Полный текст (601 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
ولبعض الصوفية
ينوى العتاب له من قبل رؤيته ... فإن رآه فدمع العين مسكوب
لا يستطيع كلاماً حين ينظره ... كلّ اللسان وفي الأحشاء تلهيب
وقال أبو المعالي شيد له الصبوة والشوق والارتياح والتوق والفراق والتلهف والفوت والتأسف دواع تستأثر الصبر وتحصر عن وصفها للمحبوب ألسنة الحصر
ومما يشين البليغ بين أترابه ... عطل بيانه من حلي أعرابه
قال عمر بن الخطاب ﵁ تعلموا النحو كما تتعلمون السنن والفرائض وكان أيوب السختياني يقول تعلموا النحو فإنه جمال الوضيع وتركه هجنة للشريف شاعر
النحو يصلح من لسان إلا لكن ... والمرء تكرمه إذا لم يلحن
فإذا أردت من العلوم أجلها ... فأجلها منها مقيم الألسن
لحن الشريف يحطه عن قدره ... وتراه يسقط من لحاظ الأعين
وترى الدنئ إذا تكلم معرباً ... نال النباهة باللسان المعلن
ما وّرث الآباء فيما ورّثوا ... أبناءهم مثل العلوم فأتقن
آخر
لو لم يكن في النحو إلا أنه ... يذر الضئيل من الرجال مهيبا
يخشى التكلم حيث حل كأنما ... أضحى بأفواه الأنام رقيبا
وقال عمر تعلموا العربية فإنها تقوي العقل وتزيد في المروأة وقال عبد الملك ابن مروان اللحن في المنطق أقبح من آثار الجدري في الوجه وسمع المأمون لحناً سن بعض ولده فقال ما على أحدكم أن يتعلم العربية يصلح بها لسانه ويفوق أقرانه ويقيم أوده ويزين مشهده ويقل حجج خصمه بمسكتات حكمه أيسر أحدكم أن يكون كعبده أو أمته فلا يزال الدهر أسير كلمته سمع
стр. 212
الأعمش إنساناً يلحن فقال من هذا الذي يتكلم وقلبي منه يتألم وقال الحسن البصري ربما دعوت فلحنت فأخاف أن لا يستجاب لي وفي الحديث إن الله لا يسمع دعاء ملحوناً والعلماء لا يرون الصلاة خلف اللحنة وكيف لا يكون كذلك وأدنى حركة مغيرة للمعنى مؤدية إلى الكفر قال سعيد بن مسلم دخلت على الرشيد فملأ قلبي رعبه فلما لحن خف علي أمره يحكى أنه لم يسمع من الحسن البصري ولا من الشعبي ولا من أيوب بن الفرية ولا من عبد الملك بن مروان لحن قط في جد ولا هزل وكان سيبويه واسمه عمرو بن قنبر يختلف إلى حماد بن زيد يقرأ عليه الحديث فكان يلحن في قراءته فيرد عليه حماد فأبرمه يوماً لحنه فقال له كم تلحن أمالك مروأة فخجل ووجم فلما قام من مجلسه انقطع إلى الخليل بن أحمد فقرأ عليه النحو فمهر فيه وفاق وسار ذكره في الآفاق
وهذه نبذة مستحسنة من التعريف ... بنوا درهم المستظرفة في التحريف
قال يوسف بن خالد لعمرو بن عبيد ما تقول في دجاجة ذبحت من قفائها قال أحسن قال من قفاءها قال أصلح قال من قفاؤها قال له عمرو ما عناك بهذا قل من قفاها واسترح وأرح وكان يوسف يقول هذا أحمر من هذا أي أشد حمرة وكان الوليد بن عبد الملك لحنة خطب الناس يوم عيد فقرأ في خطبته يا ليتها كانت القاضية وضم التاء فقال عمر بن عبد العزيز عليك وأراحنا منك ودخل إليه أعرابي وعنده عمر بن عبد العزيز فقال له من أنت ووصل الهمزة فظن الأعرابي أنه يقول مننت فقال المنة لله ولأمير المؤمنين فقال عمر للأعرابي إن أمير المؤمنين يقول لك من أنت قال فلان بن فلان قال ما شأنك وفتح النون قال جدري في وجهي وفحج بساقي قال عمر ويحك إن أمير المؤمنين يقول لك ما شأنك وضم النون قال ظلمني ختني قال ومن ختنك وفتح النون قال وما سؤالك عن ذلك يا أمير المؤمنين حجام عندنا بالبادية قال عمر إن أمير المؤمنين يقول لك من ختنك وضم النون قال فلان وقيل للوليد إن العرب لا تحب أن يتولى عليها إلا من يحسن كلامها فجمع أهل النحو ودخل
стр. 213
بيتاً ليتعلم فيه النحو فأقام فيه ستة أشهر ثم خرج منه أجهل من يوم دخل وكان بشر المريسي ممن شهر باللحن دعا لقوم فقال قضى الله لكم الحوائج على خير الوجوه وأهنأها فأنكروا عليه لحنه فقال قاسم التمار يصح هذا على قول الشاعر
إنّ سليمى والله يكلاها ... ضنت بشي ما كان يرزاها
فكان احتجاج قاسم أظرف من لحن بشر وكان خالد بن عبد الله القسري لحنة وفيه يقول ابن نوفل من أبيات
وألحن الناس كل الناس قاطبة ... وكان يولع بالتشديق والخطب
قرأ سابق الأعمى ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا فقال بعض المجان ولا إن آمنوا ترافع إلى زياد رجل وأخوه في ميراث فقال إن أبوه مات وإن أخينا وثب على مال أبانا فأكله فقال زياد الذي أضعت من نفسك أضر عليك مما أضعت من مالك وأما القاضي فقال لا رحم الله أباك ولا جبر عظم أخيك قم في لعنة الله وحرسقره وقال رجل للأعمش من أين أقبلت قال من السوق قال وما اشتريت قال عسل قال هلا زدت ألف فقال له الأعمش وهلا زدت في ألفك ألفاً وعكسها ما حكى إن رجلاً قال لسعيد بن عبد الملك تأمرنا بشيأً قال نعم بتقوى الله وإسقاط الألف ويحكي إن خالد بن صفوان دخل الحمام يوماً وفي الحمام رجل معه ابنه فأراد الرجل أن يعرف خالداً ما عنده من البيان فقال لولده يا بني اغسل يداك قبل وجهك والتفت إلى خالد وقال يا أبا صفوان هذا كلام قد ذهب أهله فقال خالد هذا كلام ما خلق الله له أهلاً قط
الفصل الثاني من الباب السادس
في ذكر من قصر باع لسانه عن ترجمة ما في جنانه
قيل لابن المقفع وكان مفحماً عن نظم الشعر لم لا تقول الشعر قال
стр. 214
الذي أرضاه لا يجئ والذي يجئ لا أرضاه
وزهدني في الشعر أنّ قريحتي ... بما تستجيد الناس ليس تجود
وقال ابن عبدون الكاتب
قلبي من العلم مملوء جوانبه ... وذا اللسان كليل لا يواتيني
فمن أرتج عليه من خطباء المحافل ... وفرسان المنابر والجحافل
يزيد بن أبي سفيان كان أبو بكر ﵁ ولاه ربعاً من أرباع الشأم فلما رقى المنبر ارتج عليه فقطع الخطبة وقال سيجعل الله بعد عسر يسراً وبعد عي بياناً وأنتم إلى أمير فعال أحوج منكم إلى أمير قوال ثم نزل وروى هذا الكلام لعثمان بن عفان وعليه أكثر المؤرخين وصعد عبد الله بن عامر منبر البصرة في يوم عيد الأضحى فحصر فقال لا أجمع عليكم عياً وبخلاً ادخلوا سوق الغنم فمن أخذ شاة فهي له وعلى ثمنها ثم صعد مرة أخرى فحصر فالتفت يميناً وشمالاً فرأى عتاب بن ورقاء وكان شيخاً أصلع فقال إما بعد يا أصلع فوالله ما غلطني غيرك فلعنها الله من صلعة علي به فلما مثل بين يديه أمر أن يضرب عشرين سوطاً ومنعه من دخول المسجد الجامع بعدها وصعد عدي بن أرطاة المنبر فلما رأى جمع الناس أرتج عليه فقال الحمد لله الذي يطعم هؤلاء ويسقيهم ثم نزل وصعد روح بن حاتم المنبر فلما رأى الناس قد أصغوا إليه بأسماعهم ورمقوه بأبصارهم قال نكسوا رؤسكم وغضوا أبصاركم فإن المنبر مركب صعب وإذا الله يسر فتح قفلاً تعسر ثم نزل وخطب مصعب ابن حيان أخو مقاتل بن حيان خطبة نكاح فحصر فقال لقنوا موتاكم قول لا إله إلا الله فقالت أم الجارية عجل الله موتك وأراح منك الهذا دعوناك وصعد وازع اليشكري المنبر يوم جمعة فلما رأى جمع الناس هابهم فحصر فقال لولا أن امرأتي حملتني على إتيان الجمعة ما جمعت وأنا أشهدكم إنها طالق ثلاثاً ثم نزل وخطب ثابت مولى يزيد بن المهلب فارتج عليه فنزل
стр. 215
وهو يقول
فالا أكن فيكم خطيباً فإنني ... بسيفي إذا جد الوغى لخطيب
فبلغ ذلك المهلب فقال لو قال هذا على المنبر لكان من أخطب الناس وخطب خالد بن عبد الله القسري فارتج عليه فقال إن هذا الكلام يجئ أحياناً ويعسر أحياناً وربما كوبر فأبى وعولج فنبا والتأني لمجيئه خير من التعاطي لأبيه وتركه عند تنكره أفضل من طلبه عند تعذره وقد يختلط من الجرئ جنانه وينقطع من الذرب لسانه وسأعود فأقول ثم نزل وارتج على أبي العباس السفاح فنزل ثم صعد وقال أيها الناس إن اللسان بضعة من الانسان يكل لكلاله ويرتجل لارتجاله ونحن أمراء الكلام بنا تفرعت فروعه وعلينا تهدلت غصونه وإنا لا نتكلم هدراً ولا نسكت حصراً بل نسكت معتبرين وننطق مرشدين وذكر المسعودي إن المعتضد خرج يوم الفطر وكان يوم الاثنين سنة تسع وسبعين ومائتين إلى مصلى أحدثه بالقرب من داره ليصلي بالناس فكبر في الركعة الأولى ست تكبيرات وفي الثانية تكبيرة واحدة فلما فرغ من الصلاة صعد المنبر فحصر ولم يسمع له خطبة وفي ذلك يقول الشاعر يعتذر عنه في هذا المقام
حصر الامام ولم يبين خطبة ... للناس في حل ولا احرام
ما ذاك إلا من حياء لم يكن ... ما كان من عي ولا افحام
وخطب داود بن علي فارتج عليه فقال اتقوا الله وافعلوا ما أمركم به وانتهوا عما نهاكم عنه ثم نزل ولقد جمع في هذه الكلمات بين الحكمة وفصل الخطاب وأحسن لهم في النصيحة وأطاب صعد بعض الخطباء المنبر فحصر بعد الحمدلة فكررها مراراً فقال بعض من حضره على ما أبلانا منك فإنه لا يحمد على المكروه غيره ثم ولي وهو ينشد
ختم الإله على لسان عذافر ... ختماً فليس على الكلام بقادر
فإذا أراد النطق خلت لسانه ... لحماً تحرّكه لصقر نافر
стр. 216
قال ابن ذولاق في أخبار ولاة مصر لم يكن الناس يصلون بالجامع العتيق صلاة العيد حتى كانت سنة ست وثلثمائه أو ثمان صلى فيه العيد أحمد بن عبد الملك الفهمي المعروف بابن أبي سجر صلاة عيد الفطر ويقال إنه خطب يومئذ في دفتر فكان مما حفظ منه إن قال اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مشركون فقال فيه الشاعر
وقام في العيد لنا خاطباً ... يحرّض الناس على الكفر
وممن أرتج عليه من الأئمة في محرابه ... وكان تركه للصلاة خوف الخجل أحرى به
رجل صلى بقوم فقرأ فإذا قرأت القرآنف استعذ بالله من الشيطان الرجيم وارتج عليه فجعل يكررها فقال له مزيد والله إنك لا تحسن القرآن فما ذنب الشيطان وصلى سيفويه القاص بقوم فقرأ سورة الاخلاص فارتج عليه عند رأس آيتين منها فالتفت إلى من خلفه وقال من أراد أن يسمع باقي السورة فليحضر مسجد بني فلان ثم خرج وتركهم وصلت أعرابية مع قوم فقرأ الامام وأنكحوا الأيامى منكم ثم ارتج عليه فجعل يرددها مراراً فخرجت المرأة تعد وحتى لحقت بأختها وقالت يا أختاه لم يزل لامام يأمرهم بنكاحنا حتى خشيت أن يقعوا علي وحرج رجل من بيته مغلساً فمر بمسجد يصلي فيه الصبح فدخل ليصلي فقرأ الامام الفاتحة وابتدأ سورة يوسف فلما انتهى إلى قوله تعالى فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي أو يحكم الله لي فرددها مراراً فقال الرجل من خلفه فإن لم يأذن لك أبوك إلى الظهر يطول مقامي معك ويفوتني قضاء حاجتي ثم مضى وتركه وأرتج على الحجاج في صلاته فلم يجسر أحد أن يهديه لما ضل عنه فتلى قوله تعالى ردوها علي فردت عليه فلله دره ما أحسن ما أجال فكره حتى أدرك به الفهم العازب ولم تبطل صلاته بكلامه بل كان من أشرف المواهب وأحسن منها ما حكى أن المهدي لما ولي الخلافة صلى بالناس من الغداة في داره فارتج عليه فهيب أن يلقن ما نسي فلما طال عليه انتظار من يرشده تلى
стр. 217
قوله تعالى أليس منكم رجل رشيد فرد الراشد الشارد على الناشد اجتمع الكسائي واليزيدي عند الرشيد فحضرت صلاة المغرب فتقدم الكسائي فصلي فارتج عليه في سورة قل يا أيها الكافرون فلما سلم قال اليزيدي قارئ الكوفة يرتج عليه في سورة قل يا أيها الكافرون فحضرت صلاة العشاء فتقدم اليزيدي فارتج عليه في سورة الفاتحة فلما سلم قال له
احفظ لسانك أن تقول فتبتلي ... إنّ البلاء موكل بالمنطق
حدث أبو الحسن بن راهويه قال صلى يحيى بن المعلى الكاتب فقرأ قل هو الله أحسد فغلط فيها وارنج عليه وكان في المجلس أبو نواس والعباس بن الأحنف والخليع وصريع الغواني فقال أبو نواس
أكثر يحيى غلطاً ... في قل هو الله أحد
فقال الأحنف
قام طويلاً ساكتاً ... حتى إذا أعيا سجد
فقال الخليع
يزحر في محرابه ... زحير حبلى لولد
فقال الصريع
كأنما لسانه ... شدّ بحبل من مسد
واتصلت هذه الحكاية بأبي علي بن رشيق فقال
ونسى الحمد فما ... مرت له على خلد
стр. 218
هذا ما أورده ابن رشيق في كتاب العمدة ثم إني عثرت عند مطالعتي لكتاب بدائع البدائه على زيادة وجب ذكرها وهو ما حكى إن أبا العباس بن الحطيئة لما سمع هذه قال
ورام شيأً غير ذا ... يقرؤه فما وجد
وممن أخذ العي بعنان قلمه ... وظهر كلف التكلف في صفحات كلمه
ما حكى أن بعضهم كتب إلى بعض العمال على مدينة حلب يخبره أن سلند بين من شواني المسلمين غرقاً ما مناله اعلم أيها الأمير أعزه الله إن سلند بين أي مركبين صفقاً أي غرقاً فهلك من فيهما أي تلفوا فكتب إليه العامل كتاباً على الحكاية يستخف به ورد كتابك أي وصبل وفضضناه أي فتحناه وفهمنا ما فيه أي علمناه فأدب كاتبك أي اصفعه واصرفه أي أعزله واستبدل به أي غيره فإنه مائق أي أحمق والسلام أي قد نقضي الكتاب وكتب بعض عمال طاهر بن الحسين إليه كتاباً وفيه وقد وجهت إلى الأمير ثوب ديباج أحمر أحمر أحمر فكتب طاهر إليه قد قرأت كتابك فعلمت أنك أحمق أحمق أحمق فاقدم اقدم اقدم والسلام ومما عابه ابن الأثير من كلام المترسلين القدماء وادعى أنه قصور وعي في صناعة الانشاء وهو أشبه شي بالأقواء والإيطاء قال في فصل من كتابه المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر إذا وردت في كلام المترسل سجعتان يدلان على معنى واحد كانت إحداهما كافية في الدلالة عليه والأخرى من حشو الكلام الذي لا يحتاج إليه وقد وجدت كثيراً من ذلك في كلام المفلقين من أهل هذا الشأن كالصابي وابن العميد فمن ذلك قول الصابي في تحميده الحمد لله الذي لا تدركه الأعين بألحاظها ولا تحده الألسن بألفاظها ولا تخلقه العصور بمرووها ولا تهرمه الدهور بكرورها ثم انتهى إلى الصلاة على النبي ﷺ فقال لم ير للكفر أثراً إلا طمسه ومحاه ولا رسماً إلا أزاله وعفاه فلا فرق بين مرور العصور وكرور الدهور وكذلك لا فرق بين محو الأثر وتعفية الرسم ومن كلامه أيضاً من كتاب وقد علمت إن الدولة العباسية لم تزل على سالف الأيام وتعاقب الأعوام تعتل طوراً وتصح أطواراً وتلتاث مرة وتستقل مراراً من حيث أصلها راسخ لا يتزعزع وبنيانها ثابت لا
стр. 219
يتضعضع فمعلوم أن الاعتلال والالتياث بمعنى والطور والمرة بمعنى والرسوخ والثبوت بمعنى وله من كتاب وصلني كتابه مفتتحاً من الاعتزاء إلى إمارة المؤمنين والتقليد لأمور المسلمين بما إغراقه الزكية مجوزة لاستمراره وأرومته العلية مسوغة لاستقراره ومنه فلا بد من اتفاق أشراف كل قطر وأفاضله وأعيان كل صقع وأماثله فهذا السجع كله متساوي الألفاظ والمعاني فإن إمارة المؤمنين وتقليد أمور المسلمين بمعنى وكذلك الأعراق والأرومة بمعنى والتجويز والتسويغ بمعنى وكذلك الأعيان والأماثل والقطر والصقع ومن كلام ابن العميد في كتاب وهو لا يوجه همته إلى أعظم مرغوب إلا طاع ودان ولا تمتد عزيمته إلى مطلوب إلا كان واستكان وكل هذه الألفاظ مستوية المعاني قلت وفيما ذكرناه من هذا الفن كفاية ومقنع على أن الخاطر إذا انشرح انقاد وإذا كل تمنع ورأيت صواباً إلحاق هذه الحكاية بهذا الفصل وهي ما حكاه دعبل الخزاعي قال خرجت أنا ورفيقان لي من قرية تسمى طهياثاً وهي من قرى بغداد للتنزه فيها فأقمنا بها يوماً فلما أردنا الانصراف قلت لرفيقي ليقل كل منا في صفة يومنا شيأً قالا فابتدئ أنت فقلت تلنا لذيذ العيش في طهياثا فقال أحدهما لما حثثنا القدح احتثاثا
وأرتج على الآخر فقال وأم عمرو طالق ثلاثا
فقلنا له ويحك ما ذنب المرأة فقال والله مالها ذنب إلا أنها قعدت على طريق القافية
стр. 220
الفصل الثالث من الباب السادس
في أنّ اللسن المكثار لا يأمن آفة الزلل والعثار
قال رسول الله ﷺ لجرير بن عبد الله إذا قلت فأوجز فإذا بلغت حاجتك فلا تتكلف وقال بعض الحكماء الاكثار يزل اللسان ويزيل الاحسان وقيل لعدي بن حاتم أي شيء أوضع للانسان قال كثرة الكلام وقال جعفر بن يحيى إذا كثر الكلام اختل وإذا اختل اعتل وقال خير الكلام ما قل ودل ولم يطل فيمل وقال معاوية لعمرو بن العاص من أبلغ الناس قال من ترك الفضول واقتصر على الايجاز وقال خالد بن صفوان قيس البلاغة بخفة اللسان ولا كثرة الهذيان ولكنها إصابة المعنى والقصد إلى الحجة وقال خير الكلام ما كان عن الحصر بعيداً وللأسماع مفيداً وهو أن يكون لا مائلاً إلى الحصر فتضعف الحجة ولا إلى الهدر فتنلف المهجة قال الشاعر
للقول مستمع يزرى بصاحبه ... منه الغلوّ وقد يزرى به الحصر
وخير حال الفتى في القول أقصدها ... بين الطريقين لا عيّ ولا هدر
وقال عي يذرى بك خير من هدر يأتي عليك قال شاعر
وصمتك من غير عي اللسا ... ن أزين من هدر المنطق
وقال عمرو بن العاص الكلام كالدواء إن أقللت منه نفع وإن أكثرت منه صرع وقال لولده عبد الله قصر إذا قلت واقتصر إذا طلت وإياك والاكثار فإنه شين العاقل وحين الجاهل وقالوا العثار مع الاكثار وقال بزرجمهر من ملكه طول لسانه أهلكه فضل بيانه ويقال من طال لسانه بطل احسانه قال الفقيه منصور
لا تكثرن فخير الكلام ... قليل الحروف كثير المعاني
стр. 221
احتجاج من أمسك عن الكلام من غير خرس
وخاف من الملام فحذر واحترس قال الأحنف بن قيس اللسان قيمة الانسان فمن قومه زادت قيمته وقال أكثم بن صيفي هلك الانسان في طول اللسان وقال سفيان الثوري لأن أرمى عدوي بسهمي خير له من أن أرميه بلساني لأن رمي اللسان لا يخطئ ورمى السهم يصيب ويخطئ قال الشاعر
ورب كلام قد جرى من ممازح ... فساق إليه سهم حتف معجل
وقال ابن مسعود لسانك سيف قاطع يبدأ بك وكلامك سهم نافذ يرجع عليك فاقتصد في المقال وإياك وما يوغر صدور الرجال وقال أعرابي الكلمة أسيرة في وثاق الرجل فإذا تكلم عاد أسيراً في وثاقها اجتمع أربعة من الملوك على أربع كلمات تواردوا فيها موارد النصائح وأخرجوا درر معانيها من بحار القرائح قال كسرى أنا على ما لم أقل أقدر مني على رد ما قلت وقال ملك الصين أنا إذا تكلمت بالكلمة ملكتني وإذا لم أتكلم بها ملكتها وقال ملك الهند عجبت لمن يتكلم بالكلمة إن ذكرت عنه ضرت وإن لم تذكر عنه لم تنفعه وقال قيصر لأن أندم على ما لم أقل أحب إلي من أن أندم على ما قلت فهذه كلمات صدرت عن صدور صافية من كدر الغل وغشه ليتحذر بها العاقل من لدغ الكلام ونهشه وقالوا من أطلق لسانه بما يحب كان أكثر مقامه حيث لا يحب وقال ﷺ ما أعطى العبد شراً من طلاقة اللسان وقال لقمان لابنه يا بني إن من الكلام ما هو أشد من الحجر وأنفذ من الأبر وأمر من الصبر وأحر من الجمر وإن من القلوب مزارع فازرع فيها الكلمة الطيبة فإن لم تنبت كلها نبت بعضها وقال زياد إن الرجل ليتكلم بالكلمة يقطع بها ربقة عنز فتبلغ امامه فيسفك دمه ويقال حفظ اللسان راحة الانسان وقال صعصعة بن صوحان طول اللسان يقصر الأجل وخطأ القول يصيب المقتل ويقال من خزن لسانه حقن دمه ومن ملك كلامه أمن ندمه فاللسان سيف مرهف لا ينبو حده والكلام سهم مرسل لا يمكن رده وقال بعض الحكماء الجاهل يستعجل باظهار المعاني قبل
стр. 222
أحكامها واخراجها وإن لم يحن أوان تمامها فإذا سددها تخطى غرض الصواب وقال الخبرارزي
إذا ما لسان المرء أكثر هدره ... فذاك لسان بالبلاء موكل
إذا شئت أن تحيا عزيزاً مسلماً ... قد بر وميز ما تقول وتفعل
ومما اخترت من كلام الحكماء الأعلام ... في مدح الصمت وذم الكلام
قول رسول الله ﷺ لمعاذ أنت سالم ما سكت وإذا تكلمت فلك أو عليك وقال ابن مسعود إن كان الشؤم في شيء ففي اللسان وقال أبو نواس
خلّ جنبيك لزام ... وامض عنه بسلام
مت بداء الصمت خير ... لك من داء الكلام
ربما استفتحت بالنط ... ق مغاليق الحمام
إنما السالم من أل ... جم فاه بلجام
وقالوا صمت يعقب الندامة خير من نطق يسلب السلامة وقالوا الصمت زين الحلم وعوذة العلم يلزمك السلامة ويصحبك الكرامة ويكفيك مؤنة الاعتذار ويلبسك ثوب الوقار وقال الشاعر
الصمت زين والسكوت سلامة ... فإذا نطقت فلا تكن مكثاراً
ما إن ندمت على سكوتي مرّة ... ولقد ندمت على الكلام مرارا
وقالوا لسانك كالسبع إن عقلته حرسك وإن أرسلته افترسك ويقال اخزن لسانك كما تخزن مالك واعرفه كما تعرف ولدك وزنه كما تزن نفقتك ونفق منه بقدر وكن منه على حذر فإن انفاق ألف درهم في غير وجهها أيسر
стр. 223
من اطلاق كلمة في غير حقها وقال الشاعر
احفظ لسانك واحتفظ من شرّه ... إنّ اللسان هو العدوّ الكاشح
وزن الكلام إذا نطقت بمجلس ... فيه يلوح لك الصواب اللائح
والصمت من سعد السعود بمطلع ... تحيا به والنطق سعد الذابح
وقال بعض الحكماء عليك بالصمت وإن أصبت في القول وبرزت في الفضل فإنه زينة العاقل وحلية الفاضل شاعر
احفظ لسانك أن تقول فتبتلي ... إن البلاء موكل بالمنطق
آخر
وزن الكلام إذا نطقت فإنما ... يبدي الرجال من الستور المنطق
وقالوا
رب كلمة جلبت مقدوراً ... وخربت دوراً وعمرت قبوراً شاعر
إذا المرء لم يخزن عليه لسانه ... فليس على شيء سواه بخازن
آخر
احفظ لسانك أيها الانسان ... لا يلدغنك إنه ثعبان
كم في المقابر من قتيل لسانه ... كانت تخاف لقاءه الأقران
وقالوا كلام الرجل بيان فضله وترجمان عقله فاقصره على الجميل واقتصر منه على القليل وإياك وما يسخط سلطانك ويوحش اخوانك فمن أسخط سلطانه تعرض للمنية ومن أوحش اخوانه تبرأ من الحرية شاعر
يدل على جهل الفتى فضل نطقه ... ونطق أخي العقل الرصين قليل
وإنّ لسان المرء ما لم يكن له ... حصاة على عوراته لذليل
стр. 224
وما أحسن عذر من غص بالملام ... على كثرة صمته وقلة الكلام
حيث قال
قالوا نراك كثير الصمت قلت لهم ... ما طول صمتي من عيّ ولا خرس
الصمت أحمد في الأشياء عاقبة ... وأزين الآن لي من منطق شكس
أأنشر البز فيمن ليس يعرفه ... وأنثر الدّر للعميان في الغلس
ومن الخرافات الموضوعة على ألسنة الحيوانات في مدح الصمت وذم الكلام أنه اجتمع برغوث وبعوضة فقالت البعوضة للبرغوث إني لأعجب من حالي وحالك أنا أفصح منك لساناً وأرجح ميزاناً وأوضح بياناً وأكبر منك شباباً وأكثر طيراناً ولي في بحر العبودية سباحة وفي ساحته سياحة ومع هذا كله فقد أحاط بي الفضوع وأحرمني الجوع الهجوع وأنت على علاتك في جميع حالاتك تأكلي وتشبعي وفي نواعم الأبدان ترتعي قالت نعم أنت بين العالم مطنطنة وعلى رؤسهم مدندنة وطول لسانك سبب حرمانك وأما أنا فالتلطف صناعتي والصمت بضاعتي وإنما توصلت إلى قوتي بسكوتي
ومما له في هذا الموضع ... من النفوس حسن موقع
حفظ الأسرار أن تدال ... على الأحرار والأنذال
قال الله تعالى حكاية عن قول يعقوب ليوسف ﵉ حين قص عليه رؤياه فعلم منها بدء أمره ومنتهاه يا بني لا تقصص رؤياك على اخوتك فيكيدوا لك كيداً وقال رسول الله ﷺ استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان وكان عيه الصلاة والسلام إذا أراد غزاة ورى بغيرها ومن أمثالهم صدرك أوسع لسرك ويقال إذا انتهى السر من الجنان إلى عذبة اللسان فالاذاعة مستولية عليه وعيون الحوادث تنظر شزراً إليه وقال
стр. 225
عمرو بن العاص الصدور خزائن الأسرار والشفاه أقفالها والألسن مفاتيحها فليحفظ كل امرئ مفتاح سره وقالوا إذا ضاق صدرك عن نجواك فكيف تستكتمه سواك وقال بعض الحكماء سرك من دمك فلا تجره في غير أوداجك فإنك متى تكلمت به أرقته وكما أنه لا خير في آنية لا تمسك ما فيها فكذلك لا خير في لسان لا يملك سره وقال آخر كن على سرك أحرص منك على حقن دمك وقالوا سرك أسيرك فإن بذلته كنت أسيره ابن نباتة السعدي
صن السر عن كل مستخبر ... وحاذر فما الحزم إلا الحذر
أسيرك سرّك إن صنته ... وأنت أسير له إن ظهر
آخر
ولا تخبر بسرك بل أمته ... وصير في حشاك له حجايا
فما أودعت مثل القلب سرّا ... ولا أغلقت مثل الصدر بابا
وقال عمرو بن العاص ما وضعت سري عند أحد وأفشاه فلمته لأني كنت أضيق صدراً منه حين استودعته إياه وقال الشاعر
إذا ضاق صدر المرء عن سر نفسه ... فصدر الذي يستودع السرّ أضيق
إذا المرء أفشى سرّه بلسانه ... ولام عليه غيره فهو أحمق
وقال معاوية الحازم من كتم سره عن صديقه مخافة أن تنتقل صداقته فيذيع سره شاعر
احذر عدوّك مرّة ... واحذر صديقك ألف مرّة
فلربما انقلب الصدي ... ق فكان أعلم بالمضمّرة
стр. 226
وكان يقال الكاتم سره بين إحدى فضيلتين الظفر بحاجته أو السلامة من شر اذاعته ويقال أصبر الناس من صبر على كتمان سره فلم يبده لصديقه وقال آخر كتمانك سرك يعقبك السلامة وافشاؤه يعقبك الندامة والصبر على كتمان السر أيسر من الندامة على إفشائه إبراهيم بن خفاجة
لا تودعنّ ولا الجماد سريرة ... فمن الجوامد ما يشير وينطق
وإذا المحك أذاع سرّاخ له ... وهو النضار فمن به يستوثق
وقال الأحنف أدنى أخلاق الشريف كتمان سره وأعلى أخلاقه كتمان ما أسر إليه قال الشاعر
ولست بمبد للرجال سريرتي ... ولا أنا عن أسرارهم بسؤل
ولا أنا يوماً للحديث سمعته ... إلى ههنا من ههنا بنقول
آخر
تبوح بسرك ضيقاً به ... وتحسب كل أخ يكتم
وكتمانك السر ممن تخاف ... ومن لا تخافهم أحزم
إذا ذاع سرّك من مخبر ... فأنت إذا لمته ألوم
وقال كعب بن زهير
لا تفش سرّك إلا عند ذي ثقة ... أولاً فأفضل ما استودعت أسرارا
صدراً رحيباً وقلباً واسعاً صمتاً ... لم تخش منه لما أودعت اظهارا
وقيل لأبي مسلم الخراساني بأي شيء أدركت ما أدركت قال ائتزرت بالحزم وارتديت بالكتمان وحالفت الصبر وساعدني القدر فأدركت مرادي وحزت ما في نفسي ثم أنشد
أدركت بالحزم والكتمان ما عجزت ... عنه ملوك بني مروان إذ حشدوا
стр. 227
ما زلت أسعى عليهم في دمارهم ... والقوم في غفلة بالشام قد رقدوا
حتى ضربتهم بالسيف فانتهبوا ... من نومة لم ينمها قبلهم أحد
ومن يدع غنماً في أرض مضيعة ... ونام عنها تولى رعيها الاسد
وأما المزاح وما ورد فيه ... عمن أباحه ومن يجافيه
فيروى عن النبي ﷺ إنه قال من مزح استخف به وقال آخر تجنب شؤم الهزل ونكد المزاح فإنهما بابان إذا فتحا لم يغلقا إلا بعد عسر وفحلان إذا القحا لم ينتجا غير ضر وقالوا المزاح يضع قدر الشريف ويذهب هيبة الجليل وقال حكيم لولده يا بني إياك والمزاح فإنه يذهب بهاء الوجه ويحط من المروأة شاعر
ألا رب قول قد جرى من ممازح ... فساق إليه الموت في طرف الحبل
وإنّ مزاح المرء في غير حينه ... دليل على فرط الحماقة والجهل
آخر
إياك إياك المزاح فإنه ... يطمع فيك الطفل والرجل النذلا
ويذهب ماء الوجه بعد بهائه ... ويورث بعد العز صاحبه ذلا
ويقال أوكد أسباب القطيعة المزاح وإن كان لا غنى للنفس عنه فليكن بمقدار ما يحتاج الطعام من الملح كما قال أبو العباس البستي
أفد طبعك المكدود بالهم راحة ... براح وعلله بشيء من المزح
ولكن إذا أعطيته المزح فليكن ... بمقدار ما تعطي الطعام من الملح
стр. 228
وقال سعيد بن العاص لولده اقتصد في مزاحك فإن الافراط فيه يذهب البهاء ويجرئ السفهاء ويقال المزح أوله فرح وآخره ترح شاعر
امزح بمقدار الطلاقة واجتنب ... مزحاً تضاف به إلى سوء الأدب
لا تغضبن أحداً إذا مازحته ... إنّ المزاح
стр. 229
على مقدّمة الغضب
أبو جعفر الطبري
لي صاحب ليس يخلو ... لسانه من جراح
يجيد تمزيق عرضي ... على سبيل المزاح
الباب السابع
في الذكاء
وفيه ثلاثة فصول
الفصل الأول من هذا الباب
في مدح الفطن والاذهان
المعظمة من قدر المهان
قال ابن الأنباري في كتابه الذي سماه بالزاهر قولهم فلان ذكي معناه كامل الفطنة ثاقبها من قول العرب ذكت النار تذكو إذا زاد وقودها ويقال مسك ذكي إذا كان طيب الريح قال جميل
صادت فؤادي بعينيها ومبتسم ... كأنه حين أبدته لنا برد
عذب كان ذكيّ المسك خالطه ... والزنجبيل وماء المزن والبرد
فمن انشقت كمائم مبانيه عما أخفته من زهرات معانيه فعطفت إليه قلب شانيه بعد ما أنف أن يدانيه سعد بن ضمرة قالوا كان كثيراً ما يغير على بلاد النعمان بن المنذر وينقص أطرافها حتى عيل صبره وبدا ضره فبعث إليه النعمان إن لك ألف ناقة حمراء على أن تدخل في طاعتي فوفد عليه وكان سعد ابن ضمرة نحيفاً قصيراً دميماً وكان ملتفاً بعباءة فلما رآه النعمان ازدراه وقال لان تسمع بالمعيدي خير من أن تراه فقال سعد أبيت اللعن إن الرجال لا تكال بالقفزان ولا بمسوك يستقي بها من الغدران وإنما المرء بأصغريه قلبه ولسانه إن نطق نطق ببيان وإن قاتل قاتل بجنان فقال له النعمان أنت ضمرة بن ضميرة
стр. 230
ونظر عمر بن الخطاب إلى الأحنف وعنده الوفد والأحنف ملتف بعباءة فترك عمر القوم واستنطقه فتكلم بكلامه البليغ المصيب وذهب فيه ذلك المذهب العجيب فلم يزل عنده في الذروة العليا إلى أن عقد له من الرياسة على تميم ما كان له ثابتاً إلى أن فارق الدنيا قال عبد الملك بن عمير قدم علينا الأحنف الكوفة أصلع الرأس متراكب الأسنان أشدق مائل الذقن ناتئ الجبهة جاحظ العينين خفيف العارضين أحنف ولكنه كان إذا تكلم جلى عن نفسه سائر العيوب خرج عثمان ﵁ من داره فرأى عامر ابن عبد قيس على بابه وقد ألقى رأسه بين ركبتيه وكان عامر شيخاً دميماً أسعى فظا فأنكره وأنكر مكانه فقال يا أعرابي أين ربك قال بالمرصاد فيقال إن عثمان لم يفحمه أحد غيره ونظر معاوية إلى النحار بن أوس العدوي الخطيب النسابة في عباءة في ناحية من مجلسه فأنكر مكانه وازدراه فتبين للنحار ذلك في وجهه فقال يا أمير المؤمنين إن العباءة لا تكلمك إنما يكلمك من فيها وكمال الرجل آدابه لا ثيابه وأنشد
إني وإن كنت أثوابي ملفقة ... ليست بخز ولا من نسج كتان
فإنّ في المجد هماتي وفي لغتي ... فصاحة ولساني غير لحان
وأراد بعض الأعراب مخاطبة إنسان فازدراه الرجل لرثاثة ثوبه وخسة حاله وأبى أن يكلمه فقال مالكم يا عبيد الثياب وأشباه الكلاب حقرتموني لاطماري ولم تسألوني عن مكنون أخباري ثم أنشد
المرء يعجبني وما كلمته ... ويقال لي هذا اللبيب اللهذم
فإذا قدحت زناده ووزنته ... بالنقد زاف كما يزيف الدرهم
ودخل كثير بن عبد الرحمن وكان يلقب بزب الزباب لقصره على عبد الملك بن مروان في أول خلافته فاقتحمته عينه ففهم عنه فقال كثير يا أمير
стр. 231
المؤمنين كل عند نفسه واسع الفناء شامخ البناء عالي السناء ثم أنشد للعباس ابن مرداس
ترى الرجل النحيف فتزدريه ... وفي أثوابه أسد مضور
ويعجبك الطرير فتبتليه ... فيخلف ظنك الرجل الطرير
بغاث الطير أطولها رقاباً ... ولم تطل البزاة ولا الصقور
خساس الطبر أكثرها فراخاً ... وأم الباز مقلاة نزور
ضعاف الأسد أكثرها زئيراً ... وأضرؤها اللواتي لا تزير
وقد عظم البعير بغير لب ... فلم يستغن بالعظم البعير
يصرّفه الصغير بكل أرض ... وينزله على الخسف الجرير
ينوّخ ثم يضرب بالهراوي ... ولا عرف لديه ولا نكير
فما عظم الرجال لهم بزين ... ولكن زينهم كرم وخير
فقال عبد الملك قاتله الله ما أطول لسانه وأمد عنانه وأجر أجنانه فقال إني لاحسبه كما وصف نفسه وأمر له بصلة حسنة وقال أبو عبيد البكري في لآلئه إن كثيراً كان لا يبلغ طوله ضروع الابل لقصره وكان إذا دخل على عبد الملك يقول له حين يراه طأطئ رأسك لئلا يصيبه السقف تهكماً به وفيه يقول الحر بن الشاعر
قصير قميص فاحش عند بيته ... يعض قرا باسته وهو قائم
وكان الجاحظ واسمه عثمان بن بحر دميم الصورة قبيح الوجه ناتئ العينين يحكي عنه أنه قال ما أخجلني أحد قط إلا امرأة أخذت بيدي وحملتني إلى نجار وقالت له مثل هذا ثم تركتني وانصرفت فبقيت متعجباً من أخذها لي مثالاً فسألت الصانع فقال إن هذه المرأة سألتني أن أصنع لها مثال شيطان تفزع به ولدها فقلت لها إني لم أر شيطاناً قط حتى أعمل على مثاله وطلبت منها مثالاً فقالت أنا آتيك به فجاءتني بك وقرع عليه الباب يوماً فخرج غلامه فسئل
стр. 232
عنه فقال ها هوذا يكذب على ربه قيل له كيف ذلك قال نظر في المرآة وجهه فقال الحمد لله الذي خلقني فأحسن صورتي إلا أنه كان إذا كتب وشى حلل الطروس بأقلامه وإذا تكلم لفظ الدرر من منثور كلامه وفيه يقول أحمد بن سلامة الكتبي يهجوه ويذكر قبحه
لو يمسخ الخنزير مسخاً ثانياً ... ما كان إلا دون قبح الجاحظ
وإذا المرأة جلت عليه وجهه ... لم تخل مقلته بها من واعظ
وعلى أثر قبح الصورة يقول بعض الشعراء في جحظة
من كان مشتاقاً إلى منكر ... فجعظة أنكر من منكر
لو عذب الله به ناره ... أطفأها برداً ولم تزفر
وأنشد أعرابي
خبرتها أني محب لها ... فأقبلت تضحك من منطقي
والتفتت نحو فتاة لها ... كالرشا الوسنان في قرطق
قالت لها قولي لهذا الفتى ... انظر إلى وجهك ثم أعشق
لقى أعرابي شيخ قبيح الصورة فتاة حسناء فعرض عليها نفسه فأعرضت عنه وقالت أمخادع غائل أم ركيك هازل قال بل لبيب عاقل محب مائل قالت فما أصنع بك قبيحاً فقيراً شيخاً كبيراً قال أستمنح لفقري ملوكاً فيزول وأصبغ شيبي حلوكاً فيحول قال فقالت فقبحك الأم يؤل فولي عنها وهو يقول
تزهى عليّ بدلها وشبابها ... وتقول لي يا شيخ أنت مخادع
قبح وافلاس وشيب شاسع ... وطمعت فينا أخلفتك مطامع
فأجبتها الافلاس يذهبه الغنى ... والشيب يذهبه الخضاب اليانع
стр. 233
قالت فقبحك ليس فيه حيلة ... والقبح ليس له دواء نافع
يا صدقها ما كان أصدق حجتي ... لو كان يدفع قبح وجهي دافع
رجعنا قال بعضهم كنت بفناء الكعبة إذ مر بنا رجل أصلع أرسح أفحج كان أنفه بعرة أشد سواداً من است القدرة عليه ثوبان قطوبان فرأيت الناس يهرعون إليه من كل جانب يطلبون السبق في السلام عليه فقلت من هذا قالوا هذا سيد فقهاء الحجاز عطاء بن أبي رباح وصفه آخر فقال كان أعور أفطس أشل أعرج ثم عمى بعد ذلك قال عثمان بن عطاء الخراساني انطلقت مع أبي نريد هشام بن عبد الملك فلما قربنا إذا بشيخ على حمار أسود عليه قميص دنس وجبة دنسة وقلنسوة لاطية دنسة وركاباه من خشب فضحكت منه وقلت لأبي من هذا الأعرابي قال اسكت هذا سيد فقهاء الحجاز عطاء بن أبي رباح فلما قرب منا نزل أبي عن بغلته ونزل هو عن حماره فاعتنقا ونساء لا ثم عادا فركبا وانطلقا حتى وقفا على باب هشام فما استقر بهما الجلوس حتى أذن لهما فلما خرج أبي قلت له حدثني ما كان منكما قال لما قيل لهشام إن عطاء بن أبي رباح بالباب أذن له فوالله ما دخلت إلا بسببه فلما رآه هشام قال مرحباً مرحباً ههنا ههنا ولا زال يقول له ههنا ههنا حتى أجلسه معه على سريره ومس بركبته ركبته وعنده أشراف الناس يتحدثون فسكتوا فقال له ما حاجتك يا أبا محمد قال يا أمير المؤمنين أهل الحرمين أهل الله وجيران رسوله تقسم عيهم أرزاقهم وعطياتهم قال يا غلام أكتب بأن ترد فيهم فضول صدقاتهم هل من حاجة غيرها يا أبا محمد قال نعم يا أمير المؤمنين أهل الثغور يردون من ورائكم ويقاتلون عدوكم تجرى لهم أرزاقاً تدرها عليهم فإنهم إن هلكوا ضاعت الثغور قال نعم يا غلام اكتب بحمل أرزاقهم إليهم هل من حاجة غيرها يا أبا محمد قال نعم يا أمير المؤمنين أهل ذمتكم لا يجبى صغارهم ولا يتقنع كبارهم ولا يكلفون ما لا يطيقون فإن ما تجبونه منهم معونة لكم على عدوكم قال نعم يا غلام اكتب لأهل الذمة بأن لا يكلفوا ما لا يطيقون هل من حاجة غيرها يا أبا محمد قال نعم اتق الله في نفسك فإنك خلقت وحدك وتموت وحدك وتحشر وحدك
стр. 234
وتحاسب وحدك ولا والله ما معك ممن ترى أحد فأكب هشام ينكث في الأرض وهو يبكي فقام عطاء فلما كنا عند الباب إذا رجل قد تبعه بكيس لا أدري ما فيه دنانير أم دراهم فقال إن أمير المؤمنين أمر لك بهذا فقال لا أسألكم عليه أجراً إن أجري إلا على رب العالمين فوالله ما شرب عنده قطرة ماء
وأكثر ما يوجد الذكاء المفرط عند العميان
فإنهم عوّضوا عن البصر سرعة الحفظ وبطء النسيان كان قتادة بن دعامة أكمه وكان يقول لقائده سعيد بن أبي عروبة تجنب بي الحلق التي فيها الخطا فإنه ما وصل إلى سمعي شيء فأداه إلى قلبي فنسيه وممن ولد أكمه بشار بن برد وكان رأس طبقة في الشعراء المولدين وهم أشجع السلمى ومسلم بن الوليد وأبو العتاهية وأبو نواس وغيرهم وقال الشعر وله من العمر إحدى عشرة سنة ومنهم أبو العلاء أحمد بن سليمان المعري ومن عجيب حكاياته إن أبا زكريا التبريزي كان يقرأ عليه فأتاه رسول من عند أهله من تبريز فجاء حلقة أبا العلاء فسأل عنه فأخبر أنه غائب في بعض شأنه فقال له أبو العلاء ما تريد به قال جئت برسالة من عند أهله فقال هاتها حتى نوصلها إليه قال إنها مشافهة قال فاسمعناها حتى نوصلها إليه قال إنها بالفارسية قال لا عليك إن تسمعناها ولا تسقط منها حرفاً فأوردها عليه فلما جاء التبريزي أخبر أن رجلاً جاء من تبريز ومعه رسالة من أهلك فقال ليتكم أخذتموها منه فإني مشوق لما يرد من أخبارهم فقيل له إنه قال إنها مشافهة فتأسف لذلك فلما رأى أبو العلاء تأسفه قال له لا عليك إني سمعتها منه وحفظتها ثم أملاها عليه فجعل التبريزي يضحك مرة ويبكي مرة فسأله أبو العلاء عن ضحكه وبكائه فقال تارة تخبرني بما يسرني فأضحك وتارة تخبرني بما يحزنني فأبكي وعمي أبو العلاء وله من العمر ثلاث سنين من جدري أصابه وقال الشعر وله إحدى عشرة سنة ولبشار
وعيرني الأعداء والعيب فيهم ... وليس بعار أن يقال ضرير
إذا أبصر المرء المروأة والتقى ... فإن عمي العينين ليس يضير
رأيت العمي أجراً وذخراً وعصمة ... وإني إلى تلك الثلاث فقير
стр. 235
ولعبد الله بن عباس
ان يأخذ الله من عينيّ نورهما ... ففي فؤادي وقلبي منهما نور
قلبي ذكي وعقلي غير ذي دخل ... وفي فمي صارم بالقول مشهور
ولبعضهم يتوجع
عزاكي أيها العين السكوب ... وصبرك إنها نوب تنوب
وكنت كريمتي وجمال وجهي ... وكانت لي بك الدنيا تطيب
وإني قد ثكلتك في حياتي ... وفارقني من الدنيا الحبيب
على الدنيا السلام فما لشيخ ... ضرير العين في الدنيا نصيب
من اخترع من الأوائل حكمة بثاقب فكره
فكانت سبباً لتنويه قدره وابقاء ذكره أردشير بن بابك والمخترعات أربعة اثنتان في صدر الاسلام وهما النرد والشطرنج واثنتان اسلاميان وهما النحو والعروض فأما النرد فوضعها أردشير بن بابك وهو أول ملوك الفرس الأخيرة وأول من وضع النرد وضربها مثلاً للقضاء والقدر وإن الانسان ليس له تصرف في نفسه لا يملك لها نفعاً ولا يدفع عنها ضرراً ولا يقدر أن يجلب لها موتاً ولا حياة ولا سعداً ولا شقاء بل هو مصرف على حكم القضاء والقدر معرض طوراً للنفع وطوراً للضرر وجعلها أيضاً تمثيلاً للحظ الذي يناله العاجز بما يجري لديه من الملك والحرمان الذي يبتلى به الحازم بما دار به عليه الفلك وضعها على مثال الدنيا وأهلها فرتب الرقعة اثني عشر بيتاً بعدد شهور السنة والبروج وجعل القطع ثلاثين قطعة بعدد أيام كل شهر والدرج التي هي لكل برج ثلاثين درجة ومعناهما أن كل ثلاثين درجة على سبعة أيام ومعناها الكواكب السبعة السيارة ثم جعل لها تشبيهاً فوضع وشبهها بالنير وصور فيها أربعة وعشرين بيتاً بعدد ساعات الليل والنهار في كل ناحية منها
стр. 236
اثنا عشر بيتاً وصير لها ثلاثين كلباً تشبيهاً بأيام الشهر ودرج الفلك ثم عمل فصين شبههما بالليل والنهار وتوصل إلى إيصال ذلك للعقول بأن جعل اللعب بالفصين اللذين أنزلهما منزلة الليل والنهار فجعل لكل فص ستة أوجه كجهات الانسان فوق وأسفل ووراء وأمام ويمين وشمال لأنه عدد له نصف وثلث وسدس وجعل في كل جهة من الفصين سبع نقط تحت الستة واحدة وتحت الخمسة ثنتين وتحت الأربعة ثلاثة تشبيهاً بعدد الأيام وعدد الكواكب السيارة وأنزلهما منزلة القضاء والقدر ثم جعلها محنة بين رجلين أنزلهما منزلة الليل والنهار يشير إلى أن الانسان لا يعلم من أين يأتيه الخير والشر فكما إن الانسان لا يعلم مما يردان عليه من خير أو شر أو نفع أو ضر فكذا لا يعلم ما يعطيانه الفصان أو يسلبانه هل يكون غالباً أو مغلوباً إذ ليس له من الأمر شيء وأشار فيها أيضاً إلى تقلب القدر بالانسان فتارة يكون شريفاً ثم يكون مشروفاً وبالعكس أو يكون فقيراً ثم يصير غنياً وبالعكس إلى ما لا نهاية له من تقلب الأطوار في تغاير الأوطار ولقد أحسن السري الرفاء في وصفها من أبيات
ومحكمان على النفوس وربما ... لم يحكما فيهنّ حكماً عادلا
اخوان قد وسما على متنيهما ... سمة تحث على البليد غوائلا
يلقاهما المرزوق سعداً طالعا ... ويراهما المحروم سعداً آفلا
فإذا هما اصطحبا على كف الفتى ... ضرّاه أو نفعاه نفعاً عاجلا
وأما الشطرنج فإن الفرس لما افتخرت بوضع النرد وكان ملك الروم يومئذ بلهيث فوضع له رجل من الحكماء يسمى صصة الشطرنج وضربها مثلاً على أن لا قدر وإن الانسان قادر بسعيه واجتهاده يبلغ المراتب العلية والخطط الستية وإن هو أهملها صارت به من الخمول إلى الحضيض وأخرجته من روض العيش الأريض ومما جعله دليلاً على ذلك أن البيدق ينال بحركته وسعيه منزلة الفرزان في الرياسة وجعلها مصورة تماثيل على صورة الناطق والصامت وجعلها درجات
стр. 237
ومراتب وجعل الشاة المدبر الرئيس والفرس والفيل مركوبان له والفرزان وزيره والبيادق رعاياه فكما إن الواحد من الرعية إذا أعطى الاجتهاد حقه في تهذيب نفسه وتأديبها كان ذلك عوناً له على أن ينال رتبة الفرزان فكذلك الفرزان إذا علت همة وتمكنت قدرته طمحت نفسه إلى نيل رتبة الشاه وقتاله وكذلك ما يليها من القطع ويقال في سبب وضعها إن بعض ملوك الهند كان له ولد يسمى شاه أخرجه إلى بعض الحروب فقتل فيها فهاب الناس الملك أن يعلموه بموته فوضع لهم بعض حكمائهم الشطرنج وبين لهم فيها ما خفي عنهم من مكايد الحروب وكيفية ظفر الغالب وخذلان المغلوب وبين فيها التدبير والحزم والاحتياط والمكيدة والاحتراس والتعبية والنجدة والقوة والجلد والشجاعة والباس فمن عدم شيأً من ذلك علم موضع تقصيره ومن أين أتى بسوء تدبيره لأن خطأها لا يستقال والعجز فيها متلف المهج والأموال واعلم إن في ترك الحزم ذهاب الملك وضعف الرأي جالب للعطب والهلك والتقصير سبب الهزيمة والتلاف وعدم المعرفة بالتعبية داع إلى الانكشاف وأمرهم أن يلعبوا بها بين يدي الملك فلما لعب بها قال الغالب للمغلوب شاه مات ففطن الملك للمراد وأمر أن يعزى بولده ثمرة الفؤاد ويقال إن صصة لما وضع الشطرنج وعرضها على الملك وأظهر له مكنون سرها قال له اقترح ما تشتهي قال أن تضع حبة بر في البيت الأول ولا تزال تضعفها حتى تنتهي إلى آخر البيوت فما بلغ تعطيني فاستخف الملك عقله واحتقر ما طلبه وقال كنت أظن برجاحة عقلك وتوقد فكرك أن تطلب شيأً نفيساً فقال أيها الملك إنك لما صرفتني إلى التمني لم يخطر ببالي غير ذلك ولا سبيل إلى الرجوع عنه فأنعم له الملك بما سأل وتقدم باحضار الحساب وأمرهم بحساب ذلك فاعملوا في بلوغ قصده مطايا الأفكار حتى لاح لهم نجم صدقه فعرفوه بعد الانكار فلم يجدوا في بلاد الدنيا من البر ما يفي للحكيم بمراده ولو كانت الرمال من أمداده وذلك إنهم وضعوا حبة في البيت الأول وفي الثاني حبتين وفي الثالث أربعة وفي الرابع ثمانية وفي الخامس ستة عشر وهكذا ولولا خشية التطويل لذكرنا تضعيف عددها ونهاية مددها ولم أهمل ذلك فإني وجدت بعض الحذاق حصرها بالاعداد الهندية ونظمها في بيت من الشعر
стр. 238
فذكرت ذلك استحساناً لوجازته فالبيت
ها واههط وصفر بعده زجر ... وثنّ صفراً وقل ددّ زود دحا
٦١٥ ٥٥١ ٩ ٠ ٧ ٠٠٧٣ ٧٤ - ٤ ٤٦ ٤ ١٨ والعدد ٦١٥ ٠٩٥٥١ ٧ ٦٧٤٤٠٠٧٣ ١٨٤٤ وقال السري من الأبيات التي تقدم ذكرها في صفة النرد يصف الشطرنج وقد أحسن في قوله
وكتيينا زيج وروم اذكيا ... حربا يسل بها الذكاء مناصلا
في معرك قسم النزال بقاعه ... بين الكماة المعلمين منازلا
لم يسفحا فيه دماً وكأنما ... رشح الدماء أعالياً وأسافلا
تبدي لعينك كلما عاينتها ... قرنين جالا مقدماً ومخاتلا
فكأنّ ذا صاح يسير مقوّما ... وكان ذا نشوان يخطر مائلا
فاعجب لها حرباً تثير إذا التظت ... فضل الرجال ولا تثير قساطلا
وقالوا إن أصل شطرنج شش رنك ومعناه ستة ألوان لأن شش عندهم ستة ورنك لون فكأنهم قالوا ستة ألوان فالشاه لون والفرزان لون والفيل لون والرخ لون والفرس لون والبيدق لون وأما ما اخترع في الاسلام فالنحو والعروض فأما النحو فإن علي بن أبي طالب ﵁ هو الذي ابتكره واخترعه وقالوا في أصل وضعه له إن أبا الأسود الدؤلي كان ليلة على سطح بيته وعنده بيت له فرأت السماء ونجومها وحسن تلألؤ أنوارها مع وجود الظلمة فقالت يا أبت ما أحسن السماء بضم النون فقال أي بنية نجومها وظن أنها أرادت أي شيء أحسن منها فقالت يا أبت إنما أردت التعجب من حسنها فقال قولي ما أحسن السماء فلما أصبح عدا على علي ﵁ وقال يا أمير المؤمنين حدث في أولادنا ما لم نعرفه وأخبره بالقصة فقال هذا بمخالطة العجم ثم أمره فاشترى صحفاً وأملى
стр. 239
عليه بعد أيام أقسام الكلام ثلاثة اسم وفعل وحرف جاء لمعنى وجملة من باب التعجب وقال انح نحو هذا فكان ذلك أول ما ألف في النحو ثم قال تتبعه وزد فيه ما وقع لك واعلم يا أبا الأسود أن الأشياء ثلاثة ظاهر ومضمر وشيء ليس بظاهر ولا مضمر قال فجمعت منها أشياء وعرضتها عليه فكان من ذلك حروف النصب فذكرت منها إن وإن وليت ولعل وكان ولم أذكر لكن فقال لي لم تركتها فقلت لم أحسبها منها قال بل هي منها فزدتها فيها ثم جاء بعد أبي الأسود ميمون الأقرن فزاد على ما ألفه أبو الأسود ثم تلاه في ذلك عنبسة بن معدان الذي يقال له عنبسة الفيل فزاد فيه ثم جاء عبد الله ابن أبي إسحق الحضرمي وأبو عمرو بن العلاء فزاد في ذلك ثم الخليل بن أحمد وكان علي بن حمزة الكسائي رسم في ذلك رسوماً أخذها عنه الكوفيون ثم أخذ ذلك سيبويه عن الخليل وكل من جاء بعده فمن بحر كتابه يغترفون وبتقدمه عليهم يعترفون وأما العروض فأول من اخترعه وابتدعه الخليل بن أحمد وأبوه أول من سمى أحمد في الاسلام وهو أول من وضع العروض واستخرج غرائبه واستنبط عجائبه وجعله ميزاناً للشعر يعرف به التام من الناقص وصاغ له من التفاعيل ثمانية أجزاء لا يخرج شعر موزون عنها صيرها له كالمثاقيل وهي فعولن فأعلن مفاعيلن مستفعلن فاعلاتن مفاعلتن متفاعلن مفعولات وهذه المثاقيل مركبة من سبب ووتد فالسبب نوعان خفيف وثقيل فالخفيف متحرك بعده ساكن نحو ما وهل والثقيل متحركان نحو لم وبم إذا سألت والوتد نوعان مجموع ومفروق فالمجموع متحركان بعدهما ساكن نحو دعا ورمى وسعى والمفروق متحركان بينهما ساكن نحو كيف وجعل البيت الشعر مثال بيت الشعر لأن البيت من الشعر لا يقوم إلا بالأسباب وهي الأطناب والأوتاد التي تضرب في الأرض وتربط فيها الأطناب فيقوم البيت وإنما مثل بذلك لأن في الشعر حروفاً مضطربة يطرأ عليها الزحاف فسميت أسباباً لاضطرابها تشبيهاً بأسباب البيت الشعر وفيه حروف ثابتة لا يطرأ عليها الزحاف فسميت أوتاداً لثباتها وإلى ما قصده الخليل في هذا التمثيل أشار أبو العلاء المعري في
стр. 240
قوله
والحسن يظهر في شيئين رونقه ... بيت من الشعر أو بيت من الشعر
وفسر الناس هذا البيت بأن بيت الشعر يحتوي على المعاني كاحتواء بيت الشعر على الصور وسمي نصف البيت الأول صدراً والنصف الأخير عجزاً وآخر جزء في الصدر عروضاً وآخر جزء في العجز ضرباً وحصر أقسامه في خمس دوائر يستخرج منها خمسة عشر بحراً وهي المختلف والمؤتلف والمجتلب والمشتبة والمتفق فالطويل وهو أصل دائرة المختلف مبني على فعولن مفاعيلن ثمانية أجزاء وسمي طويلاً لأنه أكثر الشعر عدد حروف وعدد حروفه سبعة وأربعون حرفاً وربما كان مصرعاً فجاء على ثمانية وأربعين حرفاً والمديد وهو مبني على فاعلاتن فاعلن ثمانية أجزاء وإنما سمي مديداً لامتداد سببه فصار سبب في أول جزء ابتدائه وسبب في آخره والبسيط وهو مبني على مستفعلن فاعلن ثمانية أجزاء وإنما سمي بسيطاً لانبساط الأسباب في أول أجزائه في الدائرة وهن يفككن من دائرة المختلف والوافر وهو أصل دائرة المؤتلف وهو مبني على مفاعلتن مفاعلتن فعول ستة أجزاء وسمي بذلك لأنه استوفى عدد أجزائه في الدائرة فهو موفور الحركات ناقص الحروف والكامل وهو مبني من متفاعلن متفاعلن ستة أجزاء وإنما سمي بذلك لكمال أجزائه وحركاته وحروفه ولم ينقص منه شيء كما نقص من الوافر ومنها إنه جاء على اثنين وأربعين حرفاً منها ثلاثون متحركات فلما كثرت حركاته وزادت على سائر الأجناس سمي كاملاً وهما يفكان من دائرة المؤتلف والهزج وهو أصل دائرة المجتلب وهو مبني على مفاعيلن مفاعيلن ستة أجزاء وهو مشتق من تهزج الصوت وهو التردد لأنه يتوالى في آخر كل جزء سببان فتواليهما هو التهزج
стр. 241
والرجز وهو مبني على مستفعلن مستفعلن ستة أجزا سمي بذلك لأن في كل جزء منه سببين فهو سريع لاضطرابه والرجز هو أن تتحرك قوائم البعير مرة وتسكن أخرى والرمل وهو مبني على فاعلاتن فاعلاتن ستة أجزاء وهو مشتق من السرعة في السير وهن يفككن من دائرة المجتلب والسريع وهو أصل دائرة المشتبه وهو مبني على مستفعلن فاعلاتن ستة أجزاء وسمي بذلك لسرعته على اللسان والمنسرح وهو مبني على مستفعلن مفعولات ستة أجزا سمي بذلك لانسراحه في سهولته والخفيف كالرمل في السرعة وإنما غوير بينهما في التسمية وهو مبني على فاعلاتن مستفعلن فاعلاتن ستة أجزاء والمضارع وهو مبني على مفاعيلن فاعلاتن مفاعيلن ستة أجزاء وسمي بذلك لمضارعته الهزج وقيل المجتث وقيل المنسرح وقيل الخفيف ولكل قول من هذه الأقوال حجة مذكورة في كتب العروض يضيق عنها الوقت ويفوت الغرض المقصود في هذا الكتاب والمقتضب وهو مبني على مفعولات مستفعلن ستة أجزاء سمي بذلك لأنه اقتضب من المنسرح وقيل من السريع والمجتث وهو مبني على مستفعلن فاعلاتن فاعلاتن ستة أجزاء وسمي بذلك لأنه اجتث من الخفيف كما اقتضب المقتضب من المنسرح وهن يفككن من دائرة المشتبه والمتقارب وهو رب دائرة المتفق لا يشركه فيها غيره وهو مبني على فعول ثمانية أجزاء وسمي بذلك لتقارب أوتاده من أسبابه لأنه سبب ووتد ووتد وسبب فأسبابه كأوتاده وأوتاده كأسبابه
стр. 242
وزاد الأخفش بحراً آخر وسماه الخبب وهو مبني على فعلن فعلن ثمانية أجزاء وهو عند الخليل غير مستعمل ويسمى المتدارك والمخترع وركض الخيل وهو والمتقارب يفكان من دائرة المتفق نادرة حكي أن الخليل كان له ولد جلف فدخل عليه يوماً فوجد أباه قد أدخل رأسه في حب وهو يقطع بيت شعر فخرج صارخاً يقول أدركوا أبي فقد جن فدخل إليه أصحابه وأعلموه بما قال ولده فأنشد مخاطباً له
لو كنت تعلم ما أقول عذرتني ... أو كنت أجهل ما تقول عدلتكا
لكن جهلت مقالتي فعذلتني ... وعلمت أنك جاهل فعذرتكا
ومن بديع فصاحة البلغاء ... وصنيع بلاغة الفصحاء
في وصف ذي الذهن الوقاد ... والطبع السليم المنقاد
وصف بعض البلغاء ذكياً فقال فلان يعلم من مفتتح الأمر خاتمته ومن بديهه عاقبته فلان له بصيرة حاضره وروية مستأمره كل علم في سكناته وكل دهاء في حركاته فلان له رأي كاهن وطنة منجم متى حصل في عارض مشكل وأمر معضل دله فؤاده على الهداية وأمنه من الجهالة والغواية فلان عنده مشكل الأمر مشكول أخذه من قول حبيب
يرى الحادث المستعجم الخطب معجما ... لديه ومشكولاً إذا كان مشكلا
ولعنان جارية الناطفي في جعفر بن يحيى
بديهته وفكرته سواء ... إذا اشتبهت على الناس الأمور
وصدر فيه للهمّ اتساع ... إذا ضاقت من الهمّ الصدور
стр. 243
وصف رجل عضد الدولة فقال له وجه فيه ألف عين وفم فيه ألف لسان وصدر فيه ألف قلب وصف سهل بن هرون رجلاً فقال ما رأيت أكثر فهماً لجليل ولا أحسن تفهماً لدقيق منه وصف الباخرزي أطروشاً يفهم ما يكتب له على ظهر الكف فقال إذا خط له صاحب عرض ببنانه على ظهر كفه وقف على المراد ورضي نيابة البنان عن الأنبوب المغموس في المداد حتى كأن لكل شعرة من بدنه واعياً مصغياً باذنه وذاك لعمري كالرقم على بسيط الماء بالخيال أو كالنقش على قائم الهواء بالهباء ومن عجيب أمره إنه في الصمم بحيث أقول في غيره
وأصلخ في منفذي سمعه ... صمام من الصمم المطبق
فلو نفخ الصور في عصره ... لأفلت حياً ولم يصعق
وصف اليوسفي غلاماً بالذكاء فقال كان يعرف المراد باللحظ كما يعرفه باللفظ ويعاين في الناظر ما يجري في الخاطر أقرب إلى داعيه من يد متعاطيه حديد الذهن ثاقب الفهم يغنيك عند الملامة ولا يحوجك إلى الاستزادة قال أبو نواس يصف نفسه في محبة مخدومه بالذكاء
إذا جعل اللفظ الخفي كلامه ... جعلت له عيني لتفهمه أذنا
وقال الشريف ابن طباطبا يمدح صاحباً له بهذه الصفة
في صاحب لا غاب عني شخصه ... أبداً وظلت ممتعاً بوداده
فطن بما يوحي إليه كأنما ... قد نيط هاجس فكرتي بفؤاده
стр. 244
وكل الناس الأذكياء عيال على زياد بن أبيه حكي عنه إنه كان يوماً جالساً في مجلس عمر فأملى عمر على كاتبه كتاباً سراً فكتب الكاتب خلافه فقال زياد يا أمير المؤمنين إنه كتب غير ما أمليته فتناول عمر الكتاب فوجد الأمر كما قال زياد فقال عمر زياد من أين علمت هذا قال رأيت رجع فيك وحركة قلمه فلم أر بينهما اتفاقا
الفصل الثاني من الباب السابع
في ذكر بداهة الأذكياء البديعة
وأجوبتهم المفحمة السريعة
قالوا البديهة قدرة روحانية في حلية بشرية كما أن الرؤية صورة بشرية في حلية روحانية ويقال بالاحسان في البديهة تفاضلت العقول ويقال ميسور الراي عند البديهة خير من الأطناب بعد الفكرة فممن أبدع في بديهته من الفضلاء من غير ما سؤال ولا ابتلاء أبو نواس وذلك أنه اجتمع ندماء الأمين في مجلس أنس وخلاعة وهو فيهم فخرج عليهم الأمين في زينته مخموراً والجواري يحملنه على سرير فلما رآه أبو نواس قال إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم وبقية مما ترك آل موسى وآل هرون تحمله الملائكة فلله حسن انتزاع هذا الرجل ما أبدعه وأبرعه وفكره ما أصدعه وأسرعه لقد جاوز شأو الاختراع في الانتزاع وتعدى الغاية وصرف العقول لاستحسان ما أشار إليه بهذه الآية لأن أباه هرون الرشيد وعمه موسى الهادي وهو وارثهما وصعد سليمان بن عبد الملك يوم جمعة المنبر ويقال الوليد وعليه أكثر المؤرخين فسمع صوت ناقوس فقال ما هذا قالوا البيعة يا أمير المؤمنين فأمر بهدمها فهدمت فبلغ ذلك ملك الروم فكتب إليه إن هذه البيعة أقرها من كان قبلك فإن كانوا أصابوا فقد أخطأت وإن تكن أصبت فقد أخطؤا فسأل سليمان من خواص دولته الجواب فأعياهم فقال الفرزدق عن اذن أمير المؤمنين قال قل قال يكتب إليه ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكماً وعلماً فسر بذلك وأمر له بعشرة آلاف درهم وخطب قتيبة بن مسلم على منبر خراسان عندما قدمها والياً فسقطت العصا من يده فتطير من ذلك فقام بعض الأعراب فمسحها وناوله إياها وقال أيها الأمير ليس كما ظن العدو وساء
стр. 245
الصديق ولكنه كما قال الشاعر
فألقت عصاها واستقرّ بها النوى ... كما قر عيناً بالاياب المسافر
فسرى عنه ما كان وجده من الغم وأمر له بخمسة آلاف درهم وخرج طاهر بن الحسين لقتال علي بن عيسى بن ماهان وفي كمه دراهم يفرقها على الضعفاء وسها إنها في كمه فأسبل كمه فتبددت فتغير لذلك وتطير منه فأنشده شاعر كان معه
هذا تفرق جمعهم لا غيره ... وذهابها منه ذهاب الهمّ
شيء يكون الهم نصف حروفه ... لا خير في امساكه في الكم
ودخل أبو الشمقمق واسمه مروان بن محمد على خالد بن يزيد بن مزيد الشيباني وقد قلده المأمون الموصول فلما دخل الموصل مر ببعض الدروب فاندق منه اللواء في بعض أبوابها فتطير خالد من ذلك فقال أبو الشمقمق يسليه عن الطيرة
ما كان مندق اللواء لطيرة ... تخشى ولا سوء يكون معجلا
لكنّ هذا الرمح أضعف متنه ... صغر الولاية فاستقل الموصلا
فسرى عنه ما كان وجده وكتب صاحب البريد إلى المأمون بذلك فزاده ديار ربيعة فأعطى خالد أبا الشمقمق عشرة آلاف درهم
وممن مثل من الأذكياء فأجاب ... وأتت سرعة بديهته بالشيء العجاب
ما يحكى أن المأمون دخل يوماً ديوانه فمر بغلام جميل على أذنه قلم فأعجبه حسنه فقال من الشاب فقام وقال الناشئ في دولتك والمؤمل لخدمتك والمتقلب في نعمتك الحسن بن رجاء فاستحسن كلامه وأمر له بمائة ألف درهم ودخل محمد بن عبد الملك بن صالح على المأمون فسلم فقال من أنت قال سليل نعمتك وابن دولتك وغصن من أغصان دوحتك فأعجبه
стр. 246
وسأله عن حاجته فقضاها له وقال أبو عبادة البحتري دخلت يوماً دار الفتح بن خاقان فوجدت الشعراء في دهليز داره وبينهم صبي صغير السن قصير القامة فقلت ما أنت يا غلام فقال شاعر فتبسمت عجباً منه ثم قلت أجز ليت ما بين من أحب وبيني قال من البعد أم من القرب قلت من القرب فقال مثل ما بين حاجبي وعيني فقلت فإن أردناه من البعد فقال
مثل ما بين ملتقى الخافقين فأخذت بيده وأوصلته إلى الفتح وأخبرته بما دار بيني وبينه فعجب منه وأجازه لام السفاح خالد بن برمك على كثرة عطائه وصلاته فقال له خالد لم أر شكري يحيط بنعم أمير المؤمنين فاستعنت بألسنة الناس عليها ومثلها ما حكى إن الواثق قال يوماً لأحمد بن أبي دواد وقد ضجر من كثرة حوائجه يا أحمد قد أخليت بيوت الأموال من افراطك في الطلب للائذين بك فقال يا أمير المؤمنين نتائج شكرها متصلة بك وذخائر أجرها مكتوبة لك ومالي من ذلك الأعشق اتصال الألسن بخلود المدح فيك فقال الواثق والله يا أبا عبد الله ما منعناك ما يزيد في عشقك ويقوي من همتك وأمره إن يجري على عادته في عرض حوائجه وكان الفضل بن يحيى يرسل إلى القاسم بن إسحق البصري مع جوائزه رقاعاً مختومة فيرد الجواب برقاع منشورة فنقم عليه وكره ذلك منه فكتب إليه القاسم رقاعك تشتمل على بر ورقاعي تشتمل على شكر فأنت تكتم برك وأنا أنشر شكري فكل منا فعل ما وجب عليه وندب إليه وفد حاجب بن زرارة على باب كسرى وكان قد منع تميم ريف العراق فقال لحاجبه قل للملك إن بالباب رجلاً من العرب يريد الوفود عليك والمثول
стр. 247
بين يديك فأعلم الحاجب كسرى بما قال فأذن له فلما وقف بين يديه قال له من أنت قال سيد العرب قال ألست القائل للحاجب إنك رجل من العرب قال نعم قلت ذلك قبل وصولي إليك ومثولي بين يديك فأما وقد تشرفت بخدمتك وحظيت برؤيتك فقد صرت سيد العرب فقال كسرى زه وأمره أن يحشي فمه جواهر ورمى إليه وسادة تكرمة له فأخذها ووضعها على رأسه فتغامز عليه من كان حاضراً من المرازبة واستجهل فقال له كسرى ليس هذا مكانها إنما هي للجلوس عليها فقال علمت أيها الملك ولكني لما رأيت عليها صورتك أجللتها فوضعتها على أشرفه أعضائي ليتشرف بها فقال كسرى زه وأمر أن يسور فسور ورؤى كثير راكباً ومحمد بن علي الباقر ﵁ يمشي معه فقيل أتركب ومحمد يمشي فقال هو أمرني بذلك فطاعتي له في الركوب أفضل من عصياني له في المشي ودخل عدي بن أرطاة على شريح القاضي فقال إني رجل من أهل الشام قال بعيد سحيق قال وإني قدمت بلدكم هذه قال خير مقدم قال وإني تزوجت قال بالرفاء والبنين قال وإن امرأتي ولدت غلاماً قال يهنؤك الفارس قال وقد كنت شرطت لها صداقاً قال الشرط أملك قال وقد أردت الخروج بها إلى بلدي قال الرجل أحق بأهله قال فاقض بيننا قال قد فعلت قال بشهادة من قال بشهادة ابن أخت خالتك ودخل عروة بن الزبير بستاناً لعبد الملك بن مروان وقد فتحت أزهاره وأينعت ثماره وبسقت أشجاره واطردت أنهاره وتغردت أطياره فقال له عبد الملك ما أحسن هذا البستان فقال أنت أحسن منه لأنه يؤتي أكله كل عام وأنت تؤى أكلك كل حين وقف المنذر على عجوز من العرب فقال ممن أنت قالت من طيء فقال ما منع طيأ أن يكون فيهم مثل حاتم قالت الذي منع الملوك أن يكون فيهم مثلك فعجب من سرعة جوابها وأمر لها بصلة وركب الرشيد وجعفر بن يحيى يسايره فرأى الرشيد في طريقه أحمالاً مقبلة فسأل عنها فقيل له هدايا خراسان بعث بها علي بن عيسى بن ماهان وكان الرشيد ولاه إياها بعد الفضل بن يحيى فقال الرشيد لجعفر أين كانت هذه أيام أخيك قال في منازل أصحابها يا أمير المؤمنين
стр. 248
نادرة ولي المنصور سليمان بن راشد الموصل وضم إليه ألفاً من العجم وقال له قد ضممت لك ألف شيطان تذل بهم الخلق فلما أتى الموصل عاثوا في البلاد وقطعوا السبل فانتهى خبرهم إلى المنصور فكتب إليه أكفرت النعمة يا سليمان فأجابه وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا فقبل المنصور عذره وصرفهم عنه وقال المتوكل لأبي العيناء ما أشد ما مر عليك في ذهاب بصرك قال فوت رؤيتك يا أمير المؤمنين وحكى أن الحجاج طاف ليله فظفر برجلين سكرانين فقال من أنتما فقال أحدهما
أنا ابن الذي لا ينزل الدهر قدره ... وإن نزلت يوماً فسوف تعود
ترى الناس أفواجاً إلى ضوء ناره ... فمنهم قيام حولها وقعود
وسأل الآخر فقال
أنا ابن من ذلت الرقاب له ... ما بين مخزومها وهاشمها
تأتيه بالرغم وهي صاغرة ... يأخذ من مالها ومن دمها
فسأل الحجاج عن أبويهما فإذا أبو الأول باقلاني وأبو الاخر حجام فقال الحجاج أطلقوهما لأدبهما لا لنسبهما لئن أخطأ النسب فما أخطأ الأدب وقد أخذ بعض الشعراء قول الثاني فقال يمدح حجاماً في معرض التهكم والاستهزاء
أبوك حز النجاد عاتقه ... كم من كميّ أدمى ومن بطل
يأخذ من ماله ومن دمه ... لم يمس من ثائر على وجل
وممن رشق من الفهماء بسهام المقال ... فزبرها بعارضة أحد من النصال
عروة بن الزبير وذلك أنه دخل على عبد الملك بن مروان يوماً فلما استقر به المجلس تجاذب الجلساء أذيال المذاكرة وتساقوا أكواب المحاورة فذكر أخاه
стр. 249
عبد لاله فقال كان أبو بكر يفعل كذا وكذا وكان أبو بكر يقول كذا فقال له انسان تكنيه عند أمير المؤمنين لا أم لك فقال إلي يقال لا أم لك وأنا ابن عجائز الجنة يعني إن صفية بنت عبد المطلب عمة رسول الله ﷺ جدته وعائشة أم المؤمنين خالته وأسماء ذات النطاقين أمه ودخل شاب على المنصور فسأله عن والده فقال مرض والدي ﵀ يوم كذا ومات ﵀ يوم كذا وترك من المال ﵀ كذا فانتهره الربيع وقال بين يدي أمير المؤمنين توالى بالدعاء لأبيك فقال الشاب لا الومك يا ربيع لأنك لم تعرف حلاوة الاباء فضحك المنصور وخجل الربيع وذلك إن الربيع كان مولى للمنصور لا يعرف له أب قال أبو الفرج الأصفهاني كان الربيع يدعى أنه ابن يونس بن أبي فروة وبنو فروة يدفعون ذلك ويزعمون إنه لقيط وجد منبوذاً وكفله يونس فلما كبر وهبه يونس للمنصور وقبل الخلافة فلما ولي الخلافة جعله حاجباً ثم جعله وزيراً وقال ابن عبدوس الجهشياري هو الربيع بن يونس بن محمد بن أبي فروة واسم أبي فروة كيسان مولى الحرث الحفار مولى عثمان بن عفان وكان يونس شاطراً بالمدينة فعلق أمة قوم بالمدينة ووقع عليها فجاءت بالربيع فاستعبد ولم يكن ليونس مال فيبتاعه فاتباعه زياد بن عبد الله خال أبي عبد الله السفاح فأهداه إليه ولم يزل يخدمه حتى مات فخدم أبا جعفر بعده فخص له واستولى على أمره لحذاقته ونباهته وحكى إن قرشياً سأل خالد بن صفوان بن الأهتم التميمي عن اسمه فانتسب له فقال القرشي إن اسمك لكذب ما أحد في الدنيا بخالد وإن أباك لحجر بعيد من الرشيح وإن جدك لأهتم والصحيح خير من الأهتم فقال له خالد قد سألت فأجبتك فممن أنت قال من قريش قال من أي قريش أنت قال من بني عبد الدار قال خالد لم تصنع شيأً يا أخا عبد الدار فمثلك يشتم تميماً في عزها وشرفها وقد هشمتك هاشم وأمتك أمية وجمحت بك جمح ورضخت رأسك فهر وخزمت أنفك مخزوم ولوت بك لؤي وغلبتك غالب ونفتك مناف وزهرت عليك زهرة وأقصتك قصي فجعلتك عبد دارها ومنهى عارها تفتح إذا دخلوا وتغلق إذا خرجوا فخر الرجل ميتاً من شدة الغيظ فكانت امرأته تنادي في أزقة البصرة صارخة خالد قتل بعلي بلسانه وادعى أهله على خالد بديته لأنه مات بسبب كلامه
стр. 250
وافتخر قوم باليمن عند هشام بن عبد الملك فقال لخالد ابن صفوان أجبهم فقال ما عسى أن أقول لقوم هم بين ناسج برد ودابغ جلد وسائس قرد ملكتهم امرأة ودل عليهم هدهد وغرقتهم فارة وقال معاوية لعقيل ما حال عمك أبي لهب قال في النار يفترش عمتك حمالة الحطب ودخل عقيل بعدما كف بصره على معاوية يوماً فقال له ما بالكم تصابون في أبصاركم يا بني هاشم يعرض به وبعبد الله بن عباس قال كما تصابون أنتم في بصائركم يا بني أمية وحكى إن هند ابنة عتبة بن ربيعة وقفت بالموسم وقالت يا بني هاشم أين أبي أين أخي أين عمي أين الذين كانت وجوههم تضئ للساري في الليل العاكر ونسق بمدحهم لسان الذاكر فقال لها عقيل بن أبي طالب إذا دخلت النار فخذي على شمالك ودخل يزيد بن أبي مسلم على سليمان بن عبد الملك فلما رآه دميماً حقيراً قال له لعنة الله على رجل أجرك رسنه وولاك خيله فقال يا أمير المؤمنين رأيتني والأمر عني مدبر فلور أتيني والأمر علي مقبل لاستعظمت مني ما استصغرت فقال له سليمان أترى الحجاج بلغ قعر جهنم بعد فقال يا أمير المؤمنين يجئ الحجاج يوم القيامة بين أبيك وأخيك قابضاً على يمين أبيك وشمال أخيك فضعه حيث شئت ودخل بعض الشعراء على أمير يريد مدحه فقال له الأمير ممن أنت قال من تميم قال الذين يقول فيهم الشاعر
تميم بطرق اللؤم أهدى من القطا ... ولو سلكت سبل المكارم ضلت
أخذت امرأة في زنا فطيف بها على جمل فقال لها بعض المجان كيف خلفت الحاج قالت بخير وكانت أمك في النفر الأول وقال رجل للفرزدق كيف عهدك بالحر قال منذ ماتت عجوزك وقال عبد الله بن طاهر لرجل ما بال شدقك معوجاً قال عقوبة عاقبني الله بها لكثرة ثنائي عليك بالباطل اجتمع أبو حنيفة النعمان بن ثابت وشيطان الطاق إبراهيم بن هرون عند المهدي بعد موت جعفر بن محمد الصادق ﵁ وعن آبائه فقال أبو حنيفة لشيطان الطاق يعرض به مات أمامك فقال له ابشر فإن أمامك من
следующие страницы →