اختلَفَ حُكْمُ أبي حاتمٍ أحيانًا مع حُكْمِ أبي زُرْعة (١) ، وربَّما خالَفَ عبدُالرحمنِ بنُ أبي حاتم أباه (٢) ، بل رُبَّمَا اختلَفَ قولُ الإمامِ الواحدِ منهم في مسألةٍ واحدةٍ (٣) ، وربَّما أَشْكَلَ الأَمْرُ فَتَوَقَّفَ عن الترجيح (٤) .
ومن ذلك: حَثُّ طُلاَّبِ عِلْمِ الحديثِ على البُعْدِ عن الأقوالِ الشاذَّةِ وما يجري مَجْرَاهَا من الأقوالِ التي يكونُ الاعتمادُ فيها على خَطَأٍ في فَهْمِ عبارةِ إمام، أو الأخذِ بلازمِ قولِهِ، أو مجاراتِهِ في خطئه، أو نحوِ ذلك؛ مِثْلُ تصحيحِ روايةِ ابنِ لَهِيعة إذا كانتْ مِنْ طريقِ العَبَادلةِ - ومَنْ في حُكْمهم - فإعلالُ أبي حاتمٍ وأبي زُرْعة لأحاديثِ ابنِ لَهِيعة ليس فيها تفريقٌ بين العبادلةِ وغيرهم (٥) .
ومِثْلُ الإعلالِ بالتدليسِ، والتشديدِ في العَنْعَنة؛ بخلافِ ما يَذْهَبُ إليه بعضُ المجتهدين من طَلَبَةِ العِلْمِ الذين أَلْصَقُوا بالأئمَّةِ قَبُولَ عَنْعنةِ المدلِّس مطلقًا (٦) ، إلا إذا تبيَّنَ أنه دلَّس تلك الروايةَ.
وهذا الكتابُ مليءٌ بالأمثلةِ التي ينبغي لطالبِ عِلْمِ الحديثِ
стр. 282
تأمُّلُهَا، واستخراجُ الفوائدِ المتعلِّقةِ بهذه المسألةِ منها (١) .
ومن ذلك: بيانُ مَنْهَجِ الأئمَّةِ في التشديدِ في أحاديثِ العقائدِ والأحكام (٢) ، والتساهُلِ في غيرها كالفَضَائِلِ، والرقائقِ، والأدعية (٣) .
ومن ذلك: التنبيهُ على أنه ليس كُلُّ متابعةٍ أو شاهدٍ يَرْفَعُ مِنْ درجةِ الحديثِ ويُقَوِّيهِ؛ فَكَمْ مِنَ الأحاديثِ التي لا يَعْتَدُّ فيها أبو حاتمٍ وأبو زُرْعة بمتابعةِ الراوي وإنْ كان غَيْرَ مُتَّهَمٍ، بل ربَّما كان ثقةً أحيانًا؛ لأنهم يَرَوْنَ أنه أخطَأَ (٤) !!
ومن ذلك: بيانُ أنه ليس كُلُّ اختلافٍ على راوٍ يُعَدُّ قادحًا، بل مِنَ الرواةِ مَنْ هو مُكْثِرٌ مِنَ الروايةِ، فربَّما رَوَى الحديثَ على وجوهٍ كلُّها صحيحةٌ عنه؛ كقتادةَ، فإنَّ مِثْلَ هذا في حديثِهِ كثيرٌ (٥) .
ومن ذلك: أنهم قد يرجِّحون روايةَ راوٍ مُتَكَلَّمٍ فيه خالَفَ عددًا من الثقات، فزاد هو في الإسنادِ رجلاً نَقَصُوهُ، ولم يَقَعِ التصريحُ في روايتِهِمْ بالسماعِ في مَوْضِعِ الزيادةِ، ويُشِيرُونَ إلى ذلك بقولهم أحيانًا:
стр. 283
الزيادةُ مِنَ الثقةِ مقبولةٌ (١) .
ومن ذلك: بيانُ مَنْهَجِ الأئمَّةِ في الانتخابِ؛ وهو أَخْذُ الغرائبِ، وتَرْكُ المشاهير (٢) .
ومن ذلك: بيانُ اختصاصِ بعضِ الأئمَّةِ ببعضِ الشيوخِ، وتَقْدِيمِهِمْ فيهم على أئمَّةٍ آخَرِينَ حالَ الخلافِ؛ مثلُ كَوْنِ عبد الله بنِ المبارك ويحيى بنِ سَعِيدٍ القَطَّانِ أعلَمَ بحديثِ شُعْبةَ مِنْ وَكِيعِ بنِ الجَرَّاح (٣) .
ومن ذلك: أنَّ روايةَ الراوي للحديثِ بِنُزُولٍ قرينةٌ تَدُلُّ على إعلالِ روايةِ مَنْ رواه عنه عاليًا (٤) .
ومثله: لو كان الحديثُ عندَ الراوي مرفوعًا لم يَحْتَجْ أن يُحَدِّثَ به موقوفًا؛ لأنَّ هذا يَدُلُّ على إعلالِ الروايةِ المرفوعةِ (٥) .
ومن ذلك: الاستدلالُ بمتابعةِ القَرِينِ لقرينِهِ - وهما مِنْ بلدٍ واحد - على أنَّ شيخهما قد قَدِمَ إلى بلدهما؛ وهذا يُغَلِّبُ جانبَ السَّمَاعِ؛ وهذه الفائدةُ مِنْ أنفسِ الفوائد، وهي مستفادةٌ مِنْ سؤالِ ابن أبي حاتم لأبيه (٦) عن سماعِ أبي إسحاقَ السَّبِيعيِّ مِنْ عبد الله بن أبي قتادةَ حين رَوَى عنه، عن ضَمْرَة بنِ عبد الله بْنِ أُنَيس، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النبي (ص) قَالَ: «لَيْلَةُ القَدْرِ لَيْلَةُ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ» ؛ فاستدَلَّ أبو حاتمٍ
стр. 284
على سماعِ أبي إسحاق من عبد الله بن أبي قتادة بِكَوْنِ إسماعيلَ بنِ أبي خالد رَوَى هذا الحديثَ أيضًا عن عبد الله بن أبي قتادة؛ فهذا يَدُلُّ على أنَّ ابنَ أبي قتادةَ قَدِمَ الكُوفَةَ التي هي بَلَدُ أبي إسحاقَ وإسماعيلَ بنِ أبي خالد؛ وهذا يَدُلُّ على أنَّ المحدِّثين ينزِّلون المعاصرةَ مع اتِّحَادِ البَلَدِ منزلةَ اللِّقَاء، والله أعلم.
ولأَِهَمِّيَّةِ هذا الكتابِ عند الحافظِ محمَّدِ بنِ أحمَدَ بنِ عبد الهادي (ت٧٤٤هـ) ؛ صنَّف كتابًا طُبِعَ بعنوانِ "تعليقةٌ على العِلَلِ لابن أبي حاتمٍ"؛ ذهَبَ يَشْرَحُ فيه عِلَّةَ الحديثِ الذي يُورِدُهُ ابنُ أبي حاتم؛ بتخريجِهِ مِنْ كتب الحديثِ، ونَقْلِ كلامِ الأئمَّةِ فيه، وفي الرُّوَاةِ، وله أحكامٌ على الأحاديثِ والرُّوَاةِ، مع بعضِ التصويباتِ لبعض الأخطاءِ الواقعةِ في "العِلَلِ" لابن أبي حاتمٍ، وقد استَفَدْنَا مِنْ هذا الكتابِ فوائدَ عديدةً مُثْبَتَةً في مَوَاضِعِهَا (١) .
وقد افتتَحَ ابنُ أبي حاتمٍ كتابَهُ هذا بمقدِّمةٍ عن أهميَّةِ عِلْمِ العِلَلِ، ثم ثَنَّى بكتابِ الطهارةِ، ثم الصلاة … وهكذا؛ مُرَتِّبًا له على أبوابِ الفقه، غير أنه لم يُقَسِّمِ الكتابَ الواحِدَ إلى أبوابٍ، فكتابُ الصلاةِ - مثلاً - استَغْرَقَ في المجلَّد الثاني من (ص٣٦) إلى (ص٥٠٨) ، دون تبويب.
وليس هناك ترتيبٌ بين المسائل، غَيْرَ أنه ربَّما سرَدَ عددًا من
стр. 285
المسائلِ عن شيخٍ واحدٍ كحَمَّاد بن سَلَمة؛ كما صنَعَ في المسائلِ مِنْ رقم (٣٢٦) إلى رقم (٣٣٤) .
وكثيرًا ما يَسْرُدُ سؤالاتِهِ لأبيه متتاليةً، وكذا سؤالاته لأبي زُرْعة.
وربَّما كرَّر المسألةَ الواحدةَ كما سيأتي في التنبيهات (١) .
وربَّما كرَّر بعضَ الأبوابِ، مثلُ قولِهِ في المجلَّد الخامس (ص٣٤٢) : «عِلَلُ أخبارٍ رُوِيَتْ فِي الدعاء» ، فإنَّه كرَّره في المجلَّد السادس (ص٣٣٣) بالعنوان نفسه.
وربَّما فرَّق أبوابَ الموضوعِ الواحد، مثلُ قولِهِ في المجلد الرابع (ص٥٧٠) : «عِلَلُ أخبارٍ رُوِيَتْ في القرآنِ وتفسيرِ القرآن» ، وفي المجلَّد السادس (ص٦٣٥) قال: «عِلَلُ أخبارٍ رُوِيَتْ فِي حروفِ القرآن» .
стр. 286
ب) ِروَايَاتُ "كِتَابِ الْعِلَلِ"
وَقَفْنَا على أربعِ رواياتٍ لكتاب "العلل" عن ابن أبي حاتم، وهي على الإجمال:
١) روايةُ أبي بَكْرٍ محمَّد بْن أَحْمَد بْن الفَضْل بن شَهْرَيَارَ الأَرْدَسْتاني.
٢) روايةُ أبي أحمَدَ الحُسَيْنِ بنِ عليِّ بنِ محمَّد بن يحيى التَّمِيمِيِّ النَّيْسَابوريِّ المعروفِ بـ «حُسَيْنَك» .
٣) روايةُ أبي الحَسَنِ عليِّ بنِ بُخَار الرازي.
٤) روايةُ أبي عبد الله محمَّدِ بنِ إسحاقَ بن مَنْدَهْ.
وثَمَّةَ ثلاثُ رواياتٍ روى بَعْضُ الأئمَّة بها بعضَ المسائل، فقد تكونُ رواياتٍ لكتابِ «العِلَلِ» بتمامه، وقد تكونُ لبعضِ مسائله، أو لبعضِ كتبِ ابن أبي حاتم الأخرى التي ورَدَتْ فيها هذه المسائل. وهذه الرواياتُ الثلاثُ هي:
١) روايةُ أبي أحمَدَ الحَسَنِ بنِ عبد اللهِ العَسْكَري.
٢) روايةُ أبي الشَّيْخِ عبد الله بن محمَّد بن جعفر بن حَيَّان.
٣) روايةُ القاسم بن عَلْقَمَة.
стр. 287
وفيما يلي تفصيلُ ما أُجْمِلَ من هذه الروايات:
١) أمَّا روايةُ أبي بَكْرٍ محمَّد بْن أَحْمَد بْن
стр. 288
الفَضْل بن شَهْرَيَارَ: فَيَرْوِيها عنه أَبُو طاهرٍ محمَّدُ بنُ أَحْمَد بن أبي عليٍّ عبدِالرَّحِيمِ الأَصْبَهانيُّ، وأبو مسعودٍ الدِّمَشْقيُّ إبراهيمُ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْد، وعنهما رواها الخطيبُ البَغْداديُّ في "مُوضِحِ أوهام الجمع والتفريق" (١/٢٦٩) ، و (٢/٦٩ و١٢٦ و٢٨٨ و٤٧٥) ، و"الكفاية" (٢/٣٩٠ رقم ١١٧١) ، لكنَّ روايتَهُ عن أبي مسعود الدمشقيِّ مِنْ كتابه؛ حيثُ كان يقول: «قرأتُ في كتابِ أبي مسعود إبراهيمَ بنِ محمَّد الدِّمَشْقي» .
وهذه الرواية هي التي رُوِيَتْ مِنْ طريقها النسختان (أ) و (ت) :
أما النسخة (أ) : فبدايتها هكذا: «حدَّثنا الشيخُ أَبُو طاهرٍ محمَّدُ بنُ أحمَدَ بنِ عَبْدِ الرَّحِيمِ» ، ولم يُذْكَرِ الراوي عن أبي طاهرٍ ومَنْ دونه، وتاريخُ نَسْخ هذه النُّسْخة سنة (٧٣٠هـ) ، ووفاةُ أبي طاهر كانتْ سنةَ (٤٤٥هـ) .
وأمَّا النسخةُ (ت) : فجاء الإسنادُ على غِلَافها هكذا: «كتابُ علل الحديثِ، تأليفُ الإمامِ أبي محمد عبد الرحمن ابن الإمام أبي حاتم محمَّد بن إدريسَ بنِ المُنْذِرِ بنِ داود بن مِهْران الرازي الحافظ، مولى تَمِيمِ ابنِ حَنْظَلة (١) ، الغَطَفاني الحَنْظَلي _ح. روايةُ أبي بَكْر محمَّد بْن أَحْمَد بْن الفَضْل بن شَهْرَيَارَ عنه، رواية أبي طاهرٍ محمَّد بْن أَحْمَد بْن عبد الرَّحِيم عنه، رواية أبي بكر محمد بن عليِّ ابن ِ أبي ذَرٍّ الصَّالْحَاني إجازةً عنه، رواية أبي الفَتْح ناصر بن محمد بن أبي الفَتْح ناصر المعروف بِوِيْرِج الأَصْبَهاني عنه، إجازةً منه لصاحبِهِ إسماعيل بن عبد الله بن عبد المُحْسِن ابن الأَنْمَاطي الأَنْصَاري رفَقَ اللهُ به، ونفَعَهُ بسائره، آمين» .
٢) وأما روايةُ أبي أحمَدَ الحُسَيْنِ بنِ عليِّ ابن ِ محمَّد بن يحيى التَّمِيمي النَّيْسَابوري المعروفِ بـ «حُسَيْنَك» : فَيَرْوِيها عنه أبو بَكْر أحمدُ بنُ محمَّد بن أحمد بن غالب البَرْقَاني، وعن البَرْقاني رواها الخطيبُ البغداديُّ في مواضعَ مِنْ "تاريخه"، منها: (٨/٨٨-٨٩ و١٩٦) ، و (٩/٦٧-٦٨) .
وهذه الروايةُ هي التي رُوِيَتْ مِنْ طريقها النسخةُ (ف) ، فقد جاء في بدايتها: «أوَّلُ كتاب العِلَل، يَشْتمِلُ عَلَى سبعةَ عَشَرَ جزءًا. الجزءُ الأوَّلُ فِي عللِ أخبارٍ رُوِيَتْ فِي الطهارةِ. أخبرنا أبو أحمد الحُسَيْن بن عليِّ بنِ محمَّدِ بنِ يحيى التَّمِيمِيُّ قراءة عَلَيْهِ فِي سنةِ تِسْعٍ وستين وثلاثِ مئة؛ قال: أخبرنا أبو محمَّد عبد الرحمن بن أبي حاتم _ح» .
ولم يُذْكَرِ الراوي عن الحُسَيْن بن علي ومَنْ دونه، وتاريخُ نَسْخِ هذه النسخةِ سنة (٧٣٠هـ) ، ووفاةُ الحُسَيْن بن عليٍّ كانت سنة (٣٧٥هـ) .
٣) رواية أبي الحَسَن عليِّ بن بُخَار الرازي، ومِنْ طريقه رواها الدَّارَقُطْني؛ كما صرَّح بذلك في "المؤتلف والمختلف" (٤/٢٢٣٠)
стр. 289
حين قال: «وأما بُخَار: فهو عليُّ بنُ بُخَار الرازي أبو الحَسَن، شيخٌ كتبنا عنه في دَارَقُطْن، حدَّثَنا عن عبد الرحمن بن أبي حاتم بِعِلَلِ الحديثِ وسؤالاتِهِ لأبيه ولأبي زرعة في ذلك» .
وروى الخطيبُ البَغْدادي في "تاريخه" (١١/٣٥٥) هذا النَّصَّ عن أبي القاسم الأَزْهَري عن الدَّارَقُطْني.
ونقل الدارقطنيُّ في كتاب "السنن" (١/١٠٤ و١٠٦ و١٤٩ و١٩٠) عن ابن أبي حاتم المسائلَ رقم (٤٧ و٥٨ و٧٧ و١١١) ، فلعلَّها من روايته عن عليِّ بنِ بُخَار هذا، والله أعلم.
٤) روايةُ أبي عبد الله محمَّدِ بنِ إسحاقَ بنِ مَنْدَهْ، بالإجازةِ عن ابن أبي حاتم.
ذكر هذه الروايةَ الحافظُ ابن حجر في "المعجم المُفَهْرِس" (ص١٥٨) في الكلامِ على كتاب "العلل" فقال: «قرأتُ على مَرْيَمَ بنتِ الأَذْرَعيّ سَنَدَهُ إليه (١) ، وأجازتني سائرَهُ بروايتها، عن يُونُسُ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أبي الحَسَن بن الْمُقَيَّر، عن أبي الفضل بن ناصر،
стр. 290
عن أبي القاسم بن أبي عبد الله محمد بن إسحاق بن مَنْدَهْ؛ أنبأنا أبي، عن أبي محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي، إجازةً، به» .
ومن طريقِ الحافظ ابن حجر رواه الرُّودَانِيُّ في "صِلَة الخَلَف" (ص٣٠٣) .
وأما الرواياتُ الثلاثُ التي رُوِيَتْ بها بعضُ مسائل الكتاب - والتي يَحْتَمِلُ أنْ تكونَ لكتابِ العِلَل بتمامِهِ، ويَحْتمِلُ أن تكونَ لبعض مسائله، أو لبعضِ كتبِ ابن أبي حاتم الأخرى التي وَرَدَتْ فيها هذه المسائل -: فهي:
١) روايةُ أبي أحمَدَ الحَسَن بن عبد الله بن سَعِيد العَسْكَري للمسألتين رقم (٥٥٩ و١٠١٩) عن ابن أبي حاتم بالإجازة، روى بها في كتابه "تصحيفات المحدِّثين": (١/١١٦-١١٨) ، و (٢/٦٢٨-٦٢٩) ، و (٣/٩٩٢- ٩٩٤) .
٢) رواية أبي الشَّيْخ عبد الله بن محمد بن جَعْفر بن حَيَّان، ومن طريقِهِ روى أبو نُعَيْم في "الحلية" (٩/٤) قولَ عبد الرحمن بن مَهْدِيٍّ وابن نُمَيْر في مقدمة "العلل" (١/٤) . وتقدَّم في ترجمة ابن أبي حاتم أنه مِنْ شيوخ أبي الشَّيْخِ الذين روى عنهم (١) .
٣) روايةُ القاسم بن عَلْقَمة المسألة رقم (١٠٩١) ، ومن طريقه روى الخَلِيلي في "الإرشاد" (١/٢٧٥) .
стр. 291
هذا؛ وقد وَقَفْنا على روايةٍ ذَكَرها الحافظُ ابن حجر في "تغليق التعليق" (٢/٣٩) فقال: «وأُنْبِئْتُ عمَّن سَمِعَ المسلمَ بنَ أحمد النَّصِيبي؛ أنَّ علي بن الحَسَن الفقيه أخبره: أنا أبو القاسم النَّسِيب؛ أنا محمد بن عبد الرحمن الكَنْجَرُوذِيُّ؛ أنا يوسف بن القاسم المَيَّانِجي؛ أنا عبدُالرحمنِ بنُ أبي حاتم … فذكَرَ الحديثَ بهذا الإسناد، وقال: هَذَا حديثٌ خطأٌ، إِنَّمَا هُوَ موقوفٌ عن عَمَّار، رواه جماعة: الثَّوْري، وشُعْبة، وزهير فَمَنْ دونهم، كلُّهم، موقوفً؛ قولَ عَمَّار (١) ، وليس لرفعه معنًى» .
ويُوسُفُ بن القاسم المَيَّانِجِيُّ معروفٌ بالرواية عن ابن أبي حاتم كما تقدَّم في ذكر تلاميذه، وهذا الحديثُ الذي نقَلَ ابنُ حجر عن ابن أبي حاتم عِلَّتَهُ: هو حديثٌ رواه عبد الرزَّاق، عَنْ مَعْمَر، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ صِلَةَ بنِ زُفَرَ، عَنْ عَمَّار، عن النبي (ص) قال: ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ فَقَدْ وَجَدَ حَلَاوَةَ الإِيمَانِ: الإِنْفَاقُ مِنَ الإِقْتَارِ … الحديثَ، وهو الآتي في المسألة رقم (١٩٣١) ، ولم نَرَ هذا النقلَ الذي ذكره الحافظ ابن حجر من "العلل"، ولكنَّه رَأْيٌ لابن أبي حاتم في هذا الحديثِ، ولم يُسْنِدْهُ إلى أبيه وأبي زرعة كما في المسألة رقم (١٩٣١) .
стр. 292
شجرة روايات كتاب "العلل" عن عبد الرحمن بن أبي حاتم
عبد الرحمن بن أبي حاتم
стр. 293
ج) تَرْجَمَةُ رُوَاةِ "كِتَابِ الْعِلَلِ"
تقدَّم أنَّ لـ"كِتَابِ العِلَل" - فيما وقفنا عليه - سبعةَ طُرُقٍ عن ابن أبي حاتم، منها ما هو صريحٌ أنه روايةٌ لـ"كِتَابِ العِلَل"، ومنها ما هو غيرُ صريحٍ، ومِنْ هذه الطُّرُقِ طريقان رُوِيَتْ بهما النُّسَخُ الأصليَّة للكتاب، وهي (أ) و (ت) و (ف) :
أما الطريقُ الأوَّل: فهو طريقُ النسختَيْنِ (أ) و (ت) ، وهو مِنْ روايةِ أبي طاهر محمَّد بْن أَحْمَد بْن عبد الرحيم الكاتبِ الأَصْبَهاني، عن أبي بَكْرُ محمَّد بْن أَحْمَد بْن الفَضْل بن شَهْرَيَارَ، عن ابن أبي حاتم.
ولم يُذْكَرْ في (أ) مَنِ الذي رواه عن أبي طاهر، وأمَّا (ت) : فمِنْ روايةِ صاحبها إسماعيلَ بنِ عبد الله الأَنْمَاطي، عن أبي الفَتْح وِيْرِج ناصرٍ الأَصْبَهانيِّ، عَنْ محمَّد بْنِ عَليّ بْن أبي ذَرٍّ الصَّالْحَاني، عن أبي طاهر.
وفيما يلي ترجمةٌ لرجال هذا الإسناد:
١ - أَبُو بَكْرُ محمَّدُ بنُ أحمدَ بنِ الفَضْلِ بنِ شَهْرَيَارَ الأَرْدَسْتَاني (١) ، حدَّث عن عبد الرحمن ابن أبي حاتم، وحدَّث عنه أَبُو طاهرٍ محمَّدُ بنُ أحمدَ بنِ عبدِالرَّحِيمِ الأَصْبَهانيُّ، وأبو مسعودٍ إبراهيمُ بنُ محمدِ بنِ عُبَيْدٍ
стр. 294
الدِّمَشْقيُّ، وأبو نُعَيْمٍ الأَصْبَهَانيُّ، وغيرهم.
وهو مِنْ بيتِ علمٍ وفضل، فعمُّه عليُّ بنُ الفضل التاجرُ المعدّل الأَرْدَسْتاني من أهل العلم، وكذا أخوه أبو عبد الله عُبَيْدالله بن أحمد ابن الفَضْل بن شَهْرَيَارَ الأَرْدَسْتاني التاجر، وابنا أخيه هذا: أبو القاسمِ الفضلُ وعبدُالواحد ابنا عُبَيْدالله بن أحمد، والحافظُ الفقيه أبو الحَسَن محمد بن عبد الواحد بن عُبَيْدالله الأَرْدَسْتاني الأصبهاني ابن ابن أخيه، ومصنِّف كتاب "الدلائل السَّمْعية، على المسائل الشرعية".
تُوُفِّيَ سنة سَبْعٍ وثمانين وثلاثِ مئة (١) .
٢ - أَبُو طاهر محمَّد بْن أَحْمَد بن عبد الرَّحِيم الكاتب الأَصْبَهاني؛ روى عن محمَّد بْن أَحْمَد بْن الفضل، وأبي الشيخ عبد الله بن محمد بن حَيَّان، وروى عن الحافظِ أبي الحَسَن عليِّ بن عمر الدارقطني كتابَ "السنن".
روى عنه أبو بَكْر مُحَمَّدِ بْنِ عليِّ بْن أَبِي ذَرٍّ الصَّالْحَاني الأصبهاني، وأبو زكريا يحيى بن عبد الوهاب بن مَنْدَهْ، وإسماعيل بن الفَضْل بن الإِخْشِيد السَّرَّاج؛ وحدَّثوا عنه بـ"السنن" للحافظ الدارقطني.
قال ابن نُقْطة: «لم يحدِّثْ في وقتِهِ أوثَقُ منه، وأكثَرُ حديثًا،
стр. 295
صاحبُ الكتبِ والأصولِ الصحاح _ح، وهو آخِرُ مَنْ حدَّث عن أبي الشيخ، والقَبَّابِ - فيما أعلم - بِأَصْبَهان» . وذكر ابن نُقْطة عن عبد العزيز النَّخْشَبي أنه قال: «ولد أبو طاهر في سنة ثلاثٍ وسِتِّينَ وثلاثِ مئة، وكان أوَّلُ سماعه مِنْ أبي الشيخ الأنصاريِّ في سنة ثمان وستين وثلاث مئة» . وذكر ابن نُقْطة أنَّ وفاته يوم الجمعة، الحادِيَ عَشَرَ من شهرِ ربيعٍ الآخِرِ؛ سنةَ خمسٍ وأربعين وأربع مئة (١) .
٣ - أبو بكر مُحَمَّدِ بْنِ عَليّ بْن أَبِي ذَرٍّ الصَّالْحَاني الأَصْبَهاني؛ حدَّث عن أبي طاهر مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن عبد الرحيم بـ"سنن الدارقطني" بالإجازة، وله فيها شيءٌ يَسِيرٌ مسموع، وحدَّث عنه بغيرها من الأجزاءِ والعوالي، وهو آخِرُ مَنْ حدَّث عنه، وبه خُتِمَ حديثُ أبي الشيخ، حدَّث عنه جماعةٌ بِأصْبَهان؛ منهم أبو مسلم بن الإِخْوة، وزاهر ابن أحمد الثقفي، وغيرهما، توفِّي صباحَ يومِ الأحد، ثالثَ جُمَادَى الآخرة، سنةَ ثلاثين وخمس مئة (٢) .
٤ - أبو الفتح ناصرُ بنُ محمد بن أبي الفتح الأَصْبَهاني المقرئ القَطَّان، المعروف بالوِيْرِج - ويقال: الوِيْرِي (٣) - صدوقٌ ومُكْثِر،
стр. 296
سَمِعَ من إسماعيل بن الإِخْشِيد السَّرَّاج "سنن الدارقطني"، بسماعه من أبي طاهرٍ محمَّد بْن أَحْمَد بْن عبد الرحيم، بسماعه من الدارقطني، وسمع أيضًا من أبي الفضل جعفر بن عبد الواحد الثقفي الأَصْبَهاني، وابن أبي ذَرٍّ، وغيرهما، وعنه أبو الجَنَاب الْخَيْوَقِيُّ، وأبو رَشِيد الغَزَّال، وأكثَرَ عنه الحافظُ أبو الحَجَّاج يوسف بن خَلِيل الدمشقي، وآخرون، وتوفِّي في ذي الحِجَّة سنةَ ثلاثٍ وتِسْعين وخمس مئة (١) .
٥ - الحافظ تَقِيُّ الدِّين أبو طاهر إسماعيل ابن عبد الله بن عبد المُحْسِن الأنصاريُّ المِصْريُّ الأَنْمَاطي، سمع القاضي محمد بن عبد الرحمن الحَضْرَمي، وأبا القاسمِ البُوصِيرِيّ، وأبا طاهر الخُشُوعي، وغيرَهم، حدَّث عنه أبو بكرٍ عبد الله بن عمر بن علي بن الخَضِر القُرَشِيّ بـ"جزء حنبل بن إسحاق" (٢) ، وحدَّث عنه أيضًا الحافظان ابن نُقْطة، والمُنْذِري. وُلِدَ في نحو سنة سبعين وخمس مئة، وكتَبَ بخطه المليحِ الرشيقِ ما لا يوصفُ كَثْرة، اشتغَلَ من صِباه وتفقَّه، وقرأ الأدب، وقَدِمَ دِمَشْقَ سنةَ ثلاثٍ وتِسْعين وخمس مئة، ثم حَجَّ سنةَ إحدى وسِتِّ مئة، فذهَبَ إلى بغداد، وكانتْ له عنايةٌ وافرة، وحِرْصٌ تامٌّ وجِدٌّ واجتهاد، مع معرفةٍ كاملة، وحِفْظٍ وحِذْقٍ ونقدٍ وفصاحة،
стр. 297
وسرعةِ قَلَمٍ، واقتدارٍ على النظم والنثر، وهو أولُ من سَنَّ كتابةَ إجازةِ الشيخِ عَقِبَ كتابةِ السماع (١) ، وتوفِّي سنة تِسْعَ عَشْرَةَ وسِتِّ مئة (٢) .
وللخطيبِ البغداديِّ روايةٌ بالوِجَادة عن كتابِ أبي مسعود الدِّمَشْقي، عن ابن شَهْرَيَارَ كما تقدَّم، وأبو مسعود هو:
٦ - إبراهيمُ بنُ محمَّد بْنِ عُبَيْد أبو مسعودٍ الدِّمَشْقيُّ الحافظُ الجَوَّال، مصنِّفُ كتابِ "أطراف الصحيحين"، وأحَدُ مَنْ برَّز في هذا العلمِ، سافَرَ الكثيرَ، وجابَ البلادَ في طلب العلم، فَسمِعَ ببغدادَ من أصحابِ أبي شُعَيْب الحَرَّاني، ومحمد بن يحيى المَرْوَزي، ويوسفَ ابنِ يعقوبَ القاضي، وجَعْفَرٍ الفِرْيَابي، وبالكوفةِ مِنْ أصحاب أبي جعفر المُطَيَّن، وأبي الحُصَيْن الوادعي، وبالبصرةِ مِنْ أصحاب أبي خليفةَ الجُمَحِيِّ، وبواسطَ من أبي محمَّد ابن السَّقَّا، وبالأَهْوَازِ من أحمد بن عَبْدان الشِّيرَازي، وأقرانِهِ، وبأَصْبَهَان من أبي بكر بن المُقْرِئ، ونحوه، وبخراسانَ مِنْ أصحاب الحسن بن سُفْيَان، وأبي بكر بن خُزَيْمة، ومحمد بن إسحاق السَّرَّاج، وأمثالهم.
قال الخطيبُ البغدادي: «كان صدوقًا ديِّنًا وَرِعًا فَهِمًا» .
وكان له عنايةٌ بصحيحَيِ البخاريِّ ومسلم، وكان الدارقطنيُّ يذاكره
стр. 298
فيهما أحيانًا؛ فقد ذكَرَ الزَّرْكَشِيُّ (١) ما انتُقِدَ من الأحاديث على الصحيحَيْنِ، فقال: «وأكثَرُ استدراكِ الدارقطنيِّ يرجع إلى المسانيد، مِنْ غيرِ ترجيحِ المتون، وقد أجاب عن بعضه أبو مسعودٍ إبراهيمُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ عُبَيْدٍ الدمشقيُّ.
قال الدراقطني: اجتمعْتُ بأبي مسعود، فتذاكَرْنَا معه الصحيحَيْنِ، ومشينا معه، ثم فَتَحْنَا عليه جوابَ غرائبَ … » .
توفِّي أبو مسعود سنةَ إحدَى وأربعِ مئة ببغداد، وقلَّما رَوَى؛ لأنه ماتَ كَهْلاً، فلم يَنْتشِرْ حديثه (٢) .
وأما الطريقُ الثاني: فهو طريقُ النُّسْخة (ف) ، وهو من رواية أبي أحمد الحُسَيْن بن علي التَّمِيمي، عن ابن أبي حاتم.
ولم يذكر الناسخُ سنَدَ النسخةِ إلى التَّمِيمِيِّ كما تقدَّم، لكنَّ الخطيبَ البغداديَّ يروي هذا الطريقَ عن شيخه أبي بَكْرٍ البَرْقاني، عن التميمي، وفيما يلي ترجمةٌ لرجالِ هذا الإسناد:
٧ - الحافظ أبو أحمَدَ الحُسَيْن بن عليِّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ عبد الرحمن بن الفضلِ بنِ عبد الله التَّمِيمِيُّ المعروفُ بحُسَيْنَك، وبها اشتهر، ويُعْرَفُ أيضًا بابن مُنَيْنَة؛ نسبةً إلى جَدَّته مُنَيْنَةَ بنتِ رجاء بن
стр. 299
معاذ، كان جارًا لأبي بكر بن خُزَيْمة بنيسابور، وحدَّث عنه، وتربَّى في حِجْره، وبه تخرَّج، وحدَّث أيضًا عن محمَّد بن إسحاق السَّرَّاج، وأبي القاسم البَغَوي، وغيرهم.
روى عنه أبو عبد الله الحاكم، وأبو بَكْر البَرْقَاني، وأحمد بن محمد المؤدِّبُ المعروفُ بالزَّعْفَرَاني، وغيرهم.
كان ابنُ خُزَيْمة يُعِزُّهُ ويقدِّمه على أولاده، ويَبْعَثُهُ إذا تخلَّف عن مَجْلِسِ السلطان لينوبَ عنه، وكان عمره عند وفاةِ ابنِ خُزَيْمة ثلاثًا وعشرين سنة.
قال البَرْقَاني: كان حُسَيْنَك ثقةً جليلاً حُجَّةً، وقال الخطيب: كان ثقةً حُجَّة، وقال الحاكم: صَحِبْتُهُ حضرًا وسفرًا فما رأيتُهُ ترَكَ قيام الليل مِنْ نحو ثلاثين سنة، وكان يقرَأُ كلَّ ليلة سُبُعًا، وكانتْ صَدَقاتُهُ دَارَّةً سِرًّا وعلانية، أخرَجَ مرةً عَشَرة من الغزاة بآلتهم بَدَلاً عن نفسه، ورابَطَ غيرَ مَرَّة، وأولُ سماعه في سنة خمسٍ وثلاثِ مئة.
توفِّي في ربيعٍ الآخِرِ سنةَ خمسٍ وسبعين وثلاث مئة، وكان مولده سنةَ ثمانٍ وثمانين ومئتين.
وأخوه أبو الفَضْلِ عبد الرحمن بن علي النَّيْسَابوري من أهل العلم؛ حدَّث عن ابن خُزَيْمة وغيره، وحدَّث عنه الحاكمُ وغيره، وكانتْ وفاته سنةَ سِتِّينَ وثلاث مئة.
ولِحُسَيْنَك ابنٌ من أهلِ العلم أيضًا كثيرُ الرواية، اسمه: إسماعيلُ
стр. 300
ابنُ الحسين بن علي، أبو المظفَّر الْمِنْكَاني (١) ، ولد سنة سبعٍ وخمسين وثلاث مئة في شَعْبان، وروى الكثيرَ عن والده (٢) .
٨- الإمام الفقيهُ الحافظُ الثَّبْتُ، شيخُ الفقهاء والمحدِّثين؛ أبو بكر أحمدُ بنُ محمَّد ابن أحمد بن غالب الخُوَارَزْمِيُّ، البَرْقاني، الشافعيُّ، صاحبُ التصانيف.
وُلِدَ آخِرَ سنةِ سِتٍّ وثلاثين وثلاثِ مئة، وسَمِعَ في سنةِ خمسين وثلاث مئة بِخُوَارَزْمَ من أبي العباس بن حَمْدان الحِيْرِيِّ النَّيْسَابوري؛ حدَّثه عن محمد بن الضُّرَيْس والكبار، وحدَّث عن الإمام أبي بكر الإسماعيلي، وأبي أحمد ابن الغِطْرِيف، وأبي عليِّ بنِ الصَّوَّاف، وأبي بَكْر القَطِيعي، وأبي أحمد الحاكم، والحافظ عبد الغَنِيِّ بن سعيد، وخلقٍ كثير.
حدَّث عنه أبو بكر البَيْهَقي، وأبو بكر الخَطِيب، والفقيه أبو إسحاق الشِّيرَازي، وعددٌ كثير. واستوطَنَ بغدادَ دَهْرًا.
قال الخطيب: «كان ثِقَةً، وَرِعًا، مُتْقِنًا، متثبِّتًا، فَهِمًا، لم يُرَ في شيوخنا أثبتُ منه، حافظًا للقُرْآن، عارفًا بالفقه، له حَظٌّ من علم
стр. 301
العربية، كثيرَ الحديث، حَسَنَ الفَهْم له والبصيرةِ فيه … » ، وذكَرَ كلامًا طويلاً في مدحه والثناءِ عليه وذِكْرِ شيءٍ من أخباره.
وقال أبو القاسم الأَزْهَري: «البَرْقاني إمامٌ، إذا مات ذَهَبَ هذا الشأن» .
وقال أبو الوليد الباجي: «البَرْقاني ثقةٌ حافظ» .
وذكره أبو إسحاقَ الشِّيرَازي في "طبقاتِ الفقهاء"، فقال: «تفقَّه في حداثته، وصنَّف في الفقه، ثم اشتغَلَ بعلمِ الحديثِ، فصار فيه إمامًا» .
توفِّي ببغدادَ يومَ الأَرْبِعاء، أولَ يومٍ من رَجَب، سنةَ خمسٍ وعشرين وأربعِ مئة، ودُفِنَ من الغد يومَ الخميس، وصُلِّيَ عليه في جامعِ المنصور (١) .
وأما بقيَّةُ رواياتِ الكتابِ التي لم ترد بها النُّسَخُ التي وقفنا عليها، فهي: رواية علي بن بُخَار، ومحمد بن إسحاق بن مَنْدَهْ، وأبي أحمد العَسْكَري، وأبي الشَّيْخِ الأَصْبَهاني، والقاسم بن عَلْقمة، لكنَّ روايةَ العَسْكري وأبي الشيخ والقاسم ليستْ صريحةً في أنها روايات للكتاب كاملاً؛ كما سبق بيانه. وفيما يلي ترجمةٌ لهؤلاء الرواة:
٩ - عَلِيُّ بن بُخَار، أبو الحَسَن الرازي، حدَّث عن عبد الرحمن
стр. 302
بن أبي حاتم بِعِلَلِ الحديثِ وسؤالاتِهِ لأبيه وأبي زُرْعة في ذلك، وحدَّث عن أبي العَبَّاس أحمد بن جعفر الجَمَّال الرازي، حدَّث عنه الدارقطني (١) .
١٠ - محمَّد بن إسحاق بن محمد بن يحيى ابن مَنْدَهْ، أبو عبد الله العَبْدِيُّ الأَصْبَهاني، الحافظُ الجَوَّال، صاحبُ التصانيف، كان من أئمةِ الحديثِ وثقاتهم، مولده في سنةِ عَشْرٍ وثلاثِ مئة، أو السنةِ التي بعدها، وسَمِعَ سنةَ ثمانِ عَشْرَةَ، رَوَى بالإجازةِ عن ابنِ أبي حاتم، ورحَلَ سنةَ ثلاثين إلى نَيْسَابور، فأدرَكَ أبا حامد بن بِلَال، ومحمد بن الحُسَيْن القَطَّان، وكتَبَ عن الأَصَمِّ نحوًا من ألفِ جزء، ثم رحَلَ إلى بغداد، فلقي ابنَ البَخْتَرِيِّ، والصَّفَّارَ، ولقي بدمشق وغيرها خَيْثَمةَ بن سليمان، ولقي بمكة أبا سعيدِ بنَ الأَعْرَابي، وبمصر أبا الطاهر المَدِينِيَّ، وببخارَى ومَرْوٍ وبَلْخٍ جماعةً، وطوَّف الأقاليم، وكتَبَ بيده عدةَ أحمال، وبقي في الرحلة نحوًا من أربعين سنة، ثم عاد إلى وطنه شيخًا، فتزوَّج ورُزِقَ الأولاد، وحدَّث بالكثير، وكان مِنْ دعاة السُّنَّة، وحُفَّاظ الأثر. قال هو عن نفسه: كتبتُ عن ألفِ شيخٍ وسبعِ مئةِ شيخ. وقال أيضًا: كتبتُ عن خَيْثَمةَ بأَطْرَابُلُسَ ألفَ جزء. وقال البَاطِرْقَاني: حدَّثنا ابنُ مَنْدَهْ إمامُ الأئمَّة في الحديثِ لقَّاه اللهُ رِضْوانَهُ،
стр. 303
وأسكنه جِنَانَهُ. وقال أبو إسحاق إبراهيم بن محمَّد بن حَمْزة الحافظ: ما رأيتُ مِثْلَ أبي عبد الله بن مَنْدَهْ. وقال جعفر المستغفري: ما رأيتُ أحفَظَ مِنِ ابن مَنْدَهْ!
وبيتُ بني مَنْدَهْ بيتُ علم منذ القِدَمِ، وقد صنَّف فيهم الحافظُ الذهبي مُصَنَّفًا ذكره في ترجمة أبي عبد الله بن مَنْدَهْ هذا من "تذكرة الحفاظ" (١) ، فقال: «واستوفَيْنَا ذِكْرَ أبي عبد الله في كتاب آل مَنْدَهْ، ولقد كنتُ أَتَحَسَّرُ على لُقِيِّ العلامةِ نجمِ الدين أبي عبد الله بن حَمْدان في سنةِ أربعٍ وتسعين (٢) لأَِجْلِ عُلُوِّ حديثِ ابن مَنْدَهْ عنده، ولم يقعْ لي بالاتصال» .
وقال أبو عليٍّ النَّيْسَابوري الحافظ: «بنو مَنْدَهْ أعلامُ الحفَّاظ في الدنيا قديمًا وحديثًا» ، ثم قال: «أَلَا تَرَوْنَ إلى قريحةِ أبي عبد الله؟!» ، وما يشبه هذا الكلامَ. وقال أيضًا: «أبو عبد الله مِنْ بيتِ الحديث والحفظ» ، وأحسَنَ الثناءَ على سَلَفِهِ وعليه، ﵏.
وكانتْ وفاتُهُ ليلةَ الجمعةِ سَلْخَ ذي القَعْدة سنةَ خَمْسٍ وتسعين وثلاثِ مئة. وكان بينه وبين أبي نُعَيْمٍ الأصبهانيِّ وَحْشَةٌ، فأقذَعَ أبو نُعَيْمٍ في جَرْحه، ونال منه، واتهمه، فلم يُلْتَفَتْ إليه؛ لِمَا بينهما من العظائم، ونال ابن مَنْدَهْ من أبي نُعَيْمٍ وأسرَفَ أيضًا، نسألُ اللهَ
стр. 304
العفو والعافية (١) .
١١ - الحسَنُ بن عبد الله بن سَعِيد بن الحُسَيْن، أبو أحمد العَسْكَري الأَدِيب، سَمِعَ أبا القاسمِ البَغَوِيَّ، وأبا بكرِ بنَ أبي داود السِّجِسْتَاني، وأكثَرَ عنهما، وبالَغَ في الكتابة، وبقي حتى علا به السِّنُّ، واشتهرَ في الآفاقِ بالدراية والإتقان، وانتهَتْ إليه رياسةُ التحديث، والإملاءِ للآداب، والتدريسِ بقُطْرِ «خُوزِسْتَان» ، ورحَلَ الأَجِلاَّءُ إليه؛ للأخذِ عنه، والقراءةِ عليه، وكان يملي بعدَّةِ مُدُنٍ، توفِّي في صفر، سنةَ ثلاثٍ وثمانين وثلاث مئة (٢) .
١٢ - أبو محمد عبد الله بن محمد بن جعفر ابن حَيَّانَ الأَصْبَهاني، المعروفُ بأبي الشيخ، حافظٌ كبيرٌ ثقةٌ، له تصانيفُ كثيرةٌ، وُلِدَ سنةَ أربعٍ وسبعين ومئتين، وسَمِعَ في سنةِ أربعٍ وثمانين، وكتب العالي والنازل، ولَقِيَ الكبار، سَمِعَ مِنْ جَدِّهِ لأمِّه الزاهد محمود بن الفَرَجِ، وأبي يعلى المَوْصِلي، وعبد الرحمن بن أبي حاتم، وأبي بكر بن أبي عاصم، وخلقٍ كثيرٍ، حدَّث عنه أبو بكرِ بنُ مَرْدُوْيَهْ، وأبو سَعْدٍ المَالِينِيُّ، وأكثَرَ الرواية عنه أبو نُعَيْمٍ الحافظُ، وآخِرُ مَنْ روى عنه
стр. 305
أَبُو طاهر مُحَمَّد بْن أَحْمَد ابن عبد الرَّحِيمِ الكاتب بأصبهان، مات في سنة تسع وستين وثلاث مئة (١) .
١٣ - أبو سعيدٍ القاسمُ بنُ عَلْقمة الشُّرُوطي الأَبْهَري، لَقِيَ بالرَّيِّ ابنَ أبي حاتم، وأحمَدَ ابنَ خالد الحَرُوري، ومَنْ بعدهما، وبأَبْهَرَ الحسَنَ بنَ عليٍّ الطُّوسِيَّ وغيره، وكان قيِّمًا فيما يرويه، وله في الفقه والشروطِ مَحَلٌّ كبيرٌ. مات سنةَ ثمانٍ وثمانين وثلاثِ مئة (٢) .
стр. 306
د) وَصْفُ النُّسَخِ الخَطِّيَّةِ المُعْتَمَدَةِ
ظَفِرْنَا لهذا الكتابِ بخَمْسِ نُسَخٍ خَطِّيَّةٍ؛ هي:
الأُولى: نُسْخَةُ مكتبة طوبقبو بإستانبول (أحمد الثالث) ، وَرَمَزْنَا لها بالرمز: (أ) .
الثانية: نُسْخَةُ مكتبة فَيْض الله أَفَنْدِي بإستانبول، ورمزنا لها بالرمز: (ف) .
الثالثة: نسخة مكتبة أحمد تَيْمُور باشا بمصر، ورمزنا لها بالرمز: (ت) .
الرابعة: نسخة مكتبة تشِسْتَرْبِتِي بإيرلندا، ورمزنا لها بالرمز: (ش) .
الخامسة: نسخة دار الكتب المصرية، ورمزنا لها بالرمز: (ك) .
وأفضلُ هذه النسخ النسختان الأُولَيَانِ: (أ) و (ف) ، ولكنْ سقَطَ من (ف) بعضُ الأوراق، ولا تخلو نسخةٌ من نُسَخِ كتابنا هذا من وجودِ بعضِ الأخطاء والأسقاط؛ ولذا لم نَتَّخِذْ نسخةً منها أصلاً مُطلَقًا، وإنما أخرَجْنَا النَّصَّ الأَصَحَّ والأَكْمَلَ من مجموعِ النُّسَخِ على حَسَبِ الاجتهاد، لكنِ اعتمدنا النسخةَ (أ) في إثباتِ إسنادِ الكتاب، ونهاياتِ الأجزاء، وبداياتها؛ لأنها أكملُ النسخ في هذا، ووضعنا ما في بقيَّة النسخ من ذلك في حاشية الكتاب.
стр. 307
وفيما يلي وصفٌ تفصيليٌّ لهذه النسخ:
النُّسْخة الأُولَى: نسخةُ مكتبة طوبقبو بإستانبول (أحمد الثالث رقم٥٣١) ، وهي التي رمزنا لها بالرمز: (أ) .
وهي نسخةٌ كاملةٌ ومقابَلَةٌ، وتقع في (٢٧٨) ورقة، في كل ورقة صفحتان، وفي الصفحة (٢٥) سطرًا، مُسَطَّرتها (١٨. ٥×٢٦) ، نُسِخَتْ بخطٍّ نَسْخِيٍّ جيِّد بتاريخ: سابعَ عشَرَ شَهْرِ ربيعٍ الأوَّل من شهور سنة ثلاثين وسبع مئة (٧٣٠هـ) ، بخط محمد بن أحمد بن علي الخَطِيب بقرية العَبَّادِيَّة (١) من عمل المَرْجِ الشَّامِيِّ بِدِمَشْق.
وهذا الناسخُ هو الناسخُ للنُّسْخة (ف) الآتية، وهو الناسخ أيضًا للنسخةِ التي اعتمدَهَا الشيخُ حَبِيبُ الرحمنِ الأعظمي _ح في تحقيق "سنن سعيد بن منصور" (٢) ، وطريقتُهُ في الكتابة تَدُلُّ على خِبْرته بالنَّسْخِ، والظاهرُ أنه مِنْ أهلِ العلم، وكان يَنْسَخُ لنفسه كما نَصَّ على ذلك صراحةً في النسخة (ف) كما سيأتي (٣) .
وقد كُتِبَ على صفحةِ العنوان ما نصُّه: «كتابُ العِلَلِ، تأليفُ الحافظِ أبي محمَّدٍ عبدِالرحمنِ بْنِ أبي حاتمٍ محمَّدِ بنِ إدريسَ الحَنْظَلِيِّ الرازيِّ» ، ثم في أعلى الصفحةِ إلى جهةِ اليسار عبارة: «فرغه محمَّد
стр. 308
بن العَطَّار مُطالَعَةً وانتِقاءً، وصلَّى اللهُ عَلَى محمَّد وآلِهِ» .
ومحمَّدُ بنُ العَطَّارِ هذا يظهَرُ مِنْ صنيعِهِ أنه لخَّصَ "كتابَ العلل" هذا، وانتقَى منه ما يريد؛ كما يَظْهَرُ من عبارتِهِ السابقة، ومِنْ تعليقاتِهِ على الكتاب؛ فإنَّه - فيما يبدو - هو صاحبُ التعليقاتِ والتصويباتِ والتخريجاتِ الموجودةِ على هذه النسخة، وكتَبَ في آخِرِ الجُزْءِ الأوَّلِ ما نصُّه: «انتَقَيْتُهُ، والحَمْدُ للهِ على نعمه» (١) ، لكنْ يؤخذُ عليه جُرْأَتُهُ على التصويبِ والتصرُّفِ في أصلِ الكتاب (٢) ، حتى إنه قد يَلْتَبِسُ على مَنْ لا يَتَنَبَّهُ لصنيعه هذا، فَيَظُنُّ هذه التصويباتِ من الناسخ في المقابلة.
وفي الصفحةِ الأُولى أثبَتَ محمَّد بن العَطَّار - فيما يبدو - فِهْرِسًا للكتابِ تحت العنوان، فقال: «فِهْرِسْتُهُ: الطهارة، الصلاة، باب الوِتْر، الأَذَان، الاستسقاء، السَّهْو، سُجُودُ القرآن، الجُمُعة، الزكاة، الصَّوْم، الحَجّ، الغَزْوُ والسِّيَر، الجنائز، البُيُوع، النِّكَاح، الطلاق، الأَيْمَان، النُّذُور، الحُدُود، الدِّيَات، الأحكام، الأَقْضِية، الشُّفْعة، اللِّبَاس، الأَطْعِمة، الأَشْرِبة، الذبائح، الأَضَاحِيّ، الصَّيْد، العَقِيقة، الفرائض، ما يتعلَّق بالقرآنِ وتَفْسِيرِهِ، الزُّهْد، الإِيمَان، ثوابُ
стр. 309
الأعمالِ، الدعاء، البِرُّ، الصِّلَة، العَرْض، الحِسَاب، الآداب، الطِّبّ، المجازاةُ على المعروفِ، الفضائلُ، دلائلُ النُّبُوَّة، الأمراءُ، الفِتَن، العِتْق، الْمُدَبَّر، أُمُّ الولد، القَدَرُ، صِفَةُ الجنة والنار، الهِبَاتُ، العِلْم، حُرُوفُ القرآن، الإجارات، النُّذُور» .
ويُلاحظُ على هذه الفَهْرَسَةِ: تغييرُ أسماءِ بعضِ الأبواب، وَنَقْصُ أبوابٍ أخرى.
أمَّا الذي تغيَّر اسمُهُ من الأبوابِ: فبابُ «الدعاء» ، فقد جعله الْمُفَهْرِسُ بعنوان: «المجازاةُ على المعروف» ، وموضعُهُ بعد الطِّبِّ وقبل الفضائل، وبابُ «الدُّعَاء» جاء في الأصل في هذا الموضعِ نفسِهِ، وفي موضعٍ آخَرَ قبله - كما في الفِهْرِس -: بعد ثوابِ الأعمال، وقبل البِرِّ والصِّلَة، فالْمُفَهْرِسُ نظَرَ - فيما يبدو - إلى تقدُّمِ بابِ الدعاء، وإلى موضوعِ بعضِ الأحاديثِ الواردةِ في هذا الموضع، فوجدَهَا تتعلَّقُ بالدعاءِ لِمَنْ أُسْدِيَ إليه معروفٌ، فاجتهَدَ في وَضْعِ هذا العنوانِ الذي يلائمُ بعضَ ما في الباب مِنْ أحاديثَ؛ كحديثِ جابر، عن النبي (ص) أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ أُعْطِيَ عَطَاءً فَلْيَجْزِ بِهِ، فإنْ لَمْ يَجِدْ فلْيُثْنِ عليه … » ، وحديثِ أسامةَ بنِ زَيْدٍ؛ قَالَ: قَالَ رسولُ الله (ص) : «مَنْ أُولِيَ مَعْرُوفًا فَقَالَ: جَزَاكَ اللهُ خَيْرًا، فَقَدْ أَبْلَغَ فِي الثَّنَاءِ» .
وأمَّا الأبوابُ الناقصة: فأربعةٌ، وهي: العِدَدُ، وفَضْلُ الدُّورِ [وفي بعض النسخ: الكُور] والأمصارِ، والعُمْرَى، والخَرَاج.
стр. 310
وفي أسفلِ صفحة العنوان كُتِبَ مانصُّه: «فائدة: حَكَى الحافظُ أبو بكر الخطيبُ في ترجمة عليِّ بنِ [بُخَار] عن الدَّارَقُطْني أنه قال: هو شيخٌ كَتَبْنَا [عنه] بدارِ القُطْن، حَدَّثَنَا عن ابنِ أبي حاتم بِعِلَلِ الحديثِ، وسؤالاتِهِ لأبيه وأبي زُرْعة في ذلك» .
وهذا النَّصُّ رواه الخطيبُ البَغْدادي في "تاريخ بغداد" (١) ، بسنده إلى الدَّارَقُطْنِيِّ، وهو في كتابِ "المُؤْتَلِفِ والمُخْتَلِفِ" (٢) للدَّارَقُطْني، ومنهما استدركنا ما لم يَظْهَرْ في التصويرِ، فجعلناه بين معقوفَيْنِ.
وفي الصفحةِ الأُولى كتَبَ الناسخُ: «بِسْمِ اللَّه الرَّحْمَنِ الرَّحِيم. وصلَّى اللهُ عَلَى سيِّدنا محمَّدٍ وآلِهِ وصَحْبِهِ وسَلَّمَ كثيرًا. أوَّلُ كتابِ العِلَلِ. حدَّثنا الشيخ أَبُو طاهرٍ محمَّد بن أحمد ابن عبد الرحيم؛ ثَنَا أَبُو بَكْرٍ محمَّدُ بْن أحمدَ ابنِ الفَضْلِ بنِ شَهْرَيَارَ - قراءة عَلَيْهِ فِي سنةِ تسعٍ وسِتِّينَ وثلاثِ مِئَةٍ - قال: أخبرنا أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم _ح» .
وقُسِمَتْ هذه النسخةُ إلى سبعةَ عَشَرَ جُزءًا، وتختلفُ أوراقُ كلِّ جُزْء، فمُعْظَمُ الأجزاءِ تقعُ في سبعَ عَشْرَةَ ورقةً ونصفِ الورقةِ (صفحة) ، وبعضُهَا يَصِلُ إلى ثمانَ ِعَشْرَةَ ورقةً ونصفِ الورقة، وربَّما وقع في أربعَ عَشْرَةَ ورقةً، وستَّ عَشْرَةَ.
стр. 311
ويَحْرِصُ الناسخُ على جعلِ بياضٍ في نهايةِ الجُزْء، وقبلَ البدء بالجُزْءِ الذي يليه، وربَّما اضْطَرَّتْهُ الكتابةُ إلى أن يَبْدَأَ الجزءَ من منتصفِ الصفحةِ ويَدَعَ نصفها الأَعْلَى بياضًا إذا لم يَكُنْ في الصفحة التي قبلها بياضٌ.
ويبدأُ الناسخُ كلَّ مسألةٍ بجعلِ أولِ كلمةٍ منها بالخَطِّ الغليظِ تمييزًا لها عن المسألةِ التي قبلها، ويَخْتِمُ المسألةَ بدائرةٍ منقوطةٍ تَدُلُّ في الأغلبِ على أنَّ النسخةَ قوبلتْ بعد فراغه مِنْ نَسْخِهَا كما هو معلومٌ لدى المشتغلين بهذا الفَنِّ.
وفي نهايةِ هذه النسخةِ كتَبَ الناسخُ: «آخِرُ كتابِ العِلَلِ، بحمدِ اللهِ ومَنِّهِ وعَوْنِهِ، وصلَّى اللَّهُ عَلَى محمَّدٍ وآلِهِ وسَلَّمَ. وكان الفراغُ من نَسْخِهِ في تاريخِ سابعَ عَشَرَ شهرِ ربيعٍ الأوَّلِ، مِنْ شهورِ سنةِ ثلاثين وسَبْعِ مئة، وكتبه محمَّد ابن أحمد بن علي الخَطِيبُ، يومئذٍ، بقريةِ العَبَّادِيَّة مِنْ عَمَلِ المَرْجِ الشامي، بِدِمَشْقَ المَحْروسةِ، عفا الله عنه وعن أُمَّةِ محمَّد أجمعين، وحَسْبُنَا اللهُ ونِعْمَ الوكيلُ» . وفي أعلى الصفحة الأخيرة جاء ما نصُّه: «طالعَهُ وعلَّق منه: الفقيرُ إسماعيل بن … عفا الله عنه» .
النُّسْخة الثانية: نسخةُ مكتبةِ فَيْض الله أَفَنْدِي بإستانبول رقم (٤٩٨) ، وهي التي رمزنا لها بالرمز: (ف) .
وهي روايةٌ أخرى للكتابِ عن ابنِ أبي حاتم، فالنسخةُ (أ) من
стр. 312
طريقِ محمدِ بنِ أحمدَ ابن ِ الفَضْلِ بنِ شَهْرَيَارَ، وهذه النسخةُ من طريق الحُسَيْن بن علي بن محمد بن يحيى التَّمِيمي.
وهي نُسْخةٌ كاملةٌ تقريبًا ومقابَلَةٌ، إلا أنَّه سقَطَ منها بعضُ الأوراق، وتقع في (٢٦٣) ورقة، ووَصْفُهَا هو وَصْفُ النسخةِ السابقة (أ) ؛ لأنَّ ناسخَهُمَا واحدٌ، وهو محمَّدُ بنُ أحمدَ بنِ عليٍّ الخطيبُ، بقريةِ العَبَّادِيَّةِ مِنْ عَمَلِ المَرْجِ الشاميِّ بِدِمَشْق، وقد نَسَخهما في سنةٍ واحدة، إلا أنَّ هذه متأخِّرةٌ عن تلك بشهرٍ إلا ثلاثةَ أيامٍ، فقد فرَغَ الناسخُ مِنْ نَسْخها يومَ السبتِ رابعَ عَشَرَ شهرِ ربيعٍ الآخِرِ من سنة ثلاثين وسَبْعِ مئة (٧٣٠هـ) . وعددُ الأسطُرِ في الصفحة الواحدة (٢٥) سطرًا، ومُسَطَّرتها (١٨. ٥×٢٦) ، وخَطُّها نسخيٌّ جيِّدٌ كخط النسخة (أ) .
وتتفق هذه النُّسْخة مع النُّسْخة (أ) أيضًا في التجزئة وصفتِها؛ على النحو الذي تقدَّم.
وأمَّا صفحةُ العنوان: فكُتِبَ فيها ما نصُّه: «كتابُ العِلَلْ، وبيانِ ما وقَعَ من الخطأِ والخَلَلْ، في بعضِ طُرُقِ الأحاديثِ المَرْويَّهْ، في السُّنَّةِ النبويَّهْ، تصنيفُ الشيخِ العالمِ الثِّقَةِ الحافظِ أبُوا (١) محمَّدٍ عبدِالرحمنِ بنِ أبي حاتمٍ محمَّدِ بنِ إدريسَ الحَنْظَليِّ الرازيِّ ﵁ وأرضاه، وقد جعله مشتملاً على تِسْعةَ عَشَرَ جزءًا» .
стр. 313
وهذا العنوان لم نعتمدْهُ؛ لأنه ليس بِخَطِّ الناسخ، وليس هناك نسخة أخرى تَحْمِلُ هذا العنوان، وقد أخطَأَ كاتبُ هذا العنوان في ذكر عَدَدِ الأجزاء فقال: «تسعةَ عَشَرَ» ، وإنما هي «سبعةَ عَشَرَ» ، ونصَّ على ذلك الناسخُ صراحةً في أوَّل الكتابِ، فقال: «بِسْمِ اللَّه الرَّحْمَنِ الرَّحِيم. وصلَّى اللَّهُ عَلَى سيِّدنا محمَّدٍ وآلِهِ وصَحْبِهِ. أوَّلُ كتاب العِلَل، يشتملُ عَلَى سبعةَ عَشَرَ جُزُؤًا. الجُزُؤُ الأوَّلُ فِي عِلَلِ أخبارٍ رُوِيَتْ في الطهارة: أخبرنا أبو أحمد الحُسَيْنُ ابنُ عليِّ بنِ محمَّدِ بنِ يحيى التَّمِيمِيُّ، قراءة عَلَيْهِ فِي سنة تِسْعٍ وسِتِّينَ وثلاثِ مئة؛ قال: أخبرنا أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم _ح» .
وفي آخِرِ الكتابِ ما نَصُّهُ: «آخِرُ كتابِ العِلَلِ، بحمد الله ومَنِّهِ، وصلَّى اللَّهُ عَلَى سيِّدنا محمَّدٍ وآلِهِ وصَحْبِهِ وسَلَّمَ تسليمًا كثيرًا، كتَبَهُ لِنَفْسِهِ محمَّدُ بنُ أحمدَ بنِ عليٍّ الخطيبُ، يومئذٍ، بقريةِ العَبَّادِيَّةِ من عمل المَرْجِ الشامي، بِدِمَشْقَ المَحْرُوسةِ، وكان الفراغُ مِنْ نَسْخه يومَ السبتِ رابعَ عَشَرَ ربيعٍ الآخِرِ من سنةِ ثلاثين وسَبْعِ مئة، وحَسْبُنَا اللهُ ونِعْمَ الوكيل، والحمدُ لله ربِّ العالمين» .
النُّسْخة الثالثة: نسخة مكتبة أحمد تَيْمُور باشا (رقم ١٣٥) ، وهي التي رمزنا لها بالرمز: (ت) .
وهي من رواية مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن الفَضْل ابن شَهْرَيَار، عن ابن أبي حاتم، فطريقها هو طريق النسخة (أ) .
стр. 314
وهي نسخةٌ كاملةٌ تقريبًا، وإنْ كان يعتريها ما يعتري بَقِيَّةَ النُّسَخِ من السَّقْط والتصحيف الذي نبَّهنا عليه في موضعه، وخَطُّهَا نسخيٌّ جيِّد، وتقع في (٣٦٤) ورقة - (٧٢٨) صفحة - وفي الصفحة (٢٣) سطرًا، وهي أقدَمُ النُّسَخِ؛ فقد فرَغَ الناسخُ من نَسْخها يومَ الأحدِ لِلَيْلَتَيْنِ بَقِيَتَا من رَجَبٍ سنةَ خمسَ عَشْرَةَ وسِتِّ مئةٍ (٦١٥هـ) ، ولم يذكر اسمه، وهو وَرَّاقٌ نَسَخَها لصاحبها إسماعيلَ بنِ عبد الله الأنصاريِّ الآتي ذكره - فيما يظهر - يَدُلُّ على ذلك قوله في آخرها: «غفَرَ اللهُ لكاتبِهِ ولصاحبِهِ» .
وهي أُولَى النسختَيْنِ اللَّتَيْنِ اعتمَدَ عليهما الأستاذ مُحِبُّ الدين الخَطِيب _ح في تحقيقه للكتاب في طبعته الأولى، وقال في وصفها في مقدِّمته: «فاعتمدنا في طبعه على نسختَيْنِ خطيتَيْنِ قديمتَيْنِ، إحداهما: في خِزَانَةِ العلاَّمةِ المحقِّقِ صاحبِ السعادة أحمد تَيْمُور باشا (رقم ١٣٥ حديث) ، وهي في (٧٢٨) صفحة، في كل صفحة (٢٣) سطرًا، وقد انتهَتْ كتابتها في دمشق لِلَيْلَتَيْنِ بقيتا من رجبٍ سنةَ (٦١٥هـ) » .
وجاء على صفحة الغِلَاف ما نصُّه: «كتابُ عِلَلِ الحديثِ، تأليفُ الإمامِ أبي محمَّدٍ عبدِالرحمن ابنِ الإمامِ أبي حاتمٍ محمَّدِ بنِ إدريسَ بن المنذرِ بنِ داودَ بن مِهْران الرازيِّ الحافظِ، مولى تَمِيمِ بنِ حَنْظَلة، الغَطَفاني الحَنْظَلي _ح. روايةُ أبي بكر محمد بن أحمد ابن الفَضْل بن شَهْرَيَارَ عنه، روايةُ أبي طاهر محمَّد بْن أَحْمَد بْن عبد الرَّحِيم عنه، روايةُ أبي بكرٍ محمَّد بْنِ عَليّ بْن أَبِي ذَرٍّ الصَّالْحَاني إجازةً عنه، روايةُ
стр. 315
أبي الفَتْحِ ناصر بن محمد بن أبي الفَتْح ناصرٍ المعروفِ بِوِيْرِج الأَصْبَهَانيِّ عنه، إجازةً منه لصاحبِهِ إسماعيلَ بن عبد الله بن عبد المُحْسِنِ بن الأَنْمَاطيِّ الأَنْصَاريِّ رَفَقَ اللهُ به، ونفَعَهُ بسائره، آمين» .
ونرجِّحُ أنَّ العنوانَ والإسنادَ كُتِبَا بِخَطٍّ غَيْرِ خَطِّ الناسخ.
وتحت العنوانِ والإسنادِ فِهْرِسٌ لأبوابِ الكتابِ بِخَطٍّ غيرِ خَطِّ الناسخ أيضًا، وعن يمينهما ترجمةٌ موجزةٌ لابنِ أبي حاتم من أحدِ المطالعين أو المُتَمَلِّكِينَ للنُّسْخة، مأخوذةٌ من "دُوَلِ الإسلام" للذَّهَبي، وفي أعلى الصفحة وَجِهَتِهَا اليسرى بعضُ التَّمَلُّكات للكتاب، وفوق الفِهْرِسِ خَتْمٌ كبيرٌ لأحمد تَيْمُور باشا المالكِ الأخير للنسخة.
وفي الصفحةِ اليمنى المقابلةِ لصفحةِ العنوان ذِكْرٌ لقصة مسلم بن الحَجَّاج مع البخاري - رحمهما الله تعالى - في ذكرِ عِلَّةِ حديثِ كَفَّارةِ المَجْلِس، ثم نَقْلٌ لنقدِ الحافظ العراقيِّ للقصَّة مأخوذٌ من شَرْحه لألفية الحديث، وجميعُهُ بخطٍّ غيرِ خَطِّ الناسخ.
وفي بدايةِ الكتابِ كتَبَ الناسخ: «أوَّلُ كتابِ العِلَلِ. بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيم. رَبِّ يَسِّرْ وأَعِنْ» ، ثم بياضٌ بمقدار ثلاثة أسطر، ثم: «قال: أخبرنا أبو محمَّدٍ عبدُالرحمنِ بنُ أبي حاتم _ح» ، ولم يَذْكُرِ الإسنادَ، ولا القائلَ: «قال: أخبرنا» ، فإنْ كان الإسنادُ الذي على صفحةِ العنوان بِخَطِّ الناسخ، فيكونُ القائلُ هو أبا بكرٍ محمدَ بنَ أحمدَ بنِ الفضلِ بنِ شَهْرَيَارَ، وإلا فلا يَبْعُدُ أن يكون صاحبُهَا
стр. 316
إسماعيلُ بنُ عبدِاللهِ الأنصاريُّ اكتفَى بكتابة إسناده على صفحة العنوان، ثم تحقَّق من مطابقة النُّسْخة لروايته؛ بمقابلتها، ويكونُ الناسخ ترَكَ البياضَ الذي بمقدار ثلاثة أسطر في أوَّلِ النُّسْخة لِيُلْحِقَ صاحبُها إسنادَهُ بها، والله أعلم.
وكتَبَ الناسخُ في نهاية الكتاب: «آخِرُ كتابِ العِلَلِ، والحمدُ لله رَبِّ العالمين. وقع الفَرَاغُ من تسويده يومَ الأَحَدِ لِلَيْلَتَيْنِ بَقِيَتَا من شهرِ اللهِ الأصَمِّ؛ رَجَبٍ عَظَّمَ اللهُ حُرْمَتَهُ مِنْ سنةِ خمسَ عَشْرَةَ وسِتِّ مئة؛ بِدِمَشْقَ حَرَسها الله، غفَرَ الله لكاتبِهِ، ولصاحبِهِ، ولجميعِ المؤمنين؛ إنه هو الغفور الرحيم» .
النسخة الرابعة: نسخة مكتبة تشِسْتَرْبِتِي في دَبْلِن بِإِيرلَنْدَا (رقم ٣٥١٦) كما في "تاريخ التراث" لفؤاد سِزْكِين (١) ، وعنها صورةٌ في مَرْكَز المخطوطاتِ بالجامعة الإسلامية (٩٨٦) ، وهي التي رمزنا لها بالرمز: (ش) .
تقع هذه النسخة في (٣١٠) ورقات، وفي الصفحة (٢٥) سطرًا، وهي منسوخة في شهرِ ربيعٍ الآخِرِ سنةَ خمسٍ وثلاثين وسَبْعِ مئةٍ (٧٣٥هـ) ، وناسخُهَا هو علي بن عمر بن عبد الله، وخَطُّها نَسْخِيٌّ لا بأس به، وقد قُوبِلَتْ؛ بدليلِ تصريحِ الناسخِ في بعضِ المواضع؛ كما في (ق٤٤/أ) حين قال: «بلغ مقابلةً، فَصَحَّ إنْ شاء الله» .
стр. 317
وهي نسخةٌ كاملةٌ، إلا أنه سقَطَ مِنْ أوَّلها بعضُ الورقات، فبدايتها مِنْ منتصفِ المسألة رقم (٤٤) .
وهذه النُّسْخَةُ هي أكثَرُ النُّسَخِ شَبَهًا بالنُّسْخة (أ) ؛ لاتفاقهما في كثيرٍ من الفُرُوق؛ فالظاهرُ أنها منقولةٌ عنها، فهي متأخِّرةٌ عنها بنحوِ خَمْسِ سنوات.
وهناك بعضُ القرائنِ القويَّةِ على هذا؛ ومنها:
أ) ما جاء في المسألة رقم (١٠٧٨) ؛ حين قال أبو حاتم: «وَلا أعلَمُ رَوَى أَبُو سَلَمةَ عَنْ ثَوْبَان إِلا حَدِيثًا يَرْوِيهِ أَبُو سَعْدٍ البَقَّالُ - وَهُوَ حديثٌ مُنْكَرٌ - عَنْ أَبِي سَلَمة، عَنْ ثَوْبَان … » .
ففي نسختَيْ (أ) و (ش) - كما في صورتَيْهِمَا المرفقتَيْنِ - جاءت العبارة هكذا: «منكر متصل عن أبي سلمة» ، لكن في (أ) جعَلَ الناسخ الدائرة المنقوطة لِلْفَصْلِ بين قوله: «منكر» و «عن أبي سلمة» ، ثم ضرب عليها، وكتب فوقها: «متصل» ، فإمَّا أنه لَحَقٌ، أو قَصَدَ الناسخُ إلغاءَ الفَصْل، فقال: إنَّ الفَصْل مُلْغًى، والكلام متصلٌ، فظَنَّ ناسخُ (ش) أنَّ قوله: «متصل» في سياق الكلام، فأدخلها في النَّصِّ، وهذا هو الأظهر؛ فيكونُ فيه دليلٌ على أنَّ (ش) منقولة من (أ) ، إلا أنْ يكونَ في أصلهما ما يُزِيلُ هذا الاحتمالَ.
هذا؛ وربَّما اختَلَفَتْ هذه النُّسْخةُ عن النُّسْخةِ (أ) اختلافًا يسيرًا بسببِ خطأِ الناسخِ، أو اجتهاده، والله أعلم.
стр. 318
صورة النسخة (أ) :
صورة النسخة (ش) :
ب) في المسألة رقم (١٨٣) قال أبو حاتم: «فَرَوَى المَسْعُودِيُّ، عَنْ يُونُسَ بْنِ خَبَّاب، عَنِ ابْنِ يَعْلَى بْنِ مُرَّة، عن النبي (ص) » . وهناك علامة فوق «عن» من قوله: «عن ابن يعلى» ، وكُتِبَ في الهامش بخَطٍّ يبدو أنه خط الناسخ: «خَيْثَم» ، ولم يكتب عليها ما يَدُلُّ على أنه لَحَقٌ أو تصويبٌ، وأثبَتَ ناسخُ (ش) العبارة هكذا: «فَرَوَى المَسْعُودِيُّ، عَنْ يُونُسَ بْنِ خَبَّاب، عن خَيْثَم بن يَعْلَى بْنِ مُرَّة، عَنِ النَّبِيِّ (ص) » ، مع أنَّ هذا غلَطٌ، وليس هناك راوٍ اسمُهُ خَيْثَمُ بن يَعْلَى كما أوضحنا ذلك في تعليقنا على هذه المسألة. وفي صورة هذا الموضعِ مِنْ كلتا النسختَيْنِ ما يوضِّح هذا:
стр. 319
صورة النسخة (أ) :
صورة النسخة (ش) :
هذا؛ وتبتدئُ هذه النُّسْخةُ بقوله: «لم يَعْهَدْ إلينا رَسُولُ اللهِ (ص) شَيْئًا لم يَعْهَدْهُ إِلَى الناسِ، إِلا ثلاثة: أَمَرَنَا أن نُسْبِغَ الوُضُوءَ … » إلخ، وهذا في منتصفِ المسألة رقم (٤٤) كما سبق، وتنتهي بقوله: «آخِرُ "كتابِ العِلَل"، بحمد الله ومَنِّه، وصلَّى اللهُ عَلَى محمَّدٍ وآلِهِ وسَلَّمَ، علَّقه العبدُ الفقيرُ إلى الله تعالى عليُّ بنُ عمرَ بنِ عبد الله [ … ] اليَمَانِي، عفا الله عنه وعن والدَيْهِ [ … ] ، والحمدُ للهِ ربِّ العالمين، وكان ذلك يومَ [ … ] ربيع الآخِر سنَةَ خَمْسٍ وثلاثين وسَبْعِ مئةٍ [ … ] ، وحسبُنَا اللهُ ونِعْمَ الوكيل» . اهـ. وما بين المعقوفات بياضٌ لم نتمكَّنْ من قراءتِهِ لرداءةِ التصوير.
وهي أيضًا مُجَزَّأَةٌ إلى سبعةَ عشَرَ جزءًا، لكنَّ التَّجْزِئةَ يجعلها
стр. 320
الناسخُ في الهامشِ ويَخْتَصِرها، فيقولُ مثلاً: «آخِرُ الجُزْءِ الرابعَ عشَرَ» ، ولا يذكر ما يذكره ناسخ (أ) و (ف) .
النُّسْخَة الخامسة: نُسْخةُ دارِ الكُتُبِ المِصْرِيَّة رقم (٩٠٨) ، وهي التي رمزنا لها بالرمز: (ك) ، وهي النسخةُ الثانيةُ التي اعتمدَهَا الأستاذ مُحِبُّ الدِّينِ الخَطِيب _ح في تحقيقه للكتابِ أوَّلَ مَرَّة، مع النسخة المتقدِّمة (ت) ، وقال في وصفها في المقدِّمة: «والثانيةُ في دارِ الكُتُبِ المِصْرية (رقم ٩٠٨ حديث) ، وهي في مجلَّد من القَطْع الكبير، في كُلِّ صفحة منه (٢٩) سطرًا، وقد فَتَكَتْ بها الأَرَضَةُ، وليس في آخرها تاريخ. وأعتقد أنَّ إحدى النسختَيْنِ منقولةٌ عن الأخرى؛ لاتفاقهما أحيانًا كثيرةً في خطأ الناسخ» .
وهي نسخةٌ مكتوبةٌ بخطٍّ نسخيٍّ جيِّد، لكنْ لم يُذْكَرْ فيها اسمُ الناسخِ، ولا تاريخُ النَّسْخ، وكُتِبَ عليها أنها تقع في (٢٤٤) ورقة، وهو خطأ، فعددُ أوراقها (٢١٥) ورقة، وسقَطَ مِنْ أوَّلها ورقةٌ واحدةٌ - فيما يظهر - مع صفحةِ العُنْوان، وتبتدئُ من نهايةِ المسألةِ رَقْم (٣) في كتاب الوُضُوء، من قوله: «الوُضُوء: مُحَمَّد بْن الجَعْد؛ فَيَحْتَمِلُ أنْ يكونَ اسمَهُ محمَّدٌ وحَمَّادٌ جميعًا» وفي آخِرِهَا مانصُّه: «هذا آخِرُ الكتابِ المَعْرُوفِ بـ"كتاب العِلَلِ"، والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالمين، وصلواتُهُ عَلَى سيِّدِنَا محمَّدٍ وآلِهِ وصحبِهِ وسَلَّمَ تسليمًا» .
وترجَّح لنا أنها نسخةٌ منقولةٌ من النسخة (ت) ؛ بدليلِ أنَّ المواضعَ