بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله، فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (١).
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (٢).
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ (٣).
أما بعد! فيسعدني أن أقدم للقراء والباحثين كتابا من أهم كتب الحديث، ومرجعًا مهمًا من مراجع الحديث، ألا وهو كتاب "مجمع البحرين في زوائد المعجمين" للحافظ نور الدين الهيثمي ﵀ ولقد أعجبت به كثيرًا، لما طالعته أول مرة- وأنا أبحث في رسالة الماجيستير، وأجمع مواد الرسالة من الكتب المطبوعة والمخطوطة، فرأيت فيه أحاديث نفيسة، وأسانيد غريبة قلما توجد في كتب أخرى، وكيف لا؟ وهو كتاب يجمع بين دفتيه زوائد المعجم الصغير، والمعجم الأوسط للإمام الطبراني على الكتب الستة، وقال الإِمام الطبراني في كتابه الأوسط: هذا الكتاب روحي.
_________
(١) سورة آل عمران: آية ١٠٢.
(٢) سورة النساء: آية ١.
(٣) سورة الأحزاب: آية ٧٠.
стр. 2
فحينذاك عاهدت نفسي، وقطعت عليها بإخراج هذا الكتاب من حيز لمخطوطات إلى عالم المطبوعات كي تعم الفائدة للجميع:
وإني لأشكر الله كثيرًا على ما وفقني وهداني لخدمة هذا السفر الجليل، وتقديمه للقراء الكرام محققًا ومدروسًا بعض جوانبه المهمة، وأرجو الله أن يجعله خالصًا لوجهه الكريم، وأن يعم بنفعه الجميع.
وكما أتوجه بالشكر الجزيل لشيخي الجليل العلامة صالح بن محمَّد اللحيدان رئيس الهيئة الدائمة لمجلس القضاء الأعلى الذي قرأ جزءًا من هذا الكتاب، ووجهني إلى بعض الملاحظات القيمة، وأفادني بمعلوماته الواسعة وآرائه السديدة، فجزاه الله خيرًا وبارك في حياته، وعلمه.
وكما أود أن لا يفوتني أن أشكر لذي الفضل فضله الذي لبّي رغبتي في نشر هذا الكتاب، وسارع إلى تذليل الصعاب في سبيل طباعته، صاحب مكتبة الرشد الشيخ أحمد بن فهد الحمدان، ومعاونه وساعده الأيمن الشيخ فيصل بن محمَّد مريشد، فبارك الله فيها ووفقهما لمزيد نشر العلم النافع وتراث سلفنا الصالح.
وصلى الله على نبينا محمَّد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 3
ترجمة الإِمام الطبراني
نَسَبه:
هو أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب بن مطير اللخمي الطبراني الشامي (١).
نِسبته:
ينسب الإِمام الطبراني من جهة القبيلة "باللخمي"- بفتح اللام وسكون الخاء المعجمة، وبعدها ميم -وهذه النسبة إلى لخم- واسمه مالك بن عدي بن حارث بن مرة بن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان (٢).
وهو أخو جذام -واسمه عامر، ولخم وجذام قبيلتان كبيرتان من القحطانية في اليمن.
وذكر الزبيدي وجه تسميتهما لخمًا وجذامًا -نقلا عن ابن الكلبي وغيره- فقال: لخم اسمه مالك، وجذام اسمه عامر- وهما أخوان، فجذم مالك إصبع عامر، فسمي جذامًا، ولخم عامر مالكًا، فسمي لخمًا، واللخم: اللطم (٣).
وأما من جهة المولد والوطن، فينسب بالطبراني -بفتح الطاء المهملة والباء الموحدة والراء، وبعد الألف نون (١).-نسبه إلى طبرية- وهي مدينة بالشام مطلة على البحيرة
_________
(١) وفيات الأعيان (٢/ ١٤١).
(٢) معجم قبائل العرب لعمر رضا كحالة (٣/ ١٠١١).
(٣) تاج العروس (٩/ ٥٨) مادة لخم.
стр. 4
المعروفة ببحيرة طبرية- وهي في طرف جبل، وجبل الطور مطل عليها، بينها وبين دمشق ثلاثة أيام، وكذلك بينها وبين بيت المقدس وبينها وبين عكا يومان (١).
وقد اشتهر به أكثر من غيره، حتى يكاد لا يعرف إلا بالطبراني.
مولده:
ولد الإِمام الطبراني في صفر سنة ستين ومئتين (٢٦٠) بعكا (٢) - وهي بلدة على ساحل بحر الشام، ومن أحسن بلاد الساحل، وكانت أمه من أهلها (٣).
طلبه العلم:
بدأ الإِمام الطبراني في طلب الحديث من صغره، وكتب وسمع الأحاديث من مشايخ بلده- وعمره ثلاث عشرة سنة، وارتحل في طلب الحديث وطاف البلاد، ولما يبلغ سن البلوغ.
قال الذهبي في العبر (٤): وأول سماعه في سنة ثلاث وسبعين ومئتين بطبرية، ورحل أولًا الى القدس سنة أربع وسبعين، ثم رحل إلى قيسارية سنة خمس وسبعين، فسمع من أصحاب محمَّد بن يوسف الفريابي، ثم رحل إلى حمص، وجبلة ومدائن الشام، وحج ودخل اليمن، ورد إلى مصر، ثم رحل إلى العراق وأصبهان وفارس، روى عن أبي زرعة الدمشقي، وإسحاق الدبري، وطبقتهما.
وفي سير أعلام النبلاء (٥): فأول ارتحاله كان في سنة خمس وسبعين، فبقي في الارتحال، ولقي الرجال ستة عشر عامًا، وكتب عن من أقبل، وأدبر، وبرع في هذا الشأن.
وقال ابن خلكان: "رحل في طلب الحديث من الشام إلى العراق، والحجاز، واليمن، ومصر، وبلاد الجزيرة الفراتية، وأقام في الرحلة ثلاثًا وثلاثين سنة، وسمع الكثير" (٦).
_________
(١) معجم البلدان (٤/ ١٧).
(٢) طبقات المفسرين للداودي (١/ ١٩٨).
(٣) الأنساب للسمعاني (٩/ ٣٤٣)، ومعجم البلدان (٤/ ١٤٣).
(٤) (٢/ ٣١٥).
(٥) (١٦/ ١١٩).
(٦) وفيات الاعيان (٢/ ١٤١).
стр. 5
فكانت نتيجة تلك الرحلات في الأمصار والبلدان أن جمع له من الأحاديث ما لم يحصل لغيره من الأقران.
"سئل عن كثرة حديثه، فقال: كنت أنام على البواري ثلاثين سنة" (١).
شيوخه:
بدؤ الإِمام الطبراني طلبه الحديث من الصغر، وترحاله في البلدان آتي أكله وثماره، وظهرت آثاره في مشايخه، أن سمع كثيرًا من المشايخ الكلبار، ولقي أصحاب يزيد بن هارون المتوفى سنة ٢٠٦ هـ، وحجاج بن محمَّد المتوفى سنة ٢٠٦ هـ، وروح بن عبادة المتوفى سنة ٢٠٥ هـ أو ٢٠٧ هـ، وأبي عاصم المتوفى سنة ٢١٢ هـ، وعبد الرزاق المتوفى سنة ٢١١ هـ.
ولم يزل يكتب حتى كتب عن أقرانه (٢).
"وإلى الطبراني المنتهى في كثرة الحديث، وعلوه، فإنه عاش مئة سنة، وسمع -وهو ابن ثلاث عشرة سنة" (٣).
وأما عدد شيوخه الذين كتب عنهم، فقال ابن خلكان: وعدد شيوخه ألف شيخ (٤).
وقال الذهبي، والسيوطي، والداودي: "وحدث عن ألف شيخ أو يزيدون" (٥).
منزلته عند مشايخه:
قال أبو نعيم الحافظ: سمعت أحمد بن بندار يقول: دخلت العسكر سنة ثمان وثمانين ومئتين، فحضرت مجلس عبدان، وخرج ليملي، فجعل المستملى يقول له: إن رأيت أن تملي؟ فيقول: حتى يحضر الطبراني.
قال: فأقبل أبو القاسم (الطبراني) بعد ساعة متزرًا بإزار مرتديًا بآخر. ومعه أجزاء،
وقد تبعه نحو من عشرين نفسًا من الغرباء من بلدان شتى، حتى يفيدهم الحديث (٦).
_________
(١) سير أعلام النبلاء (١٦/ ١٢٢)، وطبقات الحفاظ للسيوطي (٣٧٢).
(٢) سير أعلام النبلاء (١٦/ ١٢٠).
(٣) ميزان الاعتدال (٢/ ١٩٥).
(٤) وفيات الاعيان (٢/ ١٤١).
(٥) سير أعلام النبلاء (١٦/ ١٢٠)، وطبقات الحفاظ (٣٧٢) وطبقات المفسريق (١/ ١٩٨).
(٦) سير أعلام النبلاء (١٦/ ١٢٢).
стр. 6
تلامذته.
لما فرغ الإِمام الطبراني من جمع وكتابة الحديث، قدم إلى أصبهان قدمته الثانية (١) سنة عشر وثلاث مئة، فأقام بها محدثًا، وازدحم إليه المحدثون، ودخلوا عليه من الأقطار، وسمع منه شيوخ أصبهان.
قال سليمان بن إبراهيم الحافظ: "قال أبو أحمد العسال القاضي: أنا سمعت من الطبراني عشرين ألف حديث، وسمع منه أبو إِسحاق بن حمزة ثلاثين ألفًا، وسمع منه أبو الشيخ أربعين ألفًا. قال الذهبي: هؤلاء كانوا شيوخ أصبهان مع الطبراني" (٢) وممن سمع منه، وروى عنه:
* أبو خليفة الفضل بن الحباب الجمحي الثقة محدث البصرة، المتوفى سنة ٣٠٥ هـ (٣).
* والحافظ ابن عقدة أحمد بن محمد بن سعيد الكوفي المتوفى سنة ٣٣٢ هـ (٤). وهما من شيوخه.
* وابن مندة أبو عبد الله محمَّد بن إِسحاق بن محمَّد بن سير بن مندة محدث العصر، المتوفى سنة ٣٩٥ هـ (٥).
* وأبو بكر أحمد بن موسى بن مردويه الأصبهاني صاحب التفسير والتاريخ المتوفى سنة ٤١٠ هـ (٦).
* وأبو نعيم أحمد بن عبد الله بن أحمد الأصبهاني الحافظ الكبير محدث العصر المتوفى سنة ٤٣٠ هـ (٧).
_________
(١) قال أبو نعيم في أخبار أصبهان (١/ ٣٣٥) قدم أصبهان سنة تسعين ومئتين، فخرج منها، ثم قدمها ثانيًا، فأقام بها محدثًا ستين سنة.
(٢) سير أعلام النبلاء (١٦/ ١٢٢)
(٣) التذكرة (٢/ ٦٧٠).
(٤) التذكرة (٣/ ٨٣٩).
(٥) التذكرة (٣/ ١٠٣١٠).
(٦) التذكرة (٣/ ١٠٥٠).
(٧) التذكرة (٣/ ١٠٩٧).
стр. 7
* وأبو سعيد بن محمَّد بن بن عمرو النقاش الحنبلي الأصبهاني المتوفى سنة ٤١٤ هـ (١).
* والإمام الجوال أبو بكر أحمد بن عبد الرحمن بن أحمد الشيرازي صاحب كتاب الألقاب توفي سنة ٤٠٧ هـ (٢)
وخلق كثير أخرهم موتًا
* أبو بكر محمَّد بن عبد الله بن ربذة التاجر، ثم عاش بعده.
* أبو القاسم عبد الرحمن بن أبي بكر الذكراني، يروي عن الطبراني بالإجازة،
فمات سنة اثنتين أو ثلاث وأربعين، وأربع مئة، ومات ابن ربذة عام أربعين (٣).
ثناء العلماء عليه:
اثنى عليه العلماء كثيرًا، وشهدوا له بالفضل والإمامة والحفظ، والإتقان، وبراعته في علم الحديث.
قال أحمد بن منصور الشيرازي الحافظ: كتبت عن الطبراني ثلاث مئة ألف حديث- وهو ثقة (٤).
وقال أبو بكر بن أبي علي: الطبراني أشهر من أن يدل على فضله، وعلمه، كان واسع العلم كثير التصانيف (٥).
وقال أبو جعفر بن أبي السري: لقيت ابن عقدة بالكوفة، فسألته يومًا أن يعيد لي فوتًا (أي ما فاته من مجلس سماع الحديث فامتنع، فشددت عليه، فقال: من أي بلد أنت؟ قلت: من أصبهان، فقال: ناصبة؟ ينصبون العداوة لأهل البيت، فقلت: لا تقل هذا، فإن فيهم متفقهة وفضلاء، ومتشيعة، فقال: شيعة معاوية؟ قلت: لا، والله بل شيعة علي، وما فيهم أحد إلا وعلي أعز عليه من عينه وأهله، فأعاد علي ما فاتني، ثم قال لي: سمعت
_________
(١) التذكرة (٣/ ١٠٥٩).
(٢) التذكرة (٣/ ١٠٦٥).
(٣) سير أعلام النبلاء (١٦/ ١٢١ - ١٢٢).
(٤) طبقات الحفاظ للسيوطي (ص ٣٧٣)، ولسان الميزان (٣/ ٧٤).
(٥) سير أعلام النبلاء (١٦/ ١٢٧)، ولسان الميزان (٣/ ٧٤).
стр. 8
سليمان بن أحمد اللخمىِ؟ فقلت: لا، لا أعرفه، فقال: يا سبحان الله! أبو القاسم ببلدكم، وأنت لا تسمع منه، وتؤذيني هذا الأذى بالكوفة، ما أعرف لأبي القاسم نظيرًا (١).
وقال الذهبي: "الطبراني هو الإِمام الحافظ الثقة الرحال الجوال محدث الإِسلام، علم المعمرين (٢).
وقال -أيضًا-: كان ثقة صدوقًا واسع الحفظ بصيرًا بالعلل، والرجال والأبواب كثير التصانيف (٣).
وقال الداودي: الإِمام الحجة بقية الحفاظ … مسند الدنيا (٤). وهو من فرسان هذا الشأن مع الصدق والأمانة (٤)
حفظه وإتقانه:
قال أبو الحسين أحمد بن فارس اللغوي: سمعت الأستاذ ابن العميد يقول: ما كنت أظن أن في الدنيا حلاوة ألذ من الرئاسة، والوزارة التي أنا فيها، حتى شاهدت مذاكرة أبي القاسم الطبراني. وأبي بكر الجعابي بحضرتي، فكان الطبراني يغلب أبا بكر بكثرة حفظه، وكان أبو بكر يغلب بفطنته وذكائه، حتى ارتفعت أصواتهما، ولا يكاد أحدهما يغلب صاحبه، فقال الجعابي: عندي حديث ليس في الدنيا إلا عندي، فقال: هات، فقال: حدثنا أبو خليفة الجمحي، حدثنا سيمان بن أيوب، وحدث بحديث.
فقال الطبراني: أخبرنا سليمان بن أيوب -ومني سمعه أبو خليفة فاسمعه مني حتى يعلو فيه إسنادك، فخجل الجعابي، فوددت أن الوزارة لم تكن، وكنت أنا الطبراني، وفرحت كفرحه، أو كما قال (٥).
_________
(١) سير أعلام النبلاء (١٦/ ١٢٥)، وطبقات المفسرين (١/ ٢٠٠).
(٢) سير أعلام النبلاء (١٦/ ١١٩).
(٣) العبر (٢/ ٣١٥).
(٤) طبقات المفسرين (١/ ١٩٨، ١٩٩).
(٥) سير أعلام النبلاء (١٦/ ١٢٤)، وطبقك الحنابلة (٢/ ٥٠)، وطبقات المفسرين (١/ ٢٠٠)، والمنهج الأحمد (٢/ ٤٩)
стр. 9
أخلاقه:
قال أبو عمر بن عبد الوهاب السلمي: سمعت الطبراني يقول: لما قدم ابن رستم- عامل أصبهان- من فارس أعطاني خمس مئة درهم فلما كان في آخر أمره تكلم في أبي بكر، وعمر ﵄ ببعض الشيء، فخرجت ولم أعد إليه بعد (١).
وقال ابن مندة: وبلغني أن الطبراني كان حسن المشاهدة، طيب المحاضرة، قرأ عليه يومًا أبو طاهر بن لوقا: حديثًا كان يغسل حصى جماره، فصحفه، وقال: خصي حماره، فقال: ما أراد بذلك يا أبا طاهر؟ قال: التواضع- وكان هذا كالمغفل (٢).
وقيل: "ذهبت عيناه في آخر أيامه، فكان يقول: الزنادقة سحرتني، فقال له يومًا حسن العطار -تلميذه- يمتحن بصره: كم عدد الجذوع التي في السقف؟ فقال: لا أدري، ولكن نقش خاتمي سليمان بن أحمد.
قال الذهبي: "هذا قاله على سبيل الدعابة" (٣).
وقال له مرة: من هذا الآتي؟ -يعني ابنه- فقال: أبو ذر، وليس بالغفاري (٣).
ما أُخذ عليه:
تكلم فيه بعض معاصريه، وأخذ عليه بما لا يقدح في جلالة علمه وحفظه، ولا يحط من قدره ومنزلته، وقد تناول العلماء بهذه المآخذ بالبحث والإجابة عنها:
١ - فمما أخذ عليه: وهمه في إسناد حديث.
قال أبو عبد الله الحاكم: وجدت أبا علي "النيسابوري الحافظ سيء الرأي في أبي القاسم اللخمي، فسألته عن السبب فيه، فقال: اجتمعنا على باب أبي خليفة، فذكرت له طرق حديث "أمرت أن أسجد على سبعة أعضاء"، فقلت له: يحفظ شعبة عن عبد الملك بن ميسرة، عن طاوس، عن ابن عباس.
قال: بلى، رواه غندر وابن أبي عدي.
_________
(١) طبقات المفسرين (١/ ٢٠٠).
(٢) سير أعلام النبلاء (١٦/ ١٢٣).
(٣) سير أعلام النبلاء (١٦/ ١٢٧).
стр. 10
قلت: من عنهما؟.
قال: حدّثناه عبد الله بن أحمد، عن أبيه، عنهما.
فاتهمته أذ ذاك، فإنه ما حدث به غير عثمان بن عمر عن شعبة (١).
وقد أجاب عنه الحافظ ضياء الدين المقدسي في الجزء الذي جمعه في الذب عن الطبراني، فقال: ظن -أي الطبراني- أنه سئل عن رواية شعبة عن عمرو بن دينار، عن طاوس، فهي التي عند غندر. عن شعية، وهي التي رواها ابن الصواف عن عبد لله بن أحمد، والمسؤول عنها رواية شعبة عن عبد الملك بن ميسرة، عن طاوس، فهي التي انفرد بها عثمان بن عمر.
قال: والدليل على أنه لم يسمعه، أنه ساق الطريقين في كتابه الذي جمع فيه حديث شعبة، فأورد إحداهما في ترجمة شعبة عن عمرو بن دينار، عن طاوس من رواية غندر عن شعبة، وأورد الأخرى في ترجمة شعبة عن عبد الملك بن ميسرة من رواية عثمان بن عمر عن شعبة.
ثم قال الضياء: لو كان كل من وهم في حديث أو حديثين اتهم لكان هذا لا يسلم منه أحد (٢).
٢ - ومما أخذ عليه تكثيره عن إدريس بن جعفر العطار، وأهلُ بلده لم يرووا عنه إلا قليلًا.
قال الحافظ أبو بكر بن مردويه: دخلت بغداد، وتطلبت حديث إدريس بن جعفر العطار، عن يزيد بن هارون، وروح، فلم أجد إلا أحاديث معدودة، وقد روى الطبراني عن إدريس، عن يزيد كثيرًا (٣).
وأجاب الذهبي عن هذا، فقال: هذا لا يدل على شيء، فإن البغاددة كاثروا على إدريس للينه، وظفر به الطبراني، فاغتنم علو إسناده، وأكثر عنه، واعتنى بأمره (٤).
_________
(١) علوم الحديث للحاكم (ص ١٤٣)، وسير أعلام النبلاء (١٦/ ١٢٦).
(٢) لسان الميزان (٣/ ٧٤).
(٣) سير أعلام النبلاء (١٦/ ١٢٧)، ولسان الميزان (٣/ ٧٤).
(٤) سير أعلام النبلاء (١٦/ ١٢٧).
стр. 11
وقال سليمان بن إبراهيم الحافظ: كان ابن مردويه في قلبه شيء على الطبراني، فتلفظ بكلام، فقال له أبو نعيم: كم كتب يا أبا بكر عنه؟ فأشار إلى حزم، فقال: ومن رأيت مثله؟ فلم يقل شيئًا (١).
وقال الحافظ الضياء: ذكر ابن مردويه في تاريخه الأصبهان جماعة، وضعفهم، وذكر الطبراني فلم يضعفه، فلو كان عنده ضعيفًا لضعفه (١).
٣ - ومما أخذ عليه روايته عن أحمد بن عبد الله بن عبد الرحيم البرقي، ولم يحتمل منة لقيه، توفي أحمد بمصر سنة ٢٦٦ هـ، وقيل سنة ٢٧٠ هـ. وعلى الحالين فما لقيه".
ولا قارب، فإنه مات قبل دخوك الطبراني مصر بعشر سنين، أو أكثر.
وقد اعتذر عنه الذهبي، ومن قبله الحافظ أحمد بن منصور الشيرازي، بأنه أراد أخاه عبد الرحيم بن عبد الله بن البرقي، فتوهم أن شيخه عبد الرحيم اسمه أحمد، واستمر على هذا، يروي عنه ويسميه أحمد (٢).
قال أحمد بن منصور الشيرازي الحافظ: إنهما -أي أحمد وعبد الرحيم- كانا أخوين، فسمع الطبراني من عبد الرحيم، فظن أنه أحمد، فروى عنه، واستمر يروي عنه ما سمعه من عبد الرحيم (٣).
وقال ابن حجر: وقد ذكر الطبراني في مسند الشاميين له ما يدل على أنه كان يشك في اسم عبد الرحيم، فقال في ترجمة محمَّد بن مهاجر، حدثنا ابن البرقي- وأظن اسمه عبد الرحيم، فذكر حديثًا (٣).
٤ - وعاب عليه إسماعيل بن محمَّد بن الفضل التيمي جمعه الأحاديث بالأفراد مع ما فيها من النكارة الشديدة، والموضوعات، وفي بعضها القدح في كثير من القدماء من الصحابة وغيرهم (٤).
وردّ عليه ابن حجر بقوله: "وهذا أمر لا يختص به الطبراني فلا معنى لإفراده، بل
_________
(١) سير أعلام النبلاء (١٦/ ١٢٧).
(٢) راجع سير أعلام النبلاء (١٦/ ١٢٥)، وميزان الإعتدال (٢/ ١٩٥).
(٣) لسان الميزان (٣/ ٧٤).
(٤) لسان الميزان (٣/ ٧٥).
стр. 12
أكثر المحدثين في الأعصار الماضية من سنة مئتين، وهلم جرا، إذا ساقوا الحديث بإسناده، اعتقدوا أنهم برأوا من عهدته. والله أعلم (١).
آثاره العلمية:
لقد عاش الإِمام الطبراني قرنًا كاملًا، وصرف عمره في خدمة السنة المطهرة، فجمع وألف، وترك عدة مؤلفات قيمة مفيدة، منها.
١ - المعجم الكبير- وهو معجم أسماء الصحابة وتراجمهم على غرار مسند الإمام أحمد/ المعروف، فبدأ بمسانيد العشرة المبشرة بالجنة، ولم يسق فيه من مسند المكثرين إلا ابن عباس، وابن عمر، وذكر شيئًا قليلًا من مسانيد أنس، وجابر، وأبي سعيد، وعائشة، وغيرهم من المكثرين.
فأما أبو هريرة فلم يسق له مسندًا، ولا حديث جماعة من المتوسطين لأنه أفرد لكل مسندًا، فاستغنى عن إعادته.
وقد طبع هذا الكتاب العظيم في العراق بتحقيق فضيلة الشيخ حمدي عبد المجيد السلفي في ٢٥ جزءًا، ما عدا الجزء ١٣ - ١٦، والجزء ٢١. فلم يعثر المحقق الفاضل على مخطوطة تلك الأجزاء.
٢ - المعجم الأوسط -وهو على معجم شيوخه، يأتي فيه عن كل شيخ بما له من الغرائب والعجائب، فهو نظير كتاب "الأفراد" للدارقطني، بيَّن فيه فضيلته وسعة روايته، وكان يقول: "هذا الكتاب روحي" فإنه تعب عليه.
وفيه كل نفيس وعزيز، ومنكر،
وتوجد له نسخة مخطوطة كاملة في جزءين، الجزء الأول يشتمل على ثلاث مئة ورقة وتسع ورق خلا ورقة ٦٢، و ٣٠٤، فإنهما مفقودتان والجزء الثاني -أيضًا- يشتمل على ثلاث مئة وتسع ورق، وكل ورقة على صفحتين، وكل صفحة فيها ٣٣ سطرًا، وخطها جيد كتبت قبل عام ٩٢٢ هـ. وهي موجودة في تركيا. وعندي نسخة مصورة منها.
_________
(١) لسان الميزان (٣/ ٧٥).
стр. 13
وقد طبع من هذا السفر الجليل ثلاث مجلدات بتحقيق الدكتور محمود الطحان، نشرتها مكتبة المعارف بالرياض، وفق الله محققه وناشره لتكميل تحقيق الكتاب وطبعه.
٣ - المعجم الصغير، وهو عن كل شيخ له حديث واحد، وقد طبع هذا الكتاب مرارًا.
٤ - كتاب الدعاء في مجلد كبير (٢٤٦ ورقة) مخطوط في مكتبة سليم آغا ٢٢٩، وعندي منه نسخة مصورة (١). وقد طبع الآن بتحقيق در في ثلاث مجلدات.
٥ - مسند الشاميين في مجلدين مخطوط، واطلعت على نسخة مصورة منه عند فضيلة الشيخ عبد القادر حبيب الله السندي أستاذ بالجامعة الإِسلامية بالمدينة المنورة.
٦ - مكارم الأخلاق، مخطوط بمكتبة الظاهرية مجموع ٤٦/ ٨، وبرلين ٥٣٩٠ (١).
٧ - فضل الرمي وتعليمه مخطوط كوير يلي ٣٨٤/ ٢ (١).
٨ - كتاب الأوائل مخطوط المتحف البريطاني الملحق ٦٠٤ مخطوطات شرقية ١٥٣٠ (١).
٩ - الأحاديث الطوال مخطوط، السعيدية بحيدر آباد حديث ٣٥٥.
وله مؤلفات أخرى ذكرها الحافظ الذهبي في سير أعلام النبلاء، منها.
١٠ - دلائل النبوة.
١١ - النوادر.
١٢ - مسند شعبة.
١٣ - مسند سفيان.
١٤ - كتاب عشرة النساء.
١٥ - كتاب السنة.
١٦ - كتاب التفسير كبير جدًا.
١٧ - كتاب المناسك.
١٨ - مسند عائشة.
١٩ - مسند أبي هريرة.
_________
(١) تاريخ التراث العربي (١/ ٣٩٥) لفؤاد سيزكين.
стр. 14
٢٠ - مسند أبي ذر
٢١ - معرفة الصحابة.
٢٢ - العلم.
٢٣ - الرؤية.
٤٢ - فضل العرب.
٢٥ - الجود.
٢٦ - الفرائض.
٢٧ - مناقب أحمد.
٢٨ - كتاب الأشربة.
٢٩ - كتاب الأولوية في خلافة أبي بكر وعمر.
وغير ذلك.
ثم قال الذهبي: -بعد سرد أسماء كتبه- ولم يزل حديث الطبراني رائجًا نافقًا مرغوبًا فيه، لا سيما في زمان صاحبه ابن ربذة فقد سمع منه خلائق، وكتب السلفي عن نحو مئة نفس منهم، ومن أصحاب ابن فاذشاه … وأزدهم الخلق على خاتمتهم فاطمة الجوزدانية الميتة في سنة أربع وعشرين وخمس مئة، وارتحل ابن خليل، والضياء، وأولاد الحافظ عبد الغني، وعدة من المحدثين في طلب حديث الطبراني واستجازوا من بقايا المشيخة لأقاربهم وصغارهم، وجلبوه إلى الشام، ورووه، ونشروه (١).
وفاته:
عاش الطبراني ﵀ مئة سنة وعشرة أشهر، وتوفي يوم السبت لليلتين بقيتا من ذي القعدة سنة ستين وثلاث مئة بأصبهان، ودفن يوم الأحد من غده إلى جنب قبر حممة الدوسي (٢) صاحب رسول الله ﷺ في تربة واحدة (٣).
_________
(١) سير أعلام النبلاء (١٦/ ١٢٨).
(٢) حممة بن أبي حممة الدوسي صحب النبي ﷺ ، وغزا أصبهان زمان عمر ﵁، فقال: اللهم إن حممة يزعم أنه يحب لقاءك، اللهم إن كان صادقًا فاعزم له بصدقه، وإن كان كاذبًا فاحمله عليه، وإن كره، اللهم لا ترجع حممة من سفره هذا، فمات بأصبهان (أسد الغابة ٢/ ٥٣).
(٣) أخبار أصبهان (١/ ٣٣٥)، وسير أعلام النبلاء (١٦/ ١٢٩)، وطبقات الحنابلة (٢/ ٤٩)، وفيات الأعيان (٢/ ١٤١).
стр. 15
ترجمة الحافظ الهيثمي ﵀ (١)
اسمه ونسبه:
هو علي بن أبي بكر بن سليمان بن أبي بكر بن عمر بن صالح المصري.
كنيته: أبو الحسن، ولقبه نور الدين.
نسبته: ينتسب بالهيثمي نسبة إلى محلة أبي الهيثم- قرية بمصر (٢) وهو يعرف به أكثر من غيره.
مولده:
ولد في شهر رجب سنة خمس وثلاثين وسبع مئة، ونشأ في بقعة منعزلة هادئة، فإن أباه كان صاحب حانوت في صحراء الفسطاط التي بينها وبين المقطم، فنشأ في تلك البقعة الهادئة. وقرأ القرآن.
طلبه العلم:
لما بلغ من العمر خمسة عشر عامًا مال إلى طلب العلم، فسافر إلى القاهرة بحثًا عن العلم، فتتلمذ على العلماء والمشايخ وشاءت المقادير أن يلتقي الحافظ زين الدين العراقي، فصحبه ولازمه أشد الملازمة، ولم يفارقه في الحضر، ولا في السفر حتى مات، فسمع معه من
_________
(١) مصادر ترجمته: إبناء الغمر بأبناء العمر (٥/ ٢٥٧)، وذيل تذكرة الحفاظ (٣٧٢)، ولحظ الألحاظ بذيل طبقات الحفاظ (٢٣٩)، والضوء اللامع (٥/ ٢٠١)، وشذرات الذهب (٧/ ٧٠)، والبدر الطالع (١/ ٤٤١)، وطبقات الحفاظ للسيوطي (٥٤)، وحسن المحاضرة (١/ ٣٦٢).
(٢) - لسان العرب (٩/ ٩٨).
стр. 16
ابتداء طلبه على أبي الفتح الميدومي (١)، وابن الملوك (٢) وابن القُطرواني (٣) وغيرهم من المصريين. ومن ابن الخباز (٤) وابن الحموي (٥) وابن قيم الضيائية (٦) وغيرهم من الشاميين.
ثم رحل معه جميع رحلاته، وحج معه جميع حجاته، ورافقه في جميع مسموعه بمصر، والقاهرة، والحرمين، وبيت المقدس، ودمشق، وبعلبك، وحلب، وحماة، وطرابلس وغيرها. وربما سمع الزين بقراءته.
ولم يتؤد أحدهما عن الآخر بسماع أو شيخ إلا في أشياء قليلة.
أعتناء الحافظ العراقي بالهيثمي:
رأى الحافظ العراقي فيه حسن الخلق، والجد في الطلب، وحدة الذهن، وفهمًا ثاقبًا، وذاكرة قوية، فاهتم به كثيرًا، واعتنى به عناية فائقة، فزوجه بنته خديجة، وأفاده بكتبه وتصانيفه، بل قرأ عليه الهيثمي أكثرها. وتخرج به في الحديث، ودربه في إفراد زوائد كتب المعاجم الثلاثة للطبراني. ومسانيد أحمد، والبزار، وأبي يعلى -على الكتب الستة، ثم مر عليها الحافظ العراقي وحررها، وعمل خطبها.
خدمته لشيخه واحترامه له:
عرفانًا بالجميل لشيخه، وتقديرًا لجهوده المخلصة، وتوجيهه السليم. خدمه الحافظ الهيثمي في الحضر والسفر خدمة منقطعة النظير.
_________
(١) هو محمَّد بن محمَّد بن إبراهيم بن أبي القاسم المدومي صدر الدين، ولد في شعبان سنة ٦٤، ومات في شهر رمضان سنة ٧٥٤ (الدرر الكامنة ٤/ ٢٧٤)
(٢) هو محمَّد بن إسماعيل بن عبد العزيز بن عيسى المعروف بابن الملوك ولد سنة ٦٧٤، ومات بالقاهرة في جمادي الأولى سنة ٧٥٦ (الدرر الكامنة).
(٣) هو محمَّد بن علي بن عبد العزيز بن مصطفى قطب الدين القُطرواني المصري، ولد بعد السبعين، ومات في سابع عشر ذي الحجة سنة ٧٦٠ (الدرر الكامنة ٤/ ١٨٧).
(٤) هو محمَّد بن إسماعيل بن إبراهيم بن الخباز ولد في رجب سنة ٦٦٧ وتوفي سنة ٧٥٦ (الدرر الكامنة ٤/ ٤، وشذرات الذهب ٦/ ١٨١).
(٥) هو محمَّد بن إسماعيل بن عمر بن المسلم بن حسن بن نصر بن يحيى الدمشقي، عز الدين بن
ضياء الدين بن الحموي ولد سنة ٦٨٠ (الدرر الكامنة ٤/ ٩).
(٦) هو تقي الدين أبو عمد عبد الله بن محمَّد بن إبراهيم بن نصير المقدسي، الصالحي الزوري العطار مسند الوقت ولد في أواخر سنة ٦٦٩، وتوفي سنة ٧٦١ (الدرر الكامنة ٢/ ٣٨٨، والشذرات ٦/ ١٩١
стр. 17
قال الحافظ ابن حجر: وقد عاشرتهما مدة، فلم أرهما يتركان قيام الليل، ورأيت من خدمته لشيخنا (العراقي) وتأدبه معه من غير تكلف لذلك ما لم أره لغيره، ولا أظن أحدًا يقوى عليه (١).
وقال -أيضًا- كان لا يسأم ولا يضجر من خدمة الشيخ (٢).
وقال البرهان الحلبي: غالب نهاره في اشتغال وكتابة مع ملازمة خدمة الشيخ في أمر وضوئه، وثيابه، ولا يخاطبه إلا بسيدي حتى كان في أمر خدمته كالعبد (٣).
ولم يزل على تقدير شيخه، وتوقيره حتى بعد وفاته.
قال العلامة السخاوي: "بعد وفاة الشيخ أكثروا عنه، ومع ذلك فلم يغير حاله، ولاتصدر، ولا تمشيخ، وكان مع كونه شريكًا للشيخ يكتب عنه الأمالي"، بحيث كتب عنه جميعها، وربما استملى عليه، ويحدث بذلك عن الشيخ، ولا عن نفسه إلا لمن يضايقه (٤).
أخلاقه وصفاته:
كان ﵀ نموذج سلفنا الصالح في الزهد، والتقوى، والتواضع، ومحبة الخير للناس، وغير ذلك من الصفات الحميدة.
قال ابن حجر ﵀: كان ﵀ هينًا لينًا خيرًا دينًا محبًا في أهل الخير، لا يسأم ولا يضجر من خدمة الشيخ، وكتابة الحديث، كان سليم الفطرة، كثير الخير، كثير الاحتمال للأذى- خصوصًا من جماعة الشيخ (٥).
وقال ابن فهد: وكان -رحمة الله تعالى عليه- إمامًا عالمًا حافظًا ورعًا زاهدًا متقشفًا متواضعًا خيرًا هينًا لينًا ساكنًا، سليم الفطرة، شديد الإنكار للمنكر، كثير الاحتمال محبًا للغرباء، وأهلُ الدين والعلم والحديث، كثير التودد إلى الناس مع العبادة والاقتصاد، والتعفف، وكان ﵀ من محاسن القاهرة، ومن أهل الخير، غالب أوقاته في اشتغال وكتابة، كثير التلاوة بالليل والتهجد.
_________
(١) المعجم المفهرس (. . .)، والضوء اللامع (٥/ ٢٠٢)
(٢) إنباء الغمر (٥/ ٢٥٧).
(٣) الضوء اللامع (٥/ ٢٠٢).
(٤) الضوء اللامع (٥/ ٢٠١).
(٥) إنباء الغمر (٥/ ٢٥٧).
стр. 18
وكان -تغمده الله تعالى برحمته- استحضاره كثيرًا للمتون، يجيب عنها بسرعة، فيعجب ذلك شيخنا الحافظ زين الدين العراقي، وربما رجع في حفظ المتون عليهه (١).
وقال السخاوي: وكان عجبًا في الدين والتقوى والزهد، والإقبال على العلم والعبادة والأوراد، وخدمة الشيخ، وعدم مخالطة الناس في شي من الأمور، والمحبة في الحديث وأهله.
وقال -أيضأ- والثناء على دينه وزهده وورعه ونحو ذلك كثير جدًا، بل هو في ذلك كلمة اتفاق (٢).
مؤلفاته:
تقدمت الإشارة أن الحافظ العراقي أشار عليه بتخريج زوائد حسند أحمد، وساعده على ذلك بكتبه، وآرائه السديدة، ومشورته المفيدة، وشجعه بتحريره، وكتابة خطبه ونحو ذلك، حتى حبب إليه هذا العمل، واختص بجمع الأحاديث الزائدة على الكتب الستة، وبلغ ما كتبه في الزوائد ثمانية كتب- وهي:
١ - "غاية المقصد في زوائد مسند أحمد". جمع فيه ما انفرد به الإِمام أحمد في مسنده عن الكتب الستة من حديث بتمامه أو من حديث فيه زيادة على ما في الكتب الستة، ورتبها على أبواب الفقه. وقد حقق النصف الأول منه، قام بتحقيقه أخونا الفاضل المرحوم الدكتور سيف الرحمن مصطفى، وأخونا الدكتور حمزة الهندي، ونالا به درجة الدكتوراه من جامعة أم القرى- حرسها الله-. بمكة المكرمة.
٢ - "كشف الأستار عن مسند البزار". جمع فيه زوائد مسند البزار على الكتب الستة، وقد طبع هذا الكتاب في أربعة أجزاء بتحقيق فضيلة الشيخ حبيب الرحمن الأعظمي.
٣ - "المقصد العلي في زوائد أبي يعلى الموصلي". خرج فيه الهيثمي ﵀ زوائد مسند أبي يعلى على الكتب الستة، ورتبها على أبواب الفقه، وقد طبع منه الجزء الأول بتحقيق الدكتور نايف بن هاشم الدعيش، وأخذ عليه درجة الدكتوراه من الجامعة الإِسلامية -حرسها الله- بالمدينة المنورة. ووفقه الله لإخراج أجزائه الباقية.
_________
(١) لحظ الألحاظ (٢٣٩).
(٢) الضوء اللامع (٥/ ٢٠١، ٢٠٢).
стр. 19
٤ - "البدر المنير في زوائد المعجم الكبير". جمع فيه ﵀ زوائد المعجم الكبير للطبراني، على الكتب الستة -وهو مخطوط- كما ذكره الشيخ الكتاني في الرسالة المستطرفة (ص ١٤٠) في ثلاث مجلدات.
٥ - "مجمع البحرين في زوائد المعجمين".-الأوسط والصغير- للإمام الطبراني، وهو الكتاب الذي أقوم بتحقيقه، وتقديمه بين يدي القراء -إن شاء الله- وسيأتي وصفه والكلام عليه قريبًا.
٦ - "مجمع الزوائد ومنبع الفوائد". ولما فرغ الحافظ الهيثمي ﵀ من جمع زوائد مسند أحمد، ومسند البزار، ومسند أبي يعلى، وزوائد المعاجم الثلاثة للطبراني" جمع زوائد هذه الكتب الستة في كتاب سماه مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، وحذف أسانيدها، وتكلم عقب كل حديث لبيان درجة الحديث من صحة، وحسن، وضعف، وغير ذلك.
وهذا الكتاب من أهم كتب السنة بعد الأصول الستة، ومن يطلع عليه يخضع لجلالة قدر مؤلفه في الحديث، وهو مطبوع في عشرة أجزاء.
٧ - "موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان". جمع فيه المؤلف زوائد صحيح ابن حبان على الصحيحين -صحيح البخاري، وصحيح مسلم- ورتبها على الأبواب الفقهية. وقد طبع هذا الكتاب مرارًا.
٨ - "بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث". مخطوط.
وللهيثمي ﵀ مؤلفات في ترتيب بعض الكتب التي كانت تصعب الاستفادة منها إلاَّ بجهد، وصرف وقت طويل، فرتبها على حروف الهجاء ليسهل على الباحث الرجوع إليها بيسر وسهولة وبجهد أقل، ووقت أقصر. فمنها:
٩ - "ترتيب ثقات ابن حبان". مخطوط (١).
١٠ - "ترتيب ثقات العجلي"، وقد طبع هذا الكتاب في مجلدين بتحقيق أخينا الفاضل الشيخ عبد العليم بن عبد العظيم البستوي، وقد بذل في تحقيقه ودراسته جهدًا كبيرًا يشكر عليه.
_________
(١) المقصد العلي (ص ٥٦).
стр. 20
١١ - ترتيب الأحاديث المسندة في حليه الأولياء للحافظ أبي نعيم ورتبها على الأبواب، ومات عنه وهو مسود، فبيضه وأكمله ابن حجر ﵀ (١).
كما رتب:
١٢ - أحاديث الغيلانيات.
١٣ - وأحاديث الخلعيات.
١٤ - وفوائد أبي تمام.
١٥ - والأفراد للدارقطني.
رتبها على الأبواب.
ذكر ذلك الحافظ السخاوي في الضوء اللامع (٢).
وفاته:
توفي ﵀ في ليلة الثلاثاء التاسع والعشرين مع شهر رمضان المعظم سنة سبع وثمان مئة. ولم يخلف بعده مثله (٣).
_________
(١) لحظ الألحاظ (٢٣٩)، والضوء اللامع (٥/ ٢٠١).
(٢) ٥/ ٢٠١.
(٣) لحظ الألحاظ (ص ٢٣٩).
стр. 21
كتاب "مجمع البحرين في زوائد المعجمين" للهيثمي ﵀ -
هذا الكتاب يحتوي بين طياته على زوائد المعجم الأوسط، والمعجم الصغير "للإمام الطبراني ﵀، خرج فيه الحافظ الهيثمي ﵀ ما انفرد به الطبراني فيهما عن أهل الكتب الستة من حديث بتمامه أو من حديث فيه بعض الزيادة عليهم، مميزًا بقوله: أخرجه فلان خلا كذا، أو ذكرته لأجل كذا، ولم أره بهذا السياق" وشبه هذا.
وخرج فيه -أيضًا- ما رواه الترمذي في الشمائل، والنسائي في الكبير مما ليس في المجتبى الصغير، كعمل يوم وليلة، والتفسير والسير والمناقب، والطب، وكثير من عشرة النساء وشيء من الصيام.
فأخرج الحافظ الهيثمي، تلك الأحاديث الزائدة على الكتب الستة من المعجم الأوسط، والمعجم الصغير للطبراني بأسانيدها، وقسمها على الكتب، بدءًا بكتاب الإيمان، وإنهاء بكتاب الزهد.
ثم قسم كل كتاب على الأبواب الفقهية، وترجم لكل باب ترجمة دقيقة، وذكر فيه من حديث أو أكثر ما يناسب تلك الترجمة، ليسهل على الباحث الكشف عليه، والرجوع إليه في وقت قصير.
نسخ الكتاب:
قد عثرت على نسختين للكتاب المذكور:
١ - نسخة كاملة بمكتبة الحرم المكي برقم ٨١٢ حديث، ولدي الآن نسخة مصورة منها.
стр. 22
وجاء عنوان الكتاب على غلافه كالتالي.
"كتاب مجمع البحرين في زوائد المعجمين، للإمام الحافظ نور الدين الهيثمي ﵀.
وتقع هذه النسخة في خمس مئة وثمان صفحات كبيرة، وكل صفحة فيها ٣٩ سطرًا.
خطها دقيق ومقروء، وفيها بعض الأخطاء الفنية في رسم الكلمات التي لاتخفى على من مارس قراءة المخطوطات.
لم يذكر ناسخ النسخة اسمه لا في أول الكتاب، ولا في آخره.
وأما تاريخ نسخه فهو سنة ثمان مئة وسبع وخمسين الهجرية بالقاهرة -كما جاء في آخر الكتاب.
٢ - نسخة بسرائي أحمد الثالث بتركيا، برقم ٤٦٣، ولدي نسخة مصورة منها، وهي تتمثل نصف الكتاب، وعنوان الكتاب على الغلاف كالتالي:
"الجزء الأول -وهو النصف- من زوائد معجمي الطبراني -الأوسط والصغير- للحافظ أبي الحسن الهيثمي رحمة الله عليه".
ويقع هذا الجزء في ٢٣٢ ورقة، وكل ورقة فيها صفحتان، وكل صفحة تشتمل على ٢٥ سطرًا.
خطها جيد، والأخطاء فيها قليلة جدًا.
وكاتب النسخة، وما لكها: هو محمَّد بن أحمد المظفري -وهو رجل ثقة من أهل العلم ترجم له الحافظ السخاوي في الضوء اللامع (٧/ ٧٦) وقال: ولد سنة تسع وسبعين (وثمان مئة) بسويقة المظفر، وحفظ القرآن، والبعض من كل من الحاوي، والمنهاج، وألفيّة ابن مالك وغير ذلك، إلى أن قال: وكتبت له إجازة في كراسة.
وأما تاريخ نسخه فلم يذكر لا في أول الكتاب، ولا في آخره.
ويظهر بالمقارنة بين النسختين -نسخة الحرم المكي، ونسخة تركيا أن نسخة تركيا أصح من نسخة الحرم المكي، كماتختلف هذه النسخة عن نسخة الحرم المكي في الأمور التالية:
стр. 23
١ - في تفريع الأبواب.
ففي نسخة الحرم المكي عدد الأبواب التابعة للكتاب أقل مما جاء في نسخة تركيا.
فكل باب أحيط بمعكوفتين هكذا []، فهو من نسخة تركيا فقط.
٢ - في ترتيب الأبواب، والأحاديث، تقديمًا وتأخيرًا:
وهذا الاختلاف حاصل في بعض مواضع الكتاب، وعند وقوع الخلاف بين النسختين في التقديم والتأخير، اخترت ترتيب نسخة تركيا، فإنه في نظري أدق وأصلح، وذكرت في الهامش: أن هذا الباب أو هذا الحديث في (ح) -أي نسخة الحرم المكي- بعد رقم حديث كذا.
٣ - في تقديم كلام الطبراني عقب الحديث، وتأخيره:
ذيل الإِمام الطبراني عقب رواية كل حديث- خاصة في المعجم الأوسط بقوله: لا يروى عن فلان إلا بهذا الإسناد، أو لم يرو عن فلان إلا فلان، أو تفرد به فلان، أو نحو هذا. فإن كان للهيثمي تعليق على الحديث لتوضيح شيء، أو لبيان سبب أخراجه في الزوائد، ففي مثل هذه الحالة ذكر في نسخة تركيا كلام الهيثمي أولًا، ثم ذكر تذييل الطبراني على الحديث. وأما في نسخة الحرم المكي قدم تذييل الطبراني على الإسناد على تعليق الهيثمي على الحديث.
هذا وقد رمزت نسخة الحرم المكي بـ (ح)، ونسخة تركيا بـ (ت).
أهمية الكتاب:
كفى به أهمية أنه زوائد معجم الأوسط الذي كان يقول فيه مؤلفه الإِمام الطبراني: هذا الكتاب "روحي".
ثم أنه يشتمل على الأحاديث التي لا توجد في أحد الكتب الستة المتداولة أكثر.
فإخراج مثل هذا الكتاب مهم جدًا، وسيكون مفيدًا، ونافعًا للجميع إن شاء الله.
стр. 24
عملي في تحقيق الكتاب
يتلخص عملي في تحقيق هذا الكتاب في الأمور التالية:
١ - تحقيق نصوص الكتاب:
وقد اعتمدت في ذلك على نسختين، نسخة الحرم المكي، ورمزت لها بـ (ح)، ونسخة سرائي أحمد الثالث بتركيا، ورمزت لها بـ (ت)، بالإضافة إلى الأصلين- المعجم الأوسط- الذي رمزت له بـ (طس)، والمعجم الصغير الذي رمزت له بـ (طص)، فقابلت نصوص بعضها من بعض، وعند الاختلاف في كلمة، أو أكثر عن كلمة، حاولت قدر المستطاع أن أثبت الصواب، أو الراجح في صلب الكتاب، وذكرت خلافه في الهامش، مشيرًا إلى النسخة التي ورد فيها.
وأشرف إلى بدء الورقات لنسخة سرائي أحمد الثالث وبدء الصفحات لنسخة الحرم المكي بوضع خط مائل قبل الكلمة الأولى من أول كل ورقة أو صفحة، ثم أكتب بمحاذاة ذلك الخط رمز النسخة، ورقم الورقة أو الصفحة. ليسهل الرجوع إلى الأصل لمن أراد ذلك.
٢ - ترجمة موجزة لرجال السند:
درست رجال السند دراسة عميقة بالرجوع إلى الكتب المعتمدة في تراجم رواة الحديث للتأكد في أسمائهم. ونَسَبهم، ونِسَبهم، ثم ذكرت فيهم أقوال الأئمة النقاد بالإيجاز جرحًا وتعديلًا، وبينت فيهم الرأي الراجح عند وقوع الاختلاف ما عدا الرواة الذين خرج لهم الشيخان -البخاري، ومسلم- أو أحدهما فإنني اكتفيت فيهم بالدراسة فقط للتأكد في صحة أسمائهم ونسبهم، وعدم وقوع تحريف أو تصحيف من الناسخ ولم أكتب تراجمهم كي
стр. 25
لا يطول الهامش ومن ثم الكتاب من شيء ليس فيه كثير جدوى. فأي راوٍ من رواة الحديث لم يترجم له في الهامش، فمعناه أنه من رجال الصحيحين كليهما أو أحدهما.
وقد بذلت في تراجم الرواة قصارى جهدي، وعانيت فيها معاناة شديدة، خاصة في تراجم شيوخ الطبراني، وما يقدَّر ذلك إلا من جرب حظه في هذا المضمار، وأدلى دلوه في هذه البحار، ومع ذلك لم أتمكن على معرفة تراجم عديدة، ولعل سبب ذلك عدم دقتي في البحث، أو عدم توفر بعض المراجع لديّ، فتركت أمرها لمن هم أوسع اطلاعًا مني، راجيًا منهم أن لا يضنوا بي عند الوقوف على مثل هذه التراجم ليمكن إلحاقها أوإضافتها في الطبعات القادمة.
ومما يثلج صدري وتقر عيني بأنني ما آليت جهدًا في البحث عن تراجم الرواة، أننىِ قد وقفت على تراجم لم يقف عليها الحافظ الهيثمي- كما يجيء ذلك مفصلًا في صفحات الكتاب.
٣ - تخريج الأحاديث:
حيث أن كتاب مجمع البحرين يحتوي على زوائد المعجمين - المعجم الأوسط، والمعجم الصغير للطبراني، فخرجت أولًا كل حديث من الأوسط أو الصغير أومنهما، ثم خرجته من مجمع الزوائد وذكرت رأي الهيثمي في الحديث تصحيحًا أو تضعيفًا، وربما خالفته في ضوء ما وصلت إليه من دراسة إسناد الحديث.
كما حاولت تخريج كل حديث من مصادر أخرى لمعرفة طرقه والتأكد به، وذكرت كل ذلك في هامش الكتاب.
٤ - شرح الكلمات الصعبة:
مستعينًا بكتب غرائب الحديث، وكتب المعاجم.
هذا، وأسأل الله المولى أن يعلمنا ما جهلنا، وينفعنا بما علمنا ويهدينا إلى السواء السبيل. وصلى الله على نبينا ورسولنا محمَّد وعلى آله وصحبه وبارك وسلم.
الراجي عفو ربه القدير
عبد القدوس محمَّد نذير
٤/ ٣/١٤٠٨ هـ
стр. 26
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[" ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيء لنا من أمرنا رشدا] (١)، وصلى الله وسلم على سيدنا محمَّد وآله وصحبه.
الحمد الله المعين على تيسير العسير، وأشهد أن لا إله، إلا الله وحده لا شريك له، شهادة تنجي قائلها من عذاب السعير، وأشهد أن محمدًا عبده، ورسوله البشير النذير، صلى الله عليه وعلى آله ما أشرق يوم منير، وطلعت شمس على ثبير.
وبعد! فقد رأيت المعجم الأوسط والمعجم الصغير لأبي القاسم الطبراني ذي العلم الغزير، قد حويا من العلم ما لا يحصل لطالبه. إلا بعد كشف كبير. فأردت أن أجمع منهما، كل شاردة إلى باب من الفقه يحسن أن تكون فيه واردة. فجمعت ما انفرد به عن أهل الكتب الستة من حديث بتمامه، وحديث شاركهم فيه بزيادة عنده مميزًا لها بقولي: أخرجه فلان خلا كذا، أو ذكرته لأجل كذا، ولم أره بهذا السياق، وشبه هذا.
وأخرجت فيه -أيضًا- ما رواه الترمذي في الشمائل، والنسائي في الكبير مما (٢)، ليس في المجتبى الصغير، كعمل اليوم والليلة، والتفسير، والسير، والمناقب، والطب، وكثير من عشرة النساء، وشيء من الصيام، فما كان فيه من كتاب عشرة النساء في الكبير أو الصوم، وليس هو في الصغير ذكرته، وقلت: أخرجه الشيخ جمال الدين [في الأطراف (٣)]، وليس هو في المجتبى، أو لم أره في نسختي.
стр. 27
فما كان من حديث على أوله (ق) فهو في المعجم الصغير والأوسط، بإسناده سواء، ومتنه بنحوه، أو مثله.
وما كان على أوله (ص) فهو ما انفرد به الصغير، وما كان من الصغير، وله أسانيد في الأوسط بدأت بإسناد الصغير وذكرت طرقه من الأوسط، مستمدًا من الله سبحانه العون على هذا وعلى غيره، ولا حول ولا قوة، إلا بالله، وأسأل الله السلامة لي، ولأصحابي، إنه قريب مجيب.
وقد رتبته على كتب، أذكرها لكي يسهل الكشف إن شاء الله تعالى، وهي:
[كتاب (١)] الإيمان، [كتاب] العلم، [كتاب] الطهارة، [كتاب] الصلاة، [كتاب الجنائز]، وفيه ما يتعلق بعيادة المريض، ونحوه، و [كتاب] الزكاة، وفيه صدقة التطوع، [كتاب] الصيام، [كتاب] الحج، [كتاب] الأضاحي، [كتاب] الصيد والذ بائح، [كتاب] الوليمة والعقيقة، [كتاب] البيوع، [(٢) وفيه اللقطة والغصب وغيرها]، [كتاب] الوصايا، [كتاب] الفرائض، [كتاب] العتق، [كتاب] الأيمان، والنذور، [كتاب] الشهادات (٣)، [كتاب] النكاح، [كتاب] الطلاق، [كتاب] الحدود، [كتاب] الديات، [كتاب] الخلافة، وما يتعلق بالأمراء، [كتاب] الجهاد، [كتاب] المغازي، [كتاب] قتال أهل البغي، [كتاب] البر والصلة، [كتاب] الأدب، [كتاب] التعبير، [كتاب] القدر، [كتاب] التفسير، وفيه القراءات، وكم أنزل القرآن على حرف، [وفضائل القرآن] (٤)، وما يتعلق بقراءته، [كتاب] علامات النبوة، وفيه ذكر الأنبياء، صلى الله على نبينا وعليهم وسلم، والخضر ﵁، [وكتاب] المناقب، [كتاب] الأطعمة، [كتاب] الأشربة، [كتاب] الطب، [كتاب] اللباس، [كتاب] الزينة، [كتاب] الفتن، [كتاب] الأذكار، [كتاب] الأدعية، [كتاب] التوبة، [كتاب]، البعث، [كتاب] صفة النار، [كتاب] صفة الجنة، [كتاب] الزهد، وأسأل الله سبحانه أن ينفع به إنه سميع الدعاء.
وقد أخبرني بالمعجم الصغير الشيخان المسندان، أبو الحرم محمَّد بن محمَّد بن محمَّد بن
стр. 28
أبي الحرم القلانسي (١)، والمحدث ناصر الدين أبو عبد الله محمَّد بن أبي القاسم [(٢) بن إسماعيل] الفارقي (٣)، قراءة عليهما، وأنا أسمع، وقراءة مني بعد ذلك على الفارقي فقط، قالا: أخبرتنا الشيخة الصالحة ذات إقبال مؤنسة خاتون ابنة الملك العادل أبي بكر بن أيوب (٤)، قال الأول: بجميع الكتاب، وقال الثاني: من باب الحاء المهملة إلى آخره (٥)، قالت: أخبرنا المشايخ الأربعة، أبو الفخر أسعد بن سعيد بن روح (٦)، وأبو سعد أحمد بن محمد بن أبي نصر، وأم هاني عفيفة بنت أحمد الفارقانية (٧)، وأم حبيبة عائشة بنت معمر بن عبد الواحد بن الفاخر (٨) [(٩) إجازة]، قالوا: أخبرتنا أم إبراهيم فاطمة بنت عبد الله بن أحمد الجوزدانية (١٠)، قالت عائشة: حضورًا، وقال الباقون: سماعًا (ح).
وقال الفارقي -أيضًا-: أنا الحافظ شرف الدين أبو محمد عبد المؤمن بن خلف الدمياطي (١١)، سماعًا عليه بجميع الكتاب، قال: أنا أبو المظفر صقر بن يحيى بن صقر
стр. 29
الحلبي (١)، واللفظ له، وأبو إسحاق إبراهيم بن خليل [(٢) بن عبد الله الدمشقي الحافظ] (٣) وأبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن أحمد المقدسي (٤)، قالوا: أنا أبو الفرج يحيى بن محمود الثقفى (٥)، أنا أبو عدنان محمد بن أحمد بن أبي نزار، وفاطمة بنت عبد الله الجوزدانية، قالا: أنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن ريذة (٦)، أنا [أبو] القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب الطبراني، (ح).
وأخبرني بالمعجم الأوسط أبو طلحة محمد بن علي بن يوسف الحراوي (٧) قراءة عليه، وأنا أسمع من أول باب النون إلى آخر الكتاب وأجازني باقيه (٨)، أنا الحافظ أبو محمد عبد المؤمن [[بن خلف] الدمياطي، إجازة] [(٩) لجميعه]، أنا الحافظ أبو الحجاج يوسف بن خليل (١٠) [الدمشقي، قراءة عليه وأنا أسمع]، أنا أبو سعيد خليل بن أبي الرجاء بن أبي الفتح الراراني (١١)، [بقراءتي عليه بجميعه (٣)] أنا أبو علي الحسن بن أحمد بن الحسن
стр. 30
الحداد (١) إجازة [(٢) لمعظمه وسماعًا ملفقًا] أنا أبو نعيم أحمد بن عبد الله الحافظ (٣)، أنا أبو القاسم الطبراني [بجميعه (٢ ¬)].
وكل كلام أقول في أوله: قلت، فهو من كلامي.
وما كان من كلام على الحديث، فهو من كلام الطبراني، وربما اختصرت من كلامه لطوله، ولا أحل بمعناه -إن شاء الله-.
وربما قال: لا يروى عن فلان، إلا بهذا الإسناد، ثم يرويه (٤) بإسناد آخر، فأنبه عليه -إن شاء الله-.
وربما علمت لكلام الطبراني (ط)، للفصل بين الكلامين (٥) [(٦ ¬) وربما حصل اعتراض عليه بأن يقول: لا يروى إلا بهذا الإسناد، ونحوه من الكلام، ويكون رواه بإسناد آخر، وقد جمعته من نسخة فيها سقم، ثم وجدت نسخة غير كاملة، فاستعنت بها، وماوجدته من والناقص كتبت له عندي رمزًا في ورقة خارجة عن هذا، فإن وجدت نسخة صحيحة كشفته إن شاء الله (٦)].
والله المستعان، وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
стр. 31
١ - كتاب الإِيمان
١ - باب في من شهد أن لا إله إلا الله
[١] حدثنا أبو مسلم، ثنا أبو عاصم، عن يونس بن الحارث، حدثني أبو مشرح، أو مشرس [قال] سمعت أبا شيبة الخدري، سمعت
стр. 32
رسول الله ﷺ يقول: من قال لا إله إلا الله دخل الجنة
قال الطبراني: لا يروى عن أبي شيبة إلا بهذا الإسناد، تفرد به أبو عاصم.
[٢] حدثنا إبراهيم، ثنا عمرو بن خلف، ثنا فضيل بن سليمان النميري، ثنا
стр. 33
عمر (١) بن سعيد بن سرحة التنوخي، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن عثمان بن عفان، عن أبي بكر الصديق، قال:
قلت: يا رسول الله! فيم نجاة هذا الأمر (٢)؟ فقال: في الكلمة التي أردت عليها عمى، فأباها، شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله.
قال الطبراني: لم يروه عن الزهري إلا عمر (١).
стр. 34
[٣] ص حدثنا عمرو (١) بن محمَّد الرفاعي الأصبهاني (٩) ثنا محمَّد بن إبراهيم الجيراني، (ح).
وحدثني أحمد بن علي الجارودي (٢) الأصبهاني، ثنا إبراهيم بن عمر (٣) بن حفص بن معدان، قالا: ثنا بكر بن بكار، ثنا شعبة، ثنا عياش الكلبي، أنه سمع أنس بن مالك يقول:
стр. 35
قال رسول الله ﷺ : من مات -وهو يشهد أن لا اله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، دخل الجنة.
قال الطبراني: لم يروه عن شعبة، إلا بكر، وشيخ من أهل البصرة حنفي.
[٤] ق حدثنا الحسين بن محمَّد بن حاتم العجل (١)، ثنا الحسين بن علي بن يزيد الصدائي، حدثني أبي، حدثنا حفص الغاضري، عن موسى الصغير، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن أبي هريرة، قال:
قال رسول الله ﷺ : من قال لا اله إِلا الله نفعته يومًا من دهره، ولو بعد ما يصيبه العذاب.
قال الطبراني: لم يروه عن موسى إلا حفص تفرد به الحسين بن علي.
[٥] حدثنا محمد بن عمرو، ثنا أبي، ثنا حديج بن معاوية، ثنا حصين، عن هلال بن يساف. عن الأغر (٢)، عن أبي هريرة.
قلت: فذكر بنحوه.
стр. 36
[٦] حدثنا أحمد [[هو ابن عقال] ثنا أبو جعفر] [(١) هو النفيلي] حدثنا محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن عيسى بن عبد الله بن مالك، عن أبي سليمان زيد بن وهب الجهني، عن أبي الدرداء قال:
قال رسول الله ﷺ : من شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله مخلصًا دخل الجنة.
стр. 37
[٧] حدثنا أبو العباس أحمد بن محمَّد الجوهري، حدثنا محمَّد بن عبد الرحمن بن غزوان، ثنا شريك، عن أبي إسحاق، عن زيد بن أرقم، قال:
قال رسول الله ﷺ : من قال لا إله إلا الله [(١) مخلصًا] دخل الجنة، قيل: وما إخلاصها؟ قال: أن تحجره عن محارم الله.
قال الطبراني: لم يروه عن أبي إسحاق، إلا شريك تفرد به محمَّد.
[٨] حدثنا أحمد، ثنا أبوعبيد الله أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، ثنا عمي
стр. 38
عبد الله بن وهب، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن الصنابحي، قال حدثني سعد بن عبادة، قال:
سمعت النبي ﷺ يقول: من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أطاع بها قلبه، وذل بها لسانه، وأشهد أن محمدًا رسول الله (١)، حرمه الله على النار.
قال الطبراني: لم يروه عن زيد، إلا ابنه تفرد به ابن وهب.
[٩] حدثنا أحمد بن إبراهيم، [(٢) ثنا إبراهيم] بن عبد الله بن العلاء بن زبر، ثنا
стр. 39
أبي عبد الله بن العلاء، عن الزهري والأوزاعي، حدثني المطلب بن عبد الله بن حنطب، حدثني عبد الرحمن بن أبي عمرة الأنصاوي، حدثني أبي قال:
كنا مع رسول الله ﷺ في غزوة غزاها، فأصاب الناس مخمصة، فاستأذن الناس رسول الله ﷺ في نحر بعض ظهرهم، فهم رسول الله ﷺ أن يأذن لهم في ذلك، فقال
عمر بن الخطاب: أرأيت يا رسول الله (١) إذا نحرنا ظهرنا، ثم لقينا عدونا غدًا، ونحن جياع رجالًا (٢)؟ فقال رسول الله ﷺ : فما ترى يا عمر؟ قال: تدعو الناس ببقايا أزوادهم، ثم تدعو لنا [فيها (٣)]، بالبركة، فإن الله / سيبلغنا بدعوتك إن شاء الله [قال (٣)]: فكأنما كان على رسول الله ﷺ غطاء، فكشف، فدعا بثوب، فأمر به، فبسط، ثم دعا الناس ببقايا أزوادهم، فجاءوا بما كان عندهم، فمن الناس من جاء بالحفنة من الطعام [(٣) أو الجفنة] ومنهم من جاء بمثل البيضة، فأمر به رسول الله ﷺ ، فوضع على ثوب (٤)، ثم دعا فيه بالبركة، وتكلم بما شاء الله أن يتكلم، ثم نادى في الجيش، فجاءوا، ثم أمرهم، فأكلوا، وطعموا، وملؤوا أوعيتهم، ومزاودهم، ثم دعا بركوة، فوضعت بين يديه، ثم دعا بماء فصب فيها، ثم مج فيه (٥) وتكلم بما شاء الله أن يتكلم، ثم أدخل خنصره [(٦) فيها]، فأقسم بالله لقد رأيت أصابع رسول الله ﷺ تتفجر ينابيع من الماء، ثم أمر الناس، فشربوا، وسقوا، وملؤوا قربهم، وإداواتهم (٧) ثم ضحك رسول الله ﷺ ، حتى بدت نواجذه، قال: أشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، لا يلقى الله بهما أحد يوم القيامة إلا دخل الجنة على ما كان فيه.
قال الطبراني: لم يروه عن الزهري إلا عبد الله بن العلاء تفرد به ابنه عنه.
стр. 40
[١٠] [(١) حدثنا أحمد، ثنا يحيى بن محمد بن السكن ثنا محمد بن جهضم، ثنا إسماعيل بن جعفر عن سهيل بن أبي صالح عن سليمان الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة.
أن رسول الله ﷺ نزل في غزوة غزاها فأصاب أصحاب النبي ﷺ جوع، نفذت أزوادهم، فجاءوا إلى رسول الله ﷺ ، فشكوا (٢) إليه ما أصابهم، ويستأذنونه في أن ينحروا بعض رواحلهم، فأذن لهم [فخرجوا]، [فمروا بعمر فقال: من أين جئتم] (٣) فأخبروه أنهم استأذنوا رسول الله ﷺ أن (٤) ينحروا بعض إبلهم، قال: فأذن لكم؟ قالوا: نعم، قال: فإني أقسم عليكم لما رجعتم معي إلى رسول الله ﷺ فرجعوا معه، فذهب عمر إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله أتأذن لهم أن ينحروا رواحلهم، فماذا يركبون؟.
فقال رسول الله ﷺ : فماذا أصنع؟ ليس معي ما أعطيهم، فقال عمر: بلى يا رسول الله تأمر من كان معه فضل من زاد أن يأتي به، فتجمعه على شيء، ثم تدعو فيه، ثم تقسمه بينهم، ففعل، فدعاهم بفضل أزوادهم، فمنهم الآتي بالقليل، والآتي بالكثير فجعله في شيء، ثم دعا فيه بما يشاء الله أن يدعو، ثم قسمه بينهم، فما بقي في القوم أحد، إلا ملأ ما كان معه من وعاء وفضل فضل، فقال عند ذلك: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله من جاء بها يوم القيامة غير شاك أدخله الله الجنة.