← Адаб

Адаб · id 1349

غرر الخصائص الواضحة

الوطواط

Полный текст (601 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

أتونا فضموا جانبينا بصادق ... من الطعن فعل النار بالحطب اليبس نحوت سليمى لم تمزق عمامتي ... ولكنهم بالطعن قد مزقوا ترسي وليس الفرار اليوم عاراً على الفتى ... إذا عرفت منه الشجاعة بالأمس وقيل لبعضهم لم انهزمت فقال إنما لي نفس واحدة وأنا حقيق بالنظر إليها لئلا يذهب رأس المال وليم آخر على فراره فقال الحرب سجال وعثراتها لا تقال وانهزم بعضهم فأخذ أميره يوبخه ويعنفه على فراره وقال أعطبت بيدك ولا طعنت ولا ضربت فقال لان يشتمني الأمير أصلحه الله وأنا حي خير من أن يترحم علي وأنا ميت وقيل لآخر ولي في حرب ويلك لا تهرب يغضب الأمير عليك فقال غضب الأمير علي وأنا حي أحب إلي من رضاه عني وأنا ميت ومن أغاليط أعاذيرهم المسكتة وأكاذيب أساطيرهم المبكتة ما ذكره صاحب كليلة ودمنه من أن الحازم يكره القتال ما وجد بدلاً منه لأن النفقة فيه من النفوس والنفقة في غيره من المال التقى عسكر دبيس بن صدقة وعسكر الراشد فولي دبيس منهزماً فعبر الفرات يريد النجاة فقصد بعض أحياء العرب فقالت له عجوز من عجائزهم دبيراً جئت فقال دبير من لم يجئ وقالوا من جبن سلم ومن تهور ندم وقال عبد الله بن المقفع الشجاعة متلفة وذلك أن المقتول مقبلاً أكثر من المقتول مدبراً فمن أراد السلامة فليؤثر الجبن على الشجاعة وقيل لجبان لم لا تقاتل فقال عند النطاح يغلب الكبش الأجم وقالوا الحياة أفضل من الموت إذا كانت النجاة إلى حياة صالحة على أن موتاً في عز خير من حياة في ذل وقالوا الفرار في وقته ظفر وقالوا الشجاع ملقى والجبان موقى وقالوا السلم أزكى للمال وأبقى لأنفس الرجال وقال شاعرهم وهو البديع الهمداني ما ذاق هما كالشجاع ولا خلا ... بمسرة كالعاجز المتواني وقالوا الهرب في وقته خير من الجلد والثبات في غير وقته وقال المتوكل لأبي العيناء إني لافرق من لسانك فقال يا أمير المؤمنين الكريم ذو فرق واحجام واللئيم ذو وقاحة واقدام

стр. 457

الباب الثالث عشر في العفو وفيه ثلاثة فصول الفصل الأول من هذا الباب في مدح من اتصف بالعفو عن الذنب المتعمد والسهو قال الله تعالى وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم وقال تعالى فمن عفى وأصلح فأجره على الله وقال تعالى وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوبا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً وقال رسول الله ﷺ من أقال مسلماً عثرته أقاله الله عثراته يوم القيامة وقال ﵊ إن العفو لا يزيد العبد إلا عزاً فاعفوا يعزكم الله ويروى عنه ﵊ أنه قال ما من امام عفا بعد قدرة إلا قيل له يوم القيامة ادخل الجنة بغير حساب وقال معاذ بن جبل لما بعثني رسول الله ﷺ قال لي ما زال جبريل يوصيني بالعفو فلولا علمي بالله لظننت أنه يوصيني بترك الحدود وقيل لأبي الدرداء من أعز الناس قال الذي يعفو إذا قدر وينصر إذا استنصر وقال رسول الله ﷺ من عفا عمن ظلمه صغيرة أو كبيرة فاجره على الله ومن كان أجره على الله فهو من المقربين يوم القيامة

стр. 458

وحده على ما قاله بعض العلماء وقد سئل عنه هو ترك المكافأة عند القدرة قولاً وفعلاً وقال آخر هو السكون عند الأحوال المحركة للانتقام وهو يجمع أشرف الخلال وأكرم الخصال وأفضل شمائل الجلال وأعلى مراتب الكمال وركن متين وحصن حصين من استند إليه واعتمد عيه استنارت له الظلم وأمن من عثرات القدم وعصم من مواقع الندم ويكفي في شرفه إن الانسان لا يسمى حليماً حتى يكون عاقلاً عالماً محسناً صبوراً وحتى يجمع عظم القدر إلى سعة الصدر وقالوا الحليم من لم يكن حلمه لفقد النصرة وعدم القدرة وهو غريزة في الانسان يمنحها واهب الاحسان تصدر عن صدر سالم من الغوائل والأدواء صاف من شوائب الكدر ولاقذاء لا تستطاع بتعلم وتفكر ولا تدرك بتفقه وتبصر كما قال أبو الطيب المتنبي وإذا الحلم لم يكن في طباع ... لم يحلم تقدّم الميلاد فقد يكون طبيعة ويكون مكتسباً مستفاداً بتمرن النفس إليه وتنقاد حباً في المحمدة إليه ويعضد هذا ما روى أن رسول الله ﷺ قال لاشح عبد القيس يا أبا المنذر إن فيك خصلتين يرضاهما الله ورسوله الحلم والأناة فقال يا رسول الله أشيء جبلني الله عليه أو شيء اخترعته من قبل نفسي قال بل شيء جبلك الله عليه فقال الحمد لله الذي جبلني على خلق يرضاه الله ورسوله وقال المخالفون لهذا المذهب الحلم بالتحلم كما أن العلم بالتعلم واستدلوا لهذا القول بما يروى أن جعفر بن محمد الصادق كان إذا أذنب له عبد أعتقه فقيل له في ذلك فقال إني أريد بفعلي هذا تعلم الحلم وقيل كان له عبد سيء الخلق فقيل له ما بقاء مثل هذا عندك وأنت قادر على أن تستبدل به غيره قال لأتعلم به الحلم ومن ذلك قول الأحنف من لم يصبر على كلمة سمع كلمات وأنشد وليس يتم الحلم للمرء راضياً ... إذا هو عند السخط لم يتحلم كما لا يتم الحلم للمرء موسراً ... إذا هو عند العسر لم يتحشم

стр. 459

ومن أحاسن الكلام الصادر عن الحكماء في شرف الحلم ومن تخلق به من الحلماء قالوا الحلم والأناة توأمان نتيجتهما علو الهمة وهذا كما ورد عن علي ﵁ أنه سأل رجلاً من أهل فارس عمن كان أحمد ملوكهم سيرة قال أنوشروان فقال علي أي أخلاقه كان أغلب عليه قال الحلم والأناة فقال على هما قوام الملك نتيجتهما علو الهمة والأناة ترك العجلة بالانتقام عند القدرة قال إبراهيم بن العباس الصولي لن يدرك المجد أقواماً وإن كرموا ... حتى يذلوا وإن عزو الأقوام ويشتموا فترى الألوان مسفرة ... لا صفح ذل ولكن صفح اكرام وقال قابوس بن وشمكير العفو عن الذنب من واجبات الكرم وقبول المعذرة من محاسن الشيم ومن كلام التبوة كاد الحليم أن يكون نبياً ورأى حكيم نزقة من ملك فقال أيها الملك ليس التاج الذي يفتخر به عظماء الملوك فضة ولا ذهباً ولكنه الوقار المكلل بجواهر الحلم وأحق الملوك بالبسطة من حلم عند ظهور السقطة وقال معاوية لابنه يزيد عليك بالحلم والاحتمال حتى تمكنك الفرصة فإذا أمكنتك فعليك بالصفح فإنه يدفع عنك مضلات الأمور ويوقيك مصارع المحذور وقال الشاعر لا تحسبن الحلم منك مذلة ... إنّ الحليم هو الأعز الأمنع إن جرعوك الغيظ فأجرعه لهم ... تؤجر وتحمد غب ما يتجرع آخر إنّ التحلم ذل أنت عارفه ... والحلم عن قدرة أفضل من الكرم وقال معاوية أفضل ما أعطى الرجل الحلم فإنه إذا ذكر ذكر وإذا قدر غفر وإذا أساء استغفر وقالوا العفو يزين حالات من قدر كما يزين الحلي قبيحات الصور وقالوا الحلم مطية وطية تبلغ راكبها قصبة المجد وتملكه ناصية

стр. 460

الجد وقال بعض البلغاء من غرس الحلم شجراً وسقاه الأناة درراً جنى العز منه ثمراً وأثبت المكارم أثراً شاعر إذا شئت يوماً أن تسود عشيرة ... فبالحلم سدلاً بالتسرع والشتم فللعلم خير فاعلمن مظنة ... من الجهل إلا أن تشينه بالظلم آخر اخفض جناحك للقرابة والقهم ... بتودد واغضض لهم ان أذنبوا وصل الكرام فإن ظفرت بزلة ... فالصفح عنهم والتجاوز قرب آخر إلا إنّ حلم المرء أكرم نسبة ... تسامى بها عند الفخار كريم فيا رب هب لي منك حلماً فإنني ... أرى الحلم لم يندم عليه حليم وقالوا الحلم حجاب الآفات وقالوا من غرس شجر الحلم اجتنى ثمر السلم وقال عمر بن عبد العزيز ما قرن الله شيأً إلى شيء أفضل من علم إلى حلم ومن عفو إلى قدرة وقال حكيم خير الأمور بغية العفو وخير العفو ما كان عن قدرة وقال الشاعر العفو يعقب راحة ومحبة ... والصفح عن ذنب المسئ جميل وقال عمر أيضاً استدعوا العفو من الله بالعفو عن الناس والرحمة بهم والشفقة عليهم وقالوا اعف عمن لم يسلك من سخطك طريقاً حتى يأخذ من رجائك طريقاً ويروى عن عيسى ﵇ أنه قال ليس الاحسان أن تحسن إلى من أحسن إليك إنما تلك مكافأة وإنما الاحسان أن تحسن إلى من أساء إليك وقال سعيد بن العاص ما شاتمت أحداً مذ صرت رجلاً لأني ما أشاتم إلا أحد رجلين إما كريماً فأنا أحق أن أحتمله أو لئيماً فأنا أولى من رفع نفسه عنه وقال عمر بن الخطاب ادرؤا الحدود بالشبهات ولان يخطئ الامام في

стр. 461

العفو أحب إلي من أن يخطئ في العقوبة فإذا وجدتم مخرجاً للسلم فادرؤا الحدود شاعر وما بال من أسعى لاجبر عظمه ... سفاهاً وينوي من سفاهته كسرى أظن خطوب الدهر بيني وبينهم ... ستحملهم مني على مركب وعر أعوذ على ذي الجهل والحلم منهم ... بحلمي ولو عاقبت غرقهم بحري أناة وحلماً وانتظاراً بهم غدا ... وما أنا بالواني ولا الضرع الغمر ألم تعلموا أني تخاف عزيمتي ... وإن قناتي لا تلين على الكسر من عرف بالعفو عند خطا الجاني ... وصار بالأناءة عليه كالأب الحاني كان رسول الله ﷺ حليماً رحيماً رؤفاً عطوفاً يهب ويسمح ويعفو ويصفح وكان كسرى يقول عفوي عمن أساء إلي بعد قدرتي عليه أسر لي مما ملكت وكان معاوية يقول ما وجدت لذة ألذ عندي من غيظ أتجرعه ومن سفه بالحلم أقمعه وكان يقول إني لاكره أن يكون في الأرض جهل لا يشمله حلمي وذنب لا يسعه عفوي وكان المأمون ممن أوتي الحلم طبعاً لا تطبعاً ومنح العفو خلقاً لا تخلقاً فكان يقول إني لاستحلي العفو حتى أخاف إني لا أوجر عليه ولو علم الناس محبتي في العفو لتقربوا إلي بالذنوب فكأنه القائل بلسان كرمه وأفضاله لا بلسان نطقه ومقاله وجهل رددناه بفضل حلومنا ... ولو أننا شئنا رددناه بالجهل رجحنا وقد خفت حلوم كثيرة ... وعدنا على أهل السفاهة بالفضل عامر العدواني إني غفرت لظالمي ظلمي ... وتركت ذاك له على علمي فرأيته أسدى إليّ يداً ... لما أبان بجهله حلمي

стр. 462

وكان يقول ليس في الحلم مؤنة ووددت أن أهل الجرائم عرفوا رأيي في الحلم حتى يذهب عنهم الخوف فتصفو إلي قلوبهم وكان يقول المذنبون ثلاثة فمنهم من ذنبه مقرون بعذره قد أماطه عنه وأخرجه سليماً منه ومنهم من ذنبه فاضح وعذره غير واضح وهو فرد لا أخ له وفذ لا توأم معه فالأولى به أن يقال إذا اعترف بالحوبة وأخلص لي التوبة ومنهم المتردد في هفواته والمتكرر في عثراته الجارية عادته أن يكثر التوبة إذا تاب ويفسخ عقد الانابة متى أناب فذاك الذي يعاقب بالاطراح ولا يطمع في شخصه بالفلاح وكان أسماء بن خارجة يقول ما أتاني أحد بما أكره إلا أخذت عليه بثلاث خصال فإن كان فوقي عرفت له فضل التقدم فاتبعته وإن كان دوني صفت نفسي عنه وإن كان مثلي تفضلت عليه نظم محمود الوراق هذه الكلمات في هذه الثلاثة الأبيات فقال سألزم نفسي الصفح عن كل مذنب ... وإن عظمت منه عليّ الجرائم فما الناس إلا واحد من ثلاثة ... شريف ومشروف ومثلي مقاوم فأما الذي فوقي فاعرف فضله ... واتبع فيه الحق والحق لازم وأما الذي دوني فإن قال منكراً ... صفحت له عنه وإن لام لائم وأمّا الذي مثلي فإن زلّ أو هفا ... تفضلت إنّ الفضل بالحلم حاكم الناشي في مثل هذا إذا كان دوني من بليت بجهله ... أبيت لنفسي أن أقابل بالجهل فإن كنت أدنى منه في العلم والحجى ... عرفت له حق التقدّم بالفضل وإن كان مثلي في محلّ من النهى ... أردت لنفسي أن أجلّ عن المثل وقال المأمون وجدت المسئ إلي عبد الله ولو أساء إلي عبد لاخ لصفحت عنه اكراماً له فكيف لا أصفح عن عبد مسئ هو عبد الله تعالى

стр. 463

ولأبي فراس الحمداني ما كنت مذ كنت الأطوع خلاني ... ليست مؤاخذة الاخوان من شاني يجنى الخليل فاستجلى جنايته ... حتى أدلّ على عفوي واحساني يجنى عليّ وأحنو دائماً أبداً ... لا شيء أحسن من حان على جان وقال رجل للأحنف في مشاجرة وقعت بينهما إن قلت كلمة لتسمعن عشر كلمات فقال الأحنف لو قلت عشراً لم تسمع واحدة ومن حكاياته الدالة على كرم نجره القاضية له بتضعيف أجره أن رجلاً جعل له ألف درهم على أن يغضبه فوقف الرجل وبالغ في سبه والأحنف يعرض عنه غير مكترث به فلما رآه لا ينظر إليه ولا يرد عليه أقبل يعض أنامله ويقول واسوأتاه والله ما يمنعه من جوابي إلا هواني عليه ولهذا قيل الحليم من صمت عن سماع الخنى وأغضت عيناه على مضض القذى ما اخترناه وانتقيناه من غرر الممادح ... المقولة فيمن أغضى عن المسئ القادح مدح أعرابي رجلاً بالحلم فقال إن أذنبت إليه استغفر فكأنه المذنب وإن أحسن إليك اعتذر فكأنه المسئ الحسن بن رجاء في المأمون صفوح عن الاجرام حتى كأنه ... من العفو لم يعرف من الناس مجرما وليس يبالي أن يكون به الأذى ... إذا ما الأذى لم يغش بالكره مسلما وقال آخر يعفو عن الذنب العظي ... م وليس يعجزه انتصاره صفحاً على الباغي علي ... هـ وقد أحاط به اعتذاره

стр. 464

وقال أبو الحسن مهيار بن مردويه الديلمي من أبيات وإذا اباء المرء قال لك انتقم ... قالت خلائقك الكرام بل احلم شرع من المجد انفردت بدينه ... وفضيلة لسواك لم تتقدّم حتى لقد ودّ البرئ لو أنه ... أدلى إليك بفضل جاه المجرم ولغيره من أبيات فدهره يصفح عن قدرة ... ويغفر الذنب على علمه كأنه يأنف من أن يرى ... ذنب امرئ أعظم من حلمه الفصل الثاني من الباب الثالث عشر فيمن حلم عند الاقتدار وقبل من المسئ الاعتذار ولنبدأ الآن بما يجب على الأحرار من الصفح المتبجح بالأقدار قال رسول الله ﷺ من لم يقبل عذراً من معتذر صادقاً كان أو كاذباً لم يرد على الحوض وقالوا الكريم أوسع ما يكون مغفرة إذا ضاقت بالمسئ المعذرة شاعر إذا اعتذر المسئ إليك يوماً ... من التقصير عذر فتي مقر فصنه عن عتابك واعف عنه ... فإنّ العفو شيمة كل حر ويقال توبة المذنب اقراره وشفيع المجرم اعتذاره وقال الشاعر اقبل معاذير من يأتيك معتذراً ... إن برّ عندك فيما قال أو فجرا فقد أطاعك من يرضيك ظاهره ... وقد أجلك من يعصيك مستترا

стр. 465

وقالوا لا يظهر الحلم إلا مع الانتصار ولا يبين العفو إلا عند الاقتدار شاعر إن للاعتذار حظاً من العف ... ويراه المقر بالانصاف ولعمري لقد أجلك من قد ... جا مقراً بذلة الاقتراف آخر إذا ما امرؤ من ذنبه جاء تائباً ... إليك ولم تغفر له فلك الذنب وقالوا ما أذنب من اعتذر ولا أساء من استغفر وقال محمد بن شيرذاذ الأصاغر يهفون والأكابر يعفون كتب بعضهم إلى رئيس يعتذر إليه من ذنب اقترفه اغتفر زلتي لتحرز فضلي ... واعف عني ولا يفوتك أجري لا تكلني إلى التوسل بالعذ ... ر لعلي أن لا أقوم بعذري ومن وصاياهم إياك وتكرير العذر فإنه تذكير بالذنب وقال الشاعر إذا كان وجه العذر ليس ببين ... فإن اطراح العذر خير من العذر ومن وصاياهم إياك وما يعتذر منه وقولهم إياك وما يسبق إلى القلوب انكاره وإن كان عندك اعتذاره فما كل من أسمعته نكراً يطيق أن توسعه منك عذرا ذكر منق در من الصدور فعفا ... وأثلج الصدور بالمنة وشفى رسول الله ﷺ وذلك أن أهل مكة كانوا يؤذون رسول الله ﷺ قبل الهجرة بالقول فقالوا كذاب وساحر ومجنون وغير ذلك من السب والشتم وبعدها

стр. 466

بالفعل فكانوا يقصدون نكايته في نفسه وأهله ولكثرة ايذائهم له قال ما أوذي أحد مثل ما أوذيت رموه بالحجارة فشجوا جبينه وكسروا رباعيته ووضعوا الشوك في طريقه وشقوا الكرش على رأسه وحاربوه وقتلوا أعمامه وعذبوا أصحابه وألبوا عليه وأخرجوه من أحب البقاع إليه وقتلوا عمه حمزة وبقروا بطنه ومثلوا به حتى إذا فتح الله مكة على يديه ودخلها بغير حمدهم وظهرت بها كلمته على رغمهم أخذ بعضادتي باب الكعبة وقام فيهم خطيباً فحمد الله وأثنى عليه وشكره على ما منحه من الظفر وقال لا إله إلا الله وحده صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده ثم قال ما تقولون وما تظنون إني فاعل بكم فقال سهل بن عمرو ونقول خبراً ونظن خيراً أخ كريم وابن أخي كريم وقد قدرت فقال أقول لكم كما قال أخي يوسف لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين اذهبوا فأنتم الطلقاء ولما ظفر انوشروان ببزرجمهر وكان قد ترك دين المجوس قال الحمد لله الذي أظفرني بك قال كافئ من أعطاك ما تحب بما يحب فعفا عنه وحكى عن سلم بن نوفل وكان سيد قومه أن رجلاً ضرب ولده فشجه فأتى به إليه فقال له ما حملك على ما فعلت وما الذي أمنك من انتقامي منك فقال الرجل إنما سودناك لأنك تحلم وتكظم الغيظ وتحتمل جهل الجاهل فقال له إني آثرت حلمي وكظمت غيظي واحتملت جهلك خلواً عنه فولي الرجل وهو يقول تسوّد أقوام وليسوا بسادة ... بل السيد المعروف سلم بن نوفل وحكى أن عبد الملك بن مروان نقم على رجل ذنباً فهرب منه فلما ظفر به هم بقتله فقال له الرجل إن الله قد فعل ما أحببت من الظفر فافعل ما يحبه من العفو فإن الانتقام عدل والتجاوز فضل والله يحب المحسنين فعفا عنه وأساء بعض جلسائه عليه الأدب فاطرحه وجفاه ثم دعاه بعد أيام لأمر عن له فرآه شاحب اللون نحيلاً فقال له متى اعتللت فقال ما مسني سقم ولكنني جفوت

стр. 467

نفسي مذ جفاني الأمير فاستحسن ذلك منه وعفا عنه وقال الأصمعي أتى المنصور برجل ليعاقبه على شيء بلغه عنه قال له أتحصيه فقال يا أمير المؤمنين الانتقام عدل والتجاوز فضل ونحن نعيذ أمير المؤمنين بالله أن يرضى لنفسه بأوكس النصيبين دون أن يبلغ ارفع الدرجتين فعفا عنه وقال المنصور لجان عجز عن الاعتذار ما هذا الوجوم وعهدي بك خطيباً لسنا فقال يا أمير المؤمنين ليس هذا موقف مباهاة ولكنه موقف توبة والتوبة تلفي بالاستكانة والخشوع والذلة والخضوع فرق له وعفا عنه وسعى إلى المنصور برجل من ولد الأشتر النخعي ذكر عنه الميل إلى بني علي بن أبي طالب والتعصب لهم فأمر باحضاره فلما مثل بين يديه قال يا أمير المؤمنين ذنبي أعظم من نقمتك وعفوك أوسع من ذنبي ثم قال فهبني شيأً كالذي قلت ظالماً ... فعفواً جميلاً كي يكون لك الفضل فإن لم أكن للعفو منك لسوء ما ... أتيت به أهلاً فأنت له أهل فعفا عنه وأتى المنصور برجل أذنب فقال يا أمير المؤمنين إن الله أمر بالعدل والاحسان فإن أخذت في غيري بالعدل فخذ في بالاحسان فعفا عنه وأتى الهادي برجل فعل ما أنكره عليه فجعل يقرعه ويوبخه ويهدده ويتوعده فقال يا أمير المؤمنين اعتذاري عما تقر عيني عليه رد عليك وامساكي عن الاعتذار يوجب ذنباً لم أجنه ولكني أقول فإن كنت ترجو في القيامة رحمة ... فلا تزهدن في العفو عني وفي الأجر ولما خرج إبراهيم بن المهدي على عبد الله المأمون عندما عقد لعلي بن موسى الرضا بولاية العهد بعده وأمر الناس بلباس الخضرة كره أهل بغداد ذلك وبايعوا إبراهيم ولقبوه بالمبارك وذلك في سنة اثنتين ومائتين فأقام سنة واحد عشر شهراً وأياماً يخطب له ثم دخل المأمون بغداد في صفر سنة أربع ومائتين وهي السنة التي مات فيها الشافعي وعليه الخضرة فاختفى إبراهيم ولم يظهر إلى سنة عشر فلما ظفر به المأمون أوقفه بين يديه وقد اجتمع في مجلسه وجوه دولته

стр. 468

ووزراؤها وقضاتها وكتابها وأمراؤها وقوادها فاستشار من حضر في أمره فكل أشار بقتله وكان فيمن حضر أحمد بن أبي خالد ساكتاً لا يتكلم ولا يفيض معهم في شيء من ذلك فقال له المشأمون مالك لا تنطق فقال يا أمير المؤمنين كم قتل مثلك مثله ولم يعف مثلك عن مثله ولان تكون أوحد في العفو أحب إلي من أن تكون شريكاً في العقوبة فأعجب المأمون كلامه وعفا عنه ويروى أنه لما مثل بين يديه قال له ما حملك على اجترام ما أداك إلى حتفك قال القدرة تذهب الحفيظة وولي الثار مخير في القصاص والعفو والعفو منك أقرب وقد جعلك الله فوق كل ذي حلم كما جعلني فوق كل ذي ذنب فإن تعف فبفضلك وإن تعاقب فبعدلك وإنه وإن كان ذنبي أعظم من أن يحيط به عذر فعفو أمير المؤمنين أعظم من أن يتعاظمه ذنب فقال المأمون قد رأيت وما توفيقي إلا بالله تحقيق ظنك في العفو عن خطيئتك والصفح عن جليل جرمك واقالتك العثرة وامانك على نفسك وأنشد لما رأيت الذنوب جلت ... عن المجازاة في العقاب جعلت عنها العقاب عفواً ... امضى من الضرب للرقاب كان أبو نواس قد غلب على قلبه حب الأمين والتهالك فيه والغرام حتى قال فيه عذب قلبي ولا أقول بمن ... خافه لا أخاف من أحد إذا تفكرت في هواي له ... لمست رأسي هل طار عن جسدي فاتصلت هذه الأبيات بالمأمون فقال من يقال فيه هذا يصلح أن يكون خليفة للمسلمين فبلغ ذلك الأمين فأمر بقتل أبي نواس حيث وجد فشفع فيه فأمر بحبسه ولا يمكن من ورقة ولا دواة فحلق رأس عبد له وكتب فيها بالفحم بك أستجير من الردى ... متعوذا من سطو باسك

стр. 469

وحياة رأسك لا أعو ... د لمثلها وحياة راسك من ذا يكون أبا نوا ... سك إن قتلت أبا نواسك وكتب تحت الأبيات إذا قرأ أمير المؤمنين الرقعة يخرقها ثم قال للغلام سر إلى دار الخلافة فإذا جئتها ناد نصيحة لأمير المؤمنين فإذا دخلت على الخليفة اكشف رأسك ليرى ما فيها مكتوباً ففعل الغلام ما أوصاه به فلما قرأ الأمين الأبيات ضحك وقال ما ألطفه وأظرفه وأمر باطلاقه وحكى عبد الرحمن اليزيدي قال حضرت مجلس المأمون وهو على شراب فدعاني وأكرهني حتى شربت فكلمني بكلمة في حال السكر فأجبته عنها جواباً قبيحاً وأنا لا أعلم لما أخذ الشراب مني وغلبة السكر علي فاعلمت بذلك بعد انصراف المجلس فكتبت إليه أنا المذنب الخطاء والعفو واسع ... ولو لم يكن ذنب لما عرف العفو ثملت فأبدى مني الكاس بعض ما ... كرهت وما أن يستوي السكر والصحو تنصلت من ذنبي تنصل ضارع ... إلى من إليه يحسن العفو والسهو فإن تعف عني ألف خطوي واسعاً ... وإن تكن الأخرى فقد قصر الخطو فلما قرأ المأمون رقعته قال قد صفحنا عنك فإن مجلس الشراب يطوي بما فيه ويقال بل وقع على الرقعة إنما مجلس الندامى بساط ... للمودّات بينهم وضعوه فإذا ما انتهى إلى ما أرادوا ... من حديث ولذة رفعوه حكاه المرزباني في كتاب طبقات الشعراء وعرف باليزيدي لأنه كان يؤدب ولد يزيد ابن منصور الحميري خال المهدي وقال الحسن بن سهل للمأمون في رجل مسئ هبه لي فقال وكيف أهبه لمن ليس به قدرة عليه وعفا عنه واحضر إليه رجل أذنب فقال له أنت الذي فعلت كذا وكذا قال نعم يا أمير المؤمنين أنا ذاك الذي أسرف على نفسه وأتكل على عفوك فعفا عنه

стр. 470

وقال الصولي ما كان في الخفاء أحلم من الواثق ولا أصبر منه على أذى وكان يتشبه بالمأمون فمما ذكر عنه أنه كان يعجبه غناء أبي حشيسة الطنبوري فوجد المسدود المغنى من ذلك حسداً فكتب في رقعة بيتين يهجو بهما الواثق وكانت الرقعة معه لا تبرح واتفق إن كتب رقعة يسأل فيها حاجة من الواثق فغلط وأعطاه الرقعة التي فيها البيتان ففتحها فإذا فيها من المسدود في الأنف ... إلى المسدود في العين أنا طبل له شق ... فيا طبل بشقين وكان على إحدى عيني الواثق بياض وإلى ذلك نحا المسدود فلما قرأهما علم إنهما فيه فقال له قد غلطت في ورقة الحاجة فاحترس من مثلها وردها إليه وقضى حاجته ولم يتغير لها عما كان عليه ولما ظفر المتوكل بمحمد بن المغيث الربعي وكان قد خرج عليه في سنة أربع وثلاثين ومائتين فلما وقف بين يديه وهو مكبل قال له ما حملك على أن خرجت علي وأنت لا ذو مال ولا ذو مدد من رجال فقال الشقوة والجبن يا أمير المؤمنين وأنت الحبل الممدود بين الله وبين خلقه وإني بين ظنين أسبقهما إلى قلبي أولى بك من الآخر ثم أنشد أبى القوم إلا إنك اليوم قاتلي ... امام الهدى والعفو في الله أجمل وهل أنا إلا جبلة من خطيئة ... وعفوك من نور الخلافة يجبل تضاءل ذنبي عند عفوك قلة ... فمنّ بعفو منك والعفو أفضل وإنك خير السابقين إلى التقى ... ولا شك أن خير الفعالين تفعل وأمر بفك قيده وغله وخلع عليه وأمر له بصلة وهجا الحيص بيص الشاعر المسترشد فأباح دمه فهرب إلى دبيس بن صدقة ثم عاد إلى بغداد مستخفياً وكتب إلى المسترشد يستعطفه لولا جرائم العبيد لم يظهر حلم الموالي وقد أتيتك مستجيراً بعفوك من سطوتك وبحلمك من نقمتك فوقع على رقعته ليوغر بمسارعة العفو مع عظيم الجرم احتقاراً بالمعفو عنه

стр. 471

مكرمة لا نظير لها ... ولم يكتب المؤرخون مثلها حكوا عن محمد بن حميد الطوسي أنه كان يوماً على غذائه وإذا بضجة عظيمة على الباب فرفع رأسه وقال لبعض غلمانه ما هذه الضجة من كان عند الباب فليدخل فخرج الغلام وعاد وقال يا مولاي إن فلاناً أخذ وجئ به موثوقاً بالحديد والغلمان والشرط ينتظرون أمرك فيه فرفع يده من الطعام سروراً بأخذه فقال رجل ممن كان حاضراً عنده الحمد لله الذي أمكنك من عدوك فسبيلك أن تسقي الأرض من دمه وقال آخر بل يصلب حياً ويعذب حتى يموت وتكلم كل أحد بما وفق له وهو ساكت مطرق ثم رفع رأسه وقال يا غلام فك عنه وثاقه وأدخله إلينا مكرماً فلم يكن بأسرع مما امتثل أمره وأدخل إليه رجل لا دم فيه فلما رآه هش له ورفع مجلسه وأمر بتجديد الطعام وجعل يبسطه ويلقمه حتى انتهى الطعام ثم أمر له بكسوة حسنة وصلة جميلة وأمر برده إلى أهله مكرماً ولم يعاتبه بحرف واحد على جنايته ثم التفت إلى جلسائه وقال لهم إن أفضل الأصحاب من حض الصاحب على المكارم ونهاه عن ارتكاب المآثم وحسن له أن يجازي الاحسان بضعفه والاساءة عمن أساء إليه بصفحه انا إذا جازينا من أساء إلينا بمثل ما أساء فأين موضع الشكر عما أتيح من الظفر إنه ينبغي لمن يحضر مجالس الملوك أن يمسك الاعن قول سديد وأمر رشيد فإن ذلك أدوم للنعمة وأجمع للألفة إن الله تعالى يقول يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم وأحسن منها ما كتب به المعتصم إلى عبد الله بن طاهر عافانا الله وإياك قد كانت عليك هناة غفرتها لك لاقتداري عليك وقد بقيت في قلبي عليك حزازات أخاف عليك منها عند نظري إليك فإن أتاك مني ألف كتاب استقدمك فيها فلا تقدم وحسبك معرفة ما أنا عليه لك اطلاعي إياك على ما في ضميري والسلام وممن أحسن من الأماثل إلى من أساء إليه وأسبل عند القدرة ستر المن عليه يزيد بن المهلب وذلك أنه بلغه أن حمزة بن بيص الشاعر هجاه فأحضره وأمر بتجريده وضربه وكان عليه حلة ديباج كان المهلب وهبها له فعسر نزعها فأمر

стр. 472

بتخريقها فلما عزم على ذلك رآه يزيد يهمهم بشفتيه فقال له ويحك ما الذي تقول قال قلت لعمرك ما الديباج خرّقت وحده ... ولكنما خرقت جلد المهلب فأطلقه واعتذر إليه ووصله ولما ظفر الحجاج بمحمد بن عبد الرحمن بن الأشعث وكان قد خرج عليه وخلع عبد الملك بن مروان فأمر بضرب أعناق الجند الذين ظفر بهم حتى أتى على رجل من بني تميم فقال والله أيها الأمير لئن أسأنا في الأدب لما أحسنت في العقوبة فقال الحجاج أف لهذه الجيف أما كان فيهم من يحسن بمثل هذا وأمر باطلاق من بقي وعفا عنهم ومن أخبار الحجاج في العفو عن عدوه بع الظفر به ما حكى أنه لما ظفر بعامر بن حطاب مع جماعة من الخوارج الصفرية وكان حنقاً عليه لبسالته وشجاعته ونكايته في أصحابه فقال يا غلام اضرب عنق ابن الفاعلة فقال عامر يا حجاج بئس ما أدبك أهلك أبعد الموت غاية استنعتك بها ما يؤمنك لو رددت عليك أضعاف ما قلت فاستحيا الحجاج منه وقال له أفيك موضع للصنيعة قال أجل فأمر له بفرس وسرج وسيف وخلى سبيله ويقال إنه لما صار إلى أصحابه قالوا له عد إلى قتال الفاسق فالله أطلقك فقال هيهات غل يداً مطلقها وارتهن رقبة معتقها وقال أأقاتل الحجاج عن ملكوته ... بيد تقرّ بأنها مولاته إني إذا لاخو الدناءة والذي ... عفت على عرفانه جهلاته ماذا أقول إذا وقفت ازاءه ... في الصف واحتجت له فعلاته أأقول جرت على إني عند ذا ... لاحق من جارت عليه ولاته تالله لا كدت الأمير بآلة ... وجوارحي وسلاحها آلاته أأكيده وعليّ سخطة خالقي ... وعليه رحمة مالكي وصلاته لأشد من كفر الكفور وجحده ... نار تسوء للفحها حالاته

стр. 473

وتحدّث الأكفاء أنّ صنائعاً ... غرست له فتحنظلت نخلاته أبت الحزامة إن أبيت مصعراً ... خدي وخيل الحق منتعلاته فإليكم عني فإني مفلت ... هيهاته لا يجرني افلاته نقم طلحة بن جعفر المتوكل المنعوت بالموفق على هرون بن عبد الملك فوقف بين يديه وأنشد يا بني هاشم بن عبد مناف ... لكم حادث العلا والقديم ليس عندي وإن تغير إلا ... طاعة محضة وقلب سليم وانتظار الرضا فإن رضا السا ... دات عز وعتبهم تقويم فعفا عنه ووصله وكان المهلب بن شاهين الشاعر عاملاً بنهر فروة ونهر رجا لعزيز الدين فظهرت عليه خيانة فأشخصه وتوعده فلما مثل بين يديه قال قل للعزيز أدام ربي عزه ... وأناله من خيره مكنونه إني جنيت ولم تزل نبل الورى ... يهبون للخدام ما يجنونه ولقد جمعت من الجنون فنونه ... فاجمع من الصفح الجميل فنونه من كان يرجو عفو من هو فوقه ... فليعف عن جرم الذي هو دونه فعفا عنه وأعاده إلى عمله وقال أبو الفتح محمد بن أردشير كنت بالسيرجان مع الوزير أبي غالب الحسن بن منصور الملقب بذي السعادتين فاتفق أن شربت عنده يوماً فسكرت سكراً سقط معه سفتجتي من كمي وفيها رقاع قد أعطانيها أربابها لا تنجز لهم توقيعاته عليها ومن جملتها رقعتان بخطي قد كتبت في إحداهما يا قليل الخير موفور الصلف ... والذي في البغي قد حاز السرف كن لئيماً وتواضع تحتمل ... وكريماً يحتمل منك الصلف

стр. 474

وفي الاخرى يا طارق الباب على عبد الصمد ... لا تطرق الباب فما ثم أحد فأخذ السفتجة وفتحها فوقع على الرقاع بجميع ما فيها ووقع على الرقعة التي فيها البيتان يطلق له ألفا درهم وعلى الاخرى التي فيها البيت الواحد يوجب له في كل شهر ألف درهم من اتصال الشهر الذي نحن فيه ورد الجميع إلى السفتجة وجعلتها في كمي وأضبحت من الغداة ولا علم عندي بما جرى فاستدعاني إلى الطعام وقت الظهر فلم ير عندي أثراً للفعلة التي فعلتها إذا وأنا من الضالين ولا سمع مني شكراً على صنيعة فقال لي وقفت على الرقاع قلت لا أيها الوزير ثم ذكرت ما كان في الأوراق فتصببت عرقاً واشتغل قلبي لما وجد فيها بخطى فنهضت إلى الرقاع فتأملتها وعدت إليه فشكرته واعتذرت مما وجد فقال لا تعتذر فإنا نستحقه إذا لم نقض واجباً ولم نراع صاحباً وحدث محمد بن هلال بن المحسن الصابي في كتاب الهفوات عن الفرج الرماني الكاتب قال قدم علينا أبو القاسم المعمر بن الحسين المدلجي مع الوزير أبي القاسم العلاء بن الحسين الأهوازي وكنت إذ ذاك كاتب الانشاء وخليفة العلاء فبعث إلي المعمر يطلب مني بغلة مسرجة ولم تكن منزلته عندي منزلة من أراعيه فرددت الرقعة مع رسوله ولم أجبه عنها ثم إنه بعث إلي الرقعة وعلى ظهرها مكتوب عسى سائل ذو حاجة إن منعته ... من اليوم سؤلاً أن يكون له غد فإنك لا تدري إذا جاء سائل ... أأنت بما تعطيه أو هو أسعد فأعدت إليه الرقعة من غير جواب كما فعلت أولاً وضرب الدهر ضرباته فصرف العلاء ووزر المدلجي وكنت إذ ذاك متولياً أعمالاً كثيرة فانفذ إلي من أشخصني إلى شيراز ووردت عليه وأنا لا أشك في قتلي أو القبض علي لما تقدم من سوء فعلي معه فقربني وأكرمني وأقمت متردداً إليه أياماً وهو يزيد في بري واكرامي وأنا من فعله متعجب وله مستظرف فلما كان بعد أيام قمت من مجلسه

стр. 475

منصرفاً فاتبعني الحاجب وقال الوزير يريد أن يخلو بك فلم يداخلني ريب في القبض هلي فأقمت خائفاً أترقب ما يأمر به في فلما خلا مجلسه استدعاني وأسر إلى بعض خدمه شيا فمضى وعاد معه الرقعة بعينها فسلمها إلي فلما رأيتها وددت أن الأرض ساخت بي وقرأت بحيث يسمع يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسياً منسياً فقال لي لا ترع أوقفتك على سوء فعلك حتى لا تستصغر بعدها أحداً وتطرح مراعاة العواقب وليكن هذا الفعل لأخلاقك مهذباً ثم خلع علي ووصلني وردني إلى عملي وإلى هذا أشار بعض البلغاء الحكماء في التحريض على اصطناع الكرام الخافضة من أقدارهم الأيام في قوله أحسن إلى كل من له سابقة في الأدب وسابقة في الفضل ولا يزهدنك فيه سوء الحاجة منه وادبار الدولة عنه فإنك لا تخلو في اصطناعك له واحسانك إليه من نفس حرة تملك رقها أو مكرمة حسنة توفي حقها فإن الدهر يجبر كما يكسر والدولة تقبل ثم تدبر ومن زرع خيراً حصد أجراً ومن اصطنع حراً استفاد شكراً وأنشد وعدّ من الرحمن فضلاً ونعمة ... عليك إذا ما جاء للخير طالب ولا تمنعن ذا حاجة جاء راغباً ... فإنك لا تدري متى أنت راغب والجيد في هذا المعنى قول من قال لا تحقرنّ امرأ قد كان ذا ضعة ... فكم وضيع من الأقوام قد رأسا فرب قوم جفوناهم فلم نرهم ... أهلاً لخدمتنا صاروا لنا رؤسا عدنا والعود أحمد دخل أبو الصقر إسمعيل بن بلبل قبل وزارته للمعتمد على صاعد بن مخلد في وزارته وفي المجلس أبو العباس بن توابة فسأل صاعد عن رجل فقال أبو الصقر أنفي يريد نفي فقال ابن ثوابة في الخرء فتضاحك الناس وخجل أبو الصقر فلما ولي أبو الصقر الوزارة دخل عليه ابن ثوابة وقال تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين فقال أبو الصقر لا تثريب عليك اليوم يا أبا العباس يغفر الله لك وهو أرحم الراحمين

стр. 476

وحدث أبو هريرة الشاعر المصري قال خرجت يوماً إلى بركة الحبش بمصر متنزهاً في أيام الربيع حين أخذت الأرض زخرفها وازينت ومعي آنية شراب وكتاب وكانت تلك عادتي في كل سنة فجعلت أشرب وأنادم كتابي طول يومي فلما كادت الشمس أن تغرب وتلمح في أجنحة الطير أخذت في الانصراف إلى منزلي وأنا ثمل فبينا أنا أمشي وإذا بفارس خرج من مصر ملتثماً لا يبين من وجهه غير عينيه فسلم وقال من أين أقبل الشيوخ فقلت في نفسي أجن الرحل ومن يرى معي فالتفت فإذا خلفي ذود تيوس وراع يسوقه فقلت حضرنا ملاك الوالدة أصلحك الله فضحك وانصرف ولما كان بعد أيام دخلت إلى الأمير تكين في حاجة فقضاها لي وأسرني بألف درهم وقال هذه حق حضورك ذاك الملاك فعلمت أنه الذي لقيني فأخذتها وانصرفت ملح مكارم يغتبط بها القلب والسمع ... لدلالتها على كرم النجار والطبع قتل للأحنف بن قيس ولد وكان قاتله أخو الأحنف فأتى به مكتوفاً ليأخذه به فلما رآه بكى وأنشد أقول للنفس تأنيباً وتسلية ... إحدى يديّ أصابتني ولم ترد كلاهما خلف من بعد صاحبه ... هذا أخي حين أدعوه وذا ولدي ولآخر في معناه وقد قتل قومه أخاه ... ولم يقصده أحد بنكاية ولا توخاه قومي هم قتلوا أميم أخي ... فإذا رميت يصيبني سهمي فلئن عفوت لاعفون جللاً ... ولئن سطوت لاوهنن عظمي وقيل للأحنف بن قيس ممن تعلمت الحلم قال من قيس بن عاصم المنقري بينا هو ذات يوم جالس في داره إذا أتته جارية بسفود عليه شواء فسقط من يدها على ولد له صغير فمات فدهشت الجارية واختلط عقلها فلما رأى ذلك منها قال لا روع عليك اذهبي فأنت حرة لله تعالى

стр. 477

خير منها أو مثلها ما حكى أن بعض ملوك الفرس وكان عظيم المملكة سيئ الملكة شريف الهمة شديد النقمة قرب إليه صاحب مطبخه طعاماً فوقعت نقطة من الطعام على المائدة فزوى لها الملك وجهه وأعرض عنه إعراضاً تحقق به الطباخ قتله فعمد إلى الصحفة فكفأها على المائدة فقال له الملك ما حملك على ما فعلت وقد علمت أن سقوط النقطة أخطأت بها يدك ولم يجرها تعمدك فما عندك في الثانية قال استحييت أن يسمع عن الملك أنه استوجب قتلي واستباح دمي مع قديم خدمتي ولزوم حرمتي في نقطة واحدة أخطأت بها يدي ولم يجرها تعمدي فأردت أن يعظم ذنبي ليحسن بالملك قتلي ويعذر في قتل من فعل مثل فعلي فقال الملك إن كان حسن صنيعك ينجيك من القتل والتعذيب فليس منجيك من التأديب اجلدوه مائة واخلعوا عليه خلع الرضا وسوغوه انعاماً يؤذن بالعفو عما مضى ولنعقب هذا الفصل من لطيف الاعتذار ما تستعطف به القلوب بعد النفار جرى بين الحسين بن علي وبين أخيه محمد بن الحنفية ﵄ كلام وافترقا متغاضبين فلما وصل محمد إلى منزله كتب إلى الحسين بعد البسملة من محمد بن علي إلى أخيه الحسين بن علي أما بعد فإن لك شرفاً لا أبلغه وفضلاً لا أدركه فإن أمي امرأة من بني حنيفة وأمك فاطمة بنت رسول الله ﷺ ولو كان ملء الأرض نساء مثل أمي ما وفين بأمك فإذا قرأت رقعتي هذه فالبس رداءك ونعليك وسر إلي لترضيني وإياك أن أسبقك إلى هذا الفضل الذي أنت أولى به مني والسلام فلبس الحسين رداءه ونعليه وجاء إليه وترضاه وكان في قلب الأمين من إسحق الموصلي شيء فأهدى له جارية فردها فكتب إليه إسحق هتكت الضمير بردّ اللطف ... وكشفت أمرك لي فانكشف فإن كنت تحقد شيأً مضى ... فهب للخلافة ما قد سلف وجد لي بالعفو عن زلتي ... فبالفضل تأخذ أهل الشرف

стр. 478

فلم يفعل فكتب إليه أتيت ذنباً عظيماً ... وأنت أعظم منه فخذ بحقك أولاً ... فامنن بصفحك عنه فعاد إلى الجميل وقال أبو بكر الصولي أحسن رقعة كتبت في الاعتذار رقعة كتب بها الراضي إلى أخيه المتقي وكان قد جرى بينهما كلام بحضرة المؤدب وكان المتقي قد اعتدى على الراضي أنا معترف لك بالعبودية فرضا وأنت معترف لي بالاخوة فضلاً والعبد يذنب والمولى يعفو ويغفر وقد قال الشاعر يا ذا الذي يغضب في غير شيّ ... اعتب فعتباك حبيب إليّ أنت على أنك لي ظالم ... أعز خلق الله طرّاً عليّ فلما وقف المتقي على الرقعة هبت عليه منها رياح الأريحية فعطفت منه عواطف النفس الأبية ومضى إليه راضياً وأكب عليه باكياً وانحسمت بينهما مواد الهجر بقبول صادق العذر وازيل مصون الحقد وانتظم بانتظام الشمل انتظام العقد وقع ذو الرياستين الفضل بن سهل إلى طاهر بن الحسين والله يا نصف انسان لئن أمرت لانفذن ولئن أنفذت لابرمن ولئن أبرمت لا تلفن فأجابه طاهر إنما أنا أعزك الله كالأمة السوداء إن حمل عليها دمدمت وإن رفه عنها أمسكت وإن عوقبت فبما وجب عليها وإن عفى عنها فبالاحسان إليها فعفا عنه وما الطف ما كتب به بعض الفضلاء إلى أخيه يستعطفه أنت سليل نبوة وشقيق أخوة أصلها من سوحة وفرعها من دوحة فنحن لذة أوان ونشوان زمان ورضيعا لبان وركيضا أمومة وغصنا جرثومة درجاً من وكر ومهداً في حجر فكيف توقظ عين الدهر وتبسط يد الهجر وتنبه غافي الرقاد والحسود لنا بمرصاد وكتب آخر إلى صديق يستعطفه أصفيت لك ودي وأكديت لك عقدي ومنحتك اخائي ولم أمزق لك صفائي فقرب الاخاء بالود أنقع للغله

стр. 479

وأنفع للعله وأسكن للروعة وأشفى للوعة وأطفأ للحرقة وآنس للفرقة وقال أعرابي لأمير نقم عليه هذا مقام من لا يتكل على المعذرة بل يعتمد منك على المغفرة وقال آخر لان يحسن في العفو وقد أسأنا في الذنب أولى من أن يسئ بالعقوبة وقد أحسنا في الاعتذار واعتذر آخر فقال لذت بعفوك واستجرت بصفحك فأذقني حلاوة الرضا وأجرني من مرارة السخط فيما مضى وكتب آخر لكل ذنب عفو وعقوبة فذنوب الخاصة مستورة وسيآتهم مغفورة وذنب مثلي من العامة لا يغفر وكسره لا يجبر وإن كان ولا بد من العقوبة فعاقبني باعراض لا يؤدي إلى ابعاد ولا يفضي في الصفح إلى ميعاد ولان تحسنوا وقد أسانا خير من أن تسيؤا وقد أحسنا فإن كان الاحسان منا فما أحقكم بمكافأته وإن كان منكم فما أحقكم باستتمامه أبيات في المعنى أقل ذا الودّ عثرته وقفه ... على سنن الطريق المستقيمه ولا تسرع بمعتبة إليه ... فقد يهفو وبيته سليمه آخر أسأت ولم أحسن وجئتك هارباً ... وأين لعبد من مواليه مهرب يؤمل غفراناً فإن خاب ظنه ... فما أحد منه على الأرض أخيب آخر إن كان ذنبي قد أحاط بزلتي ... فأحط بذنبي عفوك المأمولا فلقد رجوتك في الذي لا يرتجى ... في مثله أحد فنلت السولا وضللت عنك فلم يكن لي مذهب ... فوجدت حلمك لي عليك دليلا آخر يا من أسأت وبالاحسان قابلني ... وجوده لجميع الناس مبذول قد جاء عبدك يا مولاي معتذراً ... وأنت للعفو مرجوّ ومأمول

стр. 480

آخر إنّ الكرام إذا ما استعطفوا عطفوا ... والحرّ يغضي ويهفو وهو معترف والعفو بعد اقتدار فعله كرم ... والهجر بعد اعتداء فعله شرف عاقب بما شئت غير الهجر أرض به ... فالهجر فيه لاحزان الفتى تلف آخر هبني أسأت فأين الفضل والكرم ... إذ قادني نحوك الاذعان والندم يا خير من مدّت الأيدي إليه أما ... ترثى لشيخ نعاه عندك الهرم بالغت في السخط فاصفح صفح مقتدر ... إنّ الملوك إذا ما استرحموا رحموا الخيزراني نحن قوم نرى فراقك عيباً ... ونرى القرب منك حتماً وفرضا أنت إن كنت قد غضبت جعلنا ... لك حرّ الوجوه أرضاً لترضى آخر ليالي صدودك ليست تضي ... وعمر تجنيك ما ينقضي وما يألف القلب يا سيدي ... سوى ما تحب وما ترتضي آخر ما أحسن العفو من القادر ... لا سيما من قادر قاهر إن كان لي ذنب ولا ذنب لي ... فماله غيرك من غافر بحرمة الودّ الذي بيننا ... لا تفسد الأوّل بالآخر آخر أسأت إليك ثم أسأت عوداً ... فأين عوائد الصفح الجميل وأين الصفو من مولى عزيز ... يجود به على عبد ذليل

стр. 481

آخر إن كنت عبداً مذنباً ... فاعطف عليّ بحسن رأيك أو كنت لست بمذنب ... فدع التمادي في جفائك بعض العرب فمهلاً أبيت اللعن لا تخزيننا ... بذنب امرئ أمسى من العلم معدما فما العبد بالعبد الذي ليس مذنبا ... وما الرب بالرب الذي ليس منعما آخر وما قابلت سخطك باعتذار ... ولكني أقول كما تقول سأطرق باب عفوك باعتراف ... ويحكم بيننا الخلق الجميل آخر هبني كما زعم الواشون لارحموا ... أني أسأت وزلت مني القدم وهبك جار على ذا العهد في جرم ... لم أجنه ضاق منك العفو والكرم ما أنصفتني في حكم الهوى أذن ... تصغي للومى وعن عذري بها صمم آخر أخلاقك الغر السجايا مالها ... حملت رديّ العنف وهي سلاف والبشر في مرآة وجهك ماله ... يخفى وأنت الجوهر الشفاف آخر ليت شعري وقد تمادى بك الهج ... ر أمنك الجفاء أم كان مني فلئن جئته فعنك عفا ... الله وإن كنت جئته فاعف عني

стр. 482

وكل الناس عيال على النابغة الذبياني في قوله للنعمان بن المنذر من أبيات جاء منها حلفت ولم أترك لنفسك ريبة ... وليس وراء الله للمرء مذهب لئن كنت قد بلغت عني جناية ... لمبلغك الواشي أغش وأكذب فلا تتركني بالوعيد كأنني ... إلى الناس مطليّ به القار أجرب فلست بمستبق أخاً لا تلمه ... على شعث أيّ الرجال المهذب أبو نواس يستعطف الأمين وكتب بها إليه من الحبس تذكر أمين الله والعهد يذكر ... مقامي وانشاديك والناس حضر ونثري عليك الدرّ يا درّ هاشم ... فمن ذا رأى درّاً على الدرّ ينثر مضت لي شهور مذ حبست ثلاثة ... كأني قد أذنبت ما ليس يغفر فإن كنت لم أذنب ففيم حبستني ... وإن كنت ذا ذنب فعفوك أكبر إسحق الموصلي لا شيء أعظم من ذنبي سوى أملي ... لعفوك اليوم عن ذنبي وعن زللي فإن يكن ذا وذا عندي قد اجتمعا ... لأنت أعظم من ذنبي ومن أملي الفصل الثالث من الباب الثالث عشر في ذم العفو عمن أساء وانتهك حرمات الرؤساء قال الله تعالى فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم وقال تعالى ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل وقد ثبت أن النبي ﷺ أمر بقتل أبي عزة الشاعر لما كان يعرض به من أذى النبي ﷺ بلسانه ويحرض عليه قبائل قريش وفي فعله لنا اسوة قال ابن إسحق لما أخذ أبو عزة الشاعر يوم بدر وأتى به إلى رسول الله ﷺ قال يا

стр. 483

رسول الله تصدق بي على بناتي واعف عني عفا الله عنك قال نعم علي أن لا تعين علي بقول ولا فعل فعاهده على ذلك وخلى سبيله ثم إنه خرج مع أبي سفيان يحرض قريشاً على قتال النبي ﷺ فأخذ يوم أحد فأتى به رسول الله ﷺ فقال له ألم تعاهدني على أن لا تعين علي بقول ولا فعل فقال غلبت فتصدق بي على بناتي واعف عني عفا الله عنك فقال ﵊ إن العفو لمكرمة ما مثلها مكرمة ولكن لا يلدغ المؤمن من حجر مرتين ثم أمر بقتله فقتل فمما للحكماء من تحريض الحرّ ... على مقابلة المسئ بالنكال المر قالوا توضع للمحسن إليك وإن كان عبداً حبشياً وانتصف ممن أساء إليك وإن كان حراً قرشياً وقال علي ﵁ وكرم وجهه الخير بالخير والبادي أكرم والشر بالشر والبادي أظلم وقال الشعبي يعجبني الرجل إذا سيم هواناً دعته الأنفة إلى المكافأة وجزاء سيئة سيئة مثلها فبلغ كلامه الحجاج فقال لله دره أي رجل بين جنبيه وتمثل ولا خير في عرض امرئ لا يصونه ... ولا خير في حلم امرئ ذل جانبه وقالوا من ترك العقوبة أغرى بالذنب ولولا السيف كثر الحيف وقالوا من مال معك إلى الحيف فلا تبخلن عليه بالسيف وقالوا السفيه يخالف ولا يؤالف ويماري ولا يداري وقال أوس بن حسان إذا المرء أولاك الهوان فأوله ... هواناً وإن كانت قريباً أواخره فإن أنت لم تقدر على أن تهينه ... فدعه إلى اليوم الذي أنت قادره وقارب إذا ما لم تكن لك حيلة ... وصمم إذا أيقنت إنك عاقره وقيل لأعرابي أيسرك أن تدخل الجنة ولا تسئ إلى من أساء إليك قال لا بل يسرني إن أدرك الثار وأدخل مع فرعون النار أبو عبادة

стр. 484

البحتري تذم الفتاة الرود شيمة بعلها ... إذا بات دون النار وهو ضجيعها ويقال إنما هو مالك وسيفك فازرع بمالك من شكرك واحصد بسيفك من كفرك وقال الشاعر قط العدى قط اليراعة وانتهز ... بظبا السيوف سوائم الأضغان إنّ البيادق أن توسع خطها ... أخذت إليك مآخذ الفرزان وقال المأمون الحلم يحسن بالملوك إلا في ثلاثة أشياء فادح في ملك ومتعرض بجرم ومذيع لسر وقال أعرابي لابن عباس أتخاف علي جناحاً إن ظلمني رجل فظلمته فقال له العفو أقرب للتقوى فقال ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل وقال الشاعر إذا كان حلم المرء عون عدوّه ... عليه فإنّ الجهل أعفى وأروح وفي الحلم صغر والعقوبة هيبة ... إذا كنت تخشى أيد من عنه تصفح آخر أرى اللين ضعفاً والتشجع هيبة ... ومن لا يهب يحمل على مركب وعر وما كل حين ينفع الحلم أهله ... ولا كل حين يدفع الجهل بالصبر وقال الجاحظ من قابل الاساءة بالاحسان فقد خالف الله في تدبيره وظن أن رحمة الله دون رحمته فإنه تعالى يقول من يعمل سوأ يجز به وقال تعالى فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره فجازي على الخير بالثواب والشر بالعقاب وقال أكثم بن صيفي من تعمد الذنب فلا ترحمه دون العقوبة فإن الأدب رفق والرفق يمن وقال أبو الطيب أحمد بن الحسين المتنبي من الحلم أن يستعمل الجهل دونه ... إذا اتسعت في الحلم طرق المظالم

стр. 485

آخر من أكرم الناس أكرموه ... ووقروه وبجلوه ومن يهنهم يهن عليهم ... في حر أميه يدخلوه وقال الشافعي من استغضب فلم يغضب فهو حمار كما أن من استرضى فلم يرض فإنما هو جبار وقال رجل لابن سيرين إني وقعت فيك فاجعلني في حل قال ما أحب أن أحل لك ما حرم الله عليك وقال علي كرم الله وجهه رد الحجر من حيث جاء فإن الشر لا يدفع إلا بالشر وقال الشاعر ألا لا يجهلن أحد علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا احتجاج من جازى السيئة بمثلها ... ممن ملك عقد الأمور وحلها لما ولي طاهر بن عبد الله بن الحسين خراسان بعد موت أبيه استؤمر في رجلين أحدهما ضعيف والآخر عليل فوقع في أمرهما الضعيف يقوى والعليل يبرأ فإن يكونا ممن لا يؤمن شرهما فدعهما مكانهما فإن من أطلق مثلهما على الناس فهو شر منهما وشريكهما في أعمالهما واعتذر بعض بني أمية إلى السفاح فهم بالصفح عنهم فقال أبو مسلم إن الصفح مقرب إلى الله تعالى مبعد من النار إذا قصد طريقه وأصيب به أهله وأما هؤلاء الذين تضمنت قلوبهم غدراً وأورى زندهم شراً فلم تنفد ضغائنهم ولا ننيب بوائقهم فالقتل لهم أشفى والراحة منهم أولى فأمر بقتلهم فقتلوا ودخل إسمعيل الملقب بسديف على السفاح وعنده سليمان بن هشام بن عبد الملك وقد أدناه وأعطاه يده فقبلها فلما رأى سديف ذلك قام بين يدي السفاح وأنشده قصيدة يمدحه فيها ويحرضه على قتل من ظفر به من بني أمية جاء منها يا ابن عم النبيّ أنت ضياء ... استبنا بك اليقين الجليا يا وصي الشهيد أكرمك الل ... هـ فقد كنت للشهيد وصيا لا يغرنك ما ترى من خضوع ... إن تحت الضلوع داء دويا

стр. 486

بطن البغض في القديم فأضحى ... ثابتاً في قلوبهم مطويا فضع السيف وارفع السوط حتى ... لا ترى فوق طهرها أمويا فقام أبو العباس ودخل وإذا المنديل قد ألقى في عنق سليمان ثم جر فذبح ومن الأغراء وإن لم يعتمد لما أساءت البرامكة على الرشيد وأراد الايقاع بهم جعل يتردد في أعمال الحيلة عليهم فتكلم الرشيد يوماً في مجلسه كلمة نزع القوم بها فكل يحكي في نوعها حكاية أو ينشد شعراً في معناها وكان في المجلس ابن عزيز فأنشد أبياتاً في غير المعنى الذي كانوا بصدده كانت سبباً لامضاء عزيمته على قتل البرامكة يقول فيها ليت هنداً أنجزتنا ما تعد ... وشفت أنفسنا مما نجد واستبدّت مرة واحدة ... إنما العاجز من لا يستبد فاستعاد منه الرشيد البيتين مراراً ثم أوقع الرشيد بالبرامكة بعد ذلك بثلاثة أيام وسنذكر في الفصل الأوسط من الباب الآتي من إيقاعه بهم ما فيه للمتأمل مقنع وللمستخبر مستمتع إن شاء الله تعالى ولم أر في التحريض أبلغ من قول القائل في قصيدة طويلة ذات معان جمة وفوائد جليلة ما كل يوم ينال المرء ما طلبا ... ولا يسوّغه المقدور ما وهبا وأعجب الناس من إن نال فرصته ... لم يجعل السبب الموصول مقتضبا وأنصف الناس في كل المواطن من ... سقى الأعادي بالكاس الذي شربا فالعفو إلا على الأعداء مكرمة ... من قال غير الذي قد قلته كذبا قتلت عمراً وتستبقي يزيد لقد ... رأيت رأياً يجرّ الويل والحربا لا تقطعن ذنب الأفعى وترسلها ... إن كنت شهماً فأتبع رأسها الذنبا هم جردوا السيف فاجعلهم به جزراً ... هم أوقدوا النار فاجعلهم لها حطبا واذكر بمنحاهم مثوى أبي كرب ... فيهم وحبس عدي عندهم حقبا وسيف جدك لما أن أضرّ بهم ... جاؤا به لك في أسلابهم سلبا

стр. 487

لا عفو عن مثلهم في مثل ما طلبوا ... وإن يكن ذاك كان الهلك والعطبا فمنهم أهل غمان ومجدهم ... عال وإن حاولوا ملكاً فلا عجبا إن تعف عنهم يقول الناس كلهم ... لم يعف حلماً ولكن عفوه رهبا وإن أحسن من ذا العفو لو هزموا ... لكن هم اتبوا من سيفك الهربا علام تقبل منهم فدية وهم ... لا فضة قبلوا منه ولا ذهبا اسق الكلاب غد من فتية دمها ... عند البرية تستسقى به الكلبا لو لم يسر جان أن تعض محاجزه ... واللبث لا يحسن النقبا إذا وثبا آخر يفيض إليّ الشر حتى إذا أتى ... لينزل رحلي قلت للشر مرحبا وأركب ظهر الشر حتى أذله ... إذا لم أجد الأعلى الشر مركبا واكوى بلا نار اناساً بظلمهم ... وأصفح أحياناً وإن كنت مغضبا ولله در من قال إذا آمن الجهال جهلك مرة ... فعرضك للجهال غنم من الغنم وإن أنت باريت السفيه إذا أنتمي ... فأنت سفيه مثله غير ذي حلم فلا تعترض عرض السفيه وداره ... بحلم فإن أعيا عليك فبالصرم وغم عليه الجهل والحلم والقه ... بمنزلة بين العداوة والحلم فيرجوك تارات ويخشاك تارة ... وتأخذ فيما بين ذلك بالحزم فإن لم تجد بدا من الجهل فاستعن ... عليه بجهال فذاك من العزم ودع عنك في كل الأمور عتابه ... فإنك إن عاتبته كان كالخصم ومن عاتب الجهال لم يشف نفسه ... ولكنه يزداد سقماً على سقم

стр. 488

آخر حبست لكم نفسي على الحلم والرضا ... يأمن ذو خوف ويدرك طالب إذا أنت لم تصلح لسيفك ما جنى ... سفيهك صارت في الصدور معاتب المتنبي لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى ... حتى يراق على جوانبه الدم نبذة من أدنى النقض والابرام ... في ذم مكافأة اللئيم بالاكرام قالوا العفو يفسد من اللئيم بقدر ما يصلح من الكريم وقال معاوية بن يزيد بن معاوية لأبيه هل ذممت عاقبة حلم قط قال ما حلمت عن لئيم وإن كان ولياً إلا أعقبنني ندماً على ما فعلت وقال الشاعر متى تضع الكرامة في لئيم ... فإنك قد أسأت إلى الكرامه وقد ذهبت صنيعته ضياعا ... وكان جزاء فاعلها الندامه وقالوا جنب كرامتك اللئام فإنك إن أحسنت إليهم لم يشكوا وإن أساؤا لم يستغفروا شاعر إن هذا اللؤم إنا أكرمته ... حسب إلا كريم حقاً يلزمك فأهنه إنه من لؤمه ... إن تسمه بهوان يكرمك ولآخر إنّ اللئيم إذا رأى ... ليناً تزيد في حرانه لا تخدعن فصلاح من ... جهل الكرامة في هوانه

стр. 489

ويقال اللئام إلى رهبوت أحوج منهم إلى رحموت المتنبي ووضع الندى في موضع السيف بالعلا مضر كوضع السيف في موضع الندى وقالوا الكريم يصلح بالاحسان والكرامة واللئيم بالهوان والملامسة المتنبي إذا أنت أكرمت الكريم ملكته ... وإن أنت أكرمت اللئيم تمرّدا إبراهيم بن المهدي إذا كنت بين الحلم والجهل باقلاً ... وخيرت أني شئت فالحلم أفضل ولكن إذا أنصفت من ليس منصفاً ... ولم يرض منك الحلم فالجهل أنبل إذا جاءني من يطلب الجهل عامداً ... فإني سأعطيه الذي جاء يسأل ولم أعطه إياه إلا لأنه ... وإن كان مكروهاً من الذل أجمل وفي الخير إبطاء فإن جاء عاجلاً ... كما تشتهيه النفس فالشر أعجل وينسب لعلي ﵁ لئن كنت محتاجاً إلى الحلم إنني ... إلى الجهل في بعض الأحايين أحوج ولي فرس للخير بالخير ملجم ... ولي فرس للشر بالشر مسرج فمن شاء تقويمي فإني مقوم ... ومن شاء تعويجي فإن معوّج وما كنت أرضى الجهل جدّاً ولا أباً ... ولكنني أرضى به حين أحرج فإن قال بعض الناس فيه سماجة ... لقد صدقوا والذل بالحرّ أسمج

стр. 490

أبو نواس في الناس إن جربته ... من لا يعزك أو تذله فاترك مدارة اللئي ... م فإن فيها العجز كله

стр. 491

الباب الرابع عشر في الانتقام وفيه ثلاثة فصول الفصل الأول من هذا الباب في التشفي والانتقا ممن أحضر قسراً في المقام قال الله تعالى وإذا ما غضبوا هم يغفرون ولم يقل هم يقتلون وفي هذا دليل على أن الانتقام قبيح فعله على الكرام فإنهم قالوا الكريم إذا قدر غفر وإذا عثر بمساءة ستر واللئيم إذا ظفر عقر وإذا أمن غدر ولنقدم كلاماً شافياً في ذم الغضب ... إذ هو الزمام القائد للعطب جاء في تفسير قول الله تعالى إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون أن الطائف من الشيطان هو الغضب ويروى أن رجلاً قال للنبي ﷺ يا رسول الله قل لي قولاً ينفعني الله به وأقلل لعلي أعرفه قال لا تغضب فأعاد عليه المسئلة قال لا تغضب فأعاد عليه المسئلة قال لا تغضب وقال يحيى بن زكريا لعيسى ﵉ أخبرني بما يقربني من رضا ربي ويبعدني من سخطه قال لا تغضب وقال رسول الله ﷺ ما تعدون الشديد فيكم قالوا الذي لا يصرعه الرجال قال لا ولكنه الذي يملك نفسه عند الغضب وذكر أن جعفر بن

стр. 492

محمد الصادق دخل على المهدي وقد امتلأ غضباً على إنسان فقال يا أمير المؤمنين إنك لا تغضب إلا لله فلا تغضب له أكثر من غضبه لنفسه وقد قال بعض الحكماء إياكم والغضب فرب غضب استحق به الغضبان غضب الله عليه ويقال إن في التوراة يا ابن آدم لا تغضب فاغضب عليك يا ابن آدم اذكرني حين تغضب أذكرك حين أغضب فلا أمحقك فيمن أمحق وقالوا إياك وغرة الغضب فإنها تفضي بك إلى ذلة الاعتذار وقالوا الغضب على من لا تملك لؤم وعلى من تملك شؤم وقال بعض الأعراب الغضب عد والعقل فإنه يحول بين صاحبه وبين العقل والفهم فيستولي عليه سلطان الهوى فيصرفه عن الحسن وهو الاحتمال إلى القبيح وهو الغضب ومن عصى الحق غمره الباطل وقال ابن المعتز الغضب يصدئ القلب حتى لا يرى صاحبه شيأً حسناً فيفعله ولا قبيحاً فيجتنبه ويقال ما ترك شيأً من الأحوال الذميمة ولا تأخر عن سبب من الأسباب اللئيمة من أنفذ غضبه وأساء في الانتقام أدبه واستطاب فعله واستعذبه وقالوا ليس من عادات الكرام سرعة الغضب والانتقام وقالوا ثلاثة يعدون في المجانين وإن كانوا عقلاء الغضبان والسكران والغيران وقال عمر بن عبد العزيز ثلاثة من كن فيه فقد استكمل الايمان من إذا غضب لم يخرجه غضبه إلى الباطل وإذا رضي لم يخرجه رضاه عن الحق وإذا قام جدال لا يأخذ ما ليس له وإذا تمكن منه الغضب على أحد حبسه ثلاثة أيام حتى يسكن غضبه ثم يحضره فإن وجب عليه العقوبة عاقبه وإلا أطلقه ما اخترناه من كلام الحكماء وأقوال الكرام الأماجد في ذم التشفي من العدو والمعاند قالت عائشة ﵂ كان رسول الله ﷺ لا ينتقم لنفسه إلا أن تنتهك حرمة من حرمات الله تعالى فينتقم لله بها وقالوا أقبح المكافأة المكافأة بالاساءة وقال معاوية إن أولى الناس بالعفو أقدرهم على العقوبة وقالوا الاقتدار يمنع الحر من الانتصار وقال علي ﵁ أنا إلى العفو والرحمة أقرب مني إلى العقوبة والنقمة وقال جعفر الصادق لان أندم على العفو

стр. 493

عشرين مرة أحب إلي من أن أندم على العقوبة مرة واحدة وحكي أن رجلاً من قريش كان يطلب رجلاً يدخل في الجاهلية فلما ظفر به قال لولا إن القدرة تذهب الحفيظة لانتقمت منك وتركه ولهذا يقال كل عزيز دخل تحت القدرة واتضح بالتنصل عذره فهو ذليل حقه على من قدره بالقدرة جليل أن يتعمد اساءته بالاحسان إليه ويفك اساره بالامتنان عليه وينزله من اكرامه منزلة المطيع من خدامه ويعفيه من عتبه وملامه كما أعفاه من سخطه وانتقامه وقيل أقبح أفعال ذوي التمكن والاقتدار عقوبة من التجأ إلى الاعتذار شاعر ليست الأحلام في حال الرضا ... إنما الأحلام في حال الغضب وقال المنصور في كلام لولده المهدي لذة العفو أطيب من لذة التشفي وذلك أن لذة العفو يلحقها حمد العاقبة ولذة التشفي يلحقها ذم الندم ويحكي عن عنان بن خريم أنه دخل على المنصور وقد قدم بين يديه جماعة كانوا قد خرجوا عليه ليقتلهم فقال أحدهم يا أمير المؤمنين من انتقم فقد شفي غيظه وأخذ حقه ومن شفي غيظه وأخذ حقه لم يجب شكره ولم يحسن في العالمين ذكره وإنك إن انتقمت فقد انتصفت وإذا عفوت فقد تفضلت على أن اقالتك عثار عباد الله موجبة لاقالته عثرتك وعفوك عنهم موصول بعفوه عنك فقبل قوله وعفا عنهم وقال الشاعر لذة العفو ان نظرت بعين ال ... عدل أشفى من لذة الانتقام هذه تكسب المحامد والمج ... د وهذه تجئ بالآثام والعرب تقول لا سودد مع الانتقام وقالوا سرعة العقوبة من لؤم الظفر وقيل ليس من الكرم عقوبة من لا يجد امتناعاً من السطوة وأسر على رجلاً من أصحاب عائشة ﵂ يوم وقعة الجمل فقيل له ويلك وأنت ممن ألب علينا فقام الأشتر فقال دعني أضرب عنقه يا أمير المؤمنين فقال الرجل يا أمير المؤمنين لان تلقى الله وقد عفوت عني خير لك من أن تلقاه وقد شفيت غيظك وانتصرت لنفسك فقال اذهب حيث شئت وانشد للمأمون يخشى عدوّي من بعيد سطوتي ... فإذا قدرت على العدوّ عفوت

стр. 494

وقال بعض الحكماء التزين بالعفو خير من التقبح بالانتقام وقال علي ﵁ ليس شيء بخير من الخير إلا ثوابه وكل شيء في الدنيا سماعه أعظم من عيانه وكل شيء في الاخرة عيانه أعظم من سماعه ويقال التشفي طرف من العجز ومن رضي به لا يكون بينه وبين الظالم الأستر رقيق وحجاب ضعيف ولان يثنى عليك بسعة الصدر خير من أن تذم بضيقه وقال ابن المعتز مبالغة المقتدر في العقوبة تقربه من غضب الله وتبعده من انتساب الكرم إليه وقال كفى بالظفر شفيعاً للمذنب إلى القادر وقال بعض الحكماء لا يحملنك الحنق على اقتراف اثم يشفي غيظك ويسقم دينك ويقال لا تشن حسن الظفر بقبح الانتقام وقالوا عقوبة المقتدر تبدأ به تقبح صورته وتثلم حسبه وتعجل ندمه شاعر إذا أنت لم تصبر على الحقد لم تفز ... بمجد ولم تسعد بتقريظ مادح آخر رأيت انتقام المرء يزري بعقله ... وإن لم يقع إلا يأهل الجرائم وقال الفضيل بن عياض لا يكون العبد من المتقين حتى يأمن عدوه بوائقه وقلت إذم مسرفاً في الانتقام فلان منزوع الرحمة من قلبه مصروف الوجه عن المعترف بذنبه يرى العفو مغرماً والعقوبة مغنماً إن ضحكت في وجهه عبس وإن تخاضعت له شمس لا يرقب في المسئ إلا ولا ذمة ولو شفع فيه سواد الأمة ومن رسالة للبديع الهمداني يصف ملكاً عظيم الشان يحسبه المتأمل إنساناً وهو شيطان وفلان سماء إذا تغيم لم يرج صحوه وإذا تغير لم يشرب صفوه وإذا سخط لم ينتظر غيره ليس بين رضاه والسخط عوجة كما ليس بين غضبه والسيف فرجة وليس من سخطه مجاز كما ليس بين الموت والحياة معه حجاز

стр. 495

يغضبه الجرم الخفي ولا يرضيه العذر الجلي وتكفيه الجناية وهي ارجاف ثم لا يشفيه العقوبة وهي حجاف حتى إنه يرى الذنب وهو أضيق من ظل الرمح ويعمي عن العذر وهو أبين من عمود الصبح وهو ذو اذنين يسمع بهذه القول وهو بهتان ويحجب بهذه العذر وهو برهان وذو يدين يبسط أحدهما إلى السفك والسفح ويقبض الاخرى عن العفو والصفح وذو عينين يفتح أحدهما إلى الجرم ويغمض الاخرى عن الحلم فمزحه بين القد والقطع وحده بين السيف والنطع ومراده بين الظهور والكمون وأمره بين الكاف والنون ثم لا يعرف من العقاب إلا ضرب الرقاب ولا من التأديب غير اراقة الدماء ولا يهتدي إلا إلى إزالة النعماء ولا يحلم عن الهفوة كوزن الهبوة ولا يغضي عن السقطة بجرم النقطة ثم إن النقم بين لفظه وقلمه والأرض تحت يده وقدمه فلا يلقاه الولي إلا يغمه ولا العدو الا يذمه فالأرواح بين حبسه واطلاقه كما أن الأجسام بين حله ووثاقه ومما ينتظم في سلك هذا المقول ... مدح التراحم الراضي به أرباب العقول قال رسول الله ﷺ الراحمون يرحمهم الرحمن يوم القيامة ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء وقال ﵊ لا ينزع الله الرحمة إلا من قلب شقي وقالوا من كرم أصله لان قلبه وقيل من أمارات الكريم الرحمة ومن أمارات اللئيم القسوة وقالوا من شكر الظفر الصفح عن الذنوب والستر للعيوب وفي الحديث إن الله رحيم يحب من عباده الرحماء وقال الأقرع بن حابس لرسول الله ﷺ وقد رآه يقبل الحسن إن لي عشرة أولاد ما قبلت أحداً منهم فقال رسول الله ﷺ من لا يرحم لا يرحم
следующие страницы →