← Адаб

Адаб · id 1349

غرر الخصائص الواضحة

الوطواط

Полный текст (601 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

من صعيد مصر وهو آخر ملوك بني أمية وكانت دولتهم ثلاثاً وتسعين سنة وأحد عشر شهراً وأياماً وهرب عبد الحميد إلى قرية تعرف بالأشمونين فاختفى بها فدل عليه وحمل إلى أبي العباس السفاح بأمان فلم يحظ عنده وقال الجهشياري قتل وقد ذكر آنفاً ومن أحسن ما تطرب به الأسماع ويلطف به كثيف الطباع ما يحكى إن معاوية بن أبي سفيان تزوج ميسون بنت مجدل ونقلها من البدو إلى الشأم وكانت كثيرة الحنين إلى أناسها والتذكر لمسقط رأسها فأنصت لها يوماً فسمعها تنشد لبيت تخفق إلا رياح فيه ... أحبّ إليّ من قصر منيف ولبس عباءة وتقرّ عيني ... أحبّ إليّ من لبس الشفوف وأكل كسيرة في كسر بيتي ... أحبّ إليّ من أكل الرغيف وأصوات الرياح بكل فج ... أحبّ إليّ من نقر الدفوف وكلب ينبح الطرّاق دوني ... أحبّ إليّ من قط الوف وبكر يتبع الأطلال صعب ... أحبّ إليّ من بغل ردوف وخرق من بني عمي نحيف ... أحبّ إليّ من علج عنيف خشونة عيشتي في البدو أشهى ... إلى نفسي من العيش الظريف فما أبغي سوى وطني بديلاً ... فحسبي ذاك من وطن شريف فلما سمع معاوية الأبيات قال ما رضيت بي بنت مجدل حتى جعلتني علجاً عنيفاً ثم طلقها وردها إلى أهلها ويقال من الوفاء تشوق الرجل لاخوانه وحنينه إلى أوطانه وتلهفه على ما مضى من زمانه وقالوا الكريم يحن إلى جنابه كما يحن الأسد إلى غابه ويقال من علامة الكريم أن تكون نفسه إلى مولده تواقة وإلى مسقط رأسه مشتاقة شاعر أحب بلاد الله ما بين منعج ... إليّ وسلمى أن يجود سحابها

стр. 37

بلاد بها نيطت على تمائمي ... وأوّل أرض مس جلدي ترابها وقالت الحكماء أرض الرجل ظئره وداره مهده والغريب كالغرس الذي زايل أرضه فهوذا ولا ينمى وذابل لا ينضر وفطرة الرجل معجونة بحب الأوطان مجبولة على تذكر ماضي الزمان وقد ذكر ابن الرومي السبب الموجب لحب الأوطان بقوله وحبب أوطان الرجال إليهم ... مآرب قضاها الشباب هنالكا إذا ذكروا أوطانهم ذكرتهم ... عهود الصبا فيها فحنوا لذلكا وقالوا ليس في الحيوان السانح أشد وفاء من الفاختة فإنها إذا مات الفها لا تزال تندبه ولا تألف غيره حتى تموت من أحاسن فعلات الأشراف الاتصاف بالعدل والإنصاف فالعدل قوام الدنيا والدين وسبب صلاح المخلوقين وله وضعت الموازين وهو المرغوب المألوف المؤمن من كل مخوف به تألفت القلوب والتأمت الشعوب وظهر الصلاح واتصلت أسباب النجاح وانعقلت عرى اليمن والفلاح وشمل الناس التناصف والتواصل والتعاطف وهو مأخوذ من الاعتدال الذي هو القوام والاستواء المتجانبان للميل والالتواء وهو ميزان الله في أرضه الذي يوفي به الحقوق ويرأب به الصدوع والفتوق وحقيقته وضع الأمور في مواضعها لا توضع الشدة مكان اللين وبضد ذلك ولا السيف مكان السوط وبالعكس من ذلك وإلى هذا أشار المتنبي في قوله ووضع الندى في موضع السيف بالعدى ... مضرّ كوضع السيف في موضع الندى والانصاف هو استيفاء الحقوق واستخراجها بالأيدي العادلة والسياسات الفاضلة وهو والعدل توأمان نتيجتهما علو الهمة وبراءة الذمة باكتساب

стр. 38

الفضائل واجتناب الرذائل فالانصاف استثمار والعدل استكثار فيصير الملك بالانصاف مستثمراً وبالعدل مستكثراً وما نقض ملك من إنصاف ولا جاه من إسعاف وقد قيل من عدل في سلطانه استغنى عن أعوانه وقيل عدل السلطان أنفع للرعية من خصب الزمان وروى الثقاة بأسانيد حسنة عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال عدل ساعة خير من عبادة ستين سنة وعن عبد الرحمن بن عمرو بن العاص إن رسول الله ﷺ قال المقسطون على منابر من لؤلؤ يوم القيامة بين يدي الرحمن بما أقسطوا في الدنيا وقال حكيم لبعض الملوك أيها الملك إنما فخرك بإظهار وعدلك وإيثار فضلك لا بجمال بزتك وتمكن عزتك وفراهة مركبك وكثافة موكبك ويقال الملك يبقى على العدل والكفر ولا يبقى على الايمان والجور وإليه أشار الشاعر بقوله عليك بالعدل إن وليت مملكة ... واحذر من الجور فيها غاية الحذر فالملك يبقى على عدل الكفور ولا ... يبقى مع الجور في بدو ولا حضر دخل عمر بن الخطاب على أبي بكر الصديق ﵄ فسلم فلم يرد عليه فقال لعبد الرحمن بن عوف أخاف أن يكون قد وجد علي خليفة رسول الله ﷺ فكلم عبد الرحمن أبا بكر في ذلك فقال إنه أتاني وبين يدي خصمان قد فرغت لهما سمعي وبصري وقلبي وعلمت أن الله سائلي عنهما وعما قالا وعما قلت ويقال إذا عدل السلطان في رعيته ثم جار على واحد لم يف عدله بجوره ويقال حق على من ملكه الله على بلاده وحكمه في عباده أن يكون لنفسه مالكاً وللهوى تاركاً وللغيظ كاظماً وللظلم هاضماً وللعدل في حالتي الرضا والغضب مظهراً وللحق في السر والعلانية مؤثراً وإذا كان كذلك ألزم النفوس طاعته والقلوب محبته وأشرق بنور عدله زمانه وكثر على عدوه

стр. 39

أنصاره وأعوانه ولقد صدق من قال لكل ولاية لا بدّ عزل ... وصرف الدهر عقد ثم حلّ وأحسن سيرة تبقى لوال ... على الأيام إحسان وعدل وقال عمرو بن العاص ملك عادل خير من مطر وابل وكان كسرى يقيم رجلين من موابذته عن يمينه وشماله إذا أراد النظر في أمور الناس فكان إذا زاغ حركاه بقضيب معهما وقالا له والرعية يسمعون أيها الملك أنت مخلوق لا خالق وعبد لا مولى وليس بينك وبين الله قرابة انصف الخلق وانظر لنفسك ويقال إنه كتب ثلاث رقاع في إحداها أمسك عضبك فإنك لست باله وإنك ستموت ويأكل بعضك بعضاً وفي الثانية إرحم عباد الله يرحمك الله وفي الثالثة احمل عباد الله على الحق فإنه لا يسعهم إلا ذلك وكان إذا جلس للناس عامة لينظر في أمورهم قام بعض الحجاب على رأسه وبيده الرقاع فإذا رآه غضب على أحدنا وله الرقعة الأولى فإن رآه تمادى على غضبه ناوله الثانية فإن لم ينته ناوله الثالثة وكان عمر بن الخطاب ﵁ يأمر عماله أن يوافوه في الموسم فإذا اجتمعوا قال يا أيها الناس إني لم أستعمل عمالي عليكم ليصيبوا من أبشاركم ولا من أعراضكم ولا من أموالكم شيأً إنما استعملتهم ليحجزوا بينكم ويردوا عليكم فيئكم فأيكم كانت له عندي مظلمة فليقم وصف أعرابي أميراً عادلاً فقال هو عالم برعيته عادل في أقضيته عار من الكبر قابل للعذر سهل الحجاب متحير إلى الصواب رفيق بالضعيف مكرم للشريف غير مجاف للقريب ولا مخيف للغريب وكان شمس المعالي قابوس بن وشمكير عادلاً في ملكه كان لا يؤتى بمفسد إلا أقام الحق عليه ولو أنه أقرب الناس إليه وقع جعفر بن يحيى إلى بعض عماله أنصف من وليت أمره وإلا أنصفه منك من ولي أمرك ووقع أخوه الفضل بئس الزاد إلى المعاد التعدي على العباد وسأل عمر بن عبد العزيز رجاء بن حيوة عن حال رعيته مع العمال فقال رأيت الظالم مقهوراً والمظلوم منصوراً والغني موفوراً والفقير مبروراً فقال الحمد لله

стр. 40

الذي وهب لي من العدل ما تطمئن إليه قلوب رعيتي وتعرض له متظلم في بعض الطرق فوقف له وأزال شكايته فقيل له هلا صرت حتى يستقر بك المنزل فقال الخير سريع الذهاب وخشيت أن أفوته بنفسي وإنما هي فرصة قدمت فيها العزم واستصحبت الحزم قال شاعر يمدح متولياً اتصف بهذه الخلة من الرؤساء الجلة لا تقدح الظنة في حكمه ... شيمته عدل وإنصاف يمضي إذا لم تلقه شبهة ... وفي اعتراض الشك وقاف ومما اتفق على مدحه الأوائل والأواخر تواضع من حاز الفضائل والمفاخر قالوا ينبغي لمن عظم قدره وامتثل نهيه وأمره وانتشر في الخافقين ذكره أن يكون للاعجاب مطرحاً وعن الكبر منتبذاً ومنتزحاً فإن همة الرجل العاقل الفاضل شريفة علية وباختفار ما أوتيت من رياسات الأموال والعمال ملية قال ذو النون من تطأطأ لقي رطباً ومن تعالى لقي عطباً وقال عروة بن الزبير التواضع من مصايد الشرف وكل نعمة محسود عليها إلا التواضع ويقال التواضع في الشرف أشرف من الشرف ويقال اسمان يتفق معناهما ويفترق لفظهما التواضع والشرف وكان رسول الله ﷺ يجيب دعوة الحر والعبد والأمة والمسكين ويقول لو دعيت إلى كراع لأجبت وكان يخصف النعل ويحلب الشاة ويركب الحمار ردفاً ويرقع الثوب ويطحن مع الخادم إذا أعيت ويأكل معها ويحمل بضاعته من السوق ويسلم مبتدئاً ويصافح الغني والفقير ويخالط أصحابه ويحادثهم ويمازحهم ويلاعب صبيانهم ويجلسهم في حجره وما دعاه أحد من أصحابه ولا من أهل بيته إلا قال لبيك وقال لا تفضلوني على يونس ابن متي ولا ترفعوني فوق قدري فتقولون في ما قالت النصارى في المسيح إن الله اتخذني عبداً قبل أن

стр. 41

يتخذني رسولاً وكان ﷺ لا يأكل متكئاً ويأكل الخبيص ويقول إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبد وأجلس كما يجلس العبد وقال البراء بن عازب رأيت رسول الله ﷺ يوم الخندق ينقل التراب حتى وارى التراب صدره وكان ينقل اللبن على عاتقه مع أصحابه عند بناء مسجده بالمدينة هذا ولسان فخره ينزع عن الابانة عن علو قدره فيقول أنا سيد ولد آدم آدم ومن دونه تحت لوائي أنا أول من تنشق عنه الأرض لست كأحدكم إني أظل عند ربي يطعمني ويسقيني شرف صرفت أماني الآمال عن بلوغ مداه وتقطعت دونه أيدي الطمع فلا تصل إلى علاه ولما ولي أبو بكر الخلافة قال إني وليتكم ولست بخيركم فلما بلغ كلامه الحسن البصري قال بلى ولكن المؤمن يهضم نفسه وسئل بعض التابعين هل رأيت أبا بكر قال نعم رأيت ملكاً في زي مسكين وقال ابن عباس كان أبو بكر كثيراً ما ينشد إذا أردت شريف الناس كلهم ... فانظر إلى ملك في زيّ مسكين ذاك الذي حسنت في الناس قالته ... وذاك يصلح للدنيا وللدين آخر إنّ السعيد الذي تمت سيادته ... فتى يفرّ من الدنيا إلى الدين يصدّ بالطرف منه عن زخارفها ... فيغتدي ملكاً في زيّ مسكين

стр. 42

وقال المرار بن المنقذ العدوي يا حبذا حين يمسي الريح باردة ... وادي الأضاء وفتيان بها هضم مخدّمون كرام في مجالسهم ... وفي الرجال إذا صاحبتهم خدم وما أصاحب من قوم فأذكرهم ... إلا يزيدهم حباً إلي هم وكان ﵁ إذا مدح قال اللهم أنت أعلم بي من نفسي وأنا أعلم بنفسي منهم اللهم اجعلني خيراً مما يحسبون واغفر لي ما لا يعلمون ولا تؤاخذني بما يقولون وروى أن عمر بن الخطاب ﵁ نادى يوماً الصلاة جامعة فلما اجتمع الناس صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أيها الناس لقد رأيتموني وأنا أرعى على خالات لي من بني مخزوم يقبض لي القبضة من التمر أو الزبيب فقال عبد الرحمن بن عوف ما أردت على أن قصرت على نفسك فقال ويحك يا ابن عوف خلوت بنفسي فقالت لي أنت أمير المؤمنين وليس بينك وبين الله أحد فمن ذا أفضل منك فأردت أن أعرفها قدرها واشترى أمير المؤمنين علي ﵁ تمراً بدرهم فحمله في ردائه فسأله بعض أصحابه حمله عنه فقال أبو العيال أحق بحمله وحكى الشعبي قال ركب زيد بن ثابت فدنا منه عبد الله بن عباس فأخذ بركابه فقال لا تفعل يا ابن عم رسول الله ﷺ فقال هكذا أمرنا أن نفعل بعلمائنا فقال زيد أرني يدك فأخذها وقبلها وقال هكذا أمرنا أن نفعل بأهل بيت نبينا ودخل بعض الشعراء على الحسن بن زيد فأنشده الله فرد وابن زيد فرد فقال بفيك الأثلب الأقلت الله فرد وابن زيد عبد ونزل عن سريره وألصق خده بالأرض وكان عبد الله بن عمر إذا سافر مع قوم يحتطب لهم ويطبخ لهم ويستقي لهم ويؤذن لهم وكان أبو هريرة خليفة مروان بن الحكم على المدينة يحتطب ويأتي بالحزمة الحطب على ظهره يشق بها

стр. 43

السوق ويقول جاء الأمير جاء الأمير حتى يعلم الناس به فينصرفون إليه في حوائجهم البحتري مادحاً دنوت تواضعاً وعلوت قدراً ... فشا ناك انحدار وارتفاع كذاك الشمس تبعد أن تساما ... ويدنو الضوء منها والشعاع ولآخر تواضع تكن كالنجم لاح لناظر ... على صفحات الماء وهو رفيع ولا تك كالدخان يعلو بنفسه ... إلى طبقات الجوّ وهو وضيع كان ابن مسعود إذا مشى خلفه أحد قال أخر وأعني نعالكم فإنها ذلة للتابع وفتنة للمتبوع ولما ولي علي بن عيسى الوزارة وذلك في سنة ثلثمائة رأى الناس يمشون حوله كما كانوا يمشون حول الوزراء قبله فالتفت إليهم وقال إنا لا نرضى لعبيدنا أن يفعلوا هذا معنا فكيف نكلفه قوماً أحراراً لا إحسان لنا عليهم ومنعهم من المشي في ركابه فكأنما عناه أبو تمام حبيب بقوله متبذل في القوم وهو مبجل ... متواضع في الحيّ وهو معظم وقال الحسن أربعة لا ينبغي لشريف أن يأنف منهن قيامه عن مجلسه لأبيه وخدمته لضيفه وقيامه على فرسه وخدمته لمن يأخذ من علمه وقال عبد الله بن مسعود رأس التواضع أن تبدأ بالسلام من لقيت وأن ترضى بالدون من المجلس وقال عبد الله بن شداد أربعة من كن فيه فقد برئ من الكبر من اعتقل العنز وركب الحمار ولبس الصوف وأجاب دعوة الدون من الرجال

стр. 44

مما يدل على شرف الأبوة إلزام النفس بأنواع المروة قال بهرام بن بهرام المروأة اسم جامع للمحاسن كلها وقال بعض البلغاء المروأة جامعة لأشتات المبرات جالبة لأسباب المسرات دالة على كرم الأعراق باعثة على مكارم الأخلاق ناظمة لقلائد الفوائد عاقلة لشوارد المحامد وقال بعض الحكماء المروأة سجية جبلت عليها النفوس الزكية وشيمة طبعت عليها الطباع الكريمة وقالوا أولى الناس بالمروة من له نبوة النبوة وقد جمع الله تعالى متفرقاتها في قوله تعالى إن الله يأمر بالعدل والاحسان وإيتاء ذي القربى وينهي عن الفحشاء والمنكر والبغي وجمعها النبي ﵊ على نوع آخر فقال من عامل الناس فلم يظلمهم ووعدهم فلم يخلفهم وحدثهم فلم يكذبهم فهو ممن كملت مروأته وظهرت عدالته ووجبت أخوته وحرمت غيبته وجمعها بعضهم على نوع آخر فقال باب مفتوح وخير ممنوح وستر مرفوع وطعام موضوع ونائل مبذول وكلام معسول وعفاف معروف وأذى مكفوف وجمعها آخر فقال مروأة الرجل صدق لسانه واحتمال عثرات إخوانه وبذل المعروف لأهل زمانه وكف الأذى عن جيرانه وقال أعرابي والله لولا أن المروأة ثقيل محملها شديدة مؤنتها ما ترك اللئام للكرام منها شيأً وقالوا المروأة الظاهرة الثياب الطاهرة كما قال يزيد بن المهلب لولده كن أحسن ما تكون في الظاهر حالاً أقل ما تكون في الباطن مآلاً وقال ﵊ إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده ويكره البؤس والتباؤس وقال الحسن بن علي ﵄ إن الله جميل يحب الجمال وقالوا مروأة الرجل أن لا يلبس ثوب شهرة كما قال بعض الظرفاء كل ما اشتهت نفسك والبس ما يلبسه أبناء جنسك ولقد أحسن بعض الشعراء حيث نظم هذه الكلمات يخاطب بها إنساناً لبس ثوب شهرة فقال

стр. 45

إنّ العيون رمتك إذ فاجأتها ... وعليك من شهر الثياب لباس أمّا الطعام فكل لنفسك ما اشتهت ... واجعل لباسك ما اشتهاه الناس وقالوا التعري البارح خير من الزي الفاضح وقال عبد الملك بن صالح ليس من لباس السادات ذوي المروات ذوات الألوان فإنها من لباس الغلمان والنسوان قال الشاعر قل للذي يخرج عن شكله ... ليرتقي أسباب أوعار كيف ترجي أن تنال العلا ... ولم تبال الدهر من عار من فارق المعهود من زيه ... فذاك لا كاس ولا عار ورأى إنسان على أبي طاهر الخبزارزي ثوباً حسناً فلامه في ذلك وعنفه فأنشد عليّ ثياب فوق قيمتها فلس ... وفيهنّ نفس دون قيمتها الأنس فويك صبح تحت أذياله دجى ... وثوبي ليل تحت أذياله شمس فكل من افتخر بمجده من الأكارم ومدح اسماله ورأى اكتساءه حلل المكارم أنمى لقدره وأسمى له اقتدى بالعتابي في هذا المذهب وتختم بفصه المذهب وذلك أنه دخل على يحيى بن خالد في سمل وكان لا يبالي ما لبس فعابه عليه فقال يا أبا علي خزى الله من يرفعه هيناه جماله وماله حتى يرفعه أكبراه همته ونفسه وأصغراه قلبه ولسانه قال شاعر في المعنى الذي نحاه لا تنظرنّ إلى الثياب فإنني ... خلق الثياب من المروأة كاسي وقال أبو هفان وأجاد في النحو الذي أراد تعجبت درّ من شيبي فقلت لها ... لا تعجبي قد يلوح الفجر في السدف

стр. 46

وزادها عجباً إذ رحت في سمل ... وما درت درّ أن الدرّ في الصدف ولا خرفي المعنى يا هذه كم يكون اللوم والفند ... لا تنكري رجلاً أثوابه قدد أن يمس منفرداً فالسيف منفرد ... والليث منفرد والبدر منفرد أو كنت أنكرت طمريه وقد خلقا ... فالبحر من فوقه الأقذاء والزبد إن كان صرف الليالي درّ بزغته ... فبين طمريه منه ضيغم لبد ومن المروأة التطيب فإنه ورد عن مكحول أنه قال من نظف ثوبه قل همه ومن طاب ريحه زاد عقله ومن جمع بينهما ظهرت مروأته وقيل من الظرف والكرم الاستقصاء في التبخر وكان ﷺ يعرف خروجه من منزله برائحة المسك وكان إذا سلك طريقاً عرف السائل عنه أين يمم لطيب ريحه وكان ابن عباس ﵄ إذا اجتاز في طريق قال الناس لطيمة مسك أو ابن عباس لطيب ريحه قال الشاعر ويفوح مسكاً طيب ريح ثيابه ... وكذاك ريح الماجد الوهاب الفصل الثالث من الباب الأول في ذم التخلق بالإحسان إذا لم يوافق القلب اللسان قال الله تعالى يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون وقال رسول الله ﷺ إن ذا الوجهين لا يكون عند الله وجيهاً وقال عمر بن الخطاب ﵁ من تخلق بما ليس من خلقه فهو منافق وقال ابن مسعود من كان كلامه لا يوافق فعله فإنما يوبخ بذلك نفسه وقيل ما الدخان بأدل على النار من ظاهر الرجل على

стр. 47

باطنه وقال زهير بن أبي سلمى ومهما تكن عند امرء من خليقة ... وإن خالها تخفي على الناس تعلم وقال آخر كل أمرئ راجع يوماً لشيمته ... وإن تخلق أخلاقاً إلى حين وقال بعض الحكماء لتلميذ له يا من باطنه منظور الحق وظاهره منظور الخلق حسن ما شئت لما شئت وقالوا ما أقبح بالانسان أن يقول ما لا يفعل وما أحسس الفعل ابتداء قبل القول فإن من مات محموداً أحسن حالاً ممن عاش مدموماً وقال أكثم بن صيفي فضل القول على الفعل دناءة وفضل الفعل على القول مكرمة ويقال أحسن المقال ما صدق بحسن الفعال وكان رجل يكثر الثناء على أمير المؤمنين علي ﵁ بلسان لا يوافقه القلب فقال له ﵁ يوماً وقد ألح عليه في الثناء أنا دون ما تقول وفوق ما في نفسك فانظر إلى هذه الفراسة المفترسة لحبات القلوب المكشوف لها الغطاء عن خفيات الغيوب وقال بعض الحكماء لأن يكون لي نصف لسان ونصف وجه على ما فيهما من قبح المنظر وسوء المخبر أحب إلي من أن أكون ذا وجهين وذا لسانين وذا قولين مختلفين وقال أرسطو طاليس وجهك مرآة قلبك فإنه يظهر على الوجوه ما تضمره القلوب وقالوا العيون طلائع القلوب وقد أولع الشعراء بنظم هذا المعنى كثيراً فمن ذلك قول بعضهم إنّ العيون لتبدي في نواظرها ... ما في القلوب من البغضاء والأحن وقال آخر تريك أعينهم ما في صدورهم ... إن الصدور يؤدّي سرّها النظر

стр. 48

آخر عيناك قد دلتا عينيّ منك على ... أشياء لولاهما ما كنت أدريها تظلّ في نفسك البغضاء كامنة ... والقلب يضمرها والعين تبديها والعين تعرف من عيني محدّثها ... إن كان من حزبها أو من أعاديها ويقال العادات قاهرات فمن اعتاد شيأً في السر فضحه في العلانية وقالوا حقيقة النفاق اختلاف السر والعلن واختلاف القول والعمل وقال أبو سعيد الجرجاني لا ينبغي أن يكون حسن القول تمهيداً لقبح الفعل لام الشعبي واسمه عامر بن شراحيل عبد العزيز بن مروان على تقصير في الخطبة لما كان عاملاً على مصر وتركه استعمال البلاغة مع القدرة عليها فقال إني لأستحيي من الله تعالى أن أقول بلساني على منبري خلاف ما أعلمه من قلبي وكتب رجل إلى صديق له إما بعد فعظ الناس بفعلك ولا تعظهم بقولك وأوحى الله تعالى إلى عيسى ﵊ يا عيسى عظ نفسك فإن اتعظت فعظ الناس ومما يعاب من خلال الانسان أن يكون بديع مقال اللسان بعيد مجال الاحسان قال ﵊ ليس الملق من أخلاق المؤمنين ابن المعتز من كثر ملقه لم يعرف بشره ذم أعرابي قوماً فقال قلوبهم أمر من الدفلي وألسنتهم من العسل أحلى وقال الشاعر إذا نصبوا للقول قالوا فأحسنوا ... ولكنّ حسن القول خالفه الفعل

стр. 49

وقال ابن حبير الناس شبه ظروف حشوها صبر ... وفوق أفواهها شيء من العسل تحلو لذائقها حتى إذا انكشفت ... له تبين ما تحويه من زغل وقالوا فلان يبدي وجه المطابق الموافق ويخفي نظر المسارق المنافق قال شاعر يا أيها المتحلى غير شيمته ... ومن شمائله التبديل والملق ارجع إلى خلقك المعروف ديدنه ... إنّ التخلق يأتي دونه الخلق وقالوا شر الناس من هو في الظاهر صديق موافق وفي الباطن عدو منافق قال شاعر لعمرك ما ودّ اللسان بنافع ... إذا لم يكن أصل المودّة في القلب وقال رجل لعلي ﵁ علمني السلام على الاخوان فقال لا تبلغ بهم النفاق ولا تقصر بهم عن الاستحقاق ولقد صدق صالح بن عبد القدوس في قوله وأكثر من تلقى يسرّك قوله ... ولكن قليل من يسرّك فعله وقد كان حسن الظنّ بعض مذاهبي ... فأدّبني هذا الزمان وأهله وقال آخر وبالغ في الذم لم يبق في الناس إلا المكر والملق ... شوك إذا اختبروا زهر إذا رمقوا فإن دعاك إلى إئتلافهم قدر ... فكن جحيماً لعلّ الشوك يحترق

стр. 50

آخر خلّ النفاق لأهله ... وعليك فانتهج الطريقا واذهب بنفسك لن ترى ... إلا عدوّاً أو صديقا آخر يريك النصيحة عند اللقا ... ويبريك في السرّ بري القلم فبتّ حبالك من وصله ... ولا تكثرنّ عليه الندم ومما يلحق بهذا أنّ عمل الرياء سالب عن صاحبه جلباب الحياء ارياء من الكبائر وأخبث السرائر شهدت بمقته الآيات والآثار وتواردت بذمه القصص والأخبار قال رسول الله ﷺ إن الله لا يقبل عملاً فيه مثقال ذرة من رياء وأما الحياء فهو من ثلاثة أوجه من الله ومن الناس وحياء المرء من نفسه فإنه من استحيا من الله ولم يستحي من الناس فقد استهان بالناس ومن استحيا من الناس ولم يستحي من الله فقد استهان بالله ومن استحيا من الناس ولم يستحي من نفسه فليس لنفسه عنده قدر وويل لمن أرضى الله بلسانه وأسخطه بقلبه وكان أبو مسلم الخولاني يقول ما عملت منذ كذا وكذا سنة عملاً أبالي أن يراه الناس إلا حاجة الرجل إلى أهله وحاجته إلى الخلاء وقال الحسن البصري لأن تطلب الدنيا بأقبح ما تطلب به أحب من أن تطلبها بأحسن ما تطلب به الآخرة وقال الفتح بن خاقان كنت يوماً ألاعب المتوكل بالنرد فاستؤذن لأحمد بن أبي دواد فأذن له فلما قرب منا هممت برفعها فمنعني المتوكل وقال كيف أجاهر الله بشيء وأستره عن عباده وكان الشبيل إذا رأى من يدعي التصوف يقول ويلكم لا تفتروا على الله كذباً فيسحتكم بعذاب وقد خاب من افترى وقال شاعر يذم المرائين منهم قد لبس الصوف لترك الصفا ... مشايخ العصر لشرب العصير الرقص والتناهد من شأنهم ... شرّ طويل تحت ذيل قصير

стр. 51

آخر أظهروا للناس نسكا ... وعلى المنقوش داروا وله صاموا وصلوا ... وله حجواً وزا روا إن يكن فوق الثريا ... ولهم ريش لطاروا ولآخر يحض على الاعتزال عن هؤلاء لا تصحبنّ عصابة ... حلقوا الشوارب للطمع يبكوا وجلّ بكائهم ... ما للفريسة لا تقع قال ثابت البناني دخلت على داود الطائي فقال لي ما حاجتك قلت زيارتك قال ومن أنا حتى أزار ليس من العباد أنا لا والله ولا من الزهاد أنا لا والله ثم ضرب بيده على لحيته وأقبل على نفسه يوبخها وقال كنت في زمن الشباب فاسقاً ثم تبت فصرت مرائياً والله إن المرائي لشر من الفاسق ويقال كان الناس يراؤن بما يفعلون لا بما يقولون فصاروا يراؤن بما يقولون ولا يفعلون ثم صاروا يراؤن بما لا يقولون ولا يفعلون ذم البديع الهمداني قاضياً بالرياء فقال قد بيض لحيته بسواد صحيفته وأظهر ورعه ليخفي طمعه وقصر سباله ليظهر سرباله وتغشى محرابه ليغطي حرابه يبرز في ظاهر أهل السمت وهو في باطن أهل الصمت شاعر تصنع كي يقال له أمين ... وما معنى تصنعه الاماته ولم يرد الإله به ولكن ... أراد به طريقاً للخيانه آخر ودع التواضع فاللباس مجونا ... فالله يعلم ما تكنّ وتكتم فرثاث ثوبك لا يزيدك رفعة ... عند الإله وأنت عاص مجرم

стр. 52

ويقال أربعة لا يعتد بهن زهد الخصى وتوبة الجندي وشكوى المرأة وتقوى الأحداث صلى رجل صلاة خفيفة فقيل له أقصرت الصلاة قال لا بل هي صلاة ليس فيها رياء نظر أبا أمامة الباهلي رجل في المسجد وهو ساجد يبكي فقال نعم الرجل أنت لو كان هذا في بيتك ومن ظرف الحكايات ... وتحف الفكاهات عمن كان له من الرياء غرّة فاضحة ... ومن عدم الحياء سمة لائحة وفد على عمر بن عبد العزيز بلال بن أبي بردة فجعل يصلي ويطيل الصلاة فقال عمر للعلاء ترى ذلك تصنعاً فقال العلاء أنا آتيك بخبره يا أمير المؤمنين فأتى إلى داره بين العشاءين فوجده يصلي فقال له خفف فإن لي إليك حاجة فخفف وسلم وقال ما الحاجة فقال له العلاء تعرف محلى من أمير المؤمنين فإن أنا أشرت بك عليه في ولاية العراق فما تجعل لي قال لك علي عمالتي سنة وكان مبلغ ذلك عشرين ألف درهم فسأله العلاء أن يكتب له بذلك شرطاً على نفسه فكتب له فأتى العلاء بالشرط إلى عمر فقال إنه غرنا بالله فكدنا نغتر وكنا نظنه ذهباً فلما سبكناه وجدناه خبثاً وأدخل على المنصور رجل أراد أن يوليه قضاء ناحية من العراق قد جعل السجود بين عينيه كركبة الجمل فقال له المنصور إن كنت أردت الله بهذا فما ينبغي لنا أن نشغلك عنه وإن كنت أردتنا فما ينبغي لنا أن ننخدع لك ولم يوله شيأً مر بعض المرائين بابن مزداد وهو جالس على باب داره وبين عيني الرجل سجادة عظيمه وكان ابن مزداد شيخاً ابن ثمانين سنة ومقعداً من ثلاثين سنة فقال امرأتي طالق إن كان في استي من القعود ما في جبهة هذا من السجود وضع بعض المرائين بين عينيه سجادة ودلكها بنواة وشد عليها ثوماً وبات بها فزاغت العصابة عن مكانها وصارت في ناحية صدغه فاتسم فقيل لولده كيف أصبح أبوك قال أصبح ممن يعبد الله على حرف وقال ظريف من الشعراء

стр. 53

لمراء يتهكم به في معرض الوصية شمر ثيابك واستعدّ لقابل ... واحكك جبينك للقاء بثوم وامش الدبيب إذا مشيت لحاجة ... حتى تصيب وديعة ليتيم وبلغ الرشيد قول أبي نواس يا أحمد المرتجي في كل نائبة ... قم سيدي نعص جبار السموات وقوله ألا فاسقني خمراً وقل لي هي الخمر ... ولا تسقني سرّاً إذا أمكن الجهر وقوله ما جاءنا أحد مذ مات يخبرنا ... في جنة جسمه قد كان أو نار فقال هذا كلام زنديق وأمر الفضل بن الربيع بحبسه فحبسه وتناساه زماناً فأظهر التوبة وكتب إلى الفضل من الحبس بهذه الأبيات فارعوى باطلي وأقصر جهلي ... وتبدّلت عفة وزهاده بركوع أزينه بخشوع ... واصفرار مثل اصفرار الجراده لو تراني شبهتني الحسن البص ... ريّ في حال نسكه أو قتاده التسابيح في ذراعي والمص ... حف في لبتي مكان القلاده فإذا شئت أن ترى ظرفة ... تعجب منها مليحة مستجاده فادع بي لاعدمت تقويم مثلي ... وتأمّل بعينك السجاده

стр. 54

ترء أثراً من الصلاة بوجهي ... توقن النفس أنها من عباده لو رآها بعض المرائين يوماً ... لاشتراها يعدّها للشهاده ولقد طال ما شقيت ولكن ... أدركتني على يديك السعاده فلما وصلت الأبيات إلى الفضل ضحك منها وكلم فيه الأمين فأطلقه ولما أطلق من حبسه كتب إلى الفضل يشكره على جميل فعله.

стр. 55

الباب الثاني في اللؤم وفيه ثلاثة فصول الفصل الأول من هذا الباب في ذم من ليس له خلاق وما اتصف به من الأخلاق قال الله تعالى هماز مشاء بنميم مناع للخير معتد أثيم عتل بعد ذلك زنيم هذه النقائص كلها يجمعها سوء الخلق وقيل إن سوء الخلق شؤم يجذب صاحبه في الدنيا إلى العار وفي الآخرة إلى النار وقال أبو هريرة ﵁ سألت رسول الله ﷺ عن الشؤم فقال الشؤم سوء الخلق وقال عمر بن الخطاب إذا كان في الانسان عشر خصال تسعة منها صالحة وواحدة هي سوء الخلق أفسدت هذه الخصلة تلك التسعة شاعر وكم من فتى أزرى به سوء خلقه ... فأصبح مذموماً قليل المحامد وقالوا من ساءت أخلاقه طاب فراقه وقالوا سوء الخلق يدل على خبث الطبع ولؤم العنصر ويكاد سيء الخلق أن يعد من البهائم وقال رسول الله ﷺ إن الخلق السيء يفسد العمل كما يفسد الخل العسل وروى عنه ﷺ أنه قال إن سوء الخلق زمام من عذاب الله في أنف صاحبه والزمام في يد شيطان يجره إلى النار أخرجه البيهقي في شعب

стр. 56

الايمان وقالوا فلان له خلق خلق وشأن شائن وشيمة مشؤمة وخيم وخيم وطبع طبيع من مساوئ أخلاقهم الذميمة نقل الأقدام بالسعاية والنميمة قالوا النميمة الخصال الذميمة تدل على نفس سقيمة وطبيعة لئيمة مشغوفة بهتك الأستار وإفشاء الأسرار وقال بعض الحكماء الأشرار يتبعون مساوئ الناس ويتركون محاسنهم كما يتبع الذباب المواضع الألمة من الجسد ويترك الصحيحة وقالوا لم يمش ماش شر من واش والساعي بالنميمة يهلك نفسه ومن سعى به ومن سعى إليه كما حكى أن عمرو بن معاوية ابن عمرو بن عتبة بن أبي سفيان العتبي رأى رجلاً يسعى برجل عند صديق له فقال له نزه سمعك عن استماع الخنى كما تنزه لسانك عن التكلم به فإن السامع شريك القائل وإنما نظر شر ما في وعائه فأفرغه في وعائك ولوردت كلمة ساع إلى فيه لسعد رادها كما شقى قائلها والنمام شر من الساحر فإن النمام يفسد في الساعة الواحدة ما لا يفسد الساحر في المدة الطويلة أتى رجل عبد الله بن عباس وهو والي البصرة من قبل علي ﵁ بنميمة فقال له إن شئت سألنا عما جئت به فإن كنت صادقاً مقتناك وإن كنت كاذباً عاقبناك وإن شئت أقلناك فقال إن شئت أن تفعل فافعل شاعر توخ من الطرق أوساطها ... وعدّ عن الجانب المشتبه وسمعك صن عن سماع القبيح ... كصون اللسان عن النطق به فإنك عند سماع الحديث ... شريك لقائله فانتبه وقال أبو الأسود الدؤلي لا تقبلنّ نميمة بلغتها ... وتحفظنّ من الذي أنباكها إنّ الذي ألقى إليك نميمة ... سينمّ عنك بمثلها قد حاكها

стр. 57

هذا منظوم قول الناس من نم لك نم عليك وسعى رجل برجل عند عمر بن عبد العزيز فقال له عمر إن شئت نظرنا في أمرك فإن كنت كاذباً فأنت داخل تحت حكم هذه الآية إن جاءكم فاسق بنبا فتبينوا وإن كنت صادقاً فأنت من هذه الآية هماز مشاء بنميم وإن شئت عفونا عنك وقال بعض الملوك لولده ليكن أبغض رعيتك إليك أشدهم كشفاً لمعايب الناس فإن للناس معايب وأنت أحب بسترها وأنت إنما تحكم بما ظهر لك والله يحكم فيما غاب عنك وأكره للناس ما تكره لنفسك واستر العورة يستر الله عليك ما تحب ستره ولا تصغ إلى تصديق ساع فإن الساعي غاش وإن قال قول نصيح وقال أرسطا طاليس النميمة تهدي إلى القلوب البغضاء ومن نقل إليك نقل عنك وقالوا شر من النميمة قبولها لأن النميمة دالة والقبول إجازة وليس من دل على شيء كمن قبله وأجازه وقال المهدي ما الساعي بأعظم عورة ولا أقبح حالاً من قابل سعايته ولا يخلو أن يكون الساعي حاسد نعمة فلا يشفى غيظه أو عدواً فلا يعاقب له عدوه لئلا يشمت به ولقد أحسن بعض الشعراء لظرفاء في قوله لا تسمعنّ من الحسود مقالة ... لو كان حقاً ما يقول لما وشى وقال آخر يذم صديقاً له نماماً وصاحب سوء وجهه لي أوجه ... وفي فمه طبل بسرّي يضرب ولا بدّ لي منه فحينا يغصني ... وينساغ لي حيناً ووجهي يقطب كماء بدرب الحاج في كل منهل ... يذمّ على ما كان منه ويشرب وقال السريّ الرفاء يذمّ نماماً أنمّ بما استودعته من زجاجة ... يرى الشيء فيها ظاهراً وهو باطن

стр. 58

وقال ابن وكيع في المعنى ينم بستر مسترعيه لؤماً ... كما نم الظلام بسرّ نار أنم من النصول على مشيب ... ومن صافي الزجاج على عقار ولقد أحسن محمد بن شرف القيرواني في قوله يصف نماماً وناصت نحو أفواه الورى أذناً ... كالقعب يلفظ منها كل ما سقطا يظل بالقول والأخبار مجتهداً ... حتى إذا ما وعا هازق ما لقطا والنميمة والكذب رضيعا لبان ... وفي مشوار الدناءة فرسا رهان قال أبو حيان التوحيدي الكذب شعار خلق وأدب سيء وعادة فاحشة وقل من استرسل معه إلا ألفه وقل من ألفه إلا أذله وأوصى بعض الحكماء ولده فقال إياك والكذب فإنه يزري بقائله وإن كان شريفاً في أصله ويذله وإن كان عزيزاً في أهله وقالوا ثنتان لا يجتمعان الكذب والحياء ارسطا طاليس فضل الناطق على الأخرس بالنطق وزين النطق بالصدق وقال بزرجمهر الكاذب والميت سواء فإنه إذا لم يوثق بكلامه بطلت حياته وقال معاوية يوماً للأحنف وقد حدثه أتكذب قال والله ما كذبت منذ علمت أن الكذب شين وقال بعض الأعراب عجبت من الكذاب المشيد لكذبه وإنما هو يدل الناس على عيبه ويتعرض للعقاب من ربه فالآثام له عادة والأخبار عنه متضادة إن قال حقاً لم يصدق وإن أراد خيراً لم يوفق فهو الجاني على نفسه بفعاله الدال على فضيحته بمقاله فما صح من صدقه نسب إلى غيره وما صح من كذب غيره نسب إليه ويقال الكذب جماع النفاق وعماد مساوي الأخلاق عار لازم وذل دائم يخيف صاحبه نفسه وهو أمن ويكشف ستر الحسب عن لؤمه الكامن قال الشاعر إن النموم أغطى دونه خبري ... وليس لي حيلة في مفتري الكذب لا يكذب المرء إلا من مهانته ... أو عادة السوء أو من قلة الأدب

стр. 59

ويكفي في ذم الكذب قوله تعالى إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله وأولئك هم الكاذبون وقول رسول الله ﷺ إن الصدق يهدي إلى البر والبر يهدي إلى الجنة والكذب يهدي إلى الفجور والفجور يهدي إلى النار وقول عمر بن الخطاب ﵁ لأن يضعني الصدق وقلما يفعل أحب إلي من أن يرفعني الكذب وقلما يفعل وقيل لا يجوز أن يكذب الرجل لصلاح نفسه فإن ما عجز الصدق عن إصلاحه كان الكذب أولى بفساده ولقد صدق من قال عوّد لسانك قول الصدق تحظ به ... إنّ اللسان لما عوّدت معتاد موكل بتقاضي ما سننت له ... في الخير والشر فانظر كيف ترتاد ويكفي في معرة الكذب أن من عرف به مقت إذا نطق وكذب وإن صدق قال رجل لأبي حنيفة ما كذبت قط فقال له أبو حنيفة إما هذه فواحدة أشهد عليك بها وقال الأصمعي لرجل كذاب أصدقت قط قال نعم قيل له عجب قال خفت أن أقول لا فأصدق وقيل لبعض الحكماء أيما أشر الكذاب أو النمام فقال الكذاب لأنه يخلق عليك والنمام ينقل عنك شاعر لي حيلة فيمن يتم ... وليس في الكذاب حيله من كان يخلق ما يقو ... ل فحيلتي فيه قليلة ومن ظريف أخبار الكذبة أن رجلاً من آل الحرث بن ظالم قال لقد بلغني أن الحرث غضب يوماً فانتفخ في ثوبه فبدر من ثوبه أربعة أزرار ففقأت أربعة أعين من عيون جلسائه شاعر حلفت برب مكة والمصلى ... وأبدا الواقفين على عكاظ لا كذب ما يكون إذا تألى ... وشدّدها بأيمان غلاظ

стр. 60

وافة الكذب النسيان كذا ورد في النبا المأثور والخبر المشهور قال الشاعر إذا عرف الكذاب بالكذب لم يزل ... لدى الناس كذاباً وإنّ كان صادقا ومن آفة الكذاب نسيان كذبه ... وتلقاه ذا ذهن إذا كان حاذقا ومن مستقبح خلائق اللوم الصراح ... اللسان البذيّ والوجه الوقاح قال النبي ﷺ شر الناس الذين يكرمون اتقاء ألسنتهم وقال أمير المؤمنين علي ﵁ ما استب رجلان الأغلب ألأ مهما وقال الأحنف بن قيس إلا أخبركم بأدوا الداء الخلق الدني واللسان البذي وقالوا اللئيم يعد الخني جنة والوقاحة جنة فوجهه صلب ولسانه خلب وقالوا الفاقة خير من الصفاقة وقال أبو حيان إن الخصم إذا كان الهوى مركبه والعناد مطلبه فلن يفلح معه ولو خرجت اليد بيضاء وانقلبت العصا حية قال بعض الشعراء يهجو معانداً تراه معدّاً للخلاف كأنه ... برد على أهل الصواب موكل وقالوا الوقاحة في الرجل تدل على لؤم نجره وخساسة قدره وقلة خيره وكثرة شره وقال الشاعر صلابة الوجه لم تغلب على أحد ... إلا تكمل فيه الشر واجتمعا وقال بعضهم في ذمه أوقاحاً لو أنّ أكفانهم من حرّ أوجههم ... قاموا إلى الحشر فيها مثل ما رقدوا

стр. 61

ولأبي العبر في مثل ذلك وأحسن في قوله يا ليت لي من جلد وجهك رقعة ... فأقدّمنها حافر اللاشهب أنشدنا ناصر الدين حسن الكناني عرف بابن النقيب لنفسه في أوقاح فقال تعالى الله خالقها وجوها ... فما أخفت من الحيوان حالا لقد صلبت وخفت من حياء ... وغير خلقها حتى استحالا وجوه ليت لي منها حذاء ... وليت لبغلتي منها نعالا وقال الناجم يهجو لك عرض مثلم من قوارير ... ووجه ململم من حديد ليم بعضهم على الوقاحة فقال الوجه ذو الوقاحة من الوجوه الوقاحة يفئ على صاحبه الأنفال ويفتح له الأقفال ويلقطه الأرطاب ويلقمه ما استطاب ويجسره على قول المنطيق وييسر له فعل ما لا يطيق ثم أنشد إذا رزق الفتى وجهاً وقاحاً ... تقلب في الأمور كما يشاء وقال جعفر الصادق إن الله يبغض السباب الطعان المتفحش قال الشاعر من لم يكن عنصره طيباً ... لم يخرج الطيب من فيه كل امرئ يشبهه فعله ... ويرشح الكوز بما فيه أصل الفتى يخفي ولكنه ... من فعله يظهر خافيه

стр. 62

جماع ما يتخلق به الأنذال ... من الشيم والخلال قال بعض الحكماء أربعة من علامات اللؤم أفشا السر واعتقاد الغدر وغيبة الأحرار وإساءة الجوار وسأل عبد الملك بن مروان الحجاج بن يوسف عن خلقه فتلكأ وأبى أن يخبره فأقسم عليه أن لا بد فقال حسود كنود لجوج حقود فقال عبد الملك ما في إبليس شر من هذه الخصال فبلغ ذلك خالد بن صفوان فقال لقد انتحل الشر بحذافيره ومرق من جميع خلال الخير بأسره وتأنق في ذم نفسه وتجرد في الدلالة على لؤم طبعه وأفرط في إقامة الحجة على كفره وخرج من الخلال الموجبة لرضا ربه وقال أبو تمام مسا ولو قسمن على الغواني ... لما أمهرن إلا بالطلاق وقال رسول الله ﷺ أربعة من كن فيه فهو منافق من إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا عاهد غدر وإذا ائتمن خان وقالوا اللئيم كذوب الوعد خؤن العهد قليل الرفد وقالوا اللئيم إذا استغنى بطر وإذا افتقر قنط وإن قال أفحش وإن سئل بخل وإن سال ألحف وإن أسدى إليه صنيع أخفاه وإن استكتم سراً أفشاد فصديقه منه على حذر وعدوه منه على غرر ومما اخترناه في غدر اللئام ... من درر الأهاجي والمذامّ ذم أحمد بن يوسف الكاتب بني سعيد بن مسلم بن قتيبة فقال محاسنهم مساوئ السفل ومساويهم فضائح الأمم ألسنتهم معقودة بالعيّ وأيديهم معقولة بالبخل وأعراضهم أغراض الذم فهم كما قيل لا يكثرون وإن طالت حياتهم ... ولا تبيد مخازيهم وإن بادوا

стр. 63

وذم أعرابي قوماً فقال أولئك قوم سلخت أقفاؤهم بالهجاء ودبغت جلودهم باللؤم فلباسهم في الدنيا الملامة وفي الآخرة الندامة وذم أعرابي قوماً فقال أولئك قوم هم أقل الناس ذنوباً إلى أعدائهم وأكثرهم تجرياً على أصدقائهم يصومون عن المعروف ويفطرون على الفحشاء وكان عيسى ابن فرخان شاه يتيه على أبي العيناء في حال وزارته فلما انصرف عنها لقي أبا العيناء في بعض السكك فسلم عليه سلاماً خفياً فقال أبو العيناء لغلامه من هذا قال أبو موسى فدنا منه حتى أخذ بعنان بغلته وقال لقد كنت أقنع بإيمائك دون بيانك وبلحظك دون لفظك فالحمد لله على ما آلت إليه حالك فلئن كنت أخطأت فيك النعمة لقد أصابت فيك النقمة ولئن كانت الدنيا أبدت قبائحها بالاقبال عليك لقد أظهرت محاسنها بالادبار عنك ولله المنة إذ أغنانا عن الكذب عليك ونزهنا عن قول الزور فيك فقد والله أسأت حمل النعمة وما شكرت حق المنعم ثم أطلق يده من عنانه ورجع إلى مكانه فقيل له يا أبا عبد الله لقد بالغت في السب فما كان الذنب فقال سألته حاجة أقل من قيمته فردني عنها بأقبح من خلقته قال بعض الأعراب نزلت بذاك الوادي فإذا ثياب أحرار على أجسام عبيد اقبال حظهم ادبار حظ الكرام أخذ هذا المعنى شاعر فقال أرى حللاً تصان على رجال ... وإعراضاً تدال ولا تصان يقولون الزمان به فساد ... وهم فسدوا وما فسد الزمان وسئل بعض البلغاء عن رجل فقال هو صغير القدر قصير الشر ضيق الصدر لئيم النجر عظيم الكبر كثير الفخر وسئل آخر عن رجل فقال لو قذف على الليل لؤمه لانطمست منه نجومه وسئل آخر عن رجل فقال يكاد يعدي بلؤمه كل من تسمى باسمه وقال حجاج بن هرون والله ماله في الشرف أسباب متان ولا في الخير عادات حسان وذم أعرابي رجلاً فقال هو عبد البدن حر الثياب عظيم الرواق صغير الأخلاق الدهر يرفعه وهمته تضعه وذم آخر رجلاً فقال أما الوجه فدميم وأما الخلق فذميم وأما الخيم فوخيم وأما العرض فزنيم وأما الحسب فلئيم وقال الجاحظ فلان لا تنجع فيه الرقى ولا

стр. 64

تنفذ فيه الحيل ولا يهزه المدح ولا يحزنه الذم ولا يخجله التقريع ولا يذله التوبيخ ولا يرحم المظلوم فإن استرحمته ازداد غلظة ولا يرق لفقير وإن تعرض له قتله جوعاً وقال آخر فلان غث في دينه قذر في دنياه رث في مروأته سمج في هيئته منقطع إلى نفسه راض عن عقله بخيل بما وسع الله عليه كتوم لما آتاه الله من فضله حلاف لجوج إن سأل ألحف وإن وعد أخلف لا ينصف الأصاغر ولا يعرف حق الأكابر وأنشد لابن قادوس تأنست بذميم الفعل طلعته ... تأنس المقلة الرمداء بالظلم وقالوا فلان كالشجرة التي قل ورقها وكثر شوكها وصعب مرتقاها قال الشعر يهجو قوماً لئاماً هم الكشوت فلا أصل ولا ثمر ... ولا نسيم ولا ظل ولا ورق جفوا من اللؤم حتى لو أصابهم ... ضوء السهى في ظلام الليل لاحترقوا لو صافحوا المزن ما ابتلت أناملهم ... ولو يخوضون بحر الصين ما غرقوا ومن محاسن التلفيق في الذم فلان له كيد مخنث وحسد نائحة وشره قواد وذل قابله وملق داية وبخل كلب وحرص نباش ونتن جورب ووحشة قرد قال ابن حجاج في مثل ذلك نسيم حشّ وريح مقعدة ... ونفث أفعى ونتن مصلوب وله يهجو نعمة الله لا تعاب ولكن ... ربما استقبحت على أقوام لا يليق الغني بوجه أبي يع ... لى ولا نور بهجة الاسلام وسخ الثوب والعمامة والبر ... ذون والوجه والقفا والغلام

стр. 65

ومن التلفيق فلان يروغ من الحق روغان الثعلب ويشره إلى الادناس شره الخنزير ويستسلم إلى عدوه استسلام الضبع ويدب إلى الشر دبيب العقرب وينام عن الخير نوم الفهد ويجبن عن القرن جبن العصفور ويخبط في الجهل خبط الناقة ابن عروس يهجو كم قال منتقدوك أحمر زائف ... ماذا أقول وقد عصيت الناقدا ولقد عرضتك يا زنيم بدرهم ... فيمن يزيد فما وجدت مزايدا سافر بطرفك هل ترى لك شاكراً ... أو ذاكراً أو حاسداً أو حامدا آخر أمّا الهجاء فدق عرضك دونه ... والمدح فيك كما علمت جليل فاذهب فأنت طليق عرضك إنه ... عرض عززت به وأنت ذليل الفصل الثاني من الباب الثاني في ذكر الفعل والصنيع الدالين على لؤم الوضيع قال رسول الله ﷺ إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستح فاصنع ما شئت وقال الشاعر إذا لم تصن عرضاً ولم تخش خالقاً ... وتستحي مخلوقاً فما شئت فاصنع وقالوا فلان لا يستحيي من الشر ولا يحب أن يكون من أهل الخير فلو أفلتت كلمة سوء لم تنسب إلا إليه وإن رفعت لعنة لما وقعت إلا عليه وسئل معاوية عن السفلة فقال الذي ليس له فعل موصوف ولا نسب معروف كما قال بعض الاعراب وقد سئل عن رجل فقال عليه كل يوم قسامة من فعله تشهد عليه بلؤم أصله وشهادات الأفعال أصدق من شهادات الرجال وقال بعض

стр. 66

العارفين أفعال المر مشهود لواصفيه وسئل محمد بن الحسن عن السفلة فقال من يبخل بقطعه الحجام ويفعل في الطريق فعل الطغام وقال الأصمعي السفلة من لا يبالي بما قال أو قيل له وقال يحيى بن أكثم السفلة الذي لا يعيبه ما صنع وقال أبو مسلم ألأم الأعراض عرض لم يرتع فيه مدح ولا ذم وسمع الأحنف رجلاً يقول لا أبالي مدحت أو ذممت فقال يا هذا استرحت من حيث تعب الكرام فمن فعلات من خلع في اللؤم الرسن ... المكافأة بالقبيح عن الفعل الحسن من أمثال العرب في ذلك أكفر من ناشرة وذلك أن همام بن مرة كان قد أخذ ناشرة من أمه لما مات أبوه وضاقت بتربيته ذرعاً فرباه وأحسن إليه فلما بلغ الحلم هجاه هجواً قبيحاً فنهاه عنه فتركه حتى تام واغتاله وحكى الأصمعي أن أعرابياً ربى جرو ذئب وجعل يغذيه بلبن شاة له حتى كبر فخرج معها يوماً للرعي كعادته فحركته الطبيعة الدنية والنفس الذئبية على افتراس الشاة فلما رأى الأعرابي الشاة فريسة أنشد عقرت شويهتي وفجعت قومي ... بشاتهم وأنت لها ربيب غذيت لبانها ونشأت معها ... فمن أنباك أنّ أباك ذيب إذا كان الطباع طباع سوء ... فليس بنافع أدب الأديب وأغار خيثمة بن مالك الجعفي على بني القين فاستاق منهم إبلاً فأطلقوا خلفه الأعنة فلم يقدروا عليه ولا وصلوا إليه فنادوه وقالوا له إن أمامك مفازة ولا ماء معك وقد فعلت جميلاً فانزل ولك الذمام والخباء فنزل فلما اطمأن وسكن أخذته سنة فنام فوثبوا عليه وقتلوه ومما يستغرب منه ويستعجب ... في هذا الباب ويستعذب لما حارب الحجاج عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث بر زمن أصحاب عبد الرحمن عبد الله بن سواد الحارثي وطلب المبارزة فبرز إليه بعض أصحاب الحجاج فقتله عبد الله ثم عاد فطلب المبارزة فخرج إليه آخر فقتله ثم عاد

стр. 67

فطلب البراز فخرج إليه آخر فقتله ثم عاد وطلب البراز فقال الحجاج للجراح بن عبد الله الحكمي اخرج إليه فخرج فقال له عبد الله وكان صديقاً له ما أخرجك قال ابتليت بك قال فهل لك في خير قال الجراح وما هو قال أنهزم لك فترجع إلى الحجاج وقد أحسنت عنده وأما أنا فأحتمل مقالة الناس في انهزامي حباً لسلامتك فإني لا أحب قتل مثلك من قومي قال افعل فحمل الجراح على عبد الله فاستطرد له عبد الله وتبعه الجراح يريد قتله فصاح بعبد الله غلام له وكان ناحية عنه وكان معه إداوة وقال له يا سيدي إن الرجل يريد قتلك فعطف على الجراح فضربه بعمود على رأسه فصرعه فقال له يا جراح بئس ما جزيتني به أردت لك العافية وتريد قتلي انطلق فقد تركتك للصداقة التي بيني وبينك فشتان ما بين الفعلين قصد أبو بكر الخوارزمي الصاحب بن عباد ومدحه بقصيدة قال فيها وما خلقت كفاك إلا لأربع ... عوائد لم يخلق لهنّ يدان لشكرك أفواه وتنويل نائل ... وتغليب هندي وأخذ عنان فلما بلغ إلى هذا البيت قال له لم تذكر القلم وهو آلة الكاتب وبه تقدم ورأس فقال قصيدة مدحه بها جاء منها يد تراها أبداً ... فوق يد وتحت فم ما خلقت بنانها ... إلا لسيف وقلم فخلع عليه كل ملبوسه وخلع عليه كل من كان في مجلسه من الثياب موافقة للصاحب فحصلت له مائة جبة فلم يرضه ذلك وانصرف فهجاه بقوله لا تحمدنّ ابن عباد ولو مطرت ... كفاه بالجود حتى جازت الديما لكنها خطرات من وساوسه ... يعطى ويمنع لا بخلاً ولا كرما

стр. 68

واتفق إن مات الخوارزمي عقب قوله هذه الأبيات فلما بلغ الصاحب موته قال سألت بريداً من خراسان مقبلاً ... أمات خوارزميكم قال لي نعم فقلت اكتبوا بالجص من فوق قبره ... ألا لعن الرحمن من يكفر النعم ومما يدل على خبث نجار اللئيم ... الغدر بمن يركن إليه ويستنيم قال رسول الله ﷺ إذا جمع الله الأولين والآخرين رفع لكل غادر لواء وقيل هذه غدرة فلان وقالوا من نقض عهده ومنع رفده فلا خير عنده وقالوا العذر يصلح في كثير من المواطن ولا عذر لغادر ولا خائن شاعر أخلق بمن رضى الخيانة شيمة ... أن لا يرى إلا صريع حوادث ما زالت الآراء تلحق بؤسها ... أبداً بغادر ذمّة أو ناكث وقالوا الغدر من صغر القدر ويقال من تعدى على جاره دل على لؤم نجاره وقال علي ﵁ الوفاء بأهل الغدر غدر والغدر بأهل الغدر وفاء ذكر أن عيسى ﵇ مر بانسان يطارد حية وهي تقول له واله لئن لم تذهب عني لأنفخن عليك نفخة أقطعك بها قطعاً فمضى عيسى وعاد فوجد الحية في جونة الرجل محبوسة فقال لها ويحك أين ما كنت تقولين قالت يا روح الله إنه حلف لي وغدر وأن سم غدره أقتل له من سمي أعرق الناس في الغدر عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث بن قيس بن معد يكرب فإن عبد الرحمن غدر بالحجاج لما ولاه بلاد خراسان وادعى الخلافة وقاتله وكانت بينهم ثمانون وقعة وكان آخرها دائرة السوء عليه وغدر محمد بن الأشعث بأهل طبرستان وكان عبيد الله ولاه إياها فصالح أهلها على أن لا يدخلها ثم عاد إليهم غادراً فأخذوا عليه الشعاب وقتلوا ابنه أبا بكر وغدر الأشعث بن قيس ببني الحرث بن كعب غزاهم فأسروه ففدى نفسه بمائتي بعير فأعطاهم مائة وبقيت عليه مائة فلم

стр. 69

يؤدها لهم حتى جاء الاسلام فهدم ما كان في الجاهلية وكان بين قيس بن معد يكرب وبين مراد عهد إلى أجل فغزاهم في آخر يوم من الأجل وكان يوم الجمعة فقالوا له إنه لا يحل لنا أن نقاتل يوم السبت فأخرهم فلما كان صبيحة السبت قاتلهم فقتلوه وهزموا جيشه وغدر معد يكرب بمهرة وكان بينه وبينهم عهد إلى أجل فغزاهم ناقضاً لعهدهم فقتلوه وفتقوا بطنه وملؤه بالحصا ومما ينزع لباس الحسب والصيانة ... رفول المرء في أطمار الخيانة قال رسول الله ﷺ لا غيمان لمن لا أمانة له ولا دين لمن لا عهد له وقال ﷺ لا تزال أمتي بخير ما لم تر الأمانة مغنماً والصدقة مغرماً ومن الحكايات في هذا الباب ما يحكي أن شهر بن حوشب وكان من أجلة القراء وأصحاب الحديث دخل على معاوية وبين يديه خرائط قد جمعت لتوضع في بيت المال فقعد على إحداها ومعاوية يراه فلما رفعت الخرائط فقد من عددها خريطة فأعلم الخازن بذلك معاوية فقال هي محسوبة لكم ولا تسألوا عن أخذها وفيه يقول الشاعر لقد باع شهر دينه بخريطة ... فمن يأمن القراء بعدك يا شهر كان للمأمون خادم يسرق طسه الذي يتوضأ فيه فقال له يوماً هلا إذا سرقت تأتيني بما تسرقه فأشتريه منك قال فاشتر مني هذه وأشار إلى التي بين يديه قال بكم هي قال بدينارين قال على أن لا تسرقها فقال نعم فأعطاه دينارين ولم يعد الخادم يسرق شيأً لما رأى من حلمه عنه وقال المنصور لعامل بلغه عنه خيانة يا عدو الله وعدو أمير المؤمنين وعدو المسلمين أكلت مال الله وخنت خليفة الله فقال يا أمير المؤمنين نحن عيال الله وأنت خليفته والمال مال الله فمن أين نأكل إذاً فضحك منه وأطلقه وأمر أن لا

стр. 70

يولي عملاً بعدها سرق رجل في مجلس أنوشروان جام ذهب وهو يراه فلما فقده الشرابي قال والله لا يخرج أحد حتى يفتش فقال أنوشروان لا تتعرض لأحد فقد أخذه من لا يرده ورآه من لا ينم عليه وأودع بعض التجار عند قاضي معرة النعمان وديعة وغاب عنها مدة فلما جاء طالبه بها فأنكرها فتشفع إليه برؤساء بلده في ردها فلم يزالوا به حتى أقر بها وادعى أنها سرقت من حرزه فاستحلفه فحلف فعمل فيه ابن الدويرة الشاعر المعري أبياتاً منها لا يصدق القاضي الخؤن إذا ادّعى ... عدم الوديعة من حصين المودع إن قال قد ضاعت فيصدق إنها ... ضاعت ولكن منك يعني لو تعي أو قال قد وقعت فيصدق إنها ... وقعت ولكن منه أحسن موقع وقال ابن حجاج وأدعوهم إلى القاضي عساهم ... إذا وقع الجحود يحلفوني وأضيع ما يكون الحق عندي ... إذا عزم الغريم على اليمين آخر إذا حلفوني بالغموس منحتهم ... يميناً كسحق إلا لحميّ الممزق وإن أحلفوني بالعتاق فقد درى ... سحيم غلامي أنه غير معتق وإن أحلفوني بالطلاق رددتها ... على خير ما كانت كان لم تطلق وقف بعض المجان على قبر سارق فقال رحمك الله فلقد كنت أحمر الأزار حاد السكين إن نقبت فجرد وإن تسلقت فسنور وإن استلبت فحدأة وإن ضربت فقاض ولكنك اليوم وقعت في زاوية سوء وليس كل حبس تحبس فيه إلى التناد على أموال العباد

стр. 71

من الصنيع الدال على لؤم الأصول من كان بسيف جوره على العباد يصول قال رسول الله ﷺ الظلم ظلمات يوم القيامة وقال ﵊ أعتى الناس على الله وأبغض الناس إلى الله وأبعد الناس من الله رجل ولاه الله تعالى من أمة محمد شيأً فلم يعدل فيهم وقال سفيان الثوري لان تلقى الله تعالى بسبعين ذنباً فيما بينك وبينه أهون عليك من أن تلقاه بذنب واحد فيما بينك وبين العباد ويقال من طال عدوانه وإنه زال سلطانه وقال أمير المؤمنين علي ﵁ يوم المظلوم على الظالم أشد من يوم الظالم على المظلوم ويقال الظلم يجلب النقم ويسلب النعم وقالوا من ظلم من الملوك فقد خرج من كرم الحرية والملك إلى دناءة العبودية والملك ويقال ليس شيء أسرع إلى تغيير نعمة وتعجيل نقمة من الاقامة على الظلم وفي الخبر يقول الله تعالى اشتد غضبي على من ظلم من لا يجد له ناصراً غيري وقالت الحكماء شر الملوك الأفاك السفاك وقال أبو منصور الثعالبي أخلق بالملك الظلوم أن يصير غصة للمرائين وعظة للراوين وقالوا الظلم أسرع إلى تبديل النعم وتعجيل النقم من الطيور إلى الأوكار ومن الماء في الانحدار وقالوا سبع خطوم خير من وال ظلوم كان زياد بن أبيه ممن استطال بجوره وعسفه في ولايته عراقي البصرة والكوفة فلما ذل له من فيهما كبرت عليه نفسه واستقلهما لها فكتب إلى معاوية إني قد ضبطت العراقين بيميني وبقيت شمالي فارغة فجمع له معاوية الحجاز واتصلت ولايته بالمدينة فاجتمع أهل المدينة في مسجد رسول الله ﷺ فلاذوا بقبره يسألون الله تعالى الإقالة منه ورفع عبد الله بن عمر يديه وقال اللهم اكفنا شمال زياد كما كفيتنا يمينه فطعن فيها فشاور شريحاً في قطعها فقال له رزق مقسوم وأجل معلوم وإني أكره إن كانت لك مدة أن تعيش أجذم وإن حم أجلك أن تلقى الله مقطوع اليد فإذا سألك لم قطعتها فتقول بغضاً للقائك وفراراً من قضائك

стр. 72

فتركها فلما خرج شريح من عنده لامه الناس فقال إنه قد استشارني والمستشار مؤتمن ولولا أمانة المشورة لوددت إن الله قطع يده يوماً ورجله يوماً وسائر أعضائه يوماً يوماً وزاره شريح بعد ذلك فلما خرج من عنده قال له مسروق كيف تركت الأمير قال تركته يأمر وينهي فأول قوله فإذا هو يأمر بالوصية وينهي عن البكاء عليه ومات من تلك سنة ثلاث وخمسين في رمضان وكان مولده عام الهجرة ودفن في أرض الكوفة وسنأتي على نتف من مولده ونسبه فيما يلي هذا الفصل إن شاء الله تعالى ومن المفرطين في العسف والعنف يوسف ابن عمر الثقفي قلده هشام بن عبد الملك العراق وكان شيطاناً مريداً وجباراً عنيداً سفاكاً للدماء معروفاً بالظلم والغشم ولما قلده أمره بالقبض على خالد بن عبد الله القسري فسار إليه حتى هجم عليه وهو في قصره على حين غفلة من أمره فأخذه ثم رقى المنبر وقال يا أهل العراق إن الحجاج كان دخاناً أنا ناره ولهباً أنا شراره فعليكم بالطاعة العائدة بجزيل الثواب وإياكم والمخالفة الموجبة لوشك العقاب وقد أعذر من أنذر ثم نزل يحكي عنه أنه دخل دار الضرب فعاير درهماً فوجده ناقصاً حبة فضرب فيها الأمناء والصناع عشرة آلاف سوط وكان الفضل بن مراون وزير المعتصم ظالماً غاشماً متبحجاً بالظلم متجبراً متكبراً كان المعتصم يقول الفضل بن مروان أسخط الله وأرضاني فسلطني الله عليه دخل عليه الهيثم بن فراس الشاعر متظلماً من بعض عماله فصرف وجهه عنه ولوى عطفه فخرج من عنده وهو ينشد تجبرت يا فضل بن مروان فانتظر ... فقبلك كان الفضل والفضل والفضل ثلاثة أملاك مضوا لسبيلهم ... أبادهم التغيير والموت والقتل فإن تك قد أصبحت في الناس ظالماً ... ستودي كما أودى الثلاثة من قبل فلما سمع الفضل أبياته قال ما الذي عنى بقوله فقيل إنه أراد الفضل بن يحيى والفضل بن سهل والفضل بن الربيع فتغير وجهه ولم يلبث إلا أياماً يسيرة حتى قبض عليه وفيه يقول بعض الشعراء من أبيات هي قوافيها على ألفاظ الفضل المتفقة مبانيها المختلفة معانيها ولقد أبدع وأجاد

стр. 73

فيها نصحت فأخلصت النصيحة للفضل ... وقلت فبينت المقالة للفضل ألا إن في الفضل بن يحيى لعبرة ... إن اعتبر الفضل بن مروان بالفضل وفي ابن الربيع الفضل للفضل زاجر ... إن ازدجر الفضل بن مروان بالفضل وللفضل في الفضل بن سهل مواعظ ... إن اتعظ الفضل بن مروان بالفضل إذا ذكروا يوماً وقد صرت رابعاً ... ذكرت بقدر السعي منك إلى الفضل فأبق جميلاً من حديث تكونه ... ولا تدع المعروف والأخذ بالفضل فإنك قد أصبحت للناس قائماً ... وصرت مكان الفضل والفضل والفضل من أبيات كثيرة أتيت منها على ما مست الحاجة إليه ووقع الاختيار عليه وقال شاعر في نكبته لا تغبطنّ أخا الدنيا بمقدرة ... فيها وإن كان ذا عز وسلطان يكفيك من غير الأيام ما صنعت ... حوادث الدهر بالفضل بن مروان إن الليالي لم تحسن إلى أحد ... إلا أساءت إليه بعد احسان وصف بعض البلغاء عاملاً للمأمون فقال يا أمير المؤمنين ما ترك فضة إلا فضها ولا ذهباً إلا ذهب به ولا علقاً إلا علقه ولا ضيعة إلا أضاعها ولا غلة إلا غلها ولا عرضاً إلا عرض له ولا ماشية إلا امتشها ولا جليلاً إلا أجلاه ولا دقيقاً إلا دقه ولا رقيقاً إلا رقه فضحك منه وصرفه عن أهل ناحيته ووصف بعضهم عامل ولاية فقال والله ما الذئب في الغنم بالقياس إليه الا من المصلحين ولا السوس في الخزز من الصيف الا من العادلين ولا يزدجرد الأثيم في أهل فارس بالاضافة إليه إلا من النبيين والصدّيقين والشهداء والصالحين ولا فرعون في بني إسرائيل إذا قابلته به إلا من الملائكة المقربين ووصف آخر عامل ولاية فقال كان يجبي خراج الوحش ويأخذ جزية السمك ويطلب زكاة الملائكة ويلتمس جمع الريح ويروم القبض على الماء وحصر الحصا وكيل الأنهار وتحصيل الهباء ولئن كانت النعمة عظمت على قوم خرج عنهم لقد

стр. 74

جلت المصيبة بقوم نزل فيهم وذم البديع الهمداني قاضياً ووصفه بالظلم فقال قاض لا شاهد عنده أعدل من السكر والجام يدلي بهما إلى الحكام ولا ولي أصدق لديه من الصفر الذي يرقص على الظفر ولا وثيقة أحب إليه من غمزات الخصوم على الكيس المختوم ولا وكيل أعز عليه من المنديل والطبق في وقتي الفلق والغسق وأقسم لو أن اليتيم وقع بين الأسود بل الحيات السود لكانت سلامته منها أيسر من سلامته من أصحابه وما ظنك برجل يعادي الله في الغلس ويبيع الدين بالثمن البخس ولص لا ينقب إلا خزائن الأوقاف وكردي لا يغير إلا على الضعاف وذئب لا يفترس عباد الله إلا بين الركوع والسجود ومحارب لا ينهب مال الله إلا بين العدول والشهود قيل لبعض الأعراب أيما أحب إليك أن تلقى الله ظالماً أو مظلوماً قال ظالماً قيل له ويحك ولم قال ما عذري إذا قال لي خلقتك سوياً قوياً لم لم تستعد وأنشد بيت زهير ابن أبي سلمى ومن لا يذد عن حوضه بسلاحه ... يهدم ومن لا يظلم الناس يظلم ومن معايب من رغب عن المكارم ... القاء الحشمة في ارتكاب المحارم كما يحكي أن نصر بن سيرا مر بأبي الهندي وكان شريفاً في قومه وهو يميل سكراً فقال له أفسدت شرفك فقال أبو الهندي لو لم أفسد شرفي لم تكن أنت والي خراسان وكان يزيد بن معاوية يلقب بالسكران لكثرة انهماكه على كثرة شرب الخمر ولقب أيضاً يزيد الخمر بلغه إن المسور بن مخرمة يرميه بشرب الخمر فكتب إلى عامله بالمدينة أن يجلد المسور حد القذف ففعل فقال المسور أتشربها صرفاً تطن دنانها ... أبا خالد والحد يضرب مسور وكان له قرد يكنى أبا قيس يحضره مجلس شرابه ويطرح له متكأ ويسقيه فضله كأسه واتخذ له أتانا وحشية قد ربضت له وذللت وصنع لها سرج ولجام من

стр. 75

ذهب يركبه بهما عليها ويسابق بها الخيل يوم حلبة الرهان فجاء يوماً سابقاً وتناول القصبة التي هي الغابة ودخل الحجرة قبل مجئ الخيل وعليه قباء وقلنسوة من الحرير الأحمر وفيه يقول بعض شعراء الشام تمسك أبا قيس بفضل زمامها ... فليس عليها إن سقطت ضمان إلا من رأى القرد الذي سبقت به ... جياد أمير المؤمنين أثان وكان الوليد بن يزيد بن عبد الملك مما جنا زنديقاً مستهزئاً مستخفاً مستهيناً بالخاصة والعامة مدمناً للخمر متلاهياً باللهو واللعب مصراً على ارتكاب الفواحش مشتغلاً بخلاعته عن النظر في أمور المسلمين والقيام بحقوق الخلافة وأمور المملكة وأحوال الرعية وفيه يقول القائل مضى الخلفاء بالأمر الحميد ... وأصبحت المذمّة للوليد تشاغل عن رعيته بلهو ... وخالف قول ذي الرأي السديد ذكر ثقات المؤرخين إن المؤذن أذنه يوماً للصلاة وهو في لهوه فأمر جارية من جواريه الفواسق أن تعتم وتتلثم وتصلي بالناس فخرجت على هذه الصفة وصلت بهم وبلغ من تهكمه بالشريعة أنه كان يفطر في رمضان والشاهد عليه ما يقال إنه من شعره ألا من مبلغ الرحمن عني ... بأني تارك شهر الصيام وقوله يا أيها السائل عن ديننا ... نحن على دين أبي شاكر نشربها صرفاً وممزوجة ... بالسخن والبارد والفاتر وحكى أنه استدعى أشعب الطامع من المدينة وألبسه سراويل من جلد قرد له ذنب واقترح عليه صوتاً يرقص به فلما فعل ذلك أعطاه ألف درهم وقيل إنه
следующие страницы →