ... وإن عدّ آباء كراما ذوي حسب إذا المرء لم يثمر وإن كان شعبه ... من المثمرات اعتدّه الناس في الحطب وقال آخر يهجو رجلاً شريفاً من كان يعمر ما شادت أوائله ... فأنت تهدم ماشادوا وماسمكوا ما كان في الحق أن تأتي فعالهم ... وأنت تحوي من الميراث ما تركوا وقال آخر يزين الفتى أخلاقه ويشينه ... وتذكر أخلاق الفتى وهو لا يدري وقال أبو تمام حبيب بن أوس الطائي وإني رأيت الوسم في خلق الفتى ... هو الوسم لا ما كان في الشعر والجلد وقال أبو الطيب مقتفياً أثره ومصدقاً خبره وما الحسن في وجه الفتى شرفاً له ... إذا لم يكن في فعله والخلائق وقال بعض من له في الحكمة فصل المقال منبها على ما تدرك به رتبة الكمال الانسان التام من نزع عن نفسه ربقة المساوي والملاوم وبذ بمجده المساوي والمقاوم وهذا الحد قلما ينتهي إليه انسان وإذا انتهى الانسان إلى هذا كان بالملائكة أشبه منه بالناس لأن الانسان مضروب بأنواع الشر مستول عليه وعلى طبعه ضروب النقص والكمال وإن كان بعيداً لا ينال فإنه ممكن وذلك إن الانسان إذا صرف عزيمته وأعطى الاجتهاد حقه كان ممكناً وهو أن يكون راغباً بجميع مناقبه وخصائصه متيقظاً لصرف معايبه ونقائصه واردة طرائقه شرعة المكارم الصافية رافلة خلائقه في أبراد المحامد الضافية

стр. 9

مستعملاً كل فضيلة متجنباً كل رذيلة مجتهداً في بلوغ القصوى وقمع النفوس عما تحب وتهوى عاشقاً لصورة الجمال مستلذاً بمحاسن الخلال يرى الكمال دون محله والتمام أقل أوصافه ونبله فقد قيل قبيح بذي العقل أن يكون بهيمة وقد أمكنه أن يكون إنساناً أو إنساناً وقد أمكنه أن يكون ملكاً قال المتنبي ولم أر في عيوب الناس شيأ ... كنقص القادرين على التمام وقال علي بن مقلة وإذا رأيت فتى بأعلى قمة ... في شامخ من عزة المترفع قالت لي النفس العروف بفضلها ... ما كان أولاني بهذا الموضع والمنهج القويم الموصل إلى الثناء الجميل أن يستعمل الانسان فكره وتمييزه فيما ينتج عن الأخلاق المحمودة والمذمومة منه ومن غيره ومن أخذ نفسه بما استحسن منها واستملح وصرفها عما استهجن منها واستقبح فقد قيل له كفاك تهذيباً وتأديباً لنفسك ترك ما كرهه الناس من غيرك وقيل لعيسى ﵇ من أدبك قال ما أدبني أحد رأيت جهل الجاهل فتجنبته إذا أعجبتك خلال امرئ ... فكنه تكن مثل من يعجبك وليس على المجد والمكرمات ... إذا جئتها حاجب يحجبك وقالوا من نظر في عيوب الناس فأنكرها ثم رضيها لنفسه فذلك هو الأحمق بعينه لا تلم المرء على فعله ... فأنت منسوب إلى مثله من ذمّ شيأ وأتى مثله ... فإنما دل على جهله

стр. 10

ويقال الانسان يضارع الملك بقوة الفكر والتمييز ويضارع البهيمة بقوة الشهوة والغذاء فمن صرف همته إلى رتبة الفكر والتمييز حتى يرى بهما عاقبة فعله فحقيق أن يلحق بالملائكة فيسمى ملكاً لطهارة أخلاقه ومن صرف همته إلى رتبة القوة الشهوانية بإيثار اللذة البدنية يأكل كما تأكل الانعام فحقيق أن يلحق بالبهائم فيصير إما غمراً كثور أو شرهاً كخنزير أو ضرياً ككلب أو حقوداً كجمل أو متكبراً كنمر أو رواغاً كثعلب أو جامعاً لذلك كشيطان ولقد صدق من قال وإذا الفتى ساس الأمور بعلمه ... وأعين بالتأديب والتهذيب سمت الأمور به فيبرز سابقاً ... في كل حال مشهد ومغيب اللهم كما خلقت الانسان بقدرتك في أحسن تقويم وأعليته باختصاصك له ذروة التكريم وهديته بإرادتك نجدى الخير والشر وصرفته بقضائك في عناني النفع والضر روض اللهم جوامح نفوسنا إلى اقتفاء أثر الأكارم واقتناء ما يبعث على حمدها من صنوف المكارم وذد اللهم سوائم طباعنا عن مراتع الملاوم ومرابع ما يتوجه به علينا لوم اللوائم فإليك الخذلان والعون وبيدك أزمة المكان والكون وهذا أوان انشقاق كمائم هذا الكتاب عما أكنته من زهرات الآداب واهتصار أفنان فنونه الدانية القطاف المتسقة بأنواع التحف والألطاف الباب الأول في الكرم وفيه ثلاثة فصول الفصل الأول في وصف الأخلاق الحسان المتخلقة بها نفوس الأعيان الفصل الثاني في ذكر الصنائع والمآثر المفصحة عن أحساب الأكابر الفصل الثالث في ذم التخلق بالاحسان إذا لم يوافق القلب اللسان الباب الثاني في اللؤم وفيه ثلاثة فصول الفصل الأول في ذم من ليس له خلاق وما اتصف به من قبيح الأخلاق الفصل الثاني في ذكر الفعل والصنيع الدالين على لؤم الوضيع الفصل الثالث في أن من تخلق باللؤم انتفع وعلا على الكرام وارتفع

стр. 11

الباب الثالث في العقل وفيه ثلاثة فصول الفصل الأول في مدح العقل وفضله وشرف مكتسبه ونبله الفصل الثاني في ذكر أنواع الفعل الرشيد الدال على العقل المشيد الفصل الثالث في أن هفوات العقال لا يغضى عنها ولا تقال الباب الرابع في الحمق وفيه ثلاثة فصول الفصل الأول في ذم الجهالة والجنون وما اشتملا عليه من الفنون الفصل الثاني في ذكر النوادر الصادرة عن مجانين البادية والحاضرة الفصل الثالث في احتجاج الأريب المتحامق على أن الحمق أزكى الخلائق الباب الخامس في الفصاحة وفيه ثلاثة فصول الفصل الأول في أن الفصاحة والبيان أزين ما تحلت به الأعيان الفصل الثاني فيما يتحلى به ألباب الأدباء من بلاغات الكتاب والخطباء الفصل الثالث في أن معرفة حرفة الأدب مانعة من ترقى أعالي الرتب الباب السادس في العي وفيه ثلاثة فصول الفصل الأول فيما ورد عن ذوي النباهة في ذم العي والفهاهة الفصل الثاني فيمن قصر باع لسانه عن ترجمة ما في جنانه الفصل الثالث في أن اللسن المكثار لا يأمن آفة الزلل والعثار الباب السابع في الذكاء وفيه ثلاثة فصول الفصل الأول في مدح الفطن والأذهان المعظمة من قدر المهان الفصل الثاني في ذكر البداهة البديعة والأجوبة المفحمة السريعة الفصل الثالث فيمن سبق بذكائه وفطنته إلى ورود حياض منيته الباب الثامن في التغفل وفيه ثلاثة فصول الفصل الأول في ذم البلادة والتغفل من ذوي التعالي والتنزل الفصل الثاني فيمن تأخرت منه المعرفة ونوادر أخبارهم المستظرفة الفصل الثالث في أن أنواع التغفل والبله ستور على الأولياء مسبله الباب التاسع في السخاء وفيه ثلاثة فصول الفصل الأول من الباب الأول الفصل الأول في أن التبرع بالنائل من أشرف الخلال والشمائل الفصل الثاني في ذكر منح الأماجد الأجواد وملح الوافدين والقصاد الفصل الثالث في ذم السرف والتبذير إذ فعلهما من سوء التدبير الباب العاشر في البخل وفيه ثلاثة فصول الفصل الأول في ذم الامساك والشح وما فيهما من الشين والقبح الفصل الثاني فيما استملح من نوادر المبخلين من الأراذل والمبجلين الفصل الثالث في مدح القصد في الانفاق خوف التعيير بالاملاق الباب الحادي عشر في الشجاعة وفيه ثلاثة فصول الفصل الأول في مدح الشجاعة والبسالة وما فيهما من الرفعة والجلالة الفصل الثاني في ذكر ما وقع في الحروب من شدائد الأزمات والكروب الفصل الثالث في ذم التصدي للهلكة ممن لا يطيق بها ملكة الباب الثاني عشر في الجبن وفيه ثلاثة فصول الفصل الأول في أن خلتي الجبن والفرار مما يشير بني الأحرار الفصل الثاني فيمن جبن عند اللقاء خوف الموت ورجاء البقاء الفصل الثالث فيمن ليم على الفرار والأحجام فاعتذر بما ينفي عنه الملام الباب الثالث عشر في العفو وفيه ثلاثة فصول الفصل الأول في مدح من اتصف بالعفو عن الذنب المتعمد والسهو الفصل الثاني فيمن حلم عند الاقتدار وقبل من المسئ الاعتذار الفصل الثالث في ذم العفو عمن أساء وانتهك حرمات الرؤساء الباب الرابع عشر في الانتقام وفيه ثلاثة فصول الفصل الأول في التشفي والانتقام ممن أحضر قسراً في المقام الفصل الثاني في ذكر من ظفر فعاقب بأشد العقوبة ومن راقب الفصل الثالث في أن الانتقام لحدود الله خير فعلات من حكمه الله وولاه الباب الخامس عشر في الاخوة وفيه ثلاثة فصول الفصل الأول في مدح اتخاذ الاخوان فإنهم العدد والأعوان الفصل الثاني فيما يدين به أهل المحبة من شرائع العوائد المستحبة الفصل الثالث في ذم الثقيل والبغيض بما استحن من النثر والقريض الباب السادس عشر في العزلة وفيه ثلاثة فصول الفصل الأول في ذم الاستئناس بالناس لتلون الطباع وتنافي الأجناس الفصل الثاني فيما يحض على الوحدة والاعتزال من ذميم الخلائق والخلال الفصل الثالث فيما يختم به هذا الكتاب من دعاء نرجو أن يسمع ويجاب الباب الأول في الكرم وفيه ثلاثة فصول في وصف الأخلاق الحسان المتخلقة بها نفوس الأعيان قال الله تعالى ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم وقال رسول الله ﷺ ليس في الميزان شيء أثقل عند الله من الخلق الحسن وما حسن الله خلق رجل وخلقه فأدخله النار وقال علي كرم الله وجهه نعم الحسب الخلق الحسن وقال الحسن البصري سعة الأخلاق منحة من الله فإذا أراد الله بعبد خيراً منحه خلقاً حسناً وقال ﵊ من لانت كلمته وجبت محبته وحسنت احدوثته وظمئت القلوب إلى لقائه وتنافست في مودته وقالوا أحسن الشيم ما تشام منه بارقة الكرم وأوصى حكيم ولده فقال يا بني إن مكارم أخلاقك تدل على شرفك وطيب أعراقك سمع بعض الأعراب يقول لولده أبني إنّ البرّ شيء هين ... وجه طليق وكلام لين وفي بعض الكتب القديمة الأخلاق الصالحة ثمرات العقول الراجحة وقالوا من حسنت أخلاقه درت أرزاقه وقيل لبعض الأدباء متى يبلغ الرجل

стр. 12

ذروة الكمال قال إذا اتقى من خلقه وجاد بما رزقه واختار من القول أصدقه وحسن في كل الأحوال خلقه فذاك الذي أنهج إلى الكمال طرقه ويقال إن في التوراة يقول الله تعالى يا موسى ليكن وجهك بساماً وكلامك ليناً تكن أحب إلى الناس وإلي ممن يعطيهم الذهب والفضة وقال ابن الرومي له محيا جميل يستدلّ به ... على جميل وللبطنان ظهران وقلّ من أضمرت خيراً طويته ... إلا وفي وجهه للخير عنوان وما أصدق قول القائل وما اكتسب المحامد طالبوها ... بمثل البشر والوجه الطليق وفي بعض الآثار المروية عن ابن عباس أن موسى ﵇ قال يا رب أمهلت فرعون أربعمائة سنة يكذب رسلك ويجحد آياتك فأوحى الله إليه إنه كان حسن الخلق سهل الحجاب فأحببت أن أكافئه وعلى ذكر الحجاب وإن لم يكن من الباب كانت العرب تقول ما شيء أضيع للمملكة وأهلك للرعية من شدة الحجاب للولي ولا أهيب للرعية والعمال من سهولة الحجاب لأن الرعية إذا وثقت من الولاة بسهولة الحجاب أحجمت عن الظلم وإذا وثقت بشدة الحجاب تهجمت على الظلم وركب القوي الضعيف فخير خلال الولاة سهولة الحجاب وصف أخلاق أهل الوفاق فلان خلقه كنسيم الأسحار على صفحات الأنوار أخلاق قد جمعت الحرية أطرافها وفرشت المروأة أكنافها أخلاق تجمع الأهواء المتفرقة على محبته وتؤلف الآراء المشتتة في مودته أخلاق هي المسك لولا فأرته والورد

стр. 13

لولا مرارته والماء لولا إسراعه إلى الكدر والروض لولا حاجته إلى المطر قد جمع شرف الأخلاق إلى طيب الأعراق له خلق على الأيام يصفو ... كما رقت على الزمن العقار آخر خلق سهول المكرمات سهوله ... وتوعر الأيام من أوعاره إن لاح فهو الصبح في أنواره ... أو فاح فهو الروض في نوّاره المتنبي صفت مثل ما تصفو المدام خلاله ... ورقت كما رق النسيم شمائله آخر موفق لسبيل الرشد متبع ... يزينه كل ما يأتي ويجتنب تسمو إليه عيون كلما انفرجت ... للناس وجهة الأبواب والحجب له خلائق بيض لا يغيرها ... صرف الزمان كما لا يصدأ الذهب عيون من مكارم الأخلاق الدالة على طيب الأعراق قال رسول الله ﷺ بعثت لأتمم مكارم الأخلاق وهو ما أوصاه به ربه في قوله خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين فلما امتثل أمر ربه وناطقه بشغاف قلبه أثنى على فعله بقوله تنويهاً بفضله الجسيم وإنك لعلى خلق عظيم ولهذا قال ﵊ ألا أدلكم على خير أخلاق أهل الدنيا من وصل من قطعه وعفا عمن

стр. 14

ظلمه وأعطى من حرمه وقال الحسين بن مطير يفتخر أحب مكارم الأخلاق جهدي ... وأكره أن أعيب وإن أعابا وأصفح عن سباب الناس حلماً ... وشرّ الناس من يهوى السبابا ومن هاب الرجال تهيبوه ... ومن حقر الرجال فلن يهابا وقال الأحنف بن قيس واسمه الضحاك وقيل صخر لبنيه ألا أدلكم على المحمدة الخلق السحيح والكف عن القبيح وقال أكثم بن صيفي لولده يا بني ذللوا أخلاقكم للمطالب وقودوها على المحامد وعلموها المكارم ولا تقيموا على خلق تذمونه من غيركم وصلوا من رغب إليكم وتخلقوا بالجود يلبسكم المحبة ولا تعتقدوا البخل فتتعجلوا الفقر وقيل لحممة بن رافع الدوسي من أكرم الناس قال من إذا قرب منح وإذا بعد مدح وإذا ظلم صفح وإذا ضويق سمح وقالوا من الأخلاق التي تزين ولا تشين وتحض على المكرمات وتعين نشر البشر وترك الكبر ونصر الحر وسلامة الصدر وقال جعفر بن محمد الصادق خير السادة أرحبهم ذراعاً عند الضيق وأعدلهم حلماً عند الغضب وأبسطهم وجهاً عند المسئلة وأرحمهم قلباً إذا سلط وأكثرهم صفياً إذا قدر وقال عامر العدواني يا معشر عدوان الخير ألوف عروف وإنه لن يفارق صاحبه حتى يفارقه وإني لم أكن سيدكم حتى تعبدت لكم وقال يزيد بن المهلب استكثروا من الحمد فإن الذم قلما ينجو منه أحد ومن رغب في المكارم صبر على المكاره واجتنب المحارم ويقال المكارم موصولة بالمكاره فمن أراد مكرمة احتمل مكروهاً وقال أبو الشيص عشق المكارم فهو معتمد لها ... والمكرمات قليلة العشاق

стр. 15

وأقام سوقاً للثناء ولم يكن ... سوق الثناء يعدّ في الأسواق بث الصنائع في البلاد فأصبحت ... يجبي إليه مكارم الأخلاق وقال أبو الطيب المتنبي تلذ له المروأة وهي تؤذي ... ومن يعشق يلذ له الغرام ولله در القائل الحمد شهد لا يرى مشتاره ... يجنيه إلا من نقيع الحنظل غلّ لحامله ويحسبه امرؤ ... لم يوه عاتقه خفيف المحمل وقال علي بن الفضل لو قرب الدرّ على جلابه ... ما نجح الغائص في طلابه ولو أقام لازماً أصدافه ... لم تكن التيجان في حسابه ما لؤلؤ البحر ولا مرجانه ... إلا وراء الهول من عبابه من يعشق العلياء يلقى عندها ... ما لقى المحب من أحبابه وقال الشاعر دعيني أنل ما لا ينال من العلا ... فصعب العلا في الصعب والصعب في السهل تريدين إدراك المعالي رخيصة ... ولا بد دون الشهد من إبر النحل

стр. 16

وقال الأشعث بن قيس واسمه معد يكرب لقومه إنما أنا رجل منكم ليس لي فضل عليكم ولكني أبسط لكم وجهي وأبذل لكم مالي وأحفظ حريمكم وأقضي حقوقكم وأعود مريضكم وأشيع جنائزكم فمن فعل مثل هذا فهو مثلي ومن زاد عليه فهو خير مني ومن قصر عنه فأنا خير منه قيل له وما هذا قال أحضكم على مكارم الأخلاق من روائع عادات السادات ووشائع سادات العادات السخاء والنجدة والمروأة فالسخاء التبرع بالنائل قبل الحاف السائل والنجدة الذب عن الجار والاقدام عند الكريهة والمروأة حفظ الرجل دينه وإحراز نفسه عن الدنس إلى غير ذلك من الأخلاق الجميلة التي هي بالمدح كفيلة وسنذكر جملة منها فيما سيأتي وقبل أسباب السودد سبعة العقل والحلم والصيانة والصدق والعلم والسخاء وأداء الأمانة وأضيف إلى ذلك الصبر والتواضع والعفاف تلك عشرة كاملة هي لمحاسن الشيم شاملة وقال ابن عمر ما رأيت بعد رسول الله ﷺ في الصحابة أسود من معاوية فقيل له أهو خير من أبي بكر وعمر قال هما خير منه وهو أسود منهما لحلمه وجوده فأنا معشر قريش نعد الحلم والجود السودد ويحكي أن رجلاً رأى معاوية وهو صغير يلعب مع الصبيان فقال إني أظن هذا الغلام سيسود قومه قالت أمه هند ثكلته إن كان لا يسود إلا قومه وقيل السيد من أورى ناره وحمى معاره ومنع جاره وأدرك ثاره وقال النبي ﷺ اضمنوا لي ستاً أضمن لكم الجنة اصدقوا إذا حدثتم وأوفوا إذا وعدتم وأدوا الأمانة إذا ائتمنتم واحفظوا فروجكم وغضوا أبصاركم وكفوا أيديكم وذكر أن عبد الملك بن مروان دخل على معاوية وعنده عمرو بن العاص فسلم ثم جلس فلم يلبث أن قام قال معاوية ما أكمل مروأة هذا الفتى قال عمرو إنه أخذ بأخلاق أربعة وترك أخلاقاً أربعة أخذ بأحسن البشر إذا ألقى

стр. 17

وبأحسن الحديث إذا حدث وبأحسن الاستماع إذا حدث وبأيسر المؤنة إذا حولف وترك مزاح من لا يثق بعقله وترك مجالسة من لا يرجع إلى دينه وترك مخالطة لئام الناس وترك من الكلام كل ما يعتذر منه وقال هشام بن عبد الملك لخالد بن صفوان بم بلغ فيكم الأحنف ما بلغ قال إن شئت أخبرتك بخلة واحدة وإن شئت بخلتين وإن شئت بثلاث قال فما الخلة قال كان أقوى الناس على نفسه قال وما الخلتان قال كان موقي الشر ملقي الخير قيل فما الثلاث قال كان لا يحسد ولا يبخل ولا يبغي وقال رجل للأحنف بم سودك قومك وما أنت بأشرفهم بيتاً ولا بأصبحهم وجهاً ولا بأحسنهم خلقاً قال بخلاف ما فيك يا ابن أخي قال وما ذاك قال بتركي من أمرك ما لا يعنيني كما عناك من أمري ما لا يعنيك وقال عبد الملك لبنيه كلكم يترشح لهذا الأمر ولن يصلح له إلا من كان له سيف مسلول ومال مبذول ولسان معسول وعدل تطمئن إليه القلوب وأمن تستقر به في مضاجعها الجنوب وقيل لقيس بن عاصم المنقري بم سدت قومك قال ببذل القرى وترك المرا ونصرة المولى وروى علي ﵁ قال لما أتينا بسبايا طيء كانت في النساء جارية هيفاء سمراء كحلاء لمياء خميصة الخصر هضيمة الكشح مصقولة المتن فلما رأيتها أعجبت بها فلما تكلمت أنستني بمقالها ما رأيته من جمالها فكان من كلامها أن قالت يا محمد هلك الوالد وغاب الوافد فإن رأيت أن تمن علي وتخلي عني ولا تشمت بي أحياء العرب فإني ابنة سيد قومها إن أبى كان يحمي الذمار ويفك العاني ويشبع الجائع ويكسو العاري ويفشي السلام ولا يرد طالب حاجة أبداً فقال ﵊ من أبوها قالوا حاتم طيء فقال ﵊ لو كان أبوها مسلماً لترحمنا عليه خلواً عنها فإن أباها كان يحب مكارم الأخلاق ثم قال للمسلمين ما حازت أسنتها وحوته أعنتها غير التهيئة والابضاع فلو فعلوا لفعلت فقالوا يا رسول الله أمرنا لأمرك تبع فاصنع ما بدا لك فقال أعلى أصحابي وأهلك أعدائي وأبدل الأنصار بالمضاضة غضاضة وأطلقها رسول الله ﷺ فخرجت إلى أخيها عدي وكان بدومة الجندل فقالت إئت هذا

стр. 18

الرجل قبل أن تعلقك حبائله فإني رأيت هدياً ورأياً ستغلب به أهل الغلب رأيت خصالاً أعجبتني رأيته يحب الفقير ويفك الأسير ويرحم الصغير ويعرف حق الكبير وما رأيت أحداً أجود منه ولا أكرم ﷺ وقال معاوية لا ينبغي للملك أن يكون كذاباً ولا حديداً ولا بخيلاً ولا جباناً ولا حسوداً فإنه إن كان كذاباً ووعد بخير لم يرج أو أوعد بشر لم يخف وإن كان حديداً مع القدرة هلكت الرعية وإن كان بخيلاً لم يناصحه أحد ولا تصلح الولاية إلا بالمناصحة وإن كان جباناً اجترأ عليه عدوه وضاعت ثغوره فذل وإن كان حسوداً لم يشرف أحداً ولا يصلح الناس إلا بأشرافهم ويقال ليس للملك أن يغضب لأن القدرة من وراء حاجته وليس له أن يكذب لأن أحداً يسترده حديثاً ولا أحد يكرهه على ما يريد وليس له أن يكون حقوداً الآن خطره عظيم عن المجازاة وقال عبد الله بن طاهر لا ينبغي للملك أن يظلم وبه يستدفع الظلم ولا أن يعجل ومنه تلتمس الأناة ولا أن يبخل ومنه يتوقع الجود وقالوا ينبغي للملك أن يكون سخياً لا يبلغ التبذير وحافظاً لا يبلغ البخل وشجاعاً لا يبلغ التهور ومحترساً لا يبلغ الجبن وقائلاً لا يبلغ الهذر وصموتاً لا يبلغ الغي وحليماً لا يبلغ العجز وقال أسماء ابن خارجة لا أشاتم أحداً ولا أرد سائلاً فإنما هو كريم أسد خلته أو لئيم أستر عرضي منه وروى البيهقي في كتابه شعب الايمان بإسناده عن عائشة ﵂ أنها قالت قال رسول الله ﷺ مكارم الأخلاق عشرة تكون في الرجل ولا تكون في ابنه وتكون في الابن ولا تكون في أبيه وتكون في العبد ولا تكون في سيده يقسمها الله لمن شاء من عباده صدق الحديث وصدق البأس وأن لا يشبع وجاره وصاحبه جائعان وإعطاء السائل والمواساة بالنائل والمكافأة بالصنائع وحفظ الأمانة وصلة الرحم والتذمم للجار وقرى الضيف ورأسهن الحياء ومن أخلاقهم صون الوجه بقناع الحياء وعقل اللسان عن اللجاج والمراء الحياء دليل الدين الصحيح وشاهد الفضل الصريح وسمة الصلاح الشامل وعنوان الفلاح الكامل من كان فيه نظم قلائد المحامد ونسق وجمع من خلال الكمال ما افترق قال رسول الله ﷺ إن لكل شيء خلقاً وخلق هذا الدين الحياء وقال رسول الله ﷺ الحياء من الايمان والايمان في الجنة وقال الحياء لا يأتي إلا بخير وقال رسول الله ﷺ استحيوا من الله حق الحياء قيل كيف ذلك يا رسول الله قال من حفظ الرأس وما وعى والبطن وما حوى وذكر الموت والبلا وترك زينة الحياة الدنيا وآثر الآخرة على الأولى فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء فالحياء اسم جامع يدخل فيه الحياء من الله تعالى لأن ذمه فوق كل ذم ومدحه فوق كل مدح وقال يزيد ابن علي إني لأستحيي من الله تعالى أن أفضي إليه بشيء أخفيه من غيره والحياء من الناس يكون بكف الأذى وترك المجاهرة بالقبيح ويروي عن النبي ﷺ إنه قال من تقوى الله اتقاء الناس وقيل هو أن يستحيي منهم في سره كما يستحيي منهم في جهره وقيل من المروأة أن لا تعمل شيأ في السر يستحيا منه في العلانية وكان يقال أحيوا الحياء بمجالسة من يستحيا منه وقال النبي ﷺ لأبي عليك بالحياء والأنفة فإنك إن استحييت من الغضاضة اجتنبت الخساسة وأما استحياء الرجل من نفسه فهو أن لا يأتي في الخلاء إلا ما يأتي في الملا وكان رسول الله ﷺ أشد حياء من العذراء في خدرها وكان إذا كره شيأ عرفناه في وجهه وكان عثمان بن عفان قد خص من الحياء بأجل السهام ومنح منه بأوفر الأقسام وشهد له رسول الله ﷺ بأنه تستحيي منه الملائكة الكرام قال الامام مالك ﵁ إنه أول من ضرب الأبنية في السفر وقالوا من لا يستحيي من نفسه فجدير أن لا يستحيي من غيره وقالوا في حده الحياء التوقي من فعل المساوي خوف الذم ويقال الحياء خوف المستحيي من تقصير يقع به من غير من هو أفضل منه وقال عمرو بن بحر الجاحظ الحياء لباس سابغ وحجاب واق وستر من العيب وأخو العفان وحليف الدين ورقيب من العصمة وعين كالئة تذود عن الفحشاء وتنهى عن ارتكاب الأرجاس وسبب إلى كل جميل وقالوا من عفت أطرافه حسنت أوصافه ويقال لا ترض قول امرئ حتى ترضي فعله ولا ترض فعله حتى ترض عقله ولا ترض عقله حتى ترضي حياءه فإن ابن آدم مجبول على أشياء من كرم ولؤم فإذا قوى الحياء قوى الكرم وإذا ضعف الحياء قوى اللؤم وقال بشار بن برديس له أن يكون حقوداً الآن خطره عظيم عن المجازاة وقال عبد الله بن طاهر لا ينبغي للملك أن يظلم وبه يستدفع الظلم ولا أن يعجل ومنه تلتمس الأناة ولا أن يبخل ومنه يتوقع الجود وقالوا ينبغي للملك أن يكون سخياً لا يبلغ التبذير وحافظاً لا يبلغ البخل وشجاعاً لا يبلغ التهور ومحترساً لا يبلغ الجبن وقائلاً لا يبلغ الهذر وصموتاً لا يبلغ الغي وحليماً لا يبلغ العجز وقال أسماء ابن خارجة لا أشاتم أحداً ولا أرد سائلاً فإنما هو كريم أسد خلته أو لئيم أستر عرضي منه وروى البيهقي في كتابه شعب الايمان بإسناده عن عائشة ﵂ أنها قالت قال رسول الله ﷺ مكارم الأخلاق عشرة تكون في الرجل ولا تكون في ابنه وتكون في الابن ولا تكون في أبيه وتكون في العبد ولا تكون في سيده يقسمها الله لمن شاء من عباده صدق الحديث وصدق البأس وأن لا يشبع وجاره وصاحبه جائعان وإعطاء السائل والمواساة بالنائل والمكافأة بالصنائع وحفظ الأمانة وصلة الرحم والتذمم للجار وقرى الضيف ورأسهن الحياء ومن أخلاقهم صون الوجه بقناع الحياء وعقل اللسان عن اللجاج والمراء الحياء دليل الدين الصحيح وشاهد الفضل الصريح وسمة الصلاح الشامل وعنوان الفلاح الكامل من كان فيه نظم قلائد المحامد ونسق وجمع من خلال الكمال ما افترق

стр. 19

قال رسول الله ﷺ إن لكل شيء خلقاً وخلق هذا الدين الحياء وقال رسول الله ﷺ الحياء من الايمان والايمان في الجنة وقال الحياء لا يأتي إلا بخير وقال رسول الله ﷺ استحيوا من الله حق الحياء قيل كيف ذلك يا رسول الله قال من حفظ الرأس وما وعى والبطن وما حوى وذكر الموت والبلا وترك زينة الحياة الدنيا وآثر الآخرة على الأولى فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء فالحياء اسم جامع يدخل فيه الحياء من الله تعالى لأن ذمه فوق كل ذم ومدحه فوق كل مدح وقال يزيد ابن علي إني لأستحيي من الله تعالى أن أفضي إليه بشيء أخفيه من غيره والحياء من الناس يكون بكف الأذى وترك المجاهرة بالقبيح ويروي عن النبي ﷺ إنه قال من تقوى الله اتقاء الناس وقيل هو أن يستحيي منهم في سره كما يستحيي منهم في جهره وقيل من المروأة أن لا تعمل شيأ في السر يستحيا منه في العلانية وكان يقال أحيوا الحياء بمجالسة من يستحيا منه وقال النبي ﷺ لأبي عليك بالحياء والأنفة فإنك إن استحييت من الغضاضة اجتنبت الخساسة وأما استحياء الرجل من نفسه فهو أن لا يأتي في الخلاء إلا ما يأتي في الملا وكان رسول الله ﷺ أشد حياء من العذراء في خدرها وكان إذا كره شيأ عرفناه في وجهه وكان عثمان بن عفان قد خص من الحياء بأجل السهام ومنح منه بأوفر الأقسام وشهد له رسول الله ﷺ بأنه تستحيي منه الملائكة الكرام قال الامام مالك ﵁ إنه أول من ضرب الأبنية في السفر وقالوا من لا يستحيي من نفسه فجدير أن لا يستحيي من غيره وقالوا في حده الحياء التوقي من فعل المساوي خوف الذم ويقال الحياء خوف المستحيي من تقصير يقع به من غي

стр. 20

ر من هو أفضل منه وقال عمرو بن بحر الجاحظ الحياء لباس سابغ وحجاب واق وستر من العيب وأخو العفان وحليف الدين ورقيب من العصمة وعين كالئة تذود عن الفحشاء وتنهى عن ارتكاب الأرجاس وسبب إلى كل جميل وقالوا من عفت أطرافه حسنت أوصافه ويقال لا ترض قول امرئ حتى ترضي فعله ولا ترض فعله حتى ترض عقله ولا ترض عقله حتى ترضي حياءه فإن ابن آدم مجبول على أشياء من كرم ولؤم فإذا قوى الحياء قوى الكرم وإذا ضعف الحياء قوى اللؤم وقال بشار بن برد وأعرض عن مطاعم قد أراها ... فاتركها وفي بطني انطواء فلا وأبيك ما في العيش خير ... ولا الدنيا إذا ذهب الحياء وقال بعض الأعفاء ورب قبيحة ما حال بيني ... وبين ركوبها إلا الحياء فكان هو الدواء لها ولكن ... إذا ذهب الحياء فلا دواء وقالوا لا يزال الوجه كريماً ما دام حياؤه ولم يرق باللجاج ماؤه وقالوا حياة الوجه بحياته كما أن حياة الغرس بمائه وقال ابن المعتز في كتاب الأدب من كساه الأدب ثوبه ستر عن الناس عيبه وقالوا فلان يتحدر من أسارير وجهه ماء الحياء وينير لألاء غرته حنادس الظلماء وقال الفرزدق في علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهم يغضي حياء ويغضي من مهابته ... فلا يكلم إلا حين يبتسم ليلى الأخيلية في توبة الحميري ومخرق عنه القميص تخاله ... وسط البيوت من الحياء سقيما حتى إذا رفع اللثام رأيته ... تحت اللواء على الخميس زعيما

стр. 21

ولابن المعتز ويظل صباغ الحياء بخدّه ... تعباً يصفر تارة ويورّد وقال آخر كريم وغض الطرف بعض صفاته ... ويدنو وأطراف الرماح دوان جوامع ممادح الأخلاق والشيم المتحلية بها ذوو الأصالة والكرم مدح أعرابي رجلاً فقال كان والله تعب في المكارم غير ضال في طرقها ولا متشاغل بغيرها عنها وقال آخر فلان لو وجد الكرم في يد غيره لعلم أنه ضالة له ومدح أعرابي رجلاً فقال كان والله صحيح النسب محكم الأدب من أي أقطاره أتيته انثنى إليك بكرم فعال وحسن مقال وذكر أعرابي رجلاً فقال كان الألسن والقلوب ريضت له فلا تنعقد إلا على وده ولا تنطق إلا بثنائه وحمده وقالوا فلان من شجر لا يختلف ثمره ومن ماء لا يأتلف كدره وسأل يحيى بن خالد رجلاً عن أبيه الفضل فقال تركته وماء الحياء يتحدر من أسارير وجهه وسيول الجود سائلة من فروج أنامله ولآلئ العلم منتثرة من مسارب منطقه نظم هذه الكلمات إبراهيم بن هلال الصابي في أبيات يمدح بها الوزير المهلبي له يد برعت جوداً بنائلها ... ومنطق درّه في الطرس منتثر فحاتم كامن في بطن راحته ... وفي أناملها سحبان مستتر وقال زرعة بن سنان مادحاً مآثره غرّو أيامه زهر ... وطلعته بدر وراحته بحر

стр. 22

وهذا غاية في التقسيم وقال ديك الجن يفتخر بمثل ذلك إن العلا شيمي والبأس من نقمي ... والمجد خلط دمي والصدق حشو فمي وقال النمر بن نوار مفتخراً لا يعلم اللامعات اللائحات ضحى ... ما تحت كشحي ولا يعلمن أسراري ولا أخون ابن عمي في حليلته ... ولا البعيد نأى عني ولا جاري وقال آخر يفتخر بنفسه وكان دميم الخلق أي قصيراً ألم تعلمي يا عمرك الله إنني ... كريم على حين الكرام قليل إذا كنت في القوم الطوال فضلتهم ... بعارفة حتى يقال طويل فإن لم يكن جسمي طويلاً فإنني ... له بالفعال الصالحات وصول وقال ابن حبيب المهمي إذا ما رفيقي لم يكن خلف ناقتي ... له مركب فضل فلا حملت رحلي ولم يك من زادي له نصف مزودي ... فلا كنت ذا زاد ولا كنت ذا رحل شريكين فيما نحن فيه وقد أرى ... عليّ له فضلاً بما نال من فضلي آخر وما أنا بالساعي بفضل زمامها ... لتشرب ماء الحوض قبل الركائب وما أنا بالطاوي حقيبة رحلها ... لأبعثها خفاً وأترك صاحبي إذا كنت رباً للقلوص فلا تدر ... رفيقك يمشي خلفها غير راكب أنخها وأدرفه فإن حملتكما ... فذاك وإن كان العقاب فعاقب

стр. 23

وقال ملك بن نويرة الفزاري لا يبعد الله قوماً إن سألتهم ... اعطوا وإن قلت يا قوم انصروا نصروا وإن أصابتهم نعماء سابغة ... لم يبطروها وإن فاتتهم صبروا والكاسرون عظاماً لا جبار لها ... والجابرون عظاماً ليس تنكسر وقال مروان بن أبي حفيصة يمدح آل معن بن زائدة من أبيات هم القوم إن قالوا أصابوا وإن دعوا ... أجابوا وإن أعطوا أطابوا وأجزلوا ولا يستطيع الفاعلون فعالهم ... ولو أحسنوا في النائبات وأجملوا الأسباب المانعة من السيادة سبعة الحداثة والبخل والزنا والظلم والحمق والفقر والكذب واعتبرت هذه الأسباب فوجدتها قد تفرقت في الأعيان الأماثل والسرات الأفاضل أما الحداثة فقد ساد أبو جهل وماطر شاربه ودخل دار الندوة وما استوت لحيته وأما البخل فقد ساد أبو سفيان وكان أبخل من نار الحباحب وقيل من أبي حباحب وأما الزنا فقد ساد عامر بن الطفيل وكان أزنى من قرد وأما الظلم فقد ساد كليب بن وائل وكان أظلم من حية وأما الحمق فقد ساد عيينة بن حصن وكان أظلم من دغة وأما الفقر فقد ساد أبو طالب وعتبة ابن ربيعة وكانا أفلس من ابن المذلق ولا يعرف في العرب والعجم كذاب ساد قط إلا المهلب بن أبي صفرة فإنه كان أكذب من فاختة وكان إذا أخذ في الحديث يقول أصحابه راح يكذب

стр. 24

شرح ما ذكر من الأمثال الواقعة في هذا المثال أما سيادة أبي جهل ودخوله دار الندوة فكانت دار الندوة نادي سادات قريش لا يدخلها إلا مسود وأما قولهم أبخل من أبي حباحب على أحد الروايتين فهو رجل من العرب كان لبخله يوقد ناراً ضعيفة فإذا أبصرها مستضئ أطفأها وعلى الرواية الأخرى فهي النار التي تقدحها الخيل بحوافرها وتوصف بالبخل لقلتها وعدم الانتفاع بها وأما قولهم أزنى من قرد فهو قرد بن عمرو بن معاوية الهذلي وقيل هو الحيوان المعروف وأما قولهم أظلم من حية فلأنها لا تتخذ لنفسها بيتاً بل كل حجر أمته هرب أهله منه وتركوه لها وأما قولهم أحمق من دغة فإنها مارية بنت مغنج وهو ربيعة ابن عجل ومن حمقها إنها تزوجت وهي صغيرة في بني العنبر بن تميم فحملت فلما أضر بها المخاض ظنت أنها تريد الخلاء فبرزت إلى بعض الغيطان فوضعت فاستهل الوليد فانصرفت إلى الرحل تظن أنها أحدثت فقالت لضرتها يا هنتاه أيفغر الجعرفاه قالت نعم ويدعو أباه ثم مضت الضرة وأخذت الولد إليها وربته وبنو العنبر يعيرون بذلك ويعرفون ببني الجعراء وأما قولهم أفقر من ابن المذلق فهو رجل من بني عبد شمس بن سعد بن زيد مناة لم يكن يجد بيته ليلة وأبوه وأجداده يعرفون بالافلاس وفي أبيه يقول الشاعر فإنك إن ترجو تميماً ونفعها ... كراجي الندى والعرف عند المذلق ويروى بالدال المهملة وأما قولهم أكذب من فاختة فلان حكاية صوتها هذا زمان الرطب تقول ذلك والطلع لم يطلع قال بعضهم أكذب من فاختة ... تصيح عند الكرب والنخل غير مطلع ... هذا أوان الرطب

стр. 25

وقالوا عشر خصال في أناس أقبح منها في غيرهم الفسق في الملوك والكذب في القضاة والخديعة في العلماء والغضب في الأبرار والغدر في الأشراف والسفه في الشيوخ والمرض في الأطباء والتهزي في الفقراء والشح في الأغنياء والفخر في الأعزاء الفصل الثاني من الباب الأول في ذكر الصنائع والمآثر المفصحة عن أحساب الأكابر قال خالد بن صفوان كان الأحنف بن قيس يفر من الشرف والشرف يتبعه لما تولى عبد الله بن طاهر بن الحسين خراسان بعد موت أبيه من قبل الواثق دخل عليه عبد الله بن خليد بن سعد المعروف بأبي العميثل بقصيدة يمدحه فيها ويهنئه بالولاية فجاء منها قوله يا من يؤمّل أن تكون خصاله ... كخصال عبد الله أنصت واسمع اصدق وعفّ وبرّ وأنصف واحتمل ... واكفف وكاف ودار واحلم واشجع والطف ولن واشتدّ وارفق واتئد ... واحزم وجدّ وحام واحمل وادفع فلقد نصحتك إن قبلت نصيحتي ... وهديت للنهج الأسدّ المهيع آخر إن كنت ترغب في شأو الكرام فسر ... في الناس بالفضل والدين الذي شرعوا حافظ إذا غدروا واشجع إذا جبنوا ... واحلم إذا جهلوا وابذل إذا منعوا فمن مآثر ذوي الكرم في النجار الذب عن النزيل وحفظ الجار كما قيل الكريم يرعى حق اللحظ ويتعهد حرمة اللفظ وقالوا وجه الكريم جنة وكنفه جنة كان بعض الهاشميين إذا نزل به جار قال له يا هذا إنك قد

стр. 26

اخترتني جاراً واخترت داري داراً فجناية يدك علي دونك فاحتكم علي حكم الصبي على أهله وهذا مثل تضربه العرب في التزام ما يحكم به عليها وذلك أن الصبي إذا كان عزيزاً في أهله حمله الدلال على طلب ما يستحيل وجوده ويصعب مرامه فهم أبداً يسعون في تحصيل أغراضه وآرابه ليظفروا برضاه ويقدموه على أترابه وكان حارثة بن مر يسمى مجير الجراد وذلك أنه نزل بفنائه جراد فغدا أهل الحي إليه ليدفعوه عنهم فمنعهم منه وقال لهم ما تريدون منه قالوا نريد قتله فإنه نزل بجوارك فقال أما إذ سميتموه جاري فوالله لا تصلون إليه أبداً وطردهم عنه وكان ثور بن شحمة العنبري يسمى مجير الطير فكانت الطير لا تصاد بأرضه ولا تضار وحكى أن زياداً الأعجم وفد على المهلب فأكرمه وأنزله على أبيه فجلسا يوماً يشربان في بستان فغنت حمامة على فنن فطرب لها زياد فقال له حبيب إنها فاقدة ألف كنت أراه معها فقال زياد هو اشد لشوقها ثم أنشد تغني أنت في ذممي وعهدي ... وذمّة والدي أن لا تضاري وعشك أصلحيه ولا تخافي ... على زغب مصغرة صغار فإنك كلما غنيت صوتاً ... ذكرت أحبتي وذكرت داري فأمّا يقتلوك طلبت ثأراً ... لأنك يا حمامة في جواري فضحك حبيب ثم قال يا غلام هلم القوس فجاء بها فنزع لها بسهم فأصابها فوقعت ميتة فنهض زياد مغضباً وقال أخفرت أبا بسطام ذمتي وقتلت جاري وشكاه إلى المهلب فغضب على حبيب وقال أما علمت أن جار أبي لبابة جاري وذمته ذمتي والله لألزمنك دية الحرو أخذ له من ماله ألف دينار فقال فيه من أبيات ذكر القصة فيها جاء منها قوله فلله عيناً من رأى كقضية ... قضى لي بها شيخ العراق المهلب قضى ألف دينار لجار أجرته ... من الطير إذ يبكي شجاه ويندب ولما ولي صالح بن علي مصر من قبل ابن أخيه أبي العباس السفاح خرج عليه رجاء بن روح بفلسطين مع عمه الحكم بن ضبعان وكان على شرطة مصر

стр. 27

فأرسل إليهم أبا عون ومحمد بن أشعث الخزاعي بعسكر فهزما الحكم وبلغ صالح ابن علي أن رجاء بن روح دخل مصر واستجار بمحمد بن معاوية فأجاره فأرسل إليه فحضر فقال ألم أكرمك ألم أشرفك قال بلى قال فكان جزائي منك أن أجرت عدوي قال وما ذاك أيها الأمير قال رجاء بن روح وابنه قال أصلح الله الأمير اختر واحدة من اثنتين لي فيهما براءة أما أن أثلج صدرك بيمين أو ترسل رجلاً من ثقاتك يفتش منازلي قال وتحلف قال نعم فأحلفه بطلاق زوجته وعتق عبيده ومشيه إلى مكة راجلاً حافياً فحلف له ثم انصرف إلى منزله وأعلم زوجته فاعتزلت عنه وقالت له لا تنقطع عني لئلا يشعر بك فلما عزل صالح عن مصر ورجع إلى بغداد أظهر محمد بن معاوية طلاق زوجته وأعتق رقيقه ومشى إلى مكة كما شرط عليه ولما كان يوم فتح مكة لجأ الحرث بن هشام إلى منزل أم هانئ أخت علي بن أبي طالب ﵁ مستجيراً بها فدخل عليها علي فخبرته الخبر فأخذ السيف ليقتله فقالت أم هانئ يا ابن أم قد أجرته فلم يلتفت إلى قولها فوثبت فقبضت على يديه وقالت والله لا تقتله وقد أجرته فلم يقدر علي أن يرفع قدمه عن الأرض وجعل يتفلت منها فلا يقدر فدخل النبي ﷺ إليها فقالت يا رسول الله ألا ترى إني أجرت فلاناً فأراد علي أن يقتله فقال رسول الله ﷺ قد أجرنا من أجرت ولا تغضبي علياً فإن الله يغضب لغضبه أطلقي عنه فأطلقت عنه فقال ﵊ يا علي غلبتك امرأة فقال والله يا رسول الله ما قدرت أرفع قدمي من الأرض فضحك رسول الله ﷺ وقال لو أن طالباً ولد الناس كانوا شجاعاً ومن أحسن ما يحكي في هذا الباب أهدر المهدي دم رجل كان يسعى في فساد دولته وجعل لمن يقتله أو يأتيه به مائة ألف درهم فاختفى الرجل زماناً ثم ظهر مستنكراً خائفاً يترقب فبصر به رجل في بعض دروب بغداد فعرفه وأخذ بيده وقال بغية أمير المؤمنين فاجتمع الناس عليه وجهدوا على أن يطلقوه منه

стр. 28

فلم يقدروا فمر به وهو في تلك الحالة معن بن زائدة فناداه يا أبا الوليد أجرني أجارك الله فوقف الرجل وقال للرجل الذي تعلق به ما شأنك قال بغية أمير المؤمنين الذي جعل لمن يقتله أو يأتيه به مائة ألف درهم فقال معن لبعض علمائه انزل عن دابتك واحمله عليها وانطلق به إلى منزلي فقال الرجل أتحول بيني وبين بغية أمير المؤمنين فقال معن اذهب إلى أمير المؤمنين وأخبره أنه عندي فذهب الرجل وأوصل الخبر إلى المهدي فبعث إليه من يحضره فركب معن وقال لمن خلفه من غلمانه في منزله لا يخلص إلى هذا الرجل أحد وفيكم عين تطرف فلما دخل على المهدي سلم فلم يرد ﵇ وقال له أتجير علي قال نعم قال ونعم أيضاً فقال معن يا أمير المؤمنين لقد قتلت في طاعتكم باليمن في يوم واحد خمسة عشر ألفاً في أيام كثيرة عرف فيها بلائي وعنائي فما رأيتموني أهلاً لأن يوهب لي رجل واحد استجار بي فأطرق المهدي ملياً ثم رفع رأسه وقد سرى عنه وقال لقد أجرنا من أجرت يا أبا الوليد فقال معن فإن رأى أمير المؤمنين أن يصله فيكون قد أحياه وأغناه فقال قد أمرنا له بخمسين ألفاً فقال يا أمير المؤمنين إن صلات الخلفاء تكون على قدر جنايات الرعية وإن ذنب الرجل عظيم فأجزل له الصلة قال قد أمرنا له بمائة ألف درهم قال عجلها له فإن خير البر عاجله فعجلت فأخذها وانصرف بها إلى الرجل ولم ير المهدي وجهه والمثل المضروب في هذا الباب جار كجار أبي دواد وذلك أن أبا دواد نزل بكعب بن مامة وكان كعب إذا جاوره رجل قام له بما يصلحه وأهله وحماه ممن يقصده وإن هلك له شيء أخلفه عليه وإن مات وأراه التراب فجاوره أبو دواد الأيادي فتعلم منه فكان يفعل بجاره ما فعل كعب به فضرب به المثل ونسي كعب قال علي بن العباس بن جريج الرومي هو المرء أمّا ماله فمحلل ... لعاف وأمّا جاره فمحرم

стр. 29

وقال شبيب بن البرصاء وجاراتنا ما دمن فينا عزيزة ... كأروى ثبير لا يحل اصطيادها يكون علينا نقضها وضمانها ... وللجاران كانت تريد ازديادها وقال مروان بن أبي حفصة هم المانعون الجار حتى كأنما ... لجارهم فوق السماكين منزل ولآخر الباذلون الندى والناس باخلة ... والمانعون وحق الجار يخترم من صنيع من زكت في الكرم أرومه صون المضيم بنفسه من عدو يرومه ورد في بعض الآثار أن الله تعالى أوحى إلى داود ﵇ يا داود اسمع مني والحق أقول من لقيني بحسنة واحدة حكمته في رحمتي قال داود يا رب وما تلك الحسنة قال من فرج عن مكروب كربته وقال رسول الله ﷺ من فرج عن أخيه كربة من كرب الدنيا فرج الله عنه كربة من كرب الآخرة والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه ويقال من كفارات عظائم الذنوب إغاثة الملهوف والتنفيس عن المكروب وقيل أفضل المعروف إغاثة الملهوف ومن أمثالهم رب أخ لك لم تلده أمك فمن الأخبار في ذلك ما حكى إن حاتماً الطائي مر بأرض غزة فناداه أسير يا أبا سفانة أكلني القد والأسار والقمل فقال ما أنا بأرض قومي وقد أخطأت إذ نوهت باسمي ولا معي ما أفديك به ثم قال للذي هو في يده خل

стр. 30

عنه سبيله واجعلني في القد مكانه ففعل وبعث إلى قومه فأتوه بما فدى به نفسه وذكر إن بني كلب بن وبرة أغاروا على حي من أحياء العرب فقتلوا منهم عشرة أنفس غيلة فاستنجدوا عليهم وقالوا أما الثأر وأما الديات فسألوهم المهلة في ذلك إلى أجل فأجابوا فخرج بنو كلب يسألون قبائل العرب المعونة حتى قدموا أرض تميم فقروا ماء ماء وحيا حيا فلم يجدوا أحداً يدفع عنهم ولا يعينهم وكانوا زهاء مائة نفس فمروا بعطارد بن حاجب بن زرارة بن عدي فسألوه ذلك فقال قولوا شعراً وخذوها فلم يكن فيهم من يقول شعراً فتركوه ومضوا فأتوا على بني مجاشع فمروا بواد قد امتلأ إبلاً وبه صعصعة جد الفرزدق وهو بفناء إبل له فسألوه القرى فقال لكم البذل قبل القرى ما الذي جئتم فيه فأخبروه بأمرهم فأعطاهم عشر ديات ثم أنزلهم وأضافهم فقالوا أرشدك الله من سيد أرحتنا من طول التعب ولو عرفناك لقصدناك وصعصعة هذا أول من ترك وأد البنات وفداهن بماله وكفت العرب عن وأدهن من بعد ومما يمتزج بما ذكرناه امتزاج اللبن بالماء القراح ويتعلق به تعلق الأنامل بالراح ما حكاه الجهشياري في كتاب الوزراء إنه لما تفرق الأمر عن مروان بن محمد الجعدي طلب عبد الحميد بن يحيى كاتبه وكان صديقاً لعبد الله بن المقفع ففاجأه الطلب وهما في بيت فقال الذين دخلوا عليهما أيكما عبد الحميد فقال كل واحد منهما أنا خوفاً أن ينال صاحبه مكروه وخشى عبد الحميد أن يسرعوا إلى ابن المقفع ما يكره فقال لهم تثبتوا فإن في عبد الحميد علامات يعرف بها فأرسلوا إلى مرسلكم من يستوصفها منه فأينا وجدتموها فيه فخذوه ففعلوا فوصف لهم عبد الحميد بعلامات اشتمل عليها بدنه فأخذ وحمل إلى أبي العباس السفاح فولي عقوبته عبد الجبار بن عبد الرحمن فكان يحمي له طشتاً ويضعه على رأسه فلم يزل يفعل به ذلك حتى مات وقيل غير ذلك وأنا ذاكره فيما يأتي من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى وقريب من هذه الحكاية ما حكاه صاحب المستجاد قال لما أحرق جامع مصر ظن المسلمون أن النصارى أحرقوه فأحرقوا لهم خانا كانوا يبيعون فيه الزيت فقبض السلطان على جماعة من الذين أحرقوا الخان وكتب رقاعاً فيها القتل وفيها القطع وفيها الجلد ونثرها عليهم فمن وقعت في يده رقعة فعل به ما فيها فوقعت في حجر رجل رقعة فيها القتل فلما قرأها بكى وقال والله لولا

стр. 31

أم لي ما باليت فالتفت إليه شاب كان إلى جانبه فقال له في رقعتي الجلد ولا أم لي فخذ رقعتي وادفع إلي رقعتك فأبى عليه فأقسم أن لا بد ففعلاً فقتل هذا وجلد هذا وحكى الزبير بن بكار في كتابه الذي سماه الموفقيات قال استشهد باليرموك الحرث بن هشام وعكرمة ابن أبي جهل وسهيل بن عمرو فأتوا بماء وهم صرعى وفيهم رمق فتدافعوه كلما دفع إلى رجل منهم قال إسق فلاناً حتى ماتوا ولم يشربوه مسلم بن الوليد يمدح من هذه خلقه يجود بالنفس إن ضنّ الجواد بها ... والجود بالنفس أقصى غاية الجود وقال عمارة بن حمزة ينسى مضرّته لنفع صديقه ... لا خير في شرف إذا لم ينفع البحتري يخونك ذو القربى مراراً وربما ... وفي لك عند العهد من لا تناسبه وحسب الفتى من نصحه ووفائه ... تمنيه أن يؤذي ويسلم صاحبه آخر قوم إذا حالفتهم ... لم تخش نائبة الصروف وإذا وصلت بحبلهم ... حبلاً أمنت من المخوف

стр. 32

وقال أبو نواس الحسن بن هانئ الحكمى يمدح الأمين بحسن العهد والتذمم أخذت بحبل من حبال محمد ... أمنت به من طارق الحدثان تغطيت من دهري بفضل جناحه ... فعيني ترى دهري وليس يراني فلو تسأل الأيام عني لما درت ... وأين مكاني ما عرفن مكاني من أمتن أسباب الحسب والديانة وفاء العهد وأداء الأمانة قالوا الوفاء أفضل شمائل العبد وأوضح دلائل المجد وأقوى أسباب الاخلاص في الود وأحق الأفعال بالشكر والحمد وقالوا الوفاء أتم حميد الخلال ومنتهى غاية الكمال تمس الحاجة إليه وتجب المحافظة عليه ولقد صار رسماً دارساً وحلة لا تجد لها لابساً ومنقبة قل أن تجد فيها مستأنساً ولله در من قال وصادق الودّ صادق الخبر ... مغري برعي العهود مصطبر هذا الذي لا أزال أسمعه ... وما له في الزمان من أثر لو أن كفى بمثله ظفرت ... قاسمته في المتاع والعمر وقالوا من صحب الناس بلسان صادق وعاملهم بحسن الخلائق وألزم نفسه رعى العهود والمواثق فقد أرضى المخلوق والخالق ويقال بالوفاء تملك القلوب وتستدام الألفة بين المحب والمحبوب وقالوا من تحلى بالوفاء وتخلى عن الجفاء فذلك من اخوان الصفاء ولقد أحسن من قال إذا أنت محضت المودّة صافياً ... ولم تر عن وصل الصديق مجافيا ووفيت بالعهد الذي خانه الورى ... ولم أر مخلوقاً على العهد باقيا فقد حزت أسباب المكارم كلها ... وجدّدت للعليا رسوماً عوافيا

стр. 33

وقالوا الوفاء ضالة كثير ناشدها قليل واجدها كما قيل الوفاء من شيم الكرام والغدر من خلائق اللئام وقالوا إذا ترك الوفاء نزل البلاء ويقال من أودع الوفاء صدور الرجال ملك أعناقهم ومن أمثالهم في ذلك أوفى من السموأل وهو السموأل بن عادياء بن حياء اليهودي صاحب قصر تيماء المسمى بالأبلق الفرد ومن خبره أن امرأ القيس كان قاصداً للشأم فأودع السموأل أدراعه وكراعه فمات امرؤ القيس بأنقرة فقصد السموأل بعض ملوك غسان يطلب منه ما كان أودعه امرؤ القيس عنده فأبى أن يسلمه له فقال إن لم تسلمه ذبحت ولدك وكان قد أسره عند نزوله على القصر فقال أبلني الليلة ثم جمع أهله واستشارهم فكل أشار بأن يدفع إليه ما طلبه منه فلما أصبح قال له ليس إلى دفعها سبيل فافعل ما بدا لك فذبح الملك ولده ورحل عنه ثم إن السموأل وافى الموسم بالادراع فدفعها لورثة امرئ القيس وفيه يقول الأعشى يخاطب شريح بن السموأل بن عادياء وقيل شريح بن حصن بن السموأل وقيل شريح بن عمران بن السموأل من أبيات كن كالسموأل إذ طاف الهمام به ... في جحفل كسواد الليل جرّار بالأبلق الفرد من تيماء منزله ... حصن حصين وجار غير غدّار فسامه خطتي خسف فقال له ... قل ما بدا لك إني مانع جاري فقال ثكل وغدر أنت بينهما ... فاختر وما فيهما حظ لمختار فشك غير طويل ثم قال له ... اقتل أسيرك إني مانع جاري فقال تقدمة إذرام يقتله ... أشرف سموأل فانظر في الدم الجاري أأقتل ابنك صبراً أو تجئ بها ... طوعاً فأنكر هذا أيّ إنكار فشك أوداجه والصدر في مضض ... عليه منطوياً كاللذع بالنار واختار ادراعه من أن يسببها ... ولم يكن عهده فيها بختار وقال لا أشتري عاراً بمكرمة ... فاختار مكرمة الدنيا على العار والصبر منه قديماً شيمة خلق ... وزنده في الوفاء الثاقب الواري

стр. 34

وفي ذلك يقول السموأل مفتخراً وفيت بأدرع الكندي إني ... إذا ما خان أقوامي وفيت وأوصى عادياً يوماً بأن لا ... تخرّب يا سموأل ما بنيت بنى لي عادياً حصناً حصيناً ... وماء كلما شئت اشتفيت والملك هو الحرث بن شمر الغساني وحدث الكندي في كتابه أخبار الأمراء بمصر قال لما ولي المطلب بن عبد الله إمارة مصر من قبل المأمون خوفه أهل مصر من إبراهيم بن نافع الطائي قبل الوصول إليه أن يثب عليه فطلبه المطلب فلم يقدر عليه واتهم به جماعة من قواد مصر وكان هبيرة بن هشام صاحب شرطة مصر يعرف المكان الذي اختفى فيه وكان إبراهيم ابن نافع قد أودع ماله عند هبيرة بن هشام فسعى بهبيرة إلى المطلب فأحضره وقال له ادفع إلي ما أودعه عندك إبراهيم فقد بلغني الثقة إن ماله مودع عندك وإن لم تجئني به أخذت ما فيه عيناك فأنكر فأوجعه ضرباً وهو يزيد إنكاراً فلما طال على المطلب جحود هبيرة وخاف عليه التلف تركه ثم لما سكن عن إبراهيم الطلب أخرجه هبيرة من مصر سراً ثم أرسل إليه ماله بعد ذلك مع التجار وفيه يقول سعيد بن عنين لعمري لقد أوفى وزاد وفاؤه ... هبيرة في الطائي وفاء السموأل وفاه المنايا إذ أتته بنفسه ... وقد برقت في عارض متهلل أتى الحجاج بقوم ممن خرج عليه فأمر بهم فضربت أعناقهم وأقيمت صلاة المغرب وقد بقي من القوم واحد فقال لقتيبة بن مسلم انصرف به معك حتى تغدو به علي قال قتيبة فخرجت والرجل معي فلما كنا ببعض الطريق قال لي هل لك في خير قلت وما ذاك قال إني والله ما خرجت على المسلمين ولا استحللت قتالهم ولكن ابتليت بما ترى وعندي ودائع وأموال فهل لك أن تخلي سبيلي وتأذن لي حتى آتي أهلي وأرد على كل ذي حق حقه وأوصي ولك

стр. 35

علي أن أرجع حتى أضع يدي في يدك قال قتيبة فعجبت له وتضاحكت لقوله قال فمضينا هنيهة ثم أعاد علي القول وقال إني أعاهد الله لك على أن أعود إليك قال قتيبة فوالله ما ملكت نفسي حتى قلت له اذهب فلما توارى عني شخصه أسقط في يدي فقلت ماذا صنعت بنفسي وأتيت أهلي مهموماً مغموماً فسألوني عن شأني فأخبرتهم فقالوا لقد اجترأت على الحجاج فبتنا بأطول ليلة فلما كان عند أذان الغداة إذا الباب يطرق فخرجت فإذا أنا بالرجل فقلت أرجعت قال سبحان الله جعلت لك عهد الله علي فأخونك ولا أرجع فقلت أما والله إن استطعت لأنفعنك وانطلقت به حتى أجلسته على باب الحجاج ودخلت فلما رآني قال يا قتيبة أين أسيرك قلت أصلح الله الأمير بالباب وقد اتفق لي معه قصة عجيبة قال ما هي فحدثته الحديث فأذن له فدخل ثم قال يا قتيبة أتحب أن أهبه لك قلت نعم قال هو لك فانصرف به معك فلما خرجت به قلت له خذ أي طريق شئت فرفع طرفه إلى السماء وقال لك الحمد يا رب وما كلمني بكلمة ولا قال لي أحسنت ولا أسأت فقلت في نفسي مجنون والله فلما كان بعد ثلاثة أيام جاءني وقال لي جزاك الله خيراً أما والله ما ذهب عني ما صنعت ولكن كرهت أن أشرك مع حمد الله حمد أحد ولما تفرق الأمر عن مروان بن محمد وأيقن بزوال ملكه وغلبة بني هاشم عليه قال لكاتبه عبد الحميد بن يحيى إني قد احتجت أن تكون مع عدوي فتظهر لهم الغدر بي فإن إعجابهم بأدبك وحاجتهم إليك تمنعهم منك وتدعوهم إلى حسن الظن بك فإن استطعت أن تنفعني في حياتي وإلا فلا تعجز عن حفظ حرمتي بعد وفاتي فقال عبد الحميد إن الذي أمرتني به أنفع الأمرين لك وأضرهما بي وما عندي إلا الوفاء حتى يفتح الله لك أو أقتل معك ثم أنشد أسرّ وفاء ثم أظهر غدرة ... فمن لي بعذر يشمل الناس ظاهره فأمسك عنه ساعة وأعاد عليه القول ثانية فقال والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس فلم يزل معه حتى قتل وذلك في آخر سنة اثنتين وثلاثين ومائة وله تسع وخمسون سنة وقتل ببوصير قرية

стр. 36

من صعيد مصر وهو آخر ملوك بني أمية وكانت دولتهم ثلاثاً وتسعين سنة وأحد عشر شهراً وأياماً وهرب عبد الحميد إلى قرية تعرف بالأشمونين فاختفى بها فدل عليه وحمل إلى أبي العباس السفاح بأمان فلم يحظ عنده وقال الجهشياري قتل وقد ذكر آنفاً ومن أحسن ما تطرب به الأسماع ويلطف به كثيف الطباع ما يحكى إن معاوية بن أبي سفيان تزوج ميسون بنت مجدل ونقلها من البدو إلى الشأم وكانت كثيرة الحنين إلى أناسها والتذكر لمسقط رأسها فأنصت لها يوماً فسمعها تنشد لبيت تخفق إلا رياح فيه ... أحبّ إليّ من قصر منيف ولبس عباءة وتقرّ عيني ... أحبّ إليّ من لبس الشفوف وأكل كسيرة في كسر بيتي ... أحبّ إليّ من أكل الرغيف وأصوات الرياح بكل فج ... أحبّ إليّ من نقر الدفوف وكلب ينبح الطرّاق دوني ... أحبّ إليّ من قط الوف وبكر يتبع الأطلال صعب ... أحبّ إليّ من بغل ردوف وخرق من بني عمي نحيف ... أحبّ إليّ من علج عنيف خشونة عيشتي في البدو أشهى ... إلى نفسي من العيش الظريف فما أبغي سوى وطني بديلاً ... فحسبي ذاك من وطن شريف فلما سمع معاوية الأبيات قال ما رضيت بي بنت مجدل حتى جعلتني علجاً عنيفاً ثم طلقها وردها إلى أهلها ويقال من الوفاء تشوق الرجل لاخوانه وحنينه إلى أوطانه وتلهفه على ما مضى من زمانه وقالوا الكريم يحن إلى جنابه كما يحن الأسد إلى غابه ويقال من علامة الكريم أن تكون نفسه إلى مولده تواقة وإلى مسقط رأسه مشتاقة شاعر أحب بلاد الله ما بين منعج ... إليّ وسلمى أن يجود سحابها

стр. 37

بلاد بها نيطت على تمائمي ... وأوّل أرض مس جلدي ترابها وقالت الحكماء أرض الرجل ظئره وداره مهده والغريب كالغرس الذي زايل أرضه فهوذا ولا ينمى وذابل لا ينضر وفطرة الرجل معجونة بحب الأوطان مجبولة على تذكر ماضي الزمان وقد ذكر ابن الرومي السبب الموجب لحب الأوطان بقوله وحبب أوطان الرجال إليهم ... مآرب قضاها الشباب هنالكا إذا ذكروا أوطانهم ذكرتهم ... عهود الصبا فيها فحنوا لذلكا وقالوا ليس في الحيوان السانح أشد وفاء من الفاختة فإنها إذا مات الفها لا تزال تندبه ولا تألف غيره حتى تموت من أحاسن فعلات الأشراف الاتصاف بالعدل والإنصاف فالعدل قوام الدنيا والدين وسبب صلاح المخلوقين وله وضعت الموازين وهو المرغوب المألوف المؤمن من كل مخوف به تألفت القلوب والتأمت الشعوب وظهر الصلاح واتصلت أسباب النجاح وانعقلت عرى اليمن والفلاح وشمل الناس التناصف والتواصل والتعاطف وهو مأخوذ من الاعتدال الذي هو القوام والاستواء المتجانبان للميل والالتواء وهو ميزان الله في أرضه الذي يوفي به الحقوق ويرأب به الصدوع والفتوق وحقيقته وضع الأمور في مواضعها لا توضع الشدة مكان اللين وبضد ذلك ولا السيف مكان السوط وبالعكس من ذلك وإلى هذا أشار المتنبي في قوله ووضع الندى في موضع السيف بالعدى ... مضرّ كوضع السيف في موضع الندى والانصاف هو استيفاء الحقوق واستخراجها بالأيدي العادلة والسياسات الفاضلة وهو والعدل توأمان نتيجتهما علو الهمة وبراءة الذمة باكتساب

стр. 38

الفضائل واجتناب الرذائل فالانصاف استثمار والعدل استكثار فيصير الملك بالانصاف مستثمراً وبالعدل مستكثراً وما نقض ملك من إنصاف ولا جاه من إسعاف وقد قيل من عدل في سلطانه استغنى عن أعوانه وقيل عدل السلطان أنفع للرعية من خصب الزمان وروى الثقاة بأسانيد حسنة عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال عدل ساعة خير من عبادة ستين سنة وعن عبد الرحمن بن عمرو بن العاص إن رسول الله ﷺ قال المقسطون على منابر من لؤلؤ يوم القيامة بين يدي الرحمن بما أقسطوا في الدنيا وقال حكيم لبعض الملوك أيها الملك إنما فخرك بإظهار وعدلك وإيثار فضلك لا بجمال بزتك وتمكن عزتك وفراهة مركبك وكثافة موكبك ويقال الملك يبقى على العدل والكفر ولا يبقى على الايمان والجور وإليه أشار الشاعر بقوله عليك بالعدل إن وليت مملكة ... واحذر من الجور فيها غاية الحذر فالملك يبقى على عدل الكفور ولا ... يبقى مع الجور في بدو ولا حضر دخل عمر بن الخطاب على أبي بكر الصديق ﵄ فسلم فلم يرد عليه فقال لعبد الرحمن بن عوف أخاف أن يكون قد وجد علي خليفة رسول الله ﷺ فكلم عبد الرحمن أبا بكر في ذلك فقال إنه أتاني وبين يدي خصمان قد فرغت لهما سمعي وبصري وقلبي وعلمت أن الله سائلي عنهما وعما قالا وعما قلت ويقال إذا عدل السلطان في رعيته ثم جار على واحد لم يف عدله بجوره ويقال حق على من ملكه الله على بلاده وحكمه في عباده أن يكون لنفسه مالكاً وللهوى تاركاً وللغيظ كاظماً وللظلم هاضماً وللعدل في حالتي الرضا والغضب مظهراً وللحق في السر والعلانية مؤثراً وإذا كان كذلك ألزم النفوس طاعته والقلوب محبته وأشرق بنور عدله زمانه وكثر على عدوه

стр. 39

أنصاره وأعوانه ولقد صدق من قال لكل ولاية لا بدّ عزل ... وصرف الدهر عقد ثم حلّ وأحسن سيرة تبقى لوال ... على الأيام إحسان وعدل وقال عمرو بن العاص ملك عادل خير من مطر وابل وكان كسرى يقيم رجلين من موابذته عن يمينه وشماله إذا أراد النظر في أمور الناس فكان إذا زاغ حركاه بقضيب معهما وقالا له والرعية يسمعون أيها الملك أنت مخلوق لا خالق وعبد لا مولى وليس بينك وبين الله قرابة انصف الخلق وانظر لنفسك ويقال إنه كتب ثلاث رقاع في إحداها أمسك عضبك فإنك لست باله وإنك ستموت ويأكل بعضك بعضاً وفي الثانية إرحم عباد الله يرحمك الله وفي الثالثة احمل عباد الله على الحق فإنه لا يسعهم إلا ذلك وكان إذا جلس للناس عامة لينظر في أمورهم قام بعض الحجاب على رأسه وبيده الرقاع فإذا رآه غضب على أحدنا وله الرقعة الأولى فإن رآه تمادى على غضبه ناوله الثانية فإن لم ينته ناوله الثالثة وكان عمر بن الخطاب ﵁ يأمر عماله أن يوافوه في الموسم فإذا اجتمعوا قال يا أيها الناس إني لم أستعمل عمالي عليكم ليصيبوا من أبشاركم ولا من أعراضكم ولا من أموالكم شيأً إنما استعملتهم ليحجزوا بينكم ويردوا عليكم فيئكم فأيكم كانت له عندي مظلمة فليقم وصف أعرابي أميراً عادلاً فقال هو عالم برعيته عادل في أقضيته عار من الكبر قابل للعذر سهل الحجاب متحير إلى الصواب رفيق بالضعيف مكرم للشريف غير مجاف للقريب ولا مخيف للغريب وكان شمس المعالي قابوس بن وشمكير عادلاً في ملكه كان لا يؤتى بمفسد إلا أقام الحق عليه ولو أنه أقرب الناس إليه وقع جعفر بن يحيى إلى بعض عماله أنصف من وليت أمره وإلا أنصفه منك من ولي أمرك ووقع أخوه الفضل بئس الزاد إلى المعاد التعدي على العباد وسأل عمر بن عبد العزيز رجاء بن حيوة عن حال رعيته مع العمال فقال رأيت الظالم مقهوراً والمظلوم منصوراً والغني موفوراً والفقير مبروراً فقال الحمد لله

стр. 40

الذي وهب لي من العدل ما تطمئن إليه قلوب رعيتي وتعرض له متظلم في بعض الطرق فوقف له وأزال شكايته فقيل له هلا صرت حتى يستقر بك المنزل فقال الخير سريع الذهاب وخشيت أن أفوته بنفسي وإنما هي فرصة قدمت فيها العزم واستصحبت الحزم قال شاعر يمدح متولياً اتصف بهذه الخلة من الرؤساء الجلة لا تقدح الظنة في حكمه ... شيمته عدل وإنصاف يمضي إذا لم تلقه شبهة ... وفي اعتراض الشك وقاف ومما اتفق على مدحه الأوائل والأواخر تواضع من حاز الفضائل والمفاخر قالوا ينبغي لمن عظم قدره وامتثل نهيه وأمره وانتشر في الخافقين ذكره أن يكون للاعجاب مطرحاً وعن الكبر منتبذاً ومنتزحاً فإن همة الرجل العاقل الفاضل شريفة علية وباختفار ما أوتيت من رياسات الأموال والعمال ملية قال ذو النون من تطأطأ لقي رطباً ومن تعالى لقي عطباً وقال عروة بن الزبير التواضع من مصايد الشرف وكل نعمة محسود عليها إلا التواضع ويقال التواضع في الشرف أشرف من الشرف ويقال اسمان يتفق معناهما ويفترق لفظهما التواضع والشرف وكان رسول الله ﷺ يجيب دعوة الحر والعبد والأمة والمسكين ويقول لو دعيت إلى كراع لأجبت وكان يخصف النعل ويحلب الشاة ويركب الحمار ردفاً ويرقع الثوب ويطحن مع الخادم إذا أعيت ويأكل معها ويحمل بضاعته من السوق ويسلم مبتدئاً ويصافح الغني والفقير ويخالط أصحابه ويحادثهم ويمازحهم ويلاعب صبيانهم ويجلسهم في حجره وما دعاه أحد من أصحابه ولا من أهل بيته إلا قال لبيك وقال لا تفضلوني على يونس ابن متي ولا ترفعوني فوق قدري فتقولون في ما قالت النصارى في المسيح إن الله اتخذني عبداً قبل أن
следующие страницы →