← Иляль хадиса

Иляль хадиса · id 1350

العلل لابن أبي حاتم ت الحميد

ابن أبي حاتم

Полный текст (4 011 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

الحديث؛ كابنِ الصلاحِ ومَنْ جاء بعده. فأوَّلُ مَنْ وَقَفنا على إنكاره قولَهُمْ: «مَعْلولٌ» : هو الحريريُّ (ت٥١٦هـ) في كتابه "دُرَّة الغوَّاص، في أوهام الخَوَاصّ" (١) ؛ حين قال: «ويقولون للعليل: هو مَعْلولٌ، فَيُخْطِئون فيه؛ لأنَّ المَعْلول: هو الذي سُقِيَ الْعَلَلَ، وهو الشُّرْبُ الثاني، والفعلُ منه: عَلَلْتُهُ. فأمَّا المفعولُ من العِلَّة: فهو مُعَلٌّ، وقد أَعَلَّه اللهُ تعالى» . وقال ابنُ مَكِّيٍّ الصِّقِلِّيُّ (٢) : «ويقولون: رجلٌ مَعْلولٌ، وكلامٌ مَعْلولٌ، والصوابُ: مُعَلٌّ» . ثم جاء ابن الصلاح فجعله مَرْذولاً، فقال (٣) : «ويُسَمِّيه أهلُ الحديث: المَعْلولَ؛ وذلك منهم - ومن الفقهاء في قولهم في باب القياس: «العِلَّة، والمَعْلول» - مَرْذولٌ عند أهل العربية واللغة» . ثم جاء النوويُّ فعدَّه لَحْنًا، فقال (٤) : «ويُسَمُّونه: المَعْلولَ؛ وهو لحنٌ» . وأقرَّه السُّيُوطي في "شرحه" (٥) ، ودلَّل على ذلك بقوله: «لأنَّ اسمَ المفعولِ مِنْ «أَعَلَّ» الرباعيِّ لا يأتي على «مفعول» » . اهـ. وكذا

стр. 37

قال! وقد استعملَهُ هو في كثير من كتبه (١) ، ومنها: "هَمْعُ الهوامع" (٢) . وقال الفيروز آبادي (٣) : «والعِلَّةُ - بالكسر -: المَرَضُ، عَلَّ يَعِلُّ واعْتَلَّ وأَعَلَّهُ اللهُ تعالى؛ فهو مُعَلٌّ وعَلِيلٌ، ولا تقل: مَعْلولٌ، والمتكلِّمون يقولونها، ولستُ منه على ثَلَج» . اهـ. فكأنه متوقِّف فيها، مائلٌ إلى تخطئتها. والفيروز آبادي في هذا متابع لابن سِيده الذي نقلَ (٤) استعمالَ الزَّجَّاجِ لها في بحر المتقارِبِ من العَروض، ثم قال: «وأَرَى هذا إنما هو على طَرْحِ الزائد؛ كأنه جاء على «عُلَّ» ، وإنْ لم يُلْفَظْ به، وإلا فلا وجه له، والمتكلِّمون يَسْتعملون لفظةَ «المَعْلول» في هذا كثيرًا، وبالجملةِ فلستُ منها على ثقةٍ ولا ثَلَجٍ؛ لأنَّ المعروف إنما هو: أَعَلَّهُ اللهُ، فهو مُعَلٌّ، اللهمَّ إلا أنْ يكونَ على ما ذهَبَ إليه سيبَوَيْهِ مِنْ قولهم: «مَجْنونٌ ومَسْلولٌ» ؛ مِنْ أنه جاء على جَنَنْتُهُ وسَلَلْتُهُ، وإنْ لم يُستعملا في الكلامِ؛ استُغني عنهما بـ «أَفْعَلْتُ» . اهـ. وخلاصةُ ما تقدَّم من كلامِ هؤلاء الأَئمَّة: أنَّ المَرَضَ يقالُ من

стр. 38

الرباعي فقط: «أَعَلَّهُ» ، فهو «مُعَلٌّ» ، ولا يقالُ من الثلاثي: «عُلَّ» أو «عَلَّهُ» ، فهو «مَعْلول» إلا في الشُّرْبِ فقطْ؛ كما في قولِ كعب بن زُهَيْر ح في قصيدتِهِ المشهورة «بانت سعاد» (١) : تَجْلُو عوارضَ ذي ظَلْمٍ إذا ابتسَمَتْ كأنَّه مُنْهَلٌ بِالرَّاحِ مَعْلولُ (٢) وما ذكره هؤلاءِ الأَئمَّةُ مُتَعَقَّبٌ بأنه وقَعَ في كلامِ كثيرٍ ممَّن يُوثَقُ به مِنْ أهلِ العلم والعربية: فهذا الخليلُ بنُ أحمد الفَراهِيدي شيخُ سِيبوَيْهِ استعمَلَ لفظَ «المَعْلول» من العِلَّة في علم العَروض الذي اخترعَهُ، وهذا معروفٌ ومشهورٌ في كتب العَروضيين في بابِ الزِّحافات والعلل، ونقله أيضًا ابنُ سيِّد الناسِ في "سيرته" (٣) . وهذا أبو إسحاقَ الزَّجَّاجُ استعمَلَ لفظَ «المَعْلول» في المتقارب

стр. 39

من بحور العَروض، وهو مِنَ العِلَّة؛ كما تقدَّم نقله عن ابن سِيدَه. وهذا ابنُ القُوطِيَّة يقول (١) : «عُلَّ الإنسانُ عِلَّةً: مَرِضَ، وعَلَلْتُهُ بالشَّرَابِ عَلًّا وعَلَلاً: سقيتُهُ بعد نَهَلٍ» . وكذلك ذكَرَ «عُلَّ» من العِلَّة كُلٌّ من السَّرَقُسْطي (٢) ، وابن القَطَّاع (٣) . وإذا صَحَّ مجيءُ الثلاثيِّ بمعنى العِلَّة والمرض، صَحَّ اشتقاق «مَعْلول» منه قياسًا بلا خلاف عند الصرفيين؛ تقول: قُتِلَ زيدٌ، فهو مقتولٌ، وضُرِبَ، فهو مضروبٌ، وعُلِمَ الأَمرُ، فهو معلوم، وهكذا. وكلٌّ من ابن القُوطِية والسَّرَقُسْطي وابن القَطَّاع ذكَرَ الفعلَ الثلاثيَّ في المَرَضِ والشُّرْب، فيكونُ «مَعْلولٌ» بمعنى: مريض به عِلَّة، وبمعنى: مَنْ شَرِبَ مرَّة بعد مرَّة. وذكَرَ ذلك أيضًا محمَّد بن المستنير المعروفُ بقُطْرُب تلميذُ سيبوَيْهِ في كتابه "فَعَلْتُ وأَفْعَلْتُ"، واللَّبْلي؛ على ما نقله الزركشي (٤) عنهما. وكذلك الجَوْهَري (٥) حين قال: «عُلَّ الشَّيْءُ، فهو مَعْلولٌ» :

стр. 40

فقولُهُ: «الشيء» : دليلٌ على أنه يريدُ العِلَّةَ بمعنى المَرَض، لا بمعنى الشُّرْب، وإلا لقال: «عُلَّ الإنسانُ أو الحَيَوان» ، والله أعلم. وقد ذكَرَ الزركشيُّ (١) كلامَ ابنِ الصلاح، والحَرِيري، وابنِ سِيدَه، ثم تعقَّبَهم بقوله: «الصوابُ أنه يجوز أنْ يقال: «عَلَّهُ» فهو «مَعْلول» ؛ من العِلَّة والاعتلال، إلا أنه قليلٌ، ومنهم مَنْ نَصَّ على أنه فِعْلٌ ثلاثي» ، ثم ذكر كلام ابن القوطية وغيره. وإلى الجوازِ أيضًا ذهَبَ ابنُ هِشَام في شَرْحه لقصيدة «بانتْ سُعَاد» (٢) . وقال الفَيُّومي (٣) : «عُلَّ الإنسانُ - بالبناء للمفعول -: مَرِضَ، ومنهم من يبنيه للفاعل، من بابِ ضَرَبَ؛ فيكونُ المتعدِّي مِنْ بابِ قتَلَ، فهو «عليلٌ» ، و «العِلَّةُ» : المَرَضُ الشاغلُ، والجمع: «عِلَل» ، مثلُ: سِدْرةٍ، وسِدَرٍ، و «أَعَلَّه اللهُ» ، فهو «مَعْلول» ، قيل: من النوادر التي جاءتْ على غير قياس، وليس كذلك؛ فإنه من تداخُل اللغتَين (٤) ، والأصل: «أَعَلَّه اللهُ» ، فـ «عُلَّ» ، فهو «مَعْلول» ، أو مِنْ «عَلَّهُ» فيكون على القياس. وجاء «مُعَلٌّ» على القياس، لكنَّه قليل الاستعمال، و «اعْتَلّ» : إذا مَرِضَ» .

стр. 41

وتعقَّب الشهابُ الخَفَاجيُّ (١) الحَرِيريَّ في إنكاره قولهم: «مَعْلول» بقوله: «هذا هو المعروفُ في اللغة، لكنَّ ما أنكره وقَعَ في كلام كثير ممَّن يوثق به من العلماء؛ كالمحدِّثين، والعَروضيين، والأصوليين» ، ثم ذكر كلام ابنِ سِيدَه المتقدِّم، ونَقْلَهُ عن أبي إسحاق الزَّجَّاج، كما أورَدَ كلامَ ابن الصلاح والنووي، ثم قال: «وقال ابنُ سيِّد الناس في "سيرته": إنه يُستعمَل «مَعْلول» من الإعلال أيضًا؛ كما يقول الخليلُ في العَروض، وقد حكاه ابن القُوطِيَّة، ولم يعرفْهُ ابن سِيدَه … وحكى السَّرَقُسْطي: أَبْرَزْتُهُ بمعنى أَظْهَرْتُهُ، فهو مَبْروز، ولا يقال: بَرَزْتُهُ، وأَعَلَّهُ اللهُ، فهو عَليل، وربما جاء مَعْلولٌ ومَسْقُومٌ قليلاً» . اهـ. وقد استعمَلَ لفظَ «مَعْلول» بمعنى المَرِيض وضدّ الصحيح: كثيرٌ ممَّن يوثق بهم في اللغة - سوى مَنْ تقدَّم ذكره منهم - كالإمام الشافعي (٢) ، وابنِ جِنِّيْ (٣) ، وابنِ السَّرَّاج (٤) ، والرُّمَّاني (٥) ، والْمُطَرِّزي (٦) ، وابنِ هشام (٧) ، والزَّبِيدي (٨) ، وغيرهم.

стр. 42

تَعْرِيفُ العِلَّةِ اصْطِلَاحًا يُعَرِّفُ علماءُ الحديث العِلَّةَ: بأنها أسبابٌ غامضةٌ خَفيَّةٌ قادحةٌ في صِحَّةِ الحديث، مع أنَّ الظاهرَ السلامةُ منها. ويعرِّفون الحديثَ المعلول: بأنه الذي اطُّلِعَ فيه على عِلَّةٍ تَقْدَحُ في صِحَّته، مع أنَّ الظاهرَ السلامةُ منها (١) . وعرَّفه الحافظُ العراقي (٢) مَرَّةً بنحو هذا التعريف، ونقَلَ البِقَاعي (٣) عن الحافظ ابن حجر أنه عرَّفه بقوله: «هو خبرٌ ظاهرُهُ السلامةُ، اطُّلِعَ فيه بعد التفتيش على قادحٍ» ، وهذا التعريفُ اختاره الحافظ السخاوي (٤) ، ولم يَنْسُبه إلى أحد، وهو الذي رجَّحه الدكتور همام سعيد (٥) ؛ لأنه تعريف جامعٌ مانع كما قال. ولِكَيْ تَتَحقَّقَ العِلَّةُ - على كلا التعريفين - لابُدَّ فيها من شرطين: أ - الغُمُوض والخَفَاء.

стр. 43

ب - القَدْحُ في صحَّة الحديث. أما الغُمُوضُ والخَفَاء: فإنَّ مَنْ ينظُرُ في طعونِ أهلِ العلم بالحديثِ في الأحاديثِ التي يضعِّفونها، يجدُ أنهم يُعِلُّونَ الحديث بأحد سببين: ١) إما سَقْط في الإسناد. ٢) أو طعن في الراوي (١) . وربَّما كان السقطُ أو الطعنُ في الراوي واضحًا جليًّا يدركه كلُّ أحد (٢) ، وربَّما كان خفيًّا لا يدركُهُ إلا الجهابذةُ (٣) ، وقد يُدْرِكه غيرهم

стр. 44

بجمعِ طرقِ الحديث (١) ، وتتبُّعِ الاختلاف، ومعرفةِ طريقةِ أهلِ الحديث بالترجيحِ وقرائنه، لكنَّ هذا لا يُخْرِجُهُ عن كونه خفيًّا. ويبدو أنَّ العلماء الذين عرَّفوا العِلَّةَ بالتعريف السابق حرَّروه - كما قال الحافظ ابن حجر (٢) - من كلام الحاكم (٣) ؛ فإنه قال: «وإنَّما يعلَّل الحديثُ مِنْ أوجُهٍ ليس للجَرْح فيها مَدْخَل، فإنَّ حديثَ المجروحِ ساقطٌ واهٍ، وعلَّةُ الحديث تكثُرُ في أحاديثِ الثِّقات، أنْ يحدِّثوا بحديثٍ له علة، فيخفَى عليهم عِلْمُهُ، فيصيرَ الحديثُ معلولاً، والحُجَّةُ فيه عندنا الحفظُ والفَهْمُ والمعرفةُ لا غير» . قال ابن حَجَرٍ عَقِبَ ذكره لكلام الحاكم هذا: «فعلى هذا لا يسمَّى الحديثُ المنقطعُ - مثلاً - معلولاً، ولا الحديثُ الذي راويه مجهولٌ أو مُضَعَّفٌ معلولاً، وإنما يسمى معلولاً إذا آل أمره إلى شيء مِنْ ذلك، مع كونِهِ ظاهرَ السَّلَامةِ مِنْ ذلك، وفي هذا رَدٌّ على مَنْ زعَمَ أنَّ المعلولَ يَشْمَلُ كلَّ مردود» .

стр. 45

وكان ابنُ الصلاح قد قال (١) : «ثم اعلَمْ أنه قد يُطْلَقُ اسمُ العِلَّةِ على غيرِ ما ذكرناه من باقي الأسبابِ القادحةِ في الحديث، المُخْرِجةِ له مِنْ حال الصحَّة إلى حال الضعف، المانعةِ مِنَ العمل به على ما هو مقتضى لفظِ العِلَّةِ في الأصل؛ ولذلك نَجِدُ في كتب عللِ الحديثِ الكثيرَ من الجَرْح بالكذب والغفلة وسوء الحفظ، ونحوِ ذلك من أنواع الجرح، وسمَّى الترمذي النَّسْخَ عِلَّةً من عِلَلِ الحديثِ (٢) . ثُمَّ إنَّ بعضَهم أطلَقَ اسم العِلَّة على ما ليس بقادح مِنْ وجوه الخلاف؛ نحو

стр. 46

إرسالِ مَنْ أرسَلَ الحديثَ الذي أسنده الثقةُ الضابط … » . وحاول الحافظُ ابن حجر التوفيقَ بين ما يقعُ في كلامِ بعض أهل العلم، وبين ما حقَّقه ابن الصلاح، فقال (١) : «مرادُه بذلك: أنَّ ما حقَّقه مِنْ تعريفِ المعلول قد يقع في كلامهم ما يخالفُهُ، وطريقُ التوفيق بين ما حقَّقه المصنِّف وبين ما يقعُ في كلامهم: أنَّ اسم العِلَّة إذا أُطْلِقَ على

стр. 47

حديثٍ لا يلزَمُ منه أن يُسَمَّى الحديثُ معلولاً اصطلاحًا؛ إذِ المعلولُ ما علَّته قادحةٌ خفيَّة، والعِلَّةُ أَعَمُّ من أن تكون قادحةً أو غير قادحة، خفيَّةً أو واضحة؛ ولهذا قال الحاكم: وإنما يُعَلُّ الحديثُ مِنْ أوجهٍ ليس فيها للجَرْحِ مَدْخَل. وأما قوله: «وسمَّى الترمذيُّ النسخَ عِلَّةً» : هو من تتمَّة هذا التنبيه؛ وذلك أنَّ مرادَ الترمذي: أنَّ الحديثَ المنسوخَ - مع صحَّته إسنادًا ومتنًا - طرَأَ عليه ما أوجَبَ عدمَ العملِ به (١) - وهو الناسخُ - ولا يلزم مِنْ ذلك أنْ يُسَمَّى المنسوخُ معلولاً اصطلاحًا كما قرَّرته، والله أعلم» . وما ذكره الحافظ ابن حجر _ح - من أنَّ اسمَ العِلَّة إذا أُطلِقَ على حديثٍ لا يلزم منه أن يُسَمَّى الحديثُ معلولاً اصطلاحًا؛ إذِ المعلولُ ما علَّته قادحةٌ خفيَّة، والعِلَّةُ أَعَمُّ من أن تكون قادحةً أو غير قادحة، خفيَّةً أو واضحة -: اجتهادٌ منه مخالِفٌ لما عليه عملُ أئمَّة الحديث، فكتُبُ العللِ التي صنَّفها الأئمَّة فيها توسُّعٌ في ذِكْرِ كلِّ ما يُعَلُّ به الحديثُ، وجَعْلِ ذلك في أبوابِ العِلَلِ التي يُرَدُّ بها الحديث (٢) ، حتى سمَّى ابن الجوزي كتابه: "العلل المتناهية"، وهي عللٌ ظاهرة كما لا يخفى على كل مَنْ طالعه، ولم نَجِدْ أحدًا منهم ذكر هذا الذي قاله الحافظ ابن حجر. وعليه: فالذي يظهر جوازُ إطلاق اسمِ العِلَّةِ على كلِّ قادحٍ في الحديث، سواءٌ كان ظاهرًا أو خَفِيًّا، في السند أو في المتن، وجوازُ تسمية الحديث الذي وجدت فيه العِلَّة: مَعْلولاً، أو مُعَلًّا، غيرَ أنَّ استعمالها في العِلَّةِ الخفيَّة أجودُ بعد أنِ استقرَّ الاصطلاحُ على ذلك عند كثير من أهلِ الحديث بعد ابن الصلاح، والله أعلم. وأما القدحُ في صحَّة الحديث: فَيُفْهَمُ منه أنَّ مِنَ العلل ما لا

стр. 48

يقدح في صحَّة الحديث، ويَعْنُونَ به متنَ الحديث، وأمَّا قَدْحُهَا في ذلك الإسنادِ خاصَّةً فلا اعتراضَ عليه. قال ابن الصلاح (١) : «ثم قد تقع العِلَّةُ في إسنادِ الحديث وهو الأكثر، وقد تقع في متنه. ثم ما يَقَعُ في الإسنادِ قد يَقْدَحُ في صِحَّةِ الإسنادِ والمتن جميعًا؛ كما في التعليلِ بالإرسال والوقف، وقد يقدَحُ في صحَّة الإسناد خاصَّةً من غير قدحٍ في صحَّة المتن. فمن أمثلة ما وقعتِ العِلَّةُ في إسناده من غير قدحٍ في المتن: ما رواه الثقة يَعْلَى بْنُ عُبَيد، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْري، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ (ص) قال: «البَيِّعَانِ بالخِيَار … » ، الحديث (٢) . فهذا إسناد متصلٌ بنقل العدل عن العدل، وهو معلَّل غير صحيح، والمَتْنُ على كلِّ حالٍ صحيحٌ. والعِلَّةُ في قوله: «عن عمرو بن دينار» ، إنما هو: «عن عبد الله بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ» ، هكذا رواه الأئمَّة مِنْ أصحاب سفيان عنه، فوَهِمَ يعلى بن عبيد، وعَدَلَ عن عبد الله بن دينار إلى عمرو بن دينار، وكلاهما ثقة» .

стр. 49

وللحافظ ابن حجر رأيٌ في العِلَّة الإسنادية، ذكر فيه أنها لا تَقْدَحُ - أحيانًا - حتى في الإسناد نفسه: قال _ح (١) : «إذا وقعتِ العِلَّةُ في الإسناد قد تَقْدَحُ، وقد لا تقدَحُ، وإذا قدَحَتْ فقد تخصُّهُ، وقد تستلزمُ القدحَ في المتن، وكذا القولُ في المَتْنِ سواء. فالأقسام على هذا ستة (٢) : ١ - فمثال ما وقعت العِلَّة في الإسناد ولم تقدح مطلقًا: ما يوجد مثلاً من حديثِ مُدَلِّسٍ بالعنعنة؛ فإنَّ ذلك عِلَّةٌ توجبُ التوقُّفَ عن قَبوله، فإذا وُجد من طريق أخرى قد صُرِّح فيها بالسماع؛ تبيَّن أنَّ العِلَّة غيرُ قادحة. وكذا إذا اختُلِفَ في الإسنادِ على بعضِ رواته؛ فإنَّ ظاهرَ ذلك يوجب التوقُّف عنه، فإنْ أمكنَ الجمعُ بينها على طريقِ أهلِ الحديث بالقرائنِ التي تَحُفُّ الإسنادَ، تبيَّنَ أنَّ تلك العِلَّةَ غيرُ قادحة (٣) . ٢ - ومثالُ ما وقعَتِ العِلَّةُ فيه في الإسنادِ وتقدَحُ فيه دون المتن: ما مثَّلَ به المصنِّفُ من إبدالِ رَاوٍ ثقةٍ براوٍ ثقة، وهو بِقِسْمِ المقلوبِ أليقُ؛ فإنْ أُبْدِلَ راوٍ ضعيفٌ براوٍ ثقة، وتبيَّن الوَهَمُ فيه، استلزَمَ القَدْحَ

стр. 50

في المتن أيضًا، إنْ لم يكنْ له طريقٌ أخرى صحيحة. ومِنْ أغمضِ ذلك أنْ يكونَ الضعيفُ موافقًا للثقةِ في نعته. ومثالُ ذلك ما وقَعَ لأبي أسامةَ حَمَّادِ بنِ أُسَامةَ الكُوفيِّ أحدِ الثقاتِ، عن عبد الرحمنِ ابنِ يَزِيدَ بنِ جابر، وهو مِنْ ثقاتِ الشاميِّين، قَدِمَ الكوفةَ، فكتَبَ عنه أهلُهَا، ولم يَسْمَعْ منه أبو أسامة، ثم قَدِمَ بعد ذلك الكوفةَ عبدُالرحمنِ بنُ يزيدَ بنِ تَمِيم، وهو مِنْ ضعفاء الشاميِّين، فَسَمِعَ منه أبو أسامة، وسأله عَنِ اسمه فقال: عبد الرحمن بن يزيد، فظَنَّ أبو أسامة أنه ابنُ جابر، فصار يحدِّث عنه وينسُبُهُ مِنْ قِبَلِ نفسه، فيقولُ: حدَّثنا عبدُالرحمنِ بنُ يَزِيدَ بنِ جابر، فوَقَعَتِ المناكيرُ في روايةِ أبي أسامة، عن ابن جابر، وهما ثقتان؛ فلم يَفْطَنْ لذلك إلا أهلُ النقد، فميَّزوا ذلك، ونَصُّوا عليه؛ كالبخاريِّ وأبي حاتمٍ وغيرِ واحد. ٣ - ومثالُ ما وقعَتِ العِلَّة في المتنِ دون الإِسناد، ولا تَقْدَحُ فيهما: ما وقَعَ من اختلافِ ألفاظٍ كثيرةٍ من أحاديثِ الصحيحَيْنِ إذا أمكَنَ رَدُّ الجميعِ إلى معنًى واحدٍ؛ فإنَّ القَدْحَ ينتفي عنها … ٤ - ومثالُ ما وقعَتِ العِلَّةُ فيه في المَتْن، واستلْزَمَتِ القَدْحَ في الإِسناد: ما يرويه راوٍ بالمعنى الذي ظنَّه (١) ، يكونُ خطأً (٢) ، والمرادُ

стр. 51

بلفظِ الحديثِ غيرُ ذلك؛ فإنَّ ذلك يَسْتلزِمُ القَدْحَ في الراوي، فيعلِّلُ الإِسنادَ. ٥ - ومثالُ ما وقَعَتِ العِلَّةُ في المتنِ دون الإِسناد: ما ذَكَرَهُ المصنِّفُ من أحدِ الألفاظِ الواردةِ في حديث أنس ح، وهي قوله: «لا يَذْكُرُونَ بِسْمِ اللهِ الرحمنِ الرَّحِيمِ فِي أَوَّلِ قِرَاءَةٍ وَلَا فِي آخِرِهَا» ؛ فإنَّ أصلَ الحديثِ في الصحيحَيْنِ؛ فلفظُ البخاريِّ: «كانوا يَفْتَتِحون بالحمدُ للهِ رَبِّ العالمين» . ولفظُ مسلم في روايةٍ له: نَفْيُ الجهرِ، وفي روايةٍ أخرى نفيُ القراءةِ، وقد تكلَّم شيخُنَا (١) على هذا الموضعِ بما لا مَزِيدَ في الحُسْنِ عليه، إلا أنَّ فيه مواضعَ تحتاجُ إلى التنبيهِ عليها … » إلى آخِرِ كلامِ الحافظِ ابنِ حَجَرٍ.

стр. 52

أَسْبَابُ الْعِلَّةِ في الحَدِيثِ تقدَّم أنَّ العِلَّة تطلق على الأسبابِ الظاهرة والخَفِيَّةِ التي تقدَحُ في صحةِ الحديث، وأنها في مُجْمَلِها تعود إلى سببين: أ - السَّقْط في الإسناد. ب - الطَّعْن في الراوي. فكلُّ عِلَّة يُعَلُّ بها الحديثُ داخلةٌ في أحد هذين السببَيْنِ ولا بُدَّ، غيرَ أنَّ السبَبَ قد يكون ظاهرًا يدركه كلُّ أحد، وقد يكون خفيًّا لا يدركه إلا الجهابذة، وقد يدركه غيرهم بجمعِ طرقِ الحديث، وتتبُّعِ الاختلافِ، ومعرفةِ طريقةِ أهل الحديث بالترجيحِ وقرائنِهِ؛ كما تقدَّم بيانه. وليس من مقصودنا هنا ذِكْرُ هذه العلل، سواءٌ كانتْ ظاهرةً أو خَفِيَّة، ولكنْ محاولةُ جَمْعِ الأسبابِ التي نشأَتْ عنها هذه العلل. ولم نَجِدْ أحدًا من الأئمَّة جمَعَ هذه الأسباب، أو تحدَّث عنها مجتمعةً، سوى أقوالٍ منثورة في كتب الرجال، وبعضِ كتبِ علوم الحديثِ، وأمثلةٍ في كتب العلل؛ يمكنُ جمعها منها. وكان قَصَبُ السَّبْقِ في هذا للدكتور همام سعيد في مقدمة تحقيقه لـ"شرح علل الترمذي" لابن رجب. وتتميَّزُ دراستُنَا لأسباب العلة هنا، من دراسته، بتهذيب وزيادات،

стр. 53

مع الشرح والتمثيل، والفرقُ بيِّن واضح لكلِّ من يوازن بينهما. وتقدَّم أنَّ عِلْمَ العللِ مبنيٌّ على أوهام الثقات، وذكرنا (١) قولَ شيخ الإسلام ابن تيميّة _ح: «وكما أنهم يَسْتشهدون ويَعْتبرون بحديثِ الذي فيه سوءُ حفظ، فإنَّهم أيضًا يضعِّفون مِنْ حديثِ الثقةِ الصدوقِ الضابطِ أشياءَ تبيَّن لهم أنه غَلِطَ فيها، بأمورٍ يَسْتدلُّون بها، ويُسَمُّون هذا: "عِلْمَ علل الحديث"، وهو مِنْ أشرف علومهم؛ بحيثُ يكون الحديثُ قد رواه ثقةٌ ضابطٌ وغَلِطَ فيه، وغَلَطُهُ فيه عُرِفَ إمَّا بسببٍ ظاهرٍ أو خفيٍّ» . ولذا ستكونُ هذه الأسبابُ مشمولةً بهذا السبب الأساس، وهو «أوهام الثقات» ، ومندرجةً تحته، ومآلها إليه؛ لأنه السبب الذي تكون به العِلَّةُ غامضةً خَفِيَّة - في الغالب - وإنْ شئتَ فقل: إنها صُوَرٌ لهذا السبب الرئيس، أو أسبابٌ لوقوعه. أما الأسبابُ التي تكون بها العِلَّة ظاهرة جلِيَّة فليستْ من مقصودنا هنا؛ كما ذكرنا سابقًا. والثقاتُ يتفاوتون في الحفظ والإتقان، بالإضافةِ للأسباب المُعِينة لهم على بلوغِ الدرجاتِ العُلْيا من استقامةِ الحديث: فمنهم ثقاتٌ ضابطون، جبالٌ في الحفظ والإتقان، هيَّأ اللهُ لهم من الأسبابِ ما جعلهم أئمَّةً في هذا الفن، يَشْهَدُ لهم به القاصي والداني.

стр. 54

ومنهم ثقاتٌ لهم مشاركةٌ في الحفظ والإتقان، لكنَّهم لم يبلغوا مكانةَ الطبقة السابقة. ومنهم ثقاتٌ لهم أوهامٌ وأخطاءٌ عَرَفها الأئمَّةُ وميَّزوها، فهم يقصِّرون في الحفظ عن الطبقة السابقة. وبين أفراد كُلِّ طبقةٍ تفاضُلٌ وتَمايُزٌ، وذلك فضلُ الله يؤتيه من يشاء. يقولُ الإمام مسلم بن الحجَّاج (١) وهو يتحدَّث عن الحفاظ، ووقوعِ الوَهَمِ منهم: «فمنهم الحافظُ المتقنُ الحِفْظِ المتوقِّي لما يلزمُ توقِّيه فيه، ومنهم المتساهِلُ الْمُشِيبُ حفظَهُ بتوهُّمٍ يتوهَّمه، أو تلقينٍ يُلَقَّنه مِنْ غيره، فيخلطُهُ بحفظه ثم لا يميِّزُهُ عن أدائه إلى غيره، ومنهم مَنْ هَمُّهُ حفظُ متونِ الأحاديث دون أسانيدها، فيتهاوَنُ بحفظِ الأثر؛ يتخرَّصُها مِنْ بُعْدٍ، فيحيلُهَا بالتوهُّمِ على قومٍ غير الذين أُدِّيَ إليه عنهم، وكلُّ ما قلنا مِنْ هذا في رواة الحديثِ ونُقَّالِ الأخبار فهو موجودٌ مستفيضٌ. ومما ذكَرْتُ لك مِنْ منازلهم في الحفظ ومراتبهم فيه، فليس من ناقلِ خبرٍ وحاملِ أثرٍ من السلف الماضين إلى زماننا - وإنْ كان مِنْ أحفَظِ الناسِ وأشدِّهم توقِّيًا وإتقانًا لِمَا يَحْفَظُ ويَنْقُلُ - إلا الغلَطُ والسَّهْوُ ممكنٌ في حفظه ونقله، فكيف بِمَنْ وصفتُ لك؟!» . اهـ.

стр. 55

وهذه الأوهامُ التي تقع مِنْ هؤلاءِ الثقاتِ تقعُ بأسباب؛ ستكونُ هي موضوعَ بحثنا هنا؛ لأنها هي أسبابُ وقوعِ العِلَّة، وهي على الإجمال: ١- الخَطَأُ والزَّلَلُ. ٢- النِّسْيَانُ. ٣- التَّوَقِّي والاِحْتِرَازُ. ٤- أَخْذُ الحَدِيثِ حَالَ المُذَاكَرَةِ. ٥- كَسَلُ الرَّاوِي. ٦- التَّصْحِيفُ. ٧- انْتِقَالُ البَصَرِ. ٨- التَّفَرُّدُ. ٩- التَّدْلِيسُ. ١٠- سُلُوكُ الْجَادَّةِ. ١١- التَّلْقِينُ. ١٢- الإِدْخَالُ عَلَى الشُّيُوخِ. ١٣- اخْتِصَارُ الْحَدِيثِ، وَالرِّوَايَةُ بِالْمَعْنَى. ١٤- جَمْعُ حَدِيثِ الشُّيُوخِ بِسِيَاقٍ وَاحِدٍ. ١٥- مَنْ حَدَّثَ عَنْ ضَعِيفٍ، فَاشْتَبَهَ عَلَيْهِ بِثِقَةٍ.

стр. 56

وإليك تفصيلَ ما أُجْمِلَ من الأسبابِالتي هي موضوعُ حديثنا: ١) الخَطَأُ والزَّلَلُ: الثقاتُ جميعُهُمْ بَشَرٌ يُخْطِئون ويُصِيبون، وقد وقع الخطأُ مِنْ كبار الطبقة الأولى، فمِنْ باب أولى أن يَقَعَ ممَّن دونهم، فهذا سببٌ لا ينفكُّ عنه بشر، وقد عقَدَ له ابنُ مُفْلِحٍ فصلاً في "الآداب الشرعية" (١) بعنوان: «فَصْلٌ في خطأ الثقات، وكونِهِ لا يَسْلَمُ منه بشر» ، ثم أورد تحته بعض أقوال الأئمَّة الآتية. وذكَرَ الحافظُ ابن عبد البر (٢) حديث سهو النَّبيّ (ص) في الصلاة، ثم قال: «وفي هذا الحديثِ بيانُ أنَّ أحدًا لا يَسْلَمُ من الوَهَمِ والنِّسْيان؛ لأنه إذا اعتَرَى ذلك الأنبياءَ، فغيرُهُمْ بذلك أحرى» (٣) . وقال الإمام مالك: «ومَنْ ذا الذي لا يُخْطِئ؟!» (٤) . وقال عبد الله بن المبارك: «مَنْ ذا يَسْلَمُ من الوَهَمِ؟!» (٥) . وقال عبد الرحمن بن مهدي: «من يُبَرِّئْ نفسَهُ من الخطأ فهو مجنون» (٦) .

стр. 57

وقال البُوَيْطي: سمعتُ الشافعيَّ يقول: «قد أَلَّفْتُ هذه الكتبَ، ولم آلُ فيها، ولا بُدَّ أنْ يوجدَ فيها الخطأُ؛ إنَّ الله تعالى يقول: [النِّسَاء: ٨٢] ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ ، فما وَجَدتُّمْ في كتبي هذه مما يخالفُ الكتابَ والسُّنَّة، فقد رجَعْتُ عنه» (١) . وقال مُهَنَّا للإمام أحمد: كان غُنْدَرٌ يغلطُ؟ قال: «أليس هو من الناس؟!» (٢) . وقال حنبل: سمعتُ أبا عبد الله (٣) يقول: «ما رأيتُ أحدًا أَقَلَّ خطأ من يحيى بن سعيد - يعني القطان - ولقد أخطأ في أحاديث» . قال أبو عبد الله: «ومَنْ يَعْرَى من الخطأ والتصحيف؟!» (٤) . وذكَرَ عَبَّاس الدُّوري (٥) ، عَنْ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ؛ أَنَّهُ قال: «مَنْ لا يخطئ في الحديث، فهو كذَّاب» . وذُكِرَ عنه أيضًا (٦) أنه قال: «لستُ أعجَبُ ممَّن يحدِّث فيخطئ، إنما العَجَبُ ممَّن يحدِّث فيصيب» .

стр. 58

وقال التِّرْمِذي (١) : «وإنما تفاضَلَ أهلُ العلم بالحِفْظِ والإتقانِ والتثبيتِ عند السماع، مع أنه لم يَسْلَمْ من الخطأ والغلط كبيرُ أحدٍ من الأئمَّة، مع حفظهم» . وذكَرَ الذهبيُّ (٢) خطأً وقع لعبد الله بن عثمان الملقَّب بعَبْدان، ثم قال: «قلت: عَبْدَانُ حافظٌ صدوق، ومَنِ الذي يَسْلَمُ من الوَهَمِ؟!» . وذكَرَ في موضعٍ آخَرَ (٣) وَهَمًا وقع للدَّارَقُطْني، وعبد الغني بن سعيد، والخطيب البغدادي، وابن ماكولا، ثم قال: «فبَعْدَ هؤلاءِ الأعلامِ من يَسْلَمُ من الوَهَمِ؟!» . ومِنَ المتفق عليه بين أهل الحديث: أنَّ ابن شهاب الزُّهْري، وسفيانَ الثَّوْري، وشعبةَ ابنَ الحجَّاج، والإمامَ مالك بن أنس: من أشهرِ كبارِ الحفَّاظ، فإذا وقع الوَهَمُ منهم، فَمِنْ غيرهم أولى، وفيما يأتي ذكرُ بعض الأحاديث التي وَهِمَ فيها هؤلاءِ الحفاظُ: أولاً: ابنُ شهاب الزُّهْري: روى الزُّهْريُّ حديثَ أبي هريرة ح في السَّهْو في الصلاة من طريقِ أشياخه: سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَأَبِي سَلَمة بن عبد الرحمن، وأبي بَكْر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هِشَام، وعُبَيْد الله بن عبد الله بن

стр. 59

عُتْبة، وأبي بَكْر بن سُلَيْمان بن أبي حَثْمَة، كلُّهم عن أبي هريرة ح، وفيه ألفاظٌ مُسْتَنْكَرة، جعلَتْ أهلَ العلم بالحديثِ يُعِلُّونه مِنْ طريقِ الزُّهْري، ولم يُخْرِجه الشيخان، وأخرجه النسائي (١) مبيِّنًا عِلَّته، وأخرجَهُ ابنُ خُزَيْمة في "صحيحه" (٢) ، وأطال في بيان عِلَّته ومناقشتها، وأخرجه ابن حبان في "صحيحه" (٣) . وممَّن كشَفَ عِلَّةَ الحديثِ وأوضَحَهَا: الحافظُ ابنُ عبد البَرِّ حين قال (٤) : «وأمَّا قولُ الزُّهْري في هذا الحديث: إنه ذو الشِّمَالَيْن: فلم يُتابَعْ عليه، وحمَلَهُ الزُّهْري على أنه المقتولُ يوم بَدْر، وقد اضطُرِبَ على الزُّهْري في حديث ذي اليدَيْن اضطرابًا أوجبَ عند أهل العلم بالنقل تَرْكَهُ مِنْ روايته خاصَّة؛ لأنه مَرَّةً يرويه عن أبي بَكْر بن سليمان بن أبي حَثْمَة؛ قَالَ: بلغني أنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) ركَعَ ركعتين، هكذا حدَّث به عنه مالكٌ. وحدَّث به مالكٌ أيضًا عنه، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَأَبِي سَلَمة بِمِثْلِ حديثِهِ عن أبي بكر ابن سُلَيْمان بن أبي حَثْمة.

стр. 60

ورواه صالح بن كَيْسان عنه: أنَّ أبا بَكْر بن سليمان بن أبي حَثْمة أخبره: أَنَّهُ بَلَغَهُ: أنَّ رسولَ اللَّهِ (ص) صلَّى ركعتَيْن، ثم سلَّم، وذكَرَ الحديث، وقال فيه: فأَتَمَّ ما بَقِيَ مِنْ صلاتِهِ، ولم يَسْجُدِ السجدتَيْنِ اللتَيْنِ تُسْجَدان إذا شَكَّ الرجلُ في صلاتِهِ حين لقَّنه الرجل. قال صالح: قال ابن شهاب: فأخبرني هذا الخَبَرَ سعيدُ بنُ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هريرة، قال: وأخبرني به أبو سَلَمة بن عبد الرحمن، وأبو بكر بن عبد الرحمن، وعُبَيْدالله بن عبد الله. ورواه ابن إِسْحَاقَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وعُرْوة بْنِ الزُّبَيْر، وأبي بكر ابن سليمان بن أبي حَثْمة؛ قال: كُلٌّ قد حدَّثني بذلك؛ قالوا: صلَّى رسولُ اللهِ بالناسِ الظهر، فسلَّم من ركعتين … وذكر الحديث، وقال فيه الزُّهْري: ولم يُخْبِرني رجلٌ منهم أنَّ رسولَ اللهِ (ص) سجَدَ سجدتي السَّهْو، فكان ابنُ شهاب يقول: إذا عَرَفَ الرجلُ ما يبني مِنْ صلاته فأتمَّها، فليس عليه سجدتا السَّهْوِ؛ لهذا الحديثِ. وقال ابن جريج: حدَّثني ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي بَكْر بن سُلَيْمان بن أبي حَثْمة، وأبي سَلَمة ابن عبد الرحمن عمَّن يَقْنَعان بحديثه: أنَّ النَّبيَّ _ج صلَّى ركعتَيْنِ في صلاة الظهر - أو العصر - فقال له ذو الشمالين ابن عبد عمرو: يارسولَ الله، أَقَصُرَتِ الصلاةُ، أم نَسِيتَ؟ … وذكر الحديث.

стр. 61

ورواه معمر، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمة ابن عبد الرحمن، وأبي بَكْر بن سُلَيْمان بْنِ أَبِي حَثْمة، عَنْ أَبِي هريرة، وهذا اضطرابٌ عظيمٌ من ابن شهاب في حديث ذي اليدَيْنِ. وقال مسلم بن الحجَّاج في كتابه "التمييز" (١) : قولُ ابن شهاب: إنَّ رسولَ الله لم يَسْجُدْ يومَ ذي اليدَيْنِ سجدتَيِ السَّهْوِ خطأٌ وغلَطٌ، وقد ثبَتَ عن النَّبيّ _ج أنه سجَدَ سجدتَيِ السَّهْوِ ذلك اليومَ من أحاديثِ الثقاتِ؛ ابنِ سِيرِينَ وغيره. قال أبو عمر: لا أعلَمُ أحدًا مِنْ أهل العلمِ والحديث المصنِّفين فيه عَوَّلَ على حديث ابن شهاب في قِصَّةِ ذي اليدين؛ لاضطرابِهِ فيه، وأنه لم يُتِمَّ له إسنادًا ولا متنًا، وإنْ كان إمامًا عظيمًا في هذا الشأن، فالغلَطُ لا يَسْلَمُ منه أحدٌ، والكمالُ ليس لمخلوق، وكلُّ أحدٍ يؤخذُ مِنْ قولِهِ ويُتْرَك، إلا النَّبيَّ (ص) ، فليس قولُ ابن شهاب: إنه المقتولُ يومَ بَدْرٍ، حجَّةً؛ لأنه قد تبيَّن غلطُه في ذلك» . ثانيًا: سُفْيان الثَّوْري: ذكر ابن أبي حاتم (٢) أنه سأل أباه وَأَبَا زُرْعَةَ عَنْ حديثٍ رَوَاهُ سُفْيان الثَّوْري، عَنْ أَبِي الزِّناد، عَنِ الْمُرَقِّع بْنِ صَيْفِي، عَنْ حَنْظلة الْكَاتِبِ؛ قَالَ: لمَّا خرَجَ رسولُ الله (ص) فِي بعضِ مَغَازِيهِ نظَرَ إِلَى

стр. 62

امرأةٍ مقتولةٍ، فَقَالَ: «مَا كَانَتْ هَذِهِ تُقَاتِلُ!» ، فَنَهَى عَنْ قَتْلِ النساء والوِلْدان؟ قال: «قَالَ أَبِي وأَبُو زُرْعَةَ: هَذَا خطَأٌ؛ يُقَالُ: إنَّ هَذَا مِنْ وَهَمِ الثَّوْرِي؛ إِنَّمَا هُوَ الْمُرَقِّعُ بن صَيْفي، عن جَدِّهِ رِيَاح بْنِ الرَّبِيع أَخِي حَنْظَلَةَ، عَنِ النَّبيّ (ص) . كذا يرويه مغيرة ابن عبد الرحمن، وزياد بن سعد، وعبد الرحمن ابن أَبِي الزِّنَاد. قَالَ أَبِي: وَالصَّحِيحُ هذا» . ونقل ابن ماجه (١) عن ابن أبي شيبة قولَهُ: «يخطئ فيه الثَّوْري» . وقال البخاري (٢) -بعد ذكره للاختلاف-: «وقال الثَّوْري: عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ مرقِّع، عن حنظلة، وهذا وَهَمٌ» . وقال أبو عيسى الترمذي (٣) : «حديثُ سُفْيان هَذَا خطأٌ؛ إِنَّمَا هُوَ: عَنْ المرقِّع، عن رَبَاح بْنِ الرَّبِيعِ أَخِي حَنْظَلَةَ الكاتب، هكذا رواه غير واحد عن أبي الزناد. وسألتُ محمَّدًا (٤) عن هذا الحديث؟ فقال: رباح بن الربيع، ومن قال: رياح بن الربيع هو وَهَمٌ.

стр. 63

قال أبو عيسى: رَبَاح بن الربيع أَصَحُّ، وقد روى بعضُ ولد رَبَاح غيرَ هذا عن جده، وقال: رِيَاح بن الربيع، وهكذا قال عليُّ بن المديني: رِيَاح» . وقال الطحاوي (١) : «ولا نَعْلَمُ أحدًا تابَعَ الثوريَّ على روايته كذلك» . ثالثًا: شُعْبة بن الحَجَّاج: أخرج مسلم (٢) حديثًا من طريق شُعْبة، عن غَيْلان بن جَرِير؛ سمع عبد الله بْنِ مَعْبَدٍ الزِّمَّاني، عَنْ أَبِي قتادة الأنصاري ح: أنَّ رسول الله (ص) سُئِلَ عن صومه؟ قال: فغَضِبَ رسولُ الله (ص) ، فقال عمر ح: رضينا بِاللَّهِ رَبًّا، وبالإسلامِ دِينًا، وبمحمَّدٍ رَسُولاً … الحديثَ، وفيه أنه (ص) سُئِلَ عن صومِ يوم الإثنين؟ قال: «ذَاكَ يومٌ وُلِدتُّ فِيهِ، ويومٌ بُعِثْتُ - أو أُنزِلَ عليَّ - فيه» ، وسُئِل عن صومِ يومِ عَرَفَةَ؟ فقال: «يكفِّر السَّنَةَ الماضيةَ والباقية» ، قال: وسُئِلَ عن صوم يوم عاشوراء؟ فقال: «يُكَفِّرُ السَّنَةَ الماضية» . قال مسلم: «وفي هذا الحديثِ مِنْ رواية شُعْبة: قال: وسُئِلَ عن صوم يومِ الإثنين والخميس؟ فسكتنا عن ذكر الخميس؛ لما نراه وَهَمًا» .

стр. 64

ثم أخرجه مسلم من طُرُقٍ أخرى غير طريق شُعْبة، ليس فيها ذِكْرُ الخميس. مثال آخر: أخرَجَ الترمذي (١) حديثًا من طريق شُعْبة؛ قال: أخبرنا عبدُ رَبِّهِ بنُ سَعِيدٍ؛ قَالَ: سمعتُ أنس بن أبي أنس يحدِّث، عن عبد الله بْنِ نَافعِ بْنِ العَمْياء، عَنْ عبد الله بن الحارث، عن المطَّلِب: أنَّ رسولَ الله (ص) قال: «الصَّلَاةُ مَثْنَى مَثْنَى، تَشَهَّدُ في ركعتين، وتَباءَسُ، وتَمَسْكَنُ، وَتُقْنِعُ، وتقولُ: اللَّهُمَّ اللَّهُمَّ، فمَنْ لَمْ يفعَلْ ذَلِكَ فَهِيَ خِداج» . ثم قال الترمذي: «وقال اللَّيْثُ: أنا عبدُ ربِّه بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عِمْران بْنِ أَبِي أَنَسٍ، عَنْ عبد الله بْنِ نَافعِ بْنِ العَمْياء، عَنْ رَبِيعة بْن الْحَارِثِ، عَنِ الْفَضْلِ بن عباس» . قال الترمذي: «سمعتُ محمَّد بن إسماعيل (٢) يقول: روايةُ اللَّيْث ابن سعد أَصَحُّ من حديث شُعْبة، وشُعْبةُ أخطأَ في هذا الحديث في مواضع: فقال: عَنْ أَنَسِ بْنِ أَبِي أَنَسٍ، وإنما هو: عِمْران بْنِ أَبِي أَنَسٍ، وَقَالَ: عن عبد الله بن الحارث، وإنما هو: عن عبد الله ابن نافع، عن ربيعةَ بن الحارث، وربيعةُ بنُ الحارث هو: ابنُ المطَّلِب، فقال هو: عن المطَّلِب، ولم يذكُرْ فيه: عن الفضل بن العباس» .

стр. 65

وذكر ابن أبي حاتم (١) أنه سأل أباه عن اختلاف شُعْبة والليث في هذا الحديث؟ ثم قال: «قَالَ أَبِي: حديثُ اللَّيْثِ أَصَحُّ؛ لأنَّ أَنَسَ بْنَ أَبِي أنسٍ لا يُعْرَفُ، وعبدُاللهِ بنُ الْحَارِثِ لَيْسَ لَهُ مَعْنَى؛ إِنَّمَا هُوَ رَبِيعَةُ بْنُ الْحَارِثِ» . وقال في موضع آخر (٢) : «قال أَبِي: مَا يقولُ اللَّيْثُ أَصَحُّ؛ لأَنَّهُ قَدْ تابَعَ اللَّيْثَ عمرُو ابنُ الْحَارِثِ وابنُ لَهِيْعَة، وعمرٌو واللَّيْثُ كَانَا يَكْتُبان، وشعبةُ صاحبُ حِفْظٍ» . رابعًا: الإمام مالك: قال أبو محمَّد ابن أبي حاتم (٣) : «وسُئِل أَبُو زُرْعَةَ عَنْ حَدِيثِ مَالِكٌ، عَنِ الزُّهْري، عَنْ عَلِيِّ بنِ حُسَيْنٍ، عَنْ عُمَر بْنِ عُثْمان بْنِ عَفَّان، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ؛ أنَّ رسولَ اللَّهِ (ص) قَالَ: «لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ» ؟ قَالَ أَبُو زُرْعَةَ: الرواةُ يَقُولُونَ: عَمْرٌو، وَمَالِكُ يَقُولُ: عُمَرُ بْنُ عُثْمَانَ. قَالَ أَبُو محمَّد: أمَّا الرواةُ الَّذِينَ قَالُوا: عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ: فسفيانُ بنُ عُيَيْنَة، ويونسُ بن يزيد، عن الزُّهْري» .

стр. 66

وذكر ابن أبي حاتم أيضًا (١) عن عليِّ بن المَدِيني أنه قال: «سمعتُ يَحْيَى بنَ سَعِيد يَقُولُ: قال مالكٌ في حديث ابْنِ شِهَاب، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْن: عَنْ عُمَرَ بْنِ عُثْمَانَ، يعني: عَنْ أسامةَ بنِ زَيْدٍ، عَنْ النَّبيِّ (ص) : «لا يَرِثُ المُسْلِمُ الكافرَ» . قَالَ يحيى بن سعيد: فقلتُ لمالك: عمرو بن عثمان، فأبى أن يَرْجِعَ، وقال: قد كان لعثمانَ ابنٌ يقال له: عُمَر، هذه داره» . وذكر ابن عبد البر (٢) أنَّ الشافعي ويحيى القطان كانا يراجعانِهِ في هذا الحديث، فأبى أن يَرْجِعَ، وقال كما قال ليحيى بن سعيد. ثم قال ابن عبد البر: «ومالكٌ لا يكاد يُقَاسُ به غيرُهُ حفظًا وإتقانًا، لكنَّ الغَلَطَ لا يَسْلَمُ منه أحدٌ، وأهلُ الحديث يَأْبَوْنَ أن يكونَ في هذا الإسنادِ إلا عمرو - بالواو - وقال علي بن المَدِيني، عن سفيان بن عيينة: إنه قيل له: إنَّ مالكًا يقول - في حديث: «لا يَرِثُ المسلمُ الكافرَ» -: عمر بن عثمان، فقال سفيان: لقد سمعتُهُ من الزُّهْري كذا وكذا مَرَّةً، وتفقَّدته منه، فما قال إلا: عمرو بن عثمان» . ثم قال ابن عبد البر: «وممَّن تابَعَ ابنَ عيينة على قوله: عمرو بن عثمان: مَعْمَرٌ، وابنُ جريج، وعُقَيْلٌ، ويونس بْنُ يَزِيدَ، وشُعَيْب بْنُ أَبِي حمزة، والأوزاعيّ، والجماعةُ أولى أن يُسَلَّمَ لها» .

стр. 67

٢) النِّسْيَانُ: وهو من الأمور التي تعتري جميعَ الناس، وتقدَّم قولُ ابن عبد البر - في حديث سَهْوِ النَّبيّ (ص) -: «وفي هذا الحديثِ بيانٌ أنَّ أحدًا لا يَسْلَمُ من الوَهَمِ والنِّسْيان؛ لأنَّه إذا اعترَى ذلك الأنبياءَ، فغيْرُهُمْ بذلك أحرى» . وقال الأعمش (١) : «سمعتُ مِنْ أبي صالح (٢) أَلْفَ حديثٍ، ثم مَرِضْتُ فنسيتُ بعضَها» . وقال أَبُو مُوسَى مُحَمَّدُ بْنُ المثنَّى (٣) : «سمعتُ رِيَاحَ بنَ خالد يقول لِسُفْيان بن عُيَيْنة في مسجدِ الحرامِ (٤) سنة إحدى وتسعين: يا أبا محمَّد، أبو معاوية (٥) يحدِّث عنك بشيءٍ ليس تحفَظُهُ، ووكيعٌ يحدِّثُ عنك بشيءٍ ليس تحفظُهُ! فقال: صَدِّقهم؛ فإنِّي كنتُ قبل اليومِ أحفَظَ مني اليومَ» . وكان بعضُ المحدِّثين ربَّما حدَّث بالحديث، ثم نسيه، وأنكَرَ أنْ يكونَ حدَّث به: فمن ذلك: ما أخرجه مسلم (٦) ، من طريق سُفْيان بن عُيَيْنة، عن

стр. 68

عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي مَعْبَد (١) مولى ابن عباس: أنه سمعه يُخْبِرُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ قَالَ: مَا كُنَّا نعرفُ انقضاءَ صلاةِ رسولِ الله (ص) إلا بالتكبير. قال عمرو: فذكرتُ ذلك لأبي معبد، فأنكره، وقال: لم أحدِّثْكَ بهذا. قال عمرو: وقد أخبَرَنِيهِ قبل ذلك. وربَّما صاحَبَ إنكارَ الشيخِ خشونةُ لفظِ الراوي عنه في مقابل إنكارِ شيخه؛ كما حصَلَ من الأعمش مع حصين بن عبد الرحمن السُّلَمي: فقد أخرَجَ الخَطِيب (٢) ، من طريق أبي بَكْر ابن عَيَّاش، عن الأعمش، عن حُصَيْن بن عبد الرحمن، عن عبيد الله بن عبد الله بن عُتْبة ابن مسعود؛ قال: استدانَتْ ميمونةُ زَوْجُ النَّبيِّ (ص) ثلاثَ مِئَةِ درهمٍ ليس عندها وفاؤها، فنهيتُها عن ذلك! فقالتْ: إني سمعتُ رسولَ الله (ص) يقول: «مَنِ ادَّانَ دَيْنًا يريدُ أداءَهُ؛ أعانَهُ اللهُ عليه» . قال أبو بكر: «أتيتُ حُصَيْنًا أسمَعُ هذا منه، فقال: أنا لم أحدِّثِ الأعمشَ بهذا، فرجعتُ إلى الأعمشِ فأخبرتُهُ، فقال: كَذَبَ (٣) واللهِ! لقد حدَّثني» .

стр. 69

وربَّما نَسِيَ الشيخُ الحديثَ، ثم ذهَبَ يحدِّث به عن الراوي عنه، كما حصَلَ من سُهَيْل بن أبي صالح: قال الإمام الشافعي (١) : أخبرنا عبد العزيز ابن محمَّد الدَّرَاوَرْدي، عن رَبِيعة بن أبي عبد الرحمن، عَن سُهَيْل بْن أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أنَّ رسول الله (ص) قضَى باليمين مع الشاهد. قال عبد العزيز: فذكَرْتُ ذلك لسهيل، فقال: أخبَرَنِي ربيعةُ، عنِّي - وهو ثقة - أني حدَّثتُهُ إيَّاه، ولا أحفظه. قال عبد العزيز: وكان أصابَ سُهَيْلاً عِلَّةٌ أذهبَتْ بعضَ عَقْله، ونَسِيَ بعضَ حديثه، وكان سُهَيْلٌ يحدِّثه عن ربيعة، عنه، عن أبيه. وأخرجه أبو داود (٢) ، من طريق سُلَيْمان بن بِلَال التَّيْمي، عن ربيعة، وفيه يقولُ سليمان: فَلَقِيتُ سهيلاً، فسألتُهُ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ؟ فَقَالَ: مَا أعرفُهُ، فقلتُ له: إنَّ ربيعة أخبرني به عنك! قال: فإنْ كان ربيعةُ أخبرَكَ عني، فحدِّثْ به عن ربيعة، عنِّي. وقال ابن أبي حاتم (٣) : «قِيلَ لأَبِي: يَصِحُّ حديثُ أَبِي هريرة، عن النَّبيّ (ص) فِي الْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ؟ فوقَفَ وَقْفَةً، فَقَالَ: تَرَى الدَّرَاوَرْدِيَّ مَا يَقُولُ؟ يَعْنِي: قَوْلَهُ: قلتُ لسهيلٍ، فلم يعرفه.

стр. 70

قلت: فليس نِسْيَانُ سُهَيْلٍ دافعً (١) لِمَا حَكَى عنه ربيعةُ، وربيعةُ ثِقَةٌ، والرجلُ يُحَدِّث بالحديثِ وَيَنْسَى. قَالَ: أجلْ هَكَذَا هُوَ، ولكنْ لَمْ نَرَ أنْ يَتْبَعَهُ متابعٌ عَلَى رِوَايَتِهِ، وَقَدْ رَوَى عَنْ سُهَيْل جماعةٌ كَثِيرَةٌ، لَيْسَ عِنْدَ أحدٍ مِنْهُمْ هَذَا الحديثُ» . وأعجبُ منه: أن ينسى الشيخُ والتلميذُ، فيعودُ الشيخُ فيذكِّرُ التلميذَ بالحديث؛ كما حصَلَ لمعتمر بن سليمان مع شيخه منقذ: قال عَبَّاس الدُّوري (٢) : حدَّثنا يحيى (٣) ؛ قال: حدَّثنا معتمر بن سليمان؛ قال: حدَّثني مُنْقِذٌ؛ قال: حدَّثْتَنِي أنتَ، عنِّي، عن أيوب، عن الحسن؛ قال: «وَيْحٌ كلمةُ رحمةٍ» !!. ٣) التَّوَقِّي وَالاِحْتِيَاطُ وَالاحْتِرَازُ: عُرِفَ عن بعض الأئمَّة ﵏ شِدَّةُ التوقِّي والاحتراز في الرواية؛ فإذا ما شكَّ في شيء تَرَكَهُ، فإنْ شَكَّ في رفع الحديثِ وقَفَهُ،

стр. 71

وإنْ شَكَّ في وصلِهِ أرسلَهُ، وهكذا. وربَّما كان هذا الشَّكُّ مرجوحًا، والظَّنُّ الغالبُ رَفْعَ الحديث ووَصْلَهُ، ولكنْ هكذا صنَعَ هؤلاءِ الذين ذُكِروا بهذا، وأكثرُهُمْ من أهل البَصْرة؛ مثل محمَّد بن سِيرين، وأيوب السَّخْتِياني، وعبد الله بن عَوْن، وحَمَّاد بن زيد. قال الدارقطني (١) : «وقد تقدَّم قولنا في أنَّ ابن سيرين - مِنْ تَوَقِّيه وتَوَرُّعِه - تَارَةً يُصَرِّحُ بالرَّفْع، وتارةً يومئ، وتارةً يتوقَّف؛ على حسب نشاطِهِ في الحال» . وذكَرَ حديثًا اختُلِفَ في رفعه ووقفه، ثم قال (٢) : «ورَفْعُهُ صَحيحٌ، وقد عرفت عادة ابن سيرين: أنه ربَّما توقَّف عن رفعِ الحديث توقِّيًا» . وقال أيضًا (٣) : «ورَفْعُهُ صَحيحٌ؛ لأنَّ ابن سيرين كان شديدَ [التوقِّي] (٤) في رفع الحديث» . وقال في موضع آخر (٥) : «فرَفْعُهُ صَحيحٌ، ومَنْ وقفه فقد أصاب؛ لأنَّ ابن سيرين كان يفعَلُ مثلَ هذا؛ يَرْفَعُ مرةً، ويُوقِفُ أخرى» . وقال ابن رجب (٦) : «وليس وَقْفُ هذا الحديثِ مما يَضُرُّ؛ فإنَّ ابن

стр. 72

سِيرِينَ كان يقفُ الأحاديثَ كثيرًا ولا يَرْفَعها، والناسُ كلُّهم يخالفونه ويرفعونها» . وفي أسئلة المروزيِّ للإمام أحمد، قال المروزي (١) : «سألته عن هشام بن حَسَّان؟ فقال: أيوبُ وابنُ عَوْن أحبُّ إليّ، وحسَّن أَمْرَ هشام، وقال: قد روى أحاديثَ رَفَعها أَوْقَفوها، وقد كان مذهبهم أنْ يقصِّروا بالحديث ويُوقِفوه» . وقال الدارقطني (٢) : «وكان ابنُ عَوْن ربَّما وقَفَ المرفوعَ» . وقال يعقوب بن شَيْبة (٣) : «حمَّادُ بنُ زَيْد أثبَتُ من ابن سلمة، وكُلٌّ ثقةٌ، غيرَ أنَّ ابنَ زيد معروفٌ بأنه يقصِّر في الأسانيد، ويُوقِفُ المرفوعَ، وكثيرُ الشكِّ بتوقِّيه، وكان جليلاً لم يكنْ له كتابٌ يَرْجعُ إليه، فكان أحيانًا يذكُرُ فيرفَعُ الحديثَ، وأحيانًا يهابُ الحديثَ ولا يَرْفعه» . ومِنْ جملة مَنْ عُرِفَ عنه هذا وليس من البَصْريين: الإمامُ مالك، يقولُ الدارقطني (٤) : «ومِنْ عادَةِ مالكٍ إرسالُ الأحاديثِ، وإسقاطُ رجل» .

стр. 73

٤) أَخْذُ الْحَدِيثِ حَالَ المُذَاكَرَةِ: كان المحدِّثون يَحُثُّون على مذاكرةِ الحديثِ ويَحْرِصون عليها حِرْصًا شديدًا؛ لِمَا وَجَدوا فيها من الفوائد؛ كاستذكارِ الحديثِ وتحفُّظه، واستدراكِ ما فاتَهُمْ من الأحاديثِ في البابِ الذي يذاكرون فيه، وكَشْفِ الخَلَلِ والعِلَلِ في الأحاديثِ التي يَحْفَظونها، وكَشْفِ الضعفاءِ والكذابين من الرواة. وعُنِيَ بها جميعُ مَنْ ألَّف في علومِ الحديث، بل أفرَدَ لها عددٌ من الأئمَّة بابًا في مؤلَّفاتهم، منهم: أَبُو بَكْرُ بْنُ أَبِي شَيْبة في "المصنَّف" (١) ، والدارمي في "مسنده" (٢) ، والرَّامَهُرْمزي في "المحدِّث الفاصل" (٣) ، وعدَّها أبو عبدِالله الحاكمُ (٤) نوعًا من أنواع علومِ الحديث، وأطالَ فيها الخطيبُ البغداديُّ في "الجامع، لأخلاق الراوي وآداب السامع" (٥) ، فعقَدَ لها بابًا بعنوان: «مذاكرة الحديثِ مع عامَّة الناس» ، ثم أتبَعَهُ بابًا بعنوان: «المذاكرة مَعَ الأتباعِ والأَصْحَاب» ، ثم بابًا بعنوان: «المذاكرة مَعَ الأقرانِ والأتراب» ، ثم ختمها بباب: «المذاكرة مَعَ الشُّيُوخ وذوي الأسنان» ، وكان قد عقَدَ بابًا قبل ذلك (٦) بعنوان: «الكتابة عن المحدِّث في المذاكرة» .

стр. 74

وأورَدَ هؤلاءِ المحدِّثون في هذه الأبواب وغَيْرِهَا أقوالاً كثيرةً في الحَثِّ عليها، وذِكْرِ فوائدها، وآدابِهَا، فَمِنْ ذلك: قولُ عليِّ بنِ أبي طالب ح: «تَزَاوَرُوا وتَذَاكَرُوا الحديث؛ فإنَّكم إنْ لم تَفْعَلوا يَدْرُسْ» (١) . وقال أبو سعيدٍ الخُدْريُّ ح: «تحدَّثوا؛ فإنَّ الحديثَ يُهَيِّجُ الحديثَ» (٢) . وفي لفظ: «تَذَاكَرُوا؛ فإنَّ الحديثَ يُذْكِرُ الحديثَ» (٣) . وقال عَلْقمة: «تَذَاكروا الحديثَ؛ فإنَّ حياتَهُ ذِكْرُهُ» (٤) . وقال إبراهيمُ النَّخَعي: «مَنْ سَرَّهُ أنْ يَحْفَظَ الحديثَ، فَلْيُحَدِّثْ به، ولو أنْ يُحَدِّثَ به مَنْ لا يشتهيه؛ فإنَّه إذا فعَلَ ذلك كان كالكتابِ في صَدْرِهِ» (٥) .

стр. 75

وقال يَزِيدُ بنُ أَبِي زِيَادٍ: قَالَ عبدُالرحمن بنُ أبي ليلى: «إحياءُ الحديثِ مذاكرتُهُ» ، فقال له عبدُاللهِ بنُ شَدَّاد: «يَرْحَمُكَ الله! كم مِنْ حديثٍ أحييْتُهُ في صَدْري كان قد مات» (١) . وكان ابنُ شِهَاب الزُّهْري يسمع العِلْمَ مِنْ عُرْوة وغيره، فيأتي إلى جاريةٍ له وهي نائمةٌ فيوقظها فيقول: اسمعي، حدَّثني فلانٌ كذا، وفلانٌ كذا، فتقولُ: ما لي وما لهذا الحديثِ؟! فيقول: قد عَلِمْتُ أنك لا تنتفعين به، ولكنْ سمعتُهُ الآنَ، فأردتُّ أن أَسْتَذْكِره (٢) . وقال الأعمش: «كان إسماعيلُ بنُ رَجَاء يجمعُ صبيانَ الكُتَّاب يحدِّثهم، يتحفَّظُ بذلك» (٣) . وقال عليُّ بن المَدِيني: «سِتَّةٌ كادتْ تَذْهَبُ عقولهم عند المذاكرة: يحيى (٤) ، وعبدُالرحمن (٥) ، ووَكِيعٌ، وابنُ عُيَيْنة، وأبو داود (٦) ، وعبد الرزَّاق» . قال علي: «مِنْ شِدَّةِ شَهْوتهم له» . وقال: «تذاكَرَ وكيعٌ وعبدُالرحمنِ ليلةً في مَسْجِدِ الحرامِ (٧) ، فلم
следующие страницы →