Полный текст (601 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
السلامي
والجو ستر بالنسور مطير ... والأرض فرش بالخيول مخيل
يهفو العقاب على العقاب فيلتقي ... بين الفوارس أجدل ومجدل
ولا مزيد في الحسن على ما قاله أبو تمام حبيب بن أوس الطائي من أبيات يمدح بها المعتصم جاء منها قوله
لما رأيت الذين يخفق قلبه ... والكفر فيه تغطرس وعرام
أوريت زند عزائم تحت الدجى ... أسرجن فكرك والبلاد ظلام
فنهضت تسحب ذيل جيش ساقه ... حسن اليقين وقاده الاقدام
ملأ الملا عصباً فكاد بأن يرى ... لا خلف فيه ولا له قدام
بسواهم لحق الأباطل شرب ... تعليقها الأسراج والألجام
ومقابلين إذا انتموا لم يخزهم ... في نصرك الأخوال والأعمام
تخذوا الحديد من الحديد معاقلاً ... سكانها الأرواح والأجسام
مسترسلين إلى الحتوف كأنما ... بين الحتوف وبينهم أرحام
آساد موت مخدرات مالها ... إلا الصوارم والقنا آجام
حتى نقضت الروم عنك بوقعة ... شنعاء ليس لنقضها ابرام
في معرك أما الحمام فمفطر ... في هبوتيه والكماة صيام
والضرب يقعد قرن كل كتيبة ... شرس الضريبة والحتوف قيام
فقصمت عروة جمعهم فيه وقد ... جعلت تفصم عن عراها الهام
стр. 422
ابن عبد ربه صاحب العقد
وجيش كظهر اليمّ ينفحه الصبا ... يعب عبابا من قنا وقنابل
فينزل أولاه وليس بنازل ... ويرحل اخراه وليس براحل
ومعترك ضنك تعاطت كماته ... كؤس دماء من كلى ومفاصل
يديروا بها راحاً من الروح بينهم ... ببيض رقاق أو بسمر ذوابل
وتسمعهم أمّ المنية وسطها ... غناء صليل البيض تحت المناصل
أبو الفرج الببغا
فإذا الجياد إلى الجياد عوابساً ... شعثاً ولولا بأسه لم تنفد
في جحفل كالسيل أو كالليل أو ... كالقطر طافح قطر بحر مزبد
متوقد الجنبات تعتنق القنا ... فيه اعتناق تواصل وتودد
متعجر بضيا الصوارم مبرق ... تحت العجاج وبالصواهل مرعد
ردّ الظلام على الضحى واسترجع ... الأصباح من ليل الغبار الأزبد
وكأنما نقشت حوافر خيله ... للناظرين أهلة في الجلمد
وكأنّ طرف الشمس مطروف وقد ... جعل الغبار لها مكان الأثمد
وله
في خميس كأنما السمر والأب ... طال فيه غيله حمته أسود
سلب الشمس ضوأها بشموس ... طالعات أفلاكهن جديد
عارض كلما تجلت بروق ال ... بيض حثت على الصهيل رعود
وله
جيش يفوت الطرف حتى لا يرى ... ما غاب من أطرافه محدودا
ويحيش حتى لا يظن عديده ... أحد لكثرة جمعه معدودا
стр. 423
فكأنما جعل الإله روابي ... الأعلام أعلاماً له وبنودا
يقضي على الأعداء خيفة بأسه ... قبل اللقاء تهدداً ووعيدا
وترى وتسمع لمعه وخفوقه ... فتخال فيه بوارقاً ورعودا
آخر
خميس إذا أخفى سنا الشمس نطقه ... أضاء وأبداه الحديد المسرد
تواجهه هوج الرياح فينثني ... وتحمله الأرض الوقور فيرعد
أبو الطيب المتنبي
خميس بشرق الأرض والغرب زحفه ... وفي أذن الجوزاء منه زمازم
تجمع فيه كل لسن وأمة ... فما يفهم الحدّاث إلا التراجم
وله
وذو لجب لا ذو الجناح أمامه ... بناج ولا الوحش المثار بسالم
تمر عليه الريح وهي ضعيفة ... تطالعه من بين ريش القشاعم
ويخفى عليك البرق والرعد فوقه ... من اللمع في هاماته والجماجم
ابن المعتز
وعمّ السماء النقع حتى كأنه ... دخان وأطراف الرماح شرار
ابن الساعاتي
والنقع ليل والأسنة أنجم ... والسمر غاب والكماة أسود
стр. 424
وصف النزال والقتلى
وصف أعرابي وقعة فقال اصطفوا كجناح الطائر وشدوا شد الأسد الخادر فما ثنوا أعنتهم ولا صرفوا أسنتهم حتى انصرف اعداؤهم أبو نصر الميكالي دارت رحى الحرب بين أعمار تباح ودماء تستباح وأجسام تطاح وأرواح تسفي بها الرياح فالسيوف للهامات دامغة والرماح في الأكباد والغه بض البلغاء طلبنا فلاناً في الوغى فوجدناه وجسده بالصفاح منمق محبر وبالرماح معجم ومحرر ابن عبد ربه من أبيات
فكم على النهر أوصال مفرقة ... تقسمتها المنايا فهي أشطار
قد فلقت بصفيح الهند هامتهم ... فهنّ بين حوامي الخيل أعشار
وكم بساحتهم من شلو مطرح ... كأنه فوق ظهر الأرض أجار
كأنما رأسه أفلاق حنظلة ... وساعداه على الزندين جمار
أبو بكر الخوارزمي
كتبنا في وجوههم سطوراً ... غرائب حبرهن دم همول
فترجمها الأعادي للأعادي ... ويقرؤها على الحيّ القتيل
فمالك غير جمجمة كناب ... ومالك غير صاحبها رسول
ابن الرومي
كتبت لنا أيدي النزال صحائفاً ... هجما من الأعراب والافصاح
أطراسها جثث الكماة وحبرها ... مما أسلناه دم الأرواح
فالشكل فوق سطورها بصوارم ... والنقط تحت حروقها برماح
стр. 425
ابن نباتة
خلقنا بأطراف القنا لظهورهم ... عيوناً لها وقع السيوف حواجب
قطع الرؤس أحسن ما نظم فيها قول الشريف البياضي من أبيات
خطبنا بالقنا مهج الأعادي ... فزفت والرؤس لها نثار
وقول جرير وإن كان قبله
كأنّ رؤس القوم فوق رماحنا ... غداة الوغى تيجان كسرى وقيصرا
وقول الآخر
وكأنما سمر الرماح معاطف ... والهام فوق صدورهن نهود
الفصل الثالث من الباب الحادي عشر
في ذم التصدي للهلكة
ممن لا يستطيع بها ملكة
قال الله تعالى ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وقال تعالى خذوا حذركم وقد روى أن عمر ﵁ حين كره طواعين الشأم أراد الرجوع إلى المدينة فقال له أبو عبيدة بن الجراح يا أمير المؤمنين أتفر من قدر الله قال نعم إلى قدر الله فقال له أيمنع الحذر القدر قال لست مما هناك في شيء إن الله لا يأمر بما لا ينفع ولا ينهى عما لا يضر فإنه يقول ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وقال خذوا حذركم وقالوا الشجاعة تغرير والتغرير مفتاح الهلكة وقال يزيد ابن المهلب الاقدام على الهلكة تغرير والاحجام عن الفرصة جبن
стр. 426
وأنشدت لطاهر بن الحسين
ركوبك الأمر ما لم تبد فرصته ... جهل ورأيك في الاقحام تغرير
فاعمل صواباً وخذ بالحزم مأثرة ... فلن يذم لأهل الحزم تدبير
ويقال أهوت إلى يزيد بن المهلب حية فلم يتوقها فقال له أبوه ضيعت الحزم من حيث حفظت الشجاعة الشريف الرضي
العزم في غير وقت العزم معجزة ... والازدياد بغير العقل نقصان
ويقال من قاتل بغير نجدة وخاصم بغير حجة وصارع بغير قوة فقد أعظم الخطر وأكبر الغرر وقال بعض الحكماء من أعرض عن الحذر والاحتراس وبنى أمره على غير أساس زال عنه العز واستولى عليه العجز فصار من يومه في نحس ومن غده في لبس وفي كتاب للهند الحازم يحذر عدوه على كل حال يحذر مواثبته إن قرب وغارته إن بعد وكمينه إن تبع ومكره إن انفرد واستطراده إذا ولي وقال أبو بكر الصديق يحذر خالد بن الوليد ﵄ إذا دخلت أرض العدو فكن بعيداً من الحملة فإني لا آمن عليك الجولة واستظر بالزاد وسر بالادلال ولا تقاتل مجروحاً فإن بعضه ليس منه واحترس من الثبات فإن في القرب غمرة واقلل الكلام فإن مالك إلا ما وعى عنك وأقبل من الناس علانيتهم وكلهم إلى الله في سريرتهم واستودعك الله الذي لا تضيع ودائعه وقال الشاعر
ومن يأمن الأعداء لا بدّ أنه ... سيلقى بهم في موقف الموت مصرعا
وقالوا الاقدام على الهلكة تضييع كما أن الاحجام عن الفرصة عجز وقيل لعنترة العبسي أأنت أشجع العرب وأشدها قال لا قيل فبم شاع هذا في الناس قال كنت أقدم إذا كان الاقدام عزماً وأحجم إذا كان الاحجام حزماً
стр. 427
ولا أدخل موضعاً لا أرى لي فيه مخرجاً وسئل بعض الشجعان هل شيء أضر من التواني قال الاجتهاد في غير وقته وقال جعفر بن ميسرة من مكن أسباب الهلكة من نفسه طائعاً لم يكد يتخلص منها وإن كان جاهداً وقال بعض الحكماء لصديق له اعلم إن الفطنة اظهار الغفلة مع شدة الحذر فبات مباثة الآمن وتحفظ منه تحفظ الخائف ولا تظهر له المخافة فيرى ان قد حذرت فيهون عليه ما يستهو له منك ويقال إذا أخد المرء بالحذر والاحتراس في موضع الشدة وعمل على الجراءة والاقدام عند انتهاز الفرصة فقد أخذ بالحزم في شدته وعمل بالحزم عند فرصته وقال بعض الفلاسفة كن حذراً كأنك غر فطناً كأنك غافل وذاكراً كأنك ناس وقال بعضهم
من أخذ الحذر من المحذور ... قلّ تجنيه على الدهور
فليحزم الحازم في الأمور ... فإن كبا فالعذر للمعذور
آخر
على كل حال فاجعل الحزم عدة ... تقدّمها عند النوائب في الدهر
فإن نلت حظاً نلته بعزيمة ... وإن قصرت عنك الحظوظ فعن عذر
ومما يكون عمدة عند لقاء الأبطال ... التفكر في أعمال الاحتيال وإن طال
قالت الحكماء الحازم يحتال للأمر الذي يخافه لعله أن لا يقع فيه فليس من القوة التورط في الهوة ومن لم يتأمل العواقب بعين عقله لم يقع سيف حيلته إلا على مقاتله وأنشد لتأبط شرا
إذا المرء لم يحتل وقد جدّ جدّه ... أضاع وقاسى الصعب وهو مقصر
ولكن أخو الحزم الذي ليس نازلاً ... به الأمر ألا وهو للقصد مبصر
стр. 428
ويقال إذا اتسع لك المنهج فاحذر أن يضيق عليك المخرج وقال الشاعر
وإذا هممت ورود أمر فالتمس ... من قبل مورده طريق المخرج
آخر
إياك والأمر الذي ان توسعت ... موارده ضاقت عليك المصادر
فما حسن أن يعذر المرء نفسه ... وليس له من سائر الناس عاذر
ويقال تفكر قبل أن تعزم وتدبر قبل أن تهجم فإنه من لم ينظر في العواقب فقد تعرض لحادثات النوائب ووجد على حجر بعدن أبين مكتوب أيها المحارب احذر تغنم وتفكر في العواقب تسلم ويقال الناس حازمان وعاجز فاحزم الحازمين من عرف الأمر قبل وقوعه فاحترس منه والحازم بعده من إذا نزل الأمر تلقاه بالرأي والحيلة حتى يخرج منه والعاجز من تردد بين وبين لا يأتمر رشداً ولا يطيع مرشداً حتى تفوته النجاة ويقال ترك التقدم أحسن من التندم وأوصى عبد الملك بن صالح أميراً قدمه على سرية أرسلها إلى قتال عدو له فقال كن كالتاجر الكيس إن وجد ربحاً تجر وإلا حفظ رأس ماله ولا تطلب الغنيمة حتى تحمد السلامة وكن في احتيالك على عدوك أشد حذراً من احتيال عدوك عليك وقالوا ما تنفق فيه الأموال والحيل خير مما تنفق فيه الأرواح والنفوس وأوصت أم الدبال العبنسية ولدها الفتاك وكان من أشد العرب فقالت يا بني لا تنشب في حرب وإن وثقت بشدتك حتى تعرف وجه المهرب فإن النفس أقوى ما تكون إذا وجدت سبيل النجاة مدبرة لها واختلس من تحاربه خلسة الذئب وطر منه طيران الغراب فإن الحذر زمام الشجاعة والتهور عدو الشدة وقال أبو السرايا وكان أحد الفتاك يا بني كن بحيلتك أوثق منك بشدتك وبحذرك أوثق منك بشجاعتك فإن الحرب ورطة المتهور وغنيمة المتفكر ويقال لا تصلح الحزامة إلا لمن كان له سبع خصال من طبائع البهائم قلب الأسد وغارة الذئب وصبر النسر وحذر الغراب وحراسة الكركي وهداية الحمام وحماية الزنبور
стр. 429
ومما يجب مع التفكر على المحارب ... مشاورة النصحاء من أولي التجارب
قد كنا منا في صدر الكتاب ما يجب على العاقل من مشورة نصحائه في سائر أنحائه وانا ذاكر في هذا الباب ما يجب على الحازم من مشورة أودائه في كيفية لقاء أعدائه فإنهم قالوا ينبغي لكل ذي لب أن لا يبرم أمراً ولا يمضي عزماً إلا بمشورة ذي الرأي الناصح ومطالعة ذي العقل الراجح وقالوا الحازم إذا اشتبهت عليه مصادر الأمور جمع من أهل التجارب وجوه الرأي حتى يخلص له منها الصواب كالعاقل إذا ضلت له لؤلؤة فإنه إذا جمع ما حول مسقطها والتمسها يوشك أن يجدها وقالوا من حق العاقل أن يضيف إلى رأيه آراء العلماء ويجمع إلى عقله عقول الحكماء وقال بشار بن برد المشاور بين إحدى الحسنيين أما صواب فيفوز بثمرته أو خطا يشارك في مكروهه وقالوا الرأي السديد خير من الأسد الشديد وكان يقال المشورة سلم النجاح وطليعة الفلاح وقالوا الرأي في الحرب أنفع من الطعن والضرب وقال بعض الأعراب ما عثرت قط حتى عثر قومي قيل له وكيف قال لا أفعل شيأً حتى أشاورهم وقالوا حقيق أن يوكل إلى نفسه من أعجب برأيه ولقد أحسن أبو الطيب أحمد بن الحسين المتنبي في التحريض على مشاورة الاخوان عند مساواة الأقران بقوله
الرأي قبل شجاعة الشجعان ... هو أوّل وهي المحل الثاني
فإذا هما اجتمعا لنفس حرة ... بلغت من العلياء كل مكان
فلربما طعن الفتى أقرانه ... بالراي قبل تطاعن الأقران
ولبعضهم
الرأي كالسيف ينبو إن ضربت به ... في غمده وإذا جردته قطعا
стр. 430
آخر
أشاور أهل الرأي فيما ينوبني ... وإن كان لي رأى أحدّ صليب
ولا أدّعى بالغيب علماً لسائل ... ولا أحسد المسؤل حين يجيب
آخر
إذا بدا لك وجه الرأي فارم به ... نحو احترام تحاماه المقادير
ولا تقل غرر أخشى عواقبه ... يوماً فكل نجاة القوم تغرير
وذكر الحصري في كتابه زهر الآداب وثمر الألباب أن قوماً من العرب أتوا شيخاً لهم قد أربى على الثمانين وأهدف التسعين فقالوا إن عدونا استاق سرحنا فأشر علينا بما ندرك به الثار وننفي به العار فقال إن ضعف قوتي فسخ همتي ونقض ابرام عزيمتي ولكن شاوروا الشجعان من ذوي العزم والجبناء من أولي الحزم فإن الجبان لا يألو برأيه ما وقى مهجكم والشجاع لا يألوا ما يشيد ذكركم ثم خلصوا من الرأيين نتيجة تبعد عنكم معرة الجبان وتهور الشجعان فإذا نجم الرأي على هذا كان أنفذ على عدوكم من السهم الصائب والحسام القاضب فلله هذه الكلمات لو يجدها الجبان جنة لوقته أو هادياً أرته مواطن العواقب ووفقته
وملاك التحيل في بلوغ الأماني ... رفض العجلة واستعمال التواني
قال الله تعالى ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضي إليك وحيه وقل رب زدني علماً وقال رسول الله ﷺ من أعطى حظه من الرفق أعطى حظه من الدنيا والآخرة ومن حرم حظه من الرفق فقد حرم حظه من الدنيا والآخرة وقال ﵊ لعائشة ﵂ عليك بالرفق فإن الرفق لا يخالط شيأً إلا زانه ولا يفارق شيأً إلا شانه وقال عمر ﵁ التؤدة في كل شيء إلا ما كان من عمل الآخرة وقال
стр. 431
الشاعر
الرفق يمن والأناة سعادة ... ليس النجاح لمن يطيش ويخرق
آخر
وفي الأناة إذا ما جدّ صاحبها ... حزم ويعقبها التفريط والخرق
وفي التورية الرفق رأس الحكمة وقالوا فعل اللبيب ثمرته السلامة وجد على سيف مكتوب التأني فيما لا يخاف فيه الفوت أفضل من العجلة إلى إدراك الأمل وقال بعض الحكماء تأن تحزم وإذا استوضحت فاعزم وقالوا يد الرفق تجني ثمر السلامة ويد العجله تغرس شجر الندامة أبو الفتح البستي
تأنّ في الشيء إذا رمته ... لتعرف الرشد من الغيّ
لا تتبعن كل دخان ترى ... فالنار قد توقد للكيّ
وقس على الشيء بأشكاله ... يدلك الشيء على الشيّ
وقال بشر بن مروان لأهله إذا التبست عليك الخطوب وغاب عنك المورود وأشكل عليك المصدر فيه فالأناة الأناة وليكن أمرك حزماً وإذا استبان لك فعزماً وقال محمد بن هانئ الأندلسي
وكل أناة في المواطن سودد ... ولا كأناة من قدير محكم
وما الرأي إلا بعد طول تثبت ... ولا الحزم إلا بعد طول تلوّم
القطامي
قد يدرك المتأني نجح حاجته ... وقد يكون مع المستعجل الزلل
стр. 432
آخر
وربما فات قوماً جلّ أمرهم ... من التأني وكان الحزم لو عجلوا
وقالوا الأناة حصن السلامة والعجلة مفتاح الندامة وقالوا إذا لم يدرك الظفر بالأناة فبماذا يدرك وقال المهلب بن أبي صفرة واسم أبي صفرة ظالم ابن سراق أناة في عواقبها درك خير من عجلة في عواقبها فوت ومن أمثالهم اتئد تصب أو تكد وقولهم من تأنى أدرك ما تمنى وقولهم الرفق مفتاح النجاح وقال بعض الحكماء إياك والعجلة فإنها تكنى أم الندامة لان صاحبها يقول قبل أن يعلم ويجيب قبل أن يفهم ويعزم قبل أن يفكر ويقطع قبل أن يقدر ويحمد قبل أن يجرب ويذم قبل أن يخبر ولن تصحب هذه الصفة أحداً الأصحب الندامة وجانب السلامة وهذه نبذة يسيرة في الصبر فمما ينسب لعلي ﵁
إني رأيت وفي الأيام تجربة ... للصبر عاقبة محمودة الأثر
وقل من جدّ في أمر يحاوله ... واستصحب الصبر إلا فاز بالظفر
آخر
ما أحسن الصبر في مواطنه ... والصبر في كل موطن حسن
حسبك من حسنه عواقبه ... عواقب الصبر ما لها ثمن
آخر
الصبر مفتاح ما يرخى ... وكل صعب به يكون
فاصبر وإن طالت الليالي ... فربما أمكن الحزون
وربما نيل باصطبار ... ما قيل هيهات لا يكون
стр. 433
ويقال الصبر مفتاح النصر ويقال النصر في مطاوي الصبر ويقال من تصبر تبصر وقال الصابي حظ الطالبين من الدرك بحسب ما استصحبوه من الصبر وأنشدت لبعض الشعراء
إذا كنت في أمر ولم تر حيلة ... فصبرك إن النجح يدرك بالصبر
كذاك عيون الماء تكدر مرّة ... وتصفو مراراً هكذا عادة الدهر
ابن منقذ
لا تستكن للهم واثن حمامه ... بعزيمة في الخطب لا تتضعضع
فإذا أتى ما ليس يدفع فألقه ... بالصبر فهو دواء ما لا يدفع
ومن أحسن ما قيل فيه
أما والذي لا خلد إلا لوجهه ... ومن ليس في العز المنيع له كفو
لئن كان بد الصبر مرّاً مذاقه ... لقد يجتنى من غبه الثمر الحلو
آخر
اصبر على مضض الادلاج في السحر ... وفي الرواح إلى الحاجات والبكر
لا تضجرن ولا يعجزك مطلبها ... فالنجح يتلف بين الصبر والضجر
стр. 434
الباب الثاني عشر
في الجبن
وفيه ثلاثة فصول
الفصل الأول من هذا الباب
في أنّ خلتي الجبن والفرار مما يشين بني الأحرار
الجبن غريزة كالشجاعة يضعها لله فيمن شاء من خلقه قال المتنبي
يرى الجبناء أنّ الجبن حزم ... وتلك خديعة الطبع اللئيم
وحده بعض المتكلمين في حدود الأشياء فقال هو الضن بالحياة والحرص على النجاة وقالت الحكماء في الفراسة من كانت فزعته في رأسه فذاك الذي يفر من أبويه وقالوا الجبان يعين على نفسه يفر من أمه وأبيه وصاحبته وأخيه وفصيلته التي تؤويه وقال الشاعر
يفر الجبان من أبيه وأمه ... ويحمي شجاع القوم من لا يناسبه
فما اخترت من كلام ذوي الاقدام ... فيما عيب به الفرار والاحجام
قالت عائشة ﵂ إن لله خلقاً قلوبهم كقلوب الطير كلما خفقت الريح خفقت معها فأف للجبناء وقال خالد بن الوليد عند موته لقيت كذا وكذا زحفاً وما في جسدي موضع إلا وفيه ضربة بسيف أو طعنة برمح أو رمية بسهم
стр. 435
وها أنا ذا أموت حتف أنفي كما يموت البعير فلا نامت أعين الجبناء شاعر
إن موت الفراش عار وذل ... وهو تحت السيوف فضل شريف
السموأل
وما مات منا سيد حتف أنفه ... ولا طل منا حيث كان قتيل
تسيل على حد الظباء نفوسنا ... وليست على غير الظباء تسيل
آخر يفتخر
محرمة أكفال خيلي على القنا ... ومكاومة أعناقها ونحورها
حرام على أرماحنا طعن مدبر ... وتندق منا في الصدور صدورها
ويقال أسرع الناس إلى الفتنة أقلهم حياء من الفرار وقال دارا بن دارا يحرض جيشه على القتال قتيل صابر خير من ناج فار يا بني الأحرار صرتم إلى الذل والصغار ما هذا الجبن والفرار فلا صبر ولا اعتذار تطردكم الأشرار كطرد الليل النهار أثبتوا فإن الأجل بمقدار وقال هانئ الشيباني لقومه يوم ذي قار يا بني بكر هالك مغدور خير من ناج فرور المنية ولا الدنية يا بني بكر استقبال الموت خير من استدباره الطعن في ثغور النحور أكرم منه في الاعجاز والظهور يا بني بكر قاتلوا فمالنا من المنايا بد الجبان مبغض حتى لامه والشجاع محبب حتى لعدوه ويقال الجبن خير أخلاق النساء وشر أخلاق الرجال وقال يعلى بن منية لقومه حين فروا من على يوم صفين إلى أين قالوا قد ذهب الناس فقال أف لكم فرار واعتذار ولما قوتل أبو الطيب المتنبي ورأى الغلبة عليه فر فقال له غلامه أترضى أن يحدث بهذا الفرار عنك وأنت القائل
والخيل والليل والبيداء تعرفني ... والطعن والضرب والقرطاس والقلم
стр. 436
فكر راجعاً فقاتل حتى قتل واستقبح أن يعير بالفرار وذلك في شهر رمضان سنة أربع وخمسين وثلثمائة وكان مولده بالكوفة سنة ثلاث وثلثمائة وقال المنصور لبعض الخوارج عليه وقد ظفر به وأحضر إليه أسيراً أخبرني عن أصحابي أيهم كان أشد اقداماً في مبارزتك فقال لا أعرف وجوههم مقبلين وإنما أعرف أقفيتهم مدبرين فقل لهم يدبرون لأعرفك أيهم كان أشد فراراً نظم هذا القول علي بن العباس بن جريج المعروف بابن الرومي في قوله يهجو سليمان بن عبد الله بن ظاهر وقد هزم
قرن سليمان قد أضر به ... شوق إلى وجهه سيتلفه
أعرض عن قرنه وصدّ فما ... أصبح شيء عليه يعطفه
كم يعد القرن باللقاء وكم ... يكذب في وعده ويخلفه
لا يعرف القرن وجهه ويرى ... قفاه من فرسخ فيعرفه
وله من أبيات
كان بغداد لدن أبصرت ... طلعته نائحة تلتدم
مستقبل منه ومستدبر ... وجه بخيل وقفا منهزم
وقال عبد الله بن الزبير لعدي بن حاتم يعرض به متى فقئت عينك قال يوم طعنت في استك وأنت مول يعني يوم الجمل وقيل بل قال له يوم قتل أبوك وهربت خالتك يعني عائشة وأنا للحق ناصر وأنت له خاذل وقال شاعر يذكر فارا
شرده الخوف فأزرى به ... كذاك من يكره حرّ الجلاد
منخرق الخفين يشكو الوحي ... تبكه أطراف مر وحدد
قد كان في الموت له راحة ... والموت حقاً في رقاب العباد
стр. 437
نتف من احتجاج الفرسان ... عند ملاقاة الأقران
في إنّ دروع الحذر ... تخرقها سهام القدر
قال الله تعالى قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم وقال علي ﵁ إذا حلت المقادير حلت التقادير وقال هانئ بن مسعود الشيباني إن الحذر لا ينجي من القدر وإن الصبر من أسباب الظفر والمثل المضروب إن الجبان حتفه من فوقه وقالوا السلامة في الاقدام والحمام في الاحجام وأنشد في الحماسة لقطري بن الفجاة
لا تركنن أبداً إلى الاحجام ... يوم الوغى متخوّفا لحمام
فلقد أراني للرماح دريئة ... من عن يميني تارة وأمامي
حتى خضبت بما تحدر من دمي ... أكتاف سرجي أو عنان لجامي
ثم انصرفت وقد أصبت ولم أصب ... خدع القريحة مارح الأقدام
وقال أبو بكر الصديق لخالد بن الوليد ﵄ حين أخرجه لقتال أهل الردة احرص على الموت توهب لك الحياة وقالوا إذا انقضت المدة لم تنفع العدة وقال علي ﵁ إن الموت طالب حثيث لا يعجزه المقيم ولا يفوته الهارب إن لم تقتلوا تموتوا ألا وإن أشرف الموت القتل وقال عبد الله بن رواحة ﵁ يا نفس إن لم تقتلي تموتي إن تسلمي اليوم فلن تفوتي أو تبتلي فطالما عوفيتي وقيل لبعضهم لو احترست فقال كفى بالأجل حارساً وقالوا الشجاع موقى والجبان ملقى وذلك إن المقتول مدبراً أكثر من المقتول مقبلا وأنشد لبعض الشجعان
تأخرت استبقى الحياة فلم أجد ... لنفسي حياة مثل أن أتقدّما
стр. 438
آخر
أقول لها وقد ذهبت شجاعاً ... لدى الأبطال إنك لن تراعي
فإنك لو سألت بقاء يوم ... على الأجل الذي لك لن تطاعي
فصبراً في مجال الحرب صبراً ... فما نيل الخلود بمستطاع
وهرب رجل من الطاعون إلى النجف وكان بالكوفة فكتب إليه شريح القاضي أما بعد فإن الفرار لن يبعد أجلاً ولن يكثر رزقاً وإن المقام لن يقرب أجلاً ولن يقلل رزقاً وإنك والمكان الذي أنت فيه لا يعييان من لا يعجزه هرب ولا يفوته طلب وإن المكان الذي خلفته لا يعجل أحداً إلى حمامه ولا يظلمه شيأً من أيامه وإن النجف من ذي قدرة لقريب وهذا الطاعون هو الجارف وكان في شوال سنة تسع وستين هلك فيه في مدة ثلاثة أيام مائتا ألف وعشرة آلاف ومات فيه لأنس بن مالك ثلاثة وثمانون ولداً ولعبد الرحمن بن أبي بكر الصديق أربعون ولداً وأنشد بعض الشعراء يذكر فاراً أصيب
أبعدت في يومك الفرار فما ... جاوزت حتى انتهى بك القدر
لو كان ينجي من الردى حذر ... نجاك مما أصابك الحذر
آخر
فإذا خشيت من الأمور مقدراً ... وفررت منه فنحوه تتوجه
ولما وقع الطاعون بالكوفة فر عبد الرحمن بن أبي ليلى على حمار له يطلب النجاة فسمع منشداً يقول
لن يسبق الله على حمار ... ولا على ذي منعة طيار
أو يأتي الحتف على مقدار ... قد يصبح الله امام الساري
стр. 439
فكر راجعاً إلى الكوفة ومن كلام الحكماء إذا كان القدر حقاً فالحرص باطل وإذا كان الموت بكل أحد نازل فالطمأنينة إلى الدنيا حمق وكان معاوية بن أبي سفيان كثيراً ما ينشد في حروبه
كان الجبان يرى إنه ... يدافع عنه الفرار الأجل
فقد تدرك الحادثات الجبان ... ويسلم منها الشجاع البطل
ويقال من حدث نفسه بالبقاء ولم يوطنها على المصائب فهو عاجز الرأي وأنشدت لأبي علي بن رشيق القيرواني
الأسر خير من الفرار ... والقتل خير من الأسار
وشر ما خفته حياة ... أدت إلى ذلة وعار
ذم من لزمه الضعف والجزع ... واستولى عليه الخوف والفزع
قيل لبشار بن برد فلان يزعم إنه لا يبالي ألقى واحداً أو ألفاً قال صدق لأنه يفر من الواحد كما يفر من الألف وقالوا فلان إذا ذكرت السيوف لمس رأسه هل ذهب وإذا ذكرت الرماح جس صدره هل ثقب كأنه سلم كتاب الجبن صبياً ولقن كتاب الفشل أعجمياً وقالوا فلان تقلصت من الفزع شفتاه واصفرت من الهلع وجنتاه وقالوا فلان إذا نظرت إليه شزراً أغمى عليه شهراً ومن أمثالهم أجبن من صافر وهو طائر يتعلق برجليه في الشجر خشية أن ينام فيسقط وقيل غير ذلك وأشرد من ظليم وهو ذكر النعام وينشد لعبد القيس ابن خفاف يهجو جبانا
وهم تركوك أسلح من حبارى ... رأت صقراً وأشرد من ظليم
ومما هو كناية عن الجبن قولهم فلان مشفق على الحياة راغب في طولها وذم بعضهم جباناً فقال لو سميت له الحرب لعاف لفظها قبل معناها واسمها
стр. 440
قبل مسماها وذم آخر جباناً فقال
إذا صوت العصفور طار فؤاده ... وليث حديد الناب عند الثرائد
وذم آخر جباناً فقال فلان يزحف يوم الزحف إلى خلف ويروعه الواحد وهو فيألف وذم آخر جباناً فقال
لو كنت في ألف ألف كلهم بطل ... مثل المجفف داود بن حمدان
وتحتك الريح تجري حيث تأمرها ... وفي يمينك سيف غير خوان
لكنت أوّل فرار إلى عدن ... إذا تجرد سيف في خراسان
ذكر من لاقى في الحروب الحرب ... فطوى بساط الأرض مجداً في الهرب
أبو الطيب المتنبي يذكر مهزومين
وضاقت الأرض حتى أن هاربهم ... إذا رأى غير شيء ظنه رجلا
وقالوا فلان يفر من صرير باب وطنين ذباب فلان ولي منهزماً قد سد الله في وجهه كل طريق فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوى به الريح في مكان سحيق وقال الحجاح يصف هزيمة كالابل الشوارد إلى أوطانها النوازع إلى أعطانها لا يلوى الشيخ على بنيه ولا يسأل المرء عن أخيه وقالوا فلان أزهد في الحرب من بني العنبر وأدهش من مستطعم الماء على المنبر فأما بنو العنبر فهم الذين يقول قائلهم من أبيات الحماسة
لكن قومي وإن كانوا ذوي عدد ... ليسوا من الشرفى شيء وإن هانا
يجزون من ظلم أهل الظلم مغفرة ... ومن إساءة أهل السوء احسانا
وكأنّ ربك لم يخلق بخشيته ... سواهم من جميع الناس انسانا
стр. 441
وأما مستطعم الماء فهو عبد الله بن خالد القسري وسنذكر أمره في الفصل الآتي إن شاء الله وأظرف شيء هجى به جبان قول الطرماح بن بكر في بني تميم من أبيات
ولو أنّ برغوثاً على ظهر قملة ... رأته تميم يوم حرب لولت
ولو جمعت يوماً تميم جموعها ... على ذرّة معقولة لاستقلت
ولآخر يهجو قوماً جبناء
أسود إذا ما كان يوم وليمة ... ولكنهم عند اللقاء ثعالب
والمليح المتناهي في الملاحة والابداع والأخذ بمجامع القلوب من غير دفاع ولا نزاع قول جرير في بني حنيفة
أبناء نخل وحيطان ومزرعة ... سيوفهم خشب فيها مساحيها
قطع الثمار وسقى النخل عادتهم ... قدما وما جاوزت هذي مساعيها
لو قيل أين هوادي القوم ما علموا ... قالوا لاعجازها هذي هواديها
أو قبل إنّ حمام الموت آخذكم ... أو تلجموا فرساً قامت بواكيها
أبو تمام
ولما رأى توفيل راياتك التي ... إذا ما استقامت لا يقاومها القلب
تولى ولم يأل القنا في اتباعه ... كأن الردى في قصده هائم صب
غدا خائفاً يستنجد الكتب مذعنا ... عليك فلا رسل ثنتك ولا كتب
وما الأسد الضرغام يوماً بتارك ... فريسته إن أنّ أو بصبص الكلب
يمرّو نار الكرب تلفح قلبه ... وما الروع إلا أن يخامره الكرب
مضى مدبراً شطر الدبور ونفسه ... على نفسه من سوء ظنّ بها ألب
جفا الشرق حتى ظنّ من كان جاهلاً ... بدين النصارى إن قبلته الغرب
стр. 442
الفصل الثاني من البال الثاني عشر
في ذكر من جبن عند اللقاء
خوف الموت ورجاء البقاء
قال الله تعالى إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم هذه الآية نزلت فيمن فر من المسلمين يوم أحد قال ابن إسحق خرج رسول الله ﷺ إلى أحد ومعه ألف فانخزل منهم عند الله بن أبي ابن سلول وكان رأس المنافقين ومعه ثلث الناس ورجع إلى المدينة وبقي رسول الله ﷺ ومعه سبعمائة رجل وخرجت قريش في ثلاثة آلاف ومعهم مائتا فارس فلما التقى الجمعان وتراءى الفريقان وحميت الحرب واشتبه الطعن بالضرب أبلى المسلمون في الكافرين بلاء عظيماً ونودي يومئذ لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا علي وقتل حمزة بن عبد المطلب عم النبي ﷺ قتله وحشي غلام جبير ابن مطعم وهو يظن أنه رسول الله ﷺ وقتل مصعب بن عمير وكان حامل راية رسول الله ﷺ قتله قيلة بن قمئة فرجع وهو ينادي قتلت محمداً وصرخ صارخ إلا أن محمداً قتل والصارخ هو ابليس لعنه الله أزب العقبة فانجفل المسلمون وكثر الفشل فيهم وتفرق جمعهم عند الارجاف بقتل من كان يحميهم وهو رسول الله ﷺ فأصاب العدو منهم نكاية حتى خلص إلى رسول الله ﷺ وقذفه المشركون بالحجارة فأصيبت رباعيته وشج جبينه وكلمت شفته ودخلت حلقتان من حلق المغفر في وجنته فانتزعهما أبو عبيدة بن الجراح بفيه فسقطت ثناياه فسال الدم على وجه رسول الله ﷺ فمسحه بيده وقال كيف يفلح قوم خضبوا بالدم وجه نبيهم وكان الذي أصابه عتبة بن أبي وقاص وانهزم المسلمون حتى انتهوا إلى المنقى دون الأعوض وهم ظانون أن رسول الله ﷺ قتل فمر كعب بن مالك برسول الله ﷺ فرآه وعيناه تزهران من تحت المغفر فعرفه فرفع عقيرته يقول أيها الناس أبشروا هذا رسول الله ﷺ فرجعوا فلما عرفوه تداعوا إليه وجعل بعضهم يبشر بعضاً ثم نهض المسلمون وقد انشعب صدعهم ونعت بالسلامة بعد الكسر جمعهم ونهض معهم رسول الله ﷺ إلى الشعب فأدركهم أبي بن خلف فأخذ رسول الله ﷺ الحربة وطعنه بها في عنقه فرجع إلى قومه وهو يقول قتلني
стр. 443
محمد فات بسرف وهم قافلون به إلى مكة وذب عن النبي ﷺ طلحة بن عبيد الله ووقاه ببده فشلت اصبعه وجرح أربعاً وعشرين جراحة وقال رسول الله ﷺ أوجب الحق طلحة وكان يوم أحد يوم السبت النصف من شوال سنة ثلاث من الهجرة وفيها ولد الحسن بن علي واستشهد فيه من المسلمين خمسة وستون رجلاً أربعة من المهاجرين وما بقي فمن الأنصار وقتل من المشركين اثنان وعشرون رجلاً وذو الفقار كان لسليمان بن داود ﵉ أهدته له بلقيس مع ستة أسياف ثم كان لمنية بن الحجاج فأخذه رسول الله ﷺ لما قتل يوم بدر وفر كسرى من ملاقاة بهرام جور فاتبعه الجيش وكان قد أعد معه فصوصاً من زجاج مختلفة الألوان والأصباغ ودنانير من صفر مغشاة بالذهب فلما خاف أن يدرك نثر تلك الدنانير والفصوص على الأرض فاشتغل الناس بجمعها فنجا بنفسه ومن الجبناء حسان بن ثابت الأنصاري ذكر ابن قتيبة في كتاب المعارف أنه لم يشهد مع رسول الله ﷺ مشهدا قط قالت صفية بنت المطلب عمة رسول الله ﷺ كان معنا حسان في حصن فارع يوم الخندق مع النساء والصبيان فمر بنا في الحصن رجل يهودي فجعل يطيف بالحصن فقلت يا حسان أنا والله لا آمن أن يدل علينا هذا اليهودي أصحابه ورسول الله ﷺ قد شغل عنا فانزل إليه واقتله قال يغفر الله لك ما أنا بصاحب شجاعة قالت فلما قال لي ذلك ولم أر عنده شيأً اعتجرت ثم أخذت عموداً ونزلت إليه فضربته بالعمود حتى قتلته ثم رجعت إلى الحصن وقلت يا حسان انزل إليه واسلبه فإنه لم يمنعني من سلبه إلا أنه رجل فقال مالي بسلبه من حاجة وكان حسان اقتدى في فعله بهذا الشاعر في قوله
باتت تشجعني هند وما علمت ... أنّ الشجاعة مقرون بها العطب
لا والذي منع الأبصار رؤيته ... ما يشتهي الموت عندي من له أرب
стр. 444
للحرب قوم أضلّ الله سعيهم ... إذا دعتهم إلى نيرانها وثبوا
ولست منهم ولا أبغي فعالهم ... لا القتل يعجبني منهم ولا السلب
وعاش حسان مائة وعشرين سنة ستين في الجاهلية وستين في الاسلام ولأحمد بن أبي فنن في هذا المعنى مما نحاه من الاستطراد بالممدوح
مالي ومالك قد كلفتني شططا ... حمل السلاح وقول الدارعين قف
أمن رجال المنايا خلتني رجلاً ... أمسى وأصبح مشتاقاً إلى التلف
أرى المنايا على غيري فأفرقها ... فكيف أمشي إليها بارز الكف
أخلت أنّ سواد الليل غبرني ... وإنّ قلبي في جنبي أبي دلف
أخذ قوله فكيف أمشي إليها بارز الكتف من قول بعض الأعراب وقد قيل له اخرج إلى الغزو فقال والله أنا أكره الموت على فراشي فكيف أمشي إليه ركضاً ولما دخل هذا الشاعر على المعتز قال له أنت الشاعر الآدم فقال يا أمير المؤمنين لا يضره سواده مع بيض أياديكم عنده والفرار السلمي واسمه حنان ابن الحكم بن مالك فر من بني عوف فعرف في الجاهلية بالفرار وهو القائل في فراره
وكتيبة لبستها بكتيبة ... حتى إذا لبست نفضت لها يدي
فتركتهم نفض الرماح ظهورهم ... من بين منعفر وآخر مسندي
ما كان ينفعني مقال نسائهم ... وقتلت بين رجالهم لا تبعد
وفر عامر بن الطفيل يوم الرقم وهو يوم كان لبني ذبيان وأحلافهم على بني عامر وفر عامر بن زرارة بن عدي الدارمي يوم اليسار وكان على بني تميم فر عمرو بن معد يكرب بن عباس بن مرداس وأسرت أخته ريحانة وفر عتبة بن أبي سفيان وفر عمرو بن العاص من علي يوم صفين فاتبعه علي فلما خاف عمرو أن يدركه كشف عن سوأته فرجع عنه وفر عبد الله بن مطيع بن الأسود يوم الحرة من جيش مسلم بن عقبة المري العامري وهو القائل في قتاله لأهل الشأم مع
стр. 445
عبد الله بن الزبير
أنا الذي فررت يوم الحرّه ... والحرّ لا يفرّ إلا مرّه
فاليوم أجزى فرّة بكرّه ... لا بأس بالكرّة بعد الفرّه
وفر أسلم بن زرعة يوم الأهواز من أبي بلال مرداس بن أدية الخارجي وكان أسلم في ألفي رجل وكان أبو بلال في أربعين فكان أول أمير انهزم في الاسلام وكان إذا ركب بالبصرة صاح به الصبيان في الطريق أبو بلال خلفك وفر عبد الله بن عمير الليثي من قتال النجدية في البحرين وكان وجهه حمزة بن عبد الله ابن الزبير فكان عمير رأس المحتسبة في الفتنة وفيه يقول الفرزدق
تمنيت عبد الله أصحاب نجدة ... فلما لقيت القوم وليت سابقا
تمنيتهم حتى إذا ما لقيتهم ... تركت لهم قبل الضراب السرادقا
فأعطيت ما تعطى الحليلة بعلها ... وكنت حبارى إذ تلاقى البواشقا
فلم يزل مستحياً من الركوب حتى فر أمية بن عبد الله بن أسد بن خالد بن أسيد من الخوارج يوم مرد اهجر فوجد به اسوة وظهر وفر عبد العزيز بن عبد الله بن خالد من الأزارقة وان معه أمرأتان له إحداهما غريبة من بني ليث بن كنانة والاخرى أم حفص بنت المنذر بن الجارود فجعلت الكنانية تنادي أين فرسان الطعائن فطعنها رجل من الخوارج نقتلها وسبيت أم حفص واقيمت جارية فيمن يزيد فبلغت مائة ألف درهم فوثب عمرو بن حديد بن عبد القيس فقتلها أنفة لها وذلك أنها كانت من أجمل النساء فأتى بها قطري فقال له ما حملك على ما فعلت قال رأيت كافرة حفت على المسلمين فتنتها فحلى سبيله ثم إن قاتلها بعد ذلك أتى أخاها الحكم فقال له جزاك الله خيراً ما غسل عنا العار غيرك وأمر له بعشرة آلاف درهم وفي عبد العزيز يقول كعب الأشقري
عبد العزيز فضحت جيشك كلهم ... وتركتهم صرعى بكل سبيل
стр. 446
من بين منجدل يجود بنفسه ... وملحب بين الرجال قتيل
هلا صبرت مع الشهيد مقاتلاً ... إذ رحت منها هارباً بأصيل
سائل بعرسك هل تقاد سبية ... تشكو إليك بعبرة وعويل
وفر أخوه خالد بن عبد الله يوم الجفر بالبصرة وذلك إن المروانيين اغتنموا أغفلة مصعب بن الزبير عنهم بالكوفة وكانوا بالبصرة فثار بهم خالد يد عوالي عبد الملك بن مروان فلما بلغ مصعباً الخبر أقبل من الكوفة إلى البصرة فقر خالد منه إلى الشأم وفيه وفي اخوته يقول الفرزدق
وكل بني السوداء قد فرّ فرّة ... فلم يبق إلا فرّة في است خالد
فضحتم أمير المؤمنين وأنتم ... تمدّون سودانا غلاظ السواعد
ومن الجبناء الحجاج بن يوسف الثقفي دخل شبيب بن زيد الخارجي الكوفة سحراً ومعه غزالة زوجته وستون فارساً والحجاج بها في قصره مختفياً منه فحلفت غزالة على شبيب ليدخلن المسجد الجامع وليصلين في مقام الحجاج ففعل ثم خرج منها وفي ذلك يقول عمران بن حطان الخارجي يخاطب الحجاج
أسد عليّ وفي الحروب نعامة ... فتخاء تجفل من صفير الصافر
هلا برزت إلى غزالة في الوغى ... بل كان قلبك في جناحي طائر
صدعت غزالة قلبه بفوارس ... تركت مناظره كأمس الدابر
وممن كان يحضر الحروب ولا يقاتل الحجاج وأبو مسلم ذكر الجاحظ عمن حدثه أن الحجاج كان إذا التقى الجمعان ذهب عنه التدبير فلا يدري ما يأتي وما يذر وكان أبو كعب مولاه هو الذي يدبر الجيش حتى تضع الحرب أوزارها وأما أبو مسلم فكان ينصب له عند ملاقاته لعدوه عرش فيجلس عليه ويسدد من
стр. 447
آرائه سهاما أهدافها الصدور والظهور ويجرد من أوامره أسيافاً أغمادها الجفون والنحور وزياد وابنه عبد الله وأحمد بن طولون ومن أظرف ما يحكى أن البحتري شرب مع أبي هفان عند بعض الرؤساء فلما خرجا ركب البحتري بغلته وأردف أبا هفان خلفه فلما كان ببعض الطريق قال أبو هفان أبا عبادة من الذي يقول
يلبس للحرب أثوابها ... وقال أنا الشاعر البحتري
فلما رأى الخيل قد أقبلت ... إذا هو في سرجه قد خرى
فدفعه البحتري من خلفه وقال يا ماص بظر أمه تتنادر وأنت فهد والشعر لأبي هفان ارتجالاً قاله على سبيل المداعبة ومن هنا أخذ المتنبي قوله
وإذا ما خلا الجبان بأرض ... طلب الطعن وحده والنزالا
ومن نوادر أخبار الجبناء ... في مواطن الحروب والبلاء
حكى أن عمرو بن معد يكرب مربحي من أحياء العرب وإذا هو بفرس مشدود ورمح مركوز وإذا صاحبهما في وهدة من الأرض يقضي حاجته فقال له عمرو خذ حذرك فإني قاتلك لا محالة فالتفت إليه وقال له من أنت قال أبو ثور عمرو بن معد يكرب قال أنا أبو الحرث ولكن ما أنصفتني أنت على ظهر فرسك وأنا في وهدة فأعطني عهدك أن لا تقتلني حتى أركب فرسي وآخذ حذري فأعطاه عهداً على ذلك فخرج من الوهدة التي كان فيها وجلس محتبياً بحمائل سيفه فقال له عمرو ما هذا الجلوس قال ما أنا براكب فرسي ولا مقاتلك فإن كنت نكثت العهد فأنت أعلم ما يلقى الناكث فتركه ومضى وقال هذا أجبن من رأيت وقال روح بن حاتم لأبي دلامة اخرج معي فقاتل وهذه عشرة آلاف درهم فقال
إني أعوذ بروح أن يقرّبني ... إلى الحمام فيشتفي بنو أسد
стр. 448
إنّ البراز إلى الأقران نعرفه ... مما يفرّق بين الروح والجسد
قد خالفتك المنايا إذ صمدت لها ... وأصبحت لجميع الناس بالرصد
إذ المهلب حب الموت أورثكم ... وما ورثت لحب الموت عن أحد
لو أنّ مهجة أخرى لجدت بها ... لكنها خلقت فرداً فلم أجد
وخرج مروان بن محمد لمحاربة الضحاك الحروري فلما التقى الجمعان خرج من أصحاب الضحاك فارس فدعا إلى البراز فقال مروان من يخرج إليه وله عشرة آلاف درهم فقال أبو دلامة أنا وخرج طمعاً في الجائزة فرأى رجلاً عظيم الهامة وعليه فرو قد أصابته السماء فابتل ولحقته الشمس فيبس حتى صار كالقد لا يعمل فيه السيف فلما رآه الفارس جرى إليه وهو يرتجز
وخارج أخرجه حب الطمع ... فرّ من الموت وفي الموت وقع
من كان يهوى أهله فلا رجع
فخافه أبو دلامة فلوى جواده هرباً واتخذ من خوفه في الأرض نفقاً كما اتخذ الحوت لنجاته في البحر سرباً فقال مروان من هذا الفاضح لا أنجاه الله فقال أبو دلامة فر ولا أنجاه الله خير من قتل ورحمه الله واسم أبي دلامة زند بالنون وقيل زبد بالباء الموحدة واسم أمه الجون وقال عمرو بن هبيرة لاعرابي جزع من الحرب قاتل وخذ الرزق قال قدم لي رزقي قال حتى تقاتل قال الأعرابي أرى منيتي معجلة ومنيتي مؤجلة وقيل لمدني ألا تغزو الأعداء قال أنا لا أعرفهم وهم لا يعرفوني فكيف صرنا أعداء وقيل وقع في بعض العسكر هيج فوثب خراساني إلى فرسه ليلجمها ويفر عليها فصير اللجام في الذنب وقال يخاطب الفرس هب جبهتك عرضت ناصيتك كيف طالت وفر أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد من أبي فديك فسار من البحرين إلى البصرة في ثلاثة أيام فذكر عنده في بعض الأيام الخيل فقال سرت من المهرجان إلى البصرة في ثلاثة أيام فقال له ماجن من جلسائه ولو ركبت النيروز سرت إليها في يوم واحد واجتاز كسرى في بعض
стр. 449
حروبه بشيخ وقد عرى فرسه ونزع سلاحه وهو مستظل بشجرة فقال يا مقتولاً بيدي أنا في كرب الحرب وأنت على هذه الحالة فقال الشيخ أيد الله الملك إنما بلغت هذا السن باستعمال هذا التوقي وقال المهلب لحبيب بن عوف وكان من جنده في قتال الخوارج كر على القوم وخذ مائتين صحاحاً فأومأ إلى رأسه وقال أخاف أن يذهب رأس المال وأنشد
يقول لي الأمير بغير نصح ... تقدّم حين جدّ بنا المراس
فمالي إن أطعتك من حياة ... ومالي غير هذا الرأس راس
ولبعض الشعراء
ولو أنّ لي رأسين أدخر واحداً ... وألقى الأعادي بعد ذاك بواحد
لا قدمت في الهيجاء اقدام باسل ... ولم أك هياباً لدفع الشدائد
ولكنّ لي رأساً إذا ما فقدته ... وفارقني يوماً فليس بعائد
ومما ينسب لأبي دلامة
ألا لا تلمني فررت وإنني ... أخاف على فخارتي أن تحطما
وايتم أولاداً وأرمل نسوة ... فكيف على هذا ترون التقدّما
ولو كان لي نفسان كنت مقاتلاً ... بإحداهما حتى تموت فأسلما
وحكى ابن حبيب في كتابه المحير أن حبيباً دخل على المهلب بن أبي صفرة فأنشده
فقدتك يا مهلب من أمير ... أما تندى يمينك للفقير
فقال المهلب هو جنتي فوالله إني لأبذل لكم مالي وأقيكم الحروب بنفسي فقال حبيب إنا نكره اقحامك بنا المنايا فقال المهلب أوليس قد قال الأول
إذا المرء لم يغش الكريهة أوشكت ... حبال المنايا بالفتى أن تقطعا
стр. 450
فقال حبيب خفض العيش والدعة والاعتياض عن الضيق بالسعة ثم أنشده ما قاله حين فر من أبي فديك يوم مردا هجر
بذلت لكم يا قوم حولي وقوّتي ... ونصحي وما حازت يداي من التبر
فلما تناهى الأمر بي وعدوّكم ... إلى مهجتي وليت أعداءكم ظهري
وطرت ولم أحفل ملامة عاجز ... يقيم لأطراف الردينية السمر
ولو كان لي رأسان أهملت واحداً ... لكل رديني وأبيض ذي أثر
فضحك منه ثم التفت إلى من حضر مجلسه وقال بمثل هذا فليقاتل الأعداء وقيل لانسان إذا رأيت سوداً بالليل فاقدم ولا تفرق منه فإنه يخافك كما تخافه قال أخاف أن يكون ذلك السواد سمع هذه المقالة قبلي وقيل لمطرف ابن عبد الله لم لا تخرج تقاتل مع علي ﵁ قال لو كان لي نفسان قدمت إحداهما فإن أصابت الحق أتبعتها الاخرى ولكنها واحدة ودخل حميد بن الأرقط على الحجاج فأنشده قصيدة شاعر مختارة في صفة الحروب فقال الحجاج أراك تحسن صفة الحرب أقاتلت الأبطال وقابلت الأقيال قال لا أيها الأمير إلا في النوم قال وكيف كانت وقعتك قال انتبهت وأنا منهزم فضحك منه ووصله
صفات من بدل ثباته بالاحجام ... وقيد بالفرق قدمه عند الاقدام
قال الله تعالى يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو وقال ﵊ نصرت بالرعب مسيرة شهر وقالوا فلان من خوفه يحسب كل صيحة عليه وكل يد تشير بالأخذ إليه شاعر
ما زلت أحسب كل خيل بعدها ... خيلاً تكرّ عليهم ورجالا
стр. 451
آخر
كأنّ بلاد الله وهي عريضة ... على الخائف المطلوب كفة حابل
المتنبي
وضاقت الأرض حتى صار هاربهم ... إذا رأى غير شيء ظنه رجلا
آخر
كأنّ بلاد الله في ضيق خاتم ... عليهم فلا تزداد طولاً ولا عرضا
وقالوا فلان تقلصت من الخوف شفتاه واصفرت من الهلع وجنتاه ومن أمثالهم أجبن من المنزوف ضرطاً وذلك إن رجلاً كان يتعشق نساء وكان يدعي عندهن الشجاعة فنام عندهن يوماً فأردن امتحانه فصحن به جاءتك الخيل فانتبه مذعوراً وما زال يضرط حتى مات قال أبو عبيدة كان خالد بن عبد الله القسري من أجبن الناس وأخوفهم فخرج عليه المغيرة بن سعيد فأخبر بذلك وهو على المنبر بالكوفة فدهش من شدة الخوف واصطكت أسنانه وجفت لهاته فقال أطعموني ماء وأدركوني فقد هلكت عطشاً ونزل عن المنبر هارباً وفيه يقول يحيى بن نوفل
بلّ السراويل من خوف ومن وهل ... واستطعم الماء لماجد في الهرب
стр. 452
ودخل الحجاف بن حكيم على عبد الملك بن مروان والأخطل عنده فلما بصر به الأخطل قال يعرض به
ألا بلغ الحجاف هل هو ثائر ... بقتلي أصيبت من سليم وعامر
فقال الحجاف
بل سوف نبكيهم بكل مهند ... ونبكي عميراً بالرماح الشواجر
ثم قال يا ابن النصرانية ما ظننتك تجترئ علي بمثل هذا ولو كنت مأسوراً لك فحم الأخطل خوفاً منه وجزعاً فقال له عبد الملك أنا جارك منه فقال يا أمير المؤمنين هبك أجرتني منه في اليقظة فمن يجيرني منه في النوم أخذ هذا المعنى أشجع السلمى فقال من قصيدة يمدح بها الرشيد
وعلى عدوّك يا ابن عم محمد ... ضدّان ضوء الصبح والاظلام
فإذا تنبه رعته وإذا غفا ... سلت عليه سيوفك الأحلام
وقالوا فلان تخوفه أضغاث أحلام فكيف مسموع كلام فلان يرى صوت الرياح قعقعة الرماح فلان إذا خاف طار من خوفه كل مطار وفر فرار الليل من وضح النهار
الفصل الثالث من الباب الثاني عشر
فيمن ليم على الفرار والإحجام
فاعتذر بما ينفي عنه الملام
سمع سليمان بن عبد الملك قارئاً يقرأ قل لن ينفعكم الفراران فررتم من الموت أو القتل وإذا لا تمتعون إلا قليلاً فقال ذلك القليل نريد وقال الوليد بن عقبة لعثمان بن عفان يقول لك عبد الرحمن بن
стр. 453
عوف لم جفوتني ولم أفر يوم أحد ولم أتخلف يوم بدر يعرض به فقال أما فراري يوم أحد فلا تعيرني به فإن الله قد عفا عني فيمن عفا عنه وأما تخلفي يوم بدر فإني كنت أمرض رقية بنت رسول الله ﷺ حتى ماتت فأخبره عني بذلك ونظرت امرأة حماس ابن قيس البكري المعروف بالهارب له وقد رأته يشحذ حربته يوم فتح مكة وهو يقول
إن تقبلوا اليوم فمالي علة ... هذا السلاح كامل واله
وذو عذار لي سريع السلة
فقالت ما تصنع بهذه الحربة فقال أعددتها لمحمد وأصحابه فقالت إني أرى أنه لا يقوم لك بها شيء قال والله إني أرجو أن أخدمك بعضهم ثم خرج فلما فتح رسول الله ﷺ مكة وانهزم المشركون يوم الجندمة وفرحاس حتى دخل بيته فقال لامرأته اغلقي الباب فقالت له وأين ما كنت تقول فقال
لو أنك شهدت يوم الجندمة ... إذ فرّ صفوان وفرّ عكرمه
إذ قد لحقنا بالسيوف المسلمة ... لهم نشيش حولنا وهمهمه
يقطعن كل ساعد وجمجمه ... ضرباً فلا نسمع إلا غمغمه
لم تنطقي في اللوم أدنى كلمه
وذكر أن كسرى ابرويز لما انهزم من بهرام جور واستجار بملك الروم فعنفه على هربه وأمده بستين ألفاً منهم شجاع يعد بألف فسار بهم إلى بهرام فخرج بهرام لمحاربته فلما تلاقى الجيشان برز الشجاع لبهرام فضربه بالسيف ضربة قده بها نصفين فلفه كسرى وأنفذه إلى ملك الروم وقال إنما فزعت إليك من رجل يضرب مثلي هذه الضربة وذكر الطرطوشي في كتابه سراج الملوك أن هذه الضربة لم يسمع بمثلها في جاهلية ولا اسلام وإن هذه الرأس كانت معلقة في كنيسة من كنائس الروم وكانوا إذا عيروا بانهزامهم من تلك الوقعة يقولون لقينا رجالاً هذا ضربهم
стр. 454
وحكى إن أبا زبيد الطائي واسمه حرملة بن المنذر دخل على عثمان بن عفان فلامه على فراره من الأسد لما عرف من شجاعته فقال يا أمير المؤمنين لا تلمني لقد رأيت منه منظراً وشهدت مخبراً لا يزال ذكره يتجدد في قلبي وشخصه يتمثل في عيني خرجنا نريد الحرث بن شمر الغساني ملك الشأم فاصابنا قيظ ذبلت منه الشفاه وعصبت الأفواه فانحزنا إلى واد أشجاره مغنة وأطياره مرنة فحططنا رحالنا ثم أخذنا نصف حر يومنا ونذكر مطاولته ومماطلته فبينما نحن كذلك إذ صوب أقصى الخيل أذنيه وفحص الأرض بيديه ثم ما لبث أن جال محمحماً ومال مهمهماً فتضعضعت الخيل وتكعكعت الإبل وتقهقرت البغال فمن نافر بشكاله وناهض بعقاله فحدقنا أبصارنا وإذا سبع قد أقبل يتطاول في مشيئته كإنه محبوب وينظر بعينين كأنهما جمر مشبوب له خطيط ولصدره نحيط ولبلاعيمه غطيط ولطرفه وميض ولارساغه نقيض كأنه يخط هشيماً ويطأ صريماً ذو هامة كالمجن وخد كالمسن وساعد مجدول وعضد مفتول وكف شثنة البراثن ومخالب كالمحاجن فضرب بذنبه الأرض فأرهج وكشر فأفرج عن أنياب كالمعاول مصقولة غير مفلولة في فم أشدق كالغار الأخرق ثم تمطى فأشرع بيديه وحفز وركيه برجليه فصار ظله مثليه ثم أقعى فاقشعر ثم مثل فاكفهر وزأر فجرجر ثم لحظ فرؤى السماء عرشه فخلت البرق يتطاير من تحت جفونه عن شماله وجمحت العيون وانحزت المتون ولحقت الظهور بالبطون وساءت الظنون ثم أنشد
عبوس شموس مصلخد خنابس ... جرئ على الأرواح للقرن قاهر
منيع ويحمي كل واد يرومه ... شديد أصول الماضغين مكابر
براثنه شثن وعيناه في الدجى ... كجمر الغضا في وجهه الشرّ طائر
يذل بأنياب حداد كأنها ... إذا قلص الأشداق منها خناجر
فقال له عثمان اكفف لا أم لك لقد أرعبت قلوب المسلمين ولقد وصفته حتى كأني أنظر إليه يريد مواثبتي وكان أبو زبيد هذا نصرانياً ومات ولم يسلم وقد ذكر علما الرواة لأخبار العرب وأشعارها هذه الحكاية بأطول مما أثبتناه لكنا استغنينا باليسير منها عن الكثير لدلالته على الغرض المقصود في ذكره للأسد
стр. 455
بالوصف الشنيع والمرأى الفظيع ليبلغ في الاعتذار عن هربه مقتضى أربه فلما لم يكن بنا لذكرها على التمام حاجة اقتصرنا على الخلاصة منها لا المجاجة من أحسن من الجبناء في اعتذاره لما قرع على انهزامه وفراره الحرث ابن هشام وكان قد شهد بدراً مشركاً فانهزم فصنع حسان قصيدة استطرد به فيها يقول منها
إن كنت كاذبة الذي حدّثتني ... فنجوت منجى الحرث بن هشام
ترك الأحبة إن تقاتل دونهم ... ونجا برأس طمرّة ولجام
فأجابه الحرث
الله يعلم ما تركت قتالهم ... حتى رموا فرسي بأشقر مزبد
وعلمت إني إن أقاتل واحداً ... أقتل ولا يضرر عدوي مشهدي
وشممت ريح الموت من تلقائهم ... في مازق والخيل لم تتبدّد
فصدفت عنهم والأحبة دونهم ... طمعاً لهم بعقاب يوم مفسد
وأنشد هذا الاعتذار لبعض ملوك العجم فقال يا معشر العرب لقد بلغتم بلطافة ألسنتكم وحسن احتجاجكم وجميل أوصافكم مبلغاً لم يبلغه أحد غيركم حتى اعتذرتم عن الفرار بعذر يسع بعدكم الاعتذار به لكل منهزم وتوفي الحرث هذا سنة ثمان عشرة بالطاعون وهو طاعون عمواس قرية بالشأم وفيها توفي أبو عبيدة بن الجراح ومعاذ بن جبل رضي الله تعالى عنهم ويقال إن عبد الله بن عنقاء الجهمي لقيه بنو عبس يسوق بأمرأته أم الحصين ففر عنهم فعيرته امرأته فقال
أجاعلة أم الحصين خزاية ... عليّ فراري أن لقيت بني عبس
لقيت أبا شاس وشاساً ومالكاً ... وقيساً فجاشت من لقائهم نفسي
جذيمة دعواهم وعود بن غالب ... أولئك جاشت من لقائهم نفسي
كأن جلود النمر صبت عليهم ... إذا جعجعوا بين الاباحة والحبس
стр. 456
أتونا فضموا جانبينا بصادق ... من الطعن فعل النار بالحطب اليبس
نحوت سليمى لم تمزق عمامتي ... ولكنهم بالطعن قد مزقوا ترسي
وليس الفرار اليوم عاراً على الفتى ... إذا عرفت منه الشجاعة بالأمس
وقيل لبعضهم لم انهزمت فقال إنما لي نفس واحدة وأنا حقيق بالنظر إليها لئلا يذهب رأس المال وليم آخر على فراره فقال الحرب سجال وعثراتها لا تقال وانهزم بعضهم فأخذ أميره يوبخه ويعنفه على فراره وقال أعطبت بيدك ولا طعنت ولا ضربت فقال لان يشتمني الأمير أصلحه الله وأنا حي خير من أن يترحم علي وأنا ميت وقيل لآخر ولي في حرب ويلك لا تهرب يغضب الأمير عليك فقال غضب الأمير علي وأنا حي أحب إلي من رضاه عني وأنا ميت ومن أغاليط أعاذيرهم المسكتة وأكاذيب أساطيرهم المبكتة ما ذكره صاحب كليلة ودمنه من أن الحازم يكره القتال ما وجد بدلاً منه لأن النفقة فيه من النفوس والنفقة في غيره من المال التقى عسكر دبيس بن صدقة وعسكر الراشد فولي دبيس منهزماً فعبر الفرات يريد النجاة فقصد بعض أحياء العرب فقالت له عجوز من عجائزهم دبيراً جئت فقال دبير من لم يجئ وقالوا من جبن سلم ومن تهور ندم وقال عبد الله بن المقفع الشجاعة متلفة وذلك أن المقتول مقبلاً أكثر من المقتول مدبراً فمن أراد السلامة فليؤثر الجبن على الشجاعة وقيل لجبان لم لا تقاتل فقال عند النطاح يغلب الكبش الأجم وقالوا الحياة أفضل من الموت إذا كانت النجاة إلى حياة صالحة على أن موتاً في عز خير من حياة في ذل وقالوا الفرار في وقته ظفر وقالوا الشجاع ملقى والجبان موقى وقالوا السلم أزكى للمال وأبقى لأنفس الرجال وقال شاعرهم وهو البديع الهمداني
ما ذاق هما كالشجاع ولا خلا ... بمسرة كالعاجز المتواني
وقالوا الهرب في وقته خير من الجلد والثبات في غير وقته وقال المتوكل لأبي العيناء إني لافرق من لسانك فقال يا أمير المؤمنين الكريم ذو فرق واحجام واللئيم ذو وقاحة واقدام
стр. 457
الباب الثالث عشر
في العفو
وفيه ثلاثة فصول
الفصل الأول من هذا الباب
في مدح من اتصف بالعفو
عن الذنب المتعمد والسهو
قال الله تعالى وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم وقال تعالى فمن عفى وأصلح فأجره على الله وقال تعالى وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوبا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً وقال رسول الله ﷺ من أقال مسلماً عثرته أقاله الله عثراته يوم القيامة وقال ﵊ إن العفو لا يزيد العبد إلا عزاً فاعفوا يعزكم الله ويروى عنه ﵊ أنه قال ما من امام عفا بعد قدرة إلا قيل له يوم القيامة ادخل الجنة بغير حساب وقال معاذ بن جبل لما بعثني رسول الله ﷺ قال لي ما زال جبريل يوصيني بالعفو فلولا علمي بالله لظننت أنه يوصيني بترك الحدود وقيل لأبي الدرداء من أعز الناس قال الذي يعفو إذا قدر وينصر إذا استنصر وقال رسول الله ﷺ من عفا عمن ظلمه صغيرة أو كبيرة فاجره على الله ومن كان أجره على الله فهو من المقربين يوم القيامة
стр. 458
وحده على ما قاله بعض العلماء وقد سئل عنه هو ترك المكافأة عند القدرة قولاً وفعلاً وقال آخر هو السكون عند الأحوال المحركة للانتقام وهو يجمع أشرف الخلال وأكرم الخصال وأفضل شمائل الجلال وأعلى مراتب الكمال وركن متين وحصن حصين من استند إليه واعتمد عيه استنارت له الظلم وأمن من عثرات القدم وعصم من مواقع الندم ويكفي في شرفه إن الانسان لا يسمى حليماً حتى يكون عاقلاً عالماً محسناً صبوراً وحتى يجمع عظم القدر إلى سعة الصدر وقالوا الحليم من لم يكن حلمه لفقد النصرة وعدم القدرة وهو غريزة في الانسان يمنحها واهب الاحسان تصدر عن صدر سالم من الغوائل والأدواء صاف من شوائب الكدر ولاقذاء لا تستطاع بتعلم وتفكر ولا تدرك بتفقه وتبصر كما قال أبو الطيب المتنبي
وإذا الحلم لم يكن في طباع ... لم يحلم تقدّم الميلاد
فقد يكون طبيعة ويكون مكتسباً مستفاداً بتمرن النفس إليه وتنقاد حباً في المحمدة إليه ويعضد هذا ما روى أن رسول الله ﷺ قال لاشح عبد القيس يا أبا المنذر إن فيك خصلتين يرضاهما الله ورسوله الحلم والأناة فقال يا رسول الله أشيء جبلني الله عليه أو شيء اخترعته من قبل نفسي قال بل شيء جبلك الله عليه فقال الحمد لله الذي جبلني على خلق يرضاه الله ورسوله وقال المخالفون لهذا المذهب الحلم بالتحلم كما أن العلم بالتعلم واستدلوا لهذا القول بما يروى أن جعفر بن محمد الصادق كان إذا أذنب له عبد أعتقه فقيل له في ذلك فقال إني أريد بفعلي هذا تعلم الحلم وقيل كان له عبد سيء الخلق فقيل له ما بقاء مثل هذا عندك وأنت قادر على أن تستبدل به غيره قال لأتعلم به الحلم ومن ذلك قول الأحنف من لم يصبر على كلمة سمع كلمات وأنشد
وليس يتم الحلم للمرء راضياً ... إذا هو عند السخط لم يتحلم
كما لا يتم الحلم للمرء موسراً ... إذا هو عند العسر لم يتحشم
стр. 459
ومن أحاسن الكلام الصادر عن الحكماء في شرف الحلم ومن تخلق به من الحلماء قالوا الحلم والأناة توأمان نتيجتهما علو الهمة وهذا كما ورد عن علي ﵁ أنه سأل رجلاً من أهل فارس عمن كان أحمد ملوكهم سيرة قال أنوشروان فقال علي أي أخلاقه كان أغلب عليه قال الحلم والأناة فقال على هما قوام الملك نتيجتهما علو الهمة والأناة ترك العجلة بالانتقام عند القدرة قال إبراهيم بن العباس الصولي
لن يدرك المجد أقواماً وإن كرموا ... حتى يذلوا وإن عزو الأقوام
ويشتموا فترى الألوان مسفرة ... لا صفح ذل ولكن صفح اكرام
وقال قابوس بن وشمكير العفو عن الذنب من واجبات الكرم وقبول المعذرة من محاسن الشيم ومن كلام التبوة كاد الحليم أن يكون نبياً ورأى حكيم نزقة من ملك فقال أيها الملك ليس التاج الذي يفتخر به عظماء الملوك فضة ولا ذهباً ولكنه الوقار المكلل بجواهر الحلم وأحق الملوك بالبسطة من حلم عند ظهور السقطة وقال معاوية لابنه يزيد عليك بالحلم والاحتمال حتى تمكنك الفرصة فإذا أمكنتك فعليك بالصفح فإنه يدفع عنك مضلات الأمور ويوقيك مصارع المحذور وقال الشاعر
لا تحسبن الحلم منك مذلة ... إنّ الحليم هو الأعز الأمنع
إن جرعوك الغيظ فأجرعه لهم ... تؤجر وتحمد غب ما يتجرع
آخر
إنّ التحلم ذل أنت عارفه ... والحلم عن قدرة أفضل من الكرم
وقال معاوية أفضل ما أعطى الرجل الحلم فإنه إذا ذكر ذكر وإذا قدر غفر وإذا أساء استغفر وقالوا العفو يزين حالات من قدر كما يزين الحلي قبيحات الصور وقالوا الحلم مطية وطية تبلغ راكبها قصبة المجد وتملكه ناصية
стр. 460
الجد وقال بعض البلغاء من غرس الحلم شجراً وسقاه الأناة درراً جنى العز منه ثمراً وأثبت المكارم أثراً شاعر
إذا شئت يوماً أن تسود عشيرة ... فبالحلم سدلاً بالتسرع والشتم
فللعلم خير فاعلمن مظنة ... من الجهل إلا أن تشينه بالظلم
آخر
اخفض جناحك للقرابة والقهم ... بتودد واغضض لهم ان أذنبوا
وصل الكرام فإن ظفرت بزلة ... فالصفح عنهم والتجاوز قرب
آخر
إلا إنّ حلم المرء أكرم نسبة ... تسامى بها عند الفخار كريم
فيا رب هب لي منك حلماً فإنني ... أرى الحلم لم يندم عليه حليم
وقالوا الحلم حجاب الآفات وقالوا من غرس شجر الحلم اجتنى ثمر السلم وقال عمر بن عبد العزيز ما قرن الله شيأً إلى شيء أفضل من علم إلى حلم ومن عفو إلى قدرة وقال حكيم خير الأمور بغية العفو وخير العفو ما كان عن قدرة وقال الشاعر
العفو يعقب راحة ومحبة ... والصفح عن ذنب المسئ جميل
وقال عمر أيضاً استدعوا العفو من الله بالعفو عن الناس والرحمة بهم والشفقة عليهم وقالوا اعف عمن لم يسلك من سخطك طريقاً حتى يأخذ من رجائك طريقاً ويروى عن عيسى ﵇ أنه قال ليس الاحسان أن تحسن إلى من أحسن إليك إنما تلك مكافأة وإنما الاحسان أن تحسن إلى من أساء إليك وقال سعيد بن العاص ما شاتمت أحداً مذ صرت رجلاً لأني ما أشاتم إلا أحد رجلين إما كريماً فأنا أحق أن أحتمله أو لئيماً فأنا أولى من رفع نفسه عنه وقال عمر بن الخطاب ادرؤا الحدود بالشبهات ولان يخطئ الامام في
следующие страницы →