← Иляль хадиса

Иляль хадиса · id 1350

العلل لابن أبي حاتم ت الحميد

ابن أبي حاتم

Полный текст (4 011 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ *﴾ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَْرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ *﴾ [الأنعَام: ١] ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَْرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ *﴾ . والحمدُ لله الذي لا يُؤَدَّى شُكْرُ نِعْمة من نِعَمه إلا بنعمةٍ منه تُوجِبُ على مؤدِّي ماضي نِعَمِهِ بأدائها: نعمةً حادثةً يجبُ عليه شكرُهُ بها! ولا يَبْلُغُ الواصفون كُنْهَ عظمته. الذي هو كما وَصَفَ نفسَهُ، وفوق ما يصفه به خلقُهُ. نَحْمَدُهُ سبحانه حمدًا كما ينبغي لِكَرَمِ وجهه وعِزِّ جلاله، ونستعينُهُ استعانةَ مَنْ لا حولَ له ولا قوةَ إلا به، ونستهديه بهداه الذي لا يَضِلُّ مَنْ أنعَمَ به عليه، ونستغفرُهُ لِمَا أَزْلَفْنَا وأَخَّرْنَا استغفارَ مَنْ يُقِرُّ بعبوديته، ويعلمُ أنه لا يغفر ذنبَهُ ولا يُنَجِّيهِ منه إلا هو. ونَشْهَدُ أنْ لا إِلَهَ إِلا اللهُ وَحْدَهُ لا شريكَ لَهُ، وأنَّ محمَّدًا عبدُهُ ورسوله، بعثَهُ اللهُ على حينِ فَتْرةٍ من الرسلِ، فكان خِيرَتَهُ المصطفَى لوحيه، المنتَخَبَ لرسالته، المُفضَّلَ على جميع خلقِه: بفتحِ رحمتِهِ وختمِ نبوتِهِ، وأعمِّ ما أُرْسِلَ به مُرْسَلٌ قبله، المرفوعَ ذِكْرُهُ مع ذِكْرِهِ في الأُولى، والشافعَ المشفَّعَ في الأخرى، أفضلَ خلقِهِ نَفْسًا، وأجمعَهُمْ لكلِّ خُلُقٍ رَضِيَهُ في دينٍ ودنيا، وخيرَهم نسبًا ودارًا.

стр. 2

فصلَّى الله على نبيِّنا كلَّما ذكره الذاكرون، وغفَلَ عن ذِكْره الغافلون، وصلَّى عليه في الأوَّلين والآخِرِين، أفضلَ وأكثَرَ وأزكى ما صلَّى على أحدٍ مِنْ خَلْقِه، وزكَّانا - وإياكم - بالصلاةِ عليه أفضلَ ما زكَّى أحدًا من أمته بصلاتِهِ عليه، وجزاه اللهُ عنا أفضَلَ ما جزى مُرْسَلاً عَمَّنْ أُرْسِلَ إليه، فلم تُمْسِ بنا نعمةٌ ظهرَتْ ولا بطنَتْ، نلنا بها حَظًّا في دينٍ ودنيا، أو دُفِعَ بها عنا مكروهٌ فيهما أو في واحدٍ منهما - إلا ومحمَّدٌ صلى الله عليه سَبَبُهَا، القائدُ إلى خَيْرِها، والهادي إلى رُشْدِها (١) . أما بعد: فإنَّ عِلْمَ عِلَلِ الحديثِ مِنْ أَجَلِّ العلومِ (٢) التي لم تَتَهَيَّأْ معرفتُهَا إلا لنَزْرٍ يَسِيرٍ مِنْ أهلِ العلمِ؛ وقد صُنِّفَتْ فيه مصنَّفاتٌ عديدةٌ (٣) ، من أَهَمِّهَا "كِتَابُ الْعِلَلِ" لأبي محمَّدٍ عبدِ الرحمنِ ابنِ أبي حاتمٍ الرازيِّ (ت٣٢٧هـ) ، الذي جَمَعَ فيه كلامَ أبيه وأبي زُرْعَةَ في تعليلِ الأحاديثِ، معَ زيادةِ كلامِ بعضِ الأئمَّةِ الآخَرِينَ - على قِلَّتِهِ - وربَّما أَدْلَى هو بِدَلْوِهِ في الكلامِ في هذه العِلَلِ أحيانًا. وقد طُبِعَ هذا الكتابُ أَوَّلَ مَرَّةٍ سنةَ (١٣٤٣هـ) بتحقيقِ الأستاذِ مُحِبِّ الدِّينِ الخَطِيبِ _ح؛ في المطبعةِ السَّلَفيَّةِ التي كان أنشأَهَا،

стр. 3

مُعْتَمِدًا في تحقيقِه على نُسْخَتَيْنِ، لكنَّ إحداهما منقولةٌ عن الأخرى كما سيأتي بيانُهُ (١) ، وفيهما أسقاطٌ وتصحيفاتٌ، لكنَّهُ وَفَّى بإثباتِ النَّصِّ على حَسَبِ استطاعتِهِ. ثم عَمَدَ الأخُ نَشْأَتُ بنُ كمالٍ الْمِصْرِيُّ، فحَقَّقَ الكتابَ اعتمادًا على النُّسَخِ الخَطِّيَّةِ الأخرى، وطُبِعَ الكتابُ بتحقيقِهِ في (٤) مجلَّداتٍ، غيرَ أنَّه وقَعَ في أخطاءٍ نَبَّهَ عليها الأخُ محمَّدُ بنُ صالحٍ الدباسِيُّ الذي قام بتحقيقِ الكتابِ وإخراجِهِ في (٣) مجلَّدات، على وجهٍ أَفْضَلَ مِنْ سابقَيْهِ؛ فجزى اللهُ الجميعَ خيرَ الجزاءِ. وقد مَنَّ اللهُ تعالى عَلَيْنَا بالفَرَاغِ مِنْ تحقيقِ هذا الكتابِ، الذي ابتدأْنَا العمَلَ فيه قبل أكثَرَ من خمس سنين، وما كنا نتوقَّع أننا سنلاقي ما لاقيناه من عَنَتٍ ومَشَقَّةٍ في إخراجه على وجهٍ نرجو أن يكونَ الأقرَبَ إلى الصوابِ إنْ شاء الله تعالى. وكانت الرغبةُ في أولِ الأَمْرِ متجهةً إلى إخراجِهِ اعتمادًا على نسخةِ مكتبة أحمد الثالث وحدها؛ دون تخريجٍ أو تعليقٍ إلا على ما لابُدَّ منه، لكنْ واجهَنَا كثيرٌ من الإشكالاتِ التي تَطَلَّبَتِ الرجوعَ إلى نُسَخٍ أخرى، فجمعنا ما وَقَفْنَا عليه منها، ومع هذا كلِّه لم يَزَلْ في الكتابِ مواضعُ أخرى مُشْكِلَةٌ، فرأينا ضرورةَ تقصِّي المراجعِ التي تأخذُ عن ابن أبي حاتم بطريق الرواية أو النقل، كما رأينا ضرورةَ

стр. 4

تخريجِ الرواياتِ والطرقِ لإتمامِ العمل، فساعَدَنَا هذان الأمران كثيرًا على إزالةِ كثيرٍ من تلك الإشكالاتِ كما سيأتي تفصيلُهُ في خُطَّةِ العملِ إن شاء الله. وقد قدَّمنا للكتاب بمقدمةٍ تناولنا فيها ما يلي: ١ - أهميَّة عِلْمِ عِلَلِ الحديث، والمصنَّفات فيه، وتعريف العِلَّة في اللغة والاصطلاح، وذِكْر أسباب العلة. وكنا نرغب في ذكر قرائن الترجيح والتعليل وأجناس العلة، لكن رأينا الاكتفاء برسالة أخينا الدكتور عادل الزُّرَقي في «قرائن العلة» (١) ، وبما ذكره أبو عبد الله الحاكم في «معرفة علوم الحديث» (ص١١٣-١١٨) عن أجناس العلَّة، ولخَّصه وهذَّبه السُّيُوطي في «تدريب الراوي» (١/٤٢٢-٤٢٧) وبلَغَنَا أنَّ الأخ أبا سفيان مصطفى باحو جَمَعَ ذلك وزاد عليه في بحثٍ بعنوان "العِلَّة وأجناسها عند المحدِّثين" لم يُطْبَعْ بعدُ. أجزل الله الأجر والثواب للجميع. ٢ - دراسة مُطَوَّلة للمُصَنِّف عبد الرحمن بن أبي حاتم _ح. ٣ - ترجمة موجزة لأبي حاتم، وأبي زرعة، رحمة الله عليهما. ٤ - التعريف بـ"كتابِ العِلَلِ" لابن أبي حاتم، وفيه: أ) تمهيدٌ يتضمَّنُ أَهَمِّيَّةَ الكتابِ، وبَعْضَ مميِّزاتِهِ، ومَنْهَجَ مصنِّفِهِ فيه.

стр. 5

ب) رواياتُ الكتاب. جـ) ترجمة لرواة الكتاب. د) وصف النُّسَخِ الخَطِّيَّةِ المعتمدة. هـ) تحقيق اسمِ الكتابِ، وصِحَّةِ نِسْبَتِهِ إلى مصنِّفِهِ. و) خُطَّة العَمَلِ ومنهجنا في تحقيق الكتاب، مع بعضِ التنبيهات. ز) نماذج من النُّسَخِ الخَطِّيَّةِ للكتاب. وها هو الكتابُ بين يدَيْكَ - أخي القارئ الكريم - لك غُنْمُهُ، وعلينا غُرْمُهُ، ولا نستطيعُ أنْ نَصِفَ لك ما بُذِلَ فيه من جُهْد، نسألُ اللهَ تعالى أَلاَّ يَحْرِمنا أَجْرَهُ، وحسبنا أنَّا بَذَلْنَا وُسْعَنَا ولا نَدَّعي الكمال، فإنْ أصبنا فَمِنَ الله، وإنْ أخطأنا فَمِنْ أنفسنا ومِنَ الشيطان، مع دعائنا لِمَنْ أتحفَنَا بشيءٍ من الملحوظاتِ حتى نَتَلَافاها ونَتَدَارَكَهَا في طبعةٍ لاحقة إنْ شاء الله. ولا يفوتنا في الختامِ أنْ نَتقدَّمَ بالشُّكْرِ الجزيلِ لفضيلة الدكتور الشيخ محمد بن تُرْكي التُّرْكي الذي أَتْحَفنا ببعضِ النسخ الخطية لهذا الكتاب. والشُّكْرُ موصولٌ للمحرِّك الإداري للعمل الشيخ أبي أسامة محمد ابن سالم بن علي بن جابر؛ على بَذْلِ وُسْعِهِ وطاقتِهِ، وحُنْكتِهِ في الإدارة على وجه ظهرت ثماره بحمد الله.

стр. 6

كما نشكُرُ فَرِيقَ التحقيقِ في هذا الكتابِ الذين لولا تيسيرُ الله سبحانه، ثم تضافُرُ جهودهم؛ لَمَا أمكَنَ إنجازُ هذا العمل الضخم، مع هذه الصعوبات، وهم الإخوة الأساتذة: ١) د. حيدر بن عيدروس علي أحمد. ٢) عيسى بن كُوكُوني صُوك. ٣) عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الضاحي. ٤) حسني بن أحمد بن حَسَانين الجُهَني. ٥) حسام بن محمد القَطَّان. ٦) علي بن أحمد بن عبد الباقي الخُولي. ٧) أيمن بن أحمد ذو الغِنى. ٨) محمد بن خالد الوَبَارنه. ٩) محمد بن رجب بن محمد الخُولي. كما نَشْكُرُ كلًّا من مُنَضِّد الكتاب الأستاذ يسري بن حسين محمد سعد، وفريق المقابلة: الأستاذ إبراهيم بن عبد الجليل رضوان، والأستاذ حسان بن عبد الكريم العثمان. وآخِرُ دَعْوَانَا أَنِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ د/ سعد بن عبد الله بن عبد العزيز الحميِّد د/ خالد بن عبد الرحمن بن علي الجريسي

стр. 7

أَهَمِّيَّةُ عِلْمِ عِلَلِ الحَدِيثِ لقد مَنَّ اللهُ على الأُمَّةِ المحمَّديةِ أنْ جعلها خيرَ الأمم، ودينَها خاتَمَ الأديانِ وأكملَهَا، ونبيَّها خاتَمَ الأنبياءِ وأفضلَهم. وتكفَّل اللهُ لهذه الأُمَّةِ بِحِفْظِ وَحْيها من التحريف والتبديل؛ فقال سبحانه: [الحِجر: ٩] ، ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ *﴾ والذِّكْرُ هنا يَعُمُّ الكتابَ والسُّنَّة؛ لأنَّ السنَّةَ وحيٌ منزَّلٌ من الله سبحانه؛ قال تعالى: [النّجْم: ٣] ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى *﴾ ، وهي المبيِّنة للقرآن، وسمَّاها الله ذكرًا؛ قال تعالى: [النّحل: ٤٤] ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ، فلا يمكن العملُ بالقرآن بمَعْزِل عن السنة؛ كعدد الصَّلوات في اليوم والليلة، وعدد ركعات الصَّلاة، وصفة أدائها، وهكذا الزكاة، والحَجُّ، والصَّوم، وغير ذلك، وهذا الذي جَعَلَ مكحولاً _ح يقول: القرآنُ أحوَجُ إلى السُّنَّة من السنَّة إلى القُرآن (١) . وقال يحيى بن أبي كثير: السُّنَّة قاضيةٌ على الكتاب، وليس الكتابُ بقاضٍ على السنَّة (٢) .

стр. 8

وقال الفَضْل بن زياد: سمعتُ أحمدَ بن حنبل وسُئل عن هذا الحديث الذي رُوي: أنَّ السُّنَّةَ قاضيةٌ على الكتاب؟ فقال: ما أجسُرُ على هذا أنْ أقولَهُ، ولكنَّ السنَّةَ تفسِّر الكتاب، وتعرِّفُ الكتابَ وتبيِّنه (١) . وقال حَسَّان بن عَطيَّة: كان جبريلُ _ج يَنْزِلُ على رسول الله (ص) بالسُّنَّة كما ينزل عليه بالقرآن، يعلِّمه إياها كما يعلِّمه القرآن (٢) . وقال إسماعيل بن عُبَيدالله: ينبغي لنا أن نَحْفَظَ حديثَ رسول الله (ص) كما نحفَظُ القرآنَ؛ لأن الله تعالى يقول: [الحَشر: ٧] ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ (٣) . وهذا هو الذي فهمه الصحابيُّ الجليلُ عبد الله بن مسعود ح حين قال: «لَعَنَ اللهُ الواشمَاتِ والمُسْتَوْشِمَاتِ، والنَّامِصَاتِ والمُتَنمِّصَاتِ، والمُتَفلِّجَاتِ للحُسْنِ، المُغيِّراتِ خَلْقَ اللهِ» ، فبلغ ذلك امرأةً من بني أَسَدٍ يقال لها: أُمُّ يعقوب، وكانتْ تَقْرَأُ القرآنَ، فأتتْهُ فقالت: ما حديثٌ بلغني عنك؛ أنك لعنتَ الواشمات والمُسْتَوشمات،

стр. 9

والمُتَنمِّصات، والمُتَفلِّجات للحُسْن، المغيِّراتِ خَلْقَ الله؟ فقال عبد الله: وما لي لا ألعَنُ مَنْ لَعَنَ رسولُ الله (ص) ، وهو في كتاب الله؟! فقالت المرأة: لقد قرأتُ ما بين لَوْحَيِ المصحفِ فما وجدتُّهُ، فقال: لئنْ كنتِ قرأتِيهِ لقد وجَدتِّيهِ (١) ؛ قال الله : [الحَشر: ٧] ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ . فقالتِ المرأةُ: فإني أرى شيئًا مِنْ هذا على امرأتِكَ الآنَ، قال: اذهبي فانظُري، فدخلَتْ على امرأةِ عبد الله، فلم تَرَ شيئًا، فجاءتْ إليه فقالتْ: ما رأيتُ شيئًا، فقال: أَمَا لو كان ذلك لم نُجامِعْها (٢) . وكما أنَّ اللهَ سبحانه ابتَلَى آدَمَ وذريَّتَهُ بالإهباطِ إلى الأرض، وبِمَكْرِ الشيطانِ وكَيْدِهِ لهم لِيَعْلَمَ مَنْ يُطِيعه ممَّن يَعْصيه، وهو القادر سبحانه على أن يجعلَهُمْ كلَّهم عاملين بطاعته؛ كما قال تعالى: [السَّجدَة: ١٣] ﴿وَلَوْ شِئْنَا لآَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لأَِمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ *﴾ ؛ فإنه كذلك ابتلى الأمَّةَ المحمَّديةَ بطريقةِ نقل السُّنَّة النبوية وروايتها، فمِنَ المعلوم أنَّ السُّنَّة لم

стр. 10

تُدَوَّنْ في عصر النبوَّة والخلفاءِ الراشدين كما دُوِّن القرآن؛ لأسبابٍ يطولُ ذِكْرُها (١) ؛ من أهمِّها: طولُ الفترة التي يلزمُهُمْ فيها تدوينُ كُلِّ ما يَصْدُرُ عنه (ص) مِنْ أقوالٍ، وأفعال، وتقريرات، وهي ثلاثٌ وعشرون سنة، مع قِلَّةِ الكَتَبة، ونُدْرَةِ أدواتِ الكتابة، على نحوٍ يَصْعُبُ معه - بل يستحيلُ - كتابةُ كُلِّ ما يَصْدُرُ عنه (ص) طيلةَ هذه الفترة على أكتافِ الإبل، والألواح، وعُسُبِ النخل، والحجارةِ؛ فهذه هي الأدواتُ التي كانوا يَكْتُبون عليها، أما الجُلود فنادرةٌ، وأما الوَرَقُ فمعدومٌ. وكما أنَّ الصِّراعَ بين الشيطان وبني آدم قائمٌ منذ أنْ أُهْبِطَ آدَمُ إلى الأرض، فالصِّراعُ كذلك موجودٌ بين علماء الحديث وأعداء السُّنَّة، وقد تمخَّض هذا الصِّراع عن تلك الجُهُود التي بذلها العلماءُ لحمايةِ جَنَابِ السُّنَّة، وذَبِّ الكذبِ عنها والدَّخيلِ عليها، وتتمثَّلُ في أمور عديدة، من أهمِّها: نَشْأَةُ الإسناد، وعِلْمُ الجرح والتعديل والكلامُ في الرواةِ جَرْحًا وتعديلاً، ومعرفةُ التاريخِ الذي يَسْتبِينُ به صدقُ الرواةِ وكذبُهم، واتصالُ الأسانيدِ وانقطاعُهَا، وعِلْمُ مصطلح الحديث، والمصنَّفاتُ في صحيحِ السُّنَّة وضعيفها، وغيرُ ذلك كثير؛ ومن أشهره: معرفةُ عِلَلِ الحديثِ الذي هو موضوعُ كتابنا هذا.

стр. 11

ومع أنَّ مدارَ معرفةِ الصحيح من السَّقيم من الحديثِ: على الإسناد الذي قالوا عنه: إنه مِنَ الدِّين (١) ، والنظرُ في الإسنادِ يكونُ في اتصالِهِ وثِقَةِ رجاله؛ إلا أنَّ المحدِّثين وضعوا نُصْبَ أعينهم أمرًا آخَرَ، وهو أنَّ الثقةَ قد يَهِمُ، وربَّما دَخَلَ في دِينِ الله ما ليس منه بسببِ أوهامِ الثقاتِ الذين يُظَنُّ بهم الظَّنُّ الحسن؛ فَمِنْ هنا نشأ عِلْمُ عِلَلِ

стр. 12

الحديث الذي يُعْنَى أولَ ما يُعْنَى بأوهامِ الثقات. قال شيخ الإسلام ابن تيمية (١) : «والمقصودُ هنا أنَّ تَعَدُّدَ الطُّرُق - مع عدمِ التشاعرِ أو الاتفاقِ في العادة - يُوجِبُ العلمَ بمضمون المنقول، لكنَّ هذا يُنتفَعُ به كثيرًا في عِلْمِ أحوال الناقلين، وفى مثل هذا يُنتفَعُ برواية المجهول، والسيِّئ الحفظ، وبالحديثِ المُرْسَل، ونحوِ ذلك. ولهذا كان أهلُ العلم يَكْتُبون مثلَ هذه الأحاديث ويقولون: إنه يَصْلُحُ للشواهدِ والاعتبارِ ما لا يَصْلُحُ لغيره؛ قال أحمد: قد أكتُبُ حديثَ الرجلِ لأعتبرَهُ.... وكما أنهم يَسْتَشهدونَ ويَعْتبرونَ بحديثِ الذي فيه سوءُ حفظ، فإنهم أيضًا يضعِّفون مِنْ حديثِ الثقة الصدوقِ الضابطِ أشياءَ تبيَّن لهم أنه غَلِطَ فيها، بأمورٍ يستدلُّون بها، ويسمُّون هذا: «عِلْمَ عِلَلِ الحديث» ، وهو مِنْ أشرفِ علومهم، بحيثُ يكونُ الحديثُ قد رواه ثقةٌ ضابطٌ وغَلِطَ فيه، وغَلَطُهُ فيه عُرِفَ إما بسببٍ ظاهرٍ [أو خفيٍّ] (٢) ؛ كما عَرَفُوا أنَّ النبيَّ (ص) تزوَّج ميمونةَ وهو حلال، وأنه صلَّى في البيت ركعتين، وجعلوا روايةَ ابنِ عباس- لتزوُّجِها حرامًا، ولكونِهِ لم يُصَلِّ - مما وقَعَ فيه الغَلَطُ … . والناسُ في هذا الباب طرفانِ: طَرَفٌ مِنْ أهلِ الكلام ونحوهم ممَّن هو بعيدٌ عن معرفةِ الحديثِ وأهله، لا يُميِّز بين الصحيحِ والضعيف، فيَشُكُّ في صحةِ أحاديثَ، أو في القَطْعِ بها، مع كونها معلومةً مقطوعًا بها عند أهلِ العِلْمِ به. وطَرَفٌ ممن يدَّعي اتباعَ الحديثِ والعَمَلَ به؛ كلَّما وجَدَ لفظًا في حديثٍ قد رواه ثقةٌ، أو رأى حديثًا بإسنادٍ ظاهرُهُ الصحةُ، يريدُ أن يَجْعَلَ ذلك مِنْ جنسِ ما جزَمَ أهلُ العلم بصحَّته، حتى إذا عارَضَ الصحيحَ المعروفَ، أخَذَ يتكلَّفُ له التأويلاتِ الباردةَ، أو يجعلُهُ دليلاً له في مسائلِ العلم، مع أنَّ أهلَ العلم بالحديثِ يَعْرِفون أنَّ مثلَ هذا غَلَطٌ» . اهـ. وقال ابن القيِّم (٣) - في كلامه على حديث: «قَضى باليَمِينِ مع الشَّاهد» ، والرَّدِّ على من أعلَّه -: «وهذه العللُ وأمثالها تَعَنُّتٌ لا تُتْرَكُ لها الأحاديثُ الثابتةُ، ولو تُرِكَتِ السننُ بمثلها لَوُجِدَ السبيلُ إلى تَرْكِ

стр. 13

عامَّةِ الأحاديثِ الصحيحةِ الثابتة بمثلِ هذه الخَيَالات. وهذه الطريقُ في مقابلها طريقُ الأصوليين وأكثرِ الفقهاء: أنهم لا يَلْتَفتون إلى علَّةٍ للحديثِ إذا سَلِمَتْ طريقٌ من الطرق منها، فإذا وَصَله ثقةٌ أو رَفَعه لا يبالون بخلافِ مَنْ خالفه ولو كَثُروا. والصوابُ في ذلك: طريقةُ أئمة هذا الشأن، العالمين به وبِعِلَلِهِ؛ وهو النَّظَرُ والتَّمَهُّر في العلل، والنظر في الواقفين والرافعين، والمُرْسِلين والواصلين: أنهم أَكْثَرُ، وأوثقُ، وأَخَصُّ بالشيخ، وأعرَفُ بحديثه،،، إلى غيرِ ذلك من الأمور التي يَجْزِمون معها بالعِلَّةِ المؤثِّرة في موضعٍ، وبانتفائها في موضعٍ آخَرَ؛ لا يرتضون طريقَ هؤلاء، ولا طريقَ هؤلاء» . وقال أبو شَامَةَ المَقْدِسي (١) : «وأئمةُ الحديثِ هم المعتبَرون القُدْوةُ في فنِّهم؛ فوجَبَ الرجوعُ إليهم في ذلك، وعَرْضُ آراءِ الفقهاءِ على السننِ والآثارِ الصَّحيحة؛ فما ساعَدَهُ الأَثَرُ فهو المعتبَرُ، وإلا فلا نُبْطِلُ الخَبَرَ بالرأي، ولا نضَعِّفه إنْ كان على خلافِ وُجُوهِ الضَّعْفِ من علل الحديثِ المعروفةِ عند أهله، أو بإجماعِ الكافَّةِ على خلافه؛ فقد يَظْهَرُ ضَعْفُ الحديثِ وقد يخفى. وأقربُ ما يُؤْمَرُ به في ذلك: أنك إذا رأيتَ حديثًا خارجًا عن دواوينِ الإسلام - كالموطَّأ، ومسند أحمد، والصَّحيحَيْنِ، وسنن أبي داود، والترمذي، والنَّسَائي، ونحوها مما تقدَّم ذكرُه ومما لم نذكُرْهُ - فانظُرْ فيه: فإنْ كان له نظيرٌ في الصحاح

стр. 14

والحسان قَرُبَ أَمْرُهُ، وإنْ رأيتَهُ يُبَايِنُ الأصولَ وارتَبْتَ به فتأمَّلْ رجالَ إسناده، واعتبِرْ أحوالَهُمْ مِنَ الكُتُبِ المصنَّفَة في ذلك. وأصعبُ الأحوال: أن يكونَ رجالُ الإسنادِ كلُّهم ثقات، ويكونَ متنُ الحديثِ موضوعًا عليهم، أو مقلوبًا، أو قد جرى فيه تدليسٌ، ولا يَعْرِفُ هذا إلا النُّقَّادُ من علماء الحديث؛ فإنْ كنتَ مِنْ أهله فَبِهِ، وإلا فاسألْ عنه أهلَهُ» . وقال ابن رجب (١) : «أَمَّا أهلُ العلمِ والمعرفة، والسُّنَّةِ والجماعة، فإنَّما يَذْكُرون عِلَلَ الحديثِ نصيحةً لِلدِّين، وحفظًا لسنَّة النبيِّ (ص) ، وصيانةً لها، وتمييزًا مما يَدْخُلُ على رواتها من الغَلَطِ والسَّهْوِ والوَهَمِ، ولا يوجبُ ذلك عندهم طَعْنًا في غير الأحاديث المُعَلَّة، بل تَقْوَى بذلك الأحاديثُ السليمةُ عندهم؛ لبراءتها من العلل، وسلامتها من الآفات، فهؤلاءِ هم العارفونَ بِسُنَّةِ رسول الله حَقًّا، وهم النقَّاد الجَهابذةُ الذين ينتقدون انتقادَ الصيرفيِّ الحاذقِ للنَّقْدِ البَهْرَجِ (٢) من الخالص، وانتقادَ الجوهريِّ الحاذق للجوهر مما دُلِّسَ به» . وذكر ابن رجب أيضًا (٣) روايةَ أَبِي إسحاقَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عائشة؛ قالت: كانَ النبيُّ (ص) يَنَامُ وَهُوَ جُنُبٌ، وَلا يَمَسُّ ماءً، ثم قال:

стр. 15

«وهذا الحديثُ مما اتفَقَ أئمةُ الحديث مِن السَّلَفِ على إنكارِهِ على أبي إسحاق … وقال أحمدُ بن صالحٍ المِصْريُّ الحافظ: لا يَحِلُّ أن يُروى هَذا الحديثُ؛ يعني: أنَّهُ خطأٌ مقطوعٌ بهِ، فلا تحلُّ روايته مِنْ دونِ بيانِ علَّته. وأما الفقهاءُ المتأخِّرون، فكثيرٌ مِنهُم نظَرَ إلى ثقة رجاله، فظنَّ صِحَّتَهُ، وهؤلاءِ يظنُّون أنَّ كلَّ حديث رواه ثقةٌ فهو صحيحٌ، ولا يتفطَّنون لدقائق علم علل الحديث. ووافقَهم طائفةٌ من المحدِّثين المتأخِّرين؛ كالطَّحَاويِّ، والحاكم، والبيهقي» . اهـ. وفي هذا دَلَالةٌ على أهميَّةِ عِلْمِ العلل الذي يقولُ عنه عبد الرحمن ابن مَهْدي: «لَأَنْ أَعْرِفَ عِلَّةَ حديثٍ هُوَ عِنْدِي، أَحَبُّ إليَّ من أن أكتبَ عشرين حديثًا لَيْسَ عِنْدِي» (١) . وقال محمد بن عبد الله بن نُمَيْر: قال عبد الرحمن بْن مَهْدي: «معرفةُ الحديثِ إلهامٌ» . قَالَ ابْنُ نُمَيْر: «وصَدَقَ! لو قلتَ لَهُ: مِنْ أينَ قلتَ؟ لم يكنْ له جوابٌ» (*) . وقال أبو حاتِم الرازي: قال عبد الرحمن بْن مَهْدي: «إنكارُنا الحديثَ عِنْد الجهَّالِ كِهَانةٌ» (*) . وقال نُعَيم بن حمَّاد: قلت لعبد الرحمن بن مَهْدي: كيف تَعْرِفُ صحيحَ الحديثِ مِنْ خطئه؟ قال: «كما يَعْرِفُ الطبيبُ المجنونَ» (٢) .

стр. 16

وقال أبو غالبٍ عليُّ بن أحمدَ بن النَّضْر: سمعتُ عليَّ بن المَدِيني يقول: أخَذَ عبد الرحمن بن مَهْدي على رجلٍ مِنْ أهلِ البَصْرة - لا أسمِّيه - حديثًا؛ قال: فغَضِبَ له جماعةٌ؛ قال: فَأَتَوْهُ فقالوا: يا أبا سعيد، مِنْ أَيْنَ قلتَ هذا في صاحبنا؟ قال: فغَضِبَ عبدُالرحمنِ ابنُ مَهْدي، وقال: «أرأيتَ لو أنَّ رجلاً أتى بدينار إلى صَيْرَفِيٍّ، فقال: انتَقِدْ لي هذا، فقال: هو بَهْرَجٌ، يقولُ له: مِنْ أين قلتَ لي: إنه بَهْرَج؟! اِلزَمْ عملي هذا عِشْرين سَنَةً حتى تَعْلَمَ منه ما أَعْلَمُ» (١) . وروى هذه الحكايةَ البخاريُّ عن شيخه عليِّ بن المَديني باختلافٍ يَسِير (٢) . وقد رُوِيَ أيضًا نحوُ هذا المعنى عن الإمام أحمد (٣) . وقال الخطيبُ البغدادي (٤) : «فمِنَ الأحاديثِ ما تَخْفَى عِلَّتُه فلا يوقَفُ عليها إلا بعد النظرِ الشديد، ومُضِيِّ الزمانِ البعيد» . وقال صالحُ بن محمد البغدادي - المعروفُ بصالحِ جَزَرة -: سمعتُ عليَّ بن المَدِيني يقول: «رُبَّمَا أدركتُ عِلَّةَ حديثٍ بعد أربعين سنةً» (٥) .

стр. 17

وقال الربيع بن خُثَيْم: «إنَّ مِنَ الحديثِ حديثًا له ضَوْءٌ كضوء النهار تعرفُهُ، وإنَّ مِنَ الحديثِ حديثًا له ظُلمةٌ كظُلْمة الليلِ تُنْكِرُهُ» (١) . وقال الشافعي (٢) : «ولا يُستدلُّ على أكثرِ صِدْقِ الحديثِ وكَذِبِهِ إلا بصدقِ المُخْبِرِ وكذبه، إلا في الخاصِّ القليلِ من الحديث» . وأوضَحَ البيهقيُّ عبارةَ الشافعيِّ هذه بقوله (٣) : «وهذا الذي استثناه الشافعيُّ لا يقف عليه إلا الحُذَّاقُ مِنْ أهل الحِفْظ؛ فقد يَزِلُّ الصدوقُ فيما يكتبُهُ، فيَدْخُلُ له حديثٌ في حديث، فيصيرُ حديثٌ رُوِيَ بإسناد ضعيفٍ مُرَكَّبًا على إسنادٍ صحيحٍ. وقد يَزِلُّ القَلَمُ، ويُخْطئ السمع، ويَخُونُ الحِفْظ؛ فيروي الشاذَّ من الحديث عن غير قَصْدٍ، فَيَعْرِفُهُ أهلُ الصَّنْعة الذين قيَّضَهُمُ اللهُ تعالى لحفظِ سُنَنِ رسولِ الله (ص) على عباده؛ بِكَثْرة سماعه، وطُولِ مُجالستِهِ أهلَ العِلْمِ به ومُذاكَرتِهِ إيَّاهم» . اهـ. ولذا كان أهلُ الحديث لا يُسلِّمون بكل ما يُرْوَى وإنْ كان صحيحَ السَّنَدِ، حتى يَعْرِضوه على أهل الاختصاص: قال الأعمش: «كان إبراهيمُ (٤) صَيْرَفِيَّ الحديث، فكنتُ إذا

стр. 18

سمعتُ الحديثَ مِنْ بعضِ أصحابنا، أتيتُهُ فعرضتُهُ عليه» (١) . وقال جريرُ بن عبد الحميد: «كنتُ إذا سمعتُ الحديثَ جِئْتُ به إلى المغيرة، فعرضْتُهُ عليه؛ فما قال لي: أَلْقِهِ، أَلْقَيْتُهُ» (٢) . وقال قَبِيصة بن عُقْبة: «رأيتُ زائدةَ يَعْرِضُ كُتُبَهُ على سُفْيان الثَّوْري، ثم التفَتَ إلى رجل في المَجْلِس فقال: ما لك لا تَعْرِضُ كتبَك على الجَهابِذَةِ كما نَعْرِض؟!» (٣) . وقال زائدة: «كنا نأتي الأعمشَ، فيحدِّثنا، فَيُكْثِرُ، ونأتي سُفْيانَ الثوريَّ فنذكُرُ تلك الأحاديثَ له، فيقولُ: ليس هذا مِنْ حديثِ الأعمش. فنقول: هو حدَّثنا به الساعةَ! فيقول: اذهَبُوا فقولوا له إنْ شئتم. فنأتي الأعمشَ، فَنُخْبِره بذلك، فيقول: صَدَقَ سفيان؛ ليس هذا مِنْ حديثنا» (٤) . وقال الأوزاعيُّ: «إنْ كنا لَنَسْمَعُ الحديثَ فَنَعْرِضُهُ على أصحابنا كما نَعْرِضُ الدرهمَ الزائفَ على الصَّيارفةِ؛ فما عَرَفُوا أَخَذْنا، وما أَنْكَروا تَرَكْنا» (٥) .

стр. 19

وقال عمرو بن قيس: «ينبغي لصاحبِ الحديثِ أنْ يكونَ مِثْلَ الصيرفيِّ الذي يَنْقُدُ الدرهمَ الزائفَ والبَهْرَجَ، وكذا الحديثُ» (١) . وروى أبو حاتِمٍ (٢) ، عن محمود بن إبراهيم ابن سُمَيْع؛ قَالَ: سمعتُ أَحْمَد بْن صَالِحٍ يَقُولُ: معرفةُ الحديثِ بمنزلةِ معرفة الذَّهَبِ والشَّبَه؛ فإنَّ الجَوْهَرَ إِنَّمَا يَعْرِفُهُ أهلُهُ، وَلَيْسَ للبصير فِيهِ حُجَّةٌ إِذَا قِيلَ لَهُ: كيف قلتَ: «إنّ هَذَا بائنٌ» ؟ يعني: الجيِّدَ أو الرديءَ. اهـ. وقال محمد بن عمرو بن العَلَاء الجُرْجاني: حدَّثنا يحيى بن مَعِين؛ قال: «لولا الجَهابذةُ لَكَثُرَتِ السَّتُّوقَةُ (٣) والزُّيوفُ في روايةِ الشريعة، فمتى أحبَبْتَ فهَلُمَّ ما سَمِعْتَ حتى أَعْزِلَ لك منه نقدَ بيت المال، أَمَا تَحْفَظُ قولَ شُرَيْح: «إنَّ للأثرِ جَهابذةً كجَهابِذَة الوَرِق» ؟! (٤) . وقال محمد بن صالح الكِيلِيني (٥) : سمعتُ أبا زرعة وقال له رجلٌ: ما الحُجَّةُ في تعليلكم الحديث؟ قال: «الحُجَّةُ أَنْ تسألَني عن حديثٍ له عِلَّةٌ، فأذكُرَ علَّته، ثم تَقْصِدَ ابنَ وارَة - يعني: مُحَمَّد بْن مُسْلِم بْن وارَة - وتسألَهُ عنه، ولا تُخْبِرُهُ بأنك قد سألتَني عنه، فيذكُرَ علَّته، ثم تَقْصِدَ أبا حاتِم فيعلِّله، ثم تُمَيِّزَ كلامَ كلٍّ منَّا على ذلك

стр. 20

الحديث؛ فإنْ وجدتَّ بيننا خلافًا في علَّته فاعلَمْ أنَّ كلًّا منَّا تكلَّم على مُراده، وإنْ وجدتَّ الكلمةَ متفقةً فاعلَمْ حقيقةَ هذا العلم» . قال: ففعَلَ الرجلُ، فاتفقَتْ كلمتُهم عليه، فقال: أشهَدُ أنَّ هذا العلمَ إِلْهَام (١) . وقال أبو حاتِم الرازي: «مَثَلُ معرفةِ الحديثِ كمَثَلِ فَصٍّ ثَمَنُهُ مئةُ دينار، وآخَرَ مِثْلِهِ عَلَى لونه ثَمَنُهُ عَشَرَةُ دراهم» (٢) . وقال عبد الرحمن بن أبي حاتِم الرازي (٣) : سمعتُ أبي _ح يقول: «جاءني رجلٌ من جِلَّةِ أصحابِ الرأي - مِنْ أهلِ الفَهْمِ منهم - ومعه دَفْتَرٌ، فعرَضَهُ عليَّ، فقلتُ في بعضها: هذا حديثٌ خطأٌ؛ قد دخَلَ لصاحبِهِ حديثٌ في حديث، وقلتُ في بعضه: هذا حديثٌ باطلٌ، وقلتُ في بعضه: هذا حديثٌ منكر، وقلتُ في بعضه: هذا حديثٌ كَذِبٌ، وسائرُ ذلك أحاديثُ صحاحٌ، فقال: مِنْ أين عَلِمْتَ أنَّ هذا خطأٌ، وأنَّ هذا باطلٌ، وأن هذا كذبٌ؛ أخبرَكَ راوي هذا الكتابِ بأني غَلِطْتُ، وأنِّي كَذَبْتُ في حديثِ كذا؟! فقلتُ: لا، ما أدري هذا الجُزْءُ مِنْ روايةِ مَنْ هو؟ غيرَ أني أَعْلَمُ أنَّ هذا خطأٌ، وأنَّ هذا الحديثَ باطلٌ، وأنَّ هذا الحديثَ كَذِبٌ، فقال: تدَّعي الغيبَ؟ قال: قلتُ: ما هذا ادعاءُ الغَيْبِ، قال: فما الدليلُ على ما تقول؟ قلتُ: سَلْ عما قلتُ مَنْ يُحْسِنُ مِثْلَ

стр. 21

ما أُحْسِنُ، فإنِ اتفقنا عَلِمْتَ أنَّا لم نُجَازِفْ، ولم نقله إلا بفَهْم، قال: مَنْ هو الذي يُحْسِنُ مِثْلَ ما تُحْسِن؟ قلتُ: أبو زُرْعة، قال: ويقولُ أبو زرعة مثلَ ما قلتَ؟ قلتُ: نعم، قال: هذا عَجَبٌ! فأخذ فكتَبَ في كاغَذٍ (١) ألفاظي في تلك الأحاديث، ثم رجَعَ إليَّ وقد كتَبَ ألفاظَ ما تكلَّم به أبو زرعة في تلك الأحاديث: فما قلتُ: إنه باطلٌ، قال أبو زرعة: هو كَذِبٌ، قلتُ: الكَذِبُ والباطلُ واحدٌ، وما قلتُ: إنه كذبٌ، قال أبو زرعة: هو باطلٌ، وما قلتُ: إنه منكرٌ، قال: هو منكرٌ، كما قلتُ، وما قلتُ: إنه صَحَاحٌ، قال أبو زرعة: هو صَحَاحٌ (٢) . فقال: ما أعجَبَ هذا؛ تَتَّفِقان مِنْ غيرِ مواطأةٍ فيما بينكما!! فقلتُ: فقد بان لك أنَّا لم نُجازف، وإنما قلناه بِعِلْمٍ ومعرفةٍ قد أُوتِينَا، والدليلُ على صحَّة ما نقوله: أنَّ دينارًا نَبَهْرَجًا (٣) يُحمَلُ إلى الناقدِ، فيقول: هذا دينار نَبَهْرَجٌ، ويقول لدينار: هو جيِّدٌ، فإنْ قيل له: مِنْ أين قلتَ: إنَّ هذا نَبَهْرَجٌ، هل كنتَ حاضرًا حين بُهْرِجَ هذا الدينارُ؟ قال: لا، فإنْ قيل له: فأَخْبَرَكَ الرجلُ الذي بَهْرَجَهُ: إنِّي بَهْرَجْتُ هذا الدينارَ؟ قال: لا، قيل:

стр. 22

فَمِنْ أين قلتَ: إنَّ هذا نَبَهْرَجٌ؟ قال: عِلْمًا رُزِقْتُ. وكذلك نحن رُزِقْنَا معرفةَ ذلك. قلتُ له: فتَحْمِلُ فَصَّ ياقوتٍ إلى واحد من البُصَراء من الجَوهَرِيِّين، فيقولُ: هذا زُجَاجٌ، ويقولُ لمثله: هذا ياقوتٌ. فإنْ قيل له: مِنْ أين عَلِمْتَ أنَّ هذا زجاجٌ، وأنَّ هذا ياقوتٌ؟ هل حَضَرْتَ الموضعَ الذي صُنِعَ فيه هذا الزجاجُ؟ قال: لا، قيل له: فهل أعلمَكَ الذي صاغَهُ بأنه صاغ هذا زجاجًا؟ قال: لا، قال: فمِنْ أين علمتَ؟ قال: هذا عِلْمٌ رُزِقْتُ، وكذلك نحن رُزِقْنَا علمًا لا يتهيَّأُ لنا أن نُخْبِرَكَ كيف علمنا بأنَّ هذا الحديثَ كذب، وهذا حديثٌ منكر، إلا بما نَعْرِفُهُ» . ثم قال ابن أبي حاتِم: «تُعْرَفُ جَودةُ الدينار بالقياس إلى غيره؛ فإنْ تخلَّف عنه في الحُمْرَةِ والصَّفَاءِ، عُلِمَ أنه مَغْشوش. ويُعْلَمُ جنسُ الجَوْهَرِ بالقياس إلى غيره؛ فإنْ خالفه بالماء والصَّلابة، عُلِمَ أنه زجاج. ويُقاس صِحَّةُ الحديثِ بعدالة ناقليه، وأنْ يكونَ كلامًا يَصْلُحُ أنْ يكونَ مِنْ كلامِ النُّبُوَّةِ. ويُعْلَمُ سقمُهُ وإنكاره بتفرُّدِ مَنْ لم تَصِحَّ عدالتُهُ بروايته، والله أعلم» . اهـ. وذكر أبو عبد الله الحاكم في "معرفة علوم الحديث" (١) : معرفةَ

стр. 23

علل الحديث، فقال: «وهو عِلْمٌ برأسه، غيرُ الصحيح والسقيم والجَرْحِ والتعديل … وإنما يعلَّل الحديثُ مِنْ أوجُهٍ ليس للجَرْح فيها مَدْخَل؛ فإنَّ حديثَ المجروح ساقطٌ واهٍ، وعلَّةُ الحديثِ تَكثُرُ في أحاديث الثقات؛ أن يحدِّثوا بحديثٍ له علَّة، فيَخْفَى عليهم علمُهُ، فيصيرُ الحديثُ معلولاً، والحُجَّةُ فيه عندنا: الحفظُ والفَهْم والمعرفةُ لا غير» . وفي موضعٍ آخَرَ (١) ذكَرَ معرفةَ الصَّحيح والسقيم، فقال: «وهذا النوعُ مِنْ هذه العلومِ غيرُ الجَرْحِ والتعديل الذي قدَّمنا ذِكْرَه، فرُبَّ إسنادٍ يَسْلَمُ من المجروحين غيرُ مُخَرَّجٍ في الصحيح، فمِنْ ذلك … » ، ثم ذكر ثلاثةَ أحاديثَ معلولةً، وتكلَّم على عللها، ثم قال: «ففي هذه الأحاديثِ الثلاثةِ قياسٌ على ثلاثِ مِئَةٍ، أو ثلاثةِ آلاف، أو أكثَرَ من ذلك: أنَّ الصَّحيح لا يُعْرَفُ بروايته فقطْ، وإنما يُعْرَفُ بالفَهْمِ والحفظِ وكثرةِ السَّمَاع، وليس لهذا النوع من العلم عَوْنٌ أكثَرُ مِنْ مذاكرةِ أهلِ الفَهْم والمعرفة؛ لِيَظْهَرَ ما يخفى من عِلَّةِ الحديث، فإذا وُجِدَ مِثْلُ هذه الأحاديثِ بالأسانيد الصَّحيحة غَيْرَ مخرَّجة في كتابَيِ الإمامَيْنِ البخاري ومسلم؛ لَزِمَ صاحبَ الحديثِ التنقيرُ عن علَّته، ومذاكرةُ أهلِ المعرفةِ به لِتَظْهَرَ عِلَّته» . اهـ. وبوَّب الخطيبُ البغداديُّ (٢) بابًا ذكَرَ فيه أنَّ المعرفةَ بالحديثِ

стр. 24

ليستْ تلقينًا وإنما هو عِلْمٌ يُحْدِثُهُ اللهُ في القلب، ثم قال: «أَشْبَهُ الأشياءِ بعلمِ الحديث: معرفةُ الصَّرْفِ ونقدُ الدنانيرِ والدراهم؛ فإنه لا يُعْرَفُ جَودةُ الدينارِ والدراهم بلونٍ، ولا مَسٍّ، ولا طَرَاوةٍ، ولا دَنَسٍ، ولا نَقْشٍ، ولا صفةٍ تعودُ إلى صِغَرٍ أو كِبَرٍ، ولا إلى ضِيقٍ أو سَعَة، وإنما يَعْرِفه الناقدُ عند المُعاينة، فَيَعْرِفُ البَهْرَجَ والزائفَ، والخالصَ والمغشوشَ، وكذلك تمييزُ الحديث؛ فإنَّه عِلْمٌ يخلقُهُ اللهُ تعالى في القلوبِ بعد طولِ المُمارسة له والاعتناءِ به» . وقال ابنُ رجب (١) بعد ذِكْرِ بعض الأحاديث المعلولة: «وإنما تُحْمَلُ مِثْلُ هذه الأحاديثِ - على تقدير صحَّتها - على معرفةِ أئمَّةِ الحديثِ الجَهَابذةِ النُّقَّادِ الذين كَثُرَتْ ممارستُهُمْ لكلامِ النبيِّ (ص) وكلامِ غيره، ولحالِ رواةِ الأحاديث ونَقَلَةِ الأخبار، ومعرفَتِهِمْ بِصِدْقهم وكذبهم، وحِفْظهم وضَبْطهم؛ فإنَّ هؤلاءِ لهم نَقْدٌ خاصٌّ في الحديث يَخْتَصُّون بمعرفته، كما يَخْتَصُّ الصيرفيُّ الحاذقُ بمعرفة النقود؛ جَيِّدها ورديئها، وخالِصِهَا ومَشُوبها، والجَوهريُّ الحاذقُ في معرفةِ الجَوْهر بانتقادِ الجَوَاهر، وكلٌّ مِنْ هؤلاءِ لا يمكنُ أن يعبِّر عن سببِ معرفته، ولا يقيمُ عليه دليلاً لغيره، وآيةُ ذلك: أنه يُعْرَضُ الحديثُ الواحدُ على جماعةٍ ممَّن يَعْلَمُ هذا العلم، فَيَتَّفِقون على الجَوَابِ فيه من غير مُواطأة، وقد امتُحِنَ هذا منهم غَيْرَ مَرَّة في زَمَنِ أبي زُرْعة وأبي حاتم،

стр. 25

فوُجِدَ الأَمْرُ على ذلك، فقال السائل: أَشْهَدُ أنَّ هذا العلمَ إلهامٌ.... وبكلِّ حالٍ: فالجَهابذةُ النُّقَّاد العارفون بعللِ الحديثِ أفرادٌ قليلٌ من أهل الحديث جِدًّا، وأولُ مَنِ اشتُهِرَ في الكلام في نقد الحديث: ابنُ سِيرين، ثم خلَفَهُ أيوبُ السَّخْتِياني، وأخَذَ ذلك عنه شُعْبةُ، وأخَذَ عن شُعْبةَ يحيى القَطَّانُ وابنُ مَهْدي، وأخَذَ عنهما أحمدُ وعليُّ بنُ المَديني وابنُ مَعِين، وأخَذَ عنهم مثلُ البخاريِّ وأبي داود وأبي زرعة وأبي حاتِم، وكان أبو زرعة في زمانه يقول: قلَّ مَنْ يَفْهَمُ هذا، ما أعزَّهُ! إذا رَفَعْتَ هذا عن واحدٍ واثنين، فما أقلَّ ما تَجِدُ مَن يُحْسِنُ هذا! ولمَّا مات أبو زرعة قال أبو حاتِم: ذهَبَ الذي كان يُحْسِنُ هذا المعنى - يعني: أبا زرعة - ما بقي بِمِصْرَ ولا بالعراقِ واحدٌ يُحْسِنُ هذا. وقيل له بعد موت أبي زرعة: يُعْرَفُ اليومَ واحدٌ يَعْرِفُ هذا؟ قال: لا. وجاء بعد هؤلاءِ جماعةٌ، منهم: النَّسَائيُّ، والعُقَيْلي، وابنُ عَدِيٍّ، والدَّارَقُطْني، وقَلَّ مَنْ جاء بعدهم مَنْ هو بارعٌ في معرفة ذلك، حتى قال أبو الفَرَجِ ابنُ الجَوْزي في أول كتابه "الموضوعات" (١) : قَلَّ من يَفْهَمُ هذا، بل عُدِمَ، والله أعلم» . اهـ. وذكر الحافظُ ابن حجر (٢) عن العَلَائي أنه قال: «وهذا الفَنُّ أغمضُ أنواعِ الحديث، وأَدَقُّها مَسْلَكًا، ولا يقومُ به إلا مَنْ منحَهُ اللهُ

стр. 26

فَهْمًا غائصًا، واطِّلَاعًا حاويًا، وإدراكًا لمراتبِ الرواة، ومعرفةً ثاقبة؛ ولهذا لم يَتَكَلَّمْ فيه إلا أفرادُ أئمَّةِ هذا الشأنِ وحذاقُهم؛ كابنِ المَدِينيِّ، والبخاري، وأبي زُرْعة، وأبي حاتِم، وأمثالهم، وإليهم المَرْجِعُ في ذلك؛ لِمَا جعَلَ اللهُ فيهم مِنْ معرفةِ ذلك والاطِّلاعِ على غَوامضه، دون غيرهم مِمَّنْ لم يُمارِسْ ذلك. وقد تَقْصُرُ عبارةُ المعلِّل منهم، فلا يُفْصِحُ بما استقرَّ في نفسه مِنْ تَرجيحِ إحدى الروايتَيْن على الأُخْرى، كما في نَقْدِ الصَّيرفي سواء، فمتى وَجَدْنَا حديثًا قد حكَمَ إمامٌ من الأئمَّة المَرجوعِ إليهم بتعليله، فالأَوْلَى اتِّباعُهُ في ذلك كما نتَّبِعُهُ في تصحيح الحديثِ إذا صَحَّحَهُ» .

стр. 27

المُصَنَّفاتُ فِي عِلَلِ الحَدِيثِ تقدَّمتِ الإشارةُ إلى أنَّ عِلْمَ عِلَلِ الحديثِ من أجلِّ العلومِ التي لم تَتهيَّأْ معرفتُهَا إلاَّ لِنَزْرٍ يسيرٍ من أهلِ العلمِ. وقد صُنِّفَتْ فيه مصنَّفاتٌ عديدةٌ، ذَكَرَ بعضَهَا الحافظُ السَّخَاويُّ في "فتحِ المغيثِ" (١) ، والدكتورُ همَّام سعيد في مقدِّمةِ تحقيقِه لـ"شرحِ عللِ الترمذيِّ" لابنِ رجبٍ الحنبليِّ (٢) ، والدكتور محفوظ زين الله في مقدِّمة تحقيقِهِ لـ"عِلَلِ الدَّارَقُطْنِيِّ" (٣) ، والدكتور وَصِيّ الله عَبَّاس في مقدِّمة تحقيقه لـ"العِلَلِ" للإمامِ أحمد بروايةِ عبد الله (٤) ، والدكتورُ عبدُ الكريمِ الوريكاتُ في كتابِه "الوَهَمُ في رواياتِ مُخْتَلِفِي الأمصارِ" (٥) ، والأستاذُ إبراهيمُ بنُ الصِّدِّيقِ في كتابِهِ "عِلْمُ عِلَلِ الحديثِ، مِنْ خلالِ كتابِ بيانِ الوَهَمِ والإيهامِ" (٦) ، وقد أَتَى على ذلك كُلِّهِ وزاد عليه زياداتٍ مفيدةً، ونبَّه على بعضِ الأوهامِ فيه- الشيخُ الدكتورُ عليُّ بنُ عبدِ اللهِ الصَّيَّاحُ في رسالةٍ له بعنوانِ "جُهُودُ الْمُحَدِّثِينَ في بيانِ عِلَلِ الأحاديثِ"، غيرَ أنَّه لم يُفْرِدِ المصنَّفاتِ في العِلَلِ، وإنما ذَكَرها تَبَعًا لذكرِه لمؤلِّفيها في غَمْرَةِ الأئمَّةِ العارفينَ بالعِلَلِ. وفيما يلي ذِكْرُ بعضِ ما وقَفْنَا عليه مِنْ هذه المصنَّفاتِ حتى وفاةِ الخَطِيبِ البغداديِّ: ١) "العِلَلُ" لعليِّ بنِ عبدِ اللهِ بنِ الْمَدِينيِّ (ت ٢٣٤هـ) ، وهي

стр. 28

كتبٌ متعدِّدةٌ، لكنْ لم يَصِلْ إلينا منها إلا قِطْعَةٌ صغيرةٌ من روايةِ محمَّد ابنِ أحمدَ بنِ البَرَاء، عنه (١) . وقد سَمَّى أبو عبدِ اللهِ الحاكمُ (٢) بعضَ هذه الكُتُبِ، ومنها: أ - "كتابُ عِلَلِ الْمُسْنَدِ" ثلاثون جُزْءًا. ب - "كتابُ العِلَلِ" لإسماعيلَ القاضي (٣) ، أربعةَ عَشَرَ جُزْءًا. ج - "كتابُ عِلَلِ حديثِ ابنِ عُيَيْنَةَ" ثلاثةَ عَشَرَ جزءًا (٤) . د - "كتابُ الوَهَمِ والخطأِ" خمسةُ أجزاءٍ. هـ - "العِلَلُ المتفرِّقةُ" ثلاثونَ جزءًا. وذكر الخَطِيبُ البغداديُّ (٥) أنّ إسماعيلَ ابنَ الصَّلْتِ بنِ أبي مريمَ، سَمِعَ من عليِّ بنِ المدينيِّ، وعندَهُ عنه كتابٌ صغيرٌ في عللِ الحديثِ. ٢) "العِلَلُ" للإمامِ أحمدَ (ت٢٤١هـ) (٦) ، وهو أيضًا روايات متعددة، منها:

стр. 29

أ- روايةُ عبد الله ابنِ الإمام أحمد (١) . ب- رواية أبي بَكْر الْْمَرُّوذِيِّ، وعبد الملك المَيْمُوني، وصالحٍ ابنِ الإمامِ أحمد (٢) . ج- رواية الخَلاَّل، ولم يصلنا منها سوى قِطْعةٍ من انتخابِ ابنِ قُدَامة منها (٣) . ٣) "العِلَلُ" لمحمدِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عَمَّارٍ المَوْصِليِّ (ت٢٤٢هـ) . ٤) "العِلَلُ" لأبي حَفْصٍ عَمْرِو بنِ عليٍّ الفَلاَّسِ (ت٢٤٩هـ) . ٥) "عِلَلُ حديثِ الزهريِّ" لمحمدِ بنِ يحيى الذُّهْلِيِّ (ت٢٥٨هـ) . ٦) "العِلَلُ"، و"التمييزُ"، كلاهما لمسلمِ ابنِ الحَجَّاجِ النَّيْسَابوريِّ (ت٢٦١هـ) ، وهما كتابان مختلفانِ، ذَكَرَهُمَا السَّخَاويُّ في الموضعِ السابقِ بما يَدُلُّ على المغايرةِ بينهما، وقد نَصَّ حاجي خَليفة (٤) على أنَّ مسلمَ بنَ الحَجَّاجِ ممَّن صنَّف في عِلَلِ الحديثِ. ٧) العِلَلُ" لأبي بكرٍ الأَثْرَمِ أحمدَ بنِ محمدِ بنِ هانئٍ (ت قريبًا من سنةِ ٢٦٠هـ) . ٨) "المُسْنَدُ الكبيرُ المُعَلَّلُ" ليعقوبَ بنِ شَيْبَةَ السَّدُوسيِّ (ت٢٦٢هـ) .

стр. 30

٩) "عِلَلُ أبي زُرْعةَ الرازيِّ" لِعُبَيْدِالله بن عبد الكريم أبي زُرْعة الرازي (ت٢٦٤هـ) ؛ ذَكَرَ محمَّدُ بنُ أحمدَ بنِ محمَّدٍ المالكيُّ الأندلسيُّ (١) أنه من الكُتُبِ التي ورَدَ بها الخطيبُ البغداديُّ دِمَشْقَ. ١٠) "العِلَلُ" لأبي بِشْرٍ إسماعيلَ بنِ عبدِاللهِ، المعروفِ بـ"سَمُّوْيَهْ" (ت٢٦٧هـ) . ١١) "العِلَلُ" لأبي داود سليمان بن الأشعث السِّجِسْتاني (ت٢٧٥هـ) (٢) . ١٢) "العِلَلُ" لأبي حاتمٍ محمَّدِ بنِ إدريسَ الحَنْظَلِيِّ الرازيِّ (ت٢٧٧هـ) ، ذَكَرَهُ ونقَلَ منه الحافظُ ابنُ ناصرِ الدِّينِ الدِّمَشْقيُّ (٣) ، وذَكَرَ أنَّه مِنْ روايةِ محمدِ بنِ إبراهيمَ الكَتَّانيِّ عنه، والكَتَّانيُّ هذا - بالتاءِ - تَرْجَمَ له الذَّهَبِيُّ (٤) اعتمادًا على يحيى بنِ مَنْدَهْ في "تاريخِ أَصْبَهَانَ"، وذَكَرَ أنه لم يَعْثُرْ له على تاريخِ وفاةٍ، وصوابُهُ: "الكِنَاني" بالنونِ، وفي كُتُبِ الرجالِ نَقْلٌ كثيرٌ لسؤالاتِهِ لأبي حاتمٍ الرازيِّ في الرجالِ والعِلَلِ؛ فالظاهرُ أنَّ الكتابَ مِنْ جَمْعِهِ وتصنيفِهِ، كما صنَعَ عبدُ الرحمنِ بنُ أَبِي حاتمٍ في "العِلَلِ" و"الجَرْحِ والتعديلِ"، وليسَ مِنْ تصنيفِ أبي حاتمٍ،

стр. 31

وإلاَّ لاشتَهَرَ، ولَذَكَرَهُ ابنُهُ عبدُ الرحمنِ ونَقَلَ َمنه، واللهُ أعلمُ. ١٣) "العِلَلُ الكبيرُ" و"العِلَلُ الصغيرُ" كلاهما لأبي عيسى التِّرْمِذِيِّ محمدِ بنِ عيسى ابْنِ سَوْرَةَ (ت٢٧٩هـ) . ١٤) "العِلَلُ في الحديث" لأبي زُرْعة عبد الرحمن بن عمرو بن عبد الله النَّصْري (ت٢٨١هـ) (١) . ١٥) "عِلَلُ حديثِ الزُّهْريِّ" لأبي بكرٍ أحمدَ بنِ عمرِو بنِ أَبِي عاصمٍ (ت٢٨٧هـ) ؛ كذا سَمَّاه هو في بعضِ المواضعِ من كتابِه "الآحاد والمثاني" (٢) ، وسَمَّاه في موضعٍ آخَرَ: "عِلَلَ الحديثِ" (٣) ، وسَمَّاه في أكثرِ المواضعِ: "العِلَلَ" (٤) ، وهو كتابٌ واحدٌ فيما يَظْهَرُ؛ بدليلِ أنَّ أكثرَ المواضعِ يكونُ الحديثُ المذكورُ فيها مِنْ روايةِ الزُّهْريِّ، واللهُ أعلمُ. ١٦) "الْمُسْنَدُ الكبيرُ الْمُعَلَّلُ" لأبي بكرٍ أحمدَ بنِ عَمْرِو بنِ عبدِالخالقِ البَزَّارِ (ت٢٩٢هـ) (٥) . ١٧) "العِلَلُ" لأبي عليٍّ الْبَلْخيِّ عبدِ اللهِ ابنِ محمَّدٍ (ت٢٩٤هـ) . ١٨) "العِلَلُ" لأبي إسحاقَ إبراهيمَ بنِ أبي طالبٍ النَّيْسَابُوريِّ (ت٢٩٥هـ) . ١٩) "مُسْنَدُ حديثِ الزُّهْرِيِّ بِعِلَلِهِ، والكلامُ عليه" تأليفُ أبي

стр. 32

عبدِالرحمنِ أحمدَ بنِ شُعَيْبٍ النَّسَائيِّ (ت٣٠٣هـ) (١) . ٢٠) "العِلَلُ" لزكريَّا بنِ يحيى السَّاجِيِّ (ت٣٠٧هـ) . ٢١) "الْمُسْنَدُ الْمُعَلَّلُ" لأبي العباسِ الوليدِ ابنِ أَبَانَ بنِ بُوْنَةَ الأَصْبَهَانيِّ (ت٣١٠هـ، وقيل: ٣٠٨هـ) (٢) . ٢٢) "العِلَلُ" للخَلاَّلِ أحمدَ بنِ محمدِ بنِ هارونَ (ت٣١١هـ) . ٢٣) "عِلَلُ الأحاديثِ في صحيحِ مسلمٍ" لابنِ عَمَّارٍ الشَّهِيدِ محمدِ بنِ أبي الحُسَيْنِ الجَارُودِيِّ، أبي الفضلِ الهَرَوِيِّ (ت٣١٧هـ) . ٢٤) "العِلَلُ" لعبدِ الرحمنِ بنِ أبي حاتمٍ الرازيِّ (ت٣٢٧هـ) ، وهو كتابُنَا هذا. ٢٥) "العِلَلُ" لأبي عليٍّ الحُسَيْنِ بنِ عليٍّ النَّيْسَابُوريِّ (ت٣٤٩هـ) . ٢٦) مصنَّفاتُ ابنِ حِبَّانَ محمَّدِ بنِ حِبَّانَ أبي حاتمٍ البُسْتيِّ (ت٣٥٤هـ) في العِلَلِ، وهي كثيرةٌ، وقد انتقى الخطيبُ البَغْدَاديُّ منها جُمْلَةً فذَكَرَهَا، مع أنه لم يَرَهَا، وإنما اعتمَدَ على ذِكْرِ مسعودٍ السِّجْزيِّ لها؛ قال في "الجامع، لأخلاقِ الراوي وآدابِ السامع" (٣) : «ومِنَ

стр. 33

الكُتُبِ التي تَكْثُرُ منافعُهَا- إنْ كانتْ على قَدْرِ ما تَرْجَمَهَا به واضعُهَا- مصنَّفاتُ أبي حاتمٍ محمدِ بنِ حِبَّانَ البُسْتيِّ التي ذَكَرَهَا لي مسعودُ ابنُ ناصرٍ السِّجْزِيُّ، وأوقَفَنِي على تَذْكِرَةٍ بِأَسَامِيهَا، ولم يُقَدَّرْ ليَ الوصولُ إلى النَّظَرِ فيها؛ لأنَّها غيرُ موجودةٍ بيننا، ولا معروفةٍ عندنا، وأنا أَذْكُرُ منها ما استحسنتُهُ، سوى ما عَدَلْتُ عنه واطَّرَحْتُهُ؛ فمِنْ ذلك: … كتابُ "عِلَلِ أوهامِ أصحابِ التواريخِ" عَشَرَةُ أجزاءٍ، كتابُ "عِلَلِ حديثِ الزُّهْرِيِّ" عشرون جُزْءًا، كتابُ "عِلَلِ حديثِ مالكِ بنِ أنسٍ" عَشَرَةُ أجزاءٍ، كتابُ "عِلَلِ مناقبِ أبي حَنِيفةَ ومَثَالبِهِ" عَشَرَةُ أجزاءٍ، كتابُ "عِلَلِ ما أَسْنَدَ أبو حنيفةُ" عَشَرةُ أجزاءٍ، كتابُ "ما خالَفَ الثَّوْرِيُّ شُعْبةَ" ثلاثةُ أجزاءٍ، كتابُ "ما خالَفَ شُعْبةُ الثَّوْرِيَّ" جزءان … » . قال الخطيبُ: «سألتُ مسعودَ بنَ ناصرٍ فقلتُ له: أَكُلُّ هذه الكُتُبِ موجودةٌ عِنْدَكُمْ ومقدورٌ عليها ببلادِكم؟ فقال: لا؛ إنما يُوجَدُ منها الشيءُ اليسير، والنَّزْرُ الحقير، قال: وقد كان أبو حاتمِ بنُ حِبَّانَ سَبَّلَ كُتُبَهُ ووَقَفَهَا وجَمَعَهَا في دارٍ رَسَمَهَا بها، فكان السَّبَبَ في ذَهَابِهَا- مع تطاولِ الزمانِ - ضَعْفُ أمرِ السلطانِ، واستيلاءُ ذوي العَبَثِ والفَسَادِ، على أهلِ تلك البِلَادِ. قال أبو بكر (١) : مِثْلُ هذه الكُتُبِ الجليلةِ كان يَجِبُ أن يَكْثُرَ لها النَّسْخُ، ويَتنافَسَ فيها أهلُ العِلْمِ، ويَكْتبوها لأنفسِهِمْ، ويُخْلِدُوهَا

стр. 34

أحرازَهُمْ، ولا أَحْسَبُ المانعَ مِنْ ذلك إلا قِلَّةَ معرفةِ أَهْلِ تلك البلادِ لِمَحَلِّ العِلْمِ وفضلِهِ، وزُهْدَهُمْ فيه، ورَغْبَتَهُمْ عنه، وعَدَمَ بصيرتِهِمْ به، واللهُ أعلمُ» . اهـ. ٢٧) "الْمُسْنَدُ الكبيرُ الْمُعَلَّلُ" لأبي عليٍّ النَّيْسَابوريِّ الحُسَيْنِ بنِ محمَّدٍ الماسَرْجِسيِّ (ت٣٦٥هـ) . ٢٨) "العِلَلُ" لأبي الحُسَيْنِ محمدِ بنِ محمدِ بنِ يَعْقُوبَ النَّيْسَابوريِّ، الْمُقْرئ، الْحَجَّاجِيِّ (ت٣٦٨هـ) . ٢٩) "العِلَلُ" لأبي أحمدَ الحاكمِ محمدِ ابنِ محمدِ بنِ إسحاقَ النَّيْسَابوريِّ (ت٣٧٨هـ) . ٣٠) "العِلَلُ" لأبي الْحَسَنِ عليِّ بنِ عُمَرَ الدَّارَقُطْنِيِّ (ت٣٨٥هـ) . ٣١) "الأجوبةُ" لأبي مسعودٍ الدِّمَشْقِيِّ إبراهيمَ بنِ محمدِ بنِ عُبَيْدٍ (ت٤٠١هـ) . ٣٢) "العِلَلُ" لأبي عبدِ اللهِ الحاكمِ محمدِ ابنِ عبدِ اللهِ النيسابوريِّ (ت٤٠٥هـ) . ٣٣) "الفَصْلُ لِلوَصْل، الْمُدْرَجِ في النَّقْل"، و"تمييزُ الْمَزِيدِ في مُتَّصِلِ الأسانيدِ" كلاهما للخطيبِ البغداديِّ أحمدَ بنِ عليِّ بنِ ثابتٍ (ت٤٦٣هـ) .

стр. 35

تَعْرِيفُ العِلَّةِ لُغَةً العِلَّةُ في لُغَةِ العَرَبِ: المَرَضُ؛ ويقال لمن أَعَلَّهُ اللهُ بِمَرَض: مُعَلٌّ، وعَلِيلٌ (١) . قال ابن منظور (٢) : «وقد اعْتَلَّ العَليلُ عِلَّةً صَعْبةً، والعِلَّةُ: المَرَضُ، عَلَّ يَعِلُّ، واعْتَلَّ، أي: مَرِضَ، فهو عَليلٌ، وأَعَلَّهُ اللهُ، ولا أعَلَّكَ الله، أي: لا أصابَكَ بعِلَّة» . واختُلِفَ في جواز إطلاق «مَعْلول» على الحديثِ الذي فيه عِلَّةٌ: فالمُحَدِّثون يُسَمُّون كلَّ ما يَقْدَحُ في الحديث عِلَّةً؛ أَخْذًا من المعنى اللغويِّ، ويقولون عن الحديثِ الذي فيه عِلَّةٌ: «مَعْلولٌ» ، ومثلهم الفقهاء والأصوليون؛ يقولون في باب القياسِ وغيرِهِ: «العِلَّةُ، والمَعْلول» (٣) . وأنكَرَ هذا عليهم بعضُ علماء اللغة، وتَبِعهم متأخِّرو أهل

стр. 36

الحديث؛ كابنِ الصلاحِ ومَنْ جاء بعده. فأوَّلُ مَنْ وَقَفنا على إنكاره قولَهُمْ: «مَعْلولٌ» : هو الحريريُّ (ت٥١٦هـ) في كتابه "دُرَّة الغوَّاص، في أوهام الخَوَاصّ" (١) ؛ حين قال: «ويقولون للعليل: هو مَعْلولٌ، فَيُخْطِئون فيه؛ لأنَّ المَعْلول: هو الذي سُقِيَ الْعَلَلَ، وهو الشُّرْبُ الثاني، والفعلُ منه: عَلَلْتُهُ. فأمَّا المفعولُ من العِلَّة: فهو مُعَلٌّ، وقد أَعَلَّه اللهُ تعالى» . وقال ابنُ مَكِّيٍّ الصِّقِلِّيُّ (٢) : «ويقولون: رجلٌ مَعْلولٌ، وكلامٌ مَعْلولٌ، والصوابُ: مُعَلٌّ» . ثم جاء ابن الصلاح فجعله مَرْذولاً، فقال (٣) : «ويُسَمِّيه أهلُ الحديث: المَعْلولَ؛ وذلك منهم - ومن الفقهاء في قولهم في باب القياس: «العِلَّة، والمَعْلول» - مَرْذولٌ عند أهل العربية واللغة» . ثم جاء النوويُّ فعدَّه لَحْنًا، فقال (٤) : «ويُسَمُّونه: المَعْلولَ؛ وهو لحنٌ» . وأقرَّه السُّيُوطي في "شرحه" (٥) ، ودلَّل على ذلك بقوله: «لأنَّ اسمَ المفعولِ مِنْ «أَعَلَّ» الرباعيِّ لا يأتي على «مفعول» » . اهـ. وكذا

стр. 37

قال! وقد استعملَهُ هو في كثير من كتبه (١) ، ومنها: "هَمْعُ الهوامع" (٢) . وقال الفيروز آبادي (٣) : «والعِلَّةُ - بالكسر -: المَرَضُ، عَلَّ يَعِلُّ واعْتَلَّ وأَعَلَّهُ اللهُ تعالى؛ فهو مُعَلٌّ وعَلِيلٌ، ولا تقل: مَعْلولٌ، والمتكلِّمون يقولونها، ولستُ منه على ثَلَج» . اهـ. فكأنه متوقِّف فيها، مائلٌ إلى تخطئتها. والفيروز آبادي في هذا متابع لابن سِيده الذي نقلَ (٤) استعمالَ الزَّجَّاجِ لها في بحر المتقارِبِ من العَروض، ثم قال: «وأَرَى هذا إنما هو على طَرْحِ الزائد؛ كأنه جاء على «عُلَّ» ، وإنْ لم يُلْفَظْ به، وإلا فلا وجه له، والمتكلِّمون يَسْتعملون لفظةَ «المَعْلول» في هذا كثيرًا، وبالجملةِ فلستُ منها على ثقةٍ ولا ثَلَجٍ؛ لأنَّ المعروف إنما هو: أَعَلَّهُ اللهُ، فهو مُعَلٌّ، اللهمَّ إلا أنْ يكونَ على ما ذهَبَ إليه سيبَوَيْهِ مِنْ قولهم: «مَجْنونٌ ومَسْلولٌ» ؛ مِنْ أنه جاء على جَنَنْتُهُ وسَلَلْتُهُ، وإنْ لم يُستعملا في الكلامِ؛ استُغني عنهما بـ «أَفْعَلْتُ» . اهـ. وخلاصةُ ما تقدَّم من كلامِ هؤلاء الأَئمَّة: أنَّ المَرَضَ يقالُ من

стр. 38

الرباعي فقط: «أَعَلَّهُ» ، فهو «مُعَلٌّ» ، ولا يقالُ من الثلاثي: «عُلَّ» أو «عَلَّهُ» ، فهو «مَعْلول» إلا في الشُّرْبِ فقطْ؛ كما في قولِ كعب بن زُهَيْر ح في قصيدتِهِ المشهورة «بانت سعاد» (١) : تَجْلُو عوارضَ ذي ظَلْمٍ إذا ابتسَمَتْ كأنَّه مُنْهَلٌ بِالرَّاحِ مَعْلولُ (٢) وما ذكره هؤلاءِ الأَئمَّةُ مُتَعَقَّبٌ بأنه وقَعَ في كلامِ كثيرٍ ممَّن يُوثَقُ به مِنْ أهلِ العلم والعربية: فهذا الخليلُ بنُ أحمد الفَراهِيدي شيخُ سِيبوَيْهِ استعمَلَ لفظَ «المَعْلول» من العِلَّة في علم العَروض الذي اخترعَهُ، وهذا معروفٌ ومشهورٌ في كتب العَروضيين في بابِ الزِّحافات والعلل، ونقله أيضًا ابنُ سيِّد الناسِ في "سيرته" (٣) . وهذا أبو إسحاقَ الزَّجَّاجُ استعمَلَ لفظَ «المَعْلول» في المتقارب

стр. 39

من بحور العَروض، وهو مِنَ العِلَّة؛ كما تقدَّم نقله عن ابن سِيدَه. وهذا ابنُ القُوطِيَّة يقول (١) : «عُلَّ الإنسانُ عِلَّةً: مَرِضَ، وعَلَلْتُهُ بالشَّرَابِ عَلًّا وعَلَلاً: سقيتُهُ بعد نَهَلٍ» . وكذلك ذكَرَ «عُلَّ» من العِلَّة كُلٌّ من السَّرَقُسْطي (٢) ، وابن القَطَّاع (٣) . وإذا صَحَّ مجيءُ الثلاثيِّ بمعنى العِلَّة والمرض، صَحَّ اشتقاق «مَعْلول» منه قياسًا بلا خلاف عند الصرفيين؛ تقول: قُتِلَ زيدٌ، فهو مقتولٌ، وضُرِبَ، فهو مضروبٌ، وعُلِمَ الأَمرُ، فهو معلوم، وهكذا. وكلٌّ من ابن القُوطِية والسَّرَقُسْطي وابن القَطَّاع ذكَرَ الفعلَ الثلاثيَّ في المَرَضِ والشُّرْب، فيكونُ «مَعْلولٌ» بمعنى: مريض به عِلَّة، وبمعنى: مَنْ شَرِبَ مرَّة بعد مرَّة. وذكَرَ ذلك أيضًا محمَّد بن المستنير المعروفُ بقُطْرُب تلميذُ سيبوَيْهِ في كتابه "فَعَلْتُ وأَفْعَلْتُ"، واللَّبْلي؛ على ما نقله الزركشي (٤) عنهما. وكذلك الجَوْهَري (٥) حين قال: «عُلَّ الشَّيْءُ، فهو مَعْلولٌ» :

стр. 40

فقولُهُ: «الشيء» : دليلٌ على أنه يريدُ العِلَّةَ بمعنى المَرَض، لا بمعنى الشُّرْب، وإلا لقال: «عُلَّ الإنسانُ أو الحَيَوان» ، والله أعلم. وقد ذكَرَ الزركشيُّ (١) كلامَ ابنِ الصلاح، والحَرِيري، وابنِ سِيدَه، ثم تعقَّبَهم بقوله: «الصوابُ أنه يجوز أنْ يقال: «عَلَّهُ» فهو «مَعْلول» ؛ من العِلَّة والاعتلال، إلا أنه قليلٌ، ومنهم مَنْ نَصَّ على أنه فِعْلٌ ثلاثي» ، ثم ذكر كلام ابن القوطية وغيره. وإلى الجوازِ أيضًا ذهَبَ ابنُ هِشَام في شَرْحه لقصيدة «بانتْ سُعَاد» (٢) . وقال الفَيُّومي (٣) : «عُلَّ الإنسانُ - بالبناء للمفعول -: مَرِضَ، ومنهم من يبنيه للفاعل، من بابِ ضَرَبَ؛ فيكونُ المتعدِّي مِنْ بابِ قتَلَ، فهو «عليلٌ» ، و «العِلَّةُ» : المَرَضُ الشاغلُ، والجمع: «عِلَل» ، مثلُ: سِدْرةٍ، وسِدَرٍ، و «أَعَلَّه اللهُ» ، فهو «مَعْلول» ، قيل: من النوادر التي جاءتْ على غير قياس، وليس كذلك؛ فإنه من تداخُل اللغتَين (٤) ، والأصل: «أَعَلَّه اللهُ» ، فـ «عُلَّ» ، فهو «مَعْلول» ، أو مِنْ «عَلَّهُ» فيكون على القياس. وجاء «مُعَلٌّ» على القياس، لكنَّه قليل الاستعمال، و «اعْتَلّ» : إذا مَرِضَ» .
следующие страницы →