تقديم
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على نبيِّه الأمين، نبيِّنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: فهذه تعليقات على كتاب الإكليل في استنباط التنزيل لجلال الدين السيوطي ﵀ سميتها (فتح الجليل في التعليق على كتاب الإكليل) أصلها دروس ألقيت في بيت من بيوت الله عام ١٤٣٩، جمعتها لما رأيت تمزق وتساقط بعض أوراق مادة الدرس، فأحببت أن أدرك الموجود وأعوض المفقود، وبذلت جهداً لإخراجها مهذبة منقحة.
واقتصرت هنا على التعليق على المقدمة وسورة البقرة، أما المقدمة فقد ذكر فيها السيوطي الأساليب الشرعية الدالة على الأحكام، وجعلها كمفتاح للدخول وشرط للاستنباط، وهي كذلك فإن من لم يدركها فقد فاته الكثير من أوجه الاستنباط للأحكام، وأما الاقتصار على سورة البقرة فلأنها فسطاط القرآن، والحاوية لأصول الأحكام أولاً، وثانياً: لأنني علقت على جُل الأحكام الفقهية الواردة في كتاب الإكليل في شرحي على كتابي (بلوغ المرام من آيات الأحكام) المسمى ب (فتح العلام في بيان مآخذ الأحكام).
وقد ركزت في هذه التعليقة على المآخذ الأصولية في استنباط تلك الأحكام، إذا هي الجانب الأقوى في النظر والاستنباط، والأضعف في الطرح العلمي في نظري.
стр. 2
وأنبه هنا إلى أن كتاب الإكليل قد حقق بتحقيقات متعددة، واعتمدت منها على تحقيق الدكتور عامر بن علي العرابي في ضبط نص كلام السيوطي، إذ هي الطبعة التي علقت عليها، واستفدت من تحقيق الشيخ مصطفى العدوى في التعليق على الأحاديث والحكم عليها، أما الآثار فتركت تخريجها والحكم عليها لكثرتها، ولخروجها عن غرض الكتاب وهدفه، وهو بيان مآخذ تلك الأحكام، ومن أراد الحكم على هذه الآثار فليرجع إلى العملين السابقين ففيهما الغنية، والله الموفق.
стр. 3
التمهيد
استفتح السيوطي ﵀ كتابه الإكليل بمقدمتين، الأولى لم ينص على كونها مقدِّمة، بخلاف الأخرى، وكأنه أرادها تمهيداً للكتاب، وقد نقل السيوطي المقدمتين، أو التمهيد والمقدِّمة بنصها في كتابه الإتقان في علوم القرآن، تحت النوع الخامس والستون، بعنوان: في العلوم المستنبطة من القرآن (١).
وأما التمهيد فكان متعلقاً ببيان العلوم المستنبطة من القرآن، ولم أشأ الخوض والبسط فيه لقلة الثمرة المتعلقة به.
وخلاصته: أن السيوطي كأنه يميل إلى أن القرآن الكريم مشتمل على كل شيء في شتى أنواع العلوم وساق لذلك أدلة من الكتاب والسنة والآثار.
فمن الكتاب: قوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩]، وقوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨].
ومن السنة قوله ﷺ : «ستكون فتن. قيل: وما المخرج منها؟ قال: كتاب الله فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم» (٢).
ومن الآثار قول ابن مسعود: (من أراد العلم فعليه بالقرآن؛ فإن فيه خبر الأولين والآخرين) (٣).
стр. 4
ثم نقل كلام أبي الفضل المرسي (ت ٦٥٥ هـ) باختصار، ومما قاله المرسي بعد ذكره ما أُخذ من القرآن من العلوم الإسلامية، قال: «هذه الفنون التي أخذتها الملة الإسلامية منه، وقد احتوى على علوم أُخر من علوم الأوائل، مثل الطب، والجدل، والهيئة، والهندسة، والجبر، والمقابلة، والنجامة، وغير ذلك» (١)، ثم ذكر بعد ذلك ما في القرآن من أصول الصنائع وأسماء الآلات التي تدعو الضرورة إليها كالخياطة، والحدادة، والبناء، والنجارة، والغزل، والنسج، والفلاحة، وغيرها ".
ويظهر مما ذكره من الأمثلة أن مقصوده بالاحتواء مجرد الذكر، فإذا ذكر شيء له تعلق بعلم اعتبر ذلك احتواءً لذلك العلم (٢).
والسيوطي بعد ذكره لكلام المرسي لم يعترض عليه، بل قال معقباً على كلامه: «وأنا أقول قد اشتمل كتاب الله العزيز على كل شيء. أما أنواع العلوم فليس منها باب، ولا مسألة هي أصل إلا وفي القرآن ما يدلّ عليها» (٣) ثمَّ ذكر أمثلة.
وهذا النص قد يشعر بموافقة السيوطي له، إلا أن جميع ما ذكره من الأمثلة هو من العلوم الشرعية، أو مما تأتي الأديان بمثله (٤).
قال ابن عاشور: «لا شك أن المراد أنه عموم عرفي في دائرة ما لمثله تجيء الأديان والشرائع» (٥).
ثم ذكر أن المراد بشمولية القرآن شموليته لما يحتاجه الناس في أمور دينهم، وما يقيم شؤون حياتهم، كما أراد الله تعالى، وذلك كبيان إصلاح النفوس، وإكمال
стр. 5
الأخلاق، وتقويم المجتمع، وتبيين الحقوق، وما تتوقف عليه الدعوة من الاستدلال على الوحدانية، وصدق الرسول ﷺ ، وما يأتي من خلال ذلك من الحقائق العلمية، والدقائق الكونية، ووصف أحوال الأمم، وأسباب فلاحها وخسارها، والموعظة بآثارها، بشواهد التاريخ، وما يتخلل ذلك من قوانينهم، وحضاراتهم، وصنائعهم، وفي خلال ذلك كلّه أسرار ونكت، من أصول العلوم المعارف (١). والله أعلم.
والحقيقة أن موقف الإمام السيوطي ليس ظاهراً في أنه متابع لأبي الفضل المرسي، وإجمالاً فالعلماء مختلفون في دلالة قوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩]، وقوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨]، هل هما من العام الباقي على عمومه، أو من العام المراد به الخاص، وبالثاني قال به جمهور أهل العلم، وعليه فالمراد: أن القرآن بيان لكل شيء من أمور الدين، أو لما لمثله تجيء الشرائع (٢).
стр. 6
مقدمة (١)
قال الغزالي وغيره: آيات الأحكام (٢) خمسمائة آية (٣)، وقال بعضهم مائة وخمسون (٤)، وقيل لعل مرادهم المصرح به؛ فإن آيات القصص والأمثال وغيرها
(١) جاء في شرح مختصر الروضة للطوفي (١/ ١١٣): المقدّمة: «مأخوذة من مقدّمة الجيش - بكسر الدّال- وهي أوّله، لم يحك الجوهري فيها غير الكسر، لكنه ذكر قادمتي الرّحل مقدمة - بفتح الدّال- وهي أوّله مما يلي وجه الرّاكب، وهي مقابلة آخر الرّحل.
وهذه المادة ترجع تراكيبها إلى معنى الأولية، فمقدمة الكتاب - أيضًا- أوّله، ويجوز فيها كسر الدّال على صيغة الفاعل، وفتحها على صيغة المفعول، وهي في الأصل صفة، ثم استعملوها اسمًا في كل ما وجد فيه التقديم نحو مقدمة الجيش والكتاب».
وكان جلُّ مقدمة السيوطي متعلقة بالأساليب الخبرية للأحكام الشرعية التكليفية الخمس: الواجب والمندوب والحرام والمكروه والمباح.
(٢) ذكر السيوطي في الإكليل (١/ ٢٨٢) المراد بآيات الأحكام: «كل ما استنبط من القرآن، أو استدل به عليه من مسائل فقهيّة، أو أصلية، أو اعتقادية»، والمراد بالأصلية: أصول الفقه.
(٣) قد صرّح بذلك الغزالي في كتابه المستصفى، وكذا الرّازي، وابن قدامة، والإسنوي، وعبد العزيز البخاري، وغيرهم.
وذكر الزركشي أن سبب حصرهم آيات الأحكام بخمسمئة أية هي متابعتهم لمقاتل بن سليمان، حيث إنّه أوّل من أفرد آيات الأحكام في تصنيف وجعلها خمسمئة أية
ينظر: المستصفى (٢/ ٣٨٣) المحصول (٦/ ٢٣)، روضة الناظر (٣/ ٩٦٠)، نهاية السول (٢/ ١٠٣٦) كشف الأسرار (٤/ ١٥)، البحر المحيط (٦/ ١٩٩)
(٤) لم ينسبها لأحد المصنف هنا، ولا في كتابه الإتقان، وكذا الزركشي في البرهان
ينظر: الإتقان (٥/ ١٩٢٨)، البرهان (٣/ ٤٠٢).
стр. 7
يستنبط منها (١) كثير من الأحكام (٢).
(١) من أمثلة استنباط الأحكام من القصص ما ذكره السيوطي في هذا الكتاب من استحباب القيام للعالم ونحوه من قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٣٤].
وهذا الحكم مستنبط من دلالة سياق الآيات، حيث إنّ النّظر في الآيات السابقة من موضع الشاهد تبين أن العلم هو الأمر الذّي فضِّل به آدم ﵇ على الملائكة.
قال سبحانه: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣١) قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: ٣١ - ٣٢]
قال ابن كثير ﵀ في تفسيره (١/ ٣٣٤): «هذا مقام ذكر الله تعالى فيه شرف آدم على الملائكة، بما اختصه من علم أسماء كل شيء دونهم، وهذا كان بعد سجودهم له».
وينبه هنا إلى أن القصة القرآنية تشمل أخبار الأنبياء وغير الأنبياء، والأخبار المستقبلية التي سيقت في سياق القصص، أمّا قصص الأنبياء وما ورد من شرائعهم فالأحكام المستنبطة منها كثيرة عند من يقول بأن شرع من قبلنا شرع لنا. وأما غيرها فقد يكون المأخذ إقرار الله وعدم إنكاره، مما يعلم من خلال سياق القصة على مشروعيته.
قال ابن القيم في زاد المعاد (٣/ ١٣٥ - ١٣٦): «ما حكاه الله سبحانه في قصة يوسف من استدلال الشاهد بقرينة قدِّ القميص من دبر على صدقه، وكذب المرأة، وأنه كان هاربًا موليًا، فأدركته المرأة من ورائه فجبذته فقدَّت قميصه من دبر، فعلم بعلها والحاضرون صدقه وقبلوا هذا الحكم وجعلوا الذنب ذنبها، وأمروها بالتوبة وحكاه الله حكاية مقرر له غير منكر، والتأسي بذلك وأمثاله في إقرار الله له، وعدم إنكاره، لا في مجرد حكايته فإنه إذا أخبر به مقرًا عليه، ومثنيًا على فاعله ومادحًا له، دلَّ على رضاه به، وأنه موافق لحكمه ومرضاته، فليتدبر هذا الموضع، فإنه نافع جدًا».
(٢) هناك أقوال أخر في الحصر لم يذكر أصحابها دليلًا على الحصر؛ لذا كان القول بعدم الحصر هو الأظهر.
قال الطوفي في شرح مختصر الروضة (٣/ ٤١٥): «والصّحيح أن هذا التقدير غير معتبر، وأن مقدار أدلة الأحكام في ذلك غير منحصر، فإن أحكام الشرع كما تستنبط من الأوامر والنواهي؛ كذلك تستنبط من الأقاصيص والمواعظ ونحوها، فقلَّ آية من القرآن الكريم إلّا ويستنبط منها شيء من الأحكام وإذا أردت تحقيق هذا، فانظر إلى كتاب أدلة الأحكام للشيخ عز الدين بن عبد السلام، وكأن هؤلاء الذين حصروها في خمسمئة آية إنما نظروا إلى ما قصد منه بيان الحكم دون ما استفيدت منه، ولم يقصد به بيانها».
وقال القرافي في شرح التنقيح (٤٧٦): «فلا تكاد تجد آية إلّا وفيها حكم، وحصرها في خمسمئة آية بعيد».
стр. 8
قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام في كتاب الإمام: إنما ضرب الله الأمثال (١) في كتابه تذكيراً ووعظاً (٢) فما اشتمل منها على تفاوت في ثواب أو على إحباط عمل أو على مدح أو ذم أو نحوه فإنه يدل على الأحكام، ثم قال: ومعظم أي القرآن لا تخلو عن أحكام مشتملة على آداب حسنة وأخلاق جميلة (٣).
(١) أمثال القرآن قسمان -كما يقول السيوطي في الإتقان- ظاهر مصرح بلفظ المثل كقوله: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ [البقرة: ١٧] وكامن لا ذكر للمثل فيه.
ومن أمثلة الأمثال المستنبط منها أحكام شرعية، وهي من القسم الأول، قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ [النحل: ٧٥]
قال السيوطي في هذا الكتاب الإكليل (٢/ ٩٠٥): «استدل به الشافعي على أن العبد لا يملك. واستدل به من قال: إنّه لا يملك الطّلاق أيضا، وأن طلاقه بيد سيده، أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس: [ليس للعبد طلاق إلا بإذن سيده وقرأ هذه الآية]»
ووجه الاستنباط: أن كلمة (شيء) نكرة في سياق النفي، فتعمّ كل شيء: المال والطلاق.
ومن أمثلة استنباط الحكم من الأمثال الكامنة، قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: ٦٧]
ذكره السيوطي في الإتقان (٥/ ١٩٣٦). من أمثال العرب وقولهم: [خير الأمور أوساطها]
وقال في الإكليل (٣/ ١٠٥٧): «فيه ذم الإسراف والإقتار في النفقة ومدح التوسط».
(٢) نقل المصنف عن العزّ بعض مقاصد القرآن من ضرب الأمثال، وهي الوعظ والتّذكير. وذكر في الإتقان (٥/ ١٩٣٣ - ١٩٣٤) مقاصد أخرى.
والوعظ والعظة والموعظة هو: النصح والتذكير بالعواقب، ونقل ابن منظور عن ابن سيدة قوله: «هو تذكيرك للإنسان بما يلين قبله من ثواب وعقاب» كما في لسان العرب (٧/ ٤٦٦).
وقال الراغب الأصفهاني في معجم ألفاظ القرآن (٥٦٤): «الوعظ: زجر مقترن بتخويف. قال الخليل: هو التذكير بالخير فيما يرق له القلب».
فالوعظ في الأصل هو التّذكير بالعواقب سواء بالتّرغيب أو التّرهيب.
والتّرغيب بالفعل من خاصية الواجب والمندوب، والترهيب من خاصية المحرم في جانب الفعل، أو الواجب في جانب الترك، فدلالة التذكير والوعظ على الأحكام ظاهرة.
(٣) ختم العزّ كتابه العظيم (الإمام في بيان أدلة الأحكام) بهذه العبارات بعد أن فصَّل في الأساليب الشّرعيّة الدّالة على الأحكام، وقال بعدها (٢٨٤): «جعلها الله نصائح لخلقة مقربات إليه مزلفات لديه، رحمة لعباده، فطوبى لمن تأدب بآداب القرآن،، وتخلق بأخلاقه الجامعة لخير الدنيا والآخرة».
стр. 9
ثم من الآيات ما صُرِّح فيه بالأحكام (١)، ومنها: ما يؤخذ بطريق الاستنباط (٢) إما بلا ضمٍّ إلى آية أخرى كاستنباط تحريم الاستمناء من قوله: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المؤمنون: ٧] (٣)، وصحة أنكحة الكفار، من قوله: ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ [المسد: ٤] (٤)، وصحة صوم الجنب من قوله: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ إلى قوله: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ﴾ [البقرة: ١٨٧] الآية (٥).
(١) وهذا هو أكثر ما في القرآن، وسيأتي تفصيل ذلك عند قول المصنف: «قال الشيخ عزّ الدّين: ويستدل على الأحكام تارة بالصيغة وهو ظاهر … إلى آخر المقدمة.
(٢) أي يكون فيه شيء من الخفاء، والاستنباط هو: استخراج ما خفي المراد به من اللفظ، كما يقول العلماء.
أو: استخراج الأمر الذّي من شأنه أن يخفى على غير المستنبط.
تهذيب الأسماء واللغات للنووي (٤/ ١٥٨)، إعلام الموقعين لابن القيم (١/ ١٧٢) منهج الاستنباط من القرآن للوهبي (٣٥)(٣) قال السيوطي في هذا الكتاب الإكليل (٣/ ١٠٠٠): «واستدل به مالك والشافعي أيضًا على تحريم الاستمناء باليد». ووجه الاستنباط: أنّه لما حصر الله تعالى إباحة الاستمتاع في الزوجة وملك اليمين، دلّ ذلك على حرمة الاستمناء باليد؛ لخروجه عن هذين القسمين، وذلك بناء على مفهوم الحصر بالاستثناء. ينظر: منهج الاستنباط من القرآن للوهبي (١٢٥).
(٤) قال السيوطي في الإكليل (٣/ ١٣٥٣): «قوله: ﴿وَامْرَأَتُهُ﴾ استدل به الشافعي على صحة أنكحة الكفار».
ووجه الاستنباط: أن الله أضاف النساء إليهم، وحقيقة الإضافة تقتضي زوجية صحيحة، والأصل في الإطلاق الحقيقة. ينظر: حاشية (٥) منهج الاستنباط من القرآن للوهبي (١٢٦).
(٥) قال السيوطي في الإكليل (١/ ٣٥٩): «واستدل به على صحة صوم الجنب؛ لأنّه يلزم من إباحة الجماع إلى تبين الفجر إباحته في آخر جزء من أجزاء الليل، ويلزم من ذلك بطريق الإشارة طلوع الفجر وهو جنب».
وذكر السيوطي في كلامه السّابق بناء المسألة على أصلين ومأخذين:
الأول: دلالة الغاية في قوله: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ﴾ أي: جواز المباشرة إلى التبين، ومفهوم هذه الدلالة عدم وجوب الاغتسال عليه قبل الفجر؛ لأنّه إذا كانت المباشرة مأذونًا فيها إلى الفجر لم يمكنه الاغتسال إلّا بعد الفجر.
الثاني: دلالة الإشارة؛ فإنّه يلزم من تأخير الجماع إلى تبين الفجر، أنّه لا يغتسل إلّا بعد طلوع الفجر.
وقول السيوطي: «ويلزم من ذلك بطريق الإشارة» بيان لوجه هذه الدلالة كونها تدل على المعنى من جهة اللزوم العقلي.
ودلالة الإشارة هي: دلالة اللفظ على معنى ليس مقصودًا باللفظ في الأصل، ولكنه لازم للمقصود، فكأنه مقصود بالتّبع لا بالأصل. ينظر: مذكرة أصول الفقه للشنقيطي (٢٣٦).
стр. 10
وإما به (١) كاستنباط أن أقل الحمل ستة أشهر من قوله: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥] مع قوله: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [لقمان: ١٤] (٢).
قال الشيخ عز الدين: ويستدل على الأحكام تارة بالصيغة وهو ظاهر (٣)،
(١) أي: بضم أية أخرى، وتسمى عند بعض العلماء ب دلالة التركيب، وهي داخلة في دلالة الإشارة.
ينظر: منهج الاستنباط من القرآن للوهبي (١٣٢، ٣٥١).
(٢) قال السيوطي في الإكليل (٣/ ١١٨١): «قوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ استدل به علي بن أبي طالب على أن أقل مدة الحمل ستة أشهر مع قوله: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾»، ثم ذكر قصة هذا الاستنباط.
ووجه الاستنباط: أن الله تعالى بيَّن في أية البقرة مدة الرضاع حولين كاملين، وهي أربعة وعشرين شهرًا، وبيَّن في أية الأحقاف مدّة الحمل والفصال ثلاثين شهرًا؛ فإذا أخذ منها مدّة الفصال بقي للحمل ستة أشهر. ينظر: منهج الاستنباط من القرآن للوهبي (١٣٤).
(٣) ظهور ذلك يمكن تقريبه فيما يلي:
أولًا: الأحكام الشّرعيّة التّكليفية هي: الوجوب والندب والإباحة، والتحريم والكراهة.
ثانيا: هذه الأحكام مطلوبة من الشارع، إمّا طلب فعل أو طلب ترك، وقد يستوي فيها الفعل أو الترك، والأخير هو المباح، على خلاف في دخوله في مسمى الحكم التكليفي.
أمّا طلب الفعل فهو: إمّا أن يكون طلبًا جازمًا وهو الواجب، أو طلبًا غير جازم وهو النّدب.
وطلب الترك: إمّا أن يكون طلب ترك جازم وهو المحرم، أو غير جازم وهو المكروه.
وطلب الفعل هو الأمر به، وصيغته صيغة الأمر، وهي: (افعل) للحاضر، والفعل المضارع المجزوم بلام الأمر (لتفعل) للغائب، واسم الفعل، والمصدر، وهذه الصيغ عند الإطلاق تحمل على الوجوب، وقد تصرف من الوجوب إلى النّدب أو الإباحة بصارف من الصوارف، والصوارف متعددة.
وطلب الترك هو النهي، وهو عند الإطلاق يحمل على التحريم، وقد يصرف من التحريم إلى الكراهة، وصيغته: الفعل المضارع المجزوم بلا الناهيّة (لا تفعل).
وعليه: فقد يستدل على الوجوب والندب والإباحة بإحدى صيغ الأمر الأربعة، وقد يستدل على التّحريم والكراهة بصيغة النهي (لا تفعل) وهذا ما أشار إليه المصنف نقلًا عن العزّ بقوله: «ويستدل على الأحكام تارة بالصيغة» وانظر: الإمام في بيان أدلة الأحكام (٧٩).
стр. 11
وتارة بالإخبار مثل ﴿أُحِلَّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٩٦]، ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣]، و ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣] (١)، وتارة بما رتب عليها في العاجل أو الآجل من خير أو شر أو نفع أو ضر (٢).
(١) أي: وتارة يستدل على الأحكام بأسلوب الإخبار عن الحكم، كالحل والحرمة، والكتب، أي: الفرض.
(٢) وهذا أيضًا يدخل في الأسلوب الخبري، إلّا أنّه مختص بذكر خاصة من خواص الحكم، كذكره خاصة الواجب، وهو الوعيد على الترك، وذلك بالتّرهيب، أو بذكر ما يترتب عليه في العاجل أو الأجل من شر حال التّرك، أو خير حال الفعل، ويشترك المندوب معه في الخير حال الفعل.
ويمكن تقسيم الأساليب الخبرية الدّالة على الحكم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: أسلوب الإخبار عن حكم الشارع: وفيه يخبر المولى عن الحكم إما بلفظ صريح، أو ظاهر، والأحكام التكليفية خمسة، ولكل حكم ألفاظ أخبر بها الشارع، وبيان ذلك:
أولاً: الإخبار عن حكم الشارع المقتضي للوجوب.
١. إثبات الحكم بلفظ الفرض وما تصرف منه: ومن أمثلته:
قوله تعالى: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٥٠]، أي: ما فرضنا عليهم التزامه من الأحكام المتعلقة بالزوجات، والإماء، مثل عدم الزيادة على أربع نسوة، وعدم الزواج إلا بِوَلِيّ وشهود، أو أن تكون المرأة الموطوءة بملك اليمين مسلمة أو كتابية، وأن تستبرأ قبل الوطء، فهذه جملة من الأحكام التي فرضها الله على المؤمنين، فيجب التزامها.
وقوله تعالى بعد أن بين مصارف الزكاة والصدقات: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٦٠]، والتقدير: «فرض الله هذه الأشياء فريضة».
٢. إثبات الحكم بلفظ الكتب وما تصرف منه، فقد ورد بلفظ «كتب" ومن أمثلته قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣]، وقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦]، وورد بلفظ «كتاب" ومن أمثلته: قوله تعالى ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] أي: الزموا ما كتب الله عليكم، أي: فرضه. ومثله قوله تعالى: ﴿كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣] أي: واجبًاً مفروضاً مؤقتًا وقّته الله عليهم.
٣. إثبات الحكم بلفظ الأمر وما يتصرف منه، ومن أمثلته: ﴿أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [يوسف: ٤٠] وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨]، وقوله: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ [النساء: ٦٠].
٤. إثبات الحكم بلفظ «قضى» ومن أمثلته: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣].
٥. إثبات الحكم بلفظ «وصى» وما تصرف منه، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ [العنكبوت: ٨]، وقوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: ١١]، وقوله في آية المواريث: ﴿وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ [النساء: ١٢].
٦. الدلالة على الحكم بلفظ (على) ملفوظًا، أو مقدّرًا، ومن ذلك قوله تعالى في آية الصيام: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤] وقوله تعالى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٦] وجاء بصيغة الجمع كقوله تعالى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥].
أما المقدَّر فيه لفظ (على) فهو كثير في كتاب الله، أكتفي بمثال واحد، وهو ما ورد في آية الظهار.
يقول القرطبي: «قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ هذا ابتداء، والخبر: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ وحذف «عليهم» لدلالة الكلام عليه، أي: فعليهم تحرير رقبة».
٧. وصف الشارع للفعل بأنه (حق)، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ [البقرة: ١٤٩]، وقوله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢٤١].
٨. إثبات الحكم بلفظ العزيمة وما تصرف منه: ومن ذلك قوله تعالى: ﴿يَابُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [لقمان: ١٧] أي: من الأمور الواجبة المعزومة؛ أي المقطوعة، كما يقول الرازي.
ثانياً: الإخبار عن حكم الشارع المقتضي للندب.
١. إثبات الحكم بلفظ التطوع، قال تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾ [البقرة: ١٨٤]. قيل: الإطعام مع الصيام. وقيل: إطعام مسكين آخر.
٢. إثبات الحكم بلفظ النافلة، قال تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩]
ثالثاً: الإخبار عن حكم الشارع المقتضي للتحريم.
إثبات الحكم بلفظ التحريم وما يتصرف منه: ومن ذلك قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣]
١. إثبات الحكم بلفظ النهي، وما يتصرف منه: ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ [النحل: ٩٠]
٢. إثبات الحكم بلفظ (نفي الحل): ومن ذلك قوله تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [النساء: ١٩]
٣. إثبات الحكم بلفظ الكراهة، وهو مشترك بين التحريم والكراهة: ومن ذلك قوله تعالى:
﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ [الإسراء: ٣٨].
رابعاً: الإخبار عن حكم الشارع المقتضي للإباحة.
١. إثبات الحكم بلفظ الحل: ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]
٢. إثبات الحكم بلفظ (نفي الحرمة): ومن ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: ٣٢]
٣. إثبات الحكم بلفظ نفي الحرج والجناح: ومن ذلك قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٩١] قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٣٠].
٤. إثبات الحكم بلفظ نفي الإثم: ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٧٣] ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾ [البقرة: ٢٠٣].
٥. إثبات الحكم بلفظ نفي السبيل ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [الشورى: ٤١] ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ٩١].
وهناك أساليب مشتركة بين الوجوب والندب، وبين التحريم والكراهة، وقد جمعت هذه الأساليب في رسائل علمية، من أجمعها كتاب أساليب الحكم الشرعي للدكتور علي المطرودي.
القسم الثاني: من أقسام الأساليب الخبرية الدالة على الحكم هو: ذكر خاصية من خواص الواجب، إما بالوعيد على الترك، أو بترتب العقاب على الترك، أو الذم والتوبيخ، ولها صوَر عديدة، كما أن ترتب الثواب أو المدح على طلب الفعل والأمر به، وله صور متعدّدة.
وهو كما قال السيوطي نقلاً عن عزِّ الدِّين كما سيأتي: «وقد نوّع الشّارع ذلك أنواعًا كثيرة ترغيبًا لعباده، وترهيبا وتقريبًا إلى أفهامهم، … ». هـ.
القسم الثالث: أسلوب الخبر المراد به الأمر، فيما عدا الأسلوبين السابقين، وهو الأسلوب الذي ينبه عليه المفسرون بأنه طلب أو أمر خرج مخرج الخبر، وهو محط أمثلة الأصوليين غالبًا، وهذا الأسلوب يعرف كونه مستعملًا في معنى الأمر من سياق الكلام، وما يستوجه من الإلزام. والمقصود بالإلزام هنا: ما يشير إليه العلماء غالبًا في إثبات كون الصيغة للطلب مثل قولهم: لو لم يكن للطلب للزم الخلف لما هو مشاهد في الواقع، فيقولون -مثلا- عند قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، وجدت مطلقات لا يتربصن ثلاثة قروء، ولو كان خبراً محضاً لما تخلف الخبر عن مخبره، لأن أخبار الله تعالى لا تنفك من وجود مخبراتها، فلما وجد الانفكاك علمنا بأنه خرج من الخبرية إلى الإنشائية معنًى دون اللفظ.
يقول الزركشي عن الآية نفسها في كتابه البرهان في علوم القرن (٢/ ٣٢٠): «إن السياق يدل على أن الله تعالى أمر بذلك لا أنه خبرٌ، وإلا لزم الخلف في الخبر».
أو يقولوا في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧]، إن الرفث والفسوق والجدال موجود، ولو كان خبراً لما تخلف الخبر عن مخبره، فدلَّ أن المقصود بالخبر هنا النهي، أي: لا ترفثوا، ولا تفسقوا، ولا تجادلوا.
وهذه الأساليب مستفادة من تقسيمات الأصوليين.
يقول المرداوي في التحبير (٢/ ١٨٠): «فائدة: أدلة الأحكام لا تتقيد استفادتها من صريح الأمر والنهي، بل تكون بنص، أو إجماع، أو قياس. والنص إما أن يكون أمرًا، أو نهيًا، أو إذنًا، أو خبرًا بمعناها، أو إخبارًا بالحكم، نحو: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون﴾ ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣]، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨]، (إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم) أخرجه البخاري برقم (٦٢٧٠)، ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ [المائدة: ٩٦]، أو بذكر خاصية لأحدهما، كوعيد عن فعل شيء، أو تركه، أو وعد على فعل شيء أو تركه، ونحو ذلك» ا. هـ
стр. 12
وقد نوع الشارع ذلك أنواعاً كثيرة (١) ترغيباً للعباد، وترهيباً وتقريباً
(١) أي نوع في الأدلة: أدلة الأمر،، وأدلة النهي، وأدلة الإباحة.
وسيبدأ في أدلة الأمر، وهي الدالة على مشروعية الفعل، وهي التي يشترك فيها الفعل بين الوجوب والندب. أي تدلُّ على كونه واجباً أو مندوباً ..
стр. 13
إلى أفهامهم: فكل فعل (١) عظمه الشرع (٢) أو مدحه (٣) أو مدح فاعله (٤)، أو أحبه (٥)(١) المقصود بالأفعال هنا: الأفعال الكسبية، وهي: الأفعال الصادرة عن اختيار المكلف، والمفضية إلى اجتلاب نفع أو دفع ضر.
أما الأفعال الجبلية، وهي الاضطرارية التي لا اختيار ولا كسب فيه للمكلَّف، فلا يتعلق بها تكليف. كالحركة والسكون.
قال العز ابن عبد السلام في كتابه الإمام (٧٧): «ثمَّ لا يتعلَّق طلب ولا تخيير إلا بفعل كسبي، ولا يمدح شيئاً من أفعال، ولا يذمه، ولا يمدح فاعله ولا يذمه، ولا يوبخ عليه ولا ينكره، ولا يعد عليه الثواب، ولا عقاب إلا أن يكون كسبياً، فإن علَّق شيء من ذلك بفعل جبلي كان متعلقاً بآثاره، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ﴾ [النور: ٢]، وقوله ﷺ : «إنَّ فيك لخصلتين يحبهما الله الحلم والأناة» ".
(٢) كقوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]، وإصعاد الشيء ورفعه دلالة على تعظيمه، ودلالة على مشروعية الفعل: الكلم الطيب، والعمل الصالح، وهذه المشروعية كما سيذكر المؤلف دائرة بين الوجوب والندب. ومن الأمثلة على التعظيم قوله تعالى: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ [المزمل: ٦]، وفيه دلالة على مشروعية قيام الليل.
(٣) أي: كل فعل مدحه الشارع فيدل مدحه على مشروعيته الدائرة بين الوجوب والندب، كقوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥]، وفيها مدح للصلاة بكونها تنهى عن الفحشاء والمنكر، فدلَّ على مشروعية الصلاة، وكقوله تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [التوبة: ٤١]، وفيها مدح للجهاد بأنه خيرٌ، فدلَّ على مشروعيته.
(٤) كقوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٤]، مدح المولى الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر بأنهم من المفلحين، فذلَّ على مشروعية فعلهم، وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكقوله في مدح الصابرين: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: ٤٤]، فدلَّ على مشروعية الصبر.
(٥) أي: أحب الفعل، كقوله ﷺ : «إِنْ الله يحب أَنْ تُؤْتى رخصه كَمَا يجب أَنْ تُؤْتى عَزَائِمه» أخرجه أحمد (٢/ ١٠٨) وصححه الألباني كما في الإرواء (٣/ ١٠)، وفيه الندب إلى قصر الصلاة في السفر، وهو مذهب الجمهور، وَقَوله ﷺ : (إِنَّك عَفْو تحب الْعَفو)، أَي: يحب أَنْ يعْفُو بَعْضنَا عَنْ بعض. والحديث أخرجه الترمذي (٣٥١٣)، وابن ماجة (٣٨٥٠) وصححه الألباني كما في السلسلة الصحيحة (٧/ ١٠٠٨).
стр. 14
أو أحب فاعله (١)، أو رضي به (٢) أو رضي عن فاعله (٣)، أو وصفه بالاستقامة (٤) أو البركة (٥) أو الطيب (٦)، أو أقسم
(١) أي: فاعل الفعل، كقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] أحب الذين يتطهرون عن إتيان النساء حال الحيض، كقوله تعالى: ﴿يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ٤] ﴿يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٦] ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥]، وفيها التصريح بمحبة الفاعل للدلالة على حب الفعل وطلبه.
(٢) أي رضي المولى عَنْ الْفعل، كقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]، وقوله: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ [الزمر: ٧].
(٣) أي: رضَا الله عَنْ الْفَاعِل، كقوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١٠٠]، وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (٢٠) يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾ [التوبة: ٢٠ - ٢١].
(٤) أي: وصف الْفِعْل بالاستقامة، ومثَّل العز ﵀ لهذا النوع من الأدلة في كتابه الإمام (٩٢) بقوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٥]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت: ٣٠] [والشاهد في الأحقاف: ١٣] أي: قالوا ربنا الله - وهذا الإيمان والإسلام - ثمَّ استقاموا عليها، وهذا حث على التمسك بالدِّين.
(٥) أي: وصف الْفِعْل بِالْبركَةِ، كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ [النور: ٦١] فالسلام تحية وفعل مطلوب من الشارع، وكقوله ﵇ في التشهد: (التَّحِيَّات المباركات الطَّيِّبَات لله) وفيه كما عند البخاري (٦٢٣٠): (فإنه إذا قال ذلك أصاب كل عبد صالح في السماء والأرض).
(٦) أي: وصف الْفِعْل بالطيب، كقوله تعالى: ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾ [الحج: ٢٤]، وإذا رجعنا إلى تفسير السلف للوقوف على القول الذي هدوا إليه، نجدهم يختلفون فيه اختلاف تنوع: فقيل: إنه لا إله إلا الله والحمد لله. وقيل: القرآن. وقيل: الحمد لله.
وعليه فالآية تدلُّ على مشروعية القول المنقول عنهم؛ لأنه وصف بالطّيب. ومن أمثلة هذا النوع كذلك: قوله ﵇: (من عاد مريضاً أو زار أخاً له نادى مناد من السماء أن طبت وطاب ممشاك وتبوأت من الجنة منزلاً)، أخرجه الترمذي (٢٠٠٨) وحسنه الألباني كما في صحيح الجامع (٢/ ١٠٩١)، ودلَّ الحديث على مشروعية زيارة وعيادة المريض.
стр. 15
به (١) أو بفاعله (٢)، كالأقسام بالشفع، والوتر، وبخيل المجاهدين، وبالنفس اللوامة، أو نصبه سبباً لذكره عبده (٣)، أو لمحبته (٤)، أو للثواب عاجلاً (٥)(١) قال المصنف: «أو أقسم به أو بفاعله كالأقسام بالشفع والوتر وبخيل المجاهدين، وبالنفس اللوامة»، أي: أقسم بِالْفِعْلِ، أو أقسم بالفاعل. كقوله تعالى: ﴿وَالْفَجْرِ (١) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (٢) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾ [الفجر: ١ - ٣]، والمراد بالفجر على أحد التفاسير: صلاة الفجر. والشفع والوتر: الوتر المغرب، وباقي الصلوات شفع. والصلاة من فعل المصلي؛ إذ لا توجد صلاة بلا مصل، فإقسامه بها إقساماً بفعلها.
قال العز (٩٦): «إِنْ حمل على الصَّلَوَات فَإِنَّهُ يرجع إِلَى تَعْظِيم الْفِعْل فَإِنَّهُم لَا يقسمون إِلَّا بِمَا يحترمون ويعظمون».
(٢) كقوله تعالى: ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ [القيامة: ٢] أقسم بِنَفس الْمُؤمن لِكَثْرَة لومها إِيَّاه فِي ذَات الله تَعَالَى، فدلَّ على مشروعية لوم النفس على تقصيرها في حق الله سبحانه. وكذا الإقسام بخيل الْمُجَاهدين كما فِي قَوْله ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا﴾ [العاديات: ١] تَنْبِيه على تَعْظِيم الْمُجَاهدين وتوقيرهم بطرِيق الأولى، كما قال العز في كتابه الإمام (٩٥).
(٣) أي: نصب الْفِعْل سَببا لذكر الله تَعَالَى، كما في قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ وهذا حث على ذكر الله، لكي يحضى العبد بذكر المولى له. وفي الحديث: (من ذَكرنِي فِي نَفسه ذكرته فِي نَفسِي وَمن ذَكرنِي فِي مَلأ ذكرته فِي مَلأ خير مِنْهُم وَأكْثر). فالذكر فعل مطلوب؛ لأن الشارع نصبه سبباً لذكر الله تعالى، والحديث أخرجه أحمد في المسند (٩٢٥٤) وصححه الألباني في تحقيقه لكتاب الإيمان (٧٧).
(٤) أي: نصب الْفِعْل سَببا لمحبة الله تَعَالَى، كقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]، وفيه مشروعية اتباع النبي ﷺ . وكقوله ﵇: (وَما يزَال عَبدِي يتَقرَّب إِلَيّ بالنوافل حَتَّى أحبه)، يدلُّ على مشروعية التقرب بالنوافل. والحديث أخرجه البخاري (٦٥٠٢).
(٥) أي: نصب الله الفعل سَببا للثواب عَاجلاً، ومثَّل له العز ﵀ في كتابه الإمام (٩٦) بقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف: ٩٦]، فدلَّ على مشروعية الإيمان بالله وكذا قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢ - ٣].
стр. 16
أو آجلاً (١)، أو لشكره له (٢)، أو لهدايته إياه (٣)، أو لإرضاء فاعله (٤)، أو لمغفرة ذنبه وتكفير سيئآته (٥)، أو لقبوله (٦)، أو لنصرة
(١) أي: نصب الْفِعْل سَببا لثواب آجل وَهُوَ أَكثر وعود الْقُرْآن، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧] يدلُّ على مشروعية الأعمال الصالحة الخيرة، وكقوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة: ٢٤٥].
(٢) أي: نصب الْفِعْل سَببا لشكر الله ، أي: لشكر الله لعبده، قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٥٨]. قال ابن جرير في تفسيره (٣/ ٢٤٧): إن الصواب عندنا في ذلك أن معنى ذلك: ومن تطوع بالحج والعمرة بعد قضاء حجته الواجبة عليه؛ فإن الله شاكر له تطوعه أ. هـ. وعليه: فإن تكرار الحج والعمرة مطلوب شرعاً؛ لأن الله نصبه سبباً لشكره. ومن أمثلته كذلك قوله تعالى: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾ [النساء: ١٤٧].
(٣) أي: نصب الْفِعْل سَببا للهداية، كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٩]، أي: من جاهد بالطاعة هداه سبيل الجنة، وكقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ [يونس: ٩].
(٤) أي: رضَا الْفَاعِل عَنْ ربه، قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١٠٠] اتباع السلف الصالح بإحسان سبب لنيل العبد رضا ربه. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾ [طه: ١٣٠].
(٥) أي: نصب الْفِعْل سَببا لمغفرة الخطيئات وتكفير السَّيِّئَات. قال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود: ١١٤]، وقال تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٧١].
(٦) أي: نصب الْفِعْل سَببا لقبُول الْعَمَل، كقوله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ [الأحقاف: ١٥]- فجعل الإحسان للوالدين سبباً لقبول العمل.
стр. 17
فاعله (١)، أو بشارته (٢)، أو وصف فاعله بالطيب (٣)، أو وصف الفعل بكونه معروفاً (٤)، أو نفي الحزن أو الخوف عن فاعله (٥)، أو وعده بالأمن (٦)،
(١) أي: نصب الْفِعْل سَببا لمعونة الْفَاعِل ونصرته، قال تعالى ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ [الحج: ٤٠] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: ٧].
(٢) أي: نصب الْفِعْل سَببا للبشارة، قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٥٤ - ١٥٥] ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٣] ﴿وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الحج: ٣٧] ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [البقرة: ٢٥] [التوبة: ١٩ - ٢١].
(٣) أي: وصف الْفَاعِل بالطيب. قال تعالى: ﴿قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ١٠٠] ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٧]، الطَّيب يطلق في القرآن على الإيمان أو المؤمن، وعلى الطاعة، والأعمال الطيبة، والمال الحلال، وعلى السعادة، وعلى أهل الجنة. فدلَّت الآية على مشروعية الإيمان، والعمل الطيب الصالح، والكسب الحلال، وفي المقابل الخبيث على الكفر أو الكافر، والمعصية، والأعمال السيئة، والمال الحرام، والشقاوة، وعلى أهل النار.
(٤) أي: وصف الْفِعْل بِكَوْنِهِ مَعْرُوفا. والمعروف: ما يعرفه الشرع ويأمر به، ويمدحه، ويثني على أهله، ويدخل في ذلك جميع الطاعات، وفي مقدمتها التوحيد والإيمان بالله، قال تعالى: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى﴾ [البقرة: ٢٦٣]، والمعروف هنا قيل: الكلام الحسن والرد الجميل على السائل، وقوله: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ [الأعراف: ١٩٩] والعرف هنا بمعنى المعروف، ضد المنكر، فدخل فيه جميع الطاعات. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠].
(٥) أي: نفي الْحزن وَالْخَوْف عَنْ الْفَاعِل. قال تعالى: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٣٨]، وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٢].
(٦) أي: تأمين الفاعل من عذاب الآخرة بسبب الفعل، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٤٥) ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ﴾ [الحجر: ٤٥ - ٤٦]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ (٣٧)﴾ [سبأ: ٣٧]،
وفِي حديث سخبرة الأسدي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من أُعطي فشكر، وابتُلي فصبر، وظَلَم فاستغفر، ثم سكت فقالوا: يا رسول الله ماله؟. قال: أولئك لهم الأمن وهم مهتدون» فذلَّ على مشروعية الشكر والصبر والاستغفار. والحديث أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (٦٦١٣).
стр. 18
أو نصبه سبباً لولايته (١)، أو أخبر عن دعاء الرسول بحصوله (٢)، أو وصفه بكون قربه (٣)، أو بصفة مدح كالحياة والنور
(١) أي: نصب الْفِعْل سَببا لولاية الله تَعَالَى، كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة: ٢٥٧] وقوله ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٦].
(٢) الألف واللام في الرسول للجنس، فيعم؛ لذا قال العز بن عبد السلام في كتابه الإمام (١٠٢ - ١٠٣): «دُعَاء الْأَنْبِيَاء بِالْفِعْلِ»، ومثاله قوله تعالى: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ﴾ [إبراهيم: ٤٠]، وقوله تعالى: ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ [النمل: ١٩].
ويشترط في ذلك ألا يكون من خصائص الأنبياء كما في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ (٣٤) قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [ص: ٣٤ - ٣٥].
(٣) أي: وصف الْفِعْل بِكَوْنِهِ قربَة، كقوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ٩٩]، قال القرطبي في جامعه (٨/ ٢٣٥): ﴿قُرُبَاتٍ﴾ جمع قربة، وهي: ما يتقرب به إلى الله تعالى ﴿أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ﴾ أي: تقربهم من رحمة الله، يعني نفقاتهم».
ومنها التحريض على قيام الليل، بقوله ﵇: (عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين فيكم، وهو قربة لكم إلى ربكم) أخرجه الترمذي (٣٥٤٩) وصححه الألباني في الإرواء (٢/ ١٩٩ - ٢٠٠)، وصحيح الجامع (٢/ ٧٥٢). وعند العز زيادة في الإمام (٩٣) وهي: «وصف الْفَاعِل بالتقريب». ومثَّل له، بقوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة: ١٠ - ١١]، على مشروعية المسابقة في الطاعات.
ومن التقريب ذكر لفظ العندية، ومن ذلك: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٥٤ - ٥٥]، فدلَّت الآية على مشروعية التقوى، وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٢] أو بيان القرب، كقوله ﵊: (أَنا جليس من ذَكرنِي) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (٦٧٠).
стр. 19
والشفاء (١)، فهو دليل على مشروعيته المشتركة بين الوجوب والندب (٢).
وكل فعل طلب الشارع تركه (٣)، أو ذمه (٤)،
(١) أي: وصف الفعل بصفة مدح. وهذا لم يذكره العز بن عبد السلام، استغناء بما ذكره في أول أنواع الأدلة، عند قوله:: «فكل فعل عظمه الشرع أو مدحه أو مدح فاعله، .... الخ». ومن أمثلة هذا الأسلوب قوله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٢] مدح المولى سبحانه الإيمان والمؤمنين وشبههم بالأحياء والنور، وقيل: بأن المراد بالذي كان ميتاً فأحياه الله: عمر بن الخطاب. وقيل عمار بن ياسر. أما الذي مثله بالظلمات - أي ظلمات الكفر - فهو أبو جهل بن هشام. على قول كثير من المفسرين.
(٢) تنبيه: ١ - وَقد يتَعَلَّق بعض هَذِه الْأَدِلَّة باجتناب الْحَرَام كَقَوْلِه ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ [الفرقان: ٦٨] فَإِنَّهُ مدحهم باجتناب الْمحرم كَمَا مدحهم بِفعل الْوَاجِب وَلذَلِك مدحهم بقوله ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ [الشورى: ٣٧].
وكل هَذِه الْأَدِلَّة عَائِدَة إِلَى الْمَدْح والوعد وَلَكِن لما اخْتلفت أَنْوَاع الوعود والمدائح عددت هَذِه الْأَنْوَاع لينْتَفع بهَا المتدرب فِي مضانها
٢ - مما لم يذكره السيوطي في الإكليل من الأنواع التي ذكرها العز بن عبد السلام (٨٩، ١٠١):
الأول: الْفَرح بِالْفِعْلِ كقوله ﵇: (لله أفرح بتوبة أحدكُم من أحدكُم بضالته إِذا وجدهَا) أخرجه البخاري (٥٩٣٣). الثاني: نصب الْفِعْل سَببا لإِصْلَاح الْعَمَل ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١] ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ [النساء: ٦٦] جعل الله الْعَمَل سَببا للتثبيت.
(٣) يكون بصيغة النهي: كتحريم الزنا، ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٣٢] وتحريم أكل الأموال بالباطل ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨]، وبصيغة الأمر: كتحريم جماع الحائض ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، وتحريم شرب الخمر ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠].
(٤) مثاله: قوله تعالى: ﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [المائدة: ٦٣]، وقوله تعالى: ﴿وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٤].
стр. 20
أو ذم فاعله (١)، أو عتب عليه (٢)، أو مقت فاعله (٣)، أو لعنه (٤)، أو نفي محبته (٥)(١) أي: ذمّ الفاعل، ومثاله: قوله تعالى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾
[الأنفال: ٥٥] وقوله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢٩] وقوله تعالى: ﴿وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٤].
(٢) أي: العتب على الْفَاعِل، ومثال ذلك قوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾ [التوبة: ٤٣]، ونقل السيوطي في الإكليل (٢/ ٨١٠ - ٨١١) عن أبي حاتم عن عون قوله: سمعتم بمعاتبة أحسن من هذا؟ بدأ بالعفو قبل المعاتبة.
ومن العتب على الْفَاعِل قوله تعالى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ [الأحزاب: ٣٧].
(٣) ومثال ذلك من الأدلة، قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ﴾ [غافر: ١٠].
وذكر العز في كتابه الإمام (١٠٨) - أيضاً -: مقت الْفِعْل ومثَّل له بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٢٢] وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢ - ٣].
(٤) أي: لعن الفاعل بسبب الفعل. وقال العز في قواعد الأحكام (١/ ٢٤): «وقد ضبط بعض العلماء الكبائر بأن قال: كل ذنب قُرن بوعيد، أو حد، أو لعن فهو من الكبائر».
ومن الأمثلة لهذا النوع من الأدلة: تحريم الكذب، بقوله تعالى: ﴿فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ [آل عمران: ٦١]، وتحريم الوصل والوشم بقوله ﷺ : «لعن الله الواصلة والمستوصلة، والواشمة والمستوشمة».
وذكر العز ﵀ (١١٥) كذلك وصف الفعل بأنه سبب اللعن، ومن ذلك تحريم القتل متعمداً، بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٣].
(٥) أي: نفي محبَّة الْفِعْل أو الفاعل. ومثَّل العز ﵀ لنفي محبة الفعل (١٠٨) بقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة: ٢٠٥] وقوله تعالى: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا﴾ [النساء: ١٤٨].
стр. 21
أو محبة فاعله (١)، أو الرضا به (٢) أو عن فاعله (٣)، أو شبه فاعله بالبهائم (٤) أو بالشياطين (٥)، أو جعله مانعاً من الهدى (٦) أو القبول (٧)،
(١) ومثَّل العز ﵀ لنفي محبَّة الْفَاعِل من الأدلة (١٠٨)، بقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [المائدة: ٦٤] وقوله تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ [الأنفال: ٥٨] وقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: ١٩٠]، وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [الحديد: ٢٣].
(٢) أي: نفي الرِّضَا بِالْفِعْلِ، ومثَّل العز ﵀ لنفي عدم الرضا بالفعل (١٠٨) بقوله تعالى: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ [الزمر: ٧].
(٣) ومثَّل العز ﵀ لنفي الرِّضَا عَنْ الْفَاعِل من الأدلة (١٠٩)، بقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٩٦].
(٤) ومثَّل العز ﵀ لهذا النوع من الأدلة - وهو تشبيه الفاعل بالبهائم - (١٠٩) بقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٦]
الكلب إن كان رابضاً لهث، وإن طُرد لهث، وكذا من أتاه الله العلم والحكمة، أو الذي يقرأ القرآن ولايعمل به، كالكافر والمنافق، أي لا ينفعه العلم والقرآن سواء وعظ بها، أو لم يوعظ، والكلب يلهث سواء طردته أو تركته رابضاً.
(٥) كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ [الإسراء: ٢٧]، وزاد العز كذلك التشبه بالكفرة (١٠٩) ومن أمثلتها، قوله تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ [النساء: ١٤٠] وفيه تحريم الجلوس في مجلس يستهزأ فيه بآيات الله.
(٦) ومثال كون الفعل سبباً لحرمان الهدي، قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٦٤]، أي: لما يرشدهم إِلَيْهِ ويقربهم مِنْهُ، فجعل الكفر سبباً في حرمان الهدى. ومن الأمثلة قوله تعالى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الأعراف: ١٤٦] أَي عَنْ فهم آياتي أَوْ تدبر آياتي.
(٧) أي: نصب الْفِعْل سَببا لحرمان القَبول، ومثاله من الأدلة، قوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ [التوبة: ٥٤]، وفي الحديث: (من أتى عرَّافاً فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة) رواه مسلم (٢٢٣٠).
стр. 22
أو وصفه بسوء أو كراهة (١)، أو استعاذ الأنبياء منه (٢)، أو أبغضوه (٣)، أو جعله سبباً لنفي الفلاح (٤)، أو لعذاب آجل (٥)(١) مثَّل العز ﵀ لهذا النوع من الأدلة (١١٠)، بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا (٢٩) إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (٣٠) وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا (٣١) وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (٣٢) وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا (٣٣) وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا (٣٤) وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٣٥) وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦) وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا (٣٧) كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ [الإسراء: ٢٩ - ٣٨]، وَفِي الحَدِيث: (وَيكرهُ لكم ثَلَاثًا قيل وَقَالَ، وَكَثْرَة السُّؤَال، وإضاعة المَال) أخرجه البخاري (١٤٧٧)، ومسلم (١٧١٥).
(٢) أي: استعاذة الْأَنْبِيَاء من الْفِعْل، ومثاله من الأدلة، قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [البقرة: ٦٧]، وَفِي الحَدِيث: (وَأَعُوذ بك أَنْ أزل أَوْ أضلّ أَوْ أظلم أَوْ أظلم أَوْ أَجْهَل أَوْ يجهل عَليّ). قال العز (١١٠ - ١١١): «استعاذوا من المخالفات كَمَا استعاذوا من البليات». وكونه يظلم أو يجهل فهذا من المخالفات. وكون الظلم والجهل يقع عليه، فهذا من البليات. وأمروا بالاستعادة من البليات؛ لأنه قد لا يصبر، فالمؤمن يحتاج لصبر على البليات والطاعات، ويحتاج لصبر عن المعاصي والمخالفات.
(٣) مثال إبغاض الْأَنْبِيَاء للْفِعْل وكراهتهم لَهُ من الأدلة، قوله تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٨] ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَاشُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ﴾ [الأعراف: ٨٨].
(٤) مثال نصب الْفِعْل سَببا لنفي الْفَلاح من الأدلة، قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٧] وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ [الأنعام: ٢١] وقوله تعالى: ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ [طه: ٦٩]، وَفِي الحَدِيث لن يفلح قوم ولوا أَمرهم امْرَأَة.
(٥) ومثال نصب الْفِعْل سَببا لعذاب آجل - وَهُوَ أَكثر وَعِيد الْقُرْآن، كما قال العز (١١٢) - من الأدلة، قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠]، وفي الحديث: (الذي يشرب في آنية الفضة) أو (إن الذي يأكل أو يشرب في آنية الفضة والذهب إِنَّمَا يجرجر فِي بَطْنه نَار جَهَنَّم). رواهما مسلم (٢٠٦٥).
стр. 23
أو عاجل (١)، أو لذم أو لوم (٢)، أو ضلالة (٣) أو معصية (٤)، أو وصف بخبث (٥) أو رجس (٦) أو نجس، أو بكونه فسقاً (٧) أو إثماً (٨)، أو سبباً لإثم أو رجس، أو لعن
(١) ومثال نصب الْفِعْل سَببا لعذاب عَاجل من الأدلة، قوله تعالى: في قوم عاد ﴿فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأحقاف: ٢٥] وقوله تعالى: ﴿فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٢٦] وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه: ١٢٤].
(٢) ومثَّل العز ﵀ لهذا النوع من الأدلة (١١٣)، بقوله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾ [الإسراء: ٢٢] وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ [الإسراء: ٢٩].
(٣) مثال الوقوع في المعصية بسبب الفعل من الأدلة، حديث أبي هريرة ﵁ أنه رأى رجلاً خرج بعد الأذان فقال: (أما هذا فقد عصى أبا القاسم ﷺ أخرجه مسلم (٦٥٥)، وحديث عمار: (من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم)، (من لعب بالنرد فقد عصى الله ورسوله) أخرجه أبو داود (٤٩٣٨)، وابن ماجة (٣٧٦٢)، وحسنه الألباني في الإرواء (٢٦٧٠).
(٤) مثال الوقوع في الضلالة بسبب الفعل من الأدلة، قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١١٦]، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٣٦].
(٥) مثال وصف الفعل بكونه رجساً من الأدلة: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠]. والرجس هو النجس.
(٦) مثال وصف الفعل بكونه خبثاً من الأدلة: قوله تعالى: ﴿وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٤]، وأضاف العز (١١٤): وصف الْفَاعِل بِأَنَّهُ رِجْس أَوْ نجس، ومثَّل لهذا النوع من الأدلة، بقوله تعالى: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ﴾ [التوبة: ٩٥] وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨].
(٧) مثال وصف الفعل بكونه فسقا من الأدلة: قوله تعالى: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وقوله تعالى: ﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾ [الحجرات: ٧].
(٨) مثال وصف الفعل بكونه إِثْمًا أَوْ سَبَباً لإِثْم من الأدلة: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣] وقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٩].
أو سخريته (١)، أو جعله الله سبباً لنسيانه فاعله (٢)، أو وصف نفسه بالصبر عليه (٣) أو بالحلم أو بالصفح عنه (٤)، أو دعا إلى التوبة منه (٥)، أو وصف فاعله بخبث (٦) أو احتقار (٧)، أو نسبه إلى عمل
(١) مثال نَصب الفعل سَببا لسخرية الله من الأدلة، قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [التوبة: ٧٩].
(٢) مثال نَصب الفعل سَببا لنسيان الله له: من الأدلة، قوله تعالى: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧].
(٣) قال العز (١١٩): «لَا حلم وَلَا صفح وَلَا مغْفرَة وَلَا عَفْو وَلَا صَبر إِلَّا على مذنب أَوْ عَنْ مذنب»، ومثَّل العز ﵀ لهذا النوع من الأدلة، بقوله ﷺ : «لَا أحد أَصْبِر على أَذَى يسمعهُ من الله » أخرجه مسلم (٢٨٠٤).
(٤) ومثال الأمر بالعفو والصفح - وإن كان هنا من المأمور -: قوله تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [المائدة: ١٣].
(٥) قال العز (١١٩ - ١٢٠): «وَلَا تَوْبَة فِي الْأَغْلَب إِلَّا عَنْ ذَنْب والذنب هُوَ الْمُخَالفَة لاقْتِضَاء الْأَمر أَوْ النَّهْي وَلَا يكون الصَّبْر إِلَّا على مَكْرُوه أَوْ عَنْ مَحْبُوب .. وَقد تطلق التَّوْبَة باعتبارات أخر وَلَكِن غلب عرف الشَّرْع على بعض مسميات التَّوْبَة». وقال ابن القيم في مدارج السالكين (١/ ٣٠٥): «فحقيقة التوبة: الرجوع إلى الله بالتزام فعل ما يجب، وترك ما يكره، ولهذا علَّق سبحانه الفلاح المطلق على التوبة، حيث قال: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٣١]». ومثال الدعوة للتوبة: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة: ١١٨].
(٦) مثال لوصف الفاعل بالخبث، قوله تعالى: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [النور: ٢٦].
(٧) مثال لاحتقار الفاعل من الأدلة، قوله تعالى: ﴿أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الأنبياء: ٦٧]، وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف: ١٠٥].
وزاد العز (١٢٢): وحجبه، ومثَّل له بقوله تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٠) الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (١١) وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢) إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٣) كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤) كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٠ - ١٥].
стр. 26
الشيطان (١) أو تزيينه (٢) أو تولي الشيطان لفاعله (٣)، أو وصف بصفة ذم ككونه ظلماً (٤) أو بغياً (٥)، أو عدوناً (٦)، أو إثماً (٧)، أو مرضاً (٨)، أو تبرأ الأنبياء منه، أو من فاعله (٩)، أو شكوا إلى الله من
(١) مثال نِسْبَة الْفِعْل أَوْ الْفَاعِل إِلَى الشَّيْطَان من الأدلة: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠]
وقوله تعالى: ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾ [القصص: ١٥].
(٢) مثال تزيين الشيطان للْفِعْل. قوله تعالى: ﴿وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ﴾ [النمل: ٢٤].
(٣) مثال تولي الشيطان للْفَاعِل. قوله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٧].
(٤) مثال وصف الفعل بأنه ظلم من الأدلة، قوله تعالى: ﴿يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣].
(٥) مثال وصف الفعل بأنه بغيٌ، قوله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ [البقرة: ٢١٣] وقوله تعالى: ﴿قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾ [مريم: ٢٠].
(٦) مثال وصف الفعل بأنه عدوانٌ، قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩) وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [النساء: ٢٩ - ٣٠].
(٧) مثال وصف الفعل بأنه إثمٌ، قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٩]، وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات: ١٢].
(٨) مثال وصف الفعل بأنه مرض، قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٤ - ١٢٥].
(٩) مثال لتَبرأ الْأَنْبِيَاء ﷺ من الْفَاعِل وَإِظْهَار عدواته من الأدلة، قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٦].
стр. 27
فعله (١)، أو جاهروا فاعله بالعداوة (٢)، أو نهوا عن الآسى والحزن عليه (٣)، أو نصب سبباً لخيبه فاعله عاجلاً أو آجلاً (٤)، أو رتب عليه حرمان الجنة وما فيها (٥)، أو نصب فاعله بأنه عدو الله أو بأن الله عدوه (٦)، أو أعلم بحرب من الله ورسوله (٧)،
(١) مثال لشكوى الْأَنْبِيَاء من الْفَاعِل من الأدلة، قوله تعالى: ﴿قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَانُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ (١١٦) قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ﴾ [الشعراء: ١١٦ - ١١٧] وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَارَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان: ٣٠].
(٢) قال العز في الإمام (١٢١ - ١٢٢) عداوة الله للفاعل، مثَّل له بقوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٩٨] وسبق أن مثل بالآية كذلك على نصب الفعل لعداوة الله، وهنا للفاعل، ومثَّل كذلك بقوله تعالى: ﴿لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الممتحنة: ١].
(٣) مثال لنهي الْأَنْبِيَاء عَنْ الأسى والحزن على الْفَاعِل من الأدلة، بقوله تعالى: ﴿فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [المائدة: ٢٦] وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة: ٦٨] وقوله تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (٦٩) وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ [النمل: ٦٩ - ٧٠].
(٤) أي: نصب الْفِعْل سَببا لخيبة عاجلة أو آجلة، ومثَّل العز ﵀ لهذا النوع من الأدلة (١٢٢)، بقوله تعالى: ﴿قَالَ لَهُمْ مُوسَى وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى﴾ [طه: ٦١] وقوله تعالى: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾ [طه: ١١١] وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس: ١٠].
(٥) ومثالها من الأدلة، قوله تعالى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الأعراف: ٥٠] وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ﴾ [المائدة: ٧٢].
(٦) ومثَّل العز ﵀ لهذا النوع من الأدلة (١٢١ - ١٢٢)، بقوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٩٨] وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ﴾ [الممتحنة: ١].
(٧) ومثالها من الأدلة، قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: ٢٧٨ - ٢٧٩].
стр. 28
أو حمل فاعله إثم غيره (١)، أو قيل فيه لا ينبغي هذا، أو لا يكون (٢)، أو أمر بالتقوى عن السؤال عنه (٣)، أو أمر بفعل مضاده (٤)، أو بهجر فاعله (٥)، أو تلاعن فاعلوه في الآخرة (٦)، أو تبرأ بعضهم من بعض (٧)، أو دعا
(١) ومثالها من الأدلة، قوله تعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ [النحل: ٢٥] وقوله تعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ [العنكبوت: ١٣].
(٢) ومثالها من الأدلة، قوله تعالى: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الفرقان: ١٨] وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾ [النساء: ٩٢] وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦].
(٣) ومثالها من الأدلة: ما رواه النعمان بن بشير ﵁ أن أباه أتى رسول الله ﷺ فقال: إني نحلت ابني هذا غلاماً -أي وهبته عبداً - فقال رسول الله ﷺ : «أكلَّ ولدك نحلته مثله؟»، فقال: لا، فقال رسول الله ﷺ : «فأرجعه» رواه البخاري (٢٥٨٦)، وفي رواية -وهي الشاهد -: فقال رسول الله ﷺ : «فاتقوا الله واعدلوا بين أولادكم» البخاري (٢٥٨٧).
ويمكن التمثيل على أن التذكير بالتقوى بسبب الفعل تدل على عدم مشروعية ذلك الفعل، بقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [البقرة: ١٩٤] حيث إن الشارع حرم الزيادة على عدوان الغير.
(٤) ومثالها من الأدلة، قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا﴾ [البقرة: ١٠٤].
(٥) ومثالها من الأدلة، قوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء: ٣٤] وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [الأنعام: ٦٨].
(٦) مثال تلاعن فاعلوه في الآخرة، قوله تعالى: ﴿وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٥].
(٧) مثال تبرأ بعضهم من بعض في الآخرة، قوله تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ [البقرة: ١٦٦].
стр. 29
بعضهم على بعض (١)، أو وصف فاعله بالضلالة (٢)، أو أنه ليس من الله في شيء (٣)، أو ليس من الرسول وأصحابه (٤)، أو جعل اجتنابه سبباً للفلاح (٥)، أو جعله سبباً لإيقاع العداوة والبغضاء بين المسلمين، أو قيل هل أنت منته (٦)، أو نهى الانبياء عن الدعاء لفاعله (٧)، أو رتب عليه إبعاداً أو طرداً أو لعنة (٨)، قتل من فعله (٩)، أو قاتله
(١) مثال دعا بعضهم على بعض في الآخرة، قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (٦٧) رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا﴾ [الأحزاب: ٦٧ - ٦٨].
(٢) مثال وصف فاعله بالضلالة من الأدلة، قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٣٦].
(٣) مثال وصف الفاعل بأنه ليس من الله في شيء من الأدلة، قوله تعالى: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ [آل عمران: ٢٨].
(٤) كقوله ﵇: (ليس منا من لطم الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية) أخرجه البخاري (١٢٩٤)، ومسلم (١٦٥).
(٥) ومثالها من الأدلة، قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٠].
(٦) مثالها من الأدلة، قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١].
(٧) ومثَّل العز ﵀ لهذا النوع من الأدلة (١٢٣)، بقوله تعالى: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾ [هود: ٣٧] وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [التوبة: ٨٤].
(٨) مثال ما رتب عليه الإبعاد أو الطرد، من الأدلة قوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِثَمُودَ﴾ [هود: ٦٨].
(٩) مثال ما رتب عليه قتل فاعله، من الأدلة قوله تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٧٦] ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ﴾ [التوبة: ١٢] وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩].
стр. 30
الله (١)، أو أخبر أن فاعله لا يكلمه الله يوم القيامة ولا ينظر إليه ولا يزكيه، ولا يصلح عمله، ولا يهدي كيده (٢) أو لا يفلح (٣)، أو قيض له الشيطان (٤)، أو جعله سبباً لإزاغة قلب فاعله (٥)، أو صرفه عن آيات الله (٦)، أو سؤاله عن علة الفعل (٧)،
(١) مثال ما رتب قتال الله لفاعله من الأدلة قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [التوبة: ٣٠] وقوله تعالى: ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [المنافقون: ٤].
(٢) مثالها من الأدلة، قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٧٧].
(٣) وسبق ذكر هذا، في نصب الفعل سبب لنفي الفلاح، مثالها من الأدلة، قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ﴾ [يونس: ١٧] وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ [الأنعام: ١٣٥] وقوله تعالى: ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ [طه: ٦٩].
(٤) مثالها من الأدلة، قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف: ٣٦].
(٥) مثال جعلها سبباً لإزاغة قلب فاعله من الأدلة، قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الصف: ٥].
(٦) ومثال جعلها سبباً في صرفه عن آيات الله من الأدلة، قوله تعالى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الأعراف: ١٤٦].
(٧) قال العز (١٢٣): «السُّؤَال عَنْ عِلّة الْفِعْل يدل على التوبيخ بعرف الِاسْتِعْمَال فِي غَالب الْأَمر». ومثَّل العز ﵀ لهذا النوع من الأدلة، بقوله تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ [آل عمران: ٧٠] وقوله تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٧١] وقوله تعالى: ﴿قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ﴾ [ص: ٧٥].
وإذا كان السؤال عن علَّة الفعل يدل على التوبيخ، وهو من أدلة النهي عن الشيء، فكيف بالتوبيخ على الفعل نفسه؟، ولذا ذكر العز التوبيخ على الْفِعْل عَاجلا أم آجلاً، دليلاً من أدلة النهي عن الفعل (١١٨)، ومثَّل له بقوله تعالى: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٥] وقوله تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾.
стр. 31
فهو دليل المنع، ودلالته على التحريم أظهر من دلالته على مجرد الكراهة (١).
وتستفاد الإباحة من لفظ الإحلال (٢) ونفي الجناح (٣) والحرام (٤)(١) قال العز (١٢٤ - ١٢٥): «وأصناف الْوَعيد كَثِيرَة كسواد الْوُجُوه وزرقة الْعُيُون والعبوس والبسور والذل وتنكيس الرؤوس وَفِيمَا ذَكرْنَاهُ دلَالَة على مَا تَرَكْنَاهُ وكل مَا ذَكرْنَاهُ عَائِد إِلَى الذَّم أَوْ الْوَعيد وَلكنه نوع ترهيبا وتحذيرا وَإِذا تواردت هَذِه الدَّلَائِل على فعل دلّت على تأكده فِي بَابه وَكَذَلِكَ أَدِلَّة الْأَمر».
ومما ذكره العز ولم يذكره السيوطي: نصب الْفِعْل محبطا للْعَمَل الصَّالح، كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ [المائدة: ٥] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ [البقرة: ٢٦٤].
ونفي ولَايَة الْفَاعِل ونصرته، كقوله تعالى: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [البقرة: ١٢٠] وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ﴾ [هود: ٦٣]
والْغيرَة الشَّرْعِيَّة، كقوله ﷺ : «لَا أحد أغير من الله من أجل ذَلِك حرم الْفَوَاحِش مَا ظهر مِنْهَا وَمَا بطن» أخرجه البخاري (٤٦٣٤)، ومسلم (٢٧٦٠).
والتعادي يوم القيامة، لأجل المحبة لغير الله، كقوله تعالى: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧].
(٢) مثال ذلك: إباحة الجماع في ليالي الصوم في رمضان، لقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧] وكذا إباحة البيع لقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، وإباحة صيد البحر ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ [المائدة: ٩٦].
(٣) أي: تستفاد الإباحة من نفي الجناح عن الفعل، ومثال هذا الأسلوب: إباحة المتاجرة أثناء الحج، أخذاً من قوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨]، وكذا إباحة نكاح الربيبة إذا لم يدخل بأمها، حيث قال سبحانه في سياق بيان المحرمات: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، وإباحة فصال المولود قبل الحولين، وإباحة اتخاذ مرضعة للطفل ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣].
(٤) أي: تستفاد الإباحة من نفي الحرج عن الفعل، ومثاله: إباحة ترك الجهاد والقعود عنه لذوي الأعذار: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٩١] ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الفتح: ١٦ - ١٧].
ورد في بعض النسخ: «والحرام»، أي: نفي الحرام بدل نفي الحرج، ويمكن التمثيل له بقوله ﷺ عن الضب: (لا آكله ولا أحرمه) أخرجه البخاري (٥٢١٧)، ومسلم (١٩٤٥). وقال عن الجراد: (أكثر جنود الله، لا آكله ولا أحرمه) رواه أبو داود (٣٨١٣) مرسلاً، وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة (١٥٣٣). ومن الأساليب الدالة على الإباحة بطريق نفي الحرام: الاستثناء من الحرام، أو يقال: انتفاء تحريم غير المستثنى ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ [الأنعام: ١٤٥].
стр. 32
والإثم (١) والمؤاخذة (٢)، ومن الإذن فيه (٣) والعفو عنه (٤) ومن الامتنان بما في
(١) أي نفي الإثم عن الفاعل، ومثال هذا الأسلوب: إباحة أكل الميتة للمضطر، لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٣] وقد يقال بوجوب الأكل، وأنها رخصة واجبة. وكذا إباحة التعجل في يومين لمن أراد قضاء حجه، من قوله: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [البقرة: ٢٠٣].
(٢) ومنه قوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥]، بمعنى رفع الحرج والإثم عن الفاعل، ورفع الإثم والحرج لغير القاصد دليل الإباحة.
(٣) أي: بالفعل، فيدل على إباحته، ومثاله: إباحة ترك المبيت بمنى لمن كان له حاجة خارجها، كالسقاة والرعاة؛ لما ورد عن ابن عمر ﵁: (أن العباس ﵁ استأذن النبي ﷺ ليبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته، فأذن له) أخرجه البخاري (١٦٣٤)، ومسلم (١٣١٥)، وإباحة الرقية من الحمة؛ لما ورد من حديث أنس ﵁ قال: (أذن رسول الله ﷺ لأهل بيت من الأنصار أن يرقوا من الحمة … ) أخرجه البخاري (٥٧١٩). ومنه كذلك إباحة قتال الكفار، من قوله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج: ٣٩]، وكانت أول آية نزلت في القتال، قبل أن يفرض عليهم.
(٤) ويمثل لذلك بما رواه أبو الدرداء مرفوعاً بلفظ: (ما أحل الله في كتابه فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو، فاقبلوا من الله عافيته) ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤]، أخرجه الدارقطني في سننه (٢/ ١٣٧)، والحاكم (٢/ ٣٧٥) وقال صحيح الإسناد ووافقه الذهبي، وانظر: السلسلة الصحيحة (٥/ ٣٢٥).
стр. 33
الأعيان من المنافع (١). ومن السكوت عن التحريم (٢)، ومن الإنكار على من حرم الشيء (٣)، ومن الإخبار بأنه خلق أو جعل لنا (٤)، والاخبار عن فعل من قبلنا
(١) منها: إباحة ركوب البحر، والانتفاع بما يخرج من البحر؛ لقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ [النحل: ١٤]، وكذا إباحة شرب لبن الأنعام؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ﴾ [النحل: ٦٦].
قال العز بن عبد السلام في كتابه الإمام (٨٦): «فائدة: تمنن الرب بما خلق في الأعيان من المنافع، يدل على الإباحة دلالة عرفية؛ إذ لا يصح التمنن بممنوع».
(٢) قلت: وهو تقرير بعدم التحريم، ويمكن التمثيل له: بإباحة العزل - على خلاف في اشتراط إذن الزوجة - لحديث جابر ﵁ قال: (كنا نعزل على عهد رسول الله ﷺ والقرآن ينزل) أخرجه البخاري (٥٢٠٨)، ومسلم (١٤٤٠)، وإباحة أكل لحم الضب؛ لقول ابن عباس ﵁:
(أهدت أم حفيد - خالة ابن عباس - إلى النبي ﷺ أقطاً، وسمناً، وأضباً، فأكل النبي ﷺ من الأقط والسمن، وترك الضب تقذراً. قال ابن عباس: فأكل على مائدة رسول الله ﷺ ، ولو كان حراماً ما أكل على مائدة رسول الله ﷺ أخرجه البخاري (٢٥٧٥).
(٣) مثاله: الإنكار على تحريم وطء الإنسان أمته، أو شرب العسل - كما ذكرا في سبب نزول قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١]-؛ فأنكر وعتب على من حرم ذلك، ومن ذلك إباحة لحوم بهيمة الأنعام؛ لإنكاره على من حرمها، بقوله: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٤٣) وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [الأنعام: ١٤٣ - ١٤٤]، وكذا إباحة أكل الطيبات، أخذاً من إنكاره على من حرمها، بقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: ٣٢]، وإباحة الزينة والطيبات ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: ٣٢].
(٤) لأن الأصل في الأشياء الإباحة؛ لقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩]، قال السعدي في تفسيره (١/ ٤٨): «وفي هذه الآية الكريمة دليل على أن الأصل في الأشياء الإباحة والطهارة؛ لأنها سيقت في معرض الامتنان .... »، ومن الأمثلة قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ [غافر: ٧٩] ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ [الملك: ١٥].
стр. 34
غير ذام لهم عليه (١)، فإن اقترن بالإخبار مدح دل على مشروعيته وجواباً أو استحباباً. انتهى (٢).
(١) سبق الحديث عن فعل من قبلنا، عند الحديث من استفادة الأحكام من القصص، وفعل من قبلنا يشمل قصص الأنبياء وقصص غيرهم، وهما سواء عند من يقول بأن شرع من قبلنا ليس شرعاً لنا -وهو مذهب المصنف السيوطي الشافعي - وأما إذا ورد في سياق القصة ما يشعر بالذم فهو قرينة على عدم مشروعية ذلك الفعل، وإذا وردت قرينة بالمدح فهي دليل على مشروعية الفعل الوارد في القصة، وأما إذا ورد الخبر عن فعل من قبلنا غير ذام لهم عليه، ولا مادح لهم عليه، فهي للإباحة.
(٢) هناك صيغ وألفاظ تدل على الإباحة لم يذكرها المصنف، مثل: لفظ الرخصة، ونفي السبيل عن الفاعل.
وهناك أساليب كذلك دالة على الإباحة مذكورة عند الأصوليين لم تذكر: مثل الأمر بعد الحظر، وبعد الاستئذان، وفعله ﷺ الذي لم يقصد فيه التقرب.
стр. 35
سورة البقرة
• قوله تعالى: ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [٣]
قال الرازي: يتضمن الأمر بالصلاة والزكاة (١).
• قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ الآية [٨]
قال الرازي: يدل على أن الايمان ليس هو الإقرار دون الاعتقاد؛ لأن الله قد أخبر عن إقرارهم بالإيمان ونفى عنهم سمته بقوله: ﴿وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ (٢)
قال هو وغيره: يحتج بهذه الآية وأشباهها على استتابة الزنديق الذي ظهر منه الكفر؛ لأنه تعالى أخبر عنهم بذلك ولم يأمر بقتلهم، ومعلوم أن نزول هذه الآيات بعد فرض القتال (٣).
(١) بيَّن الرازي الجصاص وجه الأمر المتضمن فيها - نقله عنه المحقق ح (١) (١/ ٢٩٣) فقال -: «ووجه ذلك أنه جعلهما من صفات المتقين، ومن شرائط التقوى، كما جعل الإيمان بالغيب من شرائط التقوى فاقتضى ذلك إيجاب الصلاة».
قلت: لعل المأخذ اقترانه بالإيمان بالله وهو واجب، فكذا ما اقترن به، كما أن الإخبار بإقامة الصّلاة والزكاة، وردت في سياق مدح الفاعل على الفعل، وهي من الأساليب الشرعيّة الدّالة على مشروعية الفعل. أو يقال: إنه خبر بمعنى الأمر.
(٢) والآية نصّ على هذا الحكم؛ إذ لو كان الإيمان بالله عبارة عن التصديق اللساني فقط، لما صحّ هذا النفي
(٣) ذكر السيوطي محل الخلاف، وهو فيمن أظهر الكفر، وكون الاستنباط، مبني على القول بأنّ نزول هذه الآيات بعد فرض القتال، وعلل المأخذ، وقال: «لأنّه تعالى أخبر عنهم بذلك (أي الكفر) ولم يأمر بقتلهم».
стр. 36
• قوله تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢) وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٣) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾ [٢٢ - ٢٤]
فيه دلالة على الأمر باستعمال حجج العقول (١)، وإبطال التقليد (٢).
قال محمود بن حمزة الكرماني: استدل أكثر المفسرين بالآية على شكل الأرض بسيط ليس بكروي (٣).
• قوله تعالى: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [٢٣].
استدل به من قال: إنه لا يتعلق الإعجاز بأقل من سورة (٤)، ورد به على من قال
(١) حيث استدل سبحانه بكمال قدرته بخلقهم، وخلق الذين من قبلهم، وجعل الأرض فراشًا؛ لأجل التفكر والتّأمل بالمستحق للعبادة، فالاستدلال بفعله .
(٢) لأنّ من أعمل عقله، فقد عمل بالحجة، وخرج عن التقليد؛ لأنّ التقليد هو: قبول قول الغير من غير حجة، أو من غير معرفة دليله.
(٣) المأخذ لُغوي، ومن استدل بها على عدم كروية الأرض، أخذًا من قوله: ﴿فِرَاشًا﴾ أي: بساطًا ومهادًا، فهي فراش يمشى عليها، وهي المهاد والقرار.
وقد يجاب عن الاستدلال المذكور بما نقله المحقق ح (٦) (١/ ٢٩٥) عن البيضاوي أن كروية شكلها مع عظم حجمها لا يأبى الافتراش عليها.
وينبه: أنّ نسبة هذا القول لأكثر المفسرين فيه تساهل، وقد نقل ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٢٥/ ١٩٥) عن بعض العلماء الإتفاق على أنها كروية.
وفسَّر بعض العلماء قوله: ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ﴾ فقال: أي يغشي هذا هذا، ويحمل الليل على النهار، أو يجيء بالنهار ويذهب الليل، ولو كانت مسطحة لخيم الليل، أو طلع النهار جميع أجزائها. وتكوير الشيء إدارته، وضم بعضه إلى بعض ككور العمامة، أي: إن هذا يكر على هذا، وهذا يكر على هذا كروراً متتابعاً، كتتابع أكوار العمامة بعضها على إثر بعض.
(٤) لمفهوم قوله: ﴿بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ أي: أنّ أقل من السورة لا يتعلق به الاعجاز.
стр. 37
من المعتزلة بأنه يتعلق بجميع القرآن (١).
• قوله تعالى: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [٢٤].
استدل به على أن النار مخلوقة الآن (٢).
• قوله تعالى: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ الآية [٢٦].
فيه دلالة لمذهب أهل السنة أن الهدى والضلالة من الله (٣).
• قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [٢٩]
استدل به على أن الأصل في الأشياء الإباحة إلا ما ورد الشرع بتحريمه (٤).
• قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ﴾ الآية [٣٠].
فيه إرشاد عباده إلى المشاورة (٥)، وأن الحكمة تقتضي إيجاد
ما يغلب خيره وإن كان فيه نوع شر (٦)، وأنه لا رأي مع وجود
(١) قلت: منطوق الآية أنّ التحدي يقع بالسورة من مثل القرآن، وهذا المنطوق مقدّم على المفهوم الذي استدل به المعتزلة يتعلق الاعجاز بجميع القرآن، وذلك من قوله: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾.
(٢) لأنّ الفعل الماضي في قوله: ﴿أُعِدَّتْ﴾ يدل حقيقة على وجود الشيء، فأعد بمعنى: مُعدّ، والمعدوم لا يقال له مُعدّ.
(٣) لإخبار المولى بفعله عن نفسه.
(٤) لأنّ السياق سياق امتنان، وأبلغ وجوه المنة، إطلاق الانتفاع بالممتن به. أو لأنّ اللام لام الاستحقاق، وعليه؛ فلا وجه بأن تخلق لنا ثم نحرم من الانتفاع بها.
(٥) باعتبار أنّ المحاورة كانت من قبيل المشاورة، وكونه مشاورة ضرب من التساهل، والحق أنّه إخبار بما هو كائن، والملائكة قالت ذلك على سبيل الضراعة والدعاء.
(٦) لأن القصص القرآني إنّما نزل لأجل العبرة ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ﴾ فالمقصود: الاعتبار بما تضمنته القصة.
فاستخلاف آدم على ذريته في الأرض لعمارتها من الخير الذي شرع، وإن كان منه نوع شر، وهو سفك الدماء والإفساد في الأرض من بني آدم.
стр. 38
النص (١)، وهو أصل في المسائل التعبدية (٢).
• قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [٣١]
استدل به من قال: إن اللغات توقيفية، وضعها الله وعلمها بالوحي (٣).
• قوله تعالى: ﴿قَالَ يَاآدَمُ﴾ [٣٣]
استدل به ﷺ على أن آدم نبيٌّ مكلم (٤).
روى أحمد وغيره عن أبي أمامة: أن أبا ذر قال يا نبي الله أي الأنبياء كان أول؟ قال: (آدم)، قال: أول نبياً كان آدم؟ قال: (نعم نبي مُكَلَّم، خلقه الله بيده و نفخ فيه من روحه ثم قال له: يا آدم قُبُلاً (٥)(٦).
(١) لقول ابن عباس ﵄: «إيّاكم والرأي، فإنّه تعالى رد الرأي على الملائكة، وذلك أنّ الله قال: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ قالت الملائكة: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ قال: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾.
في سنده أبو عبد الله الهذلي متروك.
(٢) لكونها مما لا يدرك بالعقل، وعلمها عند الله ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ فليس للعقل مدخل في معرفة عللها، لا من حيث الصّفة كالصّلاة، ولا المكان كالوقوف بعرفة، ولا الزمان كصيام رمضان، فلا بدّ فيها من نصٍّ.
(٣) إذا قيل: إنّ الأسماء المقصود بها المسميات، فتشمل الأسماء بكل لغة، وقيل: مخصوصة بأسماء الملائكة، أو ذريته، أو أسماء الأجناس، ووجه كونها توقيفية هو ما ذكره المصنف من وضع الله لها … الخ.
(٤) لأنّه خاطبه فقال: ﴿يَاآدَمُ﴾ على من يقول إن طريق التعليم كان بقولٍ، وقيل: بإلهام علم ضرورة، والقول بواسطة ملك، فالآية مجملة، والحديث مفسِّر، على أن الحديث ليس فيه أن النبي ﷺ استدلَّ بالآية كما قال السيوطي.
(٥) أي مقابلة وعياناً، كما قال سبحانه: ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا﴾ أي: عياناً ومقابلة.
(٦) أخرجه الإمام أحمد في المسند (٥/ ٢٦٦)، والطبراني في الكبير (٧٨٧١)، بإسناد ضعيف، لكن روي من طرق أخرى صحيحة، وليس فيها الاستدلال بالآية.
стр. 39
وفي بقية الآية دليل على مزية العلم، وأنه شرط في الخلافة (١)، وفضل آدم على الملائكة (٢).
قال الإمام: لما أراد الله إظهار فضل آدم على الملائكة لم يظهره إلا بالعلم، فلو كان في الإمكان شيء أشرف العلم لكان إظهار فضله بذلك الشيء لا بالعلم، وكذلك أمر الملائكة بالسجود له لأجل فضيلة العلم (٣).
قلت: ويؤخذ من هذا استحباب القيام للعالم (٤).
وقال الطيبي: أفادت هذه الآية أن علم اللغة فوق التحلي بالعبادة، فكيف علم الشريعة؟! (٥).
• قوله تعالى من الآية: ﴿أَبَى﴾.
رد على الجبرية؛ إذ لا يوصف بالإباء إلَّا من هو قادر على المطلوب (٦).
(١) وهو شرط صحة عند الجمهور إلّا عند فقد المجتهد، وأمّا الحنفيّة فهو شرط أولوية.
ولعل مأخذ الحكم: دلالة الإيماء، واقتران الحكم بجعله خليفة، بالوصف، وهو تعليمه الأسماء، فدّل على كونه شرطًا في الخلافة.
(٢) منها: اختصاصه بعلم الأسماء، وسجود الملائكة له، والسجود كان نوع من أنواع التّحية لمن يستحق التعظيم والإكرام في الأمم السابقة، ثم نسخ بجميع صوره لغير الله بقوله ﵇: «ما ينبغي لأحدٍ أن يسجد لأحدٍ، ولو كان أحدٌ ينبغي له أن يسجد لأمرت المرأة تسجد لزوجها لما عظم الله عليها من حقه» رواه أحمد وحسنه الألباني.
(٣) مأخذ الحكم: دلالة الإشارة؛ إذ إنّ فضل العلم لم يكن مقصودًا من القصة، وإنّما المقصود منها بيان فضل آدم.
(٤) قلت: لعله بالقياس على السجود بجامع كونهما وسيلة إكرام لمن له فضل.
ولذا فالمجيزون اشترطوا أن يكون له فضيلة ظاهرة من علم أو صلاح، أو ولادة، ويكون على وجه البر والإكرام، لا الرياء والإعظام.
(٥) فضل آدم ﵇ بتعليمه الأسماء وهي من اللغات، على الملائكة أهل العبادة الذين يسبحون الله ليلًا ونهارًا لا يفترون، ثمّ استدل بمفهوم الموافقة الأولوي على تفضيل الشّريعة على العبادة؛ إذ علم اللغة، إنّما هو وسيلة لفهم الشّريعة.
(٦) قال محقق الكتاب ح (٦): أي إن المطلوب هو السجود، فلما أبى أبليس أن يفعل المطلوب منه وهو السجود دلَّ على أنه قادر على السجود، ولكنَّه لم يفعل باختياره، بدليل أن الملائكة سجدوا وهم معه.
стр. 40
• قوله تعالى: ﴿يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ إلى آخر القصة [٣٥ - ٣٨].
فيها دلالة على أن الجنة مخلوقة الآن (١).
• قوله: ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾.
قال ابن الفرس: هذا أَصل جيد في سد الذرائع؛ لأنه تعالى لما أراد النهي عن الأكل منها نهى عنه بلفظ يقتضي الأكل وما يدعو إليه وهو القرب (٢).
• قوله تعالى: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [٤٠]
يستدل به على دخول أولاد الأولاد في الوقف على الأولاد (٣).
• قوله تعالى: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ﴾ الآية.
قال ابن الفرس: فيه دليل على أن لله على الكفار نعمة، خلافاً لمن قال لا نعمة لله عليه، وإنما النعمة على المؤمنين (٤).
(١) قوله إلى آخر القصة يشير إلى مأخذ الحكم وهو سياق الآيات، وفيها الخبر بأنهما دخلا الجنة، وأكلا من الشجرة، ثم أخرجا منها.
(٢) المقصود بسد الذرائع، منع الفعل الذي ظاهره أنّه مباح، وهو وسيلة إلى محرم، والممنوع والمحرم هنا: هو الأكل، وحرم ما يؤدي إلى قربانه، وقربان الشجرة فعل ظاهره أنّه مباح، ولكنه لما كان وسيلة المحرم حرم.
(٣) قلت: المراد بإسرائيل يعقوب باتفاق، والخطاب في الآية لليهود الذين كانوا في المدينة زمن النبي ﷺ فهم من أولاد الأولاد، وقد صحّ دخولهم في كونهم أبناء، ولذا يصح دخولهم حال الوقف على الأبناء أو الأولاد.
ومأخذ الحكم: كونه أسلوبًا من أساليب العرب، وهي حجة، وقد قال ابن عباس ﵄: التفسير على أربعة أوجه: وجه تعرفه العرب من كلامها … إلخ.
(٤) بإخباره ، وتعداده لهم هنا في مواطن كثيرة من القرآن، فسياق الآية ونصها يدل على ذلك، ومن تلك النعم: ﴿جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾ وأنزل عليهم الكتاب، والمن والسلوى، وإخراج الماء لهم من الحجر، وظلل عليهم الغمام، ونجاهم من فرعون، وفلق لهم البحر، وأغرق فرعون.