← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 1354

دراسات أصولية تطبيقية على آيات الأحكام

عبد الرحمن بن علي الحطاب

Полный текст (391 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

للاستئناف، أي إن الخطاب كان لإبراهيم ﵇ في قوله: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (٢٦)﴾ [الحج: ٢٦]، ثمَّ خاطب المولى النبي ﷺ بقوله: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾، أو أن المخاطب بذلك إبراهيم ﵇، وشرعه شرع لنا ما لم يرد في شرعنا ما يخالفه، وليس في شرعنا ما يخالفه. قال القرطبي: «لما فرغ إبراهيم ﵇ من بناء البيت، وقيل له: ﴿أذن في الناس بالحج﴾ … وقيل: إنّ الخطاب لإبراهيم ﵇ تمّ عند قوله ﴿السُّجُودِ﴾ ثم خاطب الله محمّدًا ﵊ فقال: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾؛ أي: أعلمهم أن عليهم الحج. وقول ثالث: إنّ الخطاب من قوله: ﴿أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا﴾ [الحج: ٢٦] مخاطبة للنبي ﷺ . وهذا قول أهل النظر؛ لأنّ القرآن أنزل على النبي ﷺ ، فكل ما فيه من المخاطبة فهي له إلّا أن يدل دليل قاطع على غير ذلك، وهاهنا دليل آخر يدل على أن المخاطبة للنبي ﷺ وهو: ﴿أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي﴾ بالتاء، وهذا مخاطبة لمشاهد، وإبراهيم ﵇ غائب» (١). * الوقفة الثانية: استدل بعض العلماء بالآية على سقوط فرض الحج بالبحر. ومأخذ الحكم: عدم ذكره في الآية. قال القرطبي: «قال مالك في الموازية: لا أسمع للبحر ذكرا، وهذا تأنس، لا أنه يلزم من سقوط ذكره سقوط الفرض فيه؛ وذلك أن مكة ليست في ضفة بحر فيأتيها الناس في السّفن، ولا بد لمن ركب البحر أن يصير في إتيان مكة إما راجلا وإما على ضامر، فإنما ذكرت حالتا الوصول» (٢) - يعني إلى مكّة -.

стр. 72

* الوقفة الثالثة: تفضيل المشي على الركوب في الحجّ، وهو قول كثير من أهل العلم. مأخذ الحكم: لتقديم الله سبحانه له في الذكر، واستدلوا على ذلك ببعض الأثار لقوله ﵇: (إنّ للحاجِّ الراكب بكل خطوة تخطوها راحلته سبيعين حسنة، والماشي بكل خطوة سبع مئة حسنة) (١) والحديث ضعيف (٢). تنبيه: من ذهب إلى أن الركوب أفضل؛ فلأجل الاقتداء بالنبي ﷺ ، وقد قال ﵊: «لتأخذوا عني مناسككم» (٣)، ولأجل كثرة النفقة. وقوله ﵊ لعائشة: «ولكنها على قدر نصبك، أو قال: نفقتك» (٤) يحتمل الأمرين. وذهب بعض أهل العلم أن النبي ﷺ إنّما حجّ راكبًا حتى يظهر ليقتدى به ويستفتى. ولا خلاف بين أهل العلم في جواز الرّكوب والمشي، وإنّما الخلاف في الأفضل منهما. * الوقفة الرابعة: جواز التجارة في الحجّ، من قوله: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾. واللام للتعليل، وفسِّرت المنافع بالتجارة، وأكثر المفسرين على أنّها تشتمل منافع الدّين والدّنيا، وتدخل التّجارة تبعًا. قال الجصاص: «فاقتضى ذلك أنهم دعوا وأمروا بالحج ليشهدوا منافع لهم، ومحال أن يكون المراد منافع الدنيا خاصة; لأنه لو كان كذلك كان الدعاء إلى

стр. 73

الحج واقعًا لمنافع الدنيا، وإنما الحج: الطواف والسعي والوقوف بعرفة والمزدلفة ونحر الهدي وسائر مناسك الحج، ويدخل فيها منافع الدّنيا على وجه التبع والرخصة فيها، دون أن تكون هي المقصودة بالحج، وقد قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨] فجعل ذلك رخصة في التجارة في الحج» (١). قلت: ولا خلاف بين العلماء في أن المراد بقوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ التجارة، وقد سبق. ومأخذ الحكم: يتعلق بالأمر والأذان السابق، أي: فأذن بالحج ليشهدوا منافع لهم، والأمر يقتضي هنا الإباحة، كما دلت عليه آية البقرة. * الوقفة الخامسة: مشروعية ذكر الله في الأيام المعلومات؛ لقوله تعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ وهي معطوفة على قوله: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ وسبق القول أنّ اللام هنا للتعليل. والمعنى: فأذن بالنّاس لأجل أن يشهدوا منافع لهم؛ ولأجل أن يذكروا اسم الله في هذه الأيام على ما رزقهم من بهيمة الأنعام. ومأخذ المشروعية: ما سبق أن الأمر بالإذن للناس يدل على المشروعية، والتي من ثمرتها ومنافعها ذكر الله. واختلف العلماء في المراد بذكر الله هنا، قال ابن الفرس: «واختلف في ذكر اسم الله ما هو؟ فقيل: هو بمعنى حمده وشكره على نعمته في الرزق، ويؤيده

стр. 74

قوله ﵊ «إنها أيام أكل وشرب وذكر الله تعالى» (١) وقيل: المراد ذكر الله على النحر والذبح» (٢). كما أنهم اختلفوا في المراد بالأيام المعلومات، فقيل: أيام العشر، وقيل: أيام الحج، وهو يوم عرفة والنّحر وأيام التّشريق، وقيل: يوم التّروية وعرفة، ويوم النحر، وقيل: يوم النحر ويومان بعده، وكل يستدل لقوله ببعض الآثار. * الوقفة السادسة: الذّبح والنحر لا يكون إلّا في هذه الأيام، وأجمعوا على أنّه لا يجوز الذبح في هذه الأيام حتى يكون يوم النحر. ومأخذ الحكم: مفهوم الظرف حيث دلّ اختصاص هذه الأيام المعلومات بالذكر على ما رزقهم من بهيمة الأنعام بمفهومه على أنّه لا يكون في غيرها. * الوقفة السابعة: ذهب بعض العلماء إلى أن الليالي لا تدخل، فلا يجوز الذّبح بالليل؛ لقوله تعالى: ﴿فِي أَيَّامٍ﴾ ومأخذ الحكم: مفهوم اليوم، يدل على عدم دخول الليل، إذا قيل إنّ اليوم من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، وهذا يعتبر مفهوم ظرف زمان. ومن قال: بأن الليل يدخل في اليوم أجاز الذبح فيها. * الوقفة الثامنة: مشروعية الأكل من الهدي والأضاحي والإطعام. ومأخذ الحكم: الأمر الوارد بقوله: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ وهو أمر ندبٍ عند الجمهور.

стр. 75

قال القرطبي: «أمر معناه الندب عند الجمهور … وشذت طائفة فأوجبت الأكل والإطعام بظاهر الآية» (١). وقال ابن الفرس: «قوله: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ أمر إباحة بالأكل من الهدايا». ثم ذكر خلاف العلماء فيما يؤكل من الهدي الواجب مما لا يؤكل، ثم نقل عن مالك قوله: أنه يؤكل منها كلها، إذا بلغت محلها إلّا من ثلاثة أنواع: جزاء الصيد، ونسك الأذى، ونذر المساكين، ثم قال: «واحتج ابن القصار لمالك بقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ ولم يخص واجبًا من واجب ولا تطوع فهو عامّ في جواز الأكل إلّا ما قام الدّليل عليه من الثلاثة الأشياء المذكورة؛ لأنّها وجبت للمساكين، فلا يجوز له الرجوع ولا الأكل منها كالكفارات (٢). * الوقفة التاسعة: أن الهدي والأضاحي لا يكون إلّا من بهيمة الأنعام، وقد أجمع العلماء على ذلك. ومأخذه: مفهوم قوله: ﴿عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ أن غير بهيمة الأنعام لا تجزئ، وهو مفهوم صفة، - وسيأتي مزيد أحكام في باب الأضاحي بإذن الله - كالتسمية عند الذّبح، وقد قيل: إنّ المراد بذكر الله في الآية هو: التّسمية عند الذبح، وكذا هل يجزئ من بعد الفجر، أي: وقبل طلوع الشمس؛ لإضافة التّحريم إلى اليوم، ومقدار ما يطعم ويأكل ويتصدق إلى غير ذلك من أحكام. * الوقفة العاشرة: مشروعية قضاء التفث، كالحلق ورمي الجمار وإزالة الشعث ونحوه، وغير ذلك على خلاف في التّعميم والتّخصيص ببعضها.

стр. 76

ومأخذ الحكم: الطلب الوارد بصيغة الأمر ﴿لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ والطلب دليل المشروعية. * الوقفة الحادية عشرة: أن الحلق نسك على التفسير بأنّه التفث بالآية. * الوقفة الثانية عشرة: مشروعية الحلق بعد الذبح، وقد اختلف العلماء في ذلك، فمنهم: من يرى وجوب ذلك. ومنهم: من يرى استحبابه. ومأخذ الحكم: ترتيب قضاء التّفث في الآية على الذّبح. * الوقفة الثالثة عشرة: كون طواف الإفاضة ركن من أركان الحجّ، وهذا الحكم مجمع عليه. ومأخذ الحكم من الآية: الأمر الوارد بصيغة (ليفعل) وهو الفعل المضارع المجزوم بلام الأمر، والأمر يقتضي الوجوب. تنبيه: ذهب جمهور أهل العلم إلى أن المراد بالطواف في هذه الآية، طواف الإفاضة، ويسمى بطواف الزّيارة، بل ونقل بعض العلماء الإجماع على كونه هو المراد، وذهب بعض العلماء إلى أن المراد بالطواف هنا: طواف الوداع، ويرده ما قاله الجصاص في أحكامه حيث قال: «ظاهره يقتضي الوجوب; لأنه أمر والأوامر على الوجوب. ويدل عليه أنه أَمَرَ به معطوفا على الأمر بقضاء التفث، ولا طواف مفعول في ذلك الوقت - وهو يوم النحر بعد الذبح - إلا طواف الزيارة، فدل على أنه أراد طواف الزيارة» (١). ثم إنّه على القول بأنّه طواف الإفاضة، أو الوداع فكلاهما واجب، فالأوّل: باتفاق، والثاني: عند من قال بأنّه المراد بالآية؛ إذ إنّ الأمر غير مصروف.

стр. 77

* الوقفة الرابعة عشرة: لا يصح الطواف بغير طهارة عند الجمهور، وهي شرط في صحة الطواف. وذهب الحنفية: إلى كونها واجبة وليست شرطًا في صحة الطواف، والواجب يمكن جبره بالدّم في الحجّ؛ ولذا قالوا: بصحة الطواف بدون طهارة. وقالوا: إنّ الطّواف اسم للدوران بالبيت، وذلك يتحقق من المحدث والطاهر. مأخذ الحكم: يتكلم أهل الأصول عن هذا الفرع تحت قاعدة: مطلق الأمر هل يتناول المكروه أم لا؟ فعند الجمهور: لا يتناول المكروه خلافًا للحنفية. قال ابن السمعاني: «وتظهر فائدة الخلاف في قوله: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ فلا يتناول عندنا الطواف بغير طهارة، وعلى مذهبهم يتناوله؛ فإنهم وإن اعتقدوا كراهة هذا الطواف ذهبوا إلى أنّه دخل في الأمر، حتى يتصل به الإجزاء الشّرعي، ونحن لا نقول إنّه طواف مكروه، بل لا طواف أصلًا؛ لقيام الدليل على أن الطّهارة شرط فيه كالصّلاة» (١).

стр. 78

الدراسة الثالثة التطبيق على آية الوضوء

стр. 79

المقدمة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: فهذا دراسة أهدف فيها إلى بيان، المآخذ الأصولية المؤثرة في استنباط أحكام آية الوضوء، ومرادي بالمآخذ هنا: القواعد الكلية المؤثرة في استنباط الأحكام الفقهية من الآيات القرآنية، وغالبها وجُلُها قواعد أصولية، حتى ما توقف منها على معاني لغوية فكان الاعتماد فيها على تفسيرات الصحابة، وتفسير الصحابي حجة، وهي من القواعد الأصولية التفسيرية المعتبرة، كيف لا وهم أهل اللغة، ومعاشرو التنزيل ﵃، وحشرنا في زمرتهم، اللهم آمين. وقد وقع الاختيار في التطبيق على آية الوضوء لكثرة الأحكام الواردة فيها، والتي لا تظهر دون بيان مآخذها الأصولية: يقول ابن العربي في أحكام القرآن: «ذكر العلماء أن هذه الآية من أعظم آيات القرآن مسائل، وأكثرها أحكاماً في العبادات، وبحق ذلك، .... ولقد قال بعض العلماء: إن فيها ألف مسألة، واجتمع أصحابنا بمدينة السلام فتتبعوها فبلغوها ثمانمائة مسألة، ولم يقدروا أن يبلغوها الألف، وهذا التتبع إنما يليق بمن يريد تعريف طرق استخراج العلوم من خبايا الزوايا، والذي يليق الآن

стр. 80

في هذه العجالة مما نحن فيه الانتداب إلى انتزاع الجلِّي، وأن نتعرض لما يسنح خاصة مسائلها … » (١). كما أن آية الوضوء تعتبر أصلاً في الطهارات كلِّها. قال السيوطي: «هذه الآية أصل في الطهارات كلها، ففيها الوضوء، والغسل، والتيمم، وفيها أسباب الحد» (٢). * لذا رتبت الدراسة على أبواب الطهارة على ما يأتي: الفصل الأول: في المياه وإزالة النجاسة. الفصل الثاني: في الوضوء. وفيه سبعة عشر الفصل الثالث: في نواقض الوضوء. الفصل الرابع: في المسح على الخفين والغسل وحكم الجنب. الفصل الخامس: في التيمم.

стр. 81

الدراسة التطبيقية الفصل الأول في المياه وإزالة النجاسة وفيه خمسة مباحث: يفتتح العلماء كتاب الطهارة بباب المياه؛ لأن الماء هو الأصل فيما يتطهر به من الحدث، وهو أهمما يطهر به بدن المصلي وثوبه وبقعته التي يصلي عليها، وبه يزيل النجاسة العينية، فلذلك ناسب أن يبدأ به كتاب الطهارة، وبيان أقسامها. والنجاسة عين مستقذرة شرعاً، يجب على المسلم مجانبتها، والبعد عنها، ولها تقسيمات عدّة عند العلماء، يرجع لها في كتب الفقه (١). * المبحث الأول: أقسام الماء. ذهب جمهور أهل العلم إلى تقسيم الماء إلى ثلاثة أقسام: طهور، وطاهر، ونجس (٢). ومن العلماء من جعل القسمة ثنائية: طهور، ونجس، استدلالًا بالآية، وهذا هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (٣) وعلى هذا التقسيم سارت الفتيا عند

стр. 82

كثير من علماء هذا البلد، كسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز، والشيخ العثيمين -رحمهما الله- (١). ووجه التقسيم ومأخذ الحكم من الآية: كون لفظ الماء جاء نكرة في سياق نفي فعمَّ كل ما يطلق عليه ماء، ويحمل اللفظ على إطلاقه، ولا يقيد إلا بالشرع، فما دام يسمى ماء ولم يغلب عليه أجزاء غيره كان طهورا. يقول شيخ الإسلام: «إنّ الشّارع علق الطهارة بمسمى الماء في قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ ولم يفرق بين ماء وماء ولم يجعل الماء نوعين طاهرا وطهورا» (٢). وقال أيضاً: «فهذا التّقسيم مخالف للكتاب والسّنة، وإنما قال الله ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾، وقد بسطنا هذا في غير هذا الموضع وبينا أن كل ما يقع عليه اسم ماء فهو طاهر طهور» (٣). فمأخذه ﵀ وقاعدته هي: أن الاسم الذي أطلقه الشرع لا يقيَّد إلا بالشرع. وقد نصَّ على ذلك فقال: «والواجب أن يطلق ما أطلقه صاحب الشرع ﷺ ويقيد ما قيده» (٤). تنبيه: إلى أن تقسيم الماء إلى قسمين أو إلى أكثر هو بالنظر لمطلق الماء، أما الماء المطلق فلا يصدق إلا على الماء الطهور فقط.

стр. 83

فمطلق الشيء يراد به حقيقة الماهية فلا يقيد، أما الشيء المطلق فهو لبيان الماهية بقيد الإطلاق، وهو يفيد التجرد عن جميع القيود، وعليه فالعلاقة بينهما علاقة عموم وخصوص مطلق، فمطلق الشيء أعم، فمطلق الماء أعم، والماء المطلق أخص مطلقا فهو فرد من أفراد (١). * المبحث الثاني: الماء المتغير بما لا ينفك عنه غالباً. اتفق العلماء على أن كل ما يغير الماء مما لا ينفك عنه غالباً، أنه لا يسلب الماء صفة الطهارة والطهورية، ولا يخرجه عن كونه ماءً (٢). ومما يدخل في مسألتنا: الماء المتغير بقراره كزرنيخ أو جير يجري عليه، أو المتغير بطحلب أو ورق شجر ينبت عليه، ولا يمكن الاحتراز عنه، فاتفق العلماء أن ذلك لا يمنع من الوضوء به، لعدم الاحتراز منه والانفكاك عنه. وأن هذا التَّغيُر لا يسلبه اسم الماء (٣). ومثله اليوم المتغير بصدأ الأنابيب والخزانات، ونحو ذلك، فإنه طهور لا يؤثر على الماء، لعدم القدرة على الاحتراز منه (٤). مأخذ الحكم: هو - ما سبق من - أن الأسماء التي أطلقها الشّارع تبقى على إطلاقها. وكذا كون لفظة ﴿مَاءً﴾ نكرة وردت في سياق نفي ﴿فَلَمْ تَجِدُوا﴾ فهي تعم كل ما أطلق عليه ماء.

стр. 84

وقد كان لهذين المأخذين أثرٌ في اختلاف العلماء في مسائل كثيرة متعلقة بالمياه (١)، وذلك بسبب خفاء تناول اسم الماء المطلق لبعض المياه، بمعنى هل كان اسم الماء المطلق يتناوله فيصح الطهارة به أو لا؟، والمسائل القادمة أثر فيها المأخذ نفسه، وفي ذكرها غُني عما لم يذكر. * المبحث الثالث: طهارة ماء البحر. ماء البحر طهور، بنص الحديث (هو الطهور ماؤه) (٢). قال ابن عبد البر: «وقد أجمع جمهور العلماء وجماعة أئمة الفتيا من الفقهاء: أن البحر طهور، وأنّ الوضوء جائز به» (٣). وقال ابن قدامة: «ما يجوز الوضوء به رواية واحدة، وهو أربعة أنواع: أحدها: ما أضيف إلى محلِّه ومقرِّه، كماء النهر والبئر، وأشباههما، فهذا لا ينفك منه ماء، وهي إضافة إلى غير مخالط، وهذا لا خلاف فيه بين أهل العلم» (٤). مأخذ الحكم: هو - ما سبق من - أن الأسماء التي أطلقها الشّارع تبقى على إطلاقها.

стр. 85

* المبحث الرابع: الماء المستعمل في الطهارة. الماء المستعمل طاهر، إذا كانت أعضاء المتوضئ به طاهرة، وهل يكون مطهراً؟ من العلماء من يرى أنه مطهرٌ (١)، وكذا من يرى تقسيم الماء إلى قسمين فهو يرى أنه مطهر؛ لأنه ليس بنجس فيكون طاهراً مطهراً. ومأخذ الحكم: أن الأسماء التي أطلقها الشّارع تبقى على إطلاقها، فهو ماء طاهر لا ينضاف إليه شيء، فهو ماء مطلق، وعليه فيجوز التطهر به، ولا يجوز الانتقال للتيمم مع وجوده. ذكر القرطبي هذا المأخذ (٢)، ثم ذكر أن ابن العربي قال بأنّ: «مسألة الماء المستعمل إنما تنبني على أصل آخر، وهو أن الآلة إذا أدّي بها فرض، هل يؤدى بها فرض آخر أم لا؟ فمنع ذلك المخالف قياسًا على الرقبة إذا أدّى بها فرض عتق، لم يصلح أن يتكرر في أداء فرض آخر، وهذا باطل من القول، فإنّ العتق إذا أتى على الرّق أتلفه فلا يبقى محلاً لأداء الفرض بعتق آخر. ونظيره من الماء ما تلف على الأعضاء فإنه لا يصح أن يؤدى به فرض آخر؛ لتلف عينه حسًّا كما تلف الرّق في الرّقبة بالعتق حكما، وهذا نفيس فتأملوه» (٣). وذكر القرافي في فروقه مدركاً وصفه بأنّه وجه قوي حسن، ومدرك جميل، لمن قال بأنّ الماء المستعمل لا يندرج في اسم الماء المطلق «وأن قوله تعالى:

стр. 86

﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ وقوله: ﴿لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ مطلق في التطهير لا عامّ فيه، بل عامّ في المكلفين، إذا تطهّرنا بالماء مرّة حصل موجب اللفظ، فبقيت المرّة الثانية منه غير منطوق بها، فتبقى على الأصل غير معتبرة، فإنّ الأصل في الأشياء عدم الاعتبار في التّطهير؛ إذ الأصل أن لا يعتبر في التطهير وغيره إلّا ما وردت الشّريعة به» (١). * المبحث الخامس: حكم إزالة النجاسة. استدل بعض العلماء بهذه الآية على أن إزالة النجاسة ليست بواجبة (٢). مأخذ الحكم: لأنّه لم يذكر النجاسة في الآية وذكر الوضوء، فلو كانت إزالتها واجبة لكانت أوّل مبدوء به (٣). قال ابن الفرس: «وأما إزالة النجاسات فإن حكمها مأخوذ من موضع آخر، وليس يقتضي بيان حكم الوضوء بيان حكم شرائط الصلاة كلها، فإن الصلاة موقوفة إجماعاً على ستر العورة، ولا ذكر لها في هذه الآية، فكذلك هي موقوفة على طهارة البدن والثوب، ولم يكن السكوت عنهما مانعاً من اشتراط السكوت عنه في آخر الفعل» (٤). والصّحيح: وجوب إزالة النجاسة استدلالًا بقصة صاحبي القبرين حيث قال ﵇: «إنّهما يعذبان وما يعذبان في كبير، أمّا أحدهما فكان لا يستتر من البول

стр. 87

وأما الآخر فكان يمشي بالنّميمة» (١). قال القرطبي: «ولا يعذب إلا على ترك الواجب، ولا حجة في ظاهر القرآن، لأن الله إنما بين من آية الوضوء صفة الوضوء خاصّة، ولم يتعرض لإزالة النجاسة ولا غيرها» (٢).

стр. 88

الفصل الثاني في الوضوء وفيه سبعة عشر مبحثاً: المقصود الأول من ذكر كتاب الطهارة في كتب الفقه هو ذكر أحكام الوضوء والغسل؛ لأنهما اللذان يرفعان ويزيلان الحدث الذي إزالته شرط من شروط الصلاة. الوضوء في الاصطلاح: استعمال ماء طهور في الأعضاء الأربعة - الوجه واليدين والرأس والرجلان - على صفة مخصوصة (١). * المبحث الأول: فرضية الوضوء ووجوبه. وجوب الوضوء للصلاة، وكونه شرط صحة لها أمر متفق عليه (٢). ومأخذ الحكم: الأمر المطلق في قوله: ﴿فَاغْسِلُوا﴾، وقوله: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾، وهما يقتضيان الوجوب. تنبيه: كان الوضوء ثابتاً قبل نزول هذه الآية بالسّنة، وروي أنّه ﵊ صلى في أوّل ما أوحي إليه وأتاه جبريل ﵇ فعلّمه الوضوء (٣).

стр. 89

* المبحث الثاني: تكرار الوضوء لكل صلاة. لا خلاف بين العلماء في وجوب الوضوء على من عليه حدث؛ لأنّ الوضوء من شروط الصّلاة (١)، وقد قال ﵊: «لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ» (٢). ومأخذ الحكم من الآية هو أن العلماء قدّروا في الآية مضمرًا تقديره: إذا قمتم إلى الصّلاة محدثين فاغسلوا وجوهكم (٣). أمّا غير المحدث: فقد اختلف العلماء في الأمر بالوضوء عند كل صلاة في حقه، هل هو مُحكم أو منسوخ، وإذا كان محكمًا هل هو أمر ايجاب أو ندب؟ فذهب طائفة من العلماء إلى أن الآية محكمة، وهؤلاء اختلفوا في الأمر بالوضوء لكل صلاة، هل هو على الوجوب أو الندب (٤)؟. ومأخذ الوجوب: هو ظاهر الأمر، وكونه يقتضي الوجوب، وهو كذلك يقتضي التكرار، ولاسيما وقد عُلق على شرط ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا﴾ فيتكرر الغسل عند تكرار القيام للصلاة وجوباً (٥)، كما أن الفعل في قوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ﴾، فعل في سياق شرط يعم؛ لأن الأفعال نكرات، والنكرة في سياق الشرط تعم.

стр. 90

وذهب جمهور أهل العلم إلى الندب، ولهم طريقان في ذلك: الطريق الأول: ادعى بعضهم النسخ، ومن القواعد المقررة في الأصول أن الوجوب إذا نُسخ بقي الجواز والندب. وقالوا: الناسخ فعله ﵊ يوم فتح مكة، حيث صلى خمس صلوات بوضوء واحد (١)، وهذا عند من يقول بأنّ السّنة تنسخ القرآن. الطريق الثاني: قالوا بأن الأمر للوجوب إلا أنه مصروف إلى الندب بما سبق من فعله ﵇، وفعله ﵇ من صوارف الأمر عن الوجوب (٢). * المبحث الثالث: فرائض الوضوء المتفق عليها. فرائض الوضوء المتفق عليها هي المذكورة في الآية وهي: غسل الوجه، واليدين، ومسح الرأس، وغسل القدم أو مسحه. قال ابن عبد البر: «أجمعوا على أن غسل الوجه، واليدين إلى المرفقين، والرِجلين إلى الكعبين، ومسح الراس فرض ذلك كله … لا خلاف علمته في شيء من ذلك إلّا في مسح الرجلين وغسلهما» (٣). ومأخذ الحكم هو: الأمر الوارد في الآية ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ وهو يقتضي الوجوب.

стр. 91

* المبحث الرابع: سنن الوضوء وآدابه. ذهب بعض العلماء إلى اعتبار ما لم يذكر في الآية من السنن والآداب (١). قال السيوطي: «وردٌ على ما أوجب التسمية والمضمضة والاستنشاق لحديث: (توضأ كما أمر الله) (٢) وليس في الآية سوى الأعضاء الأربعة، وعلى ما أوجب غسل باطن العينين؛ لأنه ليس من الوجه، إذ لا يقع به المواجهة» (٣). ومأخذ الحكم هو أنّ النبي ﷺ أحال السائل إلى كتاب الله فقال: «توضأ كما أمر الله»، فدَّل على أن غيره ليس بواجب (٤). تنبيه: ذهب آخرون إلى اعتبار بعضها من السنن، والبعض من الفروض، والبعض من الشروط، استدلالاً بأدلة أخرى خارجة عن الآية (٥). قال ابن الفرس: «وقد استنبط من أوجب المضمضة والاستنشاق من قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ وأنهما فرض علينا؛ لأن قوله تعالى ﴿فَاطَّهَّرُوا﴾ عموم، ومن اغتسل ولم يتمضمض إنما هو مطهر لبعض جسده، وعموم الآية يقتضي تطهر الجميع، وهذا باطل؛ لأن الله تعالى لم يذكر موضع الطهارة أصلاً بلفظ يقتضي عموم البدن، ولا بلفظ يخالفه، وإنما قال: ﴿فَاطَّهَّرُوا﴾ وليس فيه ما يوجب خصوصاً أو عموماً» (٦).

стр. 92

* المبحث الخامس: اشتراط النية في الوضوء. اشترط بعض أهل العلم النية في الوضوء (١). مأخذ الحكم: مفهوم قوله ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ أي: أردتم القيام مما يدل على أن الوضوء يراد للصّلاة، وأنّه شرط في صحتها، والإرادة هي النّية (٢). قال القرطبي: «احتج علماؤنا وبعض الشافعية بقوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ فلما وجب فعل الغسل كانت النية شرطا في صحة الفعل؛ لأن الفرض من قبل الله تعالى، فينبغي أن يجب فعل ما أمر الله به، فإذا قلنا: إن النية لا تجب عليه لم يجب عليه القصد إلى فعل ما أمره الله تعالى، ومعلوم أن الذي اغتسل تبردًا أو لغرض، ما قصد أداء الواجب، وصحّ في الحديث أن الوضوء يكفر، فلو صحَّ بغير نية لما كفَّر. وقال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥]. (٣) قال ابن العربي في قوله: ﴿حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ في آية [النساء: ٤٣]: «ولفظ اغتسل يقتضي اكتساب الفعل، ولا يكون مكتسباً له إلا بالقصد إليه حقيقة، فمن أخرجه إلى المجاز فعليه البينة» (٤). تنبيه: سبق القول بأن مالم يذكر في الآية، جعله البعض من المسنونات، وذهبت الحنفية إلى أن في اشتراط النية زيادة على النص بخبر الواحد وهو غير مقبول عندهم؛ لأنه نسخ عنده، والنسخ لا يكون بخبر الواحد (٥).

стр. 93

كما أن واو النسق في الآية لا تعطي رتبة، وإنما هي للجمع دون الاشتراك والترتيب، واسم الغسل ينتظم لمن رتب ولمن لم يرتب، قاله ابن الفرس (١). * المبحث السادس: حكم الموالاة في الوضوء. الموالاة هي: اتباع المتوضئ الفِعْل الفِعل إلى آخره من غير تراخٍ بين أبعاضه، وفصل بفعل ليس منه (٢). وقال ابن قدامة: «أن لا يترك غسل عضو حتى يمضي زمن يجف منه العضو الذي قبله في الزمان المعتدل» (٣). وقد اختلف العلماء في حكم الموالاة في الوضوء: فذهب طائفة من أهل العلم إلى أن الموالاة من فرائض الوضوء (٤) واستدلوا بالآية. ومأخذ الحكم هو: أن الأمر بغسل الأعضاء الوارد في الآية مطلق، وهو هنا يقتضي الفور؛ «لأنّ الخطاب بصيغة الشرط والجزاء، ومن حق الجزاء أن لا يتأخر عن جملة الشرط. وتطهير جملة الأعضاء جزاء الشرط الذّي هو القيام للصّلاة، فوجب أن لا يتأخر شيء منه عنها» (٥). وذهب جمهور أهل العلم إلى عدم اشتراط الموالاة (٦).

стр. 94

وقال القرطبي مبينًا مأخذاً آخر: «إن الله أمر أمرًا مطلقا، فوالِ أو فرِّق، وإنما المقصود وجود الغسل في جميع الأعضاء عند القيام إلى الصلاة» (١). ولكل قائل - بالموالاة وعدمها - استدلالات أخرى يرجع لها في كتب الفقه (٢). * المبحث السابع: حكم الترتيب في الوضوء. استدل بعض العلماء بالآية على كون الترتيب من فرائض الوضوء (٣)، ومنهم استدل بها على عدم الترتيب (٤). أما القائلون بالترتيب فمأخذ الحكم عندهم هو: مراعاة ترتيب الآية حيث أدرج سبحانه الممسوح بين المغسولات، وهذا لا يكون إلّا عن قصد ترتيب الأشياء على النسق المذكور (٥). قال الموزعي: «ولأن الله سبحانه قطع النظير عن النظير، فأدخل ممسوحاً بين مغسولين، وقدم القريب على ما هو أقرب منه، فقدَّم اليدين على الرأس، وهو محلُّ الوجه، فدلَّت هذه المقاصد والأمارات على وجوب الترتيب» (٦). وهناك مأخذ آخر قاله بعض العلماء وهو: أن (الفاء) في قوله ﴿فَاغْسِلُوا﴾ تقتضي التعقيب، فإنها لما كانت جوابًا للشرط ربطت المشروط به، فاقتضت الترتيب في الجميع (٧).

стр. 95

وأجيب عنه: بأنّه اقتضت البداءة في الوجه؛ إذ هو جزاء الشّرط وجوابه، وإنما كانت تقتضي الترتيب في الجميع لو كان جواب الشّرط معنى واحدًا، فإذا كانت جملًا كلها جوابًا لم تبال بأيها بدأت، إذ المطلوب تحصيلها (١). قاله القرطبي ثم قال: «والصّحيح أن يقال: إن التّرتيب متلقى من وجوه أربعة: الأول: أن يبدأ بما بدأ الله به كما قال ﵊ حين حجَّ: «نبدأ بما بدأ الله به» (٢)» (٣). فجعل بداية الله سبحانه سببًا للتقدم، وأخذ بعض العلماء من هذا الحديث عموم لفظه دون خصوص السبب (٤). ثمّ ذكر الأوجه الأخرى وهي خارجة عن الآية فقال: «الثّاني: من إجماع السّلف فإنّهم كانوا يرتبون. الثّالث: من تشبيه الوضوء بالصّلاة. الرّابع: من مواظبة رسول الله ﷺ على ذلك» (٥). ومن قال بعدم اشتراط الترتيب فمأخذ الحكم عندهم: أن العطف بين الأعضاء بالواو، وهي لا تقتضي الترتيب، إنّما تفيد مطلق الجمع (٦). وأجاب عنه: البعض بأنّ نحاة الكوفة قائلون باقتضائها التّرتيب (٧).

стр. 96

قال الموزعي بعد أن ذكر المأخذ السابق: «وأحسن عندي من ذلك كلِّه في الاستدلال ما استدلَّ به الشافعي في الكتاب القديم من قوله ﷺ في الصفا: «نبدأ بما بدأ الله به» (١)، فجعل بداية الله سبحانه سبباً للتقديم» (٢). * المبحث الثامن: كيفية غسل الأعضاء. ذهب بعض العلماء إلى أن إجراء الماء على أعضاء الوضوء كاف في تحقق معنى الغسل المأمور به، وليس عليه دلكها بيده (٣)، واشترط بعضهم إمرار شيء مع الماء في الغسل كاليد ونحوها (٤). ومأخذ الحكم عند الفريقين: راجع إلى لفظ الغسل، وبم يتحقق، وهل يشترط فيه الدلك أو يكفي إمرار اليد على المغسول (٥)؟. قال ابن الفرس: «الغسل عند أهل اللغة أن يمر الإنسان الماء على الشيء المغسول مع إمرار شيء منه معه كاليد ونحوها» (٦). قال السيوطي: «قال ابن الفرس: وفي لفظ الغسل دليل على وجوب الدلك وإمرار اليد … » (٧).

стр. 97

وقال ابن حزم: «ومن غمس أعضاء الوضوء في الماء ونوى به الوضوء للصلاة، أو … أجزأه، برهان ذلك أن اسم (غسل) يقع على ذلك كله في اللغة التي نزل بها القرآن، ومن ادعى أن اسم الغسل لا يقع إلا على التدليك باليد فقد ادعى ما لا برهان له به» (١). تنبيه: هذا المأخذ ليس أصولياً، بل راجع للمعنى اللغوي. استدل من قال بالدلك - المالكية- كذلك بالقياس على التيمم، فالتيمم يشترط فيه إمرار اليد فكذا هنا (٢). وهذا مأخذ من غير الآية - وهو القياس - والجمهور لهم مأخذ آخر على عدم الدلك، وهو ما ورد من حديث (فأفرغه عليك) (٣) والسنة تبين القرآن. * المبحث التاسع: حدود الوجه. استنبط بعض العلماء من الآية من أحكام وجوب غسل الوجه، وهو أمرٌ متفق عليه (٤) - كما سبق -إلّا أن الخلاف واقع فيما يدخل في الوجه (٥). ومأخذ الحكم: يرجع إلى ما تكون به المواجهة التي تدخل في مفهوم الوجه، فالوجه مأخوذ من المواجهة، وهو اسم لبشرة الوجه التي تحصل بها المواجهة، والشعر ليس ببشرة (٦).

стр. 98

وحده من منابت شعر الرأس إلى آخر الذقن طولًا ومن الأذن إلى الأذن عرضًا، وقيل: من العارض إلى العارض (١). وبناءً على مفهوم المواجهة وأن الأمر هل يكون للباطن كما يكون للظاهر؟ اختلفوا في دخول بعض الأفعال في غسل الوجه. ومن ذلك: المضمضة والاستنشاق، وقد قال الشافعي عنهما: «ولم أعلم اختلافًا في أن المتوضئ لو تركها عامدًا أو ناسيًا، وصلى لم يعد» (٢). وهو مذهب مالك وخالفهما الإمام أحمد وغيره، فالإجماع غير متحقق (٣). واختلف في اللحية هل هي من الوجه ويجب غسلها، ومن قال إنّها ليست منه؛ لأنّ من طالت لحيته لا يقال طال وجهه (٤). وقيل: إنّها منه، حيث إنّها نبتت فيه فتأخذ حكمه، وفيها معنى المواجة (٥). قال أبو عمر: «من جعل غسل اللحية كلها واجبا جعلها وجهًا، والله قد أمر بغسل الوجه أمرا مطلقا لم يخصّ صاحب لحية من أمرد، فكل ما وقع عليه اسم وجه فواجب غسله؛ لأن الوجه مأخوذ من المواجهة، وغير ممتنع أن تسمى اللحية وجهاً، فوجب غسلها بعموم الظاهر؛ لأنها بدل من البشرة» (٦). تنبيه: هذا المأخذ ليس أصولياً، بل راجع للمعنى اللغوي.

стр. 99

* المبحث العاشر: دخول المرفق في غسل اليدين. اتفق العلماء على وجوب غسل اليدين - كما سبق - واختلفوا في المرفقين هل تدخلان في الغسل أو لا؟ فذهب جمهور أهل العلم إلى دخولهما في الغسل (١). ومأخذ الحكم: أن المغيا وهو ما دخل عليه حرف الغاية وهما - المرفقان هنا في الغسل - داخلان في الغاية عند الجمهور، ولاسيما أن الحد من جنس المحدود، فالمرفق من جنس اليد (٢). وبعضهم جعله من التخصيص بالغاية؛ إذ إن اليد عامّة تشمل الكف والذراع والمرفق والمنكب، فخصص بالغاية إلى المرفق، وخرج ما بعده (٣). قال ابن العربي: «إن المرافق حد الساقط لا حد المفروض، قاله القاضي عبد الوهاب، وتحقيقه أن قوله: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ﴾ يقتضي بمطلقه من الظفر إلى المنكب، فلما قال: ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ أسقط ما بين المنكب والمرفق، وبقيت المرافق مغسولة إلى الظفر، وهذا كلام صحيح يجري على الأصول لغة ومعنى» (٤).

стр. 100

ومأخذ آخر: وهو أن (إلى) بمعنى (مع) (١). قال السيوطي: «ومن أدخلهما قال: إلى بمعنى مع» (٢). تنبيه: قال ابن العربي: «وأما قولهم: إن (إلى) بمعنى مع فلا سبيل إلى وضع حرف موضع حرف، إنما يكون كلُّ حرف بمعناه، وتتصرفُ معاني الأفعال، ويكون معنى التأويل فيها لا في الحروف، ومعنى قوله: ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ على التأويل الأول [يقصد بمعنى مع]: فاغسلوا أيديكم مضافةً إلى المرافق» (٣). وذهب طائفة من أهل العلم إلى عدم دخول المرفقين في الغسل. ومأخذ الحكم: أن (إلى) إنما هو لانتهاء الغاية، فما بعدها غير داخل فيما قبلها، فتخرج الغاية ب (إلى) (٤). * المبحث الحادي عشر: مقدار ما يمسح من الرأس. اتفق العلماء - كما سبق - على وجوب مسح الرأس (٥)، واختلفوا هل الواجب مسح جميع الرأس أو بعضه؟ (٦).

стр. 101

ومأخذ الخلاف راجع إلى معنى (الباء) في قوله: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾. فالذين قالوا: بمسح جميع الرأس ذهبوا إلى أن (الباء) زائدة مؤكدة، فالمعنى: امسحوا رؤوسكم أنفسها، وعليه فيجب مسح جميع الراس على نص الآية (١). وقال بعضهم: إنّ (الباء) على بابها للإلصاق، ليست بزائدة. والمعنى على ثبوت (الباء) أو سقوطها سواء، وذلك يوجب عموم المسح (٢). قال ابن الفرس: «وهذا الوجه أحسن؛ لأنّ زيادة (الباء) في هذا الموضع غير معروف في كلام العرب» (٣). أمّا الذين ذهبوا إلى جواز مسح البعض فقالوا: إنّ (الباء) للتبعيض، فيقتضي مسح بعض الرأس، وكونها للتّبعيض بيانه - عند من قال به - قالوا: إنّ الباء إذا دخلت على فعل يتعدى من غير (باء) اقتضت التبعيض فيه؛ وذلك لأنّ أهل اللسان فرقوا بين قولهم: (أخذت قميص فلان)، وبين قولهم: (أخذت بقميص فلان) فيحملون الأوّل على أخذ جميعه، والثّاني: على التعلق ببعضه، وكذا في الآية، فإذا قال: (مسحت يدي بالمنديل) و (مسحت يدي بالحائط) عقل من ذلك كله التبعيض، فدّل على أن ذلك مقتضاه (٤).

стр. 102

وقد أنكر بعض أهل اللّغة - كابن جني، وابن برهان - هذا التّفريق، وقال ابن جني: «من قال: إن الباء للتبعيض فقد أتى أهل اللغة بما لا يعرفونه»، ولذا أولوا ما استدل به على التضمين، أو أن التبعيض إنما استفيد من القرائن (١). نوقش: بأنها شهادة نفي لا تقبل (٢). وأجيب: بأنها ليست بشهادة نفي، وإنما هو إخبار عن ظن غالب يستند إلى الاستقراء ممن هو أهل لذلك مطلع على لسان العرب (٣). وحمل البعض استعمال (الباء) للتبعيض على المجاز لقرائن ظاهرة في الأمثلة التي ذكروها، والأصل حمل اللفظ على حقيقته، حتى يقوم دليل المجاز (٤). وألزم القائلون بعدم التبعيض في (الباء) القائلين بالتبعيض بآية التّيمم في قوله: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ﴾ حيث إنّ المسح يكون لجميع الوجه لا بعضه باتفاق (٥). وأجيب عنه: بأن المسح في الرأس أصلٌ، أمّا المسح في التيمم فهو بدل، والبدل يأخذ حكم المبدل منه، ولما كان المبدل منه غسلاً للوجه كاملًا كذلك

стр. 103

يكون البدل مسحاً للوجه كاملًا (١). وهناك مأخذ آخر وهو لمن قال بمسح بعض الرأس وهو: أن الحكم إذا علق على اسم، فإنه يكتفي بأول ذلك الاسم، وأقل ما ينطلق عليه. وقد علق المسح هنا بالرأس فلا يشترط الاستيعاب بل يكتفى بالبعض (٢). * المبحث الثاني عشر: عدد مسح الرأس. اتفق الجميع على مشروعية مسح الرأس (٣)، وإنما الخلاف في مشروعية تكرار المسح. فذهب جمهور أهل العلم إلى أنه لا يسن تكرار المسح، بل الواجب مسح الراس مرة واحدة (٤). ومأخذه: هو المأخذ السابق فيما إذا عُلِّق الحكم على اسم، فإنه ينطلق على أقل ما يتعلق به، وعلى هذا فإن المسحة الواحدة يقع بها المسح المأمور به، ويسقط الفرض، فالمرة يخرج عن العهدة (٥). وذكر ابن الفرس مأخذاً آخر فقال: «لا سيما وقد رجح حذاق الأصوليين أن الأمر لا يقتضي التكرار» (٦).

стр. 104

* المبحث الثالث عشر: حكم مسح الأذنين. ذهب جمهور أهل العلم إلى وجوب مسح الأذنين (١). ومأخذه ظاهر: إذا ضمّ إليه قوله ﵇ (الأذنان من الرّأس) (٢)، والرأس يجب مسحه لقوله: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ فهذا أمر يقتضي الوجوب فيجب مسحهما (٣). مأخذ آخر: أن الأذنين إما أن يكونا من الرأس أو الوجه، وليست من الوجه لعدم المواجهة بها، فبقيت من الرأس، والرأس يمسح كما في الأمر بالآية (٤). أما القائل إنهما لا يمسحان؛ فلأن المولى سبحانه قال: ﴿بِرُءُوسِكُمْ﴾ ولم يذكر الأذنين، ولولا أنهما داخلتان في حكم الرأس ما أهملهما، وما كان ربك نسيا، قاله ابن العربي (٥).

стр. 105

المبحث الرابع عشر: حكم المسح على العمامة. ذهب طائفة من العلماء إلى عدم جواز المسح على العمامة (١). مأخذه: أن الآية أمرت بالمسح على الرأس، ومن مسح على حائل لم يمسح على رأسه، بل مسح على ذلك الحائل (٢). وهو محجوج بآثار وردت في جواز ذلك (٣). * المبحث الخامس عشر: عدد غسل الأعضاء. ذهب جمهور أهل العلم إلى أن المجزئ في عدد غسل الأعضاء واحدة (٤). مأخذ الحكم هو: أن أقل ما يقع عليه اسم الغسل مرة واحدة، واحتمل أكثر، فسن رسول الله ﷺ الوضوء مرّة، فوافق ظاهر القرآن، وذلك أقل ما يقع عليه اسم الغسل، واحتمل أكثر، وسنه ﷺ مرتين وثلاثًا (٥).

стр. 106

المبحث السادس عشر: غسل الرجل ومسحها. ذهب جمهور أهل العلماء إلى وجوب غسل الرجل إذا كانت مكشوفة (١)، ومسحها إذا كانت بحائل، كالخف والجورب، والأخير يأتي عند الحديث عن المسح على الجورب. وذهب البعض _ وقد روي عن بعض الصحابة _ القول بالمسح على القدم، ونقل عن ابن جرير القول بالتخيير بين الغسل والمسح (٢). وسبب الخلاف: تعدد القراءات، وتعددها بمنزلة تعدد الآيات (٣). وبيان ذلك: ورد في قوله ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾: النصب والجر. فمن قال بوجوب غسلها - وهم الجمهور - فقد أخذوا بقراءة النّصب، وهي معطوفة على قوله: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾ الأمر بغسل القدم مطلق يقتضي الوجوب، وللعلماء في وجه الإعراب وتوجيه القراءة خلاف، والمقطوع به من السنة غسل القدمين، فهي بيان بقوله وفعله ﷺ (٤). قال الموزعي: «ويدل على أن المراد به الغسل فعل النبي ﷺ ذلك في جميع

стр. 107

الحالات والمواطن، ولم ينقل إلينا قط أنه مسح القدمين، ولو كان واجباً أو جائزاً لبيَّنه عن الله سبحانه كما أوجب ذلك عليه» (١). وحملوا قراءة الجر - على القول بكونها معطوفة على قوله: ﴿بِرُءُوسِكُمْ﴾، على مسح القدم إذا كانت بحائل، كالخف والجورب (٢). ومن قال بأن الواجب أو الجائز في حق الرجلين المسح: فإنهم أخذوا بقراءة الجر وهي معطوفة على الرأس، وفرض الرأس المسح فكذا الرجلين (٣). * المبحث السابع عشر: حدود القدم المأمور غسلها. ورد الأمر في الآية بغسل القدم إلى الكعبين، وهما العظمان النائيان في أسفل الساق من جانبي القدم (٤)، والأمر مغيا بغاية، فذهب الجمهور إلى دخول الكعبين مع القدمين في الغسل (٥). ومأخذ الحكم: هو أن المغيا يدخل في الغاية، كما سبق في اليد مع المرفق (٦). ومن العلماء من جعل معنى (إلى) في الآية بمعنى (مع) (٧).

стр. 108

الفصل الثالث في نواقض الوضوء وفيه أربعة مباحث: النواقض: جمع ناقض، ونواقض الوضوء: مفسداته، أي: التي إذا طرأت عليه أفسدته. وأتى بلفظ: نواقض، بالجمع للإشارة إلى تعددها واختلافها. ومناسبة وروده بعد الوضوء ظاهرة؛ إذ إن النقض لا يكون إلا بعد وقوعها. وقال: نواقض الوضوء، ولم يقل نواقض الطهارة، لأجل الاقتصار على ما ينقض الطهارة الصغرى، دون الكبرى. * المبحث الأول: من نواقض الوضوء: إتيان الغائط (١). دلَّت الآية على أن الخارج من السبيلين من نواقض الوضوء، وعبَّر المولى عنه بلفظ ﴿الْغَائِطِ﴾، وهو كناية عن الحدث من النواقض الصغرى (٢).

стр. 109

ومأخذ الحكم: الأول: الأمر الوارد بقوله ﴿فَتَيَمَّمُوا﴾: أي إن جئتم من الغائط، مما يدلُّ على كونه ناقضاً. لأن الوضوء والتيمم رافعان لهذه الأحداث فأمر بهما. ثانياً: مفهوم الشرط فيه وهو: إن لم يأت الغائط فهو غير مأمور بالتيمم أو الوضوء. تنبيه: ذكر العلماء إن لفظ ﴿الْغَائِطِ﴾ في الآية يجمع بالمعنى جميع الأحداث الناقضة للطهارة الصغرى (١). ويؤيد هذا ما قدَّره العلماء في صدر الآية ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا﴾ حيث قدَّروا: (إذا قمتم محدثين) فيدخل فيه كل حدث. والأحداث منها ما هو متفق عليه ومنها ما هو مختلف فيه. قال القرطبي: «وقد اختلف الناس في حصرها، وأنبل ما قيل في ذلك أنها ثلاثة أنواع: لا خلاف فيها في مذهبنا: زوال العقل، خارج معتاد، ملامسة» (٢). وقال ابن بطال: «الأحداث التي أجمع العلماء على أنها تنقض الوضوء، سوى ما ذكره أبو هريرة: [يقصد الريح] البول، والغائط، والمذي، والودي، والمباشرة، وزوال العقل بأي حال زال، والنوم الكثير» (٣). وسيأتي ذكر بعضها، وهناك نواقض أخرى يرجع إليها في كتب الفقه.

стр. 110

المبحث الثاني: من نواقض الوضوء ملامسة النساء. أما ملامسة النساء. فقد اختلف العلماء في المراد منها في الآية (١). فقيل: الجماع. وقيل: مجرد اللمس باليد. ورجَّح كل فريق ما ذهب إليه بأدلة وقرائن، وكل قول قال به نفر من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين. فقال بكونه الجماع علي وابن عباس ﵄، وقال بكونه اللمس باليد عمر وابنه وابن مسعود ﵃ (٢). وأرجع بعضهم الخلاف فيها للخلاف في القراءتين الواردتين فيهما (٣)، وهما: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ﴾ أو ﴿لمستم﴾. فقيل: معناهما واحدٌ. وقيل: إن قراءة ﴿لمستم﴾ بدون ألف: الجماع، ويحتمل أن يكون المراد مجرد اللمس باليد. أمّا قراءة ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ﴾ بالألف فهي بمعنى الجماع (٤). ومأخذ الحكم: الأول: الأمر الوارد بقوله ﴿فَتَيَمَّمُوا﴾: أي إن لمستم النساء، مما يدلُّ على كونه ناقضاً. لأن الوضوء والتيمم رافعان لهذه الأحداث فأمر بهما. ثانياً: مفهوم الشرط فيه وهو: إن لم يلمس النساء فهو غير مأمور بالتيمم أو الوضوء.
следующие страницы →