← Адаб

Адаб · id 1349

غرر الخصائص الواضحة

الوطواط

Полный текст (601 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

ومما ينال به الخامل أعلى الرتب ... التحلي بأنواع جواهر الأدب الأدب نوعان نفسي وكسبي فالنفسي بتوفيق الله يهبه الله لمن يريد وهو ما كان من محاسن الأفعال الدالة على كرم الطباع والكسبي ما استفادته الأنفس من أحاسن الأقوال الآخذة بأعنة القلوب او الأسماع وهو الذي ترجمت عليه في هذا الموضع ليقع ذكره في النفوس أحسن موقع لترمقه لأجله العيون بالاجلال وتتجمل النفوس به لميلها إليه بتتابع الأدلال وهو الظرف في اللسان الكائن عن الاشتغال بفنون علوم الآداب الحسان كالنحو واللغة ونظم الشعر وإنشاء النثر وما يتعلق بذلك من علم البديع والمعاني والبيان وما ذكرناه فهو الذي نال به حماد الراوية والأصمعي وإسحق الموصلي العلا من الخلفاء والجوائز من الوزراء وسموا تشريفاً لهم بالجلساء والندماء قال أكثم بن صيفي الرجل بلا أدب شخص بغير آلة وجسد بلا روح وقال بزرجمهر الدب شريف لا ينطبع إلا في مثله وقال الأحنف لكل شيء ذؤابة وذؤابة الشرف الأدب وقال أنوشروان عجبت لمن يشهره الأدب كيف تدعوه نفسه إلى مكرمة وقال بعض الأعراب لولده عليك بالأدب فإنه يرفع العبد المملوك حتى يجلسه في مجالس الملوك وقال عبد الملك لبنيه تأدبوا فإن كنتم ملوكاً بررتم وإن كنتم أوساطاً فقتم وإن أعوزكم المعاش عشتم استفيدوا من الأدب ولو كلمة واحدة وقال بعض الأعراب تعلموا الأدب فإنه زيادة في الفضل ودليل على العقل وصاحب في الغربة وأنيس في الوحدة وجمال في المحافل وسبب إلى درك الحاجة وقال المأمون والله لان أموت طالباً للأدب خير من أن أموت قانعاً بالجهل ويقال ذك قلبك بالأدب كما تذكي النار بالحطب وقال الخليل بن أحمد من لم يكتسب بالأدب مالاً اكتسب به جمالاً وقال آخر الأدب أكرم الجواهر طبيعة يرفع الأحساب الوضيعة ويفيد الرغائب الجليلة وينجح القصد والوسيلة فالبسوه حلة وتزينوه حلية فإنه أنفق معاش وأجمل رياش وقال الشعبي الأدب للفقير مال وللغني جمال وللحكيم كمال ومما ذكر أنّ التحلي بالآداب ... يلحق الدنئ بذوي الأحساب قالوا من قعد به نسبه نهض به حسبه وقالوا من تأدب وليس له حسب الحقه الأدب بأهل الرتب وقد يستغني الأدب عن الحسب كما حكى عن سيبويه

стр. 177

قال تكلم رجل بين يدي المأمون فأحسن فقال له المأمون ابن من أنت قال ابن الأدب يا أمير المؤمنين فقال نعم الحسب الذي انتسبت إليه ولهذا قيل المرء من حيث يثبت لا من حيث ينبت ومن حيث يوجد لا من حيث يولد وبآدابه لا بثيابه وبفضيلته لا بفصيلته وبعقله لا بعقائله وبأنبائه لا بآبائه وبكماله لا بجماله قال الشاعر كن ابن من شئت واتخذ أدبا ... يغنيك محموده عن النسب إنّ الفتى من يقول ها أنا ذا ... ليس الفتى من يقول كان أبي وقال بزرجمهر من كثر أدبه كثر شرفه وإن كان وضيعاً وبعد صيته وإن كان خاملاً وساد وإن كان غريباً وكثرت حوائج الناس إليه وإن كان فقيراً وقالوا من دأب في طريق الأدب أدرك حاجته وملك ناصيته ونبل قدره ونبه ذكره قال الشاعر لكل شيء زينة في الورى ... وزينة المرء تمام الأدب قد يشرف المرء بآدابه ... فينا وإن كان وضيع الحسب وما أحسن قول بعض الأعاجم يفتخر ويعتذر مالي عقلي وهمتي حسبي ... ما أنا مولى ولا أنا عربي وإذا انتمى منتم إلى أحد ... فإنني منتم إلى أدبي ويقال حسن الأدب يستر قبيح النسب وقالوا الفضل بالعقل والأدب لا بالأصل والنسب ويقال الأدب ينوب عن الحسب ولا ينفع حسب بلا أدب شاعر كم من خسيس وضيع القدر ليس له ... في العز بيت ولا ينمى إلى نسب قد صار بالأدب المحمود ذا شرف ... عال وذا حسب محض وذا نشب يعلى التأدب أقواماً ويرفعهم ... حتى يساووا ذوي العلياء في الرتب

стр. 178

ذكر من دأب في طلب الأدب ... فنال به أعلى المناصب والرتب يكفي دليلاً على ما ذكرناه وانموذجاً لما وصفناه حال أحمد بن أبي دواد في ترقيه إلى بقاع المجد من الحضيض الوهد يحكي أنه كان يختلف إلى ملجس بشر المريسي في حالة رثة وهيئة رديئة وينصرف عنه في قائم الظهيرة معلقاً محبرته متأبطاً دفتره فيقيل عند أخل له فلما وجه المأمون المعتصم إلى مصر التمس من بشر رجلاً من أصحابه يكون في صحبة المعتصم يوليه على المظالم ويكتب إليه أخباره فقال يا أمير المؤمنين معنا قوم لهم فقه ولكن لم يجمعوا إليه الأدب ومعرفة أمور السلطان ثم وصف له أحمد ابن أبي دواد قال إنه جمع إلى فقه أدباً وبياناً وعقلاً فأرسل إليه وقلده المظالم ففعل ثم حل من المعتصم محلاً عظيماً لاختياره له أيام مقامه بمصر معه ومنهم الفضل بن سهل ذو الرياستين كان أهل بيته مجوساً وتجاراً وصناعاً فيهم الدهقان وبائع الخمر فبلغ به الأدب إلى أرفع الرتب ذكر عنه إنه كان يتقلد بسيفين أحدهما أحمر الجفر مكتوب عليه رياسة الحرب والآخر أسود الجفر مكتوب عليه رياسة التدبير ولهذا سمى ذو الرياستين وصحب الفضل المأمون في حداثته أيام أبيه الرشيد وهو مجوسي فغلب عليه وحمله على إيثار الأدب وطلب الحكمة وكان الفضل يعلم أحكام النجوم فأخبره إنه يرى في طالعه أنه يلي الخلافة سلباً وإن تدبيره يبعد عنه شرقاً وغرباً فبلغ الرشيد شأنه وخبره فهدر دمه فاستتر حيناً ثم بدا له أن يظهر فأتى الرشيد وهو في الحلبة فمثل بين يديه وهو يقول أعوذ يا أمير المؤمنين برضاك من سخطك واعترف بالذنب وأسلم لله على يدك فقال الرشيد من هذا قالوا المجوسي الذي هدرت دمه فقال قد وهبناك دمك إذا سلمت له فغياك ومعاودة ما بلغنا عنك ومنهم محمد بن عبد الملك الزيات قال له العلاء ابن أيوب يوماً وقد دارت بينهما محاورة في مناظرة ليس هذا كيل الزيت ولا عد الجوز قال له أبا التجارة تعيرني قد كنت تاجراً وكنت متأخراً فقدمني الله بالأدب وأصارني بعد التجارة إلى الوزارة وليس المعيب من كان خسيساً فارتفع وإنما هو من كان شريفاً فاتضع ولو كنت عاملتك معاملة الفضل ابن سهل وأذللتك كما أذلك لم تقدم علي بمثل هذا القول الذي لم ينفعك فقد كنت تدخل دار الخلافة تلوذ بالجدران

стр. 179

وتتبع الأفياء ناكس الرأس غضيض الطرف خوفاً منه لكني رفعتك في المجلس فوق من هو أرفع منك وقدمتك على من هو متقدم عليك فقال له العلاء مهلاً إنما قلت كلمة مقولة وتمثلت بمثل مضروب لم اعتمدك به فأما قولك إني كنت ألوذ بالجدران وأتبع الأفياء خوفاً من الفضل فقد كان ذلك ولكني لم أكن أراك هناك وإن أولى الناس أن لا يعير أحداً باستخفاف الفضل لانت فقال ابن الزيات هذا شر من ذلك ونهض من مجلسه وقال احجبوه عني فكان العلاء يأتي بابه كل يوم فيقف حتى ينصرف الناس ثم يمضي فلما رأى ابن الزيات صبره وأدبه صالحه وخالصه وأراد العلاء بقوله فإن أولى الناس أن لا يعير أحداً باستخفاف الفضل لانت إن الفضل رأى على ابن الزيات سواداً فأمر بتمزيقه عليه وقال لا تتشبه بأصحاب السلطان وأرباب المراتب ثم لم تطل مدة الأيام والليالي حتى قلد ابن الزيات الوزارة وجلس الفضل بن سهل بين يديه وكان ابن الزيات ملياً بعلم الأدب كاتباً شاعراً لا يشق في شيء منها غباره ولا تدرك آثاره يحكي في سبب تقدمه بعد أن كان يتولى قهرمة الدار ويسرف على المطبخ إنه ورد على المعتصم كتاب البريد يخبر فيه إن بلاد الجبل نزل بها مطر عظيم كثر منه الكلا فقال المعتصم لأحمد بن عمارة وكان متقلد العرض عليه ما الكلا قال لا أدري فقال المعتصم إنا لله وإنا إليه راجعون أخليفة أمي وكاتب عامي ثم قال من يقرأ لنا الكتاب فعرف بمكان محمد بن عبد الملك الزيات فطلبه فلما مثل بين يديه قال له ما الكلا قال النبات كله رطبه ويابسه فالرطب خاصة يقال له العشب واليابس خاصة يقال له الحشيش ثم اندفع في وصف النبات من ابتدائه إلى انتهائه فهذا هو السبب لما ذكرناه ومن ممادح أهل هذه الصناعة ... الآخذين بأعنة الفصاحة والبراعة وصف مسلم بن بلال بني العباس وقد سئل عنهم فقال أولئك قوم بنور الخلافة يشرقون وبلسان النبوة ينطقون ومدح خالد بن صفوان رجلاً ببراعة المنطق فقال كان والله جزل الألفاظ عزيز مقال اللسان فصيح ما خذ البيان رقيق حواشي الكلام بليل الريق قليل الحركات ساكن الاشارات ومدح أعرابي رجلاً فقال فلان أخذ بزمام الكلام فقاده أسهل مقاد وسافه أجمل مساق

стр. 180

فاسترجع به القلوب الجامحة واستصرف به الأبصار الطامحة ووصف ابن المقنع بليغاً فقال ما زالت ينابيع حكمه تترقرق في مغابن الآذان حتى أعشبت بها القلوب عقولاً وقد ألم بهذا المعنى المتنبي في قوله نطق إذا ما القول حط لئامه ... أعطى بمنطقه القلوب عقولا ولأبي إسحق الصابي في الوزير أبي محمد المهلبي رحمه الله تعالى قل للوزير أبي محمد الذي ... قد أعجزت كل الورى أوصافه لك في المحافل منطق يشفي الجوى ... ويسوغ في أدب الأريب سلافه فكانّ لفظك لؤلؤ متنحل ... وكأنما آذاننا أصدافه قيل فلان إذا أنشأ وشى وإذا عبر حبر فلان إذا أنشأ انتثرت زهرات الآداب من عذوبة لسانه وإذا أنشد حرك ذا الوقار طرباً باحسانه لله در فلان ما أسبط لسانه وأطول عنانه وأفصح بيانه وأجود افتنانه أبو عبادة البحتري يصف بليغاً حكم فسائحها خلال بنانه ... متدفق وقليبها في قلبه كالروض مؤتلفاً بحمرة نوره ... وبياض زهرته وخضرة عشبه وكأنها في السمع معقود بها ... شخص الحبيب بد العين محبه ولبعض شعراء العصر مقال تفدّيه أوائل وائل ... وتفديه أحقاباً أعارب يعرب هو الزهر الغض الذي في كمامه ... أو اللؤلؤ الرطب الذي لم يثقب

стр. 181

آخر قول هو الماء لذ مطعمه ... وكل قول سواه كالزبد وقال حسان بن ثابت ﵁ إذا قال لم يترك مقالاً لقائل ... بملتقطات لا ترى بينها فصلا كفى وشفى ما في النفوس ولم يدع ... لذي أربة في القول جداً ولا هزلا آخر كلام كوقع القطر في المحل يشتفى ... به من جوى في باطن القلب لاصق الفصل الثاني من الباب الخامس في يتحلى به ألباب الأدباء فيما يتحلى به ألباب الأدباء ... من بلاغات الكتاب والخطباء ولنورد امام هذا الفصل نبذة يسيرة في حد البلاغة وأقسامها والطريق الذي يوصل سلوكه إلى معرفة نقصها أو تمامها قال العتابي واسمه كلثوم بن عمرو البلاغة اظهار ما غمض عن الخلق وتصوير الباطل في صورة الحق وقال علي بن عيسى الرماني أبلغ الكلام ما حسن ايجازه وكثر اعجازه وتساوت صدوره وأعجازه وقالوا البلاغة ايصال المعنى إلى القلب في أحسن صورة من اللفظ وقيل لبعض البلغاء من البليغ قال الذي إذا قال أسرع وإذا أسرع أبدع وإذا أبدع حرك كل نفس بما أودع وقالوا لا يستحق الكلام اسم البلاغة حتى لا يكون لفظه إلى سمعك أسبق من معناه إلى قلبك وقال عبد الحميد بن يحيى كاتب مروان الحمار البلاغة ما رضيته الخاصة وفهمته العامة

стр. 182

والعرب سباق حلبة البيان ... يعترف لهم بذلك فصحاء كل زمان قال بعضهم نحن أمراء الكلام فينا وشجت عروقه وعلينا تدلت غصونه فنحن نجني منها ما احلولي وعذب ونترك ما املولح وخبث وقال الجاحظ ليس في الأرض كلام هو أمتع ولا أنفع ولا آنق في الأسماع ولا أقود للطباع ولا أفتق للسان ولا أجود تقويماً للبيان من كلام الأعراب الفصحاء العقلاء وسئل بعض البلغاء أيما أشرف العرب أو العجم فقال العرب أحلى وأحلم وأعلى وأعلم وأقوى وأقوم وأنكى وأنكر وأذكى وأذكر وأعطى وأعطف وأحصى وأحصف وأبلى وأبلغ وأسمى وأسمح وأشرى للفخار وأشرف وأنفى للعار وآنف وسال كسرى الحرث بن كلدة لما وفد عليه ما الذي يحمد من أخلاق العرب ويحفظ من مذاهبهم فقال لهم أنفس سخية وقلوب جرية وعقول صحيحة وأنساب صريحة يمرق الكلام من أفواههم مروق السهم من الرمية أعذب من الماء وأرق من الهواء يطعمون الطعام ويضربون الهام عزهم لا يرام وجارهم لا يضام ولا يروع إذا نام فمن وشائع ألفاظهم البارعة ... وبدائع معانيهم الرائعة ما يحكى أن أعرابياً قال عند ضجره في طلب الرزق والله لقد تقلبت بي الأسباب وقرعت جميع الأبواب واضطربت غاية الاضطراب وسافرت حتى بلغت منقطع التراب ورضيت من الغنيمة بالاياب فما رأيت الحرمان إلا فائضاً والنحج إلا غائضاً واعترضت أعرابية المنصور بطريق مكة بعد موت السفاح فقالت يا أمير المؤمنين قد أحسن الله إليك في الحالتين وأعظم عليك النعم في المنزلتين سلبك خليفة الله وافادك خلافة الله فاحتسب عند الله ما سلبك وأشكر له ما منحك ووقف أعرابي على قوم يسألهم فقال يا أرباب الوجوه الصباح والعقول الصحاح والصدور الفساح والنفوس السماح والألسن الفصاح والمكارم الرباح هل فيكم من يسمع كلامي فيعذرني من مقامي ووقف أعرابي بقوم فقال يا قوم أشكو إليكم زماناً كلح لي بوجهه وأناخ علي بكلكله بعد نعمة من البال وثروة من المال وغبطة من الحال اعتورتني جديداه بنبال مصائبه عن قسي نوائبه فما تركا لي ثاغية أجتدي ضرعها ولا راغية أرتجي نفعها فهل فيكم معين على صرفه أو معد على حيفه فردوا عليه ولم

стр. 183

ينيلوه شيأً فولي عنهم وهو يقول قد ضاع من يأمل من أمثالكم ... جوداً وليس الجود من أفعالكم لا بارك الله لكم في مالكم ... ولا أزاح السوء عن عيالكم فالموت خير من صلاح حالكم ومن كلامهم في الأوصاف وصف أعرابي امرأة فقال هي السقم الذي لا برء منه والبرء الذي لا سقم معه أسهل من الماء وأبعد من السماء ووصف آخر امرأة فقال كاد الغزال يكونها لولا ما نقص منه وتم منها وقال آخر سبقنا الحي وفيهم أدوية السقام فقرأن بالحدق السلام وخرست الألسن عن الكلام وقال آخر خرجت حين انحدرت النجوم وسالت أرجلها فما زلت أصدع الليل حتى انصدع الفجر وأرسل أعرابي ولده في حاجة فرجع خائباً فسأل عن سبب خيبته فقال أتيت سوق الظما فبكت السماء وضحك البرق وقهقه الرعد فخفت الهاطلة فرجعت وصف أعرابي مصيبة فقال إنها مصيبة تركت سود الرؤس بيضاً وبيض الوجوه سوداً وقيل لبعض الأعراب هل عندكم في البادية طبيب قال كلا إن حمر الوحش لا تحتاج إلى بيطار وقيل لأعرابي كيف حالك فقال أمزق ديني بالذنوب وأرقعه بالاستغفار وقيل لأعرابي مالك من فلان قال وجه صبيح وصدر فسيح وقلب نصيح ونسب صريح وخلق صحيح وسعي نجيح ووعد مريح ملح من بدائع ألفاظ الكتاب الأفاضل ... الهادي حلال سحرها بحرام سحر بابل ولنورد امام ذلك كلاماً في فضل الكتابة كافياً وللكتاب من أدواء الخمول شافياً قلت الكتاب ساسة الملك وعماده وأركان قراره وأطواده بأقلامهم تبسط الأرزاق وتقبض الآجال وبأحلامهم تصان المعاقل إذا عجز عن صونها الرجال وقالوا الكاتب مالك الملك يصرفه بقلم الانشاء حيث شاء وقالوا لو أن في الصناعات صناعة مربوبة لكانت الكتابة ربا لكل صناعة وقالوا الكتابة قطب الأدب وفلك الحكمة ولسان ناطق بالفضل وميزان يدل على رجاحة العقل وبالكتاب

стр. 184

قامت السياسة والرياسة وإليهم ألقى تدبير الأعنة والأزمة وعليهم يعتمد في حصر الأموال وانتظام شتات الأحوال شاعر قوم إذا أخذوا الأقلام عن غضب ... ثم استمدّوا بها ماء المنيات نالوا بها من أعاديهم وإن بعدوا ... ما لا ينال مجدّ المشرفيات آخر قوم إذا خافوا عداوة إمرئ ... سفكوا الدما بأسنة الأقلام ولضربة من كاتب ببنانه ... أمضى وأنفذ من رقيق حسام قال ابن المقفع الملوك أحوج إلى الكتاب من الكتاب للملوك ومن فضل الكتابة إن صاحب السيف يزاحم صاحب القلم في قلمه ولا يزاحمه الكاتب في سيفه فمن موجز بلاغتهم ... ومعجز صياغتهم ما كتب به للنبي ﷺ من كتاب أما بعد فكأننا في الثقة بك منك وكأنك في الرقة علينا منا. لا نالم نرجك في أمراً لا نلناه ولا خفناك عليه إلا أمناه ومن بليغ مكاتبتهم ما كتب به يزيد بن الوليد إلى مروان بن محمد وقد بلغه تلكؤه في بيعته أما بعد فإني أراك تقدم رجلاً وتؤخر أخرى فإذا أتاك كتابي هذا فاعتمد على أيهما شئت والسلام ومنها ما كتب به عبد الحميد لرجل بالوصاية على إنسان حق موصل هذا الكتاب إليك كحقه علي إذ رآك موضعاً لأمله ورآني أهلاً لحاجته وقد أنجزت حاجته فحقق أمله ومنها ما ذكر أن المأمون قال لعمرو بن مسعدة اكتب إلى عاملنا فلان كتاب عناية بانسان في سطر واحد فكتب هذا كتاب واثق بمن كتب إليه معتن بمن كتب له ولن يضيع بين الثقة والعناية حامله

стр. 185

ومن بدائعها ما كتب به أبو بكر الخوارزمي جواباً عن هدية وصلت التحفة ولم يكن لها عيب إلا أن باذلها مسرف في البر وقابلها مقتصد في الشكر والسرف مذموم إلا في المجد والاقتصاد محمود إلا في الشكر والحمد وكتب ابن العميد إلى محمد ابن يحيى يستعطفه من رسالته وما أحسبنا اشتركنا إلا في الاسم فقط وشتان بين محمد ومحمد فلو كنا السماكين لكنت الرامح وكنت الأعزل ولو كنا النسرين لكنت الطائر وكنت الواقع ولو كنا السعدين لكنت السعود وكنت الذابح أخذه من قول الفرزدق وقد تلتقي الأسماء في الناس والكنى ... كثيراً ولكن لا تلاقي الخلائق وكتب أبو الفضل أحمد بن الحسين الهمداني بديع الزمان يستعطف أيضاً إني خدمت مولاي والخدمة رق بغير اشهاد وناصحته والمناصحة للمودة أوثق عماد ونادمته والمنادمة رضاع ثان وطاعمته والمطاعمة نسب دان وسافرت معه والسفر والاخوة رضيعاً لبان وقمت بين يديه والقيام والصلاة شريكاً عنان وأثنيت عليه والثناء من الله بمكان وأخلصت له والاخلاص مشكور بكل لسان وكتب أبو العيناء إلى أبي الوليد يستجديه مسناً وأهلنا الضر وبضاعتنا الود والشكر فإن لم تعطنا فلسنا ممن يلمزك في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون وأبو العيناء كما قال فيه محمد بن مكرم وقد سئل عنه من زعم أن عبد الحميد أكتب من أبي العيناء إذا أحس بكرم أو شرع في طمع فقد ظلم وبعث ملك الروم إلى المعتصم كتاباً يتوعده فيه ويتهدده فأمر الكتاب أن يكتبوا جوابه فكتبوا فلم يعجبه مما كتبوا شيأً فقال لبعضهم اكتب بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فقد قرأت كتابك وفهمت خطابك والجواب ما ترى لا ما تسمع وسيعلم الكافر لمن عقبى الدار ومن محاسن لطائفهم ما حكى إن الرشيد قال ليحيى بن خالد إني أردت أن أجعل الخاتم الذي في يد الفضل إلى جعفر فاحتشمت منه فاكفنيه فكتب يحيى إلى الفضل قد أمر أمير المؤمنين أعلى الله قدره وأنفذ أمره أن ينقل خاتمه من

стр. 186

يمينك إلى شمالك فأجاب الفضل قد سمعت ما قال أمير المؤمنين في أخي وما انتقلت عني نعمة صارت إليه ولا غربت عني رتبة طلعت عليه فانظر إلى هذه المآثر والمكارم التي هي للجباه غرر وللثغور مباسم ومن ملحهم ما كتبه أبو العير وهو أحمد بن محمد بن عبد الله الهاشمي تقليداً لأبي العجل يا أبا العجل وفقك الله وسددك وإلى كل خير أرشدك وليتك خراج ضياع الهواء ومساحة الفضاء وكيل ماء الأنهار وعد ورق الأشجار وطرار الأوبار وصدقات البوم وقسم الشوم بين الهند والروم وأجريت لك من الأرزاق ما يقوم بأودك في الانفاق بغض أهل حمص لأهل العراق وأمرتك أن تجعل عيالك بنيسان واصطبلك بهمدان ومطبخك بحران وبيت مالك بسجستان وديوانك بغانه ومجلسك بفرغانه وخلعت عليك خفي حنين وقميصاً من شين وسراويل من دين وعمامة من مخنة عين وحملتك على حمار مقطوع الذنب والاذنين مكسور اليدين والرجلين فدر في عملك كل يوم مرتين واحمد الله على ما ألهمنا فيك وقابلنا بالشكر على ما نوليك ولنذكر من كلام الخطباء ذوي البراعة واللسن ما كان ذا لفظ بديع ومعنى حسن بعد أن نورد في شرف الخطابة والخطباء كلاماً يمتزج بالقلوب امتزاج الماء بالصهباء قال الله تعالى في حق داود ﵇ مبيناً عن شرف ما أجزل له في العطاء وأطاب وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب ذكر أن فصل الخطاب هو أما بعد في الخطبة وأنه أول من قالها وقالت العرب إن أول من قالها قس بن ساعدة الأيادي وأول من خطب لقمان بعدد أود ﵇ وبه يضرب المثل في الحكمة والموعظة الحسنة وفي الحديث إن شعيباً خطيب الأنبياء وفي المثل أخطب من قس هو قس بن ساعدة الأيادي ولأياد وتميم شرف ليس لأحد من العرب لأن النبي ﷺ روى كلام قس وموعظته بعكاظ وهذا استناد تعجز عنه أماني الرجال وتنقطع دونه الآمال وبذلك كان خطيب العرب قاطبة

стр. 187

وأما تميم فإن النبي ﷺ سأل عمرو بن الأيهم عن الزبرقان واسمه حصين بن بدر فأجابه بكلام مدحه فيه بما فيه فلم يرض الزبرقان باقتصاره على ما قال ورأى أنه غض منه وإنها عثرة لا تقال فقال في الحالة الراهنة كلاماً ذمه فيه بما فيه فصدق في الأول ولم يمن في الثاني فعجب رسول الله ﷺ لسرعة فهمه وتحريه الصدق في مدحه وذمه وقال في وصف كلامه ما هو به أحرى عطفاً على قوله للبيدان من الشعر لحكماً وغن من البيان لسحراً قال قيس بن عامر يمدح قوماً بالخطابة خطباء حين يقوم قائلهم ... بيض الوجوه مصاقع لسن وقال آخر يفتخر بقومه في المعنى وإني من قوم كرام أعزة ... لاقدامهم صيغت رؤس المنابر وقال أبو العباس الأعمى واسمه السائب ابن فروخ مادحاً لبني أمية بالخطابة في المعنى أيضاً خطباء على المنابر فرسا ... ن عليها وقالة غير خرس لا يعابون صامتين وإن قا ... لوا أصابوا ولم يقولوا بلبس والخطابة جزالة اللفظ وشدة المعارضة وقال الجاحظ رأس الخطابة الطبع وعمودها الدربة وجناحاها رواية الكلام وحليها الأعراب وبهاؤها تخير اللفظ والمحبة مقرونة بالايجاز وقال ابن أبي دواد تلخيص المعاني رفق والاستعانة بالغريب عجز والتشادق بغض والنظر في عيون الناس عي ومس اللحية هلك والخروج مما بنى عليه أول الكلام اسهاب ولرسول الله ﷺ الخطب التي حكمت فصاحتها بالعي لقس والفهاهة لسحبان ورجعت خاسئة عن مجاراتها في ميدان البلاغة سوابق الأذهان غير أنا

стр. 188

نورد منها في هذا المكان قطرة من سحابها الصائب لنصيب الغرض المقصود إصابة الهدف السهم الصائب خطب ﵊ فقال أيها الناس إن لكم معالم فانتهوا إلى معالمكم وإن لكم نهاية فانتهوا إلى نهايتكم الأوان المؤمن بين مخافتين بين أجل قد قضى لا يدري ما الله صانع فيه وبين أجل قد بقي لا يدري ما الله قاض فيه فليأخذ العبد من نفسه لنفسه ومن ديناه لآخرته ومن الشبيبة قبل الهرم ومن الحياة قبل الموت فوالذي نفس محمد بيده ما بعد الموت مستعتب وما بعد الدنيا دار إلا الجنة أو النار فيالها كلمات لو صادفت سمعاً واعياً وقلباً لجناب الله داعياً وخطب أبو بكر الصديق ﵁ عند موت النبي ﷺ وقد غشي المسلمين بمصيبتهم به ما غشيهم فقال أيها الناس من كان يعبد محمد فإن محمداً قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت إن الله اختار لنبيه ما عنده على ما عندكم وقبضه إلى ثوابه وخلف فيكم كتاب الله وسنته فمن أخذ بهما عرف ومن فرق بينهما أنكر ثم تلى وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل الآية ثم قال أشهد إن الكتاب كما أنزل وأن الحديث كما حدث وإن الله حي لا يموت وإنا لله وإنا إليه راجعون وكان إذا فرغ من خطبته يقول اللهم اجعل خير زماني آخره وخير عملي خواتمه وخير أيامي يوم لقائك وكان عمر يقول آخر خطبته اللهم لا تدعني في غمرة ولا تأخذني على غرة ولا تجعلني من الغافلين وخطب علي ﵁ فقال أما بعد فإن الدنيا قد آذنت بوداع وإن الآخرة قد أقبلت وأشرفت باطلاع وإن المضمار اليوم وغداً السباق فاعملوا لله في الرغبة كما تعملون له في الرهبة وإن أخوف ما أخاف عليكم اتباع الهوى وطول الأمول

стр. 189

وخطب معاوية ﵁ في يوم شديد الحر فقال بعد التحميد إن الله خلقكم فلم ينسكم ووعظكم فلم يهملكم فقال يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون وخطب يزيد بن معاوية بعد موت أبيه فقال الحمد لله ما شاء صنع من شاء أعطى ومن شاء منع ومن شاء خفض ومن شاء رفع إن أمير المؤمنين معاوية كان حبلاً من حبال الله تعالى مده ما شاء أن يمده ثم قطعه حين أراد قطعه وكان دون من قبله وخير من بعده ولا أزكيه عند ربه وقد صار إليه فإن يعف عنه فبرحته وإن يعاقبه فبذنبه وقد وليت الأمر بعده ولست أعتذر من جهل ولا آسى على طلب علم وعلى رسلكم إذا كره الله شيأً عسره وإذا أراد أمراً يسره وخطب سليمان بن عبد الملك فقال ألا إنما الدنيا دار غرور ومنزل باطل تضحك باكياً وتبكي ضاحكاً وتخيف آمناً وتؤمن خائفاً وتفقر مثرياً وتثري فقيراً اعلموا عباد الله أن هذا القرآن يجلو كيد الشيطان كما يجلو ضوء الصبح إذا تنفس ظلام الليل إذا عسعس وخطب عمر بن عبد العزيز فقال أيها الناس أصلحوا سرائركم تصلح لكم علانيتكم وأصلحوا دنياكم تصلح لكم آخرتكم وإن أمر أليس بينه وبين آدم أب حي لعريق في الموتى وكان يقول في آخر خطبته اللهم إن ذنوبي عظمت عن أن تحصى وهي صغيرة في جنب عفوك فاعف عني وخطب في زواج فقال الحمد لله ذي الكبرياء وصلى الله على سيدنا محمد خاتم الأنبياء أما بعد فإن الرغبة منك دعتك إلينا والرهبة منا فيك أجابت وقد زوجناك على كتاب الله وسنة رسوله إما إمساك بمعروف أو تسريح باحسان وخطب السفاح لما قتل مروان بن محمد وبويع فقال ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفراً وأحلوا قومهم دار البوار الآية ثم قال نكص بكم يا أهل الشام آل حرب وآل مروان ماذا يقول زعماؤكم يقولون ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذاباً ضعفاً من النار إذا يقول الله وفاء بما وعد لكل ضعف ولكن لا تعلمون إما أنا فقد غفرت لكم الزلة وبسطت لكم الاقالة وعدت بفضلي على نقصكم وبحلمي على جهلكم فليسكن روعكم ولتطمئن بكم داركم ولتعظكم مصارع أولئكم فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا

стр. 190

وخطب المنصور فقال أحمد الله حمده وأستعينه وأتوكل عليه وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أيها الناس اتقوا الله فقام إليه رجل وقال اذكرك من ذكرتنا به وأنت في ذكره يا أمير المؤمنين فقال المنصور مرحباً مرحباً لقد ذكرت جليلاً وخوفت عظيماً وأعوذ بالله أن أكون ممن إذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالاثم والموعظة منابدت ومن عندنا خرجت وفي رواية قال سمعاً وطاعة لمن سمع عن الله وذكر به وأعوذ بالله أن أذكر به وأنساه لقد ضللت إذاً وما أنا من المهتدين ثم التفت إلى الرجل وقال وأما أنت يا قائلها فوالله ما الله أردت بهذا ولكن ليقال قام فلان فقال فعوقب فصبر وأهون بها من قائل لو كانت وأنا أنذركم أيها الناس اختها فإن الموعظة الحسنة علينا نزلت وفينا ثبتت ثم قال رحم الله امرأ نظر في دنياه لآخرته فمشى القصد وقال القصد وجانب الهجر ثم أخذ بقائم سيفه وقال إن بكم داء هذا شفاؤه وأنا زعيم لكم بشفائه فليعتبر عبد قبل أن يعتبر به فما بعد الوعيد إلا الايقاع وإنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله وخطب المامون في يوم عيد فقال أيها الناس عظم قدر الدارين وتباين جزاء العالمين وطالت مدة الفريقين الله الله إنه الجد لا اللعب والحق لا الكذب وما هو إلا الموت والبعث والميزان والحساب والصراط والقصاص والثواب والعقاب فمن نجا يومئذ فقد فاز ومن هوى فقد خاب الخير كله في الجنة والشر كله في النار فلله هذه الكلمات ما أجلاها لصد الذنوب وأحلاها وقعاً في القلوب ولم تزل خلفاء بني العباس يخطبون على المنابر في الجمع والأعياد وآخر من فعل ذلك منهم الراضي خطب العمال قال الشعبي ما سمعت أحداً يتكلم إلا تمنيت أن سكت مخافة أن يخطئ إلا زياداً فإنه كان لا يزداد اكثاراً إلا ازداد احساناً خطب فقال أيها الناس لا يمنعنكم سوء ما تعلمون أن تنتفعوا منا بأحسن ما تسمعون فإن الشاعر يقولرجل وقال وأما أنت يا قائلها فوالله ما الله أردت بهذا ولكن ليقال قام فلان فقال فعوقب فصبر وأهون بها من قائل لو كانت وأنا أنذركم أيها الناس اختها فإن الموعظة الحسنة علينا نزلت وفينا ثبتت ثم قال رحم الله امرأ نظر في دنياه لآخرته فمشى القصد وقال القصد وجانب الهجر ثم أخذ بقائم سيفه وقال إن بكم داء هذا شفاؤه وأنا زعيم لكم بشفائه فليعتبر عبد قبل أن يعتبر به فما بعد الوعيد إلا الايقاع وإنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله وخطب المامون في يوم عيد فقال أيها الناس عظم قدر الدارين وتباين جزاء العالمين وطالت مدة الفريقين الله الله إنه الجد لا اللعب والحق لا الكذب وما هو إلا الموت والبعث والميزان والحساب والصراط والقصاص والثواب والعقاب فمن نجا يومئذ فقد فاز ومن هوى فقد خاب الخير كله في الجنة والشر كله في النار فلله هذه الكلمات ما أجلاها لصد الذنوب وأحلاها وقعاً في القلوب ولم تزل خلفاء بني العباس يخطبون على المنابر في الجمع والأعياد وآخر من فعل ذلك منهم الراضي خطب العمال قال الشعبي ما سمعت أحداً يتكلم إلا تمنيت أن سكت مخافة أن يخطئ إلا زياداً فإنه كان لا يزداد اكثاراً إلا ازداد احساناً خطب فقال أيها الناس لا يمنعنكم سوء ما تعلمون أن تنتفعوا منا بأحسن ما تسمعون فإن الشاعر يقول اعمل بقولي ولا تنظر إلى عملي ... ينفعك قولي ولا يضررك تقصيري

стр. 191

كذا وقعت لي هذه الحكاية ثم وجدت بعد ذلك في بعض التعاليق هذا البيت منسوباً للخليل بن أحمد ويجوز أن يكون الخليل أنشده متمثلاً به والله أعلم وقال بعد انشاده البيت اسمعوا قولي هذا وعوه فإنما علي ما حملت وعليكم ما حملتم وخطب مصعب بن الزبير لما قدم العراق والياً عليه من قبل أخيه عبد الله فقال بسم الله الرحمن الرحيم طسم تلك آيات الكتاب المبين نتلو عليك من نبا موسى وفرعون بالحق لقوم يؤمنون وأشار بيده نحو الشأم والحجاز والعراق إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعاً يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين وأشار بيده نحو الشأم يريد عبد الملك بن مروان ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ونمكن لهم في الأرض وأشار نحو الحجاز يريد أخاه عبد الله ونرى فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون وأشار نحو العراق يريد أجناد عبد الملك وكان الحجاج من الفصحاء البلغاء قال الشعبي كنت ممن شاهده على المنبر ما رأيت أحداً أبين من الحجاج إن كان ليرقى المنبر فيذكر احسانه إلى أهل العراق وصفحه عنهم وإساءتهم عليه حتى أقول في نفسي إني لأحسبه صادقاً وإني لأظنهم كاذبين خطب فقال أما بعد فإن الله كتب على الدنيا الفناء وكتب على الآخرة البقاء ولا بقاء لما كتب عليه الفناء ولا فناء لما كتب عليه البقاء فلا يغرنكم شاهد الدنيا عن غائب الآخرة وأقصروا طول الأمل بقصر الأجل قال الشعبي كلام حكمة خرج عن قلب خرب وخطب سليمان بن علي بالعراق لما قتلت الأمويون فقال ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون إن في هذا لبلاغاً لقوم عابدين قضاء مبرم وقول فصل وما هو بالهزل الحمد لله الذي صدق عبده وأنجز وعده وبعدا للقوم الظالمين الذين اتخذوا الكعبة غرضاً والفئ ارثاً وجعلوا القرآن عضين لقد جاءهم ما كانوا به يستهزؤن فكأين من قرية أهلكتها وهي ظالمة فهي خاوية على عروشها وبئر معطلة وقصر مشيد

стр. 192

ذلك ما قدمت أيديهم وأن الله ليس بظلام للعبيد أمهلوا والله حتى نبذوا الكتاب والسنة واعتدوا واستكبروا وخاب كل جبار عنيد ثم أخذتهم فكيف كان نكير فهل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزاً وخطب داود أخوه بالمدينة فقال أيها الناس حتام يهتف بكم صريحاً أما آن لراقدكم أن ينتبه كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون أغركم الامهال حتى حسبتموه الاهمال هيهات منكم وكيف بكم والسوط والسيف مشيم ثم أنشد حتى تبيد قبيلة وقبيلة ... ويعض كل مثقف بالهام ويقمن ربات الخدور حواسراً ... يمسحن عرض نواصي الأيتام قال الجاحظ داود وسليمان من أفصح خطباء بني هاشم كانا في البيان فرسي رهان إلا أن داود أفتق لساناً وأروق بياناً وكان لا يتقدم في تحرير خطبة قط وواجب أن يكون بهذا الفصل لاحقاً ... ذم من ظل بمستثقل التقعير ناطقاً قال رسول الله ﷺ أبغضكم إلي الثرثارون المتفيهقون قال أبو العباس محمد بن يزيد المبرد الثرثارون الذين يتكلمون بالكلام تكلفاً وتجاوزاً وخروجاً عن الحد من قولهم نهر ثرثار لكثرة مائه والمتفيهقون تأكيد وهو مأخوذ من قولهم فهق الغدير يفهق إذا امتلا وقال بشر بن المعتمر إياك والتقعير فإنه يسلمك إلى التعقيد فتستهلك معانيك ويمنعك من اصابة مراميك وقلل بعض البلغاء أحذركم والتعمق في القول والتكلف وعليكم بمحاسن الألفاظ والمعاني المستخفة المستملحة فإن المعنى المليح إذا كسى لفظاً حسناً وأعاره البليغ مخرجاً سهلاً كان في قلب السامع أحلى ولصدره أملى وقال بعض الحذاق إياك والنحو بين العامة فإنه كاللحن بين الخاصة وما أحسن قول أبي عمرو بن العلاء في نحو هذا المعنى لعمرك ما اللحن من شيمتي ... ولا أنا عن خطأ ألحن ولكنني قد قسمت الكلام ... أخاطب كلاً بما يحسن

стр. 193

وقالوا خير الكلام ما لم يكن عامياً سوقياً ولا عربياً وحشياً وقال أبو الأسود الدؤلي لولده يا بني إذا كنت في قوم فلا تكلمهم بكلام لم يبلغه سنك فيستثقلوك ولا بكلام هو دونك فيزدروك ويحتقروك فمن بوارد نوادر المتقعرين ... وشوارد بوادر المتفيهقين ما حكى عن أبي علقمة النحوي أنه هاج به دم فأتى بحجام فقال يا هذا اشدد قصب المحاجم وأرهف ظبة المشارط وأسرع الوضع وعجل النزع وليكن شرطك وخزاً ومصك نهزاً ولا تكرهن آتياً ولا تردن آبياً فقال له الحجام جعلت فداك إن هذه الصنعة لا أحسنها وهذه حرب لا يشب نارها ولا يشق غبارها إلا عمرو بن معد يكرب ثم تركه وانصرف ولم يحجمه ومن أظرف ما ينسب إليه ما يحكى عنه أنه هاج به يوماً مرار فسقط على وجهه وأقبل قوم يعضون ابهامه وقوم يؤذنون في أذنه ظناً منهم أنه مصروع فلما أفاق من غمرات غشيته رآهم محدقين به فقال مالي أراكم تتكأكؤن علي تكأكأكم على ذي جنة افرنقعوا عني فقال بعضهم لبعض دعوه فإن جنيته تتكلم بالهندية اشترى الفضل بن الحباب جارية فوجدها ضيقة المسلك فقال يا جارية هل من بساق أو بزاق أو بصاق لان العرب تبدل السين صاداً وزاياً فقالوا صقر وسقر وزقر فقالت الجارية الحمد لله الذي لم يتمنى حتى رأيت حرى قد صار ابن الأعرابي يقرأ عليه اللغة وأتى رجل بع الولاة فقال أعز الله الأمير إن لي ابن أخ أشرأً بطراً قد انضوى إلى كل سكير وخمير عمد إلى عود فنحته وإلى معي فقضبه فطن وطنطن حتى فطن به فأحب عقوبته حتى ينتهي عن ذلك فتقدم الأمير باحضاره فلما مثل بين يديه قال له يا ابن أخي ألم أطعمك ألذ الطعام ألم أسقك أطيب الشراب قال بلى يا عم قال مالك والتعدي أضجعوه وجئوا عنقه فالتفت إليه الشاب وقال والله يا عم لوقع السياط على بدني أحب إلي من وقع كلامك في أذني فضحك منه الأمير وأطلقه أنشد العجاج وأعرابي حاضر عند الوليد بن عبد الملك أمست الغانيات ترمي صدوداً ... وأراني للغانيات مصيدا

стр. 194

فقال الأعرابي للعباس بن الوليد تنح عنه لئلا تسقط عليك من فيه كلمة فتشدخك ومن أجل هذا النادر استثقل التقعير أهل الرشاقة في الألفاظ والحلاوة وقادوا طباعهم إلى اللطافة والطلاوة فقالوا متى كان اللفظ كريماً في نفسه متخيراً في جنسه وكان سليماً من التقعير والتعقيد حبب إلى النفوس واتصل بالأذهان والتحم بالعقول وهشت له الأسماع وارتاحت إليه القلوب وخف على ألسنة الرواة حمله وشاع في الآفاق ذكره ومدحوا التارك للتقعير فقالوا فلان لم يرض بالتكليف مذهباً ولا اتخذ التصنع مركباً وقالوا فلان له ألفاظ لا يشوبها كدر العي ولا يطمس رونقها التكلف ولا يمحو طلاوتها التفيهق أعذب من الماء وأبعد من السماء الفصل الثالث من الباب الخامس في إنّ معرفة حرفة الأدب مانعة من ترقى أعالي الرتب قال رسول الله ﷺ ما ازداد الرجل حذقاً في صنعة إلا كان ذلك نقصاً من رزقه وقالوا المتقدم في الحذق متأخر في الرزق وقالوا حرفة الأدب أعدى لصاحبها من الجرب وقالوا الرزق عند ذوي الأدب أروغ من ثعلب ومن أمثال عوام بغداد جهل يعولني خير من علم أعوله وقال الخليل بن أحمد إذا كثر الأدب قل خيره وإذا كثر خيره كثر ضيره وقال أبو بكر الخوارزمي في هذا المعنى إن سرك حرمان ... به تصبح مقليا فكن ذا أدب جزل ... وكن مع ذاك نحويا

стр. 195

ويقال حرفة الأدب لا يسلم من حرمانها أديب وقالوا التأديب تعذيب وأنشد الخليل بن أحمد ما ازددت من أدب حرفا أسرّ به ... إلا تزايدت حرفا تحته شوم إنّ المقدّم في حذق بصنعته ... أنى توجه فيها فهو محروم وقال ابن رشيق أشقى بجدّك أن تكون أديبا ... أو أن يرى فيك الورى تهذيبا إن كان مستوياً ففعلك أعوج ... يوماً وإن أخطأت كنت مصيبا كالفص ليس يبين معنى نقشه ... حتى يكون بناؤه مقلوبا ابن طباطبا أليس عجيباً أنني مع تسببي ... وشعري ما أعطيت جدّاً ولا حدا وإنّي إذا ما زرت قوماً مسلما ... حجبت فظنوا أنني أبتغي رفدا وقد طال افلاسي وأحسب مثريا ... فأصبحت لا يجدي علي وأستجدي آخر قالوا أديب فأين المال قلت لهم ... قوسي بلا وتر سهمي بلا فوق من لا يكون له جدّ يساعده ... تكون آدابه كالنفخ في البوق ولما خلع المقتدر وبويع عبد الله بن المعتز بن المتوكل ولقب المرتضى بالله أدركته حرفة الأدب فلم يقم في الخلافة غير يومين ثم اضطرب حبله وهطل عليه طل الحرمان ووبله فهرب إلى دار ابن الجصاص التاجر فاختفى عنده ثم أخرج منها إلى القضاة والشهود العدول ميتاً بعد أيام يسيرة وذلك في يوم

стр. 196

الخميس لليلتين خلتا من شهر ربيع الأول سنة ست وتسعين ومائتين فقال فيه ابن بسام من أبيات يرثيه بها لله درّك من ميت بمضيعة ... ناهيك في العلم والآداب والحسب ما فيه لولا ولا ليت فتنقمه ... وإنما أدركته حرفة الأدب وقال أبو عبيدة معمر بن المثنى قال لي أبي إذا كتبت كتاباً فالحن فيه فإن الصواب حرفة والخطأ نجح أخذه بعض الشعراء فنظمه في قوله إن كنت يوماً كاتباً رقعة ... تبغي بها نجح وصول الطلب إياك أن تعرب ألفاظها ... فتكتسي حرفة أهل الأدب وقال أبو عبيدة من أراد أن يأكل الخبز بأدبه فلتبك عليه البواكي ولقد أجاد أبو إسحق الصابي في قوله قد كنت أعجب من مالي وكثرته ... وكيف تغفل عني حرفة الأدب حتى انثنت وهي كالغضبا تلاحظني ... شزراً فلم تبق لي شيأً من النشب واستيقنت أنها كانت على غلط ... واستدركته وأفضت بي إلى الحرب الضب والنون قد يرجى اجتماعهما ... وليس يرجى اجتماع الفضل والذهب والسبب في حرمان الأدباء ... موهبة الخط وخمول النجباء ما ذكره بعض المنصفين منهم في قوله إن ذا الأدب لا يزال متسخطاً على دنياه ذاماً لحاله لما يرى من ميل الزمان للئامه وجهاله فهو لا يمدحهم لعلمه بقصورهم عن ادراك منظومه ولا يثاب إما بجهل ممدوحه وإما من إفراط بخله الناتج عن لومه وقيل للحسن البصري لم صارت الحرفة مقرونة بمن جعل العلم والأدب شعاراً والثروة بمن كساه الجهل والحمق عاراً فقال ليس القول كما قلتم ولا الأمر كما زعمتم ولكنكم طلبتم قليلاً في قليل فأعجزكم طلبتم المال وهو قليل عند أهل العلم والأدب وهم قليل ولو نظرتم إلى من تحارف من أهل

стр. 197

الجهل لوجدتموهم أكثر اقتاراً والمال عنهم أشد نفاراً وقال أبو الحسن علي المعروف بابن البغل متضجراً من الخمول الدهر ضدّ ذوي الفضائل كلهم ... حتى كأنّ عدوّه من يفهم لو كنت أجهل ما علمت لسرني ... جهلي كما قد ساءني ما أعلم كالصعو يرتع في الرياض وإنما ... حبس الهزار لأنه يترنم آخر يطرى لأهل الفضل دون الورى ... مصائب الدنيا وآفاتها كالطير لا يحبس من بينها ... إلا التي تطرب أصواتها الخدلجي قل عني غناء عقلي وديني ... ودخولي في العلم من كل باب أدركتني وذاك أعظم دائي ... حسنات من حرفة الآداب آخر قد عقلنا والعقل شر وثاق ... وصبرنا والصبر مرّ المذاق إنّ من كان فاضلاً كان مثلي ... فاضلاً بعد قسمة الأرزاق وربما أعدت حرفة الأدب أهل الوراقة فأظلتهم منها سحائب الحرمان والفاقة قال أحمد بن عبد الله بن حبيب المعروف بأبي هفان سألت وراقاً عن حاله فقال عيشي أضيق من محبرة وجسمي أدق من مسطرة وجاهي أرهى من الزجاج وحظي أشد سواداً من العفص إذا خلط بالزاج وسوء حالي ألزم لي من الصمغ وطعامي أمر من الصبر وشرابي أكدر من الحبر والهم والألم

стр. 198

يجريان في علقة قلبي مجرى المداد في شق القلم فقلت يا أخي لقد عبرت ببلاء عن بلاء فأنشد المال يستر كل عيب في الفتى ... والمال يرفع كل وغد ساقط فعليك بالأموال فاقصد جمعها ... واضرب بكتب العلم وجه الحائط آخر إنّ الوراقة والتفق ... هـ والتشاغل بالعلوم أصل المذلة والاضا ... قة والمهانة والهموم وأنشدت لأبي النصر بن أبي الفتح كشاجم غبط الناس بالكتابه قوماً ... حرموا حظهم بحسن الكتابه وإذا أخطأ الكتابة حظ ... سقطت تأوه فصارت كآبه وقال إسحق بن إبراهيم بن حمدويه المعروف بالحمدوي ثنتان من أدوات العلم قد ثنتا ... عنان حظي عما رمت من نعم وحبرت لي صحاف الحبر محبرة ... تذود عني سوام المال والنعم والعلم يعلم أني حين آخذه ... لعصمتي نافر خلو من العصم سمع بعض مجان الأدباء رجلاً يقول لا خير في علم لا يدخل مع صاحبه الحمام فقال نعم إلا أنه متى لم يكن معه دانق يخرج به بقي رهناً ابن صادة الأندلسي أما الوراقة فهي أنكد حرفة ... أغصانها وثمارها الحرمان شبهت صاحبها بابرة خائط ... تكسو العراة وجسمها عريان

стр. 199

وأنشد أبو منصور عبد الملك بن إسمعيل الثعالبي في اليتيمة لأبي حاتم الوراق إنّ الوارقة حرفة هزلت ... محرومة عيشي بها زمن إن عشت عشت وليس لي أكل ... أو مت مت وليس لي كفن وقال الشريف أبو يعلى بن الهبارية من قصيدته المخمسة التي أولها حي على خير العمل يذم الوارقة تباً لرب المحبره ... يا ويله ما أدبره وعيشه ما أكدره ... ورزقه ما أقتره إن لم تصدّقني فسل آخر أدمى البكا عينيّ والمآقي ... وظلت ذا همّ وذا احتراق ما إن أرى في الأرض والآفاق ... أزرى ولا أشقى من الوراق إذا بدا في القمص الأخلاق ... يفرح بالحبر والأوراق كفرحة الجنديّ بالأرزاق آخر هربت من الوراقة ملء شوطي ... فردّني الزمان إلى الوراقه وترك المرء حرفته فراراً ... لأمر ليس يدريه حماقه

стр. 200

والسبب في حرمان ذوي النباهة ... فقدان أهل الفضل والوجاهة يروى إن عائشة بنت أبي بكر الصديق ﵄ ذكرت يوماً قول لبيد ذهب الدين يعاش في أكنافهم ... وبقيت في خلف كجلد الأجرب وقالت لله أبوه ما كان أشعره لقد صدق قالوا وكيف يا أم المؤمنين قالت كان أحدهم إذا علم من أخيه خلة سدها من حيث لا يعلم ثم ذهب أولئك وجاء قوم كان أحدهم إذا علم من أخيه خله سدها من حيث يعلم ثم جاء من بعدهم قوم إذا علم أحدهم من أخيه خلة أحب أن يسأله فإذا سأله أعطاه ثم جاء من بعدهم قوم إذا علم أحدهم من أخيه خلة أحب أن يسأله فإذا سأله منعه ثم بعد ذلك يفضحه فيقول جاء فلان يسألني فلم أعطه ولله در القائل لا يغرّنك اللباس ... ليس في الأثواب ناس هم وإن نالوا الثريا ... بخلاء وخساس كل من يدعى رئيسا ... هو في الخسة راس كم يد تصلح للقط ... ع فتفدى وتباس آخر علام تحرّكي والحظ ساكن ... وما قصرت في طلبي ولكن أرى نذلاً تقدّمه المساوي ... على حرّ تؤخره المحاسن جحظة لي حاجة لو أنها قضيت ... لعشت في خير وظل ظليل حياة من مات وموت الذي ... ليس إلى إحيائه من سبيل

стр. 201

دخل بعض الظرفاء على يحيى بن خالد بن برمك وهو في السجن يريد زيارته فقال له ما تشتهي فقال أن أرى إنساناً فأخذ الرجل المرآة وأراه وجهه فيها فشكر له ذلك ثم أنشده ما أكثر الناس بل ما أقلهم ... الله يعلم أنني لم أقل فندا إني لأفتح عيني حين أفتحها ... على كثير ولكن لم أرى أحدا وقيل لسعيد بن المسيب وكان في عينيه ماء ألا تقدح عينيك فقال حتى أنظر بهما إلى من ومثل ذلك ما قاله أبو العيناء معتذراً عن عماه قالوا العمي منظر قبيح ... قلت بفقدي لكم يهون والله ما في الأنام حر ... تأسى على فقده العيون وسأل رجل من رجل حماراً عارية فأخرج له اكافاً وقال له اجعله على من شئت ومر رجل بصديق له فرآه واقفاً على الطريق فقال له ما وقوفك ههنا فقال وقيل لأبي العيناء هل بقى من يلقى قال نعم في البئر ومر ببعض السكك فحبسه إنسان يريد العبث به فقال له أبو العيناء من أنت قال ابن آدم فأقبل يسلم عليه سلام مستوحش وقال عجب والله ما ظننت إلا أن هذا النسل قد انقطع يشير إلى ضياعه من أهل زمانه وقال الشاعر المادحون اليوم أهل زماننا ... أولى من الهاجين بالحرمان ذهب الذين يهزهم مداحهم ... هز الكماة عوالي المرّان كانوا إذا مدحوا رأوا ما فيهم ... فالأريحية منهم بمكان وقال بشار بن برد لقد عشت في زمان وأدركت أقواماً لو اختلقت الدنيا ما تجملت إلا بهم وأنا الآن في زمان ما أرى فيه عاقلاً حصيفاً ولا فاتكاً ظريفاً

стр. 202

ولا ناسكاً عفيفاً ولا جواداً شريفاً ولا خادماً نظيفاً ولا جليساً خفيفاً ولا من يساوي على الخبرة رغيفاً وأنشد فما الناس بالناس الذين عهدتهم ... ولا الدار بالدار التي كنت أعرف ابن الرومي أيست من دهري ومن أهله ... فليس فيهم أحد يرتضي إن رمت مدحاً لم أجد أهله ... أو رمت هجواً لم أجد عرضا وله قيل لي لم ذممت كل البرايا ... وهجوت الأنام هجواً قبيحا قلت هب أنني كذبت عليهم ... فأروني من يستحق المديحا بعض العرب ذهب الذين إذا رأوني مقبلاً ... هشوا إليّ ورحبوا بالمقبل وبقيت في خلف كان حديثهم ... ولغ الكلاب تهارشت في المنزل ابن منير الطرابلسي قالوا هجرت الشعر قلت ضرورة ... باب الدواعي والبواعث مغلق فسد الزمان فلا كريم يرتجى ... منه النوال ولا مليح يعشق ابن البهاريه خذ جملة البلوى ودع تفصيلها ... ما في البرية كلها إنسان وإذا البياذق في الدسوت تفرزنت ... فالرأي أن تتبيذق الفرزان

стр. 203

الباب السادس في العي وفيه ثلاثة فصول الفصل الأول من هذا الباب فيما ورد عن ذوي النباهة في ذم العي والفهاهة قال الله تعالى أو من ينشأ في الحلية وهو في الخصام غير مبين وقال الله تعالى حكاية عن فخر فرعون على موسى بالبيان في قوله أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين ذكر أهل التفسير أن موسى ﵇ لما سمع هذا القول من فرعون قال رب اشرح لي صدري ويسر لي أمرلي واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي فاستجاب الله دعاءه وسمع نداءه فقال قد أوتيت شؤلك يا موسى وحل الله تلك العقدة وأطلق تلك الحبسة حد العي قالوا هو معنى قصير يحويه لفظ طويل وقال أكثم بن صيفي هو أن تتكلم فوق ما تقتضيه حاجتك وقالوا العي الناطق أعيى من العي الساكت لأن المفحم يأتي ما لا يرضاه ويطلب فوق ما في قواه وقالوا العي بلاغة بعي كما ذكر أن ربيعه خطب فأطال وأعجبته نفسه وإلى جانبه أعرابي فالتفت إليه وقال يا أعرابي ما تعدون البلاغة فيكم قال قلة الكلام مع الاصابة قال فما تعدون العي قال ما كن فيه منذ اليوم قال الشاعر وإذا خطبت على الرجال فلا تكن ... هدر الكلام تقوله مختلا واعلم بأنّ من السكوت سلامة ... ومن التكلم ما يكون خبالا

стр. 204

وقال كسرى عي الصمت خير من عي الكلام وقال الجاحظ يذم رجلاً هو والجبن لم أر جباناً أجرأ منه ولا جريأ أجبن منه نظم بعض الشعراء معناه فقال حصر مسهب جرئ جنان ... خير عي الرجال عي السكوت فمما يشين حسان الصور ... العي في البيان والخبر قالوا فضل الانسان على الحيوان بالبيان فإذا نطق ولم يفصح عاد بهيماً ويقال ما لعي مروأة ولا لمنقوص البيان بهاء ولوحك يا قوخه في عنان السماء وقالوا العي داء دواؤه الخرس وتكلم رجل عند معاوية وكان ذا عي فقال عمرو بن العاص سكوت إلا لكن نعمة وقال معاوية وكلام الأحمق نقمة وقالوا البيان بصر والعي عمي والبيان من نتاج العلم والعي من نتاج الجهل يحكى أن رجلاً قام إلى محمد بن عبد الملك الزيات فقال له إني مظلومك فقال هذا كلام يحتاج المشهود وبينة وأشيماء غير ذلك فقال الرجل أصلحك الله الشهود هم البينة والبينة هم الشهود وأشياء غير ذلك حصر وعي وزيادة هي نقص في القيام بحجتك فضحك منه وكشف ظلامته وقيل لبزرجمهر أي شيء أستر للعي قال عقل قالوا فإن لم يكن له عقل قال فمال قالوا فإن لم يكن له مال قال فاخوان يعبرون عنه قالوا فإن لم يكن له اخوان قال يكون شيأً صامتاً كالحجر ولا يلحقه ضرر وقال الشاعر وما حسن الرجال لهم بزين ... إذا لم يسعد الحسن البيان كفى بالمرء عيباً أن تراه ... له وجه وليس له لسان آخر والصمت أزين للفتى ... ما لم يكن عي يشينه والقول ذو خطل إذا ... ما لم يكن لب يعينه

стр. 205

وقال الجاحظ لا يعاب الأخرس ولا يلام من استولى على بيانه العجز ويذم الحصر ويؤنب العي وصف أعرابي قوماً بالعي فقال منهم من ينقطع كلامه قبل أن يصل إلى لسانه ومنهم من لا يبلغ كلامه أذن جليسه ومنهم من يلج كلامه الاذان فيحملها عبأ ثقيلاً إلى الأذهان قال شاعر ينزه لسانه عن العي وما بي من عي ولا أنطق الخنى ... إذا جمع الأقوام في الخطب محفل آخر وقلنا بلا عي وسنا بطاقة ... إذا النار يوم الحرب طال اشتعالها ومن علامات العي الواضحة ... وسمات اللكن الفاضحة الاستعانة وهو أن يرى المخاطب إذا كل لسانه يقول عند مقاطع كلامه للمخاطب استمع إلي واسمع مني وألست تفهم وافهم عني ومنهم من يقول في خلل كلامه أما قولي كذا فأعني به كذا ولا يريد التفسير ولكن يعمد كلامه بصيغة أخرى تكون غير مراده الأول فبيانه أبداً يقصر عن إيضاح أشكاله وإن أتى بأنواع الكلام وأشكاله وذم بعض البلغاء عيياً فقال قلبه ميت الفطنة ولسانه بادي اللكنة ولفظه ظاهر الهجنة شديد التعاون بين التهافت إذ عصته ولدغته المساجلة والمساورة تثاءب للعطاس وتثاقل للنعاس وتشاغل بمسح اللحية ومس الجبهة وقرع السن وفتل الأصابع فعجزه طاهر وعيه حاضر شاعر في مثل ذلك مليّ ببهر والتفات وسعله ... ومسحة عثنون وفتل الأصابع ومن علامته التنحنح من غير داء والتثاؤب من غير ريبة والاكباب في الأرض من غير علة

стр. 206

وقال ابن المعتز ومن الكبائر مقول متتعتع ... جم التنحنح متعب متهوّر ومن عيوب اللسانالمزيلة للاحسانالمزريه بقدر الانسان التمتمة والفأفأة والعقلة والحبسة واللفف والرثة والغمغمة والطمطمة واللكنة والغنة واللثغة قال الأصمعي التمتمة إذا تعتع في التاء فهو تمتام وإذا تردد في الفاء فهو فأفاء قال الراجز ليس بفأفاء ولا تمتام ... ولا كثير الهجر في الكلام والعقلة التواء اللسان عند الكلام والحبسة تعذر النطق ولم يبلغ حد الفأفاء ولا التمتام ويقال إنها تعرض أول الكلام فإذا مر فيه انقطعت واللفف ادخال بعض الكلام في بعض قال الراجز كأنّ في فيه لفيفاً إن نطق ... من طول تحبيس وهم وأرق والرثة إيصال بعض الكلام ببعض دون إفادة والغمغمة أن يسمع الصوت ولا يبين لك تقطيع الحروف ولا يفهم معناه والطمطمة أن يكون الكلام شبيهاً بكلام العجم وهي جميرية وقالوا هي إبدال الطاء بالتاء لأنهما من مخرج واحد فيقولون السلتان والشيتان بمعنى السلطان والشيطان وكانت في لسان زياد بن سلمى الأعجم وكان خطيباً شاعراً كاتباً واللكنة هي إدخال بعض حروف العرب في بعض حروف العجم وتشترك فيها اللغة التركية والنبطية وهي إبدال الهاء من الحاء وانقلاب العين همزة وكانت في لسان عبيد الله بن زياد وصهيب الرومي ﵁ صاحب رسول الله ﷺ وذكر أن مولى لزياد قال أيها الأمير احدوا لنا همار وهش يريد اهدوا لنا حمار وحش فلم يفهم زياد قوله فقال ما تقول ويلك فقال أحدوا لنا ايراً فقال زياد رجعنا إلى الأول فهو خير وحكى الجاحظ إن وازد انقار الفارسي كان له كاتب جلف في لسانه لكنة فأملى عليه يوماً في كتاب انا اعتبرنا الحاصل بالهاء فوجدناه ألف كر فكتبها الكاتب

стр. 207

كما لفظ بها فلما أعاد علمه ما أملاه فطن لاجتماعهما على الجهل فقال أنت لا تهسن أن تكتب وأنا لا أهسن أن أملي فأكتب الجاصل ولا تعجم الجيم والغنة أن يشرب الصوت الخيشوم والخنة ضرب منها والترخيم حذف بعض الكلمة لتعذر النطق به واللثغة قال الجاحظ في كتابه البيان الحروف التي يدخلها اللثغة أربعة وهي القاف والسين والراء واللام فأنني تعرض للقاف فإن صاحبها يجعل القاف طاء فإذا أراد أن يقول قلت وقال قال طلت وطال بمعنى قلت وقال ومنهم من يبدلها كافاً فيقول كلت وكال بمعنى قلت وقال وكانت في لسان أبي مسلم وعبيد الله بن زياد وقال بعض الشعراء في أم ولد له يصفها بذلك أكثر ما أسمع منها في السحر ... تذكيرها الأنثى وتأنيث الذكر والسوأة السوء في ذكر القمر لأنها كانت إذا أرادت أن تقول القمر قالت الكمر والكمر جمع كمرة وهي حشفة الذكر وأما التي تعرض للسين فإنهم يبدلونها ثاء فيقولون بثم الله إذا أرادوا بسم الله ويثره الله بمعنى يسره الله وهي مستحسنة من الجواري والغلمان وأحسن ما سمع فيها قول بعضهم وأهيف كالهلال شكوت وجدي ... إليه بحسنه وأطلت بثي وقلت له فدتك النفس صلني ... تخر حسن الثواب فقال بثي ومن قبيح الأبدال إبدال الثاء المثلثة بالتاء المثناة وكانت في لسان شعبة وذلك فاش في لغة أهل صعيد مصر وما قبحهم إذا قالوا تلاتة آلاف وتلتمائة وتلاتة وتلاتين وتلت وفي الناس من يبدل الجيم ضاداً وهم من أهل صعيد مصر أيضاً فإذا اجتمع لأحدهم جيم وضاد في كلمة مثل ضج وضجر قالوا جض وجضر بجعل الجيم ضاداً والضاد جيماً وفي الناس من يبدل الخاء المعجمة حاء مهملة فيقول في خوخ حوح وفي خلخال حلحال وهي مستحسنة من الغلمان والجواري

стр. 208

وأما التي تعرض في الراء فهي أربعة أحرف فمنهم من يجعلها غيناً معجمة فإذا أرادوا أن يقولوا عمر وقال عمغ وهي غالبة على لسان غالب أهل دمشق والعجب إنه إذا اجتمع لهم راء مع غين في مثل رغيف نطقوا بالراء غيناً وبالغين راء فيقولون غريف ومنهم من يجعلها عيناً مهملة فإذا أراد أن يقول عمرو قال عمع ومنهم من يجعلها ياء فيقول عمي ومنهم من يجعلها زاياً فيقول عمز وهي لغة خسيسة ومنهم من يقولها بالظاء أخت الطاء والأولى كانت في لسان محمد بن شبيب الخارجي والثانية كانت في لسان واصل بن عطا المعتزلي وكان لاقتداره على الكلام يتجنب النطق بها حتى كأنها ليست من حروف المعجم ومن عجيب ما يحكى عنه إنه ذكر بشار بن برد بكلام أسهب فيه وأطنب فلم يأت بكلمة فيها راء وهو أما لهذا الأعمى المكنى بأبي معاذ من يقتله والله لولا أن قتله خلق من أخلاق الغالبة لبعثت إليه من يبعج بطنه على مضجعه يريد بقوله الأعمى يعني الضرير وقال المكنى بأبي معاذ ولم يقل بشار ولا ابن برد وقال من أخلاق الغالبة ولم يقل المغيرة وقال من يبعج ولم يقل يبقر وقال على مضجعه ولم يقل على فراشه لبعضهم فيمن يلثغ بالراء ويجعل البرغّجا في تصرفه ... وجانب الراء حتى احتال للشعر ولم يقل مطراً والقول يعجله ... فقال بالغيث إشفاقاً من المطر ولبعضهم فيمن يلثع بالراء أيضاً ولثغته لو أن واصل حاضر ... ليسمعها ما أسقط الراء واصل وأما التي تعرض في اللام فإن من أهلها من يبدلها ياء فيقول أعتييت بمعنى اغتللت وبدل جمل جمى وهي أوضعهن لذي المروأة وقوم يجعلون اللام كافاً وهي قبيحة ولا حاجة بناء إلى تكملة بيان هذه الحروف

стр. 209

قال الجاحظ وليس اللجلاج والتمتام والألثغ والفأفاء وذو الحبسة وذوي اللفف والرثة في سبيل من حصر في خطبته وعيي في مناضلته وخصومته قد يكون البليغ عيياً عند سؤال مطلوبه كالعاشق متى رام شكوى حاله لمحبوبه سئل محمد بن أبي دواد متى يكون البليغ عيياً قال إذا سأل ما يتمناه وشكى حبه إلى من يهواه ثم أنشد بليغ إذا يشكو إلى غيرها الهوى ... وإن هو لاقاها فغير بليغ آخر قالت عييت عن الشكوى فقلت لها ... جهد الشكاية إن أعيا عن الكلم آخر وكم من حديث قد خبأناه للقا ... فلما التقينا صرت أخرس ابكما آخر عي المحب لدى الحبيب بلاغة ... ولربما قتل البليغ لسانه قال بعضهم موطنان لا آنف من العي فيهما إذا شكوت إلى محبوبي عشقي وإذا سألت حاجة لنفسي فإن السائل قد يهاب المسؤل ويتبعه مع الهيبة ذل السؤال ويسأل العتابي رجلاً حاجة فاقلل في كلامه فقال له مالك من طوق في ذلك فقال كيف لا يقل كلامي ومعي حيرة الطلب وذل المسئلة وخوف الرد وحكى أن الفضل بن الربيع سار بعد نكبته إلى أبي عباد واسمه ثابت ابن يحيى يسأله حاجة فارتج عليه فقال يا أبا العباس أبهذا البيان خدمت خليفتين فقال أنا تعودنا أن نسئل ولا نسأل فاستعبر لكلامه ورق لحاله وقضى حاجته

стр. 210

علي بن الجهم إن دون السؤال والاعتذار ... خطة صعبة على الأحرار أرض للسائل الخضوع وللقا ... ذف ذنباً مضاضة الأعذار وأما ما يعتري العاشق المشوق ... من إلا فحام عند رؤية المعشوق فكما قال أبو بكر الصنوبري آية من علامة العشاق ... اصفرار الوجوه عند التلاقي وانقطاع يكون من غير عيّ ... وولوع بالصمت واطراق آخر فما هو إلا أن أراها فجاءة ... فأبهت لا عرف لديّ ولا نكر وأنسى الذي قد كنت فيما أقوله ... كما يتناسى لب شاربها الخمر عمرو بن ربيعة ضلّ عني لشدّة الوجد عقلي ... وجفان الذكا وعيّ لساني ونسيت الذي نظمت من القو ... ل لديها وغاب عني بياني آخر أفكر ما أقول إذا التقينا ... وأحكم دائماً حجج المقال فأنساها إذا نحن التقينا ... فانطق حين أنطق بالمحال

стр. 211

ولبعض الصوفية ينوى العتاب له من قبل رؤيته ... فإن رآه فدمع العين مسكوب لا يستطيع كلاماً حين ينظره ... كلّ اللسان وفي الأحشاء تلهيب وقال أبو المعالي شيد له الصبوة والشوق والارتياح والتوق والفراق والتلهف والفوت والتأسف دواع تستأثر الصبر وتحصر عن وصفها للمحبوب ألسنة الحصر ومما يشين البليغ بين أترابه ... عطل بيانه من حلي أعرابه قال عمر بن الخطاب ﵁ تعلموا النحو كما تتعلمون السنن والفرائض وكان أيوب السختياني يقول تعلموا النحو فإنه جمال الوضيع وتركه هجنة للشريف شاعر النحو يصلح من لسان إلا لكن ... والمرء تكرمه إذا لم يلحن فإذا أردت من العلوم أجلها ... فأجلها منها مقيم الألسن لحن الشريف يحطه عن قدره ... وتراه يسقط من لحاظ الأعين وترى الدنئ إذا تكلم معرباً ... نال النباهة باللسان المعلن ما وّرث الآباء فيما ورّثوا ... أبناءهم مثل العلوم فأتقن آخر لو لم يكن في النحو إلا أنه ... يذر الضئيل من الرجال مهيبا يخشى التكلم حيث حل كأنما ... أضحى بأفواه الأنام رقيبا وقال عمر تعلموا العربية فإنها تقوي العقل وتزيد في المروأة وقال عبد الملك ابن مروان اللحن في المنطق أقبح من آثار الجدري في الوجه وسمع المأمون لحناً سن بعض ولده فقال ما على أحدكم أن يتعلم العربية يصلح بها لسانه ويفوق أقرانه ويقيم أوده ويزين مشهده ويقل حجج خصمه بمسكتات حكمه أيسر أحدكم أن يكون كعبده أو أمته فلا يزال الدهر أسير كلمته سمع

стр. 212

الأعمش إنساناً يلحن فقال من هذا الذي يتكلم وقلبي منه يتألم وقال الحسن البصري ربما دعوت فلحنت فأخاف أن لا يستجاب لي وفي الحديث إن الله لا يسمع دعاء ملحوناً والعلماء لا يرون الصلاة خلف اللحنة وكيف لا يكون كذلك وأدنى حركة مغيرة للمعنى مؤدية إلى الكفر قال سعيد بن مسلم دخلت على الرشيد فملأ قلبي رعبه فلما لحن خف علي أمره يحكى أنه لم يسمع من الحسن البصري ولا من الشعبي ولا من أيوب بن الفرية ولا من عبد الملك بن مروان لحن قط في جد ولا هزل وكان سيبويه واسمه عمرو بن قنبر يختلف إلى حماد بن زيد يقرأ عليه الحديث فكان يلحن في قراءته فيرد عليه حماد فأبرمه يوماً لحنه فقال له كم تلحن أمالك مروأة فخجل ووجم فلما قام من مجلسه انقطع إلى الخليل بن أحمد فقرأ عليه النحو فمهر فيه وفاق وسار ذكره في الآفاق وهذه نبذة مستحسنة من التعريف ... بنوا درهم المستظرفة في التحريف قال يوسف بن خالد لعمرو بن عبيد ما تقول في دجاجة ذبحت من قفائها قال أحسن قال من قفاءها قال أصلح قال من قفاؤها قال له عمرو ما عناك بهذا قل من قفاها واسترح وأرح وكان يوسف يقول هذا أحمر من هذا أي أشد حمرة وكان الوليد بن عبد الملك لحنة خطب الناس يوم عيد فقرأ في خطبته يا ليتها كانت القاضية وضم التاء فقال عمر بن عبد العزيز عليك وأراحنا منك ودخل إليه أعرابي وعنده عمر بن عبد العزيز فقال له من أنت ووصل الهمزة فظن الأعرابي أنه يقول مننت فقال المنة لله ولأمير المؤمنين فقال عمر للأعرابي إن أمير المؤمنين يقول لك من أنت قال فلان بن فلان قال ما شأنك وفتح النون قال جدري في وجهي وفحج بساقي قال عمر ويحك إن أمير المؤمنين يقول لك ما شأنك وضم النون قال ظلمني ختني قال ومن ختنك وفتح النون قال وما سؤالك عن ذلك يا أمير المؤمنين حجام عندنا بالبادية قال عمر إن أمير المؤمنين يقول لك من ختنك وضم النون قال فلان وقيل للوليد إن العرب لا تحب أن يتولى عليها إلا من يحسن كلامها فجمع أهل النحو ودخل

стр. 213

بيتاً ليتعلم فيه النحو فأقام فيه ستة أشهر ثم خرج منه أجهل من يوم دخل وكان بشر المريسي ممن شهر باللحن دعا لقوم فقال قضى الله لكم الحوائج على خير الوجوه وأهنأها فأنكروا عليه لحنه فقال قاسم التمار يصح هذا على قول الشاعر إنّ سليمى والله يكلاها ... ضنت بشي ما كان يرزاها فكان احتجاج قاسم أظرف من لحن بشر وكان خالد بن عبد الله القسري لحنة وفيه يقول ابن نوفل من أبيات وألحن الناس كل الناس قاطبة ... وكان يولع بالتشديق والخطب قرأ سابق الأعمى ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا فقال بعض المجان ولا إن آمنوا ترافع إلى زياد رجل وأخوه في ميراث فقال إن أبوه مات وإن أخينا وثب على مال أبانا فأكله فقال زياد الذي أضعت من نفسك أضر عليك مما أضعت من مالك وأما القاضي فقال لا رحم الله أباك ولا جبر عظم أخيك قم في لعنة الله وحرسقره وقال رجل للأعمش من أين أقبلت قال من السوق قال وما اشتريت قال عسل قال هلا زدت ألف فقال له الأعمش وهلا زدت في ألفك ألفاً وعكسها ما حكى إن رجلاً قال لسعيد بن عبد الملك تأمرنا بشيأً قال نعم بتقوى الله وإسقاط الألف ويحكي إن خالد بن صفوان دخل الحمام يوماً وفي الحمام رجل معه ابنه فأراد الرجل أن يعرف خالداً ما عنده من البيان فقال لولده يا بني اغسل يداك قبل وجهك والتفت إلى خالد وقال يا أبا صفوان هذا كلام قد ذهب أهله فقال خالد هذا كلام ما خلق الله له أهلاً قط الفصل الثاني من الباب السادس في ذكر من قصر باع لسانه عن ترجمة ما في جنانه قيل لابن المقفع وكان مفحماً عن نظم الشعر لم لا تقول الشعر قال

стр. 214

الذي أرضاه لا يجئ والذي يجئ لا أرضاه وزهدني في الشعر أنّ قريحتي ... بما تستجيد الناس ليس تجود وقال ابن عبدون الكاتب قلبي من العلم مملوء جوانبه ... وذا اللسان كليل لا يواتيني فمن أرتج عليه من خطباء المحافل ... وفرسان المنابر والجحافل يزيد بن أبي سفيان كان أبو بكر ﵁ ولاه ربعاً من أرباع الشأم فلما رقى المنبر ارتج عليه فقطع الخطبة وقال سيجعل الله بعد عسر يسراً وبعد عي بياناً وأنتم إلى أمير فعال أحوج منكم إلى أمير قوال ثم نزل وروى هذا الكلام لعثمان بن عفان وعليه أكثر المؤرخين وصعد عبد الله بن عامر منبر البصرة في يوم عيد الأضحى فحصر فقال لا أجمع عليكم عياً وبخلاً ادخلوا سوق الغنم فمن أخذ شاة فهي له وعلى ثمنها ثم صعد مرة أخرى فحصر فالتفت يميناً وشمالاً فرأى عتاب بن ورقاء وكان شيخاً أصلع فقال إما بعد يا أصلع فوالله ما غلطني غيرك فلعنها الله من صلعة علي به فلما مثل بين يديه أمر أن يضرب عشرين سوطاً ومنعه من دخول المسجد الجامع بعدها وصعد عدي بن أرطاة المنبر فلما رأى جمع الناس أرتج عليه فقال الحمد لله الذي يطعم هؤلاء ويسقيهم ثم نزل وصعد روح بن حاتم المنبر فلما رأى الناس قد أصغوا إليه بأسماعهم ورمقوه بأبصارهم قال نكسوا رؤسكم وغضوا أبصاركم فإن المنبر مركب صعب وإذا الله يسر فتح قفلاً تعسر ثم نزل وخطب مصعب ابن حيان أخو مقاتل بن حيان خطبة نكاح فحصر فقال لقنوا موتاكم قول لا إله إلا الله فقالت أم الجارية عجل الله موتك وأراح منك الهذا دعوناك وصعد وازع اليشكري المنبر يوم جمعة فلما رأى جمع الناس هابهم فحصر فقال لولا أن امرأتي حملتني على إتيان الجمعة ما جمعت وأنا أشهدكم إنها طالق ثلاثاً ثم نزل وخطب ثابت مولى يزيد بن المهلب فارتج عليه فنزل

стр. 215

وهو يقول فالا أكن فيكم خطيباً فإنني ... بسيفي إذا جد الوغى لخطيب فبلغ ذلك المهلب فقال لو قال هذا على المنبر لكان من أخطب الناس وخطب خالد بن عبد الله القسري فارتج عليه فقال إن هذا الكلام يجئ أحياناً ويعسر أحياناً وربما كوبر فأبى وعولج فنبا والتأني لمجيئه خير من التعاطي لأبيه وتركه عند تنكره أفضل من طلبه عند تعذره وقد يختلط من الجرئ جنانه وينقطع من الذرب لسانه وسأعود فأقول ثم نزل وارتج على أبي العباس السفاح فنزل ثم صعد وقال أيها الناس إن اللسان بضعة من الانسان يكل لكلاله ويرتجل لارتجاله ونحن أمراء الكلام بنا تفرعت فروعه وعلينا تهدلت غصونه وإنا لا نتكلم هدراً ولا نسكت حصراً بل نسكت معتبرين وننطق مرشدين وذكر المسعودي إن المعتضد خرج يوم الفطر وكان يوم الاثنين سنة تسع وسبعين ومائتين إلى مصلى أحدثه بالقرب من داره ليصلي بالناس فكبر في الركعة الأولى ست تكبيرات وفي الثانية تكبيرة واحدة فلما فرغ من الصلاة صعد المنبر فحصر ولم يسمع له خطبة وفي ذلك يقول الشاعر يعتذر عنه في هذا المقام حصر الامام ولم يبين خطبة ... للناس في حل ولا احرام ما ذاك إلا من حياء لم يكن ... ما كان من عي ولا افحام وخطب داود بن علي فارتج عليه فقال اتقوا الله وافعلوا ما أمركم به وانتهوا عما نهاكم عنه ثم نزل ولقد جمع في هذه الكلمات بين الحكمة وفصل الخطاب وأحسن لهم في النصيحة وأطاب صعد بعض الخطباء المنبر فحصر بعد الحمدلة فكررها مراراً فقال بعض من حضره على ما أبلانا منك فإنه لا يحمد على المكروه غيره ثم ولي وهو ينشد ختم الإله على لسان عذافر ... ختماً فليس على الكلام بقادر فإذا أراد النطق خلت لسانه ... لحماً تحرّكه لصقر نافر
следующие страницы →