إسماعيلُ بنُ عبدِاللهِ الأنصاريُّ اكتفَى بكتابة إسناده على صفحة العنوان، ثم تحقَّق من مطابقة النُّسْخة لروايته؛ بمقابلتها، ويكونُ الناسخ ترَكَ البياضَ الذي بمقدار ثلاثة أسطر في أوَّلِ النُّسْخة لِيُلْحِقَ صاحبُها إسنادَهُ بها، والله أعلم.
وكتَبَ الناسخُ في نهاية الكتاب: «آخِرُ كتابِ العِلَلِ، والحمدُ لله رَبِّ العالمين. وقع الفَرَاغُ من تسويده يومَ الأَحَدِ لِلَيْلَتَيْنِ بَقِيَتَا من شهرِ اللهِ الأصَمِّ؛ رَجَبٍ عَظَّمَ اللهُ حُرْمَتَهُ مِنْ سنةِ خمسَ عَشْرَةَ وسِتِّ مئة؛ بِدِمَشْقَ حَرَسها الله، غفَرَ الله لكاتبِهِ، ولصاحبِهِ، ولجميعِ المؤمنين؛ إنه هو الغفور الرحيم» .
النسخة الرابعة: نسخة مكتبة تشِسْتَرْبِتِي في دَبْلِن بِإِيرلَنْدَا (رقم ٣٥١٦) كما في "تاريخ التراث" لفؤاد سِزْكِين (١) ، وعنها صورةٌ في مَرْكَز المخطوطاتِ بالجامعة الإسلامية (٩٨٦) ، وهي التي رمزنا لها بالرمز: (ش) .
تقع هذه النسخة في (٣١٠) ورقات، وفي الصفحة (٢٥) سطرًا، وهي منسوخة في شهرِ ربيعٍ الآخِرِ سنةَ خمسٍ وثلاثين وسَبْعِ مئةٍ (٧٣٥هـ) ، وناسخُهَا هو علي بن عمر بن عبد الله، وخَطُّها نَسْخِيٌّ لا بأس به، وقد قُوبِلَتْ؛ بدليلِ تصريحِ الناسخِ في بعضِ المواضع؛ كما في (ق٤٤/أ) حين قال: «بلغ مقابلةً، فَصَحَّ إنْ شاء الله» .
стр. 317
وهي نسخةٌ كاملةٌ، إلا أنه سقَطَ مِنْ أوَّلها بعضُ الورقات، فبدايتها مِنْ منتصفِ المسألة رقم (٤٤) .
وهذه النُّسْخَةُ هي أكثَرُ النُّسَخِ شَبَهًا بالنُّسْخة (أ) ؛ لاتفاقهما في كثيرٍ من الفُرُوق؛ فالظاهرُ أنها منقولةٌ عنها، فهي متأخِّرةٌ عنها بنحوِ خَمْسِ سنوات.
وهناك بعضُ القرائنِ القويَّةِ على هذا؛ ومنها:
أ) ما جاء في المسألة رقم (١٠٧٨) ؛ حين قال أبو حاتم: «وَلا أعلَمُ رَوَى أَبُو سَلَمةَ عَنْ ثَوْبَان إِلا حَدِيثًا يَرْوِيهِ أَبُو سَعْدٍ البَقَّالُ - وَهُوَ حديثٌ مُنْكَرٌ - عَنْ أَبِي سَلَمة، عَنْ ثَوْبَان … » .
ففي نسختَيْ (أ) و (ش) - كما في صورتَيْهِمَا المرفقتَيْنِ - جاءت العبارة هكذا: «منكر متصل عن أبي سلمة» ، لكن في (أ) جعَلَ الناسخ الدائرة المنقوطة لِلْفَصْلِ بين قوله: «منكر» و «عن أبي سلمة» ، ثم ضرب عليها، وكتب فوقها: «متصل» ، فإمَّا أنه لَحَقٌ، أو قَصَدَ الناسخُ إلغاءَ الفَصْل، فقال: إنَّ الفَصْل مُلْغًى، والكلام متصلٌ، فظَنَّ ناسخُ (ش) أنَّ قوله: «متصل» في سياق الكلام، فأدخلها في النَّصِّ، وهذا هو الأظهر؛ فيكونُ فيه دليلٌ على أنَّ (ش) منقولة من (أ) ، إلا أنْ يكونَ في أصلهما ما يُزِيلُ هذا الاحتمالَ.
هذا؛ وربَّما اختَلَفَتْ هذه النُّسْخةُ عن النُّسْخةِ (أ) اختلافًا يسيرًا بسببِ خطأِ الناسخِ، أو اجتهاده، والله أعلم.
стр. 318
صورة النسخة (أ) :
صورة النسخة (ش) :
ب) في المسألة رقم (١٨٣) قال أبو حاتم: «فَرَوَى المَسْعُودِيُّ، عَنْ يُونُسَ بْنِ خَبَّاب، عَنِ ابْنِ يَعْلَى بْنِ مُرَّة، عن النبي (ص) » . وهناك علامة فوق «عن» من قوله: «عن ابن يعلى» ، وكُتِبَ في الهامش بخَطٍّ يبدو أنه خط الناسخ: «خَيْثَم» ، ولم يكتب عليها ما يَدُلُّ على أنه لَحَقٌ أو تصويبٌ، وأثبَتَ ناسخُ (ش) العبارة هكذا: «فَرَوَى المَسْعُودِيُّ، عَنْ يُونُسَ بْنِ خَبَّاب، عن خَيْثَم بن يَعْلَى بْنِ مُرَّة، عَنِ النَّبِيِّ (ص) » ، مع أنَّ هذا غلَطٌ، وليس هناك راوٍ اسمُهُ خَيْثَمُ بن يَعْلَى كما أوضحنا ذلك في تعليقنا على هذه المسألة. وفي صورة هذا الموضعِ مِنْ كلتا النسختَيْنِ ما يوضِّح هذا:
стр. 319
صورة النسخة (أ) :
صورة النسخة (ش) :
هذا؛ وتبتدئُ هذه النُّسْخةُ بقوله: «لم يَعْهَدْ إلينا رَسُولُ اللهِ (ص) شَيْئًا لم يَعْهَدْهُ إِلَى الناسِ، إِلا ثلاثة: أَمَرَنَا أن نُسْبِغَ الوُضُوءَ … » إلخ، وهذا في منتصفِ المسألة رقم (٤٤) كما سبق، وتنتهي بقوله: «آخِرُ "كتابِ العِلَل"، بحمد الله ومَنِّه، وصلَّى اللهُ عَلَى محمَّدٍ وآلِهِ وسَلَّمَ، علَّقه العبدُ الفقيرُ إلى الله تعالى عليُّ بنُ عمرَ بنِ عبد الله [ … ] اليَمَانِي، عفا الله عنه وعن والدَيْهِ [ … ] ، والحمدُ للهِ ربِّ العالمين، وكان ذلك يومَ [ … ] ربيع الآخِر سنَةَ خَمْسٍ وثلاثين وسَبْعِ مئةٍ [ … ] ، وحسبُنَا اللهُ ونِعْمَ الوكيل» . اهـ. وما بين المعقوفات بياضٌ لم نتمكَّنْ من قراءتِهِ لرداءةِ التصوير.
وهي أيضًا مُجَزَّأَةٌ إلى سبعةَ عشَرَ جزءًا، لكنَّ التَّجْزِئةَ يجعلها
стр. 320
الناسخُ في الهامشِ ويَخْتَصِرها، فيقولُ مثلاً: «آخِرُ الجُزْءِ الرابعَ عشَرَ» ، ولا يذكر ما يذكره ناسخ (أ) و (ف) .
النُّسْخَة الخامسة: نُسْخةُ دارِ الكُتُبِ المِصْرِيَّة رقم (٩٠٨) ، وهي التي رمزنا لها بالرمز: (ك) ، وهي النسخةُ الثانيةُ التي اعتمدَهَا الأستاذ مُحِبُّ الدِّينِ الخَطِيب _ح في تحقيقه للكتابِ أوَّلَ مَرَّة، مع النسخة المتقدِّمة (ت) ، وقال في وصفها في المقدِّمة: «والثانيةُ في دارِ الكُتُبِ المِصْرية (رقم ٩٠٨ حديث) ، وهي في مجلَّد من القَطْع الكبير، في كُلِّ صفحة منه (٢٩) سطرًا، وقد فَتَكَتْ بها الأَرَضَةُ، وليس في آخرها تاريخ. وأعتقد أنَّ إحدى النسختَيْنِ منقولةٌ عن الأخرى؛ لاتفاقهما أحيانًا كثيرةً في خطأ الناسخ» .
وهي نسخةٌ مكتوبةٌ بخطٍّ نسخيٍّ جيِّد، لكنْ لم يُذْكَرْ فيها اسمُ الناسخِ، ولا تاريخُ النَّسْخ، وكُتِبَ عليها أنها تقع في (٢٤٤) ورقة، وهو خطأ، فعددُ أوراقها (٢١٥) ورقة، وسقَطَ مِنْ أوَّلها ورقةٌ واحدةٌ - فيما يظهر - مع صفحةِ العُنْوان، وتبتدئُ من نهايةِ المسألةِ رَقْم (٣) في كتاب الوُضُوء، من قوله: «الوُضُوء: مُحَمَّد بْن الجَعْد؛ فَيَحْتَمِلُ أنْ يكونَ اسمَهُ محمَّدٌ وحَمَّادٌ جميعًا» وفي آخِرِهَا مانصُّه: «هذا آخِرُ الكتابِ المَعْرُوفِ بـ"كتاب العِلَلِ"، والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالمين، وصلواتُهُ عَلَى سيِّدِنَا محمَّدٍ وآلِهِ وصحبِهِ وسَلَّمَ تسليمًا» .
وترجَّح لنا أنها نسخةٌ منقولةٌ من النسخة (ت) ؛ بدليلِ أنَّ المواضعَ
стр. 321
التي يكونُ فيها طَمْسٌ في النُّسْخة (ت) يبيِّض لها ناسخُ (ك) كما يبدو في الصور المعروضةِ لبعضِ المواضع من النسختين:
أ) ففي المسألة رقم (١٧٨٧) من (ت) ؛ في الصفحة (٤٣٧) قال ابن أبي حاتم: «وسمعتُ أَبِي وذكَرَ حَدِيثًا حدَّثَني به عن أبي غَسَّانَ زُنَيْجٍ، عن يحيى بن الضُّرَيْس» ، وسقط قوله: «الضُّرَيْس» ، ثم ألحقه الناسخُ في الهامش، ثم طُمِسَتْ بعده ثلاثُ كلمات - بسبب الرطوبة فيما يظهر - وهي قوله: «قال: حَدَّثنا قُدَامَة» ، ونجد ناسخ (ك) بَيَّض لهذه الكلماتِ الثلاث.
ويَمْتَدُّ هذا الطَّمْسُ إلى السَّطْرِ الذي يليه، فيذهبُ منه قوله: «فسمعتُ أبي» ، ثم إلى السَّطْرِ الذي يليه، فيذهب منه قوله: «عن عِكْرمة» ، ونجد ناسخ (ك) يُبَيِّضُ لهذه الكلمات المطموسة كلها؛ كما يظهر من مطالعة النصَّيْنِ في صورتَيِ النسختَيْنِ هاتين:
صورة النسخة (ت) :
стр. 322
صورة النسخة (ك) :
ب) ويمتدُّ هذا الطَّمْس في (ت) ؛ فيذهبُ بكثيرٍ من كلماتِ الأسطر الأربعة الأولى من المسألة (١٧٩١) ؛ فيُبَيِّضُ ناسخ (ك) لهذه الأسطر، ويبدأ من السطر الذي سَلِمَ من الطَّمْس كما يظهر من صورتيهما هاتين:
صورة النسخة (ت) :
صورة النسخة (ك) :
стр. 323
ج) وفي المسألة رقم (٥٢٨) يقول ابن أبي حاتم: «وسُئِلَ أَبُو زُرْعة عَنْ حديثٍ رواه يَزِيد ابن هارون، عن محمَّد بن عبد الرحمن بن الْمُجَبِّر» ، وطُمِس قوله: «المجبِّر» في (ت) ، فَبَيَّضَ له ناسخُ (ك) كما يظهر من صورتيهما هاتين:
صورة النسخة (ت) :
صورة النسخة (ك) :
стр. 324
هـ) تَحْقِيقُ اسْمِ الْكِتَابِ، وَصِحَّةِ نِسْبَتِهِ إِلَى مُصَنِّفِهِ
اشْتُهِرَ ابنُ أبي حاتمٍ بكتابِهِ "العِلَلِ" عند أهل العِلْمِ، خاصَّةً المحدِّثِينَ وأصحابَ التَّرَاجِمِ والمُؤَرِّخِينَ، كما جاءَ اسْمُ الكتابِ مَعْزُوًّا إلى ابن أبي حاتمٍ في جميعِ النُّسَخِ الخَطِّيَّةِ للكتابِ، كما تَقَدَّمَ في وَصْفِ تِلْكَ النُّسَخِ؛ فليس هناك شَكٌّ في صِحَّةِ نِسْبةِ الكتابِ إليه.
وقد عُرِفَ هذا الكتابُ عند أهلِ العِلْمِ المعاصرين باسْمِ: «عِلَلِ الحديثِ» ؛ لِكَوْنِ طَبَعَاتِهِ الثلاثِ السابقةِ - التي أَشَرْنَا إليها في صَدْرِ هذه المقدِّمةِ (١) - صَدَرَتْ بهذا الاسْمِ؛ اعتمادًا مِن محقِّقيها على ما ورَدَ في صَفْحَةِ عُنْوَانِ النُّسْخةِ (ت) الآتي الحديثُ عنها؛ غَيْرَ أنَّنا عَدَلْنَا عن هذه التَّسْمِيَةِ، ورَجَّحْنَا أن يكونَ العنوانُ: «كِتَاب العِلَلِ» بمرجِّحاتٍ عديدةٍ، وهي:
١- اتفقَتْ نُسَخُ الكتابِ الخَمْسُ على أنَّ اسمَهُ: «كتابُ العِلَلِ» ، إلا النُّسْخةَ (ت) ؛ فقد خالفَتْ في عُنْوانِ النُّسْخةِ فقطْ فجعلتْهُ: «عِلَلَ الحديثِ» ، أمَّا في بدايتِهَا وآخِرِهَا فموافقةٌ لبقيَّةِ النُّسَخِ (٢) .
وسقَطَ من مَطْلَعِ النسختَيْنِ (ش) و (ك) وَرَقَاتٌ ذهَبَ معها عُنْوَانُ الكتابِ فيهما، غَيْرَ أنَّ اسْمَ الكتابِ في آخرهما: «كِتَابُ العِلَلِ» ، وبه سُمِّيَ الكتابُ في جميعِ المواضعِ مِنَ النسختَيْنِ (أ) و (ف) ؛ في العُنْوانِ والبدايةِ والنهايةِ وتَجْزِئَةِ الكتابِ، غَيْرَ موضعٍ واحدٍ في نهايةِ الجُزْءِ
стр. 325
الأوَّل من النسختَيْن؛ فإنَّ اسمَ الكتابِ هناك جاء باسم "عِلَل الحديث"، ومِثْلُهُ في بدايةِ الجُزْءِ الثاني من النسخة (ف) فقط (١) .
٢- نُرَجِّحُ أنْ يكونَ عُنْوَانُ الكتابِ في النُّسْخَةِ (ت) كُتِبَ بِخَطٍّ غيرِ خَطِّ الناسخ، كما أنَّ ما جاء في المَوْضِعِين المذكورِين من النسختَيْنِ (أ) و (ف) ، لم يتكرَّرْ في بَقِيَّةِ الأجزاءِ السبعةَ عَشَرَ؛ بل جاء فيهما باسمِ: "كِتَابُ العِلَلِ".
٣- جاء في نهايةِ النُّسْخة (ك) قولُهُ: «هذا آخِرُ الكتابِ المعروفِ بـ"كِتَابِ العِلَلِ"؛ وهذا كالنَّصِّ على ما كان معروفًا مِنِ اسمِ الكتابِ في عَصْرِ الناسخ، والله أعلم.
٤- في عُنْوانِ الكتابِ في النُّسْخة (ف) - وهو بخطٍّ غيرِ خَطِّ الناسخ أيضًا - زيادةٌ على اسمِ الكتابِ مقحمةٌ، وصورتُهَا: «كِتَابُ العِلَلْ، وبَيَانِ ما وَقَعَ مِنَ الخَطَأِ والخَلَلْ، في بَعْضِ طُرُقِ الأحاديثِ المَرْوِيَّهْ، في السُّنَّةِ النَّبَوِيَّهْ … » ، وهذه الزيادةُ على أنها مُقْحَمَةٌ، إلا أنها دليلٌ آخَرُ على أنَّ عُنْوانَ الكتابِ: «كتابُ العِلَل» ؛ لأنَّ كَاتِبَهَا بَنَى السَّجْعَةَ فيه على حَرْفِ اللام: «العِلَلْ، الخَلَلْ» ، ولو كان أصْلُ العنوانِ عنده: «عِلَلَ الحديثِ» لَجَعَلَ سَجْعَتَهُ على حَرْفِ الثاء.
٥- سَمَّى الحافظُ ابنُ رَجَبٍ (٢) كتابَ ابنِ عبد الهادي - الذي عَلَّقَ
стр. 326
فيه على مَسَائِلَ مِنْ هذا الكتابِ -: «تعليقة على العِلَلِ لابنِ أبي حاتم» ، وذكَرَهُ البَغْداديُّ في «هَدِيَّةِ العارفين» باسم: «شَرْح كتابِ العِلَلِ، على ترتيبِ كُتُبِ الفِقْهِ» (١) .
٦- جميعُ مَنْ ذكَرَ كتابَنَا مِنَ المتقدِّمين والمتأخِّرين أسماه: «كِتَابَ العِلَل» ، وقد وقَفْنَا على عَشَرَاتِ المواضعِ التي سُمِّيَ فيها بهذا الاسمِ في كُتُبِ التخريجِ والتَّرَاجِمِ والرجالِ، ومع طُولِ التَّفْتِيشِ لم نَقِفْ على مَنْ خالَفَ ذلك إلا ما كان من الشَّيْخِ طاهرٍ الجزائريِّ في كتابه «تَوجِيه النَّظَرِ» (٢/٦٥١) فقد ذَكَرَهُ باسْمِ «عِلَلِ الحديثِ» ، وهو متأخِّر، والظاهرُ: أنَّه اعتَمَدَ في ذلك على عُنْوانِ النُّسْخةِ (ت) ، والله أعلم.
هذا؛ وقد وقَفْنَا في كتابِ «المُؤْتَلِفِ والمُخْتَلِفِ» للدَّارَقُطْني (٤/٢٢٣٠) على نَصٍّ تقدَّم ذِكْرُهُ (٢) في الحديثِ عن رواياتِ كتابِ «العِلَلِ» ، يقولُ فيه: «وأما بُخَارٌ: فهو عليُّ بنُ بُخَارٍ الرازيُّ، أبو الحَسَن، شيخٌ كَتَبْنَا عنه في دَارَقُطْن، حدَّثنا عن عبدِالرحمن بنِ أبي حاتمٍ بِعِلَلِ الحديثِ وسؤالاتِهِ لأبيه ولأبي زُرْعة في ذلك» . وقد يتوهَّم متوهِّمٌ أنَّ قوله: «عِلَل الحديث» تصريحٌ منه باسْمِ الكتابِ، وليس بذاك، ولا يَقُومُ دليلاً؛ بل هو ذِكْرٌ للموضوعات التي حدَّثهم بها عن ابنِ أبي حاتم، وهي: عِلَلُ الحديثِ النبويِّ، وأسئلةُ ابنِ أبي حاتمٍ لأبيه ولأبي زُرْعة في ذلك، والله أعلم.
стр. 327
و) خُطَّةُ العَمَلِ فِي الكِتَابِ
اتَّبَعْنَا في تحقيقِ الكتابِ وإخراجِهِ الخُطَّةَ التاليةَ:
١) نَسَخْنَا الكتابَ بأكملِهِ مِنْ نسخةِ مكتبةِ أحمد الثالث (أ) ، مع الإبقاء على رَسْمِ الناسخِ ما أمكَنَ، إلا ما رأينا تعديلَهُ؛ إمَّا لكونِهِ خَطَأً مما سيأتي التنبيه عليه في حاشية الكتاب، أو لمخالفتِهِ ما اسْتَقَرَّ عليه الرسمُ الإملائي اليوم عند الكُتَّاب؛ ككتابتهم: «الربا» هكذا: «الربوا» ، وهذا رَسْمٌ قديمٌ لبعضِ كَتَبَةِ الحديثِ وغيرِهِ، وهو موافقٌ لِرَسْمِ المُصْحَفِ العُثْماني، لكنَّه مخالفٌ لما استَقَرَّ عليه الاصطلاحُ في عِلْمِ الإملاءِ الحديث.
ونحوُ ذلك رَسْمُ بعضِ الكلماتِ - في مواضعَ كثيرةٍ مِنْ هذا الكتابِ - خلافَ الرَّسْمِ المشهور - وإنْ كان له وجهٌ صحيحٌ في اللغة - ومِنْ ذلك: قولُهُ: «كذا» ، فإنه يَرِدُ أحيانًا مكتوبًا بالياء المنقوطةِ «كَذي» ، وأحيانًا بالياءِ غيرِ المنقوطة «كَذى» ، وهي كافُ الجرِّ واسْمُ الإشارة؛ فإنْ كان بالألِفِ فهو إشارةٌ لِمُذَكَّر، وهو الجادَّةُ المشهورة، وإنْ كان بالياءِ المنقوطةِ فهو إشارةٌ لمؤنَّثٍ، وإنْ كان بالياءِ غيرِ المنقوطة فَيَحْتمِلُ أنْ يكونَ إشارةً لمؤنَّثٍ مفهومٍ من السياق، لكنْ لم تُنْقَطِ الياءُ على عادةِ بعضِ النُّسَّاخ، ويَحْتمِلُ أنْ يكونَ إشارةً لمذكَّرٍ، والأصلُ: «ذا» ، لكنْ أُمِيلَتِ الألفُ، فَكُتِبَتْ ياءً، وممَّن حكى إمالةَ «ذا» الإشاريَّةِ: سيبوَيْهِ؛ كما أوضَحْنَاهُ في التعليق على المسألة رقم (١٢٤) .
стр. 328
ومِنْ ذلك أيضًا كلمة: «الجزء» فقد تكرَّرت في أوائلِ أجزاءِ الكتابِ وأواخِرِهَا مكتوبةً في النسختَيْنِ (أ) و (ف) هكذا: «الجزؤ» ، وهو رسمٌ صحيحٌ أيضًا، ففي هذه الكلمة لغتان فصيحتان، وبهما قُرِئ؛ فقد قرَأَ الجمهور: ﴿ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا﴾ [البقرة: ٢٦٠] بإسكانِ الزاي، وهي لغةُ تَمِيمٍ وأَسَد، وقرأ أبو بَكْرٍ وأبو جَعْفَرٍ والمُفَضَّلُ: ﴿جُزُؤًا﴾ بِضَمِّ الزاي، وهي لغةُ الحِجازيِّين. انظر "معجم القراءات" للدكتور عبد اللطيف الخطيب (١/٣٧٨) ، ووقع ذلك أيضًا في بعضِ النُّسَخِ في مواضعَ أُخْرَى قليلةٍ مِنَ الكتاب، غيرِ ما في أوائلِ الأجزاءِ وأواخِرِها، ولم نُشِرْ إلى ذلك في مواضعه اكتفاءً بما ذكرناه هنا.
٢) قابلنا بقيَّةَ النُّسَخِ مع النصِّ المنسوخِ عن النسخة (أ) ، وتحرَّينا إثباتَ فروقِ النُّسَخِ بِكُلِّ دِقَّةٍ على قَدْرِ استطاعتنا، ولم نُغْفِلْ مِنَ الفروقِ إلا ماجَرَتِ العادةُ بإهماله؛ كـ «حدَّثنا» و «ثنا» ، ونحوهما، أو « (ص) » و «_ج» ، وأمثال ذلك. ومِنَ الفروقِ التي أهملناها غالبًا: بدايةُ كُلِّ سؤالٍ في النُّسْخة (ت) ، وعنها النسخة (ك) ؛ فإنهما تَبْتَدِئَانِ في الأغلبِ بقوله: «سَأَلْتُ» ، أو: «سَمِعْتُ» ، وفي بقيَّةِ النسخ: «وسَأَلْتُ» أو «وسَمِعْتُ» بالواو.
٣) ترجَّح لنا مِنْ خلالِ مقابلةِ النُّسَخِ أَنَّ نُسْخَةَ مكتبةِ تشِسْتَرْبِتِي (ش) منقولةٌ عن نُسْخة مكتبة أحمد الثالث (أ) ، وأنَّ نسخةَ دار الكتب المصريَّة (ك) منقولةٌ عن نُسْخة مكتبة أحمد تَيْمُور باشا (ت) ، فَجَعَلْنَا
стр. 329
العُمْدةَ في إثباتِ النَّصِّ على النُّسَخِ الثلاثِ (أ) و (ت) و (ف) ، وقد أثبَتْنَا فروقَ هاتَيْنِ النسختَيْنِ في حَاشِيَةِ الكتابِ؛ وقد نُثْبِتُ ما فيهما في أَصْلِ الكتابِ بين مَعْقُوفين في أحيانٍ قليلةٍ، إذا دَعَتِ الحاجةُ إلى ذلك، كَأَنْ تَتَّفِقَا مع ما في مصادِرِ التخريجِ، ويكونَ ما في بقيَّةِ النُّسَخِ خَطَأً أو تصحيفًا.
٤) عَزَوْنَا الآياتِ إلى سُوَرها، بِذِكْرِ رَقْمِ الآيةِ، واسْمِ السُّورةِ، وجَعَلْنَا ذلك في الحاشية، كما خرَّجنا القراءاتِ القرآنيَّةَ مِنْ كُتُبِ القراءاتِ والتفسيرِ واللغة.
٥) قُمْنَا بتخريجِ الأحاديثِ والآثَارِ وأقوالِ أَهْلِ العِلْمِ من كُتُبِ الحديثِ والرجالِ وغيرِهَا حَسَبَ الطاقةِ؛ بطريقةٍ تُعِينُ على تَصوُّرِ العِلَّة، وذلك بتخريجِ كُلِّ طريقٍ عند ذكر ابنِ أبي حاتمٍ أو غيره لها، وربَّما أَضَفْنَا طرقًا أُخْرَى ممَّا لم يَذْكُرْهُ ابنُ أبي حاتم، ولم نَسْتَقْصِ التخريجَ إذا كان الحديثُ مُخَرَّجًا في كُتُبِ الحديثِ المشهورة.
٦) في الكتاب كثيرٌ من المسائلِ كَرَّرَهَا المصنِّفُ كما سيأتي بيانه (١) ، فلم نُكَرِّرْ تخريجَ الطُّرُقِ فيها، ولكنِ اكتفَيْنَا بالتخريجِ في أوَّلِ مسألة، إلاَّ أنْ يكونَ في المسألةِ المتأخِّرةِ ما يستدعي جَعْلَ التخريجِ فيها؛ كالتفصيلِ في الطُّرُقِ، ونحوه.
٧) تَتَبَّعْنَا واستَقْرَيْنَا كثيرًا مِنَ الكُتُبِ التي هي مَظِنَّةُ روايةِ النَّصِّ
стр. 330
عن ابنِ أبي حاتم، أو نقلِهِ بتمامِهِ، أو نَقْلِ جزءٍ منه، وأعاننا هذا على استدراكِ كَثِيرٍ من السَّقْطِ، وتصحيحِ ما اتفقَتْ عليه النُّسَخُ مِنْ أخطاءٍ؛ كما تَجِدُ مثالَهُ في المسألةِ رَقْم (١١٨) التي استَدْرَكْنَا السَّقْطَ فيها من نقلِ الحافظِ ابنِ حَجَرٍ لها في "النُّكَتِ الظِّرَاف"، والمسألةِ رَقْم (٢١٧) التي استدرَكْنَا السَّقْطَ فيها مِنْ روايةِ الخطيبِ البغداديِّ لها في "المُوضِحِ لأوهامِ الجَمْعِ والتفريق"، والمسألة رقم (١٠١٩) التي وقَعَ فيها كثيرٌ من التصحيفِ الذي أصلَحْنَاهُ من "تصحيفات المحدِّثين" للعَسْكَرِيِّ الذي روى هذه المسألةَ عن شَيْخِهِ عبدِالرحمنِ بنِ أبي حاتم، ومن هذه الكتب: "تَعْلِيقَةٌ على العِلَلِ" للحافظ ابن عبد الهادي؛ وهو يُعَدُّ نسخةً أخرى من كتاب "العلل"، وغيرُهَا كثيرٌ ممَّا تراه في مواضعه.
٨) واجهَتْنَا بعضُ الصُّعُوباتِ عند ضَبْطِ النَّصِّ، ومن أهمِّها معالجةُ السَّقْطِ والزيادةِ والتصحيفِ، فما كان بيِّنًا مِنْ ذلك لا إشكالَ فيه؛ أَصْلَحْنَاهُ واستدرَكْنَاهُ، غيرَ أنَّ ابنَ أبي حاتمٍ يَسُوقُ الحديثَ أحيانًا مِنْ طريقِ راوٍ هو مَخْرَجُ ذلك الطريقِ الذي يُشِيرُ إلى عِلَّتِهِ، فنجدُهُ في كُتُبِ الحديثِ التي أخرجَتْهُ مع بَعْضِ الاختلافِ عمَّا ذَكَرَهُ ابنُ أبي حاتم، فلا نستطيعُ القَطْعَ بالسَّقْطِ أو الزيادةِ أو التصحيفِ في النُّسَخِ؛ حَذَرًا مِنْ أنْ يكونَ هذا وَجْهًا مِنْ وجوهِ الاختلافِ وقعَ لابن أبي حاتم ولم نَقِفْ عليه؛ كما تجده في المسألة رَقْم (١٢) حين قال: «وَرَوَاهُ زائدةُ، عَن الأَعْمَشِ، عَنْ عبد الرحمن بن أبي لَيْلَى،
стр. 331
عَن البَرَاء، عَن بِلَال، عَنِ النبي (ص) » ، ولم نَجِدِ الحديثَ على هذه الصِّفَةِ التي ذَكَرَهَا ابنُ أبي حاتم، ولكنْ وَجَدْنَا الأئمَّةَ أخرجوه مِنْ طريقِ زائدةَ، عَن الأعمشِ، عَن الحَكَم، عَنْ عبد الرحمن بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَن البَرَاء، عن بِلَال، عن النبيِّ (ص) ، به هكذا، بزيادةِ الحَكَم، وهو ابن عُتَيْبة.
٩) جَمَعْنَا في كلِّ مسألةٍ ما وَقَفْنَا عليه مِنْ أقوالِ الأئمَّةِ الآخَرِينَ في إعلالِ الحديثِ أو تصحيحِهِ، سواءٌ وافَقَ أو خالَفَ رأيَ أبي حاتمٍ أو أبي زُرْعة أو غيرِهِمَا ممَّن تكلَّم على عِلَّةِ الحديثِ المذكورِ في المسألة، حتَّى يكونَ القارئُ على درايةٍ بما قيل في الحديثِ، وربَّما أَهْمَلْنَا أقوالَ بعضِ الأئمَّة إذا كَثُرَ كلامُهُمْ في الحديثِ الواحد، وربَّما فاتَنَا شيءٌ مِنْ أقوالهم سَهْوًا، أو لأننا لم نَقِفْ عليه. وكان حِرْصُنَا على أقوالِ جَهَابذةِ أهلِ الحديث الذين يُعْتَنَى بِجَمْعِ أقوالهم؛ كيحيى القَطَّانِ، وعبدِالرحمنِ ابنِ مَهْدِيٍّ، والإمامِ أحمد، وعليِّ بن المَدِينِيِّ، ويحيى بنِ مَعِين، والبُخَاريِّ، ومُسْلِمٍ، والنَّسَائِيِّ، والدَّارَقُطْنِيِّ، ونحوِهم.
أما المتساهِلُونَ الذين ساروا على طريقةِ علماءِ الأصولِ في النَّظَرِ إلى عِلَلِ الأحاديثِ؛ كابن حِبَّان، والحاكمِ في "المستدرك"، وكثيرٍ ممَّن جاء بعد ابنِ الصَّلَاحِ والنَّوَوِيِّ وتأثَّروا بهما، فلم نَحْرِصْ على جَمْعِ أقوالهم.
стр. 332
١٠) مَيَّزْنَا الأعلامَ الذين قد يَلْتَبِسون بغيرهم؛ بِسَبَبِ عدمِ نِسْبتهم، أو لكونهم ذُكِرُوا بِكُنَاهُمْ، أو بألقابِهِمْ، أو غيرِ ذلك.
١١) فَسَّرْنَا الألفاظَ الغريبة؛ بِالرُّجُوعِ إلى كُتُبِ اللغةِ وغريبِ الحديثِ وشروحِ كُتُبِ السُّنَّة.
١٢) خَرَّجْنَا الأبياتَ الشِّعْرِيَّةَ مِنْ مَظَانِّها، وَنَسَبْناها إلى بُحُورها الشِّعْرِيَّةِ وقائليها.
١٣) وَجَدْنَا في الكتابِ كثيرًا من العباراتِ التي جاءتْ على خلافِ المشهورِ من قواعدِ اللُّغَةِ والنَّحْوِ؛ مما يتوهَّمُهُ المتوهِّمُ لَحْنًا وخَطَأً - وقد وقَعَ ذلك في مُتُونِ الأحاديثِ والآثارِ، وفي كَلَامِ المُصَنِّفِ وغيرِهِ - فأثبَتْنَاهُ في صُلْبِ الكتابِ ولم نُغَيِّرْ منه شَيْئًا؛ مُتَّبِعِينَ في ذلك مَنْهَج أَهْلِ العلم المحقِّقين في القديمِ والحديثِ، والَّذِي سيأتي تحريرُ الكلام فيه في آخِرِ التنبيهات (١) .
وقد اجتَهَدْنَا في تَوْجِيهِ ما وقَعَ مِنْ ذلك وتخريجِهِ على وَجْهٍ أو أكثَرَ من العربيَّة، مُقْتَفِينَ في هذه التوجيهاتِ والتخريجاتِ صَنِيعَ أَهْلِ العلمِ المحقِّقين من المتقدِّمِينَ والمتأخِّرِينَ، بل والمُعَاصِرِينَ (٢) .
стр. 333
............................
وقد كان مَنْهَجُنَا في التعليقِ على هذه المُشْكِلَاتِ على النحو التالي:
(أ) وَضَعْنَا فروقَ النُّسْخَتَيْنِ (ش) ، و (ك) في الحاشية، ولم نُعَلِّقْ غالبًا على ما خالفَ الجَادَّةَ فيهما؛ لأنَّ أُولَاهُمَا منسوخةٌ عن (أ) ، وثَانِيَتَهُمَا عن (ت) ، كما تقدَّم بيانُهُ في وَصْفِ النسخ.
(ب) إذا اختَلَفَتِ النُّسَخُ (أ) و (ت) و (ف) ، اختَرْنَا منها ما وافَقَ المَشْهُورَ مِنَ القواعدِ وأَثْبَتْنَاهُ في مَتْنِ الكتاب، وما في بقيَّةِ النُّسَخِ جعلناه في الحاشيةِ - مع النسختين (ش) ، و (ك) - معَ ذِكْرِ ما وقفنا عليه في مصادر التخريجِ ممَّا وافَقَ ما في النُّسَخِ أو خالفَهُ، لكنَّا لم نُعَلِّقْ - مِنْ جهةِ العربيَّةِ - على ما أثبتناه في الحاشية مخالفًا للجادَّة،
стр. 334
إلا في القليلِ النادر؛ إذا دَعَتِ الحاجةُ إلى ذلك.
(ج) إذا اتَّفَقَتِ النُّسَخُ على خلافِ الجادَّةِ المشهورةِ، أثبتنا ما وقَعَ فيها في مَتْنِ الكتابِ، وعلَّقنا عليهِ بِذِكْرِ ما تَيَسَّرَ لنا ذِكْرُهُ من رِوَايَاتِهِ الواردةِ في مَصَادرِ التَّخْرِيجِ وفاقًا وخلافًا، مع توجيهِ ما في النُّسَخِ مِنْ جهةِ العربيةِ مما ذكَرَهُ العلماءُ في الكُتُبِ المذكورةِ آنِفًا وغَيْرِهَا؛ خاصَّةً كُتُبَ إعرابِ الحديثِ وشُرُوحِهِ، وكُتُبَ أَعَاريبِ القرآن، وتَوْجِيهِ القراءاتِ المتواترةِ والشاذَّةِ؛ وإلاَّ اجتهَدْنَا في تخريجِهِ وتوجيهِهِ بالرجوعِ إلى آراء النَّحْوِيِّينَ الكُوفيِّين وغيرِهِمْ مِمَّنْ خرَجَ على قواعدِ مدرسةِ البَصْرَةِ التي هَيْمَنَتْ على النَّحْوِ العربيِّ طَوَالَ العصورِ السابقةِ إلى يومنا هذا، وصارتْ آراؤُهَا هي المعتمَدَةَ دون غيرها، وإنْ خالفَتْ هذه الآراءُ الدليلَ في غيرِ ما قليلٍ (١) ،
وقد اعتبَرْنَا في ذلك كلَّ ما وافقَ وجهًا ذكَرَهُ إمامٌ مُعْتَبَرٌ مِنْ أَئِمَّةِ العربيَّةِ، وإنْ كان غيرُهُ أَقْوَى منه؛ وهذا ما أشار إليه ابنُ جِنِّيْ في كتابِهِ «الْمُحْتَسَبِ في تَبْيِينِ وُجُوهِ شَوَاذِّ القراءاتِ، والإيضاحِ عنها» (١/٢٣٦) - وهو مِنْ آخِرِ ما ألَّف - فقال: «ليس يَنْبَغِي أَنْ يُطْلَقَ على شَيْءٍ له وجهٌ من العربيَّةِ قائمٌ - وإنْ كان غيرُهُ أَقْوَى منه -: أنَّه غَلَطٌ» . اهـ.
стр. 335
وهذا الذي أبان عنه ابنُ جِنِّيْ، وهو: تصويبُ ما كان له وَجْهٌ مِنَ العربيَّةِ قائمٌ، ولو في لُغَةٍ لِبَعْضِ العَرَبِ: هو المنهجُ الْمَرْضِيُّ؛ فقد جَرَى عليه عَمَلُ المحقِّقين مِنَ العلماءِ قديمًا وحديثًا، وطبَّقوه في كُتُبِهِمْ، على اختلافِ الفُنُونِ والعلومِ، كما تقدَّم بيانُهُ قريبًا.
على أنَّ تحقيقَ هذا المَطْلَبِ والاضطلاعَ به في هذا الكتابِ: قد أخَذَ منَّا وقتًا وجهدًا كبيرَيْنِ؛ لكثرةِ ما فيه مِنَ القضايا اللغويةِ والنحويةِ التي خالفتِ الجَادَّةَ وما اشتهَرَ من القواعدِ (١) ،
وليس الْمُخْبَرُ
стр. 336
كالْمُعَايِنِ، وإنَّنَا لَنُنْشِدُ مع الشاعر قولَهُ [من البسيط] :
يا ابنَ الكِرَامِ أَلَا تَدْنُو فَتُبْصِرَ مَا
قَدْ حَدَّثوكَ فَمَا رَاءٍ كَمَنْ سَمِعَا؟!
فمنِ اطَّلَعَ على ما قُمْنَا به في هذا الكِتَاب، عَرَفَ حَقِيقَةَ ما أَخْبَرْنَاهُ به، وأرشَدْنَاهُ إليه، واللهُ المُوَفِّقُ لِلصَّوَاب، وهو الهادي إلى سَوَاءِ السَّبِيل.
١٤) رَقَّمْنَا مَسَائلَ الكتابِ ترقيمًا تَسَلْسُلِيًّا يَتَّفِقُ مع ترقيمِ الطبعةِ الأُولَى التي أَخْرَجَهَا الأستاذ مُحِبُّ الدِّينِ الخَطِيب _ح؛ لِيَتَمَكَّنَ الباحثُ مِنَ الاستفادةِ من طَبْعَتِنَا هذه، مع الجُهُودِ التي خرَجَتْ بناءً على الطبعةِ السابقة، كالبرامجِ الحَاسُوبية، وغيرها. وواجهَتْنَا بعضُ الصعوباتِ في ذلك، ومنها المسائلُ الساقطةُ مِنْ طبعةِ مُحِبِّ الدين الخطيب، والمواضعُ التي دُمِجَتْ فيها مسألةٌ بأُخْرَى، فرأينا تفريعَهَا مِنَ المسألةِ التي قبلها؛ بإعطائِهَا الرَّقْمَ نَفْسَهُ، مع تَمْييزِهَا بِحَرْفٍ أَبْجَدِيٍّ يَدُلُّ عليها؛ هكذا: (٥٥٤) ، ثم (٥٥٤/أ) ، ثم (٥٥٤/ب) ،،، وهَلُمَّ جَرًّا.
стр. 337
١٥) قدَّمنا للكتابِ بمقدِّمةٍ بَيَّنَّا فيها أهميَّةَ عِلْمِ عِلَلِ الحديثِ، والمصنَّفاتِ فيه، وتعريفَ العِلَّةِ في اللغةِ والاصطلاحِ، وذَكَرْنَا أسبابَ وقوعِ العِلَّةِ في الحديثِ، وتَرْجَمْنَا فيها للمصنِّفِ تَرْجَمَةً مطوَّلةً، وتَرْجَمْنَا لأبيه وأبي زُرْعَةَ بترجمةٍ مُوجَزةٍ لكلٍّ منهما، وعَرَّفْنَا بالكتاب، وذكَرْنَا رواياتِهِ، وتَرْجَمْنَا لرواتِهِ، وَوَصَفْنَا فيها النُّسَخَ الخَطِّيَّةَ له، وحقَّقنا صِحَّةَ اسمِهِ ونِسْبَتِهِ إلى مُصَنِّفِهِ، إضافةً إلى خُطَّةِ العَمَلِ هذه وما صاحَبَهَا من تنبيهات، وَوَضَعْنَا في نهايتها نماذجَ من النُّسَخِ الخَطِّيَّةِ المعتمدةِ للكتاب.
١٦) صَنَعْنَا فهارسَ عِلْمِيَّةً مفصَّلةً تُعِينُ الباحثَ على الوقوفِ على بُغْيته مِنْ مسائلِ الكتابِ وفوائده، وجَعَلْنَا الإحالاتِ فيها جميعًا على أرقام المسائلِ دون الصفحات، وهي:
فِهْرِسُ الآياتِ القرآنيَّة.
فِهْرِسُ الأحاديثِ النَّبَوِيَّة.
فِهْرِسُ الآثارِ.
فِهْرِسُ المَسَانِيدِ.
فِهْرِسُ ألفاظِ الجَرْحِ والتَّعْدِيلِ نادرةِ الاِستعمالِ.
فِهْرِسُ الأعلامِ.
فِهْرِسُ الأماكنِ والبِقَاعِ.
تَنْبِيهَاتٌ
الأَوَّلُ: يَظْهَرُ لنا أنَّ ابنَ أبي حاتمٍ جَمَعَ كثيرًا من مادَّةِ الكتابِ في حَيَاةِ أبيه وأبي زُرْعة، لكنَّه لم يصنِّفْ كتابَهُ هذا إلاَّ بَعْدَ وفاةِ أبيه؛ يُشْعِرُ بذلك قولُهُ في المسألة رَقْم (١٠٨) : «وحِفْظِي عن أبي _ح» ، ولو كان أبوه حَيًّا لَسَأَلَهُ، ولَمَا احتاجَ إلى الاعتمادِ على حِفْظه، وصِيغَةُ الترحُّمِ قرينةٌ قويَّةٌ في هذه المسألةِ وفي مَسَائِلَ أُخْرَى؛ كالمسألتَيْنِ رَقْم: (١٢٤ و١٨٧٥) ، وفي المسألة رَقْم (١٩٣٦) في حديثٍ من رواية أبي سَعِيدٍ مولى الجَرَادِيِّينَ بيَّن أبو حاتمٍ أنَّ أبا سعيدٍ هَذَا هو الحَسَنُ بْن دِينَارٍ، ثم قال ابن أبي حاتم: «فذكَرْتُ هَذَا الحديثَ لابْنِ جُنَيْدٍ الحافظِ، فَقَالَ: كَانَ إسحاقُ بْنُ أَبِي كاملٍ البَاوَرْدِيُّ ببغدادَ، يَسْأَلُ عَنْ هَذَا الْحَدِيث، وكنا نَرَى أَنَّهُ غريبٌ؛ فقد أفسَدَ علينا أَبُو حاتمٍ _ح لَمَّا بيَّن أنه الحَسَنُ ابن دِينَارٍ!» .
ولعلَّ مِنْ أقوى الدلائلِ على هذا: ما جاء في المسألةِ رَقْم (١٠٠٤) في حديثٍ رواه سَلْمُ ابنُ مَيْمُونٍ الخَوَّاصُ، فقال ابنُ أبي حاتم: فَسَمِعْتُ محمَّدَ بْنَ عَوْف يَقُولُ: «غَلِطَ سَلْمُ ابنُ مَيْمُونٍ فِي هَذَا الحديثِ» . وَلَمْ يُبَيِّنْ أكثَرَ مِنْ هَذَا، وَلَمْ يُبَيِّنِ الصحيحَ مَا هُوَ، وَلَمْ يَتَّفِقْ لِي سؤالُ أَبِي عَنْ ذَلِكَ!! فسأَلْتُ عليَّ بنَ الحُسَيْنِ بنِ الجُنَيْد - حافِظَ حديثِ الزُّهْرِيِّ - وذكَرْتُ لَهُ هَذَا الحديثَ؟ فَقَالَ: «الصحيحُ: الزُّهْرِيُّ، عَنِ ابنِ كَعْبِ بنِ مَالِكٍ، عَنْ عَمِّه، عَنِ النبي (ص) » . اهـ.
стр. 340
فلو كان أبوه حَيًّا لسأله، ولَمَا احتاجَ إلى سؤالِ محمَّدِ بنِ عَوْفٍ، وعليِّ بنِ الجُنَيْد.
وهذا على سَبِيلِ الظَّنِّ الغالب، وإلا فَيَحْتمِلُ أن يكونَ صنَّفَ أَصْلَ الكتابِ في حَيَاةِ أَبِيهِ وأبي زُرْعة، ثم أضافَ هذه المسائلَ المُشَارَ إليها وغيرَها بعد وَفَاةِ أبيه، والله أعلم.
الثَّاني: وقَعَ في الكتابِ كَثِيرٌ من المسائلِ المُكَرَّرةِ، وهي أنواعٌ:
أ) فمنها مسائلُ يكونُ السؤالُ فيها مُوَجَّهًا إلى أبيه مَرَّةً، وإلى أبي زُرْعةَ مَرَّةً أخرى؛ فهاتان مسألتان مُخْتَلِفتان؛ لأنَّ الجوابَ صدَرَ من إمامَيْنِ، وإنْ كان في حديثٍ واحد؛ كما في المسألتين رقم (١١١٢ و١١٢٣) .
ب) ومنها مسائلُ جاءتْ في بابَيْنِ مختلفَيْنِ؛ فالتكرارُ هنا بِسَبَبِ مناسبةِ المسألةِ للبابِ الذي وَرَدَتْ فيه؛ كما في المسألة رقم (١٠٦٧) في كتابِ الجنائز، وهي تتعلَّقُ بِفَضْلِ الصبر على المُصِيبَةِ، فقد أعادها في كتابِ الزُّهْدِ برقم (١٨٧٠ و١٨٩٢) .
ج) ومنها مسائلُ جاءَتْ مُكَرَّرةً في بابٍ واحدٍ أو أبوابٍ متفرِّقةٍ، والسؤالُ موجَّهٌ فيها إلى أبيه مثلاً، أو أبي زُرْعة، لكنِ اختَلَفَ ترجيحُهُ؛ كما في المسائلِ رَقْم (٧٨٨ و٨٥١ و٨٦٩) ؛ فهذا ليس تكرارًا كما هو ظاهر.
د) ومنها مَسَائِلُ جاءَتْ مُكَرَّرةً في بابٍ واحدٍ، والسؤالُ موجَّهٌ
стр. 341
فيها إلى أبيه مثلاً، أو أبي زُرْعة، لكنْ يوجدُ في سؤالٍ زيادةٌ عمَّا في السؤالِ الآخَرِ مِنْ غيرِ اختلافٍ في الترجيح، فالظاهرُ في هذه الحالِ أنَّ السؤالَ وُجِّهَ إلى ذلك الإمامِ أكثَرَ من مَرَّةٍ، فأجابَ في كُلِّ مَرَّة بجوابٍ؛ كما في المسألتين رَقْم (١٢٩٤ و١٣٠٧) ، و (٧٩١ و٨٠٩) .
هـ) ومنها مسائلُ جاءَتْ مُكَرَّرةً في بابٍ واحدٍ، والسؤالُ موجَّهٌ فيها إلى إمامٍ واحدٍ، مِنْ غَيْرِ اختلافٍ بين المسألتَيْنِ؛ كما في المسألتَيْنِ رَقْم (١٢٩٥ و١٣٠٨) ، فهذا ذهولٌ مِنِ ابنِ أبي حاتم في تكرارِهِ لها - فيما يظهر - والله أعلم.
الثَّالِثُ: مُعْظَمُ مَادَّةِ هذا الكتابِ سؤالاتٌ وَجَّهَهَا ابنُ أبي حاتم إلى أبيه وأبي زُرْعة، أو إلى أحدهما، وأَكْثَرُهَا أسئلةٌ لأبيه، وهناك سؤالاتٌ موجَّهةٌ منه إلى شيخَيْنِ آخرَيْنِ له، وهما:
أ) عليُّ بنُ الحُسَيْنِ بنِ الجُنَيْد، وهي ذوات الأرقام: (٢٥٣ و٤٣١ و٥٥٤/أو٥٥٤/ب و٧٦٤ و٨٧٤ و٨٩١ و١٠٠٤ و١٥٢٧ و١٧٨٥ و١٧٨٦ و١٨٣٤ و١٨٥٨ و٢٥٤٣ و٢٨٠٨) .
ب) محمَّدُ بنُ عَوْفٍ الحِمْصيُّ، وهما مسألتان فقط؛ رَقْم (١٧٥ و١٠٠٤) .
وربَّما ورَدَ في بعضِ المسائلِ ذِكْرٌ لِقَوْلِ بعضِ الأئمَّةِ المتقدِّمين؛ كَشُعْبَةَ في المسائلِ رَقْم (١١٥ و٢٤٨ و٣٠٦ و١٥٦٣) ، ويحيى القطَّانِ في المسائلِ رَقْم (٦٠٥ و٧٩٩ و٢٢٢١ و٢٧٣١) ، وأبي الوَلِيدِ
стр. 342
الطَّيَالِسِيِّ في المسألة رَقْم (٣٢٢) ، ويحيى بنِ مَعِينٍ في المسائل رَقْم (١٢٥ و٢١١ و٢٩٣ و٣٧٨ و٥٥٤/أو٥٨١ و١١٣١ و١٣١٢ و١٣٧٣ و١٨٧٩ و٢١١٧ و٢٤٤٩ و٢٥٦٤ و٢٦٦١) ، والإمامِ أحمدَ بنِ حَنْبَلٍ في المسائل رَقْم (٧٣٢ و٨٣٢ و٨٧٢ و١٢٢٤ و١٤٣٨ و١٥٥١ و٢١٨٥ و٢٢٠٣ و٢٣٠٣ و٢٣٧١ و٢٨٢٩) .
وورَدَ في المسألةِ رقم (٢٢٥٦) روايةٌ مِنِ ابنِ أبي حاتم عن أبي الفَضْلِ أحمَدَ بنِ سَلَمة في سؤالٍ سأله أبا زُرْعة، ثم مسلمَ بنَ الحَجَّاج الذي كشَفَ عَنْ عِلَّتِهِ.
الرَّابِعُ: ذكَرَ ابنُ أبي حاتمٍ في بعضِ المسائلِ بعضَ الكُتُبِ التي اعتمَدَ عليها في بيان العِلَّةِ، وقد وضَعْنَا لها فِهْرِسًا بعنوانِ "فِهْرِسُ مَوَارِدِ المصنِّف"، ولكنْ واجهَتْنَا بعضُ الإشكالات في ذلك، ومِنْ أهمِّها: أنَّ ذِكْرَ هذه الكُتُبِ لا يعني بالضرورةِ أنَّها مصنَّفاتٌ لأصحابها؛ لاحتمالِ أن تكونَ أصولَهُمُ التي دوَّنوا فيها أحاديثَهُمْ عن شيوخهم حالَ الطَّلَبِ؛ كقولِ أبي حاتم في المسألة رقم (٢٥٧٩) : «هَذَا الحديثُ لَيْسَ هُوَ فِي كتابِ أَبِي صالحٍ عَنِ اللَّيْث» ، لكنَّ هذا لا يَمْنَعُ أن يكونَ مَوْرِدًا للمصنِّف.
ومِنْ ذلك: قولُهُ في المسألة رقم (٢٠٨) : «وكان في كتابِ أبي زُرْعة» ، وفي المسألة رقم (١٠٤) : «وقد كَانَ أَبُو زُرْعة أخرَجَ هَذَا الحديثَ فِي كِتَابِ "المُخْتَصَر"، وفي المسألة رقم (٢٣٧٠) :
стр. 343
«وسمعتُ أَبَا زُرْعة وانتهَى إِلَى حديثٍ في "فَوَائِدِهِ"» ؛ فهل هي أسماءٌ لكتابٍ واحدٍ، أو أكثَرَ؟!
ومِنْ ذلك: قولُهُ في المسألة رقم (١١٩٩) : «وسمعتُ أَبَا زُرْعَةَ وحدَّثَنَا بِهَذَا البابِ في "كتابِ النِّكَاح"، وفي المسألة رقم (١٤٣٤) : «قَالَ أَبُو زُرْعَةَ: هَذَا حديثٌ مُنْكَرٌ، وَلَمْ يَقْرَأْ عَلَيْنَا فِي "كتابِ الشُّفْعَة"، وضَرَبْنَا عليه» ، وفي المسألة رقم (١٥٠٥) : «قَرَأَ عَلَيْنَا أَبُو زُرْعة كتابَ الأطعمة» ، ونحوُهُ في المسألة رقم (١٥٤٦) ، وقولُهُ في المسألة رقم (١٦٤٠) : «وانتَهَى أَبُو زُرْعة فِيمَا كَانَ يَقْرَأُ مِنْ كتابِ الفَرَائض» ، ونحوُهُ في المسألة رقم (١٦٤٦) ، وقولُهُ في المسألة رقم (٢٥٣٣) : «وَكَانَ حَدَّثهم قَدِيمًا فِي "كتابِ الآداب"» ؛ فَهَلْ هذه أسماءُ مصنَّفاتٍ مستقلَّة، أو أبوابٌ مِنْ أحدِ كُتُبِ أبي زُرْعة؟!
الخَامِسُ: يَرِدُ في بعضِ الكُتُبِ عَزْوُ بعضِ الأقوالِ أو الأحاديثِ إلى العِلَلِ لابنِ أبي حاتم، ولا تُوجَدُ في النُّسَخِ التي بين أيدينا، ولا نَظُنُّ هذا دليلاً على نَقْصٍ في الكتاب، ولكنْ مَرَدُّهُ إلى خطأ في العَزْوِ - والله أعلم - كما حصَلَ من الزَّرْكَشِيِّ _ح؛ فإنه قال في "النُّكَتِ على مقدِّمة ابنِ الصَّلَاح" (١/٤٥٣) : «وقال ابنُ أبي حاتمٍ في "كتاب العِلَلِ": قال أحمدُ بنُ حَنْبَل: ما أراه سَمِعَ مِنْ عبدِالرحمنِ ابنِ أَزْهَرَ، إنما يقولُ الزُّهْري: كان عبدُالرحمنِ بنُ أَزْهَرَ يحدِّثُ، فيقولُ مَعْمَرٌ وأسامةُ: سمعتُ عبدَالرحمنِ بنَ أَزْهَرَ، ولم يَصْنَعَا عندي شيئًا، وقد أدخَلَ بينه وبينه طلحةَ ابنَ عبدِاللهِ بنِ عَوْف» .
стр. 344
وهذا النَّصُّ إنما هو في "المَرَاسِيل" لابنِ أبي حاتم (ص١٩٠ رقم ٧٠٠) ، ولم نَجِدْهُ في "العلل".
السَّادِسُ: يَرِدُ في بعضِ الكُتُبِ عَزْوُ بَعْضِ الأقوالِ لأبي حاتم في "كتاب العلل"؛ كما في "توضيح المُشْتَبِهِ" لابن ناصر الدين (١/٢٢٥) حين قال: «رواه أبو حاتمٍ الرازيُّ في "العِلَلِ" عَنْ يَحْيَى بنِ إسماعيلَ بنِ عبد الله بنِ حَبِيبِ بنِ أبي ثابت؛ حدَّثنا فِرْدَوْس، فذكره» .
وهذا النَّصُّ ليس في "العِلَلِ" لعبد الرحمن ابن أبي حاتم، لكنْ وجدنا ابن ناصر الدِّينِ ينقل عن كتاب "العلل" لأبي حاتم الرازي، برواية محمَّد بن إبراهيم الكَتَّاني عنه؛ كما صرَّح به في بعضِ المواضِعِ من كتابه "توضيح المشتبه"، منها: (٥/٢٨٥) ، و (٧/١٧٤) .
السَّابِعُ: يَرِدُ في بعضِ الكُتُبِ بعضُ الأقوالِ في عِلَلِ الأحاديثِ يَرْويها ابنُ أبي حاتم، عن أبيه؛ كما في "تفسيرِ ابنِ كَثِير" (٢/١٨٥) حين قال: «قال ابنُ أبي حاتم: قَالَ أَبِي: هَذَا حديثٌ خَطَأٌ؛ والصحيحُ: عن عائشة، موقوف» .
وهذا النقلُ ليس من "العِلَلِ" لعبدِالرحمنِ بنِ أبي حاتم، ولكنْ مِنْ كتابه الآخَرِ: "تَفْسِير القرآن" (٤٧٦١) ، ففيه ذكرٌ لبعضِ أقوالِ أبيه في العِلَلِ.
الثَّامِنُ: أثبتنا النَّصَّ كما وَرَدَ في النُّسَخِ وإنْ خالَفَ المشهورَ مِنْ قواعدِ النَّحْوِ واللغة، وعلَّقنا على ذلك بِذِكْرِ وجوهٍ له تُصَحِّحُهُ مِنْ
стр. 345
مذاهبِ النحاةِ واللغويِّين وغَيْرِهِمْ (١) :
وقد اختلَفَ أهلُ العِلْمِ، ﵏، تُجَاهَ هذه القَضِيَّةِ - وهي إصلاحُ اللَّحْنِ والتصحيف، والأَخْطاءِ النَّحْوِيَّةِ واللُّغَوِيَّة، في النُّسَخِ الخَطِّيَّة - وكان اختلافُهُمْ في جهتين:
الجهةُ الأُولى: إصلاحُ الخَطَأِ في النُّطْقِ والرِّوَاية، وذَكَرُوا فيه طُرُقًا أربعةً:
الأُولى: طريقةُ مَنْ يَرَى أنَّه يَرْوِيهِ على الخَطَأِ واللَّحْنِ كما سَمِعَهُ؛ وذَهَبَ إلى ذلك: نافعٌ مولى ابنِ عُمَرَ، ومحمَّدُ بنُ سِيرِينَ، وأبو الضُّحَى، وأبو مَعْمَرٍ عبدُاللهِ بنُ سَخْبَرة، وأبو عُبَيْدٍ القاسمُ بنُ سَلاَّمٍ، قال ابنُ الصَّلَاح في كتابه "علوم الحديث" (ص٢١٨) : «وهذا غُلُوٌّ في مذهبِ اتِّبَاعِ اللفظِ، والمَنْعِ مِنَ الروايةِ بالمعنى» .
والثانية: طريقةُ مَنْ يَرَى تغييرَهُ وإصلاحَهُ وروايتَهُ على الصَّوَابِ؛ وقد ذهَبَ إلى ذلك: ابنُ المُبَارَك، والأَوْزاعيُّ، والشَّعْبيُّ، والقاسمُ ابنُ محمَّد، وعَطَاءٌ، وهَمَّامٌ، والنَّضْرُ بن شُمَيْل؛ قال ابن الصَّلَاح في الموضعِ السابقِ مِنْ كتابِهِ المذكور: «وهو مذهبُ المحصِّلين والعُلَماءِ من المحدِّثين، والقَوْلُ به في اللَّحْنِ الذي لا يَخْتَلِفُ به المَعْنَى وأمثالِهِ لازمٌ على مَذْهَبِ تَجْوِيزِ روايةِ الحديثِ بالمعنى» .
стр. 346
والثالثة: طريقةُ التوقُّفِ، وهي تَرْكُ رِوَايَةِ الخَطَأِ والصَّوَابِ جميعًا؛ حكى ذلك ابنُ دَقِيقِ العِيدِ في «الاقتراحِ» (ص٢٩٤-٢٩٥) عن شَيْخه عِزِّ الدينِ ابنِ عبدِالسَّلَام، قال: سمعتُ أبا محمَّد ابنَ عبدِالسَّلَامِ - وكان أحدَ سَلَاطينِ العُلَماء - كان يَرَى في هذه المسألةِ ما لم أَرَهُ لأحدٍ: أنَّ هذا اللفظَ المُخْتَلَّ لا يُرْوَى على الصَّوَاب، ولا على الخَطَأ؛ أمَّا على الصواب: فإنه لم يُسْمَعْ مِنَ الشيخِ كذلك، وأمَّا على الخَطَإ: فلأنَّه (ص) لم يَقُلْهُ كذلك. اهـ. قال الزَّرْكَشِيُّ في «النُّكَتِ على ابن الصَّلَاح» (٣/٦٢٢-٦٢٣) : «وهذا نظيرُ قولِ أصحابِنَا [يعني: الشافعيَّةَ] فيما لو وكَّله ببيعٍ فاسدٍ: أنَّه لا يستفيدُ الفاسد؛ لأنَّ الشَّرْعَ لم يَأْذَنْ فيه، ولا الصحيح؛ لأنَّ المالكَ لم يَأْذَنْ فيه» . اهـ.
وهذا القولُ غريبٌ.
والرابعة: طريقةُ التفصيلِ بَيْنَ ما له وَجْهٌ سائغٌ في لُغَةِ العَرَبِ؛ فلا يُغَيَّرُ، وما لَيْسَ له وَجْهٌ؛ فيغيَّرُ؛ حَكَى ذلك القَابِسِيُّ في «المُلَخَّصِ» - كما في "النكت على مقدِّمة ابن الصَّلَاح" للزركشي (٣/٦٢٢) - قال القابِسِيُّ: «وأمَّا اللَّحْنُ في الحديثِ فشديدٌ، وقد سَمِعْتُ أبا الحَسَنِ محمَّدَ بنَ هاشمٍ البَصْرِيَّ - وكان مِنْ عُلَمَاءِ الناسِ وخِيَارِهِمْ رحمه الله تعالى - يقولُ: سُئِلَ أبو عِمْران - يعني النَّسَوِيَّ - عن اللَّحْنِ يُوجَدُ في الحديثِ؟ فقال: إنْ كان شيئًا تقولُهُ العَرَبُ - وإنْ كان في غَيْرِ لغةِ قُرَيْش - فلا يُغَيَّرُ؛ لأنَّ النبيَّ (ص) كان يُكَلِّمُ
стр. 347
الناسَ بلسانهم، وإنْ كان مِمَّا لا يُوجَدُ في كلامِ العَرَبِ فَرَسُولُ اللهِ (ص) لا يَلْحَنُ» . اهـ.
واختاره ابنُ حَزْمٍ في «كتابِ الإحكامِ» (٢/٢١٦) ، قال: «وأمَّا اللَّحْنُ في الحديثِ: فإنْ كان شَيْئًا له وَجْهٌ في لغةِ بَعْضِ العَرَبِ، فَلْيَرْوِهِ كما سَمِعَهُ، ولا يُبَدِّلْهُ، ولا يَرُدَّهُ إلى أَفْصَحَ منه، ولا إلى غَيْرِهِ، وإنْ كان شيئًا لا وَجْهَ له في لغةِ العَرَبِ البَتَّةَ، فحَرَامٌ على كُلِّ مُسْلِمٍ أنْ يحدِّثَ باللَّحْنِ عن النبيِّ، فإنْ فَعَلَ فهو كاذبٌ مُسْتحِقٌّ للنارِ في الآخِرَةِ؛ لأنَّا قد أيقنَّا أنَّه _ج لم يَلْحَنْ قَطُّ؛ كتيقُّنِنَا أنَّ السماءَ مُحِيطَةٌ بالأرضِ، وأنَّ الشمسَ تطلُعُ من المَشْرِقِ، وتَغْرُبُ في الْمَغْرِبِ؛ فمَنْ نَقَلَ عن النبيِّ (ص) اللَّحْنَ، فقد نَقَلَ عنه الكَذِبَ بيقين، وفَرْضٌ عليه أنْ يُصْلِحَهُ، ويَبْشُرَهُ مِنْ كتابه، ويَكْتُبَهُ مُعْرَبًا، ولا يحدِّثَ به إلا مُعْرَبًا، ولا يَلْتَفِتَ إلى ما وُجِدَ في كِتَابِهِ من لَحْنٍ، ولا إلى ما حَدَّثَ شيوخُهُ ملحونًا … » . اهـ.
واختار هذا المذهبَ أيضًا: ابنُ فارسٍ في كتابِ «مآخذ العِلْم» - كما في "النكت على مقدِّمة ابن الصَّلَاح" للزركشي (٣/٦٢٣) - لكنَّه اشتَرَطَ في تغييرِهِ وروايتِهِ على الصوابِ: العِلْمَ بالعربيَّة، وجَعَلَ هذا مما يَحْتَاجُ إلى تَرَوٍّ وبَحْثٍ شديدٍ؛ فإنَّ اللغةَ واسعةٌ، واختار الجوازَ، وقال: وأما قولُهُ (ص) : «نَضَّرَ اللهُ امْرَأً سَمِعَ مَقَالَتِي فَبَلَّغَهَا كما سَمِعَ» ؛ فالمرادُ: كما سَمِعَ مِنْ صِحَّةِ المعنَى واستقامتِهِ مِنْ غيرِ زيادةٍ ولا نقصانٍ يُغَيِّرَانِ المعنى، فأمَّا أنْ يَسْمَعَ اللَّحْنَ فيؤدِّيَهُ فلا. وبَعْدُ
стр. 348
فمعلومٌ أنَّ النبيَّ (ص) كان لا يَلْحَنُ؛ فينبغي أنْ تُؤَدَّى مقالتُهُ عنه في صِحَّةٍ كما سُمِعَ منه» . اهـ.
واختاره أيضًا ابنُ المنيِّر - كما في "فتح المغيث" للسخاوي (٢/٢٦٧) ، و"النكت على مقدِّمة ابن الصَّلَاح" للزركشي (٣/٦٢٣) - واحتجَّ على الجَوَازِ بقولِهِ (ص) : «فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ» .
الجهةُ الثانيةُ: اختلافُهُمْ في إصلاحِ الخَطَأِ في أصلِ النُّسْخَةِ والكتابِ، وللعلماءِ في ذلك قديمًا وحديثًا مَسْلَكان:
الأوَّل: مَسْلَكُ مَنْ يَرَى إصلاحَهُ في الكتابِ، وتَغْيِيرَ ما وقَعَ في أُصُولِهِ، وربَّما أَشَارُوا إلى ما في الأَصْلِ المَنْسُوخِ عنه، وربَّما لم يُشِيرُوا، وقد ينبِّهون على سَبَبِ تَغْيِيرهم، وكثيرًا ما يُغْفِلون التنبيه، ومِنْ هؤلاءِ الإمامُ أبو الوَلِيدِ الوَقَّشِيُّ كما سيأتي في كلامِ القاضي عِيَاضٍ.
وعلى هذا المذهبِ: عَمَلُ كثيرٍ مِنْ نَاشِرِي الكُتُبِ (مِمَّنْ تَسَمَّوْا بـ «المحقِّقين» ) في هذا الزمان، وسيأتي في كلامِ القاضي عِيَاضٍ وابنِ الصَّلَاح وغيرِهِمَا ما في هذا المَسْلَكِ مِنْ مفاسدَ خطيرةٍ، وشرورٍ مستطيرةٍ، على العِلْمِ والتراثِ، واللهُ المستعان!!
والثاني - وهو مذهبُ المحقِّقين مِنْ أهلِ العلمِ قديمًا وحديثًا -: أنَّ الصحيحَ: إثباتُ النَّصِّ كما وَصَلَ إلينا في أُصُولِهِ ونُسَخِهِ الخَطِّيَّةِ، مع تَبْيِينِ الصَّوَابِ في الحاشية، ووَجْهِهِ مِنْ جِهَةِ العربيَّةِ أو النَّقْلِ؛ إنْ
стр. 349
أمكنَ ذلك؛ وهذا ما سِرْنَا عليه في هذا الكتابِ.
وفي تصويبِ هذا المنهجِ في «تحقيقِ النصوصِ» يقول ابنُ الصَّلَاحِ _ح في كتابه «علوم الحديث» (ص ٢٢٩-٢٣٠) : «وأمَّا إصلاحُ ذلك وتَغْيِيرُهُ في كتابِهِ وأَصْلِهِ: فالصوابُ تَرْكُهُ وتقريرُ ما وقَعَ في الأَصْلِ على ما هُوَ عليه، مع التَّضْبِيبِ عليه، وبيانِ الصوابِ خارجًا في الحاشية؛ فإنَّ ذلك أَجْمَعُ للمَصْلَحَةِ، وأَنْفَى لِلْمَفْسَدةِ، وقد رُوِّينَا أنَّ بعضَ أصحابِ الحديثِ رُئِيَ في المنامِ وكأنَّه قد مَرَّ مِنْ شَفَتِهِ أو لسانِهِ شَيْءٌ، فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ؟ فَقَالَ: لَفْظَةٌ مِنْ حديثِ رسولِ اللهِ (ص) غَيَّرْتُهَا برأيي، ففُعِلَ بي هذا. وكثيرًا ما نَرَى ما يَتَوَهَّمُهُ كثيرٌ من أهلِ العلمِ خَطَأً - وربَّما غَيَّرُوهُ - صوابًا ذا وَجْهٍ صحيحٍ، وإنْ خَفِيَ واسْتُغْرِبَ!! لا سيَّما فيما يَعُدُّونَهُ خَطَأً مِنْ جهةِ العربيةِ؛ وذلك لِكَثْرةِ لُغَاتِ العربِ وتَشَعُّبِهَا، ورُوِّينَا عن عبدِاللهِ بنِ أحمدَ بنِ حَنْبَلٍ، قَالَ: كان إذا مَرَّ بأبي لَحْنٌ فاحشٌ غَيَّرَهُ، وإذا كان لَحْنًا سهلاً تَرَكَهُ، وقال: كذا قال الشيخُ!!» .
وقد علَّق الزَّرْكَشِيُّ على ما ذكره ابنُ الصَّلَاحِ، فقال في «النُّكَتِ» (٣/٦٢٣-٦٢٤) : «ما ذكره المصنِّفُ أنه الصوابُ، حكاه ابنُ فارسٍ عن شيخه أبي الحَسَنِ عليِّ بنِ إبراهيمَ القَطَّانِ، قال: فكان يَكْتُبُ الحديثَ على ما سَمِعَهُ لَحْنًا، ويكتُبُ على حاشيةِ كتابِهِ: «كذا قال - يعني الذي حدَّثه - والصوابُ كذا» ، قال ابنُ فارسٍ: وهذا أَحْسَنُ ما سَمِعْتُ في هذا البابِ، وقال أبو حَفْصٍ الْمَيَّانِشِيُّ في «إيضاحِ ما لا
стр. 350
يَسَعُ المحدِّثَ جَهْلُهُ» [ص٢٥٨-٢٥٩، ضِمْنَ خَمْسِ رسائلَ في علوم الحديث] : «صَوَّبَ بعضُ المشايخِ هذا، وأنا أستحسنُهُ، وبه آخُذُ» . اهـ.
وقال ابنُ دقيقِ العيدِ في «الاقتراح» (ص٢٦٢) : «وإذا وقَعَ في الروايةِ خَلَلٌ في اللفظِ: فالذي اصطُلِحَ عليه ألاَّ يُغَيَّرَ؛ حَسْمًا للمادَّةِ؛ إذْ غَيَّرَ قومٌ الصَّوَابَ بالخطأ؛ ظَنًّا منهم أنه الصَّوَابُ، وإذا بَقِيَ على حالِهِ، يُضَبَّبُ عليه، ويُكْتَبُ الصوابُ في الحاشية» . اهـ.
وقد حرَّر ذلك كلَّه وأجاد في البَيَان: القاضي عِيَاضٌ في كتابه «الإلماع» (ص١٨٥- ١٨٨) ، فقال _ح: «الذى استمَرَّ عليه عَمَلُ أكثرِ الأشياخِ: نقلُ الروايةِ كما وَصَلَتْ إليهمْ وسَمِعُوهَا، ولا يغيِّرونها مِنْ كُتُبِهِمْ، حتى أَطْرَدوا ذلك في كلماتٍ من القرآنِ استَمَرَّتِ الروايةُ في الكُتُبِ عليها بخلافِ التلاوةِ المُجْمَعِ عليها، ولم يَجِئْ في الشاذِّ مِنْ ذلك في الموطَّأ والصَّحِيحَيْنِ وغيرها؛ حمايةً للباب، لكنَّ أَهْلَ المعرفةِ منهم يُنَبِّهُونَ على خَطَئِهَا عند السماعِ والقراءةِ وفى حواشى الكُتُبِ، ويَقْرَؤُونَ ما فى الأصولِ على ما بَلَغَهُمْ.
ومنهم: مَنْ يَجْسُرُ على الإصلاحِ، وكان أجرأَهُمْ على هذا من المتأخِّرين القاضى أبو الوليدِ هشامُ بنُ أحمدَ الكِنَانيُّ الوَقَّشِىُّ؛ فإنَّه - لكثرةِ مطالعتِهِ وتفنُّنِهِ في الأدبِ واللغةِ وأخبارِ الناسِ، وأسماءِ الرجالِ وأنسابِهِمْ، وثُقُوبِ فهمِهِ وحِدَّةِ ذِهْنِهِ - جَسَرَ على الإصلاحِ
стр. 351
كثيرًا، وربَّما نبَّه على وجهِ الصوابِ؛ لكنَّه ربَّما وَهِمَ وغَلِطَ في أشياءَ من ذلك، وتحكَّم فيها بما ظَهَرَ له، أو بِمَا رآه في حديثٍ آخَرَ، وربَّما كان الذي أصلحَهُ صوابًا، وربَّما غَلِطَ فيه وأصلَحَ الصوابَ بالخطأ!!
وقد وقَفْنَا له مِنْ ذلك في الصحيحَيْنِ والسِّيَرِ وغيرها على أشياءَ كثيرةٍ، وكذلك لِغَيْرِهِ مِمَّنْ سلك هذا المَسْلَكَ.
وحمايةُ بابِ الإصلاحِ والتغييرِ أولى؛ لئلا يَجْسُرَ على ذلك مَنْ لا يُحْسِنُ، وَيَتَسَلَّطَ عليه مَنْ لا يَعْلَمُ، وطَرِيقُ الأشياخِ أَسْلَمُ مع التَّبْيِينِ؛ فيَذْكُرُ اللفظَ عند السَّمَاعِ كما وقَعَ، وينبِّهُ عليه، ويذكُرُ وجهَ صوابِهِ: إمَّا مِنْ جهةِ العربية، أو النقلِ، أو ورودِهِ كذلك في حديثٍ آخَرَ،، أو يقرؤُهُ على الصوابِ، ثم يقولُ: وقَعَ عند شَيْخنا أو في روايتِنَا كذا، أو مِنْ طريقِ فلانٍ كذا، وهو أَوْلَى؛ لئلا يقولَ على النبيِّ (ص) ما لم يَقُلْ.
وأحسنُ ما يُعْتَمَدُ عليه في الإصلاحِ: أنْ تَرِدَ تلك اللفظةُ المغيَّرةُ صوابًا فى أحاديثَ أُخْرَى، فإنْ ذَكَرَهَا على الصَّوَابِ في الحديثِ أَمِنَ أنْ يقولَ عن النبيِّ (ص) ما لم يَقُلْ، بخلافِ إذا كان إنما أَصْلَحَهَا بِحُكْمِ عِلْمِهِ ومقتضى كلامِ العَرَبِ.
وهذه طريقةُ أبي عَلِيِّ بنِ السَّكَنِ البغداديِّ فى انتقائِهِ روايتَهُ لصحيحِ البُخَاريِّ؛ فإنَّ أكثرَ متونِ أحاديثِهِ ومُحْتَمِلَ روايتِهِ هى عنده
стр. 352
مُتْقَنَةٌ صحيحةٌ مِنْ سائرِ الأحاديثِ الأُخَرِ الواقعةِ في الكتابِ وغيرِهِ.
وقد نَبَّهَ أبو سُلَيْمَانَ الخَطَّابيُّ على ألفاظٍ مِنْ هذا في جُزْءٍ أيضًا (١) ؛ لكنَّ أَكْثَرَ ما ذَكَره مما أنكرَهُ على المحدِّثين له وجوهٌ صحيحةٌ في العربيَّةِ، وعلى لغاتٍ منقولةٍ، واستمرَّتِ الروايةُ به» . اهـ. كلام القاضي عياض، وهو نفيسٌ جِدًّا.
وانظر أيضًا: «الكِفَاية» للخَطِيب (ص١٨٥-١٨٨، و١٩٤ - ١٩٨) ، و «فَتْحَ المُغِيث» للسَّخَاوي (٣/١٦٧-١٧٦) ، و «توجيه النَّظَر» لطاهر الجزائري (٢/٦٩٠ - ٦٩١) .
هذا؛ وقد اخترنا نحنُ مَنْهَجَ عدمِ التغييرِ - إلا ما سيأتي استثناؤُهُ - وذلك فيما يتصرَّفُ فيه كَثِيرٌ من المحقِّقين، ويظنُّونه لَحْنًا، وأبقينا على ما في الأُصُولِ الخطيَّةِ في صُلْبِ الكتاب، وعلَّقنا على ذلك تعليقًا وافيًا يبيِّنُ صِحَّةَ أكثرِ ما وقع في هذه النُّسَخِ، وأنَّ لها وجهًا في العربيَّة، بل قد يَكُونُ لها أحيانًا وجوهٌ كثيرةٌ (٢) ؛ مما سيبيِّنُ للقارئ عَبَثَ كثيرٍ ممن تصدَّروا لإخراجِ كتبِ التُّرَاثِ الإسلاميِّ، وكان أَوْلَى بهم أَلاَّ يَفْعَلُوا؛ فمَنْ تَتَبَّعَ الكُتُبَ المُحَقَّقةَ وَجَدَ أغلَبَ أولئك المحقِّقين! يُثْبِتون الخطأَ في مَتْنِ الكتاب، والصوابَ في الحاشية، ويُرَجِّحُونَ بين النُّسَخِ ترجيحاتٍ خاطئةً، وهذا مِنْ جُرْأَتِهِمْ على ما لم
стр. 353
يُحِيطُوا بعلمِهِ ولمَّا يَأْتِهِمْ تأويلُهُ؛ فتجدُهُمْ يَتَصَرَّفون في نَصِّ الكتابِ بالزيادةِ والنُّقْصَان، والتقديمِ والتأخير، والتصويبِ والتعديل؛ وهذا مخالفٌ لما عُرِفَ عند محقِّقي العلماءِ: أنَّ التحقيقَ: هو إخراجُ الكتابِ كما وضَعَهُ مؤلِّفُهُ، لا كما يَتَرَاءَى لِمُحَقِّقِهِ.
وبعضُهُمْ - وهم كُثُرٌ!! - يزيدُ الطِّينَ بِلَّةً، ويَجْمَعُ بين الحَشَفِ وسُوءِ الكِيلَةِ، فَتَرَاهُ يُغَيِّرُ في صُلْبِ الكتابِ باجتهادِهِ دون إشارةٍ إلى ما في الأصولِ الخَطِّيَّةِ التي رجَعَ إليها - وقد يُشِيرُ إلى ذلك في مقدِّمةِ الكتابِ إشارةً عامَّةً غائمةً - زَعْمًا منه بأنَّ في ذلك تكثيرًا للحواشي بلا فائدةٍ؛ وهذا مَسْخٌ للتراثِ وضياعٌ لِمَا حُجِبَ منه، وهو في الحقيقةِ جَسَارةٌ قد تؤدِّي إلى الإخلالِ بالأمانةِ العلميَّة؛ وَلا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إلاَّ بالله!
ونحنُ هنا نُهِيبُ بإخواننا المحقِّقين بأن يَسِيروا على طريقةِ سَلَفِهِمْ من العلماءِ المتقدِّمين، وقد أشارَ إلى دِقَّةِ مَذْهَبِهِمْ وتصويبِهِ القاضي عِيَاضٌ وابنُ الصَّلَاح وغيرُهُمَا مِمَّنْ ذَكَرْناه، واللهُ الموفِّقُ للصواب، وإليه المَرْجِعُ والمَآب.
على أنَّنا استَثْنَيْنا مِنْ ذلك بعضَ المواضعِ التي كان أَكْثَرُهَا في أسماءِ الرِّجَالِ والرُّوَاةِ؛ فاتَّبعْنا فيها ما يَلِي:
فإنْ كان خطأً لا شكَّ فيه: كأنْ يكونَ السِّيَاقُ يَدُلُّ على روايةِ المصنِّف بالسماعِ من شيخٍ تُوُفِّيَ قبل ولادتِهِ، أو يَذكُرَ المصنِّفُ اللفظةَ
стр. 354
أو الاسمَ مَرَّتَيْنِ ومرادُهُ منهما واحدٌ؛ بِدَلالةِ سياقِ كلامِهِ وسابِقِهِ ولاحقِهِ، لكنْ حدَثَ خَلَلٌ في النُّسَخِ في أحدِ الموضعَيْنِ، أو يكونَ قد ذَكَرَهُ المصنِّفُ على الصَّوَابِ في "الجَرْحِ والتَّعديلِ"، أو في "المَرَاسِيلِ"، أو أَجْمَعَتْ مصادرُ التخريجِ والتوثيقِ أو مُعْظَمُهَا على الصَّوَابِ، ولا يَصلُحُ تَخريجُ مثلِهِ لغةً - خاصَّةً إذا كان اسمَ راوٍ - فهذا نُغيِّرُهُ إلى الصَّوَابِ، ونَجْعَلُهُ في متنِ الكتابِ بين مَعْقُوفينِ، مع التَّنبيهِ عليه في الحاشيةِ، وذِكْرِ مَصادِرِ تَغْيِيرِهِ وتَصويبِهِ، وقد احتْرَزْنَا في ذلك كثيرًا، وبَذَلْنَا وُسْعَنَا في البُعْدِ عن التَّغييرِ. وقد دَعانا إلى تَغييرِ مثلِ هذا أيضًا: اعتقادُنَا أنَّ هذا الخطَأَ يبعُدُ أن يَقَعَ مِثْلُهُ من المصنِّفَ، إلا أن يكونَ سهوًا. على أنَّ مِثْلَ هذه الأخطاءِ تَكونُ - في الأغلبِ - من النُّسَّاخِ، لا في أصلِ كتابِ المصنِّفِ؛ فَحَسُنَ التَّغييرُ إلى الصَّوابِ على كلِّ حالٍ، واللهُ أعلمُ.
وأمَّا ما كان غيرَ ذلك وكان مُحْتَمِلاً: فقد تَرَكْنَاهُ في صُلْبِ الكتابِ، وعلَّقْنا عليه في الحاشيةِ بذِكْرِ ما نراه صوابًا، واللهُ أعلمُ.