قيل: نعم؛ هذا حقٌّ، ولكنَّ اليمين لما قَصَدَ صاحبُها الحضَّ أو المَنْعَ، كانت الكفَّارةُ رافعةً لما حصل بها مِن الضَّرر؛ بخلافِ الطلَاّق والعَتَاق: فإنهما إتلافٌ محضٌ لملك البُضْعِ والرَّقبة، ولا كَفَّارةَ فيهما؛ فالضَّررُ الحاصلُ بوقوعهما لا يندفعُ بكفَّارةٍ ولا غيرِها.
وكما أنَّه يُفَرَّقُ في الإكراه بين نوعٍ ونوعٍ:
فالإكراهُ يُبيح الأقوالَ عندنا وعند الجمهورِ، وكلُّ قولٍ أُكره عليه بغير حَقٍّ، فإنَّه باطلٌ، ، وأبو حنيفة يُفرِّقُ بين نوعٍ ونوعٍ.
والإكراهُ على الأفعال ثلاثةُ أنواع:
١ - نوعٌ لا يُباح بالإكراه؛ كقتل المعصوم، وإتلاف أطرافِه.
٢ - ونوعٌ يبيحه الإكراه بشرط الضَّمان؛ كإتلاف مال المعصوم.
٣ - ونوعٌ مختَلَفٌ فيه؛ كالزنا والشُّرْب والسرقة، وفيه روايتان عن الإمام أحمد.
فما أمكن تلافيه، أُبيح بالإكراه؛ كالأقوال والأموال.
وما كان ضررُه كضررِ الإكراه، لم يُبَحْ به؛ كالقتل: فإنه ليس قَتْلُ المعصوم بحياة المُكْرَه أَولى مِن العكس.
وأما الأفعال: فالقرآنُ يدلُّ على رَفْعِ الإثم فيها؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ
стр. 72
يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النُّور: ٣٣] (١).
الوجه الثامن: أنَّ النَّبيَّ ﷺ شَرَعَ للغضبان أن يقولَ: «أعوذُ بالله مِن الشيطانِ الرَّجيم» (٢)، وأن يتوضَّأَ، وأن يتحوَّل عن حالتِه؛ فإنْ كان قائماً فليقعدْ، وإذا كان قاعداً فليضطجعْ (٣)،
стр. 73
قال: «إن الغضبَ مِن الشيطان، وإنَّ الشيطانَ مِن النَّارِ، وإنَّما تُطفأ النَّارُ بالماءِ، فإذا غَضِبَ أحدُكم فليتوضّأْ» (١)؛ وهذا يدلُّ على أنَّه
стр. 74
محمولٌ عليه مِن غيرِه، وأنَّ الشيطانَ يُغضِبه ليحمِلَه بغضبه على فِعْلِ ما يحبُّه الشيطان، وعلى التكلُّمِ به.
وما يُضاف إلى الشيطان مما يكرهه العبدُ ولا يحبُّه فلا يؤاخذُ به الإنسان؛ كالوسوسة، والنِّسْيان، كما قال فتى موسى لموسى: ﴿وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ [الكهف: ٦٣]؛ فالله تعالى لا يؤاخذُ بالوسوسة ولا بالنسيان؛ إذْ هما مِن أَثَرِ فِعْلِ الشيطان في القلب، وقد أخبرَ النَّبيُّ ﷺ أنَّ الغضبَ مِن الشيطان، فيكون أثرُه مضافاً إليه أيضاً، فلا يؤاخذُ به العبدُ كأثرِ النسيان؛ فإنَّه لو حَلَفَ ألَّا يتكلَّمَ بكذا، فتكلَّم به ناسياً - لم يحنث؛ لعدم قَصْدِه وإرادته لمخالفةِ ما عَقَدَ يمينَه عليه، وإنْ كان قاصداً للكلام، فإنَّه لم يقع منه إلا بقصده وإرادته، وهذه حال الغضبان؛ فإنه لم يقصدْ حقيقةَ ما تكلَّم به وموجَبَهُ، بل جرى على لسانِه كما جرى كلامُ النَّاسي على لسانِه، بل قَصْدُ النَّاسي للتكلُّم أظهرُ مِن قَصْدِ الغضبان؛ ولهذا يقول النَّاسي: «قصدتُّ أنْ أقول كذا وكذا»، والغضبانُ يحلِفُ أنَّه لم يقصدْ.
الوجه التاسع: أنَّ القُصُودَ في العقود معتبرةٌ في عَقْدِها كلِّها (١)،
стр. 75
والغضبان ليس له قَصْدٌ معتَبَرٌ في حَلِّ عُقدة النِّكاح، كما ليس له قَصْدٌ في قَتْلِ نفسِه ووَلدِه وإتلافِ ماله؛ فإنَّه يفعلُ - في الغضب - هذا، ويقول هذا، فإذا لم يكن له قَصْدٌ معتبرٌ، لم يصحَّ طلاقُه.
فإنْ قيل: فهذا ينتقضُ عليكم بالهازل؛ فإنَّه يصحُّ طلاقُه (١)، وإنْ لم يكن له فيه قَصْدٌ.
قيل: الفَرْقُ بينهما أنَّ الهازلَ قَصَدَ التكلُّمَ باللفظ وأرَادَه رِضاً واختياراً منه، لم يُحملْ على التلفُّظِ به، وغايتُه: أنَّه لم يُرِدْ حكمَه وموجَبَه؛ وذلك إلى الشارع ليس إليه، فالسببُ الذي إليه قد أتى به اختياراً وقَصْداً مع عِلمه به: لم يُحْمَلْ عليه، والسبب الذي إلى المُشرِّعِ ليس إليه؛ فلا يصحُّ اعتبارُ أحدِهما بالآخر، وكيف يُقاسُ الغضبان على المُتَّخِذِ آياتِ الله هزؤاً؟ ! وهذا مِن أفسدِ القياس!
стр. 76
الوجه العاشر: أنَّ الغضبَ مرضٌ مِن الأمراض، وداءٌ مِن الأدواء، فهو في أمراض القلوب نظير الحُمَّى والوسواس والصَّرَعِ في أمراض الأبدان، فالغضبانُ المغلوبُ في غضبِه كالمريضِ، والمحمومِ، والمصروعِ المغلوبِ في مرضِه، والمُبَرْسمِ المغلوبِ في بِرْسَامه. وهذا قياسٌ صحيحٌ في الغضبان الذي قد اشتدَّ به الغضبُ حَتَّى لا يعلم ما يقول، وأما إذا كان يعلم ما يقول، ولكن يتكلَّم به حَرَجاً وضيقاً وغَلَقاً، لا قَصْداً للوقوع؛ فهو يشبه المُبَرْسم والهاجر مِن الحُمَّى مِن وَجْهٍ، ويشبه المُكْره القاصد للتكلُّم مِن وَجْهٍ، ويشبه المختار القاصد للطلاق مِن وَجْهٍ، فهو متردِّد بين هذا وهذا وهذا، ولكن جهة الاختيار والقصد فيه ضعيف، فإنه يعلم مِن نفسِه أنه لم يكن مختاراً لما صَدَرَ منه مِن خراب بيته وفِراق حبيبه، وكونه يراه في يَدِ غيره، فإنْ كان عاقلاً لا يختار هذا إلا ليدفع به ما هو أكرهُ إليه منه، أو ليحصِّلَ به ما هو أحبُّ إليه، فإذا انتفى هذا وهذا لم يكن مختاراً لذلك، وهذا أمرٌ يعلمه كلُّ إنسان مِن نفسِه، فصار تردُّده بين المريضِ المغلوبِ، والمُكْرهِ، والمحمولِ على الطَّلاق، وأيُّهما كان فإنَّه لا ينفذُ طلاقُه.
فإن قيل: الفَرْقُ بينهما: أنَّ المريضَ المغلوبَ لا يملك نفسَه في الحال، والمُكْره - وإنْ مَلَكَ نفسَه - لكنه لا يملك دَفْعَ المكروه عنه، وأما الغضبان فإنه يُمكنه أنْ يملكَ نفسَه كما قال النَّبيُّ
стр. 77
صَلَّى الله عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «ليس الشَّديدُ بالصُّرَعَةِ، ولكنَّه الذي يَملِكُ نفسَه عند الغَضَبِ» (١).
قيل: مِن الغضبِ ما يمكن صاحبه أنْ يملِك نفسَه عنده، وهو الغضب في مبادِئه، فإذا استحكم وتمكَّن منه لم يملك نفسَه عند ذلك، وكذلك الحزنُ الحاملُ على الجزعِ يمكن صاحبه أنْ يملِكَ نفسَه في أوَّلِه، فإذا استحكمَ وقهر لم يملك نفسَه. وكذلك الغضبُ، يمكن صاحبُه أنْ يملكَ نفسَه في أوَّلِه، فإذا تمكَّن واستولى سلطانُه على القلب؛ لم يملك صاحبُه قلبَه، فهو اختياري في أوَّلِه؛ اضطراري في نهايته، كما قال القائل:
يا عاذلي والأمرُ في يَدِهِ ... هلا عَذلتَ وفي يدي الأَمْرُ
وهكذا السَّكران: سببُ السُّكر مقدورٌ له، يمكنه فِعْلُه وتَرْكُه، فإذا أتى بالسبب، خَرَجَ الأمرُ عن يدِه، ولم يملك نفسَه عند السُّكْر. فإذا كان السُّكْر الذي هو مفرِّطٌ بتعاطي أسبابه، ويقدِرُ على مَلْكِ نفسِه باجتنابها، قد عَذَرَ الصحابةُ وغيرُهم مِن الفقهاء صاحبَه إذا طلَّق في هذه الحال، مع كونه غيرَ معذورٍ في تعاطي سببه - فَلَأَنْ يُعذَرَ سكرانُ الغضبِ الذي لم يُفرِّطْ مع شِدَّةِ سُكْرِه على سُكْرِ الخمر أَولى وأَحرى.
стр. 78
الوجه الحاديْ عشَرَ: وهو أنَّ مِن النَّاسِ مَن إذا لم يُنفذْ غضبَه قَتَلَه غضبُه ومات، أو مرِضَ، أو غُشي عليه، كما يُذكرُ عن بعض العرب: أنَّ رَجُلاً سَبَّه؛ فأراد أنْ يَردَّ [على السَّابّ] (١) فأمسكَ جليسٌ له بيده على فَمِهِ، ثم رَفَعَ يدَه لما ظَنَّ أنَّ غضبَه قد سَكَنَ، فقال: «قتلتني! رَدَدتَ غضبي في جوفي» (٢). ومات مِن ساعتِه. فإذا نفذ مثل هذا غضبه بقَتْل أو ظُلم لغيره لم يُعذَرْ بذلك كالسَّكران، وأما إذا نَفذَ بقولٍ فإنَّه يمكن إهدار قوله، وألَاّ يترتَّب أثره عليه، كما أهدر الله سبحانه دعاءَه ولم يرتِّبْ أثرَه عليه، ولم يستجبه له.
ولهذا ذهب بعضُ الفقهاءِ إلى أنه لا يجلد بالقذف في حال الخصومة والغضب، وإنما يُجلد به إذا أتى به اختياراً وقَصْداً لقذفِه. وهو قولٌ قويٌ جداً، ويدلُّ عليه: أنَّ الخصم لا يُعذر (٣) بجَرْحِه
стр. 79
لخصمه وطَعْنِه فيه حال الخصومة بقوله: هو فاجرٌ، ظالمٌ، غاشمٌ، يحلفُ على الكذب. ونحو ذلك، ومَن يحدُّه في هذه الحال يفرِّقُ بين قَذْفِه وطلاقِه بأنَّ القذفَ حقٌّ لآدميٍّ، وانتهاكٌ لعِرضِه، أو قدحه في نفسِه، فيجري مجرى إتلاف نفسه وماله، فلا يُعذر فيه بالغضب؛ لا سيما ولو عُذر فيه بذلك لأمكن كلُّ قاذفٍ أنْ يقول: قذفتُه في حال الغضب. فيسقط الحَدُّ. بخلاف الطلاق؛ فإنه يمكن أنْ يُديَّن (١) فيما بينه وبين الله (٢)، والحقُّ لا يعدوه.
والمقصودُ: أنه إذا تكلَّم بالطلاقِ دواءً لهذا المرض، وشِفاءً له بإخراج هذه الكلمة مِن صدره؛ وتنفُّسِه [بها؛ فمِن] (٣) كمال هذه الشريعة ومحاسِنها وما اشتملت عليه مِن الرحمة والحِكمة والمصلحة ألّا يؤاخذَ بها؛ ويلزمَ بموجبها، وهو لم يلزمه (٤).
الوجهُ الثانيْ عشَرَ: أنَّ قاعدةَ الشَّريعة: أنَّ العوارضَ النفسيَّةَ لها تأثيرٌ في القول؛ إهداراً واعتباراً، وإعمالاً وإلغاءً، وهذا كعارضِ النسيان والخطأِ، والإكراهِ والسُّكرِ، والجنونِ والخوفِ، والحُزنِ
стр. 80
و [الغفلةِ] (١) والذهولِ، ولهذا يحتمل مِن الواحد مِن هؤلاء مِن القول ما لا يحتمل مِن غيره، ويُعذر بما لا يُعذر به غيره؛ لعدم تجرُّدِ القَصْدِ والإرادة، ووجود الحامل على القول، ولهذا كان الصَّحابةُ يسألُ أحدُهم النَّاذرَ: «أفي رِضاً قلتَ ذلك أم في غضبٍ؟ » (٢) فإن كان في غَضَبٍ أمره بكفَّارة يمين؛ لأنهم استدلوا بالغضب على أنَّ مقصودَه الحضُّ والمنعُ كالحالف، لا التقرُّب، وقد قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النِّساء: ٤٣] فجعل عارضَ السُّكْرِ مانعاً مِن اعتبارِ قِراءة السَّكران وذِكْرِه وصلاته، كما جَعَله النبيُّ ﷺ مانعاً مِن صحَّة إقرارِه لمَّا أمر باستنكاه (٣) مَن أقرَّ بين يديه بالزنا (٤)، وجَعَله
стр. 81
مانعاً مِن تكفير مَن قال له ولأصحابهِ: «هل أنتم إلا عبيدٌ [لآبائي] (١)» (٢) وجعل الله سبحانه الغضبَ مانعاً مِن إجابة الدَّاعي على نفسِه وأهله، وجعل سبحانه الإكراه مانعاً مِن كُفْرِ المتكلِّمِ بكلمة الكُفر، وجعل الخطأ والنسيانَ مانعاً مِن المؤاخذة بالقول والفعل. وعارضُ الغضب قد يكون أقوى مِن كثيرٍ مِن هذه العوارض، فإذا كان الواحد مِن هؤلاء لا يترتَّبُ على كلامِه مقتضاه؛ لعدم القصد، فالغضبانُ الذي لم يقصدْ ذلك إنْ لم يكن أَولى بالعُذر منهم لم يكن دونهم؛ يوضِّحه:
الوجهُ الثالثَ عشَرَ: أنَّ الطَّلاقَ في حالِ الغضب له ثلاثُ صُور:
أحدها: أنْ يبلغه عن امرأتِه أمرٌ يشتدُّ غضبُه لأجله، ويظنُّ أنه حقٌّ فيطلِّقُها لأجله، ثم يتبين أنَّها بريئةٌ منه، فهذا في وقوع الطَّلاقِ به وجهان، أصحهما: أنه لا يقع طلاقُه؛ لأنه إنما طلَّقها لهذا السبب، والعِلَّةُ والسبب كالشرط، فكأنه قال: إنْ كانت فعلتْ ذلك فهي طالقٌ، فإذا لم تفعله لم يوجد الشرطُ، وقد ذَكَرَ المسألةَ بعينها
стр. 82
أبو الوفاء ابن عَقيل. وذَكَرَ الشريفُ (١) ابن أبي موسى في «إرشاده» (٢) فيما إذا قال: أنت طالق أَنْ دَخلتِ الدَّار - بفتح الهمزة - مراراً، وهو يعرف العربيةَ، ثم تبيَّن أنَّها لم تدخلْ، لم تطلق (٣). ولا يُقال: هو ههُنا قد صرَّحَ بالتعليل، بخلاف ما إذا لم يصرِّحْ به، فإنَّ هذا لا تأثيرَ له، فإنه قد أوقعَ الطَّلاقَ لَعِلَّةٍ، فإذا انتفتِ العِلَّةُ تبيَّنَّا أنه لم يكن مريداً لوقوعه بدونها، سواء صرَّحَ بالعِلَّةِ أو لم يصرح بها، وغايةُ الأمر أن تكون العلَّةُ بمنزلة الشرطِ، وهو لو قال: أنت طالقٌ، وقال: أردتُ «إنْ فعلت كذا وكذا»، دُيّنَ فيما بينه وبين الله تعالى.
وقد ذَكَرَ أصحابُ الشافعيِّ (٤) وأحمدَ (٥) فيما إذا كاتب عبدَه على عِوَضٍ فأدَّاه إليه، فقال: أنت حُرٌّ، ثم تبيَّن أنَّ العِوض مستحقٌّ؛ لم يُعتق مع تصريحه بالحريَّة، فالطلاقُ أَولى بعدم الوقوعِ
стр. 83
في هذه الصُّورة.
الصورة الثانية: أن يكون قد غَضِبَ عليها لأمرٍ قد عَلِمَ وقوعَه منها، فتكلَّم بكلمةِ الطلاقِ قاصداً للطلاقِ؛ عالماً بما يقول؛ عقوبةً لها على ذلك. فهذا يقعُ طلاقُه، إذ لو لم يقعْ هذا الطلاقُ لم يقعْ أكثرُ الطلاقِ، فإنَّه غالباً لا يقعُ مع الرضا (١)(٢).
الصورة الثالثة: ألَّا يقصدَ أمراً بعينه، ولكن الغضب حَمَلَه على ذلك، وغيَّر عقلَه، ومَنَعَه كمالَ التصوُّرِ والقصدِ، فكان بمنزلة الذي فيه نوعٌ مِن السُّكر والجنون، فليس هو غائبَ العقل؛ بحيث لا يفهم ما يقول بالكلية، ولا هو حاضرَ العقل؛ بحيث يكون قصدُه معتبراً، فهذا لا يقعُ به الطلاقُ أيضاً، كما لا يقع بالمُبَرْسَم والمجنون؛ يوضِّحه:
الوجهُ الرابعَ عشَرَ: أنَّ المجنونَ والمُبَرْسَمَ والموسوَسَ والهاجرَ
стр. 84
قد يشعُرُ أحدُهم بما قاله، ويستحي منه، وكذلك السَّكران؛ ولهذا لم يشرطْ أكثرُ الفقهاء - في كونه سكران - أنْ يُعْدَمَ تمييزُهُ بالكلية، بل قد قال الإمام أحمد وغيره: إنه الذي يخلِّطُ في كلامِه، ولا يَعرف رِداءَه مِن رِداءِ غيره، وفِعْلَه مِن فِعلِ غيره (١). والسُّنةُ الصَّريحة الصحيحةُ تدلُّ عليه، فإنَّ النبيَّ ﷺ أمرَ أنْ يُسْتَنْكه (٢) مَنْ أقرَّ بالزنا (٣)، مع أنه حاضرُ العقلِ والذِّهنِ، يتكلَّمُ بكلامٍ مفهومٍ ومنتظمٍ، صحيحُ الحركة، ومع هذا فجوَّزَ النبيُّ ﷺ أنْ يكون به سُكْرٌ يحول بينه وبين كمال عقلِه وعلمه، فأمر باستنكَاهِهِ (٤).
والمقصودُ: أنَّ هؤلاء ليسوا مسلوبي التمييز بالكليَّةِ، وليسوا كالعقلاء الذين لهم قَصْدٌ صحيحٌ، فإنَّ ما عَرَضَ لهم أوجب تَغيُّرَ العقلِ الذي مَنَعَ صحةَ القصد، فلم يبقَ أحدُهم يقصِدُ قَصْدَ العقلاءِ الذي مرادُه جَلْبُ ما ينفع، ودَفْعُ ما يضرُّ، فلم يتصور أحدُهم لوازمَ ما تكلَّم به ولا غابَ عقلُه عن الشعور به، بل هو ناقص التصور؛ ضعيف القصد، والغضبانُ في حال غضبه قد يكون أسوأ حالاً مِن
стр. 85
هؤلاء، وأشبه بالمجانين، ولهذا يقول ويفعل ما لا يقوله المجنون ولا يفعله.
فإنْ قيل: فهل يُحْجَرُ عليه في هذا الحال؛ كما يُحجر على المجنون؟
قيل: لا، والفَرْقُ بينهما: أنَّ هذه الحال (١) لا تدوم، فهو كالذي يجنُّ أحياناً نادراً، ثم يفيق، فإنَّه لا يُحجر عليه. نعم، لو صَدَرَ منه في تلك الحال قولٌ عن غير قَصْدٍ منه؛ كان مثل القول الصَّادر عن المجنون في عدم ترتُّبِ أثره عليه، ولا ريب أنَّه قد يحصُل للغضبان إغماءٌ وغشي - وهو في هذه الحال غير مكلَّف قطعاً - كما يحصُل ذلك للمريض فيزيلُ تكليفَه حالَ الإغماء، حَتَّى إن بعض الفقهاء لا يوجبُ عليه قضاء الصَّلاةِ في هذه الحال إلحاقاً بالمجنون؛ كما يقوله الشافعيُّ (٢).
وأحمدُ يوجب عليه القضاء إلحاقاً له بالنائم (٣).
стр. 86
وأبو حنيفة يُفرِّقُ بين الطَّويل الزائد على اليوم والليلة فيُلحِقُه بالجنون، وبين القصير الذي هو دون ذلك فيُلحِقُه بالنوم (١).
وقد يُنكرُ كثيرٌ مِن النَّاسِ أن ا لغضبَ يُزيلُ العقلَ ، ويبلغُ بصاحبه إلى هذه الحال، فإنَّه لا يعرفُ مِن الغضبِ إلا ما يجدُ مِن نفسِه، وهو لم يعلم غضباً انتهى إلى هذه الحال. وهذا غَلَطٌ، فإن النَّاسَ متفاوتون في الغضب تفاوتاً عظيماً، فمنه ما هو كالنَّشوة، ومنه ما هو كالسُّكْرِ، ومنه ما هو كالجنون، ومنه ما هو سريعُ الحصول سريعُ الزَّوال، وعكسه، ومنه سريعُ الحصول بطيءُ الزَّوال، وعكسه، كما قسَّمه النبيُّ ﷺ إلى هذه الأقسام (٢). وقِوى النَّاس متفاوتة تفاوتاً عظيماً في ملك تقواهم (٣) عند الغضبِ والطمعِ والحزنِ والخوفِ والشهوةِ، فمنهم مَن يملِكُ ذلك ويتصرَّفُ فيه، ومنهم مَن يملكه ذلك ويتصرَّفُ فيه.
الوجهُ الخامسَ عشَرَ: أنَّ الغضبان الذي قد انغلقَ عليه القصدُ والرأيُ في الغضبِ - وقد صار إلى الجنون العارضِ أقربَ منه إلى العقلِ الثابتِ - أَولى بعدم وقوع طلاقِه مِن الهازلِ المتلفِّظِ بالطلاق في حال
стр. 87
عقلِه، وإنْ لم يرده بقلبِه، وقد ألغى طلاقَ الهازلِ بعضُ الفقهاءِ، وهو إحدى الروايتين عن الإمام أحمدَ (١)، حكاها أبو بكر عبدُ العزيز وغيرُه، وبه يقول بعضُ أصحابِ مالك (٢)، إذا قام دليلُ الهزل، فلم يلزمه عِتقٌ ولا نِكاحٌ ولا طَلاقٌ. ولا ريب أنَّ الغضبانَ أَولى بعدم وقوعِ طلاقِه مِن هذا.
الوجهُ السادسَ عشَرَ: أنَّ جماعةً مِن أصحابنا لم يشترطوا في المجنون والمُبَرْسَم ألَاّ يكون ذاكِراً لطلاقِه، وإنْ كان ظاهرُ نَصِّ أحمدَ أنَّه متى ذَكَرَ الطَّلاقَ لزِمَه، فإنه قال في رواية أبي طالب في المجنون يُطَلِّقُ، فقيل له لما أفاقَ: إنَّك طلَّقتَ امرأتك، فقال: أنا ذاكرٌ أنِّي طلَّقتُ، ولم يكن عقلي معي؟ فقال: إذا كان يذكر أنَّه طلَّقَ فقد طَلُقَتْ (٣).
قال أبو محمد المقدسي: «وهذا هو المنقول عن الإمام أحمد فيمن كان جنونه بذهاب معرفتِه بالكليَّة وبطلان حواسه، فأمَّا مَن كان جنونُه لنشاف أو كان مُبَرْسَماً فإنَّ ذلك يسقط حكم تصرُّفه مع أنَّ
стр. 88
معرفتَه غيرُ ذاهبةٍ بالكليَّة، فلا يضرُّه ذِكْرُ الطَّلاق إنْ شاء الله» (١). انتهى كلامُه.
ومعلومٌ أنَّ الغضبانَ الممتلئ أسوأُ حالاً ممن جنونُه مِن نَشَافٍ أو بِرْسَام، وأقلُّ أحوالِه أن يكون مثله (٢)؛ يوضِّحه:
الوجهُ السابعَ عشَرَ: وهو أنَّ الموسوسَ لا يقعُ طلاقُه، صرَّحَ به أصحابُ أبي حنيفة (٣) وغيرهم، وما ذاك إلا لعدم صِحَّةِ العقلِ والإرادة منه، فهكذا هذا.
الوجهُ الثامنَ عشَرَ: أنه لم يقلْ أحدٌ: إنَّ مجردَ التكلُّمِ بلفظِ الطَّلاقِ موجِبٌ لوقوعه على أيِّ حالٍ كان، بل لا بُدَّ مِن أمرٍ آخَرَ وراء التكلُّمِ باللفظ:
فطائفةٌ: اشترطَتْ أنْ يأتيَ به في حالِ التَّكليف فقط، سواءٌ قَصَدَه أو جَرى على لسانِه مِن غير قَصْدٍ، سواءٌ أُكره عليه أو أتى به اختياراً، وهذا مذهب مَن يوقع طلاقَ المكره، والطَّلاق الذي يجري على لسانِ العبدِ مِن غير قَصْدٍ منه، وهو المنصوصُ عن أبي حنيفة في الموضعين (٤).
стр. 89
وطائفةٌ: اشترطت مع ذلك أن يأتيَ باللفظ مختاراً قاصداً له، وهو قول الجمهورِ الذين لا يُنْفِذُون طلاق المُكْره.
ثم منهم: مَنِ اشترطَ مع ذلك أن يكون عالماً بمعناه، فإنْ تكلَّم به اختياراً غير عارفٍ بمعناه لم يلزمْه حكمه، وهذا قول مَن يقول: لا يلزم المكلَّف أحكام الأقوال حَتَّى يكون عارفاً بمدلولها. وهذا هو الصَّواب.
ومنهم: مَنِ اشترطَ مع ذلك أن يكون مريداً لمعناه ناوياً له، فإنْ لم ينوِ معناه ولم يُرِدْه لم يلزمه حكمه، وهذا قولُ مَن يَشترطُ لصريح الطَّلاق النية، وقول مَن لا يوقع طلاق الهازل، وهو قولٌ في مذهب الإمام أحمد (١) ومالك (٢) في المسألتين، فيشترطُ هؤلاء:
стр. 90
١ - الرِّضا بالنُّطق اللِّساني.
٢ - والعِلم بمعناه.
٣ - وإرادة مقتضاه.
ومنهم: مَنْ يشترط مع ذلك كون الطلاق مأذوناً فيه مِن جهة الشَّارع، وهو قول مَن لا يوقع الطلاق المحرَّم، وهو قول طائفة مِن السَّلفِ مِن الصَّحابة والتابعين ومَن بعدهم.
وقال [محمد] (١) بنُ عبد السَّلام الخُشني: حَدَّثَنَا (٢) محمد بن بشار قال: حَدَّثَنَا عبد الوهَّاب بن عبد المجيد الثقفي، حَدَّثَنَا عُبيد الله بن عُمر، عن نافع، عن ابن عُمر أنَّه قال - في الرَّجُلِ يطلِّقُ امرأته وهي حائضٌ -: لا يعتدُّ بذلك.
وحسبُكَ بهذا الإسناد - إذا صحَّ - رواه أبو محمد بن حَزْم، قال: حَدَّثَنَا يوسف (٣) بن عبد الله، قال: حَدَّثَنَا أحمد بن عبد الله بن
стр. 91
عبد الرحيم قال: حَدَّثَنَا أحمد بن خالد قال: حَدَّثَنَا محمد بن عبد السَّلام فَذَكَره (١).
وهذا مذهبُ أفقهِ التابعين على الإطلاق سعيدِ بن المسيِّب، حكاه عنه الثعلبيُّ (٢) في تفسير سورة الطَّلاق.
وهو مذهب أفقهِ التابعين مِن أصحاب ابن عباس، وهو طاوُس. قال عبد الرزاق: عن [ابن] (٣) جريج، عن عبد الله بن طاوُس، عن
стр. 92
أبيه: أنه كان لا يرى طلاقاً مما خالف وَجْهَ الطَّلاق؛ ووَجْهَ العِدة، وكان يقول: وَجْهُ الطَّلاقِ أنْ يطلِّقها طاهراً مِن غير جِماع، وإذا استبان حَمْلُها (١).
وهذا مذهب خِلاس بن عَمرو. قال ابنُ حَزْمٍ: حَدَّثَنَا محمد بن سعيد بن نُبَاتٍ (٢)، قال: حَدَّثَنَا عباس بن أصبع، قال: حَدَّثَنَا محمد بن قاسم بن محمد، قال: حَدَّثَنَا محمد بن عبد السَّلام الخُشني، قال: حَدَّثَنَا محمد بن المثنى، قال: حَدَّثَنَا عبد الرحمن بن مهدي، قال: حَدَّثَنَا [همَّام] (٣) بن يحيى، عن قتادة، عن خِلاس بن عَمرو أنه قال في الرَّجُلِ يطلِّق امرأته وهي حائضٌ فقال: لا يعتدُّ بها (٤).
وهذا قول أبي قِلابة. قال ابنُ أبي شيبة [حدَّثنا] (٥) عبد الرزاق،
стр. 93
عن معمر، [عن أيوب] (١) عن أبي قِلابة، قال: إذا طلَّقَ الرَّجُلُ امرأته وهي حائضٌ فلا يعتدُّ (٢) بها (٣).
وهذا اختيارُ ابنِ عَقيل في كتابه «الواضح في أصول الفقه» (٤)؛ صرَّح به في مسألة «النَّهْيُ يقتضي الفساد».
وهو اختيارُ شيخ الإسلام ابن تيميَّة (٥).
وهو أحدُ الوجهَيْن في مذهب أحمد (٦).
وقال أبو جعفر الباقر: لا طلاقَ إلا على سُنَّة، ولا طلاق إلا على طُهْرٍ مِن غير جِماع، وكلُّ طلاقٍ في غَضَبٍ أو يمينٍ أو عِتْقٍ، فليس بطلاق، إلا لمن أراد الطَّلاقَ.
стр. 94
والمقصود: أنَّ هؤلاءِ يشترطون في وقوعِ الطَّلاقِ إِذْنَ الشَّارعِ فيه، وما لم يأذن فيه الشَّارعُ فهو عندهم لاغٍ، غيرُ نافذٍ.
قال شيخ الإسلام: وقولهم أصحُّ في الدَّليل مِن قول مَن يوقع الطَّلاقَ الذي لم يأذن فيه الله ورسولُه، ويراه صحيحاً لازماً.
والمقصود: أنَّ أحداً لم يقل: إنَّ مجرَّدَ التكلُّمِ بالطَّلاقِ موجبٌ لترتُّبِ أثره عليه على أيِّ وَجْهٍ كان.
الوجهُ التاسعَ عشَرَ: أنَّ هذا مقتضى نَصِّ أحمد؛ كما تقدَّم (١) تفسيره الإغلاق - في رواية حنبل - بالغضب (٢).
وقال عبدُ الله ابنُه في «مسائله» (٣): سألتُ أبي عن المجنون إذا طلَّقَ في وقت زَوَلانِ عقلِه أيجوز؟ قال أبي: كلُّ مَن كان صحيحَ العقل، فزال عقلُه عن صحَّته، فطلَّق - فليس طلاقُه بشيءٍ.
فهذا عمومُ كلامِه، وذاك خاصُّه؛ فقد جعل تغيّرَ العقلِ عن صحَّته مانعاً مِن وقوعِ الطَّلاق، ولا ريبَ: أنَّ إغلاقَ الغضبِ يُغَيِّرُ العقلَ عن صحَّتهِ.
стр. 95
الوجه العشرون: أنَّ الفقهاءَ اختلفوا في صحَّةِ حُكْمِ الحاكم في الغضبِ على ثلاثةِ أقوالٍ، وهي ثلاثةُ أوجهٍ في مذهب أحمد (١):
أحدها: لا يصحُّ ولا يَنْفُذُ؛ لأنَّ النَّهيَ يقتضي الفسادَ.
والثاني: ينفُذُ.
والثالث: إنْ عَرَضَ له الغضبُ بعد فَهْمِ الحكم نَفَذَ حكُمه، وإنْ عَرَضَ له قبل ذلك لم ينفذْ، فإنّ الحاكمَ يجب أن يكون عالماً عدلاً.
فمَن نفذ حكمه قال: الغضبُ لا يمنعُه العلمَ والعدلَ، فقد حَكَم النبيُّ ﷺ للزُّبيرِ في شِرَاجِ الحَرَّة وهو غضبان (٢).
ومَن لم يُنفِذْ حُكمه قال: الغضبُ يمنعه كمالَ المقصودِ وحُسْنَ القصد، فيمنعه العلمَ والعدلَ، ولا يصحُّ القياس على النبيِّ ﷺ فإنَّه معصومٌ في غَضَبِه ورِضاه، فكان إذا غضب لم يقل إلا حقّاً؛ كما كان في رِضاه كذلك.
стр. 96
ومَن فرَّق قال: إذا عَلِمَ الحقَّ قبل الغضب لم يمنعه الغضبُ مِن العلمِ، وحينئذ فيمكنُه أن يُنفِذَ الحقَّ الذي عَلِمه، وإذا غَضِبَ قبل الفهم لم يَنفُذْ حكمُه؛ لإمكان أن يَحول الغضبُ بينه وبين الفهم (١)، وهؤلاء يحتجُّون بقضيَّة الزبير، وأنَّ النبيَّ ﷺ إنما عَرَضَ له الغضبُ بعد فَهْمِ الحكومة.
والمقصودُ: أنَّ الغضبَ إذا أثَّر عند هؤلاء في بطلان الحكم، عُلِمَ أنَّ كلامَ الغضبان غيرُ كلام الرَّاضي المختارِ، وأنَّ للغضبِ تأثيراً في ذلك.
الوجه الحادي والعشرون: أنَّ وقوعَ الطَّلاق حكمٌ شرعيٌّ؛ فيستدعي دليلاً شرعياً، والدليلُ: إما كتابٌ، أو سُنَّةٌ، أو إجماعٌ، أو قياس يستوي فيه حُكم الأصل والفَرْعِ. وليس شيءٌ منها موجوداً في مسألتنا.
وإن شئتَ قلتَ: الدَّليلُ إما نَصٌّ، وإما معقول نَصٍّ، وكلاهما مُنْتَفٍ.
وإنْ شئتَ قلتَ: لو ثبت الوقوعُ لَزِمَ وجود دليله، واللازمُ مُنتفٍ؛ فالملزوم مثله.
стр. 97
الوجهُ الثاني والعشرون: أنَّ نِكاح هذا مُثْبَتٌ بالإجماع، فلا يزول إلا بإجماعٍ مثلِه.
وإنْ شئتَ قلتَ: نِكاحُه قبل صدورِ هذا اللفظ منه ثابتٌ بالإجماعِ، والأصلُ بقاؤه حَتَّى يثبت ما يرفعُه.
الوجهُ الثالثُ والعشرون: أنَّ جمهورَ العلماء يقولون: إنَّ طلاق الصَّبيِّ المُميِّزِ العاقلِ لا ينفذُ ولا يصحُّ - هذا قول أبي حنيفة (١)، ومالكٍ (٢)، والشافعيِّ (٣)، وإحدى الروايتين عن الإمام أحمد (٤)؛ اختارها الشَّيخُ أبو محمد (٥)، وهو قولُ إسحاق - مع كونه عارفاً باللفظ، وموجبه بكلماته اختياراً وقَصْداً، وله قَصْدٌ صحيحٌ، وإرادةٌ صحيحةٌ، وقد أمر اللهُ سبحانه بابتلائه واختباره في تصرُّفاتِه. وقد نفذ عُمرُ بن الخطَّاب وصيَّته (٦). واعتبرَ النَّبيُّ ﷺ قَصْدَه
стр. 98
واختياره في التخيير بين أبويه (١)، فالغضبانُ الشديدُ الغضب الذي قد أُغلقَ عليه بابُ القصدِ والعِلْم أَولى بعَدَمِ وقوعِ طلاقِه مِن هذا بلا ريب.
فإن قيل: الغضبانُ مكلَّفٌ، وهذا غيرُ مكلَّفٍ؛ لأنَّ القلمَ مرفوعٌ عنه.
قيل: نعم، الأمرُ كذلك، ولكنْ لا يلزمُ مِن كونه مكلَّفاً أن يترتَّبَ الحكم على مجرَّد لفظِه كما تقدَّم، كيف والمُكره مكلَّف؛ ولا يصحُّ طلاقُه، والسَّكرانُ مكلَّفٌ، والمريضُ مكلَّفٌ، فلا يلزم مِن كون العبد مكلَّفاً ألَّا يعرِض له حالٌ يمنعُ اعتبارَ أقوالِه ونقص (٢) أفعاله.
الوجهُ الرابعُ والعشرون: أنَّ غايةَ التلفُّظِ بالطَّلاق أن يكون جزءَ سبب، والحكمُ لا يتمُّ إلا بعد وجودِ سببه وانتفاء مانعه، وليس مجرَّدُ التلفُّظِ سبباً تاماً باتِّفاقِ الأئمة كما تقدَّم؛ وحينئذٍ: فالقَصْدُ
стр. 99
والعِلم والتكليف إمَّا أن تكونَ بقيةَ أجزاء [الكسب] (١)، أو تكونَ شروطاً في اقتضائه، أو يكونَ عدمُها مانعاً مِن تأثيره، وعلى التقادير الثلاثة: فلا يؤثِّر التكلُّمُ بالطَّلاق بدونها. وليس مع مَنْ أوقعَ طلاقَ الغضبان، والسَّكران، والمُكْرَه، ومَن جرى على لسانه بغير قَصْدٍ منه، إلا مجرَّدُ السبب، أو جزؤه؛ بدون شرطِهِ وانتفاءِ مانعه، وذلك غيرُ كافٍ في ثبوت الحكم. والله أعلم.
الوجه الخامس والعشرون: أنه لو سَبَقَ لسانُه بالطَّلاق، ولم يُرِدْهُ، دُيِّنَ فيما بينه وبين الله تعالى، ويُقْبَلُ منه ذلك في الحكم في إحدى الرِّوايتين عن أحمد (٢)، إلا أن تكذِّبه قرينةٌ.
والرواية الأخرى: يُديَّن، ولا يُقبل في الحكم (٣).
وكذلك قال أصحابُ الشافعيِّ (٤): إذا سَبَقَ الطَّلاقُ إلى لسانه بغير قَصْدٍ، فهو لغوٌ، ولكن لا تُقْبَلُ دعوى سَبْقِ اللسان إلا إذا ظهرتْ قرينةٌ تدلُّ عليه؛ فقبلوا منه في الباطن دون الحكم إلا بقرينة.
стр. 100
وكذلك قال أصحابُ مالك (١): مَن سَبَقَ لسانُه إلى الطَّلاق، لم يقع عليه الطَّلاقُ، قالوا: ويُقبل في الفتوى.
وأبو حنيفة (٢): لا يرى سَبْقَ اللسان مانعاً مِن وقوع الطَّلاقِ، وعنه في سَبْقِ اللسان في العتقِ روايتان، وقرَّرَ أصحابُه بأن المرأة تملك بُضْعَها لسببٍ يستوي فيه القَصْدُ وعدمُ القَصْد؛ كالسَّكران والمُكْره والهازل، وكالرِّضاع بالاتِّفاق، فزوال البُضْعِ لا يختلف في سببه القَصْدُ وعدم القَصْدِ، بخلاف العتق، فإنَّ السبب الذي يملك به نفسَه يختلف فيه القَصْدُ وعدمُه، وروى أبو يوسف عن أبي حنيفة التسويةَ بينهما، ثم اختلف أصحابُه:
فقالت طائفةٌ: هما سواءٌ في الوقوع.
وقالت طائفةٌ: بل هما سواءٌ في عَدَمِ الوقوع.
والمقصود: أنَّ سَبْقَ اللسان إلى الطَّلاقِ مِن غير قَصْدٍ له مانعٌ مِن وقوعِه عند الجمهور، والغضبانُ إذا عَلِمَ مِن نفسِه أنَّ لسانَه سَبَقَه بالطَّلاق مِن غير قَصْدٍ، جاز له الإقامة على نِكاحه ويُدَيَّن في الفتوى. وأما قَبولُهُ في الحكم فيُخرَّجُ على الخِلاف.
стр. 101
والأظهرُ: أنَّه إنْ قامتْ قرينةٌ ظاهرةٌ تدلُّ على صحَّةِ قوله، قُبِلَ في الحكم، والغضبُ الشديدُ مِن أقوى القرائن، ولا سيمَّا فإنَّ كثيراً ممن يُطَلِّقُ في شدَّةِ الغضب يحلف بالله جَهْدَ يمينه أنه لم يقصدِ الطَّلاقَ، وإنما سَبَقَ لسانُه؛ وحينئذٍ فالجمهورُ لا يوقعون عليه الطَّلاقَ، كما صرَّحَ به أصحابُ أحمدَ والشافعيِّ ومالكٍ، وفي قبوله في القضاء ثلاثةُ أقوالٍ؛ أصحُّها: أنَّه إنْ قامتْ قرينةٌ ظاهرةٌ على صحَّةِ قوله قُبِلَ؛ وإلا فلا.
стр. 102
فصل
ومما يُبيِّنُ أنَّ الغضبان قد يتكلَّمُ في الغضب بما لا يريدُه: ما رواه مسلم في «صحيحه» من حديث أبي الزُّبير أنَّه سمع جابرَ بن عبد الله يقول: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: «إنَّما أنا بَشَرٌ، وإنِّي [اشْترطتُ] (١) على رَبِّي أيُّ عَبْدٍ مِن المسلمين شَتمتُهُ أو سَببتُهُ أنْ يكون ذلك له زكاةً وأجراً» (٢).
وفي مسند الإمام أحمد مِن حديث مسروق، عن عائشة قالت: دَخَلَ على النَّبيِّ ﷺ رَجُلان [فأغلظ لهما] (٣) وسبَّهما. قالت: فقلت: يا رسولَ الله، لَمَنْ أصابَ منك خيراً [ما أصابَ هذان منك خيراً] (٤) قالت: فقال: «أَوَما علمتِ ما عاهدتُ عليه رَبِّي ؟ قلتُ: اللَّهُمَّ أيُّما مؤمنٍ سببتُه أو جلدتُهُ أو لعنتُهُ فاجعلها له مغفرةً وعافيةً» (٥).
وفي «الصحيحين» مِن حديث أبي هُريرة أنَّه سمع النَّبيَّ
стр. 103
صَلَّى الله عَلَيْهِ وسَلَّمَ يقول: «اللَّهُمَّ، أيّما عبدٍ مؤمنٍ سَبَبتُهُ؛ فاجعلْ ذلك [له] (١) قُرْبةً إليكَ يومَ القيامةِ» (٢).
وفي بعض ألفاظِ الحديث: «إنَّما أنا بَشَرٌ، أرضى كما يرضى البشرُ، وأغضبُ كما يغضبُ البشر، فأيُّما مؤمنٍ سببتُه أو لعنتُه فاجعلها له زكاةً».
فلو كان النبيُّ ﷺ مريداً لما دعا به في الغضبِ لما شَرَطَ على ربِّه وسأله أنْ يفعلَ بالمدعو عليه ضِدَّ ذلك؛ إذ مِن الممتنع اجتماعُ إرادة الضِّدين، وقد صرَّحَ بإرادة [أحدهما] (٣) مشترطاً لَهُ على ربِّه، فدلَّ على عَدَم إرادتِهِ لما دَعَا به في حالِ الغضب. هذا؛ وهو ﷺ معصومُ الغضبِ كما هو معصومُ الرِّضَا، وهو مالكُ لفظِه بتصرُّفِه، فكيف بمن لم [يعصمْهُ] (٤) في غضبهِ وتمليكه، ويتصرَّفُ فيه غضبُه، ويتلاعبُ الشيطانُ به فيه؟ وإذا كان الغضبانُ يتكلَّمُ بما لا يريده، ولا يريد مضمونه، فهو بمنزلة المُكْره الذي يلجأ إلى الكلام أو يتكلَّمُ به باختياره، ولا يريد مضمونه، والله أعلم.
стр. 104
فإن قيل: ما ذكرتم معارَضٌ بما يدلُّ على وقوع الطَّلاقِ، فإنَّ الغضبان أتى بالسَّببِ اختياراً وأرادَ في حال الغضب ترتُّب أثره عليه، ولا يضرُّ عدم إرادتِه له في حال رِضاه؛ إذ الاعتبار بالإرادة إنما هو حال التلفُّظِ، بخلاف المُكْره، فإنه محمولٌ على التكلُّمِ بالسبب غير مريد لترتُّبِ أثره عليه، وبخلاف السَّكران المغلوب [على] (١) عقله، فإنه غير مكلَّفٍ، والغضبان مكلَّفٌ مختار، فلا وجه لإلغاء كلامه.
فالجواب: أن يقال: إنْ أُريدَ بالاختيار رِضَاه به وإيثاره له فليس بمختار، وإنْ أردتم أنَّه وقع بمشيئته وإرادته التي هو غير راضٍ بها ولا بأثرها فهذا بمجرَّدِه لا يوجب ترتُّب الأثر، فإن هذا الاختيار [ثابت] (٢) للمُكْره والسَّكران، فإنا لا نشترط في السَّكران ألّا يفرِّقَ بين الأرض والسماء، بل المشترط في عَدَمِ ترتُّبِ أثر أقواله أنه يهذي ويخلِّطُ في كلامِه، وكذلك المحمومُ والمريض، وأبلغ مِن هذا: الصَّبيُّ المراهقُ للبلوغ، إذ هو مِن أهل الإرادة والقَصْد الصحيح، ثم لم يرتب على كلامِه أثره، وكذلك مَن سَبَقَ لسانُه بالطَّلاق ولم يُردْه؛ فإنه لا يقع طلاقُه؛ وقد أتى باللفظ في حال الاختيار غير مُكره، ولكن لم يقصده، والغضبان - وإن قَصَدَه - فلا حكم لقَصْدِه في حال الغضب لما تقدَّم مِن الأدلة الدَّالة على ذلك. وقد صَرَّحَ
стр. 105
أصحابُنا (١) بأنَّ مَن كان جنونُه لنَشَافٍ أو بِرْسَام لا يقع طلاقُه، ويسقط حكم تصرُّفِه [و] (٢) إنْ كانت معرفته غير ذاهبة بالكلية، ولا يضرُّه أنْ يذكرَ الطلاقَ وأنه أوقعه، وما ذكرناه مِن دُعاء النَّبيِّ ﷺ رَبَّه أنْ يجعلَ سبَّه لمن سَبَّه في حال غضبه صَريحٌ في أنه [غير] (٣) مريدٍ له، إذ لو أراده واختاره لم يسأل رَبَّه أن يفعل بالمدعو عليه ضِدَّ ما دعا به عليه، إذ لا يتصور إرادة ضِدَّين في حالٍ واحدة، وهذا وحدَه كافٍ في المسألة.
فهذا ما ظَهَر في هذه المسألة، بعد طول التأمُّل والفِكْرِ، ونحن مِن وراءِ القَبول والشُّكر لمن رَدَّ ذلك بحجَّة يجب المصيرُ إليها، ومِن وراءِ الرَّدِّ على مَن رَدَّ ذلك بالهوى والعناد. واللهُ المستعان، وعليه التكلان، وصَلَّى الله على سيِّدِ المرسلين، وخاتم النَّبيين، وعلى آله وأصحابه، وعترته وأنصاره، صلاة دائمة بدوام ملك الله .
(تمّت)
стр. 106
قصيدة المطلقة
стр. 107
المطلَّقة (١)
قصيدة من البحر الوافر لأديب العراق معروف أفندي الرُّصَافي في الانتصار لمذهب المؤلِّف وشيخه، عليهما الرحمةُ والرضوان:
بَدَتْ كالشمس يحضُنُها الغُرُوبُ ... فتاةٌ راعَ نَضرتَهَا الشُّحوبُ
منزَّهةٌ عن الفحشاء خَوْدٌ (٢) ... من الخَفِراتِ (٣) آنِسَةٌ عَروبُ (٤)
نَوَارٌ (٥) تَستَجِدُّ بها المَعَالي ... وتَبلى دُونَ عِفَّتِها العُيوبُ
صفا ماءُ الشَّبابِ بوَجْنَتَيْهَا ... فحامَتْ حولَ رَوْنقهِ القُلوبُ
ولكنَّ الشَّوائِبَ أدركتْهُ ... فعادَ وصَفْوُهُ كَدِرٌ مَشوبُ
ذوى منها الجمالُ الغَضُّ وَجْداً ... وكادَ يَجِفُّ ناعِمُهُ الرَّطيبُ
أصابَتْ مِنْ شَبيبَتِها الليالي ... ولم يُدرِكْ ذُؤابَتَها المَشيبُ
وقد خَلَبَ العُقُولَ لها جبينٌ ... تَلوحُ على أَسِرَّتِهِ (٦) النُّكوبُ
_________
(١) ديوان الرُّصَافي (٢/ ١٣٧) شرح: مصطفى علي، ومنه استفدتُّ الشرحَ مع التصرُّف.
(٢) الخَوْد: الشابَّة الحسنةُ الخَلْق.
(٣) الخَفِرات: جمع «خَفِرة»، وهي المرأة التي اشتدَّ حياؤها.
(٤) العَرُوب: المرأة المتحبِّبة إلى زوجها.
(٥) النَّوَار: المرأة النفور من الرِّيبة، وهو اسم لامرأة كانت زوجاً للشاعر الفرزدق، فطلَّقها فندم على طلاقه إيَّاها، وفي البيت إشارةٌ إلى ذلك.
(٦) الأسِرَّة: خطوط الجبهة.
стр. 108
ألا إنَّ الجَمَال إذا علاه ... نِقابُ الحُزنِ مَنظَرُه عَجيبُ
* * *
حَليلةُ طيِّبِ الأعراق زالَتْ ... بهِ عنها وعَنْهُ بها الكُروبُ
رَعَى ورَعَتْ (١) فلم تَرَ قَطُّ منه ... ولم يَرَ قطُّ مِنها ما يَريبُ
توثَّقَ حَبْلُ وُدِّهما حُضوراً ... ولم يَنكُثْ توثُّقَهُ المَغيبُ
فغاضَبَ زوجَها الخُلَطاءُ يوماً ... بأمرٍ للخِلافِ به نُشوبُ
فأقسَمَ بالطَّلاقِ لهم يميناً ... وتِلكَ أَلِيَّةٌ (٢) خَطَأٌ وحُوْبُ (٣)
وطلَّقها على جَهْلٍ ثلاثاً ... كذلِكَ يَجْهَلُ الرَّجُلُ الغَضوبُ
وأفتَى بالطَّلاقِ طلاقَ بَتٍّ ... ذَوو فُتيا تَعَصُّبُهُم عَصيبُ (٤)
فبانَتْ عنهُ لم تَأتِ الدَّنايا ... ولم يَعْلَقْ بها الذَّامُ (٥) المَعيبُ
فظَلَّت وَهْيَ باكيةٌ تُنادي ... بصوتٍ منهُ ترتَجِفُ القُلوبُ
لماذا يا «نجيبُ» صَرَمْتَ (٦) حَبْلي! ... وهل أذنَبْتُ عِندَكَ يا نجيبُ!
_________
(١) أي: رعى عهدها، ورعت عهده.
(٢) الأليَّة: القَسَم واليمين.
(٣) الحُوب: الذَّنْب.
(٤) العصيب: الشديد.
(٥) الذَّامُ: العَيْبُ.
(٦) صَرَمْتَ: قطَعْتَ.