← Адаб

Адаб · id 1349

غرر الخصائص الواضحة

الوطواط

Полный текст (601 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

من الصنيع الدال على لؤم الأصول من كان بسيف جوره على العباد يصول قال رسول الله ﷺ الظلم ظلمات يوم القيامة وقال ﵊ أعتى الناس على الله وأبغض الناس إلى الله وأبعد الناس من الله رجل ولاه الله تعالى من أمة محمد شيأً فلم يعدل فيهم وقال سفيان الثوري لان تلقى الله تعالى بسبعين ذنباً فيما بينك وبينه أهون عليك من أن تلقاه بذنب واحد فيما بينك وبين العباد ويقال من طال عدوانه وإنه زال سلطانه وقال أمير المؤمنين علي ﵁ يوم المظلوم على الظالم أشد من يوم الظالم على المظلوم ويقال الظلم يجلب النقم ويسلب النعم وقالوا من ظلم من الملوك فقد خرج من كرم الحرية والملك إلى دناءة العبودية والملك ويقال ليس شيء أسرع إلى تغيير نعمة وتعجيل نقمة من الاقامة على الظلم وفي الخبر يقول الله تعالى اشتد غضبي على من ظلم من لا يجد له ناصراً غيري وقالت الحكماء شر الملوك الأفاك السفاك وقال أبو منصور الثعالبي أخلق بالملك الظلوم أن يصير غصة للمرائين وعظة للراوين وقالوا الظلم أسرع إلى تبديل النعم وتعجيل النقم من الطيور إلى الأوكار ومن الماء في الانحدار وقالوا سبع خطوم خير من وال ظلوم كان زياد بن أبيه ممن استطال بجوره وعسفه في ولايته عراقي البصرة والكوفة فلما ذل له من فيهما كبرت عليه نفسه واستقلهما لها فكتب إلى معاوية إني قد ضبطت العراقين بيميني وبقيت شمالي فارغة فجمع له معاوية الحجاز واتصلت ولايته بالمدينة فاجتمع أهل المدينة في مسجد رسول الله ﷺ فلاذوا بقبره يسألون الله تعالى الإقالة منه ورفع عبد الله بن عمر يديه وقال اللهم اكفنا شمال زياد كما كفيتنا يمينه فطعن فيها فشاور شريحاً في قطعها فقال له رزق مقسوم وأجل معلوم وإني أكره إن كانت لك مدة أن تعيش أجذم وإن حم أجلك أن تلقى الله مقطوع اليد فإذا سألك لم قطعتها فتقول بغضاً للقائك وفراراً من قضائك

стр. 72

فتركها فلما خرج شريح من عنده لامه الناس فقال إنه قد استشارني والمستشار مؤتمن ولولا أمانة المشورة لوددت إن الله قطع يده يوماً ورجله يوماً وسائر أعضائه يوماً يوماً وزاره شريح بعد ذلك فلما خرج من عنده قال له مسروق كيف تركت الأمير قال تركته يأمر وينهي فأول قوله فإذا هو يأمر بالوصية وينهي عن البكاء عليه ومات من تلك سنة ثلاث وخمسين في رمضان وكان مولده عام الهجرة ودفن في أرض الكوفة وسنأتي على نتف من مولده ونسبه فيما يلي هذا الفصل إن شاء الله تعالى ومن المفرطين في العسف والعنف يوسف ابن عمر الثقفي قلده هشام بن عبد الملك العراق وكان شيطاناً مريداً وجباراً عنيداً سفاكاً للدماء معروفاً بالظلم والغشم ولما قلده أمره بالقبض على خالد بن عبد الله القسري فسار إليه حتى هجم عليه وهو في قصره على حين غفلة من أمره فأخذه ثم رقى المنبر وقال يا أهل العراق إن الحجاج كان دخاناً أنا ناره ولهباً أنا شراره فعليكم بالطاعة العائدة بجزيل الثواب وإياكم والمخالفة الموجبة لوشك العقاب وقد أعذر من أنذر ثم نزل يحكي عنه أنه دخل دار الضرب فعاير درهماً فوجده ناقصاً حبة فضرب فيها الأمناء والصناع عشرة آلاف سوط وكان الفضل بن مراون وزير المعتصم ظالماً غاشماً متبحجاً بالظلم متجبراً متكبراً كان المعتصم يقول الفضل بن مروان أسخط الله وأرضاني فسلطني الله عليه دخل عليه الهيثم بن فراس الشاعر متظلماً من بعض عماله فصرف وجهه عنه ولوى عطفه فخرج من عنده وهو ينشد تجبرت يا فضل بن مروان فانتظر ... فقبلك كان الفضل والفضل والفضل ثلاثة أملاك مضوا لسبيلهم ... أبادهم التغيير والموت والقتل فإن تك قد أصبحت في الناس ظالماً ... ستودي كما أودى الثلاثة من قبل فلما سمع الفضل أبياته قال ما الذي عنى بقوله فقيل إنه أراد الفضل بن يحيى والفضل بن سهل والفضل بن الربيع فتغير وجهه ولم يلبث إلا أياماً يسيرة حتى قبض عليه وفيه يقول بعض الشعراء من أبيات هي قوافيها على ألفاظ الفضل المتفقة مبانيها المختلفة معانيها ولقد أبدع وأجاد

стр. 73

فيها نصحت فأخلصت النصيحة للفضل ... وقلت فبينت المقالة للفضل ألا إن في الفضل بن يحيى لعبرة ... إن اعتبر الفضل بن مروان بالفضل وفي ابن الربيع الفضل للفضل زاجر ... إن ازدجر الفضل بن مروان بالفضل وللفضل في الفضل بن سهل مواعظ ... إن اتعظ الفضل بن مروان بالفضل إذا ذكروا يوماً وقد صرت رابعاً ... ذكرت بقدر السعي منك إلى الفضل فأبق جميلاً من حديث تكونه ... ولا تدع المعروف والأخذ بالفضل فإنك قد أصبحت للناس قائماً ... وصرت مكان الفضل والفضل والفضل من أبيات كثيرة أتيت منها على ما مست الحاجة إليه ووقع الاختيار عليه وقال شاعر في نكبته لا تغبطنّ أخا الدنيا بمقدرة ... فيها وإن كان ذا عز وسلطان يكفيك من غير الأيام ما صنعت ... حوادث الدهر بالفضل بن مروان إن الليالي لم تحسن إلى أحد ... إلا أساءت إليه بعد احسان وصف بعض البلغاء عاملاً للمأمون فقال يا أمير المؤمنين ما ترك فضة إلا فضها ولا ذهباً إلا ذهب به ولا علقاً إلا علقه ولا ضيعة إلا أضاعها ولا غلة إلا غلها ولا عرضاً إلا عرض له ولا ماشية إلا امتشها ولا جليلاً إلا أجلاه ولا دقيقاً إلا دقه ولا رقيقاً إلا رقه فضحك منه وصرفه عن أهل ناحيته ووصف بعضهم عامل ولاية فقال والله ما الذئب في الغنم بالقياس إليه الا من المصلحين ولا السوس في الخزز من الصيف الا من العادلين ولا يزدجرد الأثيم في أهل فارس بالاضافة إليه إلا من النبيين والصدّيقين والشهداء والصالحين ولا فرعون في بني إسرائيل إذا قابلته به إلا من الملائكة المقربين ووصف آخر عامل ولاية فقال كان يجبي خراج الوحش ويأخذ جزية السمك ويطلب زكاة الملائكة ويلتمس جمع الريح ويروم القبض على الماء وحصر الحصا وكيل الأنهار وتحصيل الهباء ولئن كانت النعمة عظمت على قوم خرج عنهم لقد

стр. 74

جلت المصيبة بقوم نزل فيهم وذم البديع الهمداني قاضياً ووصفه بالظلم فقال قاض لا شاهد عنده أعدل من السكر والجام يدلي بهما إلى الحكام ولا ولي أصدق لديه من الصفر الذي يرقص على الظفر ولا وثيقة أحب إليه من غمزات الخصوم على الكيس المختوم ولا وكيل أعز عليه من المنديل والطبق في وقتي الفلق والغسق وأقسم لو أن اليتيم وقع بين الأسود بل الحيات السود لكانت سلامته منها أيسر من سلامته من أصحابه وما ظنك برجل يعادي الله في الغلس ويبيع الدين بالثمن البخس ولص لا ينقب إلا خزائن الأوقاف وكردي لا يغير إلا على الضعاف وذئب لا يفترس عباد الله إلا بين الركوع والسجود ومحارب لا ينهب مال الله إلا بين العدول والشهود قيل لبعض الأعراب أيما أحب إليك أن تلقى الله ظالماً أو مظلوماً قال ظالماً قيل له ويحك ولم قال ما عذري إذا قال لي خلقتك سوياً قوياً لم لم تستعد وأنشد بيت زهير ابن أبي سلمى ومن لا يذد عن حوضه بسلاحه ... يهدم ومن لا يظلم الناس يظلم ومن معايب من رغب عن المكارم ... القاء الحشمة في ارتكاب المحارم كما يحكي أن نصر بن سيرا مر بأبي الهندي وكان شريفاً في قومه وهو يميل سكراً فقال له أفسدت شرفك فقال أبو الهندي لو لم أفسد شرفي لم تكن أنت والي خراسان وكان يزيد بن معاوية يلقب بالسكران لكثرة انهماكه على كثرة شرب الخمر ولقب أيضاً يزيد الخمر بلغه إن المسور بن مخرمة يرميه بشرب الخمر فكتب إلى عامله بالمدينة أن يجلد المسور حد القذف ففعل فقال المسور أتشربها صرفاً تطن دنانها ... أبا خالد والحد يضرب مسور وكان له قرد يكنى أبا قيس يحضره مجلس شرابه ويطرح له متكأ ويسقيه فضله كأسه واتخذ له أتانا وحشية قد ربضت له وذللت وصنع لها سرج ولجام من

стр. 75

ذهب يركبه بهما عليها ويسابق بها الخيل يوم حلبة الرهان فجاء يوماً سابقاً وتناول القصبة التي هي الغابة ودخل الحجرة قبل مجئ الخيل وعليه قباء وقلنسوة من الحرير الأحمر وفيه يقول بعض شعراء الشام تمسك أبا قيس بفضل زمامها ... فليس عليها إن سقطت ضمان إلا من رأى القرد الذي سبقت به ... جياد أمير المؤمنين أثان وكان الوليد بن يزيد بن عبد الملك مما جنا زنديقاً مستهزئاً مستخفاً مستهيناً بالخاصة والعامة مدمناً للخمر متلاهياً باللهو واللعب مصراً على ارتكاب الفواحش مشتغلاً بخلاعته عن النظر في أمور المسلمين والقيام بحقوق الخلافة وأمور المملكة وأحوال الرعية وفيه يقول القائل مضى الخلفاء بالأمر الحميد ... وأصبحت المذمّة للوليد تشاغل عن رعيته بلهو ... وخالف قول ذي الرأي السديد ذكر ثقات المؤرخين إن المؤذن أذنه يوماً للصلاة وهو في لهوه فأمر جارية من جواريه الفواسق أن تعتم وتتلثم وتصلي بالناس فخرجت على هذه الصفة وصلت بهم وبلغ من تهكمه بالشريعة أنه كان يفطر في رمضان والشاهد عليه ما يقال إنه من شعره ألا من مبلغ الرحمن عني ... بأني تارك شهر الصيام وقوله يا أيها السائل عن ديننا ... نحن على دين أبي شاكر نشربها صرفاً وممزوجة ... بالسخن والبارد والفاتر وحكى أنه استدعى أشعب الطامع من المدينة وألبسه سراويل من جلد قرد له ذنب واقترح عليه صوتاً يرقص به فلما فعل ذلك أعطاه ألف درهم وقيل إنه

стр. 76

لما دخل عليه أخرج له ذكره منعظاً وقال له هل رأيت مثل هذا قال لا قال فاسجد له فسجد وهو القائل يخاطب المصحف وقد جعله هدفاً حين تفاءل منه فخرج قوله تعالى واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد أتوعد كلّ جبار عنيد ... فها أنا ذاك جبار عنيد إذا ما جئت ربك يوم حشر ... فقل يا ربّ مزقني الوليد والسبب في قوله هذا أنه لما رأى حالته قد انحل نظامها ودولته مدبرة وقد نفدت أيامها فتح المصحف ينظر فيه فألا فخرج له واستفتحوا الآية ومن قوله يخاطب المصحف ... فعل من بدّل وحرف تخوّفني الحساب ولست أدري ... أحقاً ما تقول من الحساب فقل لله يمنعني طعامي ... وقل لله يمنعني شرابي تلاعب بالنبوّة هاشمي ... بلا وحي أتاه ولا كتاب فمتعه الله طعامه وشرابه كما أراد في مقاله وسلط عليه من قتله وهكذا عادة الله في أمثاله فقتل يوم الخميس لليلتين بقيتا من جمادي الأولى سنة ست وعشرين ومائة بالنجراء وهو قصر على ستة أميال من تدمر وله من العمر اثنتان وأربعون سنة وقيل تسع وثلاثون وأشهر وكانت مدة خلافته سنة وشهرين وعشرين يوماً وحمل رأسه إلى دمشق وعلق بها وقرن به دف وطنبور ولم يزل أثر الدم على الجدران إلى أن قدمها المأمون سنة خمس عشرة ومائتين فأمر بحكه وكان والبة بن الحباب من الخلعاء المستهزئين وهو الذي ربى أبا نواس وأدبه يحكي عنه أنه كشف يوماً عن فقحته فقبلها فضرط على لحيته فقال له ويلك ما هذا فقال أما سمعت المئل جزاء مقبل الوجعاء ضرطه فزاد كلامه هجبابه

стр. 77

يحكي أن جماعة اجتمعوا في مجلس لمطيع بن اياس يشربون الخمر فأقاموا على ذلك ثلاثة أيام فقال لهم يحيى بن زياد ليلة وهم سكارى ويحكم ما صلينا منذ ثلاثة أيام فقوموا حتى نصلي فقام مطيع فأذن وقال للقينة تقدمي وصلي بنا واقرئي في صلاتك علق القلب الربابا ... بعد ما شابت وشابا فتقدمت وصلت وكانت بلا سراويل وعليها غلالة رقيقة يظهر سائر جسدها منها فلما سجدت انكشف سترها وبداهنها فوثب إليه مطيع وقبله ثم قال ولما بداهنها جاثماً ... كرأس حليق ولم يعتمد سجدت عليه فقبلته ... كما يفعل العابد المجتهد فقطعوا صلاتهم بالضحك وعادوا لما نهوا عنه ومن أشعارهم قول أبي نواس إنما الدنيا غلام ... وطعام ومدام فإذا فاتك هذا ... فعلى الدنيا السلام فبؤساً لهم ألم يعلم عاقلهم وجاهلهم بأن الله يرى وأن بيده نواصي ما ذر أو برا ولكن غرهم الامهال حتى ظنوا أنه إهمال فبدلنا الله من سنة الغفلة يقظة الطاعة وألهمنا من العمل ما نفوز بأجره إلى قيام الساعة آمين ومن خلائق العريق في الوضاعة ... أخذ النفس بالتكبر والرقاعة قال الشافعي أظلم الناس لنفسه اللئيم إذا ارتفع جفا أقاربه وأنكر معارفه واستخف بالأشراف وتكبر على ذوي الفضل وقال أبو مسلم ما ضاع إلا

стр. 78

وضيع ولا فاخر إلا لقيط ولا تعصب إلا دخيل وقال عمر ما وجد أحد في نفسه كبراً إلا لمهانة يجدها في نفسه ويقال الاعجاب يغطي سائر المحاب ويكفي في ذم الكبر قول الله تعالى سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق قال ابن عيينة حرمهم فهم القرآن قال بعض البلغاء الكبر من أخبث سرائر القلوب وأعظم كبائر الذنوب لا يرى صاحبه أبداً إلا فظاً غليظاً ولا يرى لا حد سواه في الفضل حظاً حظيظاً وكفى به شيمة مشؤمة وخلة مدمومة أهلكت الأكابر حديثاً وقديماً وعاد الكريم من الرجال ذميماً مليماً وقال رسول الله ﷺ لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر وكان يقال من جهل قدر نفسه فهو بقدر غيره أجهل ومن أنف من عمل نفسه اضطر إلى عمل غيره وقالوا من قل لبه كثر هجبه وقال أزدشير بن بابك ما الكبر الأفضل حمق لم يدر صاحبه أين يضعه فصرفه إلى الكبر وقال الشاعر وقل لمعتصم بالتيه من حمق ... لو كنت تعرف ما في التيه لم تته التيه مفسدة للدين منقصة ... للعقل منهكة للعرض فانتبه آخر رأيت الفتى يزداد نقصاً وذلة ... إذا كان منسوباً إلى العجب والكبر ومن ظنّ أنّ العجب من كبر همة ... فإني رأيت العجب من صغر القدر وأنشد الامام محيي الدين محمد عرف بحامي رأسه النحوي لنفسه ومعتقد أنّ الرياسة في الكبر ... فأصبح ممقوتاً به وهو لا يدري يجرّد ذيول الفخر طالب رفعة ... ألا فاعجبوا من طالب الرفع بالجرّ

стр. 79

وقال معاوية إن التواضع مع البخل والجهل أزين بالرجل من الكبر مع البذل والعقل فيالها حسنة غطت على سيئتين كبيرتين ويالها من سيئة غطت على حسنتين عظيمتين وقالوا من أصاب حظاً من جاه فأصاره إلى كبر وترفع أعلم الناس إنه دون تلك المنزلة ومن أقام على حاله أعلمهم أن تلك المنزلة دونه وأنها دون ما يستحق مر المهلب بن أبي صفرة على مطرف بن عبد الله وهو يتبختر في جبة خز فقال يا عبد الله هذه مشية يبغضها الله ورسوله فقال المهلب أما تعرفني فقال له ومن أنت قال أنا المهلب قال نعم أعرفك أولك نطفة مذرة وآخرك جيفة قذرة وأنت فيما بين هذا وهذا تحمل العذرة نظم بعضهم هذه الكلمات فقال عجبت من معجب بصورته ... وكان بالأمس نطفة مذره وفي غد بعد حسن طلعته ... يصير في اللحد جيفة قذره وهو على تيهه ونخوته ... ما بين جنبيه يحمل العذره ولآخر يا مظهر الكبر اعجاباً بصورته ... انظر خلاك فإنّ البين تثريب لو فكر الناس فيما في بطونهم ... ما استشعر الكبر شبان ولا شيب هل في ابن آدم مثل الرأس مكرمة ... بأربع هو بالأقذار مضروب أنف يسيل وأذن ريحها سهك ... والعين مرمصة والثغر ملعوب يا ابن التراب ومأكول التراب غداً ... أقصر فإنك مأكول ومشروب ومن ظريف ما يذكر من أخبار المتكبرين ما يحكي أن علقمة بن وائل الحضرمي قدم على النبي ﷺ فيمن وفد عليه من سادات العرب فأمر رسول الله ﷺ معاويه أن ينطلق به إلى منزل رجل من الأنصار لينزله عنده وكان منزله بأقصى المدينة قال معاوية فخرجت معه وهو راكب ناقته وأنا أمشي في ساعة قيظ يشوي الوجوه وليس لي حذاء فقلت له أردفني خلفك فقال لست من أرداف الملوك قلت إني ابن أبي سفيان قال قد سمعت ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم

стр. 80

قال قلت فألق لي نعليك قال لا تقبلان قدميك ولكن امش في ظل ناقتي فكفاك ذاك شرفاً وإن الظل لك لكثير قال معاوية فما مر بي مثل ذلك اليوم قط والله لخلته أنه من جهنم ثم أدرك سلطاني فلم أواخذه بل أجلسته معي على سرير هذا وحكى أن عمارة بن حمزة وكان متكبراً جداً دخل على المهدي يوماً فلما استقر به مجلسه قام رجل كان المهدي قد أعده ليتهكم بعمارة فقال مظلوم يا أمير المؤمنين قال من ظلمك قال عمارة هذا غصبني ضيعتي وكانت من أحسن ضياع عمارة فقال المهدي قم فاجلس مع خصمك قال يا أمير المؤمنين ما هو لي بخصم إن كانت الضيعة له فلست أنازعه فيها وإن كانت لي فقد وهبتها له ولا أقوم من مجلس شرفني به أمير المؤمنين فلما خرج الرجل وانفض المجلس سأل عمارة عن صفة الرجل وما كان لباسه وأين كان موضع جلوسه فلم يعلم وكان من تيهه أنه إذا أخطأ يمر في خطئه تكبراً عن الرجوع ويقول نقض وابرام في ساعة واحدة الموت أهون منه وقال ابن عبدوس الجهشياري كان عمارة أعور دميماً استعمله المنصور على الخراج وكور دجلة والأهواز وكور فارس وقلده المهدي ذلك أيضاً وكان عبد الدولة بن جهير وزير المستظهر بالله متكبراً كثير الكبر يكاد يعد كلامه عداً وكان إذا كلم رجلاً كلاماً يسيراً هنئ ذلك الرجل بكلامه ومن الكبر المستبشع والتيه المستشنع ما يحكي أن ثوابة دعا أكاراً فكلمه فلما فرغ من كلامه دعا بماء وتمضمض به استقذاراً لمخاطبته وأنشدت لبعض المتكبرين مفتخراً أتيه على جنّ البلاد وأنسها ... ولو لم أجد خلقاً لتهت على نفسي أتيه فما أدري من التيه من أنا ... سوى ما يقول الناس فيّ وفي جنسي فإن زعموا أني من الأنس مثلهم ... فمالي عيب غير أني من الأنس ولابن صابر أيها المدّعي الفخار دع الفخ ... ر لدى الكبرياء والجبروت

стр. 81

نسج داود لم يفد ليله الغا ... ر وكان الفخار للعنكبوت وبقاء السمند في لهب النا ... ر مزيل فضيلة الياقوت وصف البديع الهمداني متكبراً فقال كأن الدنيا خاتم في خنصره وحساب خراجها في بنصره وكأن الشمس تطلع من جبينه والغمام يندي من يمينه وكان كسرى حامل غاشيته وقارون وكيل نفقته وقال آخر كان العجب شقيقه والبذخ رفيقه والنفخ أليفه والصلف حليفه وقال جعيفران يهجو سعيد بن مسلم بن قتيبة أمّ سعيد لم ولدتيه ... ملوّثاً بالكبر والتيه ليتك إذ جئت به هكذا ... حين خريتيه أكلتيه آخر كبر بلا نسب تيه بلا حسب ... فخر بلا أدب هذا من العجب والهجو الفظيع القبيح قول بعض الشعراء في أبي جعفر العباس بن الحسن إنّ ابن عباس أبا جعفر ... يبذل للنائك أوراكه تراه من تيه ومن نخوة ... كأنه ناك الذي ناكه وليم بعض المتكبرين على الاعجاب فقال التواضع يكسب المذلة والافراط في المؤانسة يوجب المهانة وأنشد ونفسك أكرمها فإنك إن تهن ... عليك فلن تلقى لها الدهر مكرما وقال في معناه صالح بن عبد القدوس إذا ما أهنت النفس لم تلق مكرماً ... لها بعد ما عرّضتها الهوان

стр. 82

آخر وأكرم نفسي إنني إن أهنتها ... وجدّك لم تكرم على أحد بعدي واعتذر متكبر عن كبره بقوله ومالي وجه في اللئام ولا بد ... ولكنّ وجهي في الكرام عريض أهش إذا لاقيتهم وكأنني ... إذا أنا لاقيت اللئام مريض الفصل الثالث من الباب الثاني في أنّ من تخلق باللؤم انتفع في أنّ من تخلق باللؤم انتفع ... وعلا على الكرام وارتفع قال سعيد بن المسيب الدنيا نذلة تميل إلى الأنذال وقال لو لم يزهد في الدنيا إلا لأنها في يد الأنذال لكان ينبغي لنا ذلك لهوانها على الله وقال الشافعي في ذم الدهر وسوء معاملته لسراته وسقياه لهم أكواب حسراته محن الزمان كثيرة لا تنقضي ... وسروره يأتيك كالأعياد ملك الأكابر فاسترقّ رقابهم ... وتراه رقا في يد الأوغاد ابن الرومي رأيت الدهر يرفع كل وغد ... ويخفض كل ذي شيم شريفه كمثل البحر يغرق كل حيّ ... ولا ينفك يطفو فيه جيفه أو الميزان تخفض كل واف ... وترفع كل ذي زنة خفيفه آخر رأيت الدهر بالأشراف يكبو ... ويرفع راية القوم اللئام كأنّ الدهر موتور خفور ... يطالب حقه عند الكرام

стр. 83

وقال أسامة بن منقذ شغل الزمان بأهل النقص يرفعهم ... حتى يثمر للورّاث ما خزنوا ألهاه رفع لئام الناس فهو على ... ذوي المكارم والأفضال مضطغن آخر يا دهر صافيت اللئام ولم تزل ... أبداً لأبناء الكرام معاندا وعرفت كالميزان ترفع ناقصاً ... أبداً وتخفض لا محالة زائدا آخر قل لدهر من المكارم عطل ... يا قبيح الفعال جهم المحيا كم رفيع حططته في حضيض ... ووضيع ألحقته بالثريا آخر عجباً للزمان يرفع حرّاً ... ما لديه ويمنح المال نذلا فهو مثل الميزان يرفع ما خف ... ويهوى في الوزانة سفلا ولقد أحسن الآخر في قوله سألت زماني وهو بالخفض مولع ... وبالجهل محفوف وبالنقص مختص فقلت له هل من طريق إلى العلا ... فقال طريقان الوقاحة والنقص ويقال اتضاع الأعالي بارتفاع الأسافل وإذا ارتفعت الأراذل هلكت الأفاضل وقال قيس بن زهير أربعة لا يطاقون عبد ملك ونذل شبع وأمة ورثت وقبيحة تزوجت وقال أردشير ما شيء في انتقال الدول أمر من رفع

стр. 84

وضيع إلى مرتبة شريف فإن الوضيع إذا ارتفع تكبر وإذا تمول استطال وإذا تمكن صال وقالوا سوء القتل ولا رياسة النذل ولنرجع إلى خبرائي بكر الخوارزمي الذي ورد به شرعة الانصاف وحسم فيه بين العقلاء مادة الخلاف قال لا صغير في الولاية والعمالة ولا كبير مع العطلة والبطالة وإنما الولاية أنثى تصغر وتكبر بواليها ومطية تحسن وتقبح بممتطيها والصدر بمن يليه والدست بمن يجلس فيه والأعمال بالعمال كما أن النساء بالرجال ويؤيد قوله هذا أن الرشيد بلغه أن موسى بن عيسى الهادي وكان أميراً على مصر من قبله عازم على خلعه فقال والله لا عزلنه بأخس من على بابي وقال ليحيى بن خالد اطلب لي كاتباً عفيفاً يصلح لعمل مصر واكتم خبره فلا يشعر به موسى حتى يفجأه فقال قد وجدته قال من هو قال عمر بن مهران وكتب له بخطه كتاباً إلى موسى بتسليم العمل إليه فسار وليس معه غير غلام أسود اسمه أبو درة على بغل استأجره ومعه خرج فيه قميص ومبطنة وشاش وطيلسان وخف فلما وصل إلى مصر نزل خاناً فأقام فيه ثلاثة أيام يبحث عن أخبار البلد وعمن فيه من العمال وأخبر من كان بجواره في الخان إنه قد ولي مصر واستعمل منهم كاتباً وحاجباً وصاحباً شرطياً وقلد آخر بيت المال وأمر من تبعه ووثق به أن يدخل معه على موسى فإذا سمعوا حركة في دار الامارة قبضوا على الديوان فلما أبرم أمره بكر إلى دار الامارة فأذن موسى للناس إذناً عاماً فدخل في جملتهم ومن اتفق معه وموسى جالس في دسته والقواد بين يديه وكل من قضيت حاجته ينصرف وعمر جالس والحاجب ساعة بعد ساعة يسأله عن حاجته وهو يتغافل حتى خف الناس فتقدم وأخرج كتاب الرشيد ودفعه لموسى فقبله ووضعه على رأسه ثم فتحه وقرأه فانتقع لونه وقال السمع والطاعة ثم قال أقرئ أبا حفص السلام وقل له كن بموضعك حتى نتخذ لك منزلاً ونأمر الجند يستقبلونك قال أنا عمر بن مهران وقد أمرني أمير المؤمنين أن أقيمك للناس وأنصف المظلوم منك وأنا فاعل ما أمرني به أمير المؤمنين فقال له موسى أنت عمر بن مهران قال نعم قال لعن الله فرعون حيث قال أليس لي ملك مصر واضطرب المجلس فقبض على الديوان فبلغ موسى الخبر فنزل عن فرشه وقال لا إله إلا الله هكذا تقوم الساعة ما ظننت أن أحداً بلغ من الحيلة والحزم ما بلغت تسلمت مني العمل وأنت في مجلسي ثم

стр. 85

نهض عمر إلى الديوان ونظر فيه وأمر ونهى وعزل وولي وكان بمصر قوم يدافعون الخراج فأحضر أشدهم مدافعة فطالبه فاستمهله ثم طالبه الثانية فاستمهله فلما كان في الثالثة فاستمهله فحلف أيماناً مؤكدة لا يستأديه إلا في بيت المال ببغداد ووكل به من أشخصه إلى بغداد فخاف الناس من مثل ذلك فلم ينكسر من الخراج بعدها درهم وإنما ذكرنا هذه الحكاية لما فيها من التنبيه على أن الرتبة النفيسة إذا وليها ذو القدر الحقير والنفس الخسيسة لا يكون ذلك قادحاً في جلالتها ولا مغيراً لها عن حالتها وإنما ذلك بحسب ما ينظر إليها الزمان فربما نظر إليها بسعد أو نظر إليها بحرمان فإن سعدت وليها من هو أكبر منها وإن حرمت تولاها من يصرف السعد عنها ذكر من نال المراتب السنية ... من ذوي الأعراق الدنية ونقتصر منهم على ذكر ثلاثة وهم زياد والحجاج بن يوسف وأبو مسلم وإنما اقتصرنا على هؤلاء لأنهم أقاموا دول من كانوا نوابهم من الخلفاء فزياد لمعاوية والحجاج لعبد الملك بن مروان وأبو مسلم لبني العباس فأما زياد فقيل فيه زياد ابن أبيه وقيل زياد بن عبيد الثقفي وقيل زياد بن سمية وقيل زياد بن أبي سفيان وإنما قيل ابن أبيه لاختلاف الناس فيمن ينسب إليه وسمية كانت عند كسرى فوهبها لأبي الخير قيل من أقيال حمير فدخل بها الطائف فمرض فطبه الحرث بن كلدة طبيب العرب فنجع فيه طبه فوهب له سمية فولدت له نقيعاً ويكنى أبا بكرة ونافعاً ثم كانت تحت عبد لصفية بنت عبيد الله بن أسد بن علاج الثقفي وكان يسمى عبيداً فولدت له زياداً ويقال إن أبا سفيان واقعها على كره منها في حال سكره وكانت بغياً فحملت منه بزياد وقيل لعبيد إنه لفراشك فكان عبيد يكنى به وروى ابن عبد البر في الاستيعاب إن زياداً اشترى عبيداً بألف درهم وأعتقه فكان يغبط بذلك وأما السبب في إضافة أبي سفيان زياد إلى نفسه وإلحاقه به ما ذكر أن عمر بن الخطاب بعث زياداً في إصلاح فساد وقع في اليمن فلما رجع من وجهته خطب خطبة لم يسمع الناس مثلها فقال عمرو بن العاصي لو كان هذا الغلام قرشياً لساق العرب بعصاه فقال أبو سفيان والله إني لاعرف من وضعه في رحم أمه

стр. 86

فقال له أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه ومن هو يا أبا سفيان قال أنا فقال له علي ﵁ مهلاً يا أبا سفيان فقام وأنشد أما والله لولا خوف شخص ... يرائي يا عليّ من الأعادي لاظهر أمره صخر بن حرب ... ولم تكن المقالة عن زياد ولكني أحاذر خيف كف ... لها نقم ولفتى عن بلادي فقد طالت مجاملتي ثقيفاً ... وتركي فيهم ثمر الفؤاد وكانت من أبي سفيان فلتة فذلك الذي حمل معاوية على إلحاق زياد بأبي سفيان وذلك في سنة أربع وأربعين وشهد عنده زياد بن أسماء وملك بن ربيعة والمنذر بن الزبير على إقرار أبي سفيان بأنه ولده وكان أبو بكرة يقول ما رأت سمية أبا سفيان قط ولما ألحق معاوية زياداً بأبيه دخل مروان بن الحكم عليه فأنشده قول أخيه عبد الرحمن فيه ألا أبلغ معاوية بن صخر ... فقد ضاقت بما يأتي اليدان أتغضب أن يقال أبوك عفّ ... وترضى أن يقال أبوك زاني فاشهد أنّ آلك من زياد ... كآل الفيل من ولد الاتان وأشهد أنها حملت زياداً ... وصخر من سمية غير ماني وهذا الشعر يؤيد قول أبي بكرة ويروى أنها ليزيد بن مقرع الحميري وأولها ألا أبلغ معاوية بن صخر ... مغلغلة من الرجل اليماني وقال يزيد إنّ زياداً ونافعاً وأبا ... بكرة عندي من أعجب العجب هم رجال ثلاثة خلقوا ... في رحم أنثى وكلهم لأب ذا قرشي كما يقول وذا ... مولى وهذا بزعمه عربي

стр. 87

وهذا يشير إلى أن الثلاثة أولاداً لحرث بن كلدة وليزيد يهجو عباد بن زياد أعباد ما للؤم عنك محوّل ... ولا لك أمّ من قريش ولا أب وقل لعبيد الله مالك والد ... بحق ولا يدري امرؤ كيف ينسب وسأل رجل الشعبي هل تجوز الصلاة خلف ولد الزنا فقال نحن منذ ثلاثين سنة نصلي خلفه ونرجو من الله القبول يعني زياداً وقال زياد لرجل يا ابن الزانية فقال أتسبني بشيء شرفت به أنت وآباؤك قال المدايني قدم زياد البصرة مع أخويه أبي بكرة ونافع وهو غلام وكان يكتب بالقلمين العربي والفارسي فاستكتبه المغيرة بن شعبة وأجرى له كل يوم درهمين درهم عن القلم العربي ودرهم عن القلم الفارسي ثم ترقت به الحال وظهرت مراتبه وانتهى أمره إلى أن ادعاه معاوية أخاً وولي فارس لعلي ﵁ ثم احتمل مالاً وهرب إلى معاوية وجمع له معاوية العراقين وهو أول من جمعا له وجمعا بعده لابنه عبيد الله ولمصعب بن الزبير ولمسلمة بن عبد الملك ولعمر بن هبيرة وليزيد بن عمر بن هبيرة ولم يجمعا لأحد غير هؤلاء في أيام بني أمية ومنهم كليب ثقيف الحجاج ... ذو المراء في سفك الدماء واللجاج ولؤم الحجاج من قبل رضاعه ومكاسب آبائه قيل إن أم الحجاج واسمها الفارعة بنت مسعود الثقفية كانت قبل أن يتزوجها يوسف عند المغيرة بن شعبة فدخل عليها يوماً حين أقبل من صلاة الغداة وهي تتخلل فقال يا فارعة لئن كان هذا التخلل من أكل اليوم إنك لنهمه وإن كان من أكل البارحة فإنك لقذرة انصرفي فأنت طالق فقالت سخنت عينك ما هو من ذا ولا من ذاك ولكني استكت فتخللت من سواكي فاسترجع ثم خرج فلقي يوسف بن الحكم ابن عقيل فقال إني قد نزلت اليوم عن خير نساء بني ثقيف وحدثه بالقصة فتزوجها فولدت له الحجاج مشوهاً لا دبر له فثقب دبره وأبى أن يقبل الثدي من المراضع وأعياهم أمره فيقال إن ابليس تصور لهم على صورة الحرث بن كلدة وأشار

стр. 88

عليهم أن يذبح جدي أسود ويولغوه دمه يومين وفي الثالث يذبح له تنين ويولغوه من دمه ويطلوا وجهه بما بقي منه فإنه يقبل الثدي ففعلوا ذلك فأقبل على ثدي أمه فأكسبه الرضاع الأول لؤماً والرضاع بغير الطباع فكان في كبره سفاكاً للدماء فلما بلغ أشده صار هو وأخوه معلمين بالطائف وفيه يقول مالك بن الخريت يهجو الحجاج فلولا بنو مروان كان ابن يوسف ... كما كان عبداً من عبيد زياد زمان هو العبد المقرّ بذله ... يراوح صبيان القرى ويغادي وقال آخر يذكر تعليمه الصبيان أينسى كليب زمان الهزال ... وتعليمه سورة الكوثر رغيف له فلكة ما ترى ... وآخر كالقمر الأزهر هكذا رواه جميع الأخباريين والصواب ما ذكره الحموي في كتاب البلدان له قال الكوثر قرية في الطائف كان الحجاج معلماً بها وأنشد شاهداً على ذلك أينسى كليب زمان الهزال ... وتعليمه صبية الكوثر وعلى هذا يكون اسمه كليباً وهو الأولى به وقد تقدم منه الولوغ وقال آخر كليب تعاظم في أرضكم ... وقد كان فينا صغير الحضر ورأيت في بعض كتب التواريخ إن الحجاج لما احتضر قال لمنجم كان عنده هل ترى ملكاً يموت قال نعم ولست به إني أرى ملكاً يموت يسمى كليباً قال أنا والله كليب بذلك كانت أمي تسميني ومما يؤيد ما ذكرنا من لؤمه ما كتب به إليه عبد الملك بن مروان لما أراد قتل أنس بن مالك ﵁ أما بعد فإنك طفت لك الأمور وعلوت فيها

стр. 89

حتى تعديت طورك وتجاوزت قدرك وركبت داهية دهماء أردت أن تزورني بها فإن سوغتكها نصبت قدماً وإن لم افعل رجعت القهقري فلعنك الله أخفش العينين منقوص الجاعرتين ممسوح الساعدين أصك الرجلين أراك قد نسيت ما كنت عليه أنت وآباؤك من الدناءة واللؤم فأذكر مكاسب آبائك بالطائف إذ كانوا ينقلون الحجارة على ظهورهم ويحفرون الآبار بأيديهم وأيم الله يا ابن المستقرية بعجم الزبيب لأغمرنك غمر الليث الثعلب ولأركضن بك ركضة تدخل بها في جعس أمك فإذا أتاك كتابي هذا فكن لأنس أطوع من عبد لسيده وإلا أصابك مني سهم مشكل ولكل نبا مستقر وسوف تعلمون وصف الحسن البصري الحجاج فقال أتانا أخيفش أعيمش يخطر في مشيته ويصعد المنبر فيقوم عليه حتى تفوته الصلاة لا من الله يتقي ولا من الناس يستحي فوقه الله وتحته مائة ألف أو يزيدون لا يقول له قائل الصلاة أيها الرجل هيهات دون ذلك السيف والسوط وفيه يقول الأحمر بن سالم وأحسن ثقيف بقايا من ثمود وما لهم ... أب ماجد من قيس عيلان ينسب وأنت دعيّ يا ابن يوسف فيهم ... زنيم إذا ما حصلوا متذبذب ويقال إن الحجاج طلبه فهرب إلى هيت فأخذه عامله عليها فقتله وأحرقه وذراه في الريح وجرى بينه وبين بعض الخوارج مشاجرة فقال له الخارجي لو لم يكن من لؤم أبيك إلا أنه ولد مثلك لكفاه فأمر به فقتل وقال الحجاج يوماً لعبد الملك لو كان رجل من ذهب لكنته قال وكيف ذلك قال لأني لم تلدني أمة بيني وبين حواء إلا هاجر فقال له عبد الملك لولا هاجر كنت كلباً من الكلاب وأول ولاية تولاها تبالة فلما رآها استقلها فرجع عنها فقالوا في المثل أهون من تبالة على الحجاج وأول أمره ومصيره إلى روح بن زنباع وتضمن ما اتفق من أمره معه وكيفية وصوله إلى عبد الملك في المجلدة الثالثة من التذكرة

стр. 90

وفي كتاب أخبار القدماء وذخائر الحكماء لأبي حيان التوحيدي في سبب تولية الحجاج العراق قال العتبي لما اشتدت شوكة أهل العراق على عبد الملك بن مروان خطب الناس وقال إن نيران أهل العراق قد علا لهبها وكثر حطبها فجمرها حار وشهابها وار فهل من رجل ذي سلاح عتيد وقلب حديد أبعثه لها فقام الحجاج وقال أنا يا أمير المؤمنين قال ومن أنت قال الحجاج بن يوسف بن الحكم بن عامر فقال له اجلس ثم أعاد الكلام فلم يقم أحد غير الحجاج فقال كيف تصنع إن وليتك قال أخوض الغمرات وأقتحم الهلكات فمن نازعني حاربته ومن هرب مني طلبته ومن لحقته قتلته أخلط عجله بتأن وصفواً بكدر وشدة بلين وتبسماً بازورار وعطاء بحرمان ولا على أمير المؤمنين أن يجرب فإن كنت للأوصال قطاعاً وللأرواح نزاعاً وللأموال جماعاً وإلا فليستبدل بي فقال عبد الملك من تأدب وجد بغيته اكتبوا له كتابه ومنهم ذو الأصل الدنئ والنفس الأبية ... أبو مسلم صاحب الدعوة العباسية كان أبو مسلم واسمه عبد الرحمن بن مسلم عبداً لعيسى بن معقل فباعه لأخيه ادريس جد أبي دلف واسمه قاسم بن عيسى بن ادريس العجلي وكان قهرماناً فجلس ادريس في الكوفة وأبو مسلم معه يخدمه فرأى بكر بن هامان من أبي موسى حذقاً وكيساً فقال لادريس ما هذا الغلام فقال مملوك لي قال بعه لي قال هو لك قال لا بد من ثمنه قال هو لك بما شئت فأعطاه أربعمائة درهم وأخذه وبعث به إلى إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس المنعوت بالامام فدفعه إبراهيم إلى موسى السراج فسمع منه وحفظ عنه وما زال قدره ينبل حتى أرسله إبراهيم بالدعوة لبني العباس وذلك في سنة ثمان وعشرين ومائة وله من العمر إحدى وعشرون سنة وقدم إلى خراسان يدعو الناس إلى طاعتهم في أول يوم من رمضان سنة تسع وعشرين فنزل قرية من قرى مرو ووثب دعاته فقال الناس رجل من بني هاشم قد ظهر له حلم ورواء ووقار وسكينة فانطلق فتية من أهل مر ونساك وكانوا يبطلون الفتنة فأتوا أبا مسلم في عسكره فسألوه عن نسبه فقال خبري خير لكم من نسبي ثم سألوه عن أشياء

стр. 91

من الفقه قال إن أمركم بالمعروف ونهيكم عن المنكر خير لكم من هذا ونحن إلى دعوتكم أحوج منا إلى إجابة مسئلتكم فاعفونا فقالوا والله ما نعرف لك نسباً وما نظنك إلا تبقى قليلاً وتقتل وكان كذلك ومن الدليل على لؤم أصله ما نقم عليه به أبو جعفر المنصور وهو أنه كتب إليه يخطب منه أمينة بنت علي بن عبد الله بن عباس وزعم أنه ابن سليط بن عبد الله فقال له المنصور عند تقريعه بذنوبه لما أراد قتله لقد ارتقيت لا أم لك مرتقى صعباً تقر على نفسك إنك دعى ثم ترغب في بنات العباس ونقم عليه أيضاً أنه كتب إليه أيام خلافته عافانا الله وإياك فبدأ بنفسه في الدعاء ولما أراد المنصور قتله استشار مسلم بن قتيبة في ذلك فقال لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا فقال حسبك يا أبا مية قد أصبت الغرض ثم استدعاه ولم يأذن لأحد معه فلما دخل عليه وأخذ مجلسه سأله أن يريه سيفه فلما تناوله منه جعل يذكره فعلاته التي نقمها عليه وهو يعتذر عنها ثم ركضه برجله فوثب عليه المرصدون لقتله فقتلوه وأخرج إلى قواده وجنوده بالجوائز والخلع فقسمت بينهم ثم رمى برأسه إليهم فتفرقوا ورجعوا قائلين مضى مولانا بالدراهم إنا لله وإنا إليه راجعون وذلك في سنة سبع وثلاثين ومائة وكان مولده على رأس المائة وفيه يقول أبو دلامة واسمه زيد بن الجون يهجوه أبا مجرم ما غير الله نعمة ... على عبده حتى يغيرها العبد أفي دولة المهديّ حاولبّ غدره ... ألا إنّ أهل الغدر آباؤك الكرد أبا مجرم خوّفتني بك فانتحى ... عليك بما خوّفتني الأسد الورد وقد تقدمت ترجمته وكيفية ما قتله المنصور في المجلدة الثالثة من التذكرة التوحيدية وخطب المنصور لما قتله فقال بعد حمد الله والثناء عليه أيها الناس لا تخرجوا من أنس الطاعة إلى وحشة المعصية ولا تسروا غش الأئمة فإن أحداً لا يسر سريرة إلا ظهر ذلك عليه في فلتات لسانه وصفحة وجهه وبوادر نظره إنا لم نبخسكم حقوقكم ولن نبخس الدين حقه إنه من نازعنا عروة هذا القميص أوطأناه خبء هذا الغمد وإن أبا مسلم بايع لنا على أنه من نكث بيعتنا

стр. 92

فقد أباح دمه لنا ثم نكث هو فحكمنا عليه لأنفسنا حكمه على غيرها ولم يمنعنا رعاية الحق له من إقامة الحق عليه وإنما اقتصرت على ذكر هؤلاء الثلاثة دون غيرهم لعظيم ما ارتكبوه من الجرائم التي نهى الله عن فعلها وأكد في التحذير منها وبالغ في الوعيد عليها وهي قتل النفس بغير حق واستباحة حريم مالها التي حرمته كحرمتها وهذا لا يرضي فعله كفرة أهل الكتاب ولا من يعتقد أن إلى الله المرجع والمآب ومما ينبغي أن يلحق بهذا الفصل ... تسلى من خفضه الزمان من أهل الفضل بقلة الكرام وكثرة اللئام ... وتقلب الأحوال على مدى الأيام قال رسول الله ﷺ الناس كابل مائة لا يكاد يوجد فيها راحلة وقالوا الكرام في اللئام كالغرة في جبهة الفرس أو كالرقمة في يد الدابة ويقال لا يكاد يوجد كريم حتى يخاض إليه ألف لئيم قال السموأل بن عادياً اليهودي تعيرنا أنا قليل عديدنا ... فقلت لها إنّ الكرام قليل وما ضرنا أنا قليل وجارنا ... عزيز وجار الأكثرين ذليل وقال ابن المعتز إذا خرفت الدولة وقرب زوالها هبطت بالأخيار ورفعت درج الأشرار وقال أبو طالب يحيى بن أبي الفرج المعروف بابن زيادة البغدادي الكاتب باضطراب الزمان ترتفع الأن ... ذال فيه حتى يعمّ البلاء وكذا الماء ساجياً وإذا حرّك ... ثارت من قعره الأقذاء

стр. 93

وكان علي بن الحسين بن علي الوزير المغربي لمح هذا المعنى بقوله إذا ما الأمور اضطربن اعتلى ... سفيه يضام العلا باعتلائه كذا الماء إن حرّكته يد ... طفا عكر راسب في إنائه ومن أحسن ما ورد في هذا الباب ما حكى أن المعتصم لما أراد أن يشرف أشناس التركي عقب فتح بابك أمر أصحاب المراتب أن يترجلوا له فكان فيمن ترجل الحسين بن سهل فرآه حاجبه يمشي ويعثر فبكى رحمة له فقال له لا يهمنك ما تراه إن الملوك شرفتنا ثم شرفت بنا ولما عزل قتيبة بن مسلم وكيعاً عن رياسة بني تيم قال شاعرهم فإن تك قد عزلت فلا عجيب ... ضياء الشمس يمحوه الظلام وقال آخر يسلي معزولاً عزلوه كالذب المصفى لا ترى ... حالاً مغيرة له عن حال لم يعزلوا الأعمال عنه وإنما ... عزلوا العفاف به عن الأعمال آخر إنّ الولاية لا تتمّ لواحد ... إن كنت تنكر ذا فأين الأوّل لا تجزعن فلكل وال معزل ... فكما عزلت فعن قليل تعزل ومن أحسن ما قيل في تسلي معزول قول محمد بن يزيد الأموي في مالك بن طوق ليهنك إن أصبحت مجتمع الحمد ... وراعى المحامي والمعالي عن المجد وإنك صنت الناس فيما وليته ... وفرّقت ما بين الغواية والرشد

стр. 94

فلا تحسب الأعداء عزلك مغنماً ... فإنّ إلى الأحرار عاقبة الورد وما كنت إلا السيف جرّد في الوغى ... بأحمد سلا ثم ردّ إلى الغمد آخر ما اختلف الليل والنهار ولا ... دارت نجوم السماء في الفلك إلا لنقل النعيم من ملك ... قد انقضى ملكه إلى ملك علي بن الجهم للدّهر إدبار وإقبال ... وكل حال بعدها حال وصاحب الآثام في غفلة ... وليس للأيام إغفال كم أبلت الدنيا وكم جدّدت ... مني وكم تغني وتغتال تشهد أعدائي بأني فتى ... قطاع أسياف ووصال لا يملك الشدّة عزمي ولا ... يبطرني جاه ولا مال وقال رسول الله ﷺ إن حقاً على الله أن لا يرفع شيأً من هذه الدنيا إلا وضعه ولا يضع شيأً إلا رفعه كتب مفلس على خاتمه اصبر فالدهر دول راجز وإنما الدنيا دولكراحل قيل نزلونازل قيل رحل وقال علي ﵁ ما قال الناس لشيء طوبى إلا وقد خبأ له الدهر يوم سوء وقال مطرف لا تنظروا إلى خفض عيش الملوك وطيبه ولكن انظروا إلى سرعة ظعنهم وسوء منقلبهم وأنشدت لابن الأعرابي ربّ قوم رتعوا في نعمة ... زمناً والعيش ريان غدق

стр. 95

سكت الدهر طويلاً عنهم ... ثم أبكاهم دماً حين نطق ويقال لا يقوم عزاً لولاية بذل العزل ويقال العزل طلاق الرجال قال ابن المعتز وذلّ العزل يضحك كل يوم ... وينقر في قفا الوالي المدلّ وله كم تائه بولاية ... وبعزله ركض البريد سكراً لولاية طيب ... وخمارها صعب شديد ابن زياد لا تغبطنّ وزيراً للملوك وإن ... أحله الدهر منهم فوق رتبته واعلم بأنّ له يوماً تمور به الأرض ... اطربا كما مارت لهيبته هرون وهو أخو موسى وناصره ... لولا الوزارة ألم يأخذ بلحيته ولآخر تنح عن الوزارة لا تردها ... فكل الخير فيما لا تريد ألست ترى وزيراً كل يوم ... يباع متاعه فيمن يزيد ومن أعجب ما يحكى في تنقل الأحوال أن ثقل الفضل بن الربيع كان يحمل على ألف بعير ثم رؤى ثقله في زنبيل وفيه أدوية لعلته تنقل من مكان إلى مكان ورؤى ثقل الحسن بن سهل في زنبيل فيه نعلان وقميصان واصطرلاب ثم

стр. 96

رؤى ثقله على ألف بعير قال بعضهم هي المقادير تجري في أعنتها ... فاصبر فليس لها صبر على حال يوماً تريش خسيس الحال ترفعه ... إلى السماك وطوراً تخفض العالي وتغير أبو جعفر المنصور على وزيره أبو أيوب المرزباني فقال ألا ليتني لم ألق ما قد لقيته ... وكنت بأدنى عيشة الناس راضيا رأيت علوّ المرء يدعو انحطاطه ... ويضحى وسيط الحال من كان ناجيا ولهذا قيل الفقر مع الأمن خير من الغنى مع الخوف وقال بعضهم مسلياً عن العطلة لعمرك ما طول التعطل ضائر ... ولا كل شغل فيه للمرء منفعه إذا كانت الأرزاق في القرب والنوى ... عليك سواء فاغتنم لذة الدعه وإن ضقت فاصبر يفرج الله ما ترى ... ألا ربّ ضيق في عواقبه سعه آخر كن بخمول النفوس قانع ... لا تطلب الذكر في المجامع فلن يزال الفتى بخير ... ما لم تشر نحوه الأصابع ابن مقلة يقول عندما نكب زمان يمرّ وعيش يمر ... ودهر يكرّ بما لا يسر وحال يذوب وهمّ ينوب ... ودنيا تناديك أن ليس حرّ

стр. 97

آخر وأحسن ما استشعر المسلمو ... ن عند النوائب حلم وصبر ولله في كلّ ما يأتني ... وأبلى به منه حمد وشكر سمع أعرابي يقول هذا غنى لولا أنه فناء وعلا لولا أنه بلاء وبقاء لولا أنه شقاء وقيل لابن الجهم بعدما صودر ما تفكر في زوال نعمتك قال لا بد من الزوال فلان تزول وأبقى خير من أن أزول وتبقى وقيل لأعرابي صف لنا الدهر فقال الدهر سلوب لما وهب وهوب لما سلب كالصبي إذا لعب

стр. 98

الباب الثالث في العقل وفيه ثلاثة فصول الفصل الأول من هذا الباب في مدح العقل وفضله في مدح العقل وفضله ... وشرف مكتسبه ونبله قال الله تعالى إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد سئل الحسن بن سهل ما حد العقل فقال الوقوف عند الأشياء قولاً وفعلاً وسئل آخر فقال الاصابة بالظنون والتلمح فيما كان وما يكون ومراده في القسم الثاني التجربة وقالوا هو درك الأشياء على ما هي عليه من حقيقة معانيها وصحة مبانيها وقيل لحكيم ما مقدار العقل فقال ما لم ير كاملاً في أحد فلا يعرف له مقدار وقالوا لكل شيء غاية وحد والعقل لا غاية له ولا حد ولكن الناس يتفاوتون فيه كتفاوت الأزهار في الرائحة والطيب واختلف الحكماء أيضاً في ماهيته كما اختلفوا في حده فقال بعضهم هو نور وضعه الله طبعاً وغرزه في القلب كالنور في العين وهو البصر فالعقل نور في القلب والبصر نور في العين وهو ينقص ويزيد ويذهب ويعود وكما يدرك بالبصر شواهد الأمور كذلك يدرك بنور العقل كثير من المحجوب والمستور وعمي القلب كعمي البصر قال الله تعالى فإنها لا تعمي الأبصار ولكن تعمي القلوب التي في الصدور وقال النبي ﷺ ليس الأعمى من عمي بصره ولكن الأعمى من عميت بصيرته

стр. 99

وقال بعض الحكماء العقل غريزة لا يقدر أحد أن يصفها في نفسه ولا في غيره ولا يعرف إلا بالأقوال والأفعال الدالة عليه وعلى كل حال فلا سبيل أن يوصف بجسم ولا لون ولا عرض ولا طول وقال العتبي واسمه عبد الله بن عمرو بن معاوية بن عمرو بن عتبة بن أبي سفيان العقل عقلان عقل تفرد الله بصنعه وهو الأصل وعقل يستفيده المرء بأدبه وهو الفزع فإذا اجتمعا قوى كل واحد منهما صاحبه تقوية النار في الظلمة البصر أخذه من هذه الأبيات وتنسب إلى أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه ورضي عنه رأيت العقل عقلين ... فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع ... إذا لم يك مطبوع كما لا تنفع الشمس ... وضوء العين ممنوع ويفهم من فحوى ما ذكرناه أن العقل في القلب وهذا القول هو الموجود بصحة النظر والمعلوم من جهة الأثر قال الله تعالى أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور وروى عن النبي ﷺ أنه قال العقل في القلب به يفرق بين الحق والباطل وقال بعضهم هو في الدماغ وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه وقال عمرو بن العاصي يثغر الغلام لسبع ويحتلم لأربع عشرة وينتهي طوله لإحدى وعشرين وينتهي عقله لثمان وعشرين ويبلغ أشده لخمس وثلاثين وما بعد ذلك تجارب وقال بعضهم كل شيء مفتقر إلى العقل والعقل مفتقر إلى التجارب وقال بعضهم من طال عمره نقصت قوة بدنه وزادت قوة عقله وقال بعض الحكماء أربعة تحتاج إلى أربع الحسب إلى الأدب والسرور إلى الأمن والقرابة إلى المودة والعقل إلى التجرية ويقال هرم السن شباب العقل وقال البستي ما استقامت قناة رأيي إلا ... بعد ما عوّج المشيب قناتي

стр. 100

ما اخترناه من محاسن الكلم وأسناها ... في أنّ العقل أشرف المواهب وأسماها قال ابن عباس ﵁ دخلت على عائشة ﵂ فقلت لها يا أم المؤمنين أرأيت الرجل يقل قيامه ويكثر رقاده والآخر يكثر قيامه ويقل رقاده أيهما أحب إليك قالت سألت رسول الله ﷺ كما سألتني فقال لي أحسنهما عقلاً قلت يا رسول الله إنما سألتك عن عبادتهما فقال يا عائشة إنهما لا يسألان عن عبادتهما إنما يسألان عن عقولهما فمن كان أعقل كان أفضل في الدنيا والآخرة وروى عنه ﵊ أنه قال الجنة مائه درجة تسعة وتسعون منها لأهل العقل واحدة لسائر الناس وروى البراء بن عازب أن النبي ﷺ قال لكل شيء وثيقة ومحجة واضحة وأوثق الناس مطية وأحسنهم دلالة ومعرفة بالحجة الواضحة أفضلهم عقلاً وقال بزرجمهر الانسان صورة فيها عقل فإن أخطأه العقل ولزمته الصورة فليس بإنسان قال المتنبي لولا العقول لكان أدنى ضيغم ... أدنى إلى شرف من الإنسان وقال الحسن بن علي ﵄ إني لأعجب ممن رزق العقل كيف يسأل الله معه شيأً آخر وقالت عائشة ﵂ أفلح من جعل الله له عقلاً وقال مطرف ما أوتي العبد بعد الايمان بالله تعالى أفضل من العقل ويقال ما تم دين امرئ حتى يتم عقله وما استودع الله رجلاً عقلاً إلا استنقذه به يوماً ما وقال الأصمعي لو صور العقل لأضاء معه الليل ولو صور الجهل لأظلم معه النهار وقال بزرجمهر العقل كالمسك إن خبأته عبق وإن بعته نفق وقالوا كل شيء إذا كثر رخص إلا العقل فإنه إذا كثر غلا ولو بيع لما اشتراه إلا العقلاء لمعرفتهم بفضله وقال رسول الله ﷺ لكل داء دواء ودواء القلب

стр. 101

العقل ولكل حرث بذر وبذر الآخرة العقل ولكل شيء فسطاط وفسطاط الأبرار العقل ويقال العقل وزير رشيد وظهير سعيد من أطاعه فجاه ومن عصاه أرداه وقال بعضهم يصف العقل لله درّ العقل من رائد ... وصاحب في العسر واليسر وحاكم يقضي على غائب ... قضية الشاهد للأمر وإن شاء في بعض أحواله ... أن يفصل الخير من الشر فذو قوى قد خصه ربه ... بخالص التقديس والطهر آخر العقل حلة فخر من تسربلها ... كانت له نسباً تغنى عن النسب والعقل أفضل أما في الناس كلهم ... بالعقل ينجو الفتى من حومة الطلب ومن قولهم في أن من وهب الله له عقلاً كسى ... من المناقب حلة لا تبلى قال أبو هريرة ﵁ لو ازددت كل يوم مثقال ذرة من عقل ما باليت ما فاتني من أنواع التطوع وقال وهب مثل العقلاء في الدنيا مثل الليل والنهار لا تقوم الدنيا إلا بهما فكذلك المرء في الدنيا لا حظ له إلا إذا كان عاقلاً وقيل لأنوشروان أي الناس أولى بالسعادة قال أنفسهم ذنوباً قيل فمن أنقصهم ذنوباً قال أتمهم عقلاً وقالوا إذا كان العقل في النفس اللئيمة كان بمنزلة الشجرة الكريمة في الأرض الذميمة ينتفع بثمرها على خبث المغرس فاجتن ثمر العقل وإن أتاك من لئام الأنفس وإلى هذا أشار أمير المؤمنين علي ﵁ في قوله لولده الحسن ﵁ خذ الحكمة أنى أتتك فإن الحكمة تكون في صد والمنافق فلا تزال تختلج في صدره حتى تخرج فتسكن إلى صاحبها وقال سعيد بن جبير لم تر عيناي أفضل من فضل عقل يتردى به

стр. 102

الرجل إن انكسر جبره وإن صرع انعشه وإن ذل أعزه وإن اعوج أقامه وإن عثر أقاله وإن افتقر أغناه وإن عرى كساه وإن غوى أرشده وإن خاف أمنه وإن حزن أفرحه وإن تكلم صدقه وإن أقام بين ظهراني قوم اغتبطوا به وإن غاب عنهم أسفوا عليه وإن بسط يده قالوا جواد وإن قبضها قالوا مقتصد وإن أشار قالوا عالم وإن صام قالوا مجتهد وإن أفطر قالوا معذور قال الشاعر وأفضل قسم الله للمرء عقله ... فليس من الخيرات شيء يقاربه يزين الفتى في الناس صحة عقله ... وإن كان محظوراً عليه مكاسبه وشين الفتى في الناس قلة عقله ... وإن كرمت أعراقه ومناسبه إذا أكمل الرحمن للمرء عقله ... فقد كملت أخلاقه ومآربه آخر ما وهب الله لامرئ هبة ... أشرف من عقله ومن أدبه هما حياة الفتى فإن عدما ... فإنّ فقد الحياة أجمل به آخر يعدّ رفيع القوم من كان عاقلاً ... وإن لم يكن في قومه بحسيب وإن حل أرضاً عاش فيها بعقله ... وما عاقل في بلدة بغريب وقال طاوس ما قلادة نظمت من در وياقوت بأزين لصاحبها من العقل ولو ناصح المرء عقله لأراه ما يزينه مما يشينه فالمغبون من أخطأ حظه من العقل

стр. 103

ما أثبتناه من الكلام الرائع الرائق ... فيما يمتاز به العاقل من المائق قال بعض أهل العلم إن آدم ﵇ لما أهبط إلى الأرض أتاه جبريل ﵇ بثلاثة أشياء بالدين والعقل وحسن الخلق وقال إن الله يخيرك واحداً من هذه الثلاثة فقال يا جبريل ما رأيت أحسن من هؤلاء في الجنة ثم مديده إلى العقل وقال لذينك اصعدا قالا لا نصعد قال أتعصياني قالا لا نعصيك ولكنا أمرنا أن نكون مع العقل حيث كان وقال رسول الله ﷺ للعاقل عشر خصال يعرف بها يحلم عمن ظلمه ويتواضع لمن دونه ويسابق إلى بر من هو فوقه وينتهز الفرصة إذا أمكنته لا يفارقه الخوف ولا يصحبه العنف يتدبر ثم يتكلم فإذا تكلم غنم وإذا سكت سلم وإذا اعترضت له فتنة اعتصم بالله وقال أبو عبادة مادحاً غريب السجايا ما تزال عقولنا ... مدلهمة في خلة من خلاله عداه الحجى في عنفوان شبابه ... وأقبل كهلاً قبل حين اكتهاله وقالوا من علامة العاقل ثلاثة تقوى الله وصدق الحديث وترك ما لا يعني وفي حكمة داود على العاقل أن يكون عالماً بأهل زمانه مالكاً للسانه مقبلاً على شأنه وقال بعض الحكماء أربعة تدل على صحة العقل حب العلم وحسن الحلم وصحة الجواب وكثرة الصواب وقالوا إن أردت أن تعرف عقل الرجل في مجلس واحد فحدثه في خلال حديثك بما لا يكون فإن أنكر فهو عاقل وإن صدق فهو أحمق وقالوا لا تجد العاقل يحدث من يخاف تكذيبه ولا يسأل من يخاف منعه ولا يعد بما لا يستطاع انجازه وقال لقمان لابنه لا يتم عقل امرئ حتى يكون فيه عشر خصال يكون الكبر منه مأموناً والرشد فيه مأمولاً وفضل ما لديه مبذولاً لا يصيب من الدنيا إلا القوت التواضع أحب إليه من الشرف والذل أحب إليه من العز لا يسأم من طلب المعالي ولا يتبرم بطلب الحوائج إليه يستكثر قليل المعروف من غيره ويستقل كثيره من نفسه وأن يرى جميع أهل الدنيا خيراً منه وإنه شراً منهم وهذه الخصلة تشيد مجده

стр. 104

وتكبت ضده وتعلي قدره وتطيب في العالمين ذكره وقالوا العاقل إذا والى بذل في المودة نصره وإذا عادى رفع عن الظلم قدره فيستعين مواليه بعقله ويعتصم معاديه بعدله وقال المهلب بن أبي صفرة واسمه ظالم بن سراقة يعجبني أن أرى عقل الرجل زائداً على لسانه ولا يعجبني أن أرى لسانه زائداً على عقله وقالوا زيادة العقل على اللسان فضيلة وزيادة اللسان على العقل رذيلة والله أعلم شوارد مجموعة في احتياج ذوي العقل والحلم إلى اكتساب فضيلتي الأدب والعلم أما الأدب فقال بزرجمهر العقل يحتاج إلى مادة الأدب كما تحتاج الأبدان إلى قوتها من الأطعمة وقالوا عقل بلا أدب فقر وأدب بلا عقل حتف وقالوا عقل بلا أدب كشجاع بلا سلاح وقالوا لا عقل إلا بأدب ولا أدب إلا بعقل وقال أفلاطن عقل بلا أدب كالشجرة العاقر والعقل مع الأدب كالشجرة المثمرة وقال بزرجمهر الأدب صورة العقل فحسن صورة عقلك كيف شئت ابن المقفع كما أن الأدب لا يكمل إلا بالعقل فكذلك لا يكمل العقل إلا بالأدب وقالوا احرص أن لا يكون أدبك أغزر من عقلك فإن من زاد أدبه على عقله كان كالراعي الضعيف في الغنم الكثيرة ويقال أدبوا أولادكم صغاراً تقر أعينكم بهم كباراً شاعر قد ينفع الأدب الأحداث في صغر ... وليس ينفع بعد الكبرة الأدب إنّ الغصون إذا قوّمتها اعتدلت ... ولن تلين إذا قوّمتها الخشب وقال عبد الملك بن مروان لاعب ولدك سبعاً وأدبه سبعاً واستصحبه سبعاً فإن أفلح فألق حبله على غاربه ... ولا عبرة بقول من قال قولاً لمن ينصح ابناً له ... يردّد القول لتهذيبه ضيع الوقت بلا طائل ... فيكثر القول ويهزي به

стр. 105

له إلى الله وتدبيره ... ثم إلى الدهر وتجريبه فإنما الأقدار لا بدّ أن ... تأتي بما خط وتجري به فليس كما قال فإنما الهمل في الامهال ولا عذر له في الاهمال وعود الصبا أبداً آمناً إن يحتاج إلى الشفيف وطيش الشباب سريع الحراك فلا غناء له عن التوقيف ويحكى أن أبا الأسود الدؤلي كان له ولد فترك الصلاة يوماً ومضى يلعب بالكلاب مع الصبيان فكتب إلى مؤدبه رقعة وأرسلها معه مختومة يقول فيها ترك الصلاة لا كلب يسعى بها ... نحو الفراش مع الغواة الأرجس فليأتينك غادياً بصحيفة ... كتبت كمثل صحيفة المتلمس فإذا أتاك معذراً بملامة ... فعظنه موعظة اللبيب الأكيس وإذا هممت بضربه فبدرّة ... وإذا بلغت به ثلاثاً فاحبس واعلم بأنك ما فعلت فنفسه ... مع ما تجرّعني أعز الأنفس وأما العلم فقدره كبير وفضله كثير ويكفي في شرفه أن رسول الله ﷺ قال خير سليمان بين الملك والمال والعلم فاختار العلم فأعطى الملك والمال لاختياره العلم قال بعض الحكماء إذا اجتمع العقل والعلم في رجل فقد استطاب المحيا وسما إلى الدرجة العليا وجمع الآخرة والدنيا وقالوا العلم أفضل مكتسب وأكرم منتسب وأشرف ذخيرة تقتنى وأطيب ثمرة تجتنى وبه يتوصل إلى معرفة الحقائق ويتوصل إلى رضا الخالق وهو أفضل نتائج العقل وأعلاها وأكرم فروعه وأزكاها لا يضيع أبداً صاحبه ولا فتقر كاسبه ولا يخيب طالبه ولا تنحط مراتبه وقال معاذ بن جبل تعلموا العلم فإن تعليمه لله خشية وطلبه عبادة ومدارسته تسبيح والبحث عنه جهاد وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة وهو النيس في الوحشة والصاحب في الغربة والوزير عند الخلاء

стр. 106

والقريب بين الغرباء شاعر أجل ما يبتغي يوماً ويكتسب ... ويجتنى من حلا الدنيا وينتخب علم شريف عميم النفع قد رفعت ... لحامليه بآفاق العلا رتب إن عاش عاش جميلاً سامياً أبداً ... لا يستضام ولا ينسى فيجتنب وإن تمت فثناء شائع حسن ... وبعده رحمة ترجى وترتقب آخر العلم أعلى من الأموال منزلة ... لأنه حافظ والمال محفوظ وقالوا العلم عز لا يبلى جديده وكنز لا يفنى مزيده وقال ابن المقفع تعلموا العلم فإن كنتم ملوكاً فقتم وإن كنتم أوساطاً سدتم وإن كنتم سوقة عشتم وقالوا لو لم يكن من شرف العلم إلا أن الملوك حكام على الناس والعلماء حكام على الملوك لكفى بذلك شرفاً وقال بعضهم العلم فيه جلالة ومهابة ... والعلم أنفع من كنوز الجوهر تفنى الكنوز على الزمان وصرفه ... والعلم يبقى باقيات الأعصر ويحتاج طالب العلم إلى ستة أشياء فراغ وجده وجد واستاذ وطول عمر ومعونة من الله تعالى وهذا ملاكها الذي لا بد منه ولا غناء لأحد عنه نظم ذلك الشاعر فقال أصخ لي فليس العلم إلا بستة ... سأنبيك عن مجموعها ببيان ذكاء وحرص واجتهاد وبلغة ... وارشاد استاذ وطول زمان وقالوا العلم ميت يحييه الطلب فإذا حيى فهو ضعيف يقويه الدرس فإذا قوي بالدرس فهو محتجب تظهره المناظرة فإذا ظهر فهو عقيم نتاجه العمل

стр. 107

شاعر العلم من شرطه لمن خدمه ... أن يجعل الناس كلهم خدمه وواجب حفظه عليه كما ... يحفظ ما عاش ماله ودمه ومن حوى العلم ثم أودعه ... غير محب له فقد ظلمه وكان كالمبتنى البناء إذا ... تمّ له ما أراده هدمه الفصل الثاني من الباب الثالث في ذكر الفعل الرشيد في ذكر الفعل الرشيد ... الدال على العقل المشيد قالوا العقل أصل لكل محمود من الأخلاق فإذا عدم الأصل فلا بقاء للفرع مع عدم الأصل وقيل للحسن بن علي ﵄ متى يكون العاقل عاقلاً قال إذا عقله عقله عما لا ينبغي فهو عاقل وقال علي بن عبيدة الزنجاني العقل ملك والخصال الحسنة رعيته فإذا ضعف عن القيام عليها وصل الخلل إليها وقال بعض الحكماء الملائكة روح وعقل والبهائم نفس وهوى والإنسان يجمع الكل ابتلاء فإن غلب الروح والعقل على النفس والهوى فضل الملائكة وإن غلبت النفس والهوى على الروح والعقل فضلت البهائم فالعاقل من ذاد عن مراتع الهوى نفسه وكفها عن شهوات تقرب إليه رمسه قال رسول الله ﷺ حبك الشيء يعمى ويصم وقالوا الهوى خادع للألباب صارف عن الصواب صاحبه أعمى مبصر أصم سميع وقالوا الهوى أشأم دليل وألأم خليل وأغشم وال وأغش موال يكذب العيان ويقلب الأعيان ويجلب الهوان وقال أبو بكر بن دريد وآفة العقل الهوى فمن علا ... على هواه عقله فقد نجا

стр. 108

وقال بعض الصالحين الهوى مركب ذميم يسير بك في مضلات الفتن ومرتع وخيم يقعدك في مواطن المحن ويعلقك في حبائل الأحن ويقال من كان لعنان هواه أملك كان لطرق الرشاد أسلك ويقال بغلبة سلطان العقل على الهوى ينال السودد وقال شاعر واعلم بأنك لن تسود ولن ترى ... طرق الرشاد إذا اتبعت هواكا آخر إذا أنت لم تعص الهوى قادك الهوى ... إلى كلّ ما فيه عليك مقال ويقال عبد الهوى أذل من عبد الرق وقالوا أعقل الناس من عصى مراده ولم يعط الهوى قياده شاعر إنّ الردى تبع الهوى ... ومن الهوى حلو ومرّ اقنع بعيشك ترضه ... واملك هواك وأنت حر وقال علي بن الحسين المغربي ما للمطيع هواه ... من الملام ملاذ فاختر لنفسك إمّا ... عرض وإمّا التذاذ وقال حكيم لولده اعص هواك وأطع من شئت قال بعضهم إذا ما رأيت المرء يقتاده الهوى ... فقد ثكلته عند ذاك ثواكله وقد أشمت الأعداء حقاً بنفسه ... وقد وجدت فيه مقالاً عواذله

стр. 109

آخر وأجاد إذا ما دعتك النفس يوماً لشهوة ... وكان عليها للحرام طريق فخالف هواها ما استطعت فإنما ... هواها عدوّ والخلاف صديق وقالوا كم من عقل أسير عند هوى أمير شاعر وعاص الهوى المردى فكم من محلق ... إلى النجم لما أن أطاع الهوى هوى ولبعضهم وما يزع النفس اللجوج عن الهوى ... من الناس الأحازم الرأي كامله وقالوا أعدل الناس من أنصف عقله من هواه ومنع نفسه مما يكون سبباً لبلواه ولحظ الأشياء بعين فكره واضماره فعلم من ورود الأمور عاقبة إيراده وإصداره فيحسن بأفعاله حمد الأوداء ويأمن في ماله كيد الأعداء كما حكى أن نصيباً دخل على عبد الملك بن مروان فتغدى معه فلما رأى عبد الملك ظرفه وأدبه قال له هل لك فيما نتنادم عليه قال يا أمير المؤمنين لوني حائل وشعري مغلغل وخلقي مشوه ووجهي قبيح ولم أبلغ ما بلغت من اكرامك إياي لا لشرب أب ولا كرم أم وإنما بلغته بعقلي ولساني فأنشدك الله يا أمير المؤمنين أن لا تحول ببني وبين ما بلغت به هذه المنزلة عندك فأعفاه وما أحسن قوتذ الحيرارزي مشيراً إلى قول نصيب أرى الكأس تذهب عقل الفتى ... فيذهل عن كل مستمتع ولولا ابتهاجي بكم لم أكن ... لأشرب أكثر من أربع وقالوا سرور فقلت السرور ... بأن تتركوني وعقلي معي وقال آخر رطلان لا أزداد فوقهما ... في الشرب إن حضروا وإن وحدي فليغتفر لي من ينادمني ... إني أحث عواقب الرشد وأريد ما يقوى به بدني ... وأجانب الأمر الذي يردي

стр. 110

وعلى ذكر ما ينتج من شرب الخمر من زوال الذهن وذهاب العقل فحسن قول من قال الخمر مصباح السرور ولكنها مفتاح الشرور وقول أبي الفضل المنكالي عيرتني ترك المدام وقالت ... هل جفاها من الرجال لبيب هي تحت الظلام نور وفي الأك ... باد برد وفي الخدود لهيب قلت يا هذه عدلت عن النص ... ح وما للرشاد فيك نصيب إنها للستور هتك وفي الأل ... باب فتك وفي المعاد ذنوب وقال رجل لابنه وهو يتعاطى الشراب احذره فإنه قئ في شدقك أو سلح على عقبك أو حد في ظهرك وقال الحصنكي ذاكراً لهذه العيوب ونديم بت أعذله ... ويرى عذلي من العبث قلت إنّ الخمر مخبثة ... قال حاشاها من الخبث قلت منها القئ قال نعم ... شرفت عن مخرج الخبث قلت للأزمات تشربها ... قال طيب العيش في الرفث وقريب من هذا ما حكى إن الحجاج وفد على الوليد بن عبد الملك فلما كان بعد أيام وقد أخذا يتجاذبان أذيال المذاكرة فقال له الوليد هل لك في الشراب قال يا أمير المؤمنين ليس محظوراً مداخلة أمير المؤمنين ولكني أمنع أهل عملي منه وأكره أن أخالف قول العبد الصالح لقومه وما أريد أن أخالفكم إلى ما انهاكم عنه فاستحسن ذلك منه وأعفاه وقال إسحق ابن إبراهيم الموصلي دخلت على الهادي فقال غنني صوتاً أطرب منه ولك حكمك فغنيته وإني لتعروني لذكراك هزة ... كما انتفض العصفور بلله القطر
следующие страницы →