Полный текст (601 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
وقالوا اصطف من الاخوان من كان ذا عقل موفور يهتدي به إلى مراشد الأمور فإن الأحمق لا يثبت له وصال ولا يدوم لصاحبه على حال وقالوا اصطف من الاخوان ذا الدين والحسب والرأي والأدب فإنه ردء لك عند حاجتك وركن عند نائبتك وأنس عند وحشتك وزين عند عاقبتك وقال حسان بن ثابت ﵁
أخلاء الرجال همو كثير ... ولكن في البلاء همو قليل
فلا يغررك خلة من تصافي ... فمالك عند نائبة خليل
وكم خل يقول أنا وفيّ ... ولكن ليس يفعل ما يقول
سوى خل له حسب ودين ... فذاك لما يقول هو الفعول
وقد صرح الشاعر في اعتبار الأخلاق واختيار الأعراق بقوله
وإذا جهلت من امرئ أعراقه ... وذكرتها فانظر إلى ما يصنع
إنّ النبات إذا استدام به الثرى ... مرج النبات به فطاب المرتع
آخر
صافي الكريم فخير من صافيته ... من كان ذا شرف وكان عفيفا
إنّ الكريم إذا تضعضع حاله ... فالخلق منه لا يزال شريفا
وقال علي ﵁ الأخ رقعة في ثوبك فانظر بم ترقعه وقال العتابي لا تستكثرن من الاخوان إلا أن كانوا أخياراً فإن الاخوان غير الأخيار بمنزلة النار قليلها متاع وكثيرها بوار وقد قال الشاعر
لا تركننّ إلى أهل الزمان ولا ... تأمن إلى أحد واستشعر الحذرا
فإن شككت فجرّب من تعاشره ... حتى يقول لك التجريب كيف ترى
آخر
تخير من الاخوان كل ابن حرّة ... يسرّك عند النائبات بلاؤه
وقارن إذا قارنت حرّاً فإنما ... يزين ويزري بالفتى قرناؤه
стр. 527
عدي بن زيد
إذا كنت في قوم فصاحب خيارهم ... ولا تصحب إلا ردى فتردى مع الردى
عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه ... فكل قرين بالمقارن يقتدى
آخر
لا تك للجاهل خدناً فقد ... يعتبر الصاحب بالصاحب
علامة الانسان في خدنه ... تبين للشاهد والغائب
ولبعضهم
إذا اخترت أن يبقى لك الدهر صاحباً ... فمن قبل أن يصفو لك الودّ فاغضبه
فإن كان في حال التباغض راضياً ... وإلا فقد جربته فتجنبه
قال ابن مسعود ما شيء أدل على شيء ولا الدخان على النار من الصاحب على الصاحب وقال حكيم كل انسان يأنس إلى شكله كما أن كل طير يطير مع جنسه ومن النوادر أن حكيماً رأى غراباً مع حمامة فعجب من تألفهما مع مباينتهما في الجنس فأثارهما فإذا كل منهما مكسورا الجناح فقال إنما جمع بينهما العلة وقالت الحكماء الأضداد لا تتفق والأشكال لا تفترق وقالوا على قدر تشاكل الأجناس تتألف قلوب الناس وأقربهما مشاكلة أحسنهما مواصلة وأكثرها تنافراً أطولها تهاجراً وحكى أن عبد الله بن جعفر جاء مكة ليلاً فبات خارجها فلما أصبح دخلها فقال يا أهل مكة عرفنا أخياركم من أشراركم في ليلة واحدة نزلنا ومعنا أخيار وأشرار فنزل أخيارنا على أخياركم وأشرارنا على أشراركم وقد نظم المتنبي هذا القول في بيت واحد فقال
وشبه الشيء منجذب إليه ... واشبهنا بدنيانا الطغام
стр. 528
ولغيره
لكل امرئ شكل من الناس مثله ... وأكثرهم شكلاً أقلهم عقلا
وكل أناس يألفون لشكلهم ... وأكثرهم عقلاً أقلهمو شكلا
لأنّ كثير العقل ليس بواحد ... له في فريق كل حين له مثلا
آخر
وقائل كيف تهاجرتما ... فقلت قولاً فيه انصاف
لم يك من شكلي ففارقته ... والناس أشكال وألاف
وقال الجاحظ من شأن الأجناس أن تتواصل ومن عادة الأشكال أن تتقاوم والشيء يتغلغل إلى معدنه ويحن إلى عنصره فإذا صادف منبته ولاقى عنصره وشج بعروقه وسبق بفروعه وتمكن على الاقامة وثبت ثبات الطينة وقال حاتم
وإني وحيد الفقر مشترك الغنى ... وتارك شكل لا يوافقه شكلي
وشكلي شكل لا يقوم بمثله ... من الناس إلا كل ذي ثقة مثلي
ولي ملح في المجد والبذل لم يكن ... تأنقها فيما مضى أحد قبلي
وأجعل مالي دون عرضي جنة ... لنفسي وأستغني بما كان من فضلي
أبو سليمان الخطابي
وما غربة الانسان في شقة النوى ... ولكنها والله في عدم الشكل
وإني غريب بين بست وأهلها ... وإن كان فيها أسرتي وبها أهلي
стр. 529
ويقال المودة نسبة من غير رحم وصلة من غير قرابة شاعر
ولقد صحبت الناس ثم سبرتهم ... وبلوت ما وصلوا من الأسباب
فإذا القرابة لا تقرب نائياً ... وإذا المودّة أقرب الأنساب
آخر
ما القرب إلا لمن صحت مودته ... ولم يخنك وليس القرب بالنسب
كم من قريب بعيد الودّ مظعن ... ومن بعيد سليم الودّ مقترب
فنون شروط الأخاء وحقوقه ... الواجبة على كل أحد لصديقه
والقول الجامع لحقوق الصديق ما روى عن رسول الله ﷺ أنه قال للمسلم على المسلم ست خصال واجبات فمن ترك واحدة منها فقد ترك حقاً واجباً لأخيه عليه أن يسلم عليه إذا لقيه ويشمته إذا عطس ويعوده إذا مرض ويجيبه إذا دعاه وينصحه إذا غاب ويشيعه إذا مات وقال عمر بن الخطاب ثلاث يصفو بها ود أخيك تسلم عليه إذا لقيته وتوسع له في المجلس وتدعوه بأحب أسمائه إليه نظم بعض الشعراء هذه الكلمات
ثلاث بها تصفو بودّ أخيكا ... إذا اجتمعت بعد الاخوة فيكا
تسلم عليه ضاحكاً متحبباً ... إليه إذا لاقيته ولقيكا
وتوسع له بالود في كل مجلس ... كما كنت يوماً موسعاً لأبيكا
وتدعوه من أسمائه بأحبها ... إليه تكن بالود منه وشيكا
وداوم عليها مع أخيك فإنه ... من السوء عند النائبات يقيكا
وسئل عبد الله بن عمر ما حق الصديق على صديقه قال لا تشبع ويجوع وتلبس ويعرى وإن تواسيه بالبيضاء والصفراء نظم شاعر هذه الكلمات
стр. 530
فقال
لخليلي عليّ مني ثلاث ... واجبات أخصها اخواني
حفظه في المغيب إن غاب عني ... ولقياه بالبشر إن لاقاني
ثم بذلي بما حوته يميني ... مشفقاً في الخطوب إن ما دعاني
فمما يعتمد من شرائط الأخاء والمودة ... رعاية الأخ أخاه في الرخاء والشدّة
قال علي ﵁ لا يكون الصديق صديقاً حتى يحفظ أخاه في ثلاث في نكبته وغيبته ووفاته وقال طاوس اليماني لا تواخين إلا الكريم الأبوه الكامل المروه الذي إن بعدت عنه خلفك وإن قربت إليه كنفك وقال الثعالبي ينبغي أن يكون الصديق لصديقه أسمع من خادم وأطوع من حاتم وقيل لابن السماك واسمه محمد بن صبيح أي الاخوان أخلق ببقاء المودة قال الوافر دينه الوافي عقله الذي لا يملك على القرب ولا ينساك عند البعد إن دنوت منه دعاك وإن بعدت عنه رعاك لا يقبضه عنك يسر ولا يقطعه عنك عسر إن استعنته عضدك وإن احتجت له رفدك وتكون مودة فعله أكثر من مودة قوله يستقل كثير المعروف من نفسه ويستكثر قليل المودة من صديقه وقال جعفر الصادق ﵁ للصداقة خمس شروط فمن كانت فيه فأنسبوه إليها ومن لم تكن فيه فلا تنسبوه إلى شيء منها وهي أن يكون زين صديقه زينه وسريرته له كعلانيته وأن لا يغيره عليه مال وأن يراه أهلاً لجميع مودته ولا يسلمه عند النكبات وقال أبو بكر بن عبد الله المزني إذا انقطع شسع نعل أخيك ولم تواسه في الحفاء فقد ملت إلى جانب من الجفاء ومن حق الصداقة حفظ العهد وبذل المال واخلاص المودة ورعاية الغيب وتوقير المشهد ورفض الوحدة وكظم الغيظ واستعمال الحلم ومجانبة الخلاف واحتمال الكل وطلاقة الوجه وصدق اللسان والمشاركة في الباساء
ولقد كرم نجار ... من قال في معرض الافتخار
لم يبق مني على الأيام باقية ... إلا انقضت غير حفظ العهد والذمم
هذان خلقان أيام الحياة معي ... لا يبرحان على الاكثار والعدم
стр. 531
أبو العتاهية
أحب من الاخوان كل مواتي ... وكل غضيض الطرف من عثراتي
يوافقني في كل أمر أريده ... ويحفظني حياً وبعد مماتي
ومن لي بهذا ليت إني وجدته ... فقاسمته مالي من الحسنات
وقالوا خير الاخوان من يستر ذنبك فلم يقرعك به ويخفي معروفه عندك فلم يمن به عليك وقال أعرابي أصحب من ينسى معروفه عندك ويذكر حقوقك عليه وقال آخر أصحب من إذا صحبته زانك وإن خدمته صانك وإن أصابتك خصاصة مانك وإن رأى منك حسنة عدها وإن عثر على سيئة سدها لا تخاف بوائقه ولا تختلف عليك طرائقه أبو نصر الميكالي
أخوك من إن كنت في ... نعمي وبؤسي عادلك
وإن بدا لك نقمة ... بالبرّ منه عادلك
آخر
خير اخوانك المشارك في ... المرّو أين الشريك في المراينا
الذي إن حضرت زانك في ... الحيّ وإن غبت كان أذناً وعينا
آخر
لعمرك ما زان الفتى في أموره ... ولا شأنه إلا طباع الخلائق
ولا صاحب الأقوام في كل حالة ... كحرّ كريم أو خليل موافق
يواسيك في البلوى ويمنحك الهوى ... ويصفيك ودّاً ماخضاً غير ماذق
يكون إذا نابتك يوماً عظيمة ... سناناً لدى الهيجاء في كل مارق
آخر
إن أخا الصدق من كان معك ... ومن يضر نفسه لينفعك
ومن إذا ريب الزمان صدعك ... شتت فيك شمله ليجمعك
стр. 532
وقيل لخالد بن صفوان أي اخوانك أوجب عليك حقاً قال الذي يسد خللي ويغفر زللي ويقبل عللي ويبسط عنده أملي وقال الثعالبي صديقك من يرضى خلتك ويسد خلتك وقال الحجاج لابن الفرية ما الكرم قال صدق الأخاء في الشدة والرخاء ويقال صديقك من ساعفك في أطوارك وقدم سعيه في قضاء أوطارك أبو تمام حبيب
من لي بانسان إذا أغضبته ... وجهلت كان الجهل ردّ جوابه
وإذا صبوت إلى المدام شربت من ... أخلاقه وسكرت من آدابه
وتراه يصغي للحديث بطرفه ... وبقلبه ولعله أدرى به
وقال الخليل بن أحمد يجب على الصديق مع صديقه استعمال أربع خصال الصفح قبل الاستقالة وتقديم حسن الظن قبل التهمة والبذل قبل المسئلة ومخرج العذر قبل العتب وقال رجل لمطيع بن اياس جئتك خاطباً لمودتك قال قد زوجتكها على شرط أن تجعل صداقها أن لا تسمع في مقالة الناس وقالوا الستر لما عاينت أحسن من إذاعة ما ظننت شاعر
إذا شئت أن تدعي كريماً مهذباً ... حليماً ظريفاً ماجداً فطناً حرا
فإن ما بدت من صاحب لك زلة ... فكن أنت محتالاً لزلته عذرا
وقيل لبعض الأدباء من الرفيق قال من أحسن شغله وأوكد فرضه ونفله فقيل له من الشفيق قال من ان دهمتك محنة قذيت عينه لك وإن شملتك منحة قرت عينه بك فقيل له فمن الوفى قال من يحكي بالقصد كما لك ويرعى بلحظه جمالك قيل له فمن الصاحب قال الذي من إذا نأى ذكرك عند الناس وإن دنا خدمك في الكناس وقال بعض البلغاء إذا جاد لك أخوك بماله فقد جاد لك بنفسه لأنه قد بذل لك مالا قوام نفسه الا به وإذا بخل عليك برفده فلا تصدقه في وده ولله در القائل
إذا صاح بي صاحبي يا أخي ... وقد عظه الدهر لبيته
أعلل بالوصل عرس الاخاء ... ليزكو ما كنت ربيته
له الصفو مما حوته يدي ... وبيتي إذا زارني بيته
стр. 533
آخر
أميل مع الصديق على ابن أمي ... وآخذ للصديق من الشقيق
فإن أبصرتني حراً مطاعاً ... فإنك واجدي عند الصديق
وقالوا لتكن معاونتك أخاك بمهجتك عند البلاء أكثر من معاونتك إياه عند الرخاء وقالوا اجعل حسنات أخيك له محسوبة وسيآته إلى الزمان منسوبة وقالوا من علامة الصديق أن يكون لصديق صديقه صديقاً ولعدو صديقه عدواً وقالوا ليس من الحب أن تحب ما يبغض حبيبك السري الرفاء
وليس يكون المرء سلم صديقه ... إذا لم يكن حرب العدوّ المخالف
آخر
صديق عدوّي داخل في عداوتي ... وإني لمن ود الصديق ودود
آخر
تود عدوّي ثم تزعم أنني ... صديقك إنّ الرأي منك لعازب
آخر من أبيات
إذا صافي صديقك من تعادي ... فقد عاداك وانقطع الكلام
وقالوا يجب على الصديق أن يحتمل لصديقه ثلاث مظالم ظلم الغضب وظلم الدالة وظلم الهفوة وقالوا إذا صح الود سقطت شروط الأدب ويقال
стр. 534
إذا صح الاعتقاد ذهب الانتقاد وقال المأمون أحب الاخوان إلي من يكفيني مؤنة التحفظ
ومما يجب عليه من حسن الصنيع ... رفض العتاب واجتناب التفريع
قال عيسى ﵇ الصبر على أخ بعيب فيه خير من أخ تستأنف مودّته وقيل من عاتب في كل ذنب أخاه فحقيق أن يمله ويقلاه وقالوا قديم الحرمة وحديث التوبة يمحوان ما بينهما من الاساءة شاعر
زين أخاك بحسن وصفك فضله ... وأثبت لما يأتي من الحسنات
وتجاف من عثراته واساته ... من ذا الذي ينجو من العثرات
وقالوا العفو الذي يقوم مقام العتق ما سلم من تعداد السقطات وخلص من تذكار الفرطات وقالوا ليس من العدل سرعة العذل ويقال العتاب داعية الاجتناب وقالوا عتاب الأحباب داعية الهجر والسباب وقالوا العتاب آكد دواعي القطيعة بين الأحباب شاعر
لولا كراهية السباب وإنني ... أخشى القطيعة إن ذكرت عتابا
لذكرت من عثراتكم وذنوبكم ... ما لو يمرّ على الفطيم لشابا
آخر
تحمل من صديقك كل ذنب ... وعد خطاه من نمط الصواب
ولا تعتب على ذنب حبيباً ... فكم هجر تولد من عتاب
أحمد بن يوسف
وكم قد قلتمو قولاً لدينا ... له لولا مهابتكم جواب
تركت عتابكم وعفوت إني ... رأيت الهجر مبدؤه العتاب
стр. 535
آخر
إذا اعتذر الصديق إليك يوماً ... من التقصير عذر أخ مقرّ
فصنه عن عتابك واعف عنه ... فإن العفو شيمة كل حر
آخر
لا تجفونّ أخاً وإن أبصرته ... لك جافياً ولما تحب منافيا
فالغصن يذبل ثم يصبح ناضراً ... والماء يكدر ثم يرجع صافيا
آخر
أخلص الود لمن آخيته ... واغفر العثرة منه إن عثر
وإذا زلت به النعل فلا ... تلبسن من أجله جلد النمر
عد بحلم منك يطفي جهله ... إنما الجهل كنار تستعر
آخر
إذا أنت عاتبت الملوك فإنما ... تخط على جار من الماء أحرفا
وهبه ارعوى بعد العتاب ولم تكن ... مودّته طبعاً فصارت تكلفا
آخر
وكم من قائل قد قال دعه ... فلم يك ودّه لك بالسليم
فقلت إذا جزيت الغدر غدراً ... فما فضل الكريم على اللئيم
وأين الألف يعطفني عليه ... وأين رعاية الحق القديم
ويقال إذا انبسطت المكاتبة انقبضت المصاحبة وقال أبو بكر الخوارزمي لا خير في حب لا تحتمل أقذاؤه ولا يشرب على الكدر ماؤه وإنما العشرة مجاملة والمجاملة لا تسع الاستقصاء والكشف لا يحتمل الحساب والصرف
стр. 536
محمود الوراق
إن التجني قاطع الرفد ... والغيظ يخرج كامن الحقد
فاقبل أخاك على تغيره ... وارع الذي قد كان من عهد
آخر
ومن لم يغمض عينه عن صديقه ... وعن بعض ما فيه يمت وهو عاتب
ومن يتبع جاهداً كل عثرة ... يجدها ولا يسلم له الدهر صاحب
بشار بن برد
إذا كنت في كل الأمور معاتباً ... خليلك لم تلق الذي لا تعاتبه
وإن أنت لم تشرب مراراً على القذى ... ظمئت وأيّ الناس تصفو مشاربه
فصن واحداً أو صن أخاك فإنه ... مقارف ذنب مرّة ومجانبه
ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها ... كفى المرء نبلاً إن تعدّ معايبه
آخر
أرض من المرء في مودّته ... بما يودي إليك ظاهره
من يكشف الناس لم يجد أحداً ... تصح منهم له سرائره
يوشك أنّ لا يتم وصل أخ ... في كل زلاته تنافره
ابن الرومي
هم الناس في الدنيا فلا بدّ من قذى ... يلمّ بعين أو يكدر مشربا
ومن قلة الانصاف أنك تبتغي ال ... مهذب في الدنيا ولست المهذبا
стр. 537
العباس بن الأحنف
إنّ بعض العتاب يدعو إلى الهج ... ر ويؤذي به المحب الحبيبا
وإذا ما القلوب لم تضمر الود ... فلن يعطف العتاب القلوبا
وقالوا الاستقصاء أول الزهد وآخر الود ومن أمثالهم رب خطرة صغيرة عادت همة كبيرة وقال الشاعر
هذي مخايل برق خلفها مطر ... جود وورى زناد خلفه لهب
وأزرق الصبح يبدو قبل أبيضه ... وأوّل الغيث قطر ثم ينسكب
نصر بن سيار
أرى خلل الرماد وميض جمر ... ويوشك أن يكون لها ضرام
فإنّ النار بالعودين تذكو ... وإن الحرب أوّلها كلام
فإن لم يطفها عقلاء قوم ... يكون وقودها جثث وهام
عبد الله بن طاهر
إذا ما صديقي ضرّني سوء فعله ... ولم يك عما ساءني بمفيق
صبرت على أشياء منه تريبني ... مخافة أن أبقى بغير صديق
ومنه قول الآخر
وكنت إذا الصديق أراد غيظي ... وأشرفني على حنق بريقي
غفرت ذنوبه وعفوت عنه ... مخافة أن أعيش بلا صديق
стр. 538
ومنهم من استحسن عتاب الأصحاب ... فربما كان حضا على اكتساب المحابّ
قالوا معاتبة الأخ الصديق خير من فقده فلعلها تكون سبباً إلى صلاحه ورشده وقالوا ترك المعاتبة من علامات الاهمال والتواطئ على منهيات الأعمال وقالوا شر الأصحاب من لم ينجع فيه العتاب وقال علي ﵁ عاتب أخاك بالاحسان إليه واردد شره بالافضال عليه وقال علي بن عبيدة الزنجاني العتاب حدائق الأحباب وثمار الود ودليل الظفر وحركات الشوق وراحة الواجد ولسان المشفق وقالوا العتاب يداوي القلوب ويترجم عن خفيات العيوب وما أحسن قول من قال
تواقف عاشقان على ارتعاب ... أرادا الوصل من بعد اجتناب
فلا هذا يملّ عتاب هذا ... ولا هذا يملّ من الجواب
فلا عيش كوصل بعد هجر ... ولا شيء ألذ من العتاب
آخر
أعاتب من أهواه في كل حالة ... ليجتنب الأمر الذي معه الذنب
فإني أرى التأنيب عند حدوثه ... بمنزلة الغيث الذي قبله الجدب
ومن مستحسنات المعاتبات قول القائل
لا غرو إن كان من دوني يسركم ... وأُنثنى عنكمو بالويل والحرب
يدنو الاراك فيمسي وهو ملتثم ... ثغر الفتاة ويلقى العود في اللهب
ولبعضهم
سأنسيك نفسي إن نسيت مودّتي ... كأنك لم تخطر ببالي ولا وهمي
وأكفيك إذ لم تبغ حمد مذمتي ... فتبرأ من حمدي وتبرأ من ذمي
وأنساك نسيان القرون التي مضت ... عليها الليالي من جديس ومن طسم
فإن قيل لي أين الذي كان بينكم ... رددت عليه أنه كان في الحلم
стр. 539
جرير
فإن تك قد مللت الآن مني ... فسوف ترى مجانبتي وبعدي
وسوف تلوم نفسك إن بقينا ... وتبلو الناس والاخوان بعدي
فلا والله لا أنساك حتى ... أوسد مضجعي وأزور لحدي
ابن الرومي
تخذتكمو حصناً منيعاً لتدافعوا ... نبال العدا عني فكنتم نصالها
إذا كنتم لا تدفعون ملمة ... عن النفس كونوا لا عليها ولا لها
إبراهيم بن العباس رحمه الله تعالى
وكنت أخي يا أخيّ الزمان ... فلما نبا صرت حرباً عوانا
وكنت أعدك للنائبات ... فها أنا أطلب منك الأمانا
وكنت أذم إليك الزمان ... فها أنا أطلب فيك الزمانا
وقال بعض الأمويين يعاتب عيسى بن موسى
إن تكلمت لم يكن لكلامي ... موقع والسكوت ليس بمجدي
وأراني إذا تأملت أمري ... ناقص الحظ في دنوّي وبعدي
فابن لي أكل هذا التواني ... في جميع الاخوان أم لي وحدي
أم ترى ما اصطنعته عند غيري ... واجباً أن أعدّه لك عندي
قد لعمري أيست منك حياتي ... ومحال أني أرجيك بعدي
وينبغي للفطن اللبيب أن لا يوغل في عتاب الحبيب فإنهم قالوا في كلام بعض الحكماء بعض المعاتبة حزم وكلها عزم كالخشبة المنصوبة في الشمس تمال فيزيد ظلها وتفرط في الامالة فتنقصه وقالوا الجواد إذا ضرب في غير وقته كبا والحسام إذا استكره نبا ولهذا قال بعض الأعراب أقل الناس عقلاً من أفرط في
стр. 540
اكتساب الاخوان وأقل عقلاً منه من ضيع من ظفر به منهم ويقال قارب الاخوان فإن المقاربة أقرب الأنساب ولا تتقص عليهم فإن التقصي أقطع الأشياء للأسباب ويقال بدقيق العتب على الأحباب تنفر وحشيات الخواطر والألباب وليعمل الصاحب في مصاحبة أخيه يقول القائل
صاف الصديق وأصفه صفو الصفا ... واخصص صديقك بالصداقة تخصص
أو بقول الآخر وهو أليق بمن حسنت أخلاقه وكرمت أعراقه
خذ من صديقك مرأى غير مستمع ... لا تعدونّ عيان المرء للخبر
إن كنت لا تصطفى ممن ترى أحداً ... فاخلق لنفسك اخواناً على قدر
وقالوا كثرة العتاب تحيي مودات الضغائن وتثير كوامن الدفائن شاعر
كثر العتاب فقلت إن عاتبتها ... كان العتاب لوصلها استهلاكا
ورجوت أن تبقى المودّة بيننا ... موقوفة فتركت ذاك لذاكا
وما أظرف من قال
وأخ كأيام الحياة اخاؤه ... تلوّن ألواناً عليّ خطوبها
إذا عبت منه خلة فكرهتها ... دعتني إليه خلة لا أعيبها
وكتب يزيد بن معاوية لسالم بن زياد قليل العتاب يؤكد أواخي الأسباب وكثيره يقطع وصائل الأنساب
لا تكثرن في كل حادثة ... عتب الصديق فإنه يهفو
هب مشرباً يصفو فتحمده ... أترى المشارب كلها تصفو
آخر
لا يؤيسنك من صديقك نبوة ... ينبو الفتى وهو الجواد الخضرم
فإذا نبا فاستبقه وتأنه ... حتى يفئ به الطباع الأكرم
стр. 541
آخر
وأرى الصديق إذا استشاط تغيظاً ... فالغيظ يخرج كامن الأحقاد
ولربما كان التغيظ باعثاً ... لتناول الآباء والأجداد
آخر
كاف الخليل على الجميل بمثله ... فإذا أساء فكافه بعتابه
وإذا عتبت على امرئ آخيته ... فتوق طائر عتبه وسبابه
وألن جناحك ما استلان مودّة ... وأجب دعاه إذا دعا بجوابه
ومن ذوي الأنفة من أطاع أمر عقله فكافأ المتكلف للهوى على فعله بمثله كقول الشاعر
إذا تاه الصديق عليك كبراً ... فته كبراً على ذاك الصديق
وإن سلك الغرام به طريقاً ... فخذ عرضاً سوى ذاك الطريق
فليجاب الحقوق بغير راع ... حقوقك رأس تضييع الحقوق
آخر
وإذا الصديق نأى بجانب نفعه ... وحماك صوب غمامه المتدفق
وازورّ عنك بجاهه وبماله ... وببشره وجنى ولم يتخلق
فاعدده في الموتى فلا معنى له ... وأرمي به الغرض البعيد وحلق
إن ظنني للنار منه شفاعة ... يوم القيامة ساء ظنّ الأحمق
الكميت
ولست إذا ولي الصديق بودّه ... بمكتئب أبكى عليه وأندب
стр. 542
ولكنه إن دام دمت وإن يكن ... له مذهب عني فلي عنه مذهب
إلا أنّ خير الودّ ودّ تطوّعت ... به النفس لا ودّ أتى وهو متعب
أبو العتاهية
ما أنا إلا كمن عناني ... أرى خليلي كما يراني
لست أرى ما ملكت طراً ... مكان من لا يرى مكاني
من ذا الذي يرتضي الأقاصي ... إن لم ينل خيره إلا داني
آخر
ومن شيمتي أني إذا المرء ملني ... وأظهر إعراضاً ومال إلى الغدر
أطلت له قيماً يحب عنانه ... وتاركته في جس مس وفي سر
فإن عاد في ودّي رجعت لودّه ... وإن لم يعد ألغيت ذاك إلى الحشر
محمد بن حازم
تمادى به الهجران واستحسن الغدرا ... وإلى يميناً لا يكلمني الدهرا
فوالله ما استسننت بعد مودّة ... صديقاً ولا أرهقت ذا زلة عسرا
فإن عاد في ودي رجعت لودّه ... وإلا فإني لا أحمله اصرا
وإن مال عني خائباً نحو عذره ... تسليت عنه واستعرت له صبرا
اعدّ لمن أبدى العداوة مثلها ... وأجزى على الاحسان واحدة عشرا
سعيد
أشكو إلى الله حياء امرئ ... ما كان بالجافي ولا بالملول
كان وصولاً دائماً عهده ... خير الاخلاء الودود الوصول
ثم ثناه الدهر عن رأيه ... فحال والدهر لقوم يحول
فإن يعد أشكو له ودّه ... وإن يطل هجراً فإني حمول
стр. 543
آخر
في سعة الأرض وفي أهلها ... مستبدل بالخل والجار
فمن دنا منك فأهلاً به ... ومن تولى فإلى النار
ملح من مدح الأخلاء الأصفياء وصفات مودات الأصدقاء الأولياء مدح الصاحب بن عباد صديقاً له فقال تصفحت أوطار القلوب فلم أجد أحسن من قربه وتأملت أشخاص الخطوب فلم أرع بأفظع من بعده محاسنه أنوار لم تحجب بسجوف ومباسمه شموس لم تتصل بكسوف وألفاظه تذكرني بالشباب وريعانه بل بأفنان الصبا وفتيانه ومدح أعرابي صديقاً له فقال مجالسته غنيمة وصحبته سليمة ومواخاته كريمة هو كالمسك إن بعته نفق وإن تركته عبق شاعر يصف أخاً له
أخ وأب وابن وأم شفيقة ... تفرق في الأحباب ما هو جامعه
سلوت به عن كل من كان قبله ... وأذهلني عن كل ما هو تابعه
آخر
ولي صاحب أصفيه ودّي وإنه ... لينصفني في ودّه ويزيد
أمنت صروف الدهر بيني وبينه ... إذا دبّ بين الصاحبين حسود
وصف المأمون ثمامة بن أشرس فقال إنه كان يتصرف في القلوب تصرف السحاب مع الجنوب شاعر ولقد أحسن في وصفه لصديقه
خل بلغت برأيه شرف العلا ... وأخ غنيت به عن الاخوان
ومتى طلبت عليه طالب حاجة ... كفلت يداه بذمتي وضماني
стр. 544
آخر
موفق لسبيل الرشد متبع ... يزينه كل ما يأتي ويجتنب
له خلائق بيض لا يغيرها ... صرف الزمان كما لا يصدأ الذهب
ومن كلام الثعالبي يصف صديقاً له فلان كريم ملء لباسه موفق مدد أنفاسه ذو جد كعلو الجد وهدى كحديقة الورد عشرته ألطف من نسيم الشمال على صفحات الماء الزلال وألصق بالقلب من علائق الحب
فتى قدّ قدّ السيف ما ناء عوده ... ولا وهنت أعضاؤه ومفاصله
إذا جدّ عند الجدّ ألهاك جدّه ... وذو باطل إن شئت ألهاك باطله
آخر
أخ لي لم يلده أبي وأمي ... تراه الدهر مغموماً لغمي
يشاطرني سروري في ابتهاجي ... ويأخذ عند همي شطر همي
يبصرني عيوبي حين تبدو ... مخافة كاشح لهج بذمي
ويصفي الود منه أهل ودي ... ويمنع من معاداتي وظلمي
وينفذ حكمه في كل مالي ... كما في ماله يرضى بحكمي
فلو أحد من المحذور يفدي ... إذا لفديته بدمي ولحمي
آخر
لي صديق إذا نبا بي صديقي ... نبوة الدهر كان خير صديق
حقه واجب عليّ مقيم ... لا يؤدي وقد قضى لي حقوقي
صادق الودّ والأخاء وما كل ... صديق في ودّه بصدوق
فهو كالأم في اللطافة واللي ... ن وكالوالد الشفيق الرفيق
والشقيق الوصول والبرّ إن كا ... ن بعيداً مني وفوق الشفيق
قد جرى في مفاصل الحب منه ... حيث لا يهتدي مجاري العروق
خف ثقلي على صديقي مذ أص ... بح دون الاخوان وهو صديقي
هو جاري إن جار دهر وإن عق ... زمان فماله من عقوق
стр. 545
الفصل الثاني من الباب الخامس عشر
فيما يدين به أهل المحبة
من شرائع العوائد المستحبة
اعلم إن أول ما ينبغي أن نبدأ به ما يجب من الأدب على الجليس في مصاحبة الرئيس فمن واجب أدبه أن الداخل على الرئيس أحد رجلين أما خصيص به أو أجنبي عنه فإن كان أجنبياً فينبغي له إذا أذن له في الدخول إليه أن يقف حيث يراه وأن يبدأ بالسلام إذا دخل عليه وينظر بعين الاكبار إليه فإن استدناه دنا وإن أذن له في الجلوس فليجلس حيث انتهى به المجلس حتى يدنيه إن أراد اكرامه فإن في ذلك تبجيلاً لقدره وتأثيلاً لتحسين ذكره قال الأحنف بن قيس لأن أدعى من بعد أحب إلي من أن أبعد من قرب وإن كان خصيصاً به ممن يجلس إلى جانبه ويفشي إليه من سره ما يكتمه عن غيره فينبغي له وقت جلوسه أن يكون بينه وبين الرئيس فرجة لاحتمال أن يجئ من يجب عليه اكرامه ويرفع منزلته فيجلس في تلك الفرجة ومن أدب الرئيس قلة الخلاف والمعاملة بالانصاف وترك الجواب على فاحش الخطاب وستر العيب وحفظ الغيب وأن يحسن الحديث إذا حدث ويحسن الاستماع إذا حدث وليكن حرمة مجلسه إذا غاب كحرمته إذا حضر وقالوا إذا كلمك رئيسك فاصغ إليه بسمعك وأقبل عليه بوجهك ووكل بشفتيه ناظريك وأشغل بحديثه خاطرك واسمعه سماع مستبشريه مستظرف له وإن أحكمته علماً وأتقنته فهما وأن لا تفرط في الدلالة عليه فربما ساقت الانقباض إليه وفي كلام بعض الحكماء الاستماع بالعين فإذا رأيت عين من تحدثه مقبلة على غيرك فاصرف حديثك إلى غيره شاعر في بني العباس
إذا حدّثوا لم بخش سوء استماعهم ... وإن حدثوا أبدوا بحسن بيان
وما أحسن قول من قال
إذا ما سيد أدناك فاعلم ... بأن عليك عين الانتقاد
فكن عف الجوارح ذا حفاظ ... فعين الانتقاد بلا رقاد
وقال العباس لولده عبد الله إن هذا الرجل يعني عمر بن الخطاب ﵁ يستخليك ويستشيرك ويقدمك على الأكابر من الصحابة وإني أوصيك
стр. 546
بخمس خلال لا تفشين له سراً ولا تغتابن عنده أحداً ولا تجرين عليه كذباً ولا تعصين له أمراً ولا تطلعنه منك على خيانة وقالوا من دخل على السلطان فعليه بتخفيف السلام وتقليل الكلام وتعجيل القيام ومن أدبه أن يكون مع رئيسه كما كان حارثة بن بدر مع زياد حكى أن زياد اليم على استئثاره حارثة ابن بدر فقال كيف أطرح رجلاً هو يسايرني منذ دخلت العراق لم يصكك ركابه ركابي ولا تقدمني فنظرت إلى قفاه ولا تأخر عني فلويت عنقي إليه ولا أخذ علي الشمس في شتاء ولا الروح في صيف ولا سألته عن شيء من العلوم إلا حسبت أنه لا يحسن غيره وقالوا لا يقدر على صحبة الملوك إلا من لا يستقل ما جملوه به ولا يغر بهم إذا رضوا عنه ولا يتغير لهم إذا سخطوا عليه ولا يطغي إذا سلطوه ولا يبطر إذا أكرموه ولا يلحف إذا سألهم وقالوا اصحب الملوك بالحرمة والصديق بالتواضع والعدو بالحجة والعامة بحسن الخلق وقالوا من استخف بالاخوان أفسد مروأته ومن استخف بالعلماء أفسد دينه ومن استخف بالملوك أفسد دنياه وقال عبد الملك بن صالح لعبد الرحمن بن وهب الحمصي مؤدب ولده بعد أن استخلصه وأنزله فوق منزلته يا عبد الرحمن إني قد جعلتك جليساً مقرباً بعد أن كنت تابعاً مبعداً ومن لم يعرف نقصان ما خرج منه لم يعرف رجحان ما دخل فيه لا تطريني في وجهي فأنا أعلم بنفسي منك ولا تساعدني على شيء يقبح وإن لج بي الغضب فإنّ مرآة الرضا ترغبني عنه فينقص عندي دينك بالمساعدة عليه وكن على التماس الحظ بالسكوت أحرص منك على التماسه بالكلام فقد قيل إذا أعجبك الصمت فتكلم ولا تردن علي في محفل وكلمني بقدر ما استطعمك واعلم أن الاستماع أحسن من القول وإذا حدثتك حديثاً فلا يفوتك منه شيء فإن قلة التفهم من القائل وضع له وأرني فهمك في طرفك فرب طرف أنطق من لسان ويجب على الرئيس في معاشرة الجليس الاقتداء برسول الله ﷺ في أدبه قال أنس بن مالك ما بسط رسول الله ﷺ ركبتيه بين يدي جليس قط ولا جلس إليه أحد فقام من عنده حتى يكون الرجل هو الذي يقوم ولا صافحه أحد قط فأخذ يده منه حتى يكون الرجل هو الذي يأخذ يده ولا رأيته قام مع أحد
стр. 547
فانصرف عنه حتى يكون الرجل هو الذي ينصرف وكان يكرم من يدخل إليه وربما بسط له ثوبه ويؤثره بالوسادة التي تحته ويعزم عليه بالجلوس عليها ويكنى أصحابه ويدعوهم بأحب أسمائهم إليهم ولا يقطع على أحد حديثه وكان لا يجلس إليه أحد وهو يصلي إلا خفف من صلاته وسأله عن حاجته وقال سعيد بن العاص ﵁ لجليسي علي ثلاث إذا دنا رحبت به وإذا جلس وسعت له وإذا حدث أقبلت عليه وقال عمر بن الخطاب ﵁ ثلاث تثبت لك المحبة في صدر أخيك أن تبدأه بالسلام وتوسع له في المجلس وتدعوه بأحب الأسماء إليه وقال يحيى ابن خالد لولده جعفر يا بني إذا حدثك جليسك فأقبل عليه واصغ إليه ولا تقل قد سمعناه وإن كنت أحفظ له منه حتى كأنك لم تسمعه إلا منه فإن ذلك مما يكسبه المحبة والميل إليك ولا تستخدمه إذا جلس إلى مؤانستك فقد حكى أن هشام بن عبد الملك كان يعتم فقام إليه سعيد بن الوليد المعروف بالأبرش ليسوي عمامته فقال له مه إنا لا نتخذ الاخوان خولاً وقام عمر بن عبد العزيز وأصلح السراج لجلسائه فقال أحدهم ألا أمرتني يا أمير المؤمنين فكنت أكفيك اصلاحه فقال ليس من المروأة أن يستخدم المرء جليسه قمت وأنا عمر ورجعت وأنا عمر
ومما يثني عطف الصديق إلى التألف
زيارته صديقه من غير انقطاع ولا تكلف قال رسول الله ﷺ من عاد مريضاً أو زار أخاً نادى مناد أن طبت وطاب ممشاك تبوأت من الجنة منزلاً وأحسن ما يقال امش ميلاً وعد أخاً وامش ميلين وأصلح بين اثنين وامش ثلاثاً وزر أخاً في الله وقالوا المودة جسم روحها الزيارة وقالوا المحبة شجرة ثمرتها المقة وأصلها الزيارة شاعر
رأيت أخا الدنيا وإن بات آمناً ... على سفر يسعى به وهو لا يدري
تثاقلت إلا عن يد أستفيدها ... وزورة ذي ودّ أشدّ به أزري
стр. 548
وعلى الزائر في الزيارة الأغباب فإنه به يؤمن من تجافي الأحباب قال ﵊ زر غباً تزدد حباً وقالوا ربما كان التقالي في كثرة التلاقي وما أحسن قول عبد المنعم بن غلبون المقري
عليك بأغباب الزيارة إنها ... إذا كثرت كانت إلى العيّ مسلكا
ألم تر أنّ الغيث يسألم دائماً ... ويسأل بالأيدي إذا هو أمسكا
وقالوا قلة الزيارة أمان من الملالة وقالوا كثرة التعاهد سبب التباعد شاعر
زر قليلاً لمن يودّك غباً ... فدوام الوصال داعي الملال
اعتذار من لم يزر أظرف ما كتب في ذلك قول علي بن الجهم
أبلغ أخانا تولى الله صحته ... إني وإن كنت لا ألقاه ألقاه
وإن طرفي موصول برؤيته ... وإن تباعد عن مثواي مثواه
الله يعلم أني لست أذكره ... وكيف يذكره من ليس ينساه
مكاتبات في استدعاء الزيارة كتب بعضهم إلى صديق له طال العهد بالاجتماع حتى كدنا نتناكر عند التلاقي وقد جعلك الله للسرور نظاماً وللأنس تماماً فاطلع في فلك عيني شمساً وفي سماء قلبي بدراً فامضاء العزم بالحر أحرى وكتب سعيد بن حميد لبعض أصدقائه قد طلعت الكواكب تنتظر بدرها فرأينك في الطلوع قبل غروبها شاعر
ولما نزلنا منزلاً جله الندى ... أنيقاً وبستاناً من النور جاليا
أجدّ لنا طيب المكان وحسنه ... منى فتمنينا فكنت الأمانيا
стр. 549
آخر
لو تفضلت بالمجئ إلينا ... لقررنا بقرّة العين عينا
وكتب آخر يومنا أعزك الله رقيق الحواشي لين النواحي ذو سماء قد رعدت وبرقت وأنت موضع السرور ونظام العيش والحبور فأقبل إلينا تنعم ولا تتأخر عنا تندم وإنك بطاعتنا تسعد وبمخالفتنا لا ترشد كتب بعضهم إلى صديق له يستزيره بأبيات منها
والألف لا يصبر عن ألفه ... أكثر من يوم ويومين
وقد صبرنا عنكم جمعة ... ما هكذا فعل المحبين
وكتب حميد بن مهران إلى أبي أيوب الهاشمي يستدعيه
أقيك الردى يا بديع الورى ... ومن حل من هاشم في الذرى
ويفديك من وده في المغيب ... إذا امتحن الود واهي العرى
وصالك يعدل صدق الرجا ... وصفو المدام وطيب الكرى
وقد تاقت النفس من وامق ... إلى أن تراك فماذا ترى
آخر
جعلت فداك في رأسي خمار ... وليس دواؤه إلا العثار
وعندي من تحب فدتك نفسي ... وأقداح وأكواب تدار
فبادر غير مأمور سريعاً ... فإن بنا لموردك انتظار
ومن أظرف الاستدعاوات ما كتب به الرشيد هرون إلى جعفر بن يحيى
سل عن الصارم ابن يحيى تجده ... راحلاً نحونا من النهروان
ليصون المدام سهداً ويغشى ال ... هجر بين الأصوات والعيدان
فأتنا نصطبح ونلتذ جمعاً ... لثلاث بقين من شعبان
стр. 550
فقام إليه وقدم بين يديه رقعة مكتوباً فيها
إنّ يوماً كتبت فيه إلى عب ... دك يوم يسود كل زمان
يوم لهو كأنه طلعة الكأ ... س إذا قابلت خدود القيان
فاصطبح واغتبق فداؤك نفسي ... من جميع الآلام والحدثان
آخر
عندنا جدي رضيع ... ودنين غير فارغ
وطفيلي مليح ... واغل في الكأس والغ
وغزال من بني الدي ... لم يحكي البدر بازغ
ماله عندك عيب ... غير أن ليس ببالغ
والزلال العذب مع بع ... دك ملح غير سائغ
فتحشم واركب الهم ... لاج واحضر لا تراوغ
وكتب بعض المجان
عندنا قدر فريك ... ليس للقدر شريك
ونبيذ في رطيل ... وغلام مستنيك
فتعالوا نتغدى ... ثم نشرب وننيك
وما أحسن قول المعتمد بن عباد يستدعي ندماءه من الزهراء إلى قصره بقرطبة
حسد القصر فيكم الزهراء ... ولعمري وعمركم ما أساؤا
قد طلعتم بها شموساً صباحاً ... فاطلعوا عندنا بدوراً مساء
ولآخر
وماذا عليكم لو مننتم بزورة ... فأوجبتم فيها علينا التفضلا
فإن لم تكونوا مثلنا في اشتياقنا ... فكونوا أناساً تحسنون التجملا
стр. 551
اعتذار من لم يزر أبو إسحق الصابي
عراني عنك يا مولا ... ي عذر أيما عذر
عصوف الريح مع مدّ ... عظيم زاخر يجري
فلم أقدم على الماء ... ولم أجسر على الجسر
ولم أسمع إلى الآن ... على ما مدّ من عمري
بريح حجبت روحاً ... وبحر صدّ عن بحر
وهو مأخوذ من قول الحسن بن وهب وقد اعتذر عن تأخره عن زيارة محمد بن عبد الملك الزيات لمطر عاقه عن زيارته
أوجب العذر في تراخي اللقاء ... ما توالى من هذه الأنواء
لست أدري ماذا أذمّ وأشكو ... من سماء تعوقني عن سماء
غير أني أدعو على تلك بالصح ... ووأدعو لهذه بالبقاء
فسلام الإله أهديه مني ... كل يوم لسيد الوزراء
كتب بعض ظرفاء المحبين إلى محبوبه يستدعيه لزيارته فلم يجبه بما أحب
كتبت إليك من شوقي بدمعي ... وحرمة وجهك الحسن الجميل
لقد أسهرتني وأطلت ليلي ... وأضحكت العواذل من عويلي
فكان جوابه لما قرأه
لقد أثقلت في عتب طويل ... وقد أكثرت من قال وقيل
فأما ما ذكرت فقد فهمنا ... وليس إلى الزيارة من سبيل
ومن أحسن ما أوجبه الوداد وافترض عيادة الأخ أخاه في حال المرض قال رسول الله ﷺ إن المسلم إذا عاد أخاه المسلم لم يزل في حديقة الجنة حتى يرجع قيل يا رسول الله وما حديقة الجنة قال
стр. 552
جناتها حكى أن المسور بن مخرمة اعتل فجاءه ابن عباس نصف النهار فقال له المسور يا ابن عباس إن أحب الساعات إلي ساعة أودي فيها حق الصديق دخل بعضهم على محمود الوراق يعوده فأنشده
فإنك تك حمى الغبّ شفك وردها ... فعقباك منها أن يطول لك العمر
وقيناك لو يعطي الهوى فيك والمنى ... لكانت بنا الشكوى وكان لك الأجر
وكتب أبو تمام حبيب بن أوس الطائي إلى الحسن بن وهب يتوجع له من حمى أصابته
يا حليف الندى ويا توأم الجو ... د ويا خير من حبوت القريضا
ليت حماك لي وكان لك الأج ... ر فلا تشتكي وكنت المريضا
وكتب أبو الفتح خاقان يتوجع للمتوكل من رمد اعتراه
عيناي أجمل من عينيك للرمد ... فاسلم وقيت الردى في آخر الأبد
من ضنّ عنك بعينيه ومهجته ... فلا رأى الخير في مال ولا ولد
ويجب على اللطيف الظريف في عيادة المريض الضعيف تخفيف السلام وتقليل الكلام وتعجيل القيام ويقال جلسة العيادة خلسة وقالوا التخفيف خير عادة في العيادة فإن حاله كما قال عمرو بن العلاء وقد عاده صديق في مرض ألم به فابطأ عنده فقال له ما يبطئك قال أريد أن أسامرك قال أنت معافى وأنا مبتلي والعافية لا تدعك تسهر والبلاء لا يدعني أنام والله أسأل أن يسوق لأهل العافية الشكر وإلى أهل البلاء الصبر ومن آدابه الأغباب فإنه جاء أن رسول الله ﷺ قال أغبوا في زيارة المريض واربعوا إلا أن يكون مغلوباً وحكى سلمة قال دخلت على الفراء أعوده فأطلت وألحفت في السؤال فقال
стр. 553
لي ادن فدنوت فأنشدني
حق العيادة يوم بعد يومين ... ولحظة مثل لحظ العين بالعين
لا تبرمنّ مريضاً في مساءلة ... يكفيك من ذاك تسأل بحرفين
آخر
أدب العيادة أن تكون مسلماً ... وتكون في أثر السلام مودّعا
فإذا نظرت إلى العليل فلا تكن ... متخشعاً في اللمح أو متوجعا
بل كن إذا أبدى الحراك مسكتاً ... منه وعند الخوف منه مشجعا
واحذر بأن تنعي إليه ميتاً ... أو أن تذكره لميت مصرعا
وإذا وجدت عليه اشفاقاً فقم ... من غير أن ترأى بذلك مسرعا
وتوق شر العائدين فشرهم ... من كان منهم موهماً ومروّعا
دخل علي بن إبراهيم العلوي المعروف بالأعرج على علي بن عيسى عائداً فأنشده
كم لوعة للندى عليك وكم ... من قلق للمجود من قلقك
ألبسك الله ثوب عافية ... في نومك المعتري وفي أرقك
ينزع من جسمك السقام كما ... نزعت حبل الملام من عنقك
آخر
تلقيت السلامة من مريض ... توقى كل نائبة تنوب
فإنك ما اعتللت بل المعالي ... وإنك ما مرضت بل القلوب
стр. 554
آخر
ولما اشتكيت اشتكى كل ما ... على الأرض واعتل شرق وغرب
لأنك قلب لهذا الزمان ... وما صح جسم إذا اعتل قلب
البسامي
إذا ما صديق لي تأوّه واشتكى ... عدمت سروي ما اشتكى ورقادي
وحرمت شرب الراح ما دام شاكياً ... ولم أخله من طارفي وتلادي
اعتذار من لم يعد
إن كنت في ترك العيادة تاركاً ... حظي فإني في الدعاء لجاهد
فلربما ترك العيادة مشفق ... وأتى على غلّ الضمير الحاسد
ولآخر
كحلت مقلتي بشوك القتاد ... لم أذق مذ حممت طعم الرقاد
يا أخي الحافظ الاخوّة والنا ... زل من مقلتي مكان السواد
منعتني عليك رقة قلبي ... من دخولي عليك في العوّاد
لو بأذني سمعت منك أنينا ... لتفتت من الأنين فؤادي
ولآخر يعتذر بكونه لم يعلم
دفع الله عنك نائبة السو ... ء وحاشاك أن تكون عليلا
أشهد الله ما علمت وماذا ... ك من العذر جائزاً مقبولا
ولعمري أن لو علمت لقاسم ... تك نصفاً وكان ذاك قليلا
стр. 555
فاجعلن لي إلى التعلق بالعذ ... ر سبيلاً ألم أجد لي سبيلا
فقديماً ما جاد ذو الودّ بالودّ ... وما سامح الخليل الخليلا
الشريف أبو يعلى بن الهبارية
العذر في تركي عيادة سيدي ... إني له فيما اعتراه مقاسم
لا بل نصيبي منه فوق نصيبه ... وعليه فيما أدعيه مياسم
فلئن تألم جسمه أفديه من ... داء يخامره وقلبي يألم
وأنا أحق بأن أعاد وإنما ... يدعي لخدمته الصحيح السالم
حكى محمد بن داود الظاهري في كتاب الزهرة أن الرشيد لما بلغه أن الفضل ابن الربيع عليل كتب إليه معتذراً عن تأخره عن العيادة
أعزز عليّ بأن تكون عليلاً ... أو أن يكون بك السقام نزيلا
ولئن سئلت أجيب عنك بلوعة ... إذ قيل أوعك أو أحس غليلا
فوددت أني مالك لسلامتي ... فأعيرها لك بكرة وأصيلا
هذا أخ لك يشتكي ما تشتكي ... وكذا المحب إذا أحبّ خليلا
أنشدني الشيخ الامام الفقيه المفيد أمين الدين محمد بن علي المحلي النحوي لنفسه يعتذر من تركه لعيادة بعض الرؤساء
إن جئت نلت ببابك التشريفا ... وإن انقطعت فأوثر التخفيفا
فوحق حبي فيك قدما إنني ... عوفيت أكره أن أراك ضعيفا
ومما يورد من المحبة أعذب الموارد هدية يستطف بها القلب الشادر قال رسول الله ﷺ تهادوا تحابوا وتذهب الشحناء وقال ﵊ تهادوا فإن الهدية تذهب وغر الصدور وكان ﷺ يقبل الهدية
стр. 556
ويثيب عليها وقال لو أهدى إلي كراع لقبلت ولو دعيت إلى كراع لأجبت وقالت عائشة ﵂ اللطفة عطفة تزرع في القلوب المحبة والألفة وفي الأثر الهدية تجلب إلى المودة القلب والسمع والبصر شاعر
إن الهدية حلوة ... كالسحر نجتلب القلوبا
تدني البغيض من الهوى ... حتى تصيره حبيبا
وتعيد مضطغن العدا ... وة في تباعده قريبا
ومن أمثالهم إذا قدمت من سفر فأهد لأهلك ولو حجر وقال الجاحظ ما استعطف السلطان ولا استرضى الغضبان ولا أزيت السخائم ولا استدفعت المغارم بمثل الهدايا وقالوا في نشر المهاداة طي المعاداة وقال ضياء الدين بن الأثير في رسالة يذكر فيها الهدية الهدية رسول يخاطب عن مرسله بغير لسان ويدخل على القلوب من غير استئذان وبهدية المرء يستدل على عقله كما ذكر أن رجلاً أهدى إلى قتادة نعلاً رقيقة فجعل النعمان يرزنها بيده ويقول يعرف قدر الرجل في سخف هديته اللهم إلا أن يهدي شيأً مخيفاً حقيراً فيصيره بالاعتذار عنه شريفاً خطيراً كما فعل أبو العتاهية فإنه أهدى إلى الفضل بن الربيع نعلاً وكتب له معها
نعلاً بعثت بها لتلبسها ... قدم تسير بها إلى المجد
لو كان يحسن ان أشرّكها ... جلدي جعلت شراكها خدي
وأهدى الأخيطل الأهوازي إلى ابن حجر في يوم نوروز طبقاً فيه وردة وسهم ودينار ودرهم وكتب معه
قل لابن حجر ذي السماح الخضرم ... لا زلت كالورد نضير المبسم
ونافذاً مثل نفاذ الأسهم ... في عز دينار ونجح درهم
стр. 557
وقال بعضهم من امتنع من اهداء القليل لجلالة قدر المهدي إليه انقطعت سبل المودة بينه وبين اخوانه ولزمه الجفاء من حيث التمس الاخاء أبو العتاهية
هدايا الناس بعضهم لبعض ... تولد في قلوبهم الوصالا
وتزرع في القلوب هوى وودا ... وتكسوهم إذا حضروا جمالا
آخر
ما من صديق وإن تمت صداقته ... يوماً بأنجح في الحاجات من طبق
إذا تلثم بالمنديل منطلقاً ... لم يخش نبوة بواب ولا غلق
لا تكذبن فإنّ الناس مذ خلقوا ... لرغبة يكرمون الناس أو فرق
وبالجملة إذا كانت من الصغير إلى الكبير فلطفت ودقت كان أبهى وأحسن وإذا كانت من الكبير إلى الصغير فعظمت وجلت كان أوقع لها وأنجع أهدى يعقوب الكندي إلى بعض اخوانه سيفاً وكتب معه الحمد لله الذي خصك بمنافع ما أهدى إليك فجعلك تهتز للمكارم اهتزاز الصارم وتمضي في الأمور مضاء المأثور وتصون عرضك بالارفاد كما تصان السيوف في الأغماد ويظهر دم الحياء في صفحة خدك المشروف كما يشف الرونق في صفحات السيوف وتصقل شرفك بالعطيات كما تصقل متون المشرفيات وأهدى الصابي دواة ومرفعاً وكتب معهما قد خدمت مجلس مولانا بدواة يداوي بها مرض عفاته ويروي بها قلوب عداته على مرفع يؤذن بدوام رفعته وارتفاع النوائب عن ساحته وأهدى أيضاً إلى بعض الأصحاب فرساً وكتب معه قد قدمت إليك فرساً والله تعالى يبارك لك فيه ويجعل الخير معقوداً بنواصيه والاقبال غرة وجهه ونيل الأماني طلق شده وفتح الفتوح غاية شاوه وادراك المطالب تحجيل قوائمه وسلامة العواقب منتهى عنانه والسلام
стр. 558
من أهدى هدية حقيرة واعتذر عنها ... كتب بعضهم مع هدية حقيرة
قبول الهداية اكرومة ... وحاشاك من أن ترد الكرم
فإنّ الملوك على قدرها ... لتقبل نشابه أو قلم
ابن التعاويذي
هدية المرء تنبي عن مروأته ... وعن حقارة مهديها وخسته
وما يحط من المهدي إليه إذا ... كانت محقرة عن قدر رتبته
فاغفر جريمة من خست هديته ... وتلك منه على مقدار قدرته
وكتب آخر مع هداية أهداها ليلاً
بعثت عشياً إلى سيد ... بما هو من خلقه مقتبس
هدية خلّ صحيح الأخاء ... جرى منه ذكرك مجرى النفس
فجدبا القبول وأيقن بأن ... لفرط الحياء أتت في الغلس
آخر
يا أيها المولى الذي ... عمت أياديه الجميلة
أقبل هدية من يرى ... في حقك الدنيا قليلة
آخر
قد بعثنا إليك أيدك الل ... هـ بشيء فكن له ذا قبول
لا تقسه إلى ندى كفك الغم ... ر ولا نيلك الكثير الجليل
فاغتفر قلة الهدية مني ... إن جهد المقلّ غير قليل
ومن ظرائف الهدايا التي هي من أحسن ما يسطر في الصحف ويذكر ما يروى أن يحيى بن خالد بن برمك عزم على ختان ولده فأهدى إليه وجوه الدولة
стр. 559
كل منهم بحسب حاله وقدرته فصنع بعض المتجملين العاجزين خريطتين وملأ إحداهما ملحاً مطيباً وملا أخرى سعداً معطراً وكتب معهما رقعة فيها لو تمت الارادة لأسعفت العادة ولو ساعدت القدرة على بلوغ النعمة لتقدمت السابقين إلى خدمتك وأتعبت المجتهدين في كرامتك لكن قعدت بي القدرة عن مساواة أهل النعمة وقصرت بي الجدة عن مباهاة أهل المكنة وخشيت أن تطوى صحيفة البر وليس لي فيها ذكر فأنفذت المفتتح بيمنه وبركته وهو الملح والمختتم بطيبه ونظافته وهو السعد باسطاً يد المعذرة وصابراً على ألم التقصير متجرعاً غصص الاقتصار على اليسير والقائم بعذري في ذلك ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج والخادم ضارع في الامتنان عليه بقبول خدمته ومعذرته والاحسان إليه بالاعراض عن جراءته والرأس اسمي ثم دخل دار يحيى ووضع الخريطتين والرقعة بين يديه فلما قرأ الرقعة أمر أن تفرغا وتملا احداهما دنانير والاخرى دراهم ومن الحكايات المستظرفة ما يحكى أن بعض القيان افتصدت فأهدى لها محبوها هدايا فكان من جملتهم من أهدى ثلاث سلال مخيطة ففتحت سلة منها فوجدتها مملوأة ماشاً وفيها رقعة مكتوب فيها ماش خير من لاش وفتحت الاخرى فإذا هي مملوأة عصافير فطاروا وفيها رقعة مكتوب فيها هذه أعتقتها لوجه الله تعالى شكراً له على سلامتك من فصدك وفتحت الاخرى فإذا هي فارغة لا شيء فيها إلا رقعة مكتوب فيها لو كان لهديناه فضحك من كان حاضراً ولم تدع القينة شيأً مما أهدى إليها إلا أعطته منه
اعتذار من لم يهد شيأً
تأنق في الهدية كل قوم ... إليك غداة شربك للدواء
فلما أن هممت بها مدلاً ... لموضع حرمتي بك والاخاء
رأيت كثير ما أهدى قليلاً ... لديكم فاقتصرت على الدواء
آخر
إن أهد نفسي فهو مالكها ... ولها أصون كرائم الذحر
стр. 560
أو أهد مالاً فهو واهبه ... وأنا الحقيق عليه بالشكر
أو أهد شكراً فهو مرتهن ... بجميل فعلك آخر الدهر
آخر
وافق المهرجان حاشاك مني ... رفعة الحال وهي داء الكرام
فاقتصرنا على الدعاء وفيه ... عون صدق على قضاء الزمام
آخر
هديتي تقصر عن همتي ... وهمتي تفضل عن مالي
فخالص الودّ ومحض الولا ... أحق ما يهديه أمثالي
ومن واجبات شيم الأحرار ... حفظ ما أودعوه من الأسرار
وكان السر مما يجب على الاخوان أن يأخذوا أنفسهم ويروضوا به طباعهم لما فيه من الفضل وتمام الطبيعة والعقل يحكى أن رجلاً أراد صحبة انسان فسأل بعض أصدقائه عنه فأنشده
كريم يميت السرّ حتى كأنه ... إذا استنطقته عن حديثك جاهله
ويبدي لكم حباً شديداً وهيبة ... وللناس أشغال وحبك شاغله
فقال مثل هذا ينبغي أن يناط بمحبته القلوب ويطلع على خفايا السرائر والغيوب وهذان البيتان لكثير عزة من أبيات وأسر رجل إلى صديقه حديثاً فلما فرغ منه قال حفظته قال بل نسيته وقيل لعمرو بن ربيعة كيف كتمانك للسر فقال اجعله عوضاً من قلبي وشعبة من نفسي فيكون بخروجه خروجها وقيل لأعرابي ما بلغ من حفظك للسر قال أفرقه تحت شغاف قلبي ثم لا أجمعه وأنساه كأنني لم أسمعه وقالوا قلوب العقلاء حصون الأسرار وقالوا صدور
стр. 561
الأحرار قبور الأسرار شاعر
ولي سرائر في الضمير طويتها ... ينسى الضمير بانها في طيه
وقيل لبعضهم كيف كتمانك للسر قال أكتم المخبر وأحلف للمستخبر وما أحسن قول المرتضى وقد سأله الصابي كيف كتمانك للسر في محاورة جرت بينهما
لسرّ صديقي بين جنبيّ معقل ... مداه على المستبطنين طويل
إذا لحقت أذني به من لسانه ... فليس عليها للمخاض سبيل
وكتب إليه أيضاً
وللسرّ من بين جنبيّ ممكن ... خفيّ قصيّ عن مدارج أنفاسي
أضنّ به ضني بموضع حفظه ... فاحميه عن احساس غيري واحساسي
كأني من فرط احتفاظي أضعته ... فبعضي له واع وبعضي له ناسي
آخر
لا يكتم السرّ إلا من له حسب ... فالسرّ عند كرام الناس مكتوم
والسر عندي في بيت له غلق ... قد ضاع مفتاحه والبيت مختوم
مجنون ليلى
ومستخبر عن سرّ ليلى رددته ... بعمياء من ليلى بغير يقين
يقولون خبرنا فأنت أمينها ... وما أنا إن خبرتهم بأمين
يروى أن علياً ﵁ قال لأبي الأسود الدؤلي أريد رجلاً مخداناً قال يا أمير المؤمنين ألست كذلك قال بلى ولكن أريد رجلاً أستريح منك إليه ومنه إليك وليكن كتوماً للسر فإن الرجل إذا أنس بالرجل ألقى إليه عجزه
стр. 562
وبجره وقال الشاعر
نصل الصديق إذا أراد وصالنا ... ونعيد بعد صدودنا أحيانا
لا مظهر عند القطيعة سره ... بل حافظ من ذاك ما استرعانا
آخر
إنّ الكريم الذي تبقى مودّته ... ويحفظ السر إن صافي وإن صرما
ليس الكريم الذي إن غاب صاحبه ... بث الذي كان من أسراره علما
سالم اليشكري
إذا ما غفرت الذنب يوماً لصاحب ... فلست معيداً ما حييت له ذكرا
ولست إذا ما حال عن حفظ وده ... وعندي له سر مذيعاً له سرا
ناقضه آخر فقال
ولا أكتم الأسرار لكن أذيعها ... ولا أترك الأسرار تغلي على قلبي
فإن سخين العين من بات ليلة ... تقلبه الأسرار جنباً إلى جنب
ومما يفصم بين المنجابين عرا المحاورة ... التزام ما يجب من حقوق المجاورة
قال الله تعالى والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب فذو القربى الجار الملاصق والجار الجنب البعيد عن الملاصقة والصاحب بالجنب الرفيق في السفر وكان يقال ليس حسن الجوار كف الأذى ولكنه الصبر على الأذى وأدنى حقوق الجار أن لا تؤذيه بقتار قدرك وأن تؤمنه
стр. 563
من حسدك وشرك وقال جابر بن عبد الله الجيران ثلاثة فجار له حق واحد وجار له حقان وجار له ثلاثة حقوق فأما الذي له حق واحد فجار مشرك لا رحم له فله حق الجوار وأما الذي له حقان فجار مسلم لا رحم له له حق الاسلام وحق الجوار وأما الذي له ثلاثة حقوق فجار مسلم ذو رحم له حق الاسلام وحق الرحم وحق الجوار وقال رسول الله ﷺ لأبي ذريا أبا ذر إذا طبخت اللحم فأكثر المرق وتعاهد جيرانك وكان يقال من نال من جاره حرم بركة داره وقد ورد عنه عليه الصلاة واسلام أنه قال من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه ولا يؤذي جاره ولا يخيب من قصده وكان عبد الله بن أبي بكرة ينفق على أربعين داراً من جيرانه من سائر جهات داره الأربع في كل سنة أربعين ألف دينار وكان يبعث إليهم الأضاحي والكسوة في الأعياد والمواسم وأعطى أبو الجهم العدوى في داره بالبصرة مائة ألف درهم فقال لهم وبكم تشترون مني جوار سعيد بن العاص قالوا وهل رأيت جواراً يشتري قط قال والله لا بعت داراً تجاور رجلاً إن غبت عنه سأل عني وحفظني في أهلي وإن رآني رحب بي وقربني وإن سألته قضى حاجتي وحياني وإن لم أسأل عنه عطف علي وبداني والله لو أعطيت فيها ملأها ذهباً ما اخترته عليه ولا نظرت إليه فبلغ ذلك سعيداً فبعث إليه بمائة ألف درهم وقال جعفر بن أبي طالب لأبيه يا أبة إني لا أستحيي أن أطعم طعاماً وجيراني لا يقدرون على مثله فقال له أبوه إني لأرجو أن يكون فيك خلف من عبد المطلب وقال الحسن البصري ليس حسن الجوار كف الأذى ولكنه الصبر على الأذى وقالوا الاحسان إلى الجار يعمر الديار ويزيد في الأعمار شاعر
إني لأحسد جاركم بجواركم ... طوبى لمن أضحى لدارك جابرا
يا ليت جارك بأعنى من داره ... شبراً فأعطيه بشبر دارا
стр. 564
وقال بعض حكماء العجم حسن الجوار خير قرين وعلى استخلاص المودة خير معين مسكين الدارمي
ناري ونار الجار واحدة ... فإليه قبلي ينزل القدر
ما ضرّ جار إلى أجاوره ... أن لا يكون لبابه ستر
أعمى إذا ما جارتي خرجت ... حتى يواري جسمها الستر
آخر
أجود وأرعى حرمة الجار إنني ... كريم بمالي كل عرق مهذب
وأمنع جيراني من الضيم والأذى ... واركب من اكرامهم كل مركب
ومن النوادر المحكية في اكرام الجار ما حكى أن يهودياً عطاراً نزل ببعض أحياء العرب يبيع لهم من بضاعته العطرية فمات عندهم فأتوا شيخاً لهم لم يكن يقطع في الحي أمر دونه فاعلموه بخبر اليهودي فجاء وغسله وكفنه وتقدم وأقام الناس خلفه وقال اللهم إن هذا لنا جار وله علينا ذمام فإذا قضينا ذمامه وصار إليك فلك الخيار أن تفعل به ما هو له أهل أو تفعل به ما أنت له أهل فإنك أهل التقوى وأهل المغفرة شاعر
راع حقوق الجار في كل ما ... حدده الله وأوصى به
وزره في الصحة مستبشراً ... وعده في السقم وأوصابه
ولا تغيرك له حالة ... تبدو كشهد القول أوصابه
وهذه ظرف تكون لما ذكرناه ختاماً ... ولنفس المتأمل وقلبه شركاً وزماما
فيما يلزم الأصدقاء من تمازج الأرواح ... امتزاج الصهباء بالماء القراح
قيل لبعضهم صف لنا الصديق قال أنت هو وهو أنت إلا إنكما جسمان بينكما روح وقبل لاسباط الشيباني صف لنا الاخوة وأوجز فقال أغصان
стр. 565
تغرس في القلوب فتثمر على قدر العقول وقيل لافلاطون ما معنى الصديق قال هو أنت إلا أنه غيرك وقيل لبعضهم ما الأصدقاء قال نفس واحدة وأجساد متفرقة وقال ابن المقفع الأخ نسيب الجسم والصديق نسيب الروح وقيل لأرسطو طاليس وقد سئل عن الصديق ما معناه فقال قلب تضمنه جسمان نظمه بعض الشعراء فقال
بنفسي أخ لي في الأمور مساعد ... فلي وله جسمان والقلب واحد
إذا غاب عني لم أجد طعم لذة ... لأن فؤادي شطره متباعد
لآخر
بابي من هو منى في الحشا ... ليته يوماً على عيني مشى
روحه روحي وروحي روحه ... إن يشأ شئت وإن شئت يشا
ولقد تتبعت ما قاله الناس في الاتحاد فما رأيت ولا سمعت أحسن من قول أبي الحسين الحلاج في ذلك
أنا من أهوى ومن أهوى أنا ... نحن روحان حللنا بدنا
نحن مذ كنا على عهد الهوى ... تضرب الأمثال في الناس بنا
فإذا أبصرتني أبصرته ... وإذا أبصرته قلت أنا
وله
جبلت روحك من روحي كما ... يجبل العنبر بالمسك العبق
فإذا مسك شيء مسني ... فإذا أنت أنا لا نفترق
وله
مزجت روحك من روحي كما ... تمزج القهوة بالماء الزلال
فإذا مسك شيء مسني ... فإذا أنت أنا في كل حال
следующие страницы →