← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 1355

فتح الجليل في التعليق على كتاب الإكليل

عبد الرحمن بن علي الحطاب

Полный текст (159 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

• قوله تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢) وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٣) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾ [٢٢ - ٢٤] فيه دلالة على الأمر باستعمال حجج العقول (١)، وإبطال التقليد (٢). قال محمود بن حمزة الكرماني: استدل أكثر المفسرين بالآية على شكل الأرض بسيط ليس بكروي (٣). • قوله تعالى: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [٢٣]. استدل به من قال: إنه لا يتعلق الإعجاز بأقل من سورة (٤)، ورد به على من قال (١) حيث استدل سبحانه بكمال قدرته بخلقهم، وخلق الذين من قبلهم، وجعل الأرض فراشًا؛ لأجل التفكر والتّأمل بالمستحق للعبادة، فالاستدلال بفعله . (٢) لأنّ من أعمل عقله، فقد عمل بالحجة، وخرج عن التقليد؛ لأنّ التقليد هو: قبول قول الغير من غير حجة، أو من غير معرفة دليله. (٣) المأخذ لُغوي، ومن استدل بها على عدم كروية الأرض، أخذًا من قوله: ﴿فِرَاشًا﴾ أي: بساطًا ومهادًا، فهي فراش يمشى عليها، وهي المهاد والقرار. وقد يجاب عن الاستدلال المذكور بما نقله المحقق ح (٦) (١/ ٢٩٥) عن البيضاوي أن كروية شكلها مع عظم حجمها لا يأبى الافتراش عليها. وينبه: أنّ نسبة هذا القول لأكثر المفسرين فيه تساهل، وقد نقل ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٢٥/ ١٩٥) عن بعض العلماء الإتفاق على أنها كروية. وفسَّر بعض العلماء قوله: ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ﴾ فقال: أي يغشي هذا هذا، ويحمل الليل على النهار، أو يجيء بالنهار ويذهب الليل، ولو كانت مسطحة لخيم الليل، أو طلع النهار جميع أجزائها. وتكوير الشيء إدارته، وضم بعضه إلى بعض ككور العمامة، أي: إن هذا يكر على هذا، وهذا يكر على هذا كروراً متتابعاً، كتتابع أكوار العمامة بعضها على إثر بعض. (٤) لمفهوم قوله: ﴿بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ أي: أنّ أقل من السورة لا يتعلق به الاعجاز.

стр. 37

من المعتزلة بأنه يتعلق بجميع القرآن (١). • قوله تعالى: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [٢٤]. استدل به على أن النار مخلوقة الآن (٢). • قوله تعالى: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ الآية [٢٦]. فيه دلالة لمذهب أهل السنة أن الهدى والضلالة من الله (٣). • قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [٢٩] استدل به على أن الأصل في الأشياء الإباحة إلا ما ورد الشرع بتحريمه (٤). • قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ﴾ الآية [٣٠]. فيه إرشاد عباده إلى المشاورة (٥)، وأن الحكمة تقتضي إيجاد ما يغلب خيره وإن كان فيه نوع شر (٦)، وأنه لا رأي مع وجود (١) قلت: منطوق الآية أنّ التحدي يقع بالسورة من مثل القرآن، وهذا المنطوق مقدّم على المفهوم الذي استدل به المعتزلة يتعلق الاعجاز بجميع القرآن، وذلك من قوله: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾. (٢) لأنّ الفعل الماضي في قوله: ﴿أُعِدَّتْ﴾ يدل حقيقة على وجود الشيء، فأعد بمعنى: مُعدّ، والمعدوم لا يقال له مُعدّ. (٣) لإخبار المولى بفعله عن نفسه. (٤) لأنّ السياق سياق امتنان، وأبلغ وجوه المنة، إطلاق الانتفاع بالممتن به. أو لأنّ اللام لام الاستحقاق، وعليه؛ فلا وجه بأن تخلق لنا ثم نحرم من الانتفاع بها. (٥) باعتبار أنّ المحاورة كانت من قبيل المشاورة، وكونه مشاورة ضرب من التساهل، والحق أنّه إخبار بما هو كائن، والملائكة قالت ذلك على سبيل الضراعة والدعاء. (٦) لأن القصص القرآني إنّما نزل لأجل العبرة ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ﴾ فالمقصود: الاعتبار بما تضمنته القصة. فاستخلاف آدم على ذريته في الأرض لعمارتها من الخير الذي شرع، وإن كان منه نوع شر، وهو سفك الدماء والإفساد في الأرض من بني آدم.

стр. 38

النص (١)، وهو أصل في المسائل التعبدية (٢). • قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [٣١] استدل به من قال: إن اللغات توقيفية، وضعها الله وعلمها بالوحي (٣). • قوله تعالى: ﴿قَالَ يَاآدَمُ﴾ [٣٣] استدل به ﷺ على أن آدم نبيٌّ مكلم (٤). روى أحمد وغيره عن أبي أمامة: أن أبا ذر قال يا نبي الله أي الأنبياء كان أول؟ قال: (آدم)، قال: أول نبياً كان آدم؟ قال: (نعم نبي مُكَلَّم، خلقه الله بيده و نفخ فيه من روحه ثم قال له: يا آدم قُبُلاً (٥) (٦). (١) لقول ابن عباس ﵄: «إيّاكم والرأي، فإنّه تعالى رد الرأي على الملائكة، وذلك أنّ الله قال: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ قالت الملائكة: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ قال: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. في سنده أبو عبد الله الهذلي متروك. (٢) لكونها مما لا يدرك بالعقل، وعلمها عند الله ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ فليس للعقل مدخل في معرفة عللها، لا من حيث الصّفة كالصّلاة، ولا المكان كالوقوف بعرفة، ولا الزمان كصيام رمضان، فلا بدّ فيها من نصٍّ. (٣) إذا قيل: إنّ الأسماء المقصود بها المسميات، فتشمل الأسماء بكل لغة، وقيل: مخصوصة بأسماء الملائكة، أو ذريته، أو أسماء الأجناس، ووجه كونها توقيفية هو ما ذكره المصنف من وضع الله لها … الخ. (٤) لأنّه خاطبه فقال: ﴿يَاآدَمُ﴾ على من يقول إن طريق التعليم كان بقولٍ، وقيل: بإلهام علم ضرورة، والقول بواسطة ملك، فالآية مجملة، والحديث مفسِّر، على أن الحديث ليس فيه أن النبي ﷺ استدلَّ بالآية كما قال السيوطي. (٥) أي مقابلة وعياناً، كما قال سبحانه: ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا﴾ أي: عياناً ومقابلة. (٦) أخرجه الإمام أحمد في المسند (٥/ ٢٦٦)، والطبراني في الكبير (٧٨٧١)، بإسناد ضعيف، لكن روي من طرق أخرى صحيحة، وليس فيها الاستدلال بالآية.

стр. 39

وفي بقية الآية دليل على مزية العلم، وأنه شرط في الخلافة (١)، وفضل آدم على الملائكة (٢). قال الإمام: لما أراد الله إظهار فضل آدم على الملائكة لم يظهره إلا بالعلم، فلو كان في الإمكان شيء أشرف العلم لكان إظهار فضله بذلك الشيء لا بالعلم، وكذلك أمر الملائكة بالسجود له لأجل فضيلة العلم (٣). قلت: ويؤخذ من هذا استحباب القيام للعالم (٤). وقال الطيبي: أفادت هذه الآية أن علم اللغة فوق التحلي بالعبادة، فكيف علم الشريعة؟! (٥). • قوله تعالى من الآية: ﴿أَبَى﴾. رد على الجبرية؛ إذ لا يوصف بالإباء إلَّا من هو قادر على المطلوب (٦). (١) وهو شرط صحة عند الجمهور إلّا عند فقد المجتهد، وأمّا الحنفيّة فهو شرط أولوية. ولعل مأخذ الحكم: دلالة الإيماء، واقتران الحكم بجعله خليفة، بالوصف، وهو تعليمه الأسماء، فدّل على كونه شرطًا في الخلافة. (٢) منها: اختصاصه بعلم الأسماء، وسجود الملائكة له، والسجود كان نوع من أنواع التّحية لمن يستحق التعظيم والإكرام في الأمم السابقة، ثم نسخ بجميع صوره لغير الله بقوله ﵇: «ما ينبغي لأحدٍ أن يسجد لأحدٍ، ولو كان أحدٌ ينبغي له أن يسجد لأمرت المرأة تسجد لزوجها لما عظم الله عليها من حقه» رواه أحمد وحسنه الألباني. (٣) مأخذ الحكم: دلالة الإشارة؛ إذ إنّ فضل العلم لم يكن مقصودًا من القصة، وإنّما المقصود منها بيان فضل آدم. (٤) قلت: لعله بالقياس على السجود بجامع كونهما وسيلة إكرام لمن له فضل. ولذا فالمجيزون اشترطوا أن يكون له فضيلة ظاهرة من علم أو صلاح، أو ولادة، ويكون على وجه البر والإكرام، لا الرياء والإعظام. (٥) فضل آدم ﵇ بتعليمه الأسماء وهي من اللغات، على الملائكة أهل العبادة الذين يسبحون الله ليلًا ونهارًا لا يفترون، ثمّ استدل بمفهوم الموافقة الأولوي على تفضيل الشّريعة على العبادة؛ إذ علم اللغة، إنّما هو وسيلة لفهم الشّريعة. (٦) قال محقق الكتاب ح (٦): أي إن المطلوب هو السجود، فلما أبى أبليس أن يفعل المطلوب منه وهو السجود دلَّ على أنه قادر على السجود، ولكنَّه لم يفعل باختياره، بدليل أن الملائكة سجدوا وهم معه.

стр. 40

• قوله تعالى: ﴿يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ إلى آخر القصة [٣٥ - ٣٨]. فيها دلالة على أن الجنة مخلوقة الآن (١). • قوله: ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾. قال ابن الفرس: هذا أَصل جيد في سد الذرائع؛ لأنه تعالى لما أراد النهي عن الأكل منها نهى عنه بلفظ يقتضي الأكل وما يدعو إليه وهو القرب (٢). • قوله تعالى: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [٤٠] يستدل به على دخول أولاد الأولاد في الوقف على الأولاد (٣). • قوله تعالى: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ﴾ الآية. قال ابن الفرس: فيه دليل على أن لله على الكفار نعمة، خلافاً لمن قال لا نعمة لله عليه، وإنما النعمة على المؤمنين (٤). (١) قوله إلى آخر القصة يشير إلى مأخذ الحكم وهو سياق الآيات، وفيها الخبر بأنهما دخلا الجنة، وأكلا من الشجرة، ثم أخرجا منها. (٢) المقصود بسد الذرائع، منع الفعل الذي ظاهره أنّه مباح، وهو وسيلة إلى محرم، والممنوع والمحرم هنا: هو الأكل، وحرم ما يؤدي إلى قربانه، وقربان الشجرة فعل ظاهره أنّه مباح، ولكنه لما كان وسيلة المحرم حرم. (٣) قلت: المراد بإسرائيل يعقوب باتفاق، والخطاب في الآية لليهود الذين كانوا في المدينة زمن النبي ﷺ فهم من أولاد الأولاد، وقد صحّ دخولهم في كونهم أبناء، ولذا يصح دخولهم حال الوقف على الأبناء أو الأولاد. ومأخذ الحكم: كونه أسلوبًا من أساليب العرب، وهي حجة، وقد قال ابن عباس ﵄: التفسير على أربعة أوجه: وجه تعرفه العرب من كلامها … إلخ. (٤) بإخباره ، وتعداده لهم هنا في مواطن كثيرة من القرآن، فسياق الآية ونصها يدل على ذلك، ومن تلك النعم: ﴿جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾ وأنزل عليهم الكتاب، والمن والسلوى، وإخراج الماء لهم من الحجر، وظلل عليهم الغمام، ونجاهم من فرعون، وفلق لهم البحر، وأغرق فرعون.

стр. 41

• قوله تعالى: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [٤٣] قال الرازي: يفيد إثبات فرض الركوع في الصلاة (١). • قوله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ [٤٥] فيه استحباب الصلاة عند المصيبة، وأنها تعين صاحبها (٢). أخرج سعيد بن منصور وغيره عن ابن عباس أنه كان في مسير فنعي إليه ابن له، فنزل فصلى ركعتين ثم استرجع، وقال: فعلنا كما أمرنا الله ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ (٣). • قوله تعالى: ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [٤٧]. قال ابن الفرس: فيه ورود العام المراد به الخصوص (٤)؛ لأن المراد عالمي زمانهم. (١) مأخذه: أن التعبير بالعبادة بمشروع فيها يدل على وجوب ذلك المشروع وفرضه، فالشيء لا يجعل دلالة على غيره، إلّا إذا كان مقصودًا بنفسه، ومنه: «الحجّ عرفة» ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾، وقد جرت عادة العرب، أنّها لا تكنى عن الشيء إلّا بأهم ما فيه، كقولهم: (عندي مائة رقبة) أي: عبد. (٢) قال السيوطي عند المصيبة «لأنّ المولى سبحانه قرن الصّلاة بالصبر، والصبر غالبًا يكون على المصائب». واستحباب الصّلاة من الأمر في قوله: ﴿وَاسْتَعِينُوا﴾ وهو مصروف، ولعل الصارف إجماعًا؛ إذ إنّ أعظم مصيبة هي مصيبة الأمة بموت نبيها ﷺ ، ولم ينقل أنّهم فرغوا للصلاة. ومأخذ الحكم: تفسير الصحابي، الذي ذكره السيوطي بعد ذلك، عن ابن عباس ﵄، وهي من شرع من قبلنا، فهي شريعة موسى ﵇. قال ابن كثير في تفسيره (١/ ٢٥٤): «الظاهر أن الآية وإن كانت خطاباً في سياق إنذار بني إسرائيل، فإنهم لم يقصدوا بها على سبيل التخصيص، وإنما هي عامة لهم، ولغيرهم». قلت: وقد ورد في شرعنا ما يدل عليه كما في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾. (٣) أخرجه سعيد بن منصور في التفسير (٢/ ٥٥٩) بنحوه، وأخرجه ابن جرير في تفسيره، وصححه أحمد شاكر، وكذا أخرجه الحاكم في المستدرك (٢/ ٢٦٩) وصححه، ووافقه الذهبي. (٤) بيّن ابن الفرس وجه ورود العام المراد به الخصوص في القرآن، وذكره الطوفي في الإشارات (١/ ٢٦٩)، وأشار إلى أنّه قد يكون من العام المخصوص، فخص منه أمة محمّد ﷺ بالنّص كقوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ وبالإجماع. قلت: وذهب بعض العلماء إلى أنّ قوله: ﴿فَضَّلْتُكُمْ﴾ مطلق، والمطلق يكفي في وقوعه صورة واحدة، فيكون بنو إسرائيل فضلوا بأمرٍ ما، لا في كل أمر.

стр. 42

• قوله تعالى: ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ﴾ الآيات [٤٩ - ٥٢]. في العجائب للكرماني استدل بها بعض من يقول بالتناسخ، وقالوا: إن القوم كانوا هم بأعيانهم فلما تطاولت عليهم مدة التلاشي والبلى نسوا فذكروا، قال وهذا محال وجهل بكلام العرب؛ فإن العرب تخاطب بمثل هذا وتعني الجد الأعلى والأب الأبعد (١). • قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا﴾ [٥٧] استدل به على أن الضيف لا يملك ما قدم له، وأنه لا يتصرف فيه إلا بإذن، ذكره صاحب التحرير (٢). • قوله تعالى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ [٥٩] قال إلكيا: يدل على أنه لا يجوز تغيير الأقوال المنصوص عليها، وأنه يتعين اتباعها. (١) المقصود هنا: تناسخ الأرواح، وهو الاعتقاد بأن الأجساد تبلى وتفنى، وتبقى الأرواح لتنتقل من جسد إلى أخر. ووجه رد الكرماني أن استدلالهم مبني على الجهل بكلام العرب، ففي كلامه توسع، ومنه إضافة الفعل إلى الحي الموجود، والمراد به السلف المعدوم، فتقول للرجل مفتخرًا عليه (أكرمناكم وأحسنا إليكم)، وأنت تقصد آباءك وأسلافك أكرموه. ومنه قوله: ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ﴾ للمخاطبين من اليهود زمن النبي ﷺ ، ويُراد به نجينا آباءكم. (٢) وصاحب التحرير في الفقه هو الجرجاني (ت ٤٨٢ هـ)، ووجه الحكم هو: أنّ قوله تعالى: ﴿كُلُوا﴾ إذن من المالك ، ولو كان الإنزال مع الامتنان كافيًا لما احيتج إلى الإذن ﴿كُلُوا﴾. وأكل الضيف إباحة محضة، لا بجعل الملك به بحال، فلا يجوز له قسمته، ولا إعارته، وإن ما يهلك بالأكل على ملك صاحبه.

стр. 43

وقال الرازي: يحتج به فيما ورد من التوقيف في الأذكار والأقوال، وأنه غير جائز تغييرها (١). وربما احتج به علينا المخالف في تجويز تحريمه الصلاة بلفظ التعظيم والتسبيح، وفي تجويز القراءة بالفارسية، وفي تجويز النكاح بلفظ الهبة وما جرى مجرى ذلك (٢). • قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ إلى آخر القصة [٦٧ - ٧١] فيها أحكام: الأول: استدل بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ﴾ على إن الآمر لا يدخل في عموم الأمر؛ فإن موسى لم يدخل في الأمر بدليل قوله: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ ولا يظن بموسى ذلك، ذكره الزركشي في شرح جمع الجوامع (٣). (١) مأخذ عدم الجواز: وصفهم بأنهم: ﴿ظَلَمُوا﴾ و ﴿بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾، وكذا ترتب العقاب عليهم ﴿رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ فذم الفعل أو الفاعل أو ترتب العقاب على الفعل من الأساليب الدالة على التحريم. (٢) ثم قال الجصاص في أحكام القرآن (١/ ٣٩): «وهذا لا يلزمنا» وبيّن ذلك. ١) أنّ الآية إنّما هي في القوم الذين قيل لهم: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾. ٢) أن استحقاق الذّم لتبديلهم القول إلى لفظ في ضد المعنى، وأمّا من غير اللفظ مع إتقان المعنى فلم تتناوله الآية … ، وهذا صحيح؛ لذا جاز رواية الحديث بالمعنى، لكن يبقى الخلاف في كونها توقيفية. (٣) الاستدلال صحيح فيما إذا كان الأمر لا يتناوله - هكذا، قيّده الزركشي-، كما في الآية؛ والدلالة على عدم تناوله سياق الآية، فيكون مخصوصًا بسياق الآية. وبيانه في الآية: لو كان الآمر داخلًا لدخل موسى ﵇، في الاشتراك بالذبح، ولو دخل موسى ﵇ لدخل في قوله: ﴿وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ ..

стр. 44

الثاني: استدل به بكر بن العلاء على أن السنة في البقرة الذبح (١). الثالث: استدل به على جواز ورود الأمر مجملاً وتأخير بيانه (٢). الرابع: استدل بقوله: ﴿لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ﴾، وبقوله: ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾ على جواز الاجتهاد واستعمال غالب الظن في الأحكام؛ لأن ذلك لا يعلم إلا من الاجتهاد. الخامس: استدل بها على أن المستهزئ يستحق سمة الجهل. وذكر محمد بن مسعد أن عبيد الله بن الحسن العنبري القاضي مازحه فقال له: لا تجهل، قال: وأنى وجدت المزاح جهلاً فتلا عليه: ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ (٣). السادس: فيها الإرشاد إلى الاستثناء في الأمور في قوله: ﴿وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾. (١) ومأخذ الحكم: شرع من قبلنا، فلم يقل: (أن تنحروا بقرة)، وامتثل بنو إسرائيل ﴿فَذَبَحُوهَا﴾. قلت: لو قال بكر بن العلا أن الأفضل في البقر الذبح لكان أولى، وقد نقل ابن بطال إجماع العلماء على جواز النحر والذبح في البقر. أمّا الذبح فللآية، وأمّا النّحر فلقول عائشة ﵂: «دخل علينا يوم النحر بلحم بقر، فقلت: ماهذا؟، فقيل: نحر رسول الله ﷺ عن أزواجه البقرة» البخاري (١٧٢٠). (٢) المجمل: ما لا يفهم معناه عند الإطلاق. وقيل: ما احتمل أمرين لا مزية لأحدهما على الآخر. ونقل ابن الفرس في أحكام القرآن (١/ ٦٩) خلاف العلماء في كون ذبح البقرة من قبيل المجمل الذي يفتقر إلى بيان، أو أنّه عام، ويقصد العموم البدلي، وهو المطلق، وكونها مطلقة، وهوالصحيح. وغلط ابن القيم القائلين بأنّه مجمل، وقال: «فإنّ الآية غنية عن البيان المنفصل، مبيَّنة بنفسها، لكن لما تعنتوا وشدودا شدد عليهم». إغاثة اللهفان (٢/ ٣١٤). (٣) قال ابن عطية في تفسيره (١/ ٢٤٦) « … أن قول موسى ﵇: ﴿أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾، يحتمل معنيين: الأول: الاستعاذة من الجهل في أن يخبر عن الله تعالى مستهزئًا. الثاني: الاستعاذة من الجهل كما جهلوا في قولهم: ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾ لمن يخبرهم عن الله تعالى».

стр. 45

السابع: فيها دليل لأهل السنة على المعتزلة؛ لأن الأمر لا يستلزم المشيئة، قاله الماتريدي (١). الثامن: استدل بالآية على حصر الحيوان بالوصف، وجواز السلم فيه (٢). التاسع: قال المهدوي: في قوله: ﴿فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ﴾ دليل على أن الأمر على الفور (٣). قال ابن الفرس: ويدل على ذلك أنه استقصرهم حين لم يبادروا إلى فعل ما أمرهم به وقال: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾. • قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ﴾ الآية [٧٩]. استدل به النخعي على كراهة كتابة المصاحف بالأجرة (٤). (١) مقصوده بأهل السنة الأشاعرة، وهم قائلون بأن الأمر لا يستلزم المشيئة، فقد يأمر الله بما لا يشاء، كأمره إبراهيم بذبح ابنه، ولم يشأ منه ذبحه. وبنوا على هذا أن الطاعة موافقة الأمر لا الإرادة. (٢) السلم: شراء آجل بعاجل، ويشترط ضبط صفته، وهنا أمكن ذلك، فضبط عمرها بقوله: ﴿لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ﴾ ولونها: ﴿صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾ وعملها: ﴿لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ﴾ قال القرطبي في جامعه (١/ ٤٥٣): «في هذه الآية أدل دليل على حصر الحيوان بصفاته، وإذا ضبط بالصفة وحصر بها جاز السلم فيه». قلت: ونوع الدلالة هنا بالإشارة؛ إذ الحكم الثابت باللفظ غير مقصود. (٣) مأخذ الحكم ما قاله ابن الفرس، ولو أنّه لا يقتضي الفور لما كان هناك داع إلى ذمهم، - كما هو السياق - بتأخرهم ومقصودهم في المسارعة. (٤) سياق الآيات في بني إسرائيل، وسبب نزولها تغيير اليهود صفات النبي ﷺ وبيعهم الكتاب للعرب، والنخعي نظر إلى ظاهر الآية دون السياق وسبب النزول. ولعل من حجته أن كتابة المصاحف للعرب، ولا يجوز أخذ الأجرة عليها، والجمهور على جواز الاستئجار، وأخذ الأجرة على كتابته.

стр. 46

• قوله تعالى: ﴿مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ الآية [٨١]. استدل به على أن المعلق على شرطين لا يتنجز بأحدهما (١). • قوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾ الآية [١٠٢]. استدل بها على أن السحر كفر حيث قال: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾، وقال: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ (٢). قال بكر بن العلاء: وفي الآية أن الساحر يقتل، ووجهه أنه قال: ﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ أي باعوا أنفسهم للقتل بالسحر الذي فعلوه (٣) كما قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ﴾. • قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾ الآية [١٠٤]. قال ابن الفرس: استدل بها على القول بسد الذرائع في الأحكام؛ لأن المؤمنين منعوا من وقول: راعنا له ﷺ ؛ لئلا يجد اليهود بذلك السبيل إلى سبه. (١) أي: لا يصير ناجزًا. وقال مقاتل بن سليمان في تفسيره (١/ ١١٩): «لما قالوا: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ أكذبهم الله فقال: ﴿بَلَى﴾ يخلد فيها ﴿مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً﴾ يعني الشرك، ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ حتى مات على الشرك». (٢) مأخذ الحكم من الآية الأولى، دلالة الإيماء؛ لاقتران الوصف التعليم بالحكم، وهو الكفر، فدل على أنّ تعليم السحر كفر. والآية في تعلم السحر -كما هو ظاهر الآية- فصار تعليمه وتعلمه كفر. (٣) وبيعه لنفسه يتضمن القتل، كما في الآية المذكورة ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ﴾. والمعنى أنّ السحر ثمن بئيس للنفس، فدل على أنّ النفس تقتل به.

стр. 47

• قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [١٠٦] فيها وقوع النسخ في هذه الملة، واستدل بقوله: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ من قال إن النسخ إلى غير بدل لا يجوز (١)، ومن قال إنه لا يجوز إلى بدل أغلظ (٢)، ومن قال إنه لا يجوز نسخ القرآن بالسنة (٣). • قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ﴾ [١١٤]. (١) قال المحقق ح (٥) (١/ ٣٠٩): «ووجه الاستدلال بالآية ظاهر حيث إن الله ربط بين نسخ أي آية وبين الإتيان بخير منها أو مثلها بأداة الشرط ربط الجزاء بشرطه، ومعلوم أن الشرطية إنما يتوارد فيها الصدق والكذب على نفس الربط، ولا شك أن هذا الربط الذي صرَّح الله به بين هذا الشرط والجزاء في هذه الآية صحيح لا يمكن تخلفه بحال» نقله عن الأمين الشنقيطي في مذكرة الأصول (٧٩). (٢) ذكر المحقق ح (٩) وجه الاستدلال، وهو أن الله تعالى جعل البدل محصوراً في الخير والمثل؛ لأن الاقتصار في مقام البيان يفيد الحصر، والأشق والأغلظ ليس خيراً، ولا مِثلاً، فلا يكون بدلاً في النسخ، ولا يقع النسخ به. يجاب عنه، يجاب عنه: أن الخيرية دائرة بينهما، فيكون في الأخف لسهولته، وتكون في الأثقل لكثرة الأجر فيه. كما أن الوقوع خير دليل هنا، وذلك على القول بنسخ التخيير بين الصوم والإطعام، بقوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾. (٣) وجه الاستدلال ما ذكره المحقق ح (١٠) وهو: أن الله أسند الإتيان بالبدل إليه، والذي يأتي به سبحانه هو القرآن فقط، فكان الناسخ للقرآن هو القرآن لا السنة. وأيضاً فإن الله جعل البدل خيراً من المنسوخ أو مِثلاً له، والسنة ليست خيراً ولا مثلاً له فلا تكون السنة بدلاً عن الكتاب، ولا ناسخة له. ويجاب عنه: بأن الناسخ حقيقة هو الله ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ فالرسول ﷺ مُظهِر له. وقال بعض العلماء: ليس الإتيان بنفس آية أخرى خيراً منها، بل المراد نأتي بعمل خير من العمل الذي دلَّت عليه الأولى أو مثله.

стр. 48

قال الرازي فيه دليل: على منع دخول أهل الذمة المساجد (١). وقال إلكيا: يدل أن للمسلمين إخراجهم منها إذا دخلوها، ولولا ذلك ما كانوا خائفين بدخولها (٢). • قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ الآية [١١٥]. روى مسلم عن ابن عمر أنها نزلت في صلاة التطوع على الراحلة في السفر (٣)، وروى الترمذي وابن ماجة والدارقطني وغيرهم من حديث عامر بن ربيعة وجابر أنها نزلت فيمن صلى بالاجتهاد إلى القبلة ثم تبين له الخطأ (٤). قال الرازي: لا يمتنع أن تكون نزلت في الأمرين معاً بأن وقعا في وقت واحد وسئل النبي ﷺ عنهما، فأنزل الله الآيه مريداً بها حكم جميع ذلك (٥). • قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ الآية [١١٦] تدل على امتناع اجتماع المُلْك والولادة (٦). (١) مأخذه قوله: ﴿مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا﴾ هو خبر عن الحكم الدال على المنع. (٢) أخبر المولى في مقام الإقرار أن دخولهم للمساجد، إنمّا يكون على سبيل الخوف من طرد المسلمين لهم، فدل على أن الواجب على المسلمين طردهم ومنعهم. (٣) أخرجه مسلم (٧٠٠)، و (أين) من ألفاظ العموم، فتعمّ أي جهة توجه إليها المصلي، وقصرها على السفر دلَّ عليه سبب النزول، كما ذكر المصنف، وسبب النزول قطعي الثبوت، وهو مخصص لقوله: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ أي: المسجد الحرام، كما سيأتي. (٤) أخرجه الترمذي (٣٢٣)، وابن ماجة (١٠١٦)، والدارقطني (٩١٦)، وحسنه الألباني بمجموع هذه الطرق في الإرواء (١/ ٣٢٣). (٥) ذكر الرازي المواضع التي يجوز فيها ترك شرط الاستقبال عمدًا، أو اجتهادًا، وقال: أي الرازي: «وإذا لم تتناف إرادة جميع ذلك وجب حمل الآية عليه». (٦) أي: لا يجوز للرجل أن يملك ابنه، فنفى البنوة لأجل العبودية، فقال: ﴿سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ فدل على أنّه لا يجتمع بنوة ورق، وقانتون: مطيعون، ومقرّون له بالعبودية.

стр. 49

• قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ الآية [١٢٤]. أخرج ابن المنذر من طريق التميمي عن ابن عباس أنها مناسك الحج. وأخرج الحاكم وغيره من طريق طاووس عنه أنها قص الشارب والمضمضة والاستنشاق والسواك وفرق الرأس، وتقليم الأظافر، وحلق العانة والختان، ونتف الأبط، وغسل أثر الغائط والبول بالماء. وأخرج ابن أبي حاتم من طريق حنش الصنعاني عنه أنها المذكورات والمناسك وزاد فيها غسل يوم الجمعة، ففي الآية مشروعية جميع ذلك (١). • قوله تعالى: ﴿قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ قال ابن الفرس: يؤخذ من هذا إباحة السعي في منافع الذرية والقرابة، وسؤال من بيده ذلك (٢). • قوله تعالى: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ قال الرازي: فسَّر السدي العهد بالنبوة. وعن مجاهد أنه أراد أن الظالم لا يكون إماماً. وعن ابن عباس: أنه قال لا يلزم الوفاء لعهد الظالم، فإذا عقد عليك في ظلم فانقضه. قال: وجميع ذلك يحتمله اللفظ وجائز أن يكون جميعه مراداً لله، (١) مأخذه: تفسير ابن عباس ﵄ المذكور عند المصنف، وشرع من قبلنا، وقد ورد اتباع ملة إبراهيم ﵇ بأدلة خاصة، ومن المآخذ: الثناء على الفاعل ﴿فَأَتَمَّهُنَّ﴾. (٢) مأخذه: دعاء الأنبياء، ودعاء الأنبياء يدل على مشروعية الفعل الدائر بين الوجوب والندب، وقول ابن الفرس (إباحة السعي) لم يظهر لي الصارف إلى الإباحة، إذا أراد بالإباحة: الإذن بالفعل، فيشمل الوجوب والندب، والمعبَّر عنها بالحلِّ أو الجواز.

стр. 50

وهو محمول على ذلك عندنا، فلا يجوز أن يكون الظالم نبياً ولا خليفة نبي، ولا قاضياً ولا من يلزم الناس قبول قوله في أمور الدين، من مفت أو شاهد أو مخبر عن النبي ﷺ خبراً (١)، فقد أفادت الآية أن شرط جميع من كان محل الإئتمام به أمور الدين العدالة والصلاح. قال: وهذا يدل أيضاً على أن شرط أئمة الصلاة أن يكونوا صالحين غير فساق ولا ظالمين (٢). • قوله تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾ [١٢٥]. يحتج به في كون الحرم مأمناً (٣). • قوله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾. فيه مشروعية ركعتي الطواف (٤)، واستحبابهما خلف المقام (٥)، واستدل (١) فُسِّر العهد بعدة تفسيرات محتملة اللفظ، فتحمل عليه، وما قاله الرازي -من القواعد التفسيرية- وهو مأخذه: «وجميع ذلك محتملة اللفظ وجائز أن يكون مراداً لله». (٢) مأخذه: دلالة مفهوم المخالفة، أنّ غير الظالم من أهل العدل والصلاح سينال الإمامة، لكن مع الإتيان بأسبابها. وقال الطاهر ابن عاشور في تفسيره التحرير والتنوير (١/ ٧٠٦): «حكم أحد الضدين يثبت نقيضه للأخر عن طريق الإيجاز». (٣) مأخذه: خبر بمعنى الأمر، والمعنى: أمنوا من دخل البيت، وهو محل اتفاق، يعمّ التأمين كل داخل سواء كان إنسانًا أو حيوانًا، أو طيرًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَمْنًا﴾ نكرة في سياق امتنان. (٤) ورد بصيغة الأمر ﴿وَاتَّخِذُوا﴾ وكأنه جعلها جملة اعتراضية، وفيها تشريع الصلاة للمسلمين عند حجر المقام. وورد بصيغة الخبر ﴿وَاتَّخِذُوا﴾ فقال بعضهم: لا تحتمل غير حكاية ما كان في زمن إبراهيم ﵇. وقال غيره: هي خبر بمعنى الأمر، وذكر المصنف أنّها على سبيل الاستحباب، كما سيأتي. (٥) الأصل في الأمر الوجوب، وقد قال به البعض؛ لظاهر الآية كما سيأتي، ومنهم من صرفها -كالمصنف- إلى الاستحباب لصارف، والصارف قوله ﵇ لمعاذ ﵁ لما بعثه إلى اليمن «فأعلمهم أنّ الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة» أخرجه البخاري (١٣٩٥)، ومسلم (٢٩) وغيره كحديث: «أفلح إن صدق» أخرجه البخاري (١٨٩١)، ومسلم (١١)، وإنّما فرض عليه خمس صلوات.

стр. 51

الرازي بظاهر الأمر على وجوبهما. • قوله تعالى: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ فيه أن الأعمال المتعلقة بالبيت ثلاثة: الطواف والاعتكاف والصلاة. أخرج ابن أبي حاتم من طريق عطاء عن ابن عباس قال: إذا كان قائماً فهو من الطائفين، وإذا كان جالساً فهو من العاكفين، وإذا كان مصلياً فهو من الركع السجود. وأخرج أيضاً من طريق حماد بن سلمة عن ثابت قال: قلت لعبد الله ابن عبيد بن عمير ما أراني إلا مكلم الأمير أن يمنع الذين ينامون في المسجد الحرام فإنهم يجنبون ويحدثون، قال: لا تفعل فإن ابن عمر سُئل عنهم فقال هم العاكفون (١). وفي الآية مشروعية طهارة المكان للطواف والصلاة (٢). قال الرازي وإلكيا: وفيها دلالة على أن الطواف للغرباء أفضل، والصلاة للمقيم أفضل (٣). (١) دخل في العاكف: الجالس والنائم؛ بناء على تفسير الاعتكاف بأنّه اللبث. (٢) للأمر في قوله: ﴿أَنْ طَهِّرَا﴾ وإذا أمر بتطهير المكان، فتطهير نفسه وملابسه أولى. (٣) مبني على تفسير الطائفين بالغرباء، ولما خصهم بالطواف دلّ أنّ لهم به مزية اختصاص. ورد: بأنّه صرف للفظ عن ظاهره بغير دليل. وتأوله الضحاك على الطائف الذي هو طارئ، كقوله: ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ﴾ وقوله: ﴿إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ﴾ وتوجيه آخر: الطواف للقريب أفضل؛ لأنّه لا يجد الطواف إلّا هنا، بخلاف الاعتكاف والصّلاة، وللمقيم الصّلاة أفضل؛ لأنّها أفضل الأعمال.

стр. 52

قلت: ولم يظهر لي وجه ذلك. قالا: وفيها دلالة على جواز الصلاة في نفس الكعبة حيث قال: ﴿بَيْتِيَ﴾، خلافاً لمالك (١). قلت: يرده قوله: ﴿لِلطَّائِفِينَ﴾، والطواف لا يكون في نفس الكعبة (٢). قال الرازي: وفيها دلالة على أن الطواف قبل الصلاة. قلت: قد استدل بذلك ابن عباس (٣)، فأخرج الحاكم من طريق عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه أتاه رجل فقال أبدأ بالصفا قبل المروة، أو أبدأ بالمروة قبل الصفا؟، وأصلي قبل أن أطوف أو أطوف قبل أن أصلي؟ أو أحلق قبل أن أذبح أو أذبح قبل أن احلق؟ فقال ابن عباس: خذ ذاك من كتاب الله فإنه أجدر أن يحفظ قال الله: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ فالصفا قبل المروة. وقال تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾، فالذبح قبل الحلق، وقال: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ فالطواف قبل الصلاة، وقال الحاكم صحيح الإسناد. قال الرازي: وفيها دلالة على جواز المجاورة بمكة؛ لأن قوله: (١) إذ لا معنى للأمر بتطهير البيت إلّا لأجل جواز الصّلاة فيه، وفي ختم الآية قال: ﴿وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾. (٢) خرج الطواف من كونه مفعولًا خارج البيت بالاتفاق؛ ولأنّ الطواف بالبيت إنّما هو بأن يطوف حواليه خارجًا منه، ولا يسمى طائفًا بالبيت من طاف في جوفه، والله إنّما أمرنا بالطواف به، لا بالطواف فيه بقوله: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾. (٣) وهذا مأخذه: وهو تفسير الصحابي، أو يقال: جاء ما يدل على أنّ الواو هنا: للترتيب، ولمراعاة النظم القرآني.

стр. 53

﴿وَالْعَاكِفِينَ﴾، يحتمله مع أن عطاء وغيره قد تأولوه على المجاورين (١). • قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا﴾ [١٢٧]. قال الرازي فيه إن بناء المساجد قربة (٢). قلت: وفيه استحباب الدعاء بقبول الأعمال (٣). • قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [١٣٠] فيه دلالة على لزوم اتباع ملته فيما لم يثبت نسخه، ذكره إلكيا وغيره (٤). • قوله تعالى: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ﴾ الآية [١٣٣]. استدل به ابن عباس على أن الجد بمنزلة الأب، وعلى توريثه دون الأخوة (٥). (١) قال ابن جرير (٢/ ٥٣٦): «وأولى هذه التأويلات بالصواب ما قاله عطاء، وهو أن (العاكف) في هذا الموضع، المقيم في البيت مجاورا فيه بغير طواف ولا صلاة؛ لأن صفة (العكوف) ما وصفنا: من الإقامة بالمكان. والمقيم بالمكان قد يكون مقيما به وهو جالس ومصل وطائف وقائم، وعلى غير ذلك من الأحوال، فلما كان -تعالى ذكره- قد ذكر في قوله: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ المصلين والطائفين، عُلم بذلك أن الحال التي عنى الله -تعالى ذكره- من العاكف، غير حال المصلي والطائف، وأن التي عنى من أحواله، هو العكوف بالبيت، على سبيل الجوار فيه، وإن لم يكن مصليا فيه ولا راكعا ولا ساجدا». (٢) وبيّن الرازي المأخذ، وقال: «والتقبل: هو إيجاب الثواب على العمل، وقد تضمن ذلك كون بناء المساجد قربة؛ لأنهما بنياه لله تعالى، فأخذا باستحقاق الثواب». ولا خلاف في كونه قربة «من بنى مسجدًا، ولو مثل مفحص قطاة بنى الله له بيتاً في الجنة». (٣) من أدلة المشروعية: دعاء الأنبياء بالفعل. (٤) مأخذه: ذمّ من لم يتبعها ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾، والذّم على ترك الفعل من أساليب الوجوب. (٥) مأخذه: ما ذكره من قول ابن عباس، وسبب نزول الآية، وهو أنّ اليهود، قالوا: يا محمّد ألست تعلم أنّ يعقوب، يوم مات أوصى بنيه بدين اليهودية.

стр. 54

وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء قال سمعت ابن عباس يقول الجد أب ويتلو ابن عباس: ﴿قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ﴾ الآية. ورد عليه من الآية بذكر إسماعيل فسمى العم أباً، ولا يقوم مقامه إجماعاً (١). • قوله تعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾ الآية [١٣٤]. قال الرازي: يدل على أن الأبناء لا يثابون على طاعة الآباء، ولا يعذبون على ذنوبهم (٢). وفيه إبطال مذهب من يجيز تعذيب أولاد المشركين تبعاً لآبائهم (٣). قال ابن الفرس: وفي قوله: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ﴾ إثبات الكسب للعبد (٤). (١) أي: في حجب الإخوة الأشقاء، بخلاف الجد، ففيه خلاف. والعرب تسمي العم أبًا، وفي الحديث عند مسلم (٩٨٣): «أنّ عم الرجل صنو أبيه»، أي: مثله، يستحق التعظيم والطاعة، وعدم العقوق، وهذا لا يعني أن كونه أبًا يأخذ جميع أحكامه. لذا اعتبر الجصاص فأحكام القرآن (١/ ١٠٠) الاعتراض والرد الذي ذكره المصنف غير معتمد وقال: «لأنّ إطلاق اسم الأب إن كان يتناول الجد والعم في اللغة والشرع فجائز اعتبار عمومه في سائر ما أطلق فيه [كرام والطاعة]، فإن خصَّ العم بحكم دون الجد لا يمنع ذلك بقاء حكم العموم في الجد» أي يبقى إطلاق اسم الأب على الجد، والجد مساو للأب في معنى الولادة فجائز أن يتناوله اسم الأب، وأن يكون حكم الجد عند فقد الأب كحكم الأب. (٢) لقوله ﴿وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. (٣) يستدل بالعموم ما لم يرد دليل يخصصه، وفي المسألة أدلة خاصة، ففي البخاري من حديث سمرة ﵁ أنّه ﵊ رأى مع إبرهيم ﵇ أولاد المسلمين وأولاد المشركين. وفي الصحيحين أنّه سئل عن أولاد المشركين، قال: «الله أعلم بما كانوا عاملين» أخرجه البخاري (١٣٨٤)، ومسلم (٢٦٥٨)، وورد أنهم في النّار، كما في قصة قيس الأشجعي حين ذكر أن أمه ماتت في الجاهلية، وأنّها وأدت أختًا له، فقال: «الوائدة والموءودة في النار إلّا أن تدرك الوائدة الإسلام فيعفو الله عنها» أخرجه أحمد (١٥٩٢٣)، والنسائي في الكبرى (١١٦٤٩)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٢/ ١٢٠٠). (٤) كل الطوائف متفقة على الكسب مع اختلافهم في حقيقته: فعند الجبرية هو لفظ لا معنى له، ولا حاصل تحته؛ إذ لا كسب للعبد على الحقيقة، وما ينسب إليه فهو على المجاز؛ لأن العبد مجبور على أفعاله مقهور عليها، لا تأثير له في وجودها البتة، لذا قالوا: له قدرة غير مؤثرة وتسمى فعلاً مجازاً. وعند القدرية (المعتزلة) الكسب هو وقوع الفعل بإيجاد العبد وإحداثه ومشيئته من غير أن أن يكون الله شاءه أو أوجده؛ لأنهم يقولون أن العبد خالق لفعله. والكسب عند الأشاعرة هو مقارنة قدرة العبد الحادثة لفعله الذي يخلقه الله تعالى بقدرته وحده من غير أن يكون لقدرة العبد أي تأثير في الفعل، فإن الله سبحانه أجرى العادة بخلق عند قدرة العبد وإرادته، لا بهما فهذا الاقتران هو الكسب. وهم بذلك قاربوا قول الجبرية حتى وصف الخيالي في حاشيته على شرح العقائد النسفية ص (١٠١) مذهب الأشعري في أفعال العباد بأنه جبر متوسط. وانظر: حاشية المحقق (٣).

стр. 55

• قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ﴾ الآية [١٤٢]. فيه الرد على من أنكر النسخ (١)، ودلالة على جواز نسخ السنة بالقرآن؛ لأن استقبال بيت المقدس كان ثابتاً بالسنة الفعلية لا بالقرآن. • قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [١٤٣] يستدل به على تفضيل هذه الأمة على سائر الأمم (٢). قوله تعالى: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾. قيل: أي لتكونوا حجة فيما تشهدون به كما أنه ﷺ شهيد بمعنى حجة. قيل: ففيه دلالة حجية إجماع الأمة (٣). (١) لأنّه وصف الفاعل -المنكر- بالسفه. (٢) لأن معنى ﴿وَسَطًا﴾ أي عدلاً وخِياراً، فهم بهذا أفضل الأمم؛ لأن الله تعالى خصها بالخيرية والعدالة والشهادة على جميع الخليقة يوم القيامة، كما جاء مًصرحاً في الأحاديث. (٣) هذا أحد المأخذين، والمأخذ الأخر، وصف الله الأمة بأنّهم ﴿وَسَطًا﴾ بالعدالة، وأنّها خيار، وذلك يقتضي تصديقها، والحكم بصحة قولها، وناف لإجماعها على الضّلال.

стр. 56

• قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ أي: صلاتكم إلى بيت المقدس، استدل به على أن الإيمان قول وعمل (١). • قوله تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [١٤٤] فيه إيجاب استقبال الكعبة في كل صلاة فرضاً كانت أو نفلاً، في كل مكان حضراً أو سفراً (٢)، وهو مخصوص بالآية المتقدمة في نافلة السفر على الراحلة (٣)، وبالآية الآتية في حالة المسايفة (٤). قال الرازي: والخطاب لمن كان معايناً للكعبة وغائباً عنها، والمراد لمن كان حاضرها إصابة عينها، ولمن كان غائباً عنها النحو الذي عنده أنه نحو الكعبة وجهتها في غالب ظنه دون العين يقيناً، إذ لا سبيل له إلى ذلك وهذا أحد الأصول الدالة على تجويز الاجتهاد (٥). وقد يستدل بقوله: ﴿شَطْرَهُ﴾، على أن الفرض للغائب إصابة الجهة لا العين هو أحد قولي الشافعي. وقد أخرج أبو داود في الناسخ والمنسوخ عن ابن عباس أنه كان يقول: ﴿شَطْرَهُ﴾ نحوه، وأخرج الحاكم عن علي قال: ﴿شَطْرَهُ﴾ قبله. وأخرج ابن أبي حاتم عن داود عن رفيع قال: ﴿شَطْرَهُ﴾ تلقاءه. (١) إذ الصلاة عمل، وجعلها الشارع من الإيمان ووجه دخولها في مسمى الإيمان، أنّها صادرة عن إيمان، فلولا الإيمان ما تعبد الناس الله . (٢) الايجاب من الأمر في قوله: ﴿فَوَلُّوا﴾ والعموم من ﴿وَحَيْثُ مَا﴾. (٣) أي: قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ [البقرة: ١١٥]. (٤) أي: قوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ أي: مستقبلي القبلة أو مستدبريها. (٥) إذ إن كل شيء لا سبيل إلى القطع فيه فطريقه الاجتهاد، وهذا ما دلت عليه الآية.

стр. 57

وأخرج عن البراء قال: ﴿شَطْرَهُ﴾ وسطه. وهذا صريح في إرادة العين لا الجهة (١). • قوله تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [١٤٨] يدل على أن تعجيل الطاعات أفضل من تأخيرها (٢). • قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ﴾ الآية [١٥٤]. فيها دلالة على حياة الشهداء بعد الموت. • قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ الآية [١٥٥ - ١٥٦]. فيه استحباب الاسترجاع عند المصيبة (٣) وإن قلَّت؛ كما أشار إليه تنكير مصيبة (٤). (١) مأخذ ما سبق: هو تفسير الصّحابة للشطر، وتفسير البراء ﵁ صريح؛ لأنّ الشطر يطلق عليه، وعلى الجهة على النصف، والأخير، مشترك بينه وبين الجهة. وللخلاف أثر في هل فرض المجتهد القبلة: الإصابة أو الاجتهاد فقط، وعلى القول بأن فرضه الإصابة، فلو صلى وأخطأ فعليه إعادة الصّلاة، بخلاف لو قيل الاجتهاد، ذكره ابن رشد. (٢) المقصود بالخيرات الأعمال الصالحة الواجبة والمندوبة، وهي أفضل من تأخيرها ما لم يقم دليل على فضيلة التأخير. قال الجصاص في أحكام القرآن (١/ ١١١): «ويحتج به بأن الأمر على الفور، وأن جواز التأخير يحتاج إلى دلالة، وذلك أن الأمر إذا كان غير مؤقت فلا محالة عند الجميع أن فعله على الفور من الخيرات، فوجب لمضمون قوله تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ إيجاب تعجليه؛ لأنّه أمر يقتضي الوجوب. (٣) الاسترجاع أن يقول: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾، ومأخذ الاستحباب: الدعاء للفاعل ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ والثناء عليه ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ و ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ ويستحب إظهار الاسترجاع لقوله تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾. (٤) وهذه من الأغراض البلاغية للتنكير، ومنها: التعليل -كما ذكر المصنف- فتشمل المصيبة الصغيرة.

стр. 58

وقد أخرج الطبراني عن أبي أمامة، قال: انقطع قِبَال (١) النبي ﷺ فاسترجع، فقالوا: مصيبة يا رسول الله؟ فقال: (ما أصاب المؤمن مما يكره فهو مصيبة) (٢)، وله شواهد أوردتها في التفسير المسند. • قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ الآية [١٥٨]. فهم منها جماعة عدم وجوب السعي، وبه قال الثوري وإسحاق. قال اللخمي: ورد القرآن بإباحته بقوله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ﴾، وتضمنت الآية الندب بقوله: ﴿مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾، وقوله: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾. قال ابن الفرس: وفيه نظر حيث جعله مباحاً مندوباً في آية واحدة، وقال قوم قوله: ﴿مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ دليل على الوجوب؛ لأنه خبر بمعنى الأمر ولا دليل على سقوطه في قوله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ﴾؛ لأنه ورد لرفع ما وقع في نفوسهم كما ثبت في سبب نزولها (٣). وهذا ما ردت به عائشة على عروة في فهمه ذلك، وقالت: (لو كانت على ما أولتها عليه كانت فلا جناح عليه ألا يطوف بهما الحديث)، أخرجه الشيخان. وقد فهم ﷺ من الآية الوجوب حيث قال (إن الله كتب عليكم السعي) رواه (١) القِبال: بكسر القاف هو زمام النعل، وهو السير الذي يكون بين الأصبعين. (٢) أخرجه الطبراني في الكبير (٧٦٨٨)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ٣٣٤): رواه الطبراني بإسناد ضعيف، وكذا السيوطي في الدر المنثور (١/ ٣٧٩)، والعقيلي في الضعفاء (٢٠٥٥). (٣) وذكر الشاطبي في الموافقات (١/ ٢٣١) مأخذاً مهماً فقال يتعلق بهذا الأسلوب، يحسن ذكره: " إذا قال الشارع في أمر واقع (لا حرج فيه) فلا يؤخذ منه حكم الإباحة؛ إذ قد يكون كذلك، وقد يكون مكروهاً؛ فإن المكروه بعد الوقوع لا حرج فيه ".

стр. 59

أحمد والطبراني (١). واستدل بتقديم الصفا في الآية على وجوب الابتداء به حيث قال: (أبدأ بما بدأ الله به) رواه مسلم (٢)، وفي لفظ (نبدأ) رواه الترمذي (٣)، وفي لفظ (ابدءوا) رواه النسائي (٤) وابن خزيمة. قال ابن الفرس: واستدل بعموم الآية على صحة طواف الراكب والمحدث (٥). • قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ﴾ الآية [١٥٩]. فيه وجوب إظهار العلم وتبيينه وتحريم كتمانه (٦). قال إلكيا والرازي: وعم ذلك المنصوص والمستنبط؛ لشمول اسم الهدى للجميع. (١) أخرجه الإمام أحمد في المسند (٢٧٣٦٨)، والدارقطني في المعجم الكبير (٢/ ٢٥٦)، وإسناده ضعيف، وله طرق لا يخلو أحدها من مقال، وقد صححه الألباني بشواهده في الإرواء (٤/ ٢٦٩). (٢) مسلم (٢٢١٢). (٣) أخرجه الترمذي في جامعه (٨٦٢) وقال (٣/ ٢١٦): "وهذا حديث حسن صحيح ". (٤) أخرجه النسائي في الصغرى (٢٩٢٧)، ولم أجده عند ابن خزيمة، وقال الشيخ مصطفى العدوي في تحقيقه للإكليل ص (٧٨): "وهو معلول بهذا ". (٥) مأخذه: أن قوله: ﴿أَنْ يَطَّوَّفَ﴾ جملة فعلية تنحل لمصدر، وكأنه سبحانه قال: (لا جناح عليه تطوفًا بهما)، وإن قلنا: بأن (تطوفًا) نكرة في سياق النفي فهي للعموم. وإن قيل: إنّ النكرة هي (جناح) أي ليس عليه أي: جناح. فعلى الأول: عموم شمولي، وعلى الثّاني: عموم بدلي، وهو المطلق. والطواف يصدق على الراكب وغير الراكب، وهنا وجه العموم، وكذا المحدث وغير المحدث؛ إذ إنّ الطواف اسم للدوران بالبيت، وذلك يتحقق من الراكب وغيره، ومن المحدث وغيره، والله أعلم. (٦) توعدهم المولى باللعنة، فدّل على تحريم الكتمان، وهو يدل على وجوب التبليغ.

стр. 60

قال إلكيا: فيه دليل على وجوب قبول قول الواحد؛ لأنه لا يجب عليه البيان إلا وقد وجب قبول قوله. قلت: وقد يستدل بالآية على عدم وجوب ذلك على النساء؛ بناء على أنهم لا يدخلن في خطاب الرجال. • قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا﴾ [١٦٠] يدل على أنه لا يكتفي في صحة التوبة بالندم على ما سلف، بل لابد من تدارك ما فات في المستقبل حيث قال: ﴿وَبَيَّنُوا﴾ ذكره الرازي وإلكيا. • قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ الآية [١٦١]. استدل به على جواز لعن الكافر بعد موته، خلافاً لمن قال إنه لا فائدة له (١). قوله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [١٦٣] فيه إثبات الوحدانية له تعالى في ذاته وصفاته. • قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ الآية [١٦٤]. فيه إثبات الاستدلال بالحجج العقلية. واستدل بقوله: ﴿وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ﴾ على جواز ركوب البحر تاجراً وغيره. (١) ذكر المحقق للكتاب في ح (١٠) (١/ ٣٣١) وجه الاستدلال وهو أن قوله ﴿وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ يقتضي أمرنا بلعنه بعد موته، وهذا اللعن ليس بطريق الزجر له عن الكفر؛ لأنه ميت، بل هو جزاء له على الكفر وإظهار قبح كفره، ولذا استوت حياته ومماته في جواز لعنه، فالآية عندهم عامة لا مخصِّص لها.

стр. 61

وقد سئل بعض الأكابر عن قوله: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾، فأين الفلفل وكذا وكذا؟. فقال في قوله: ﴿وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾ (١). • قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ [١٦٨] يدل على أن من حرم طعاماً أو ثوباً أو غيره فهو لاغٍ ولا يحرم عليه (٢). أخرج ابن أبي حاتم عن أبي مسعود أن رجلاً قال له: إني حرمت أن آكل ضرعاً أبداً. فقال: هذا من خطوات الشيطان، أطعم وكفر عن يمينك. وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس قال: ما كان يمين أو نذر في غصب فهو من خطوات الشيطان، وكفارته كفارة يمين. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي مجلز قال: خطوات الشيطان النذور في المعاصي (٣). • قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ الآية [١٧٠]. فيه إبطال التقليد (٤). (١) لعله لعموم قوله: ﴿بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾ لأنّه لم يرد الفلفل بذاته، بل ما قاله: و «كذا وكذا». (٢) لكونه من خطوات الشيطان، كما فسره ابن مسعود، وكذا تفسير ابن عباس بالمثال، وخطوات الشيطان منهي عنها، والنهي يقتضي الفساد. (٣) واتباع خطوات الشيطان، حرام للنّهي، والمحرم لا ينعقد، بل يكفر عنه. (٤) لأنّ الله ذمهم على اتباع الأباء دون النظر في الدليل، والذم دليل المنع والإبطال.

стр. 62

• قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ﴾ [١٧٣]. عام في جميع أجزائها حتى الدهن واللبن والإنفحة، خلافاً لمن خالف في ذلك. واستدل بعمومه على تحريم ما لا نفس له سائلة، خلافاً لمن أباحه من المالكية. واستدل به أيضاً من حرم ميتة السمك الطافي، وما مات من الجراد بغير سبب، وعليه أكثر المالكية، والأجنة، وعليه أبو حنيفة (١). • قوله تعالى: ﴿وَالدَّمَ﴾. قيده في سورة الأنعام بالمسفوح وسيأتي (٢). واستدل بعمومه على تحريم ونجاسة دم الحوت (٣) وما لا نفس له سائلة. (١) وجه العموم (أل) في (الميتة) فتعمّ كل ميتة. (٢) أي: مقيد بقوله: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾، وتكلم في آية الأنعام عن مسألة إباحة الدم الباقي في العروق، وعلى إباحة الكبد والطحال، وكلها دماء غير مسفوحة. (٣) فتقدير حرم عليكم استعمال الدم، فيعمّ الطهارة والأكل، من عموم المقتضى. والعموم هنا: دون النظر إلى التقييد والتخصيص بالمسفوح في آية الأنعام، وهو يقتضي تحريم سائر الدماء قليلها وكثيرها. وأمّا السمك فمخصوص عند الجمهور بقوله ﵇ «أحلت لنا ميتتان ودمان» الحديث، أخرجه أحمد في المسند (٢/ ٩٧)، وابن ماجة (٣٣١٤)، وصححه الألباني كما في الإرواء (٨/ ١٦٤). وورد في بعض النسخ: «واستدل بعمومه على تحريمه ونجاسة دم الحوت»، فيكون الضمير في (تحريمه) يعود إلى الدم، ولعل المقصود تحريم دم السمك؛ لأنّه مسفوح. ويجاب عليه: أنّه مخصوص بقوله: «أحلت لنا ميتتان» الحديث فلما أحل السمك بما فيه من الدم من غير إراقة دمه، تخصيص الآية في إباحة دم السمك.

стр. 63

• قوله تعالى: ﴿وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ﴾ استدل بعمومه من حرم خنزير البحر (١). • قوله تعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ استدل به من حرم ما ذبحه أهل الكتاب لأعيادهم وكنائسهم أو على اسم المسيح (٢). • قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ الآية. فيه إباحة المذكورات للمضطر (٣) بشرط أن لا يكون باغياً ولا عادياً، فلا يحل تناولها للباغي والعادي، كالعاصي بسفره. أخرج سعيد بن منصور في سننه عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ قال: غير باغ على المسلمين، ولا معتد عليهم، من خرج يقطع الرحم أو يقطع السبيل، أو يفسد في الأرض فاضطر إلى الميتة لم تحل له. ومن أباح ذلك قال: غير باغ ولا عاد في الأكل. أخرج ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في هذه الآية، قال: من أكل شيئاً من هذه وهو مضطر فلا حرج، ومن أكله غير مضطر فقد بغى (١) وجه العموم (أل) في الخنزير سواء كان خنزير بر أو بحر. ويجاب عنه: أن خنزير الماء لا يطلق عليه الاسم إلّا مقيدًا، فلا يدخل في الاسم المطلق، كما أن القرآن نزل بلغة العرب، والعرب لا تعرف خنزيرًا للبحر. (٢) لدخوله في اسم الإهلال، وهو الإظهار، فكل ما سُمي باسم غير الله دخل فيه. (٣) عدم الإثم من الأساليب الدالة على الإباحة.

стр. 64

واعتدى. وأخرج ابن المنذر من طريق عطية، عن ابن عباس، قال: غير باغ في الميتة ولا عاد في الأكل. واستدل بعموم الآية على جواز أكل المضطر ميتة الخنزير والآدمي، خلافاً لمن منع ذلك (١). • قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ الآية [١٧٤]. فيه تحريم أخذ الأجرة على الإفتاء (٢). • قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ﴾ الآية [١٧٧]. فيها من شعب الإيمان: الإيمان بالله، واليوم الآخر، والملائكة، والكتب، والأنبياء، وصلة الأرحام، والأيتام والمساكين، وابن السبيل، والسائلين ولو أغنياء، والعتق، وفك الأسرى، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والوفاء بالعهود، والصبر على الفقر والضر، والجهاد. وفي قوله: ﴿عَلَى حُبِّهِ﴾ دليل على أن أفضل الصدقة ما كان في حال الصحة، كما فسره ابن مسعود بقوله: "تؤتيه وأنت صحيح شحيح، تأمل العيش، وتخشى الفقر" أخرجه الحاكم وغيره .. (١) حذف المعمول فمن اضطر إلى أكل ما يحتاجه، فلا إثم عليه، فتدخل المذكورات. (٢) لذمهم كتمان ما أنزل الله، والوعيد بالنار، وتوبيخهم بعدم تكليمهم يوم القيامة، كلها أساليب، تدل على وجوب الإظهار، وتحريم الكتمان، وعدم جواز أخذ الأجرة على ذلك.

стр. 65

• قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾ الآية [١٧٨]. فيه مشروعية القصاص (١)، واستدل به الليث على أن الرجل لا يقتص منه لامرأته (٢)، كما استدل به غيره على أن الحر لا يقتل بالعبد (٣). • قوله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ﴾ الأية. فيه مشروعية العفو على الدية (٤)، والمطالبة برفق (٥)، والأداء من غير مطل (٦). وفي ذكر ﴿أَخِيهِ﴾ ترقيق مرغب في العفو، وفي تنكير ﴿شَيْءٌ﴾ إشارة إلى سقوط القصاص بالعفو عن بعضه (٧). (١) لفظ (كتب) من الألفاظ الدالة على الوجوب. (٢) أخذًا من مفهوم قوله: ﴿وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ لكن هذا المفهوم متروك، قال الطوفي في الإشارات (١/ ٣١٣) «لضعفه، ولزوم المفسدة العامة منه، وللإجماع». (٣) أخذًا من مفهوم ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾ قال الطوفي في الإشارات (١/ ٣١٣): «مفهومه أنّه لا يقتل حر بعبد، وهو خاص (أي: المفهوم) فيخصص عموم ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ .. إلخ». وأخذ أبو حنيفة بعموم آية المائدة ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾؛ لأن المفهوم ليس بحجة عنده، لذا قال يقتل الحر بالعبد، ولحديث: «المسلمون تتكافأ دماؤهم» أخرجه أبوداود (٢٧٥١)، وابن ماجة (٢٦٨٣)، وصححه الألباني في الإرواء (٧/ ٢٦٥). (٤) أي: مشروعية العفو عن القصاص على أن يأخذ الدية، ووجه المشروعية، أنّ المولى رتب عليها أحكامًا، الإتباع، والأداء، والسياق سياق مدح وثناء وحث، لذا قال سبحانه: ﴿مِنْ أَخِيهِ﴾. (٥) المأخذ: الإتيان بالمصدر أحد صيغ الايجاب، أي فالواجب من الولي اتباع بمعروف، أي: لا يشق عليه، ولا يضجره؛ لأنّه عفا عن القصاص. (٦) المأخذ السابق من الإتيان بالمصدر (أداء)، ومن أعظم الإحسان هنا عدم المطل، لأنّ المطل ظلم، ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾. (٧) ف ﴿شَيْءٌ﴾ نكرة في سياق شرط، فيعمّ العفو عن الشيء القليل والكثير، كما أن القصاص لا يتجزأ، وذكر بعض ما لا يتجزأ كذكر كله، وإسقاط بعضه إسقاط لكله، كالطلاق.

стр. 66

• قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ﴾ الآية. فيه أن العافي إذا قتل بعد العفو يقتص منه، وأخذ جماعة من الآية تحتم قتله وأنه لا يصح العفو عنه (١). • قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ [١٨٠] هذا منسوخ (٢) كما تبين في كتاب الناسخ والمنسوخ، وقيل محكم خاص (٣) بمن لا يرث من الوالدين كالكفار والأقربين المحجوبين، واختلف أصحاب هذا القول هل الوصية لهم واجبة لقوله: ﴿كُتِبَ﴾ و ﴿حَقًّا﴾، أو مندوبة لقوله: ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٤). (١) لأنّ الله توعده بعذاب أليم، على القول بأن العذاب الأليم هو القتل، وورد في الحديث المرسل عن قتادة «لا أعافي أحدًا قتل بعد أخذ الدية»، وهو يعتبر جانيًا عمدًا أو أشبه الجاني ابتداءًا. (٢) واختلفوا في الناسخ، فقيل: آية المواريث ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ قاله ابن عباس وغيره، وقيل حديث «لا وصية لوارث» ورجحه الجصاص. (٣) رجح الطوفي التخصيص؛ لأنّ التخصيص أيسر من النسخ، فكان التزامه أولى، وفيه جمع بين الأقوال، ويشترط في النسخ عدم إمكانية الجمع، وهنا ممكن. (٤) قال ابن الفرس في أحكام القرآن (١/ ١٧٨): لأنّ الواجب لا يقال فيه أنه معروف قلت: لعله نظر إلى أن المعروف يقع في الغالب على الزائد المتفضل من الأعمال، كقولهم: (اصنع معروفًا، واحمل عني) ومما يؤيد كون الوصية في الآية على الندب. كون الشارع قيدها بالمتقين ﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ والواجبات لجميع الناس، ولا يختص المتقون فيها عن غيرهم. وأجيب: بأنّه للتأكيد كما سيأتي. ومما يؤيد كونها للندب في حق غير الورثة، أن الواجب إذا نسخ بقي الاستحباب، ذكره الموزعي في تيسير البيان (١/ ٢١٩). وأما تأكيد الاستحباب من خارج الآية؛ فلأن أكثر الصحابة لم ينقل عنهم وصية، أي تركت من غير نكير، كما أنها عطية، لا تجب في الحياة، فلا تجب بعد الموت، كعطية الأحياء. لكن العلماء لم يسلموا دلالة المعروف هنا على الندب؛ لأن المعروف معناه هنا العدل الذي لا شطط فيه، لقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ولا خلاف في وجوب الرزق والكسوة. ذكر المعروف هنا ليؤكد وجوب الوصية، إذا كان جميع أوامر الله معروفًا غير منكر، فضد المعروف المنكر، وما ليس بمعروف منكر.

стр. 67

واستدل محمد بن الحسن بالآية على أن مطلق الأقربين لا يتناول الوالدين لعطفه عليه (١). قوله: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ﴾ الآية [١٨١]. قال إلكيا: يدل على أن الفرض يسقط عن الموصي بنفس الوصية، فإن إثم التبديل لا يلحقه (٢) وعلى أن من كان عليه دين فأوصى بقضائه يسلم من تبعته في الآخرة، وإن ترك الوصِي والوارث قضاءه (٣). قال ابن الفرس: ومن أحكام الآية أن الموصى إليه بشيء خاص لا يكون وصياً في غيره خلافاً لأبي حنيفة، والحجة عليه: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ﴾ وهذا من أعظم التبديل (٤). قوله تعالى: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا﴾ الآية [١٨٢]. قال إلكيا وغيره: أفادت الآية أن على الوصي والحاكم والوارث وكل من وقف على جور في الوصية من جهة العمد أو الخطأ ردها إلى العدل، وأن قوله: (١) لأن العطف يقتضي المغايرة، ويرى محمد بن الحسن أن الأقربين هم الذين يدلون للموصي بواسطة لا بأنفسهم بخلاف الوالدين، وكذا أولاد الصلب، فولد الولد عنده من الأقارب. (٢) منطوق الآية ﴿فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾ ومفهومه: عدم الإثم على من لم يبدله. (٣) إن كان يعلم أنهم غير أمناء، فعليه توثيق وصيته، وإلّا فهو آثم؛ لأنّ ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. (٤) قال ابن الفرس في أحكام القرآن (١/ ١٨١): «فإنه يكون عنده كالوكيل المفوَّض إليه، ينظر في ذلك وغيره».

стр. 68

﴿بَعْدَ مَا سَمِعَهُ﴾ خاص بالوصية العادلة دون الجائرة (١). وفيها الدلالة على جواز الاجتهاد والعمل بغالب الظن؛ لأن الخوف من الميل يكون في غالب ظن الخائف. وفيها رخصة في الدخول بينهم على وجه الإصلاح، مع ما فيه من زيادة أو نقصان عن الحق بعدما يكون ذلك بتراضيهم (٢). قال ابن الفرس: ويؤخذ من الآية أيضاً أنه إذا أوصى بأكثر من الثلث لا تبطل الوصية كلها، خلافاً لزاعمه، وإنما يبطل منها ما زاد عليه؛ لأنه تعالى لم يبطل الوصية جملة بالجور فيها بل جعل فيها الوجه الأصلح. • قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [١٨٣] فيه فرض الصوم (٣). • قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [١٨٤] استدل به من أباح الفطر بمجرد المرض وإن كان يسيراً، أو بمجرد السفر وإن (١) دليل التخصيص آية النساء ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ وسياق الآية ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ أي: لا يلحقه إثم التبديل المذكور. وقال ابن عباس ﵄: «وإن كان أوصى في ضرار لم تجز وصيته، كما قال: ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ﴾». (٢) وهذا فيه تبديل لكنه مرخص فيه، وقال مقاتل بن سليمان في تفسيره (١/ ١٦٠): «إن جار الميت في وصيته عمدًا، أو أخطأ، فلم يعدل، فخاف الوصي أو الولي من جور وصيته ﴿فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ﴾ بين الورثة بالحق والعدل، ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ حين خالف جور الميت ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ للمصلح، ﴿رَحِيمٌ﴾ به؛ إذ رخص في مخالفته». (٣) مأخذه الإخبار بالحكم ﴿كُتِبَ﴾ الدال على الوجوب والفرضية.

стр. 69

كان قصيراً (١)، أو غير طاعة أو غير مباح (٢). واستدل به أبو داود (٣) على أنه لا يصح صوم المريض والمسافر؛ لأنه تعالى جعل الواجب عليه أياماً أخر فكان صائماً قبل الوقت. واستدل به الكرخي على أن الواجب أيام أخر ورمضان عليهما غير واجب فإن قُدِّم صح وكان معجلاً كتعجيل الزكاة. واستدل بقوله: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ على جواز القضاء متتابعاً ومتفرقاً (٤). وروى ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: إن شاء تابع وإن شاء فرق؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾. (١) لورود ﴿مَرِيضًا﴾ و ﴿سَفَرٍ﴾ نكرتان في سياق الشرط، فيعمّ المرض اليسير، والسفر القصير. ومن المآخذ كذلك العمل بأقل ما ينطلق عليه الاسم، فالعبرة بأوائل الأسماء. وقيّده الجمهور بالمرض الذي يعسر الصوم معه، تحصيلًا لمصلحة العبادة، وقيدوا السفر بما تقصر به الصلاة. (٢) مأخذه: ما سبق من عموم السفر؛ لكونه نكرة في سياق الشرط،، فيعم سفر الطاعة وسفر المعصية أو غير المباح. والمقصود بالسفر المعصية: ما كان السفر ذاته معصية، كسفر الآبق، والناشز، ومن سافر للحرام، وفيه وقع الخلاف بين العلماء، هل يترخص برخص السفر، وهل تناط الرخص به، بخلاف السفر المباح الذي وقعت فيه المعصية، فالمعصية بالسفر، لا السفر ذاته، فإنّ الرخص تناط به. (٣) أي استدل أبو داود بقوله تعالى ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾، أي فعليه عدة، ولا حذف في الكلام ولا إضمار، وعضَّده بمثل قول النبي ﷺ (ليس من البر الصيام في السفر) كما عند البخاري (١٨٤٤)، ومسلم (١١١٥). وأما الجمهور فقد قدروا في الكلام محذوفاً، أي من كان منكم مريضاً أو مسافراً فأفطر فعليه عدَّة من أيام أخر، وأيدوا ذلك بمثل قول أنس ﵁: (كنا نسافر مع النبي ﷺ في رمضان، فلم يعب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم) أخرجه البخاري (١٩٤٧)، ومسلم (١١١٨) واللفظ له. (٤) مأخذه: تنكير ﴿أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ فهو مطلق يصدق على المتابعة والمتفرقة، وكذا قول ابن عباس الذي ذكره المصنف.

стр. 70

واستدل به على أنه ليس على الفور، خلافاً لدواد (١)، وعلى أن من أفطر رمضان كله قضى أياماً بعدده، فلو كان تاماً لم يجزه شهر ناقص، أو ناقصاً لم يلزمه شهر كامل، خلافاً لمن خالف في الصورتين (٢). قال ابن القصار: ويحتج به لمذهب مالك والشافعي في أن المسافر إذا أقام، أو شفي المريض أثناء النهار، لا يلزمهم الإمساك بقيته؛ لأنه تعالى إنما أوجب عدة من أيام أخر، وهؤلاء قد أفطروا، فحكم الإفطار لهم باقٍ، ومن حكمه أن لا يجب عليه أكثر من يوم، ولو أمرناه بالإمساك ثم القضاء لأوجبنا بدل اليوم أكثر منه. ويستدل بالآية على أنه يجزيء صوم يوم قصير مكان يوم طويل (٣)، ولا أعلم فيه خلافاً، وعلى أنه لا فدية مع القضاء (٤). • قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾. هذا منسوخ (٥) وقيل لا، والمراد لمن لا يطيق الصوم لهرم أو مرض أو نحوه، (١) الخلاف في الأمر في قوله: ﴿فَعِدَّةٌ﴾ أي: فعليه عدة، هل يقتضي الفور أو التراخي؟، ومن قال: بالفور صرفه بفعل عائشة ﵂، وتأخيرها القضاء، وإقرار النبي ﷺ لها، وفيه قولها كما عند مسلم «كان يكون علي الصوم من رمضان فما أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان» أخرجه البخاري (١٩٥٠)، ومسلم (١١٤٦). (٢) قال ابن الفرس (١/ ١٩٠ - ١٩١) «لأنّ ظاهر الآية أن المفطر أيامًا، صام بعدد الأيام التي أفطرها، ومن لم يفرق بين أن تكون تلك الأيام شهرًا أولا تكون، فقال سبحانه: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ ولم يقل فشهر من أيام أخر». (٣) مأخذه: تنكير ﴿أَيَّامٍ﴾ فهو مطلق، فيدخل فيه اليوم الطويل والقصير، فيجرى على إطلاقه دون مراعاة زمنه. (٤) لأن المقام مقام تشريع وبيان مع سكوت الشّرع، وما سكت عنه فهو عفو، ولا واجب إلّا ما أوجبه الله. (٥) وناسخه: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾.

стр. 71

إما بتقدير لا النافية، أو أن يطيقونه بمعنى يتكلفونه كما قرئ يطوقونه، قال: يكلفونه، أي فلا يطيقونه. وأخرج البخاري وغيره عن ابن عباس لأنه قرأ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ قال: يكلفونه، وهو الشيخ الكبير والعجوز الكبيرة، يطعمون كل يوم مسكيناً ولا يقضون، وله طرق كثيرة عنه. وأخرج الدارقطني عنه أنه قال لأم ولد له حبلى أو مرضع: أنتِ من الذين لا يطيقون الصيام، عليك الجزاء، وليس عليك القضاء. قال الشافعي: ظاهر الآية أن الذين يطيقون الصوم إذ لم يصوموا أطعموا، ونسخ في غير حق الحامل والمرضع، وبقي في حقهما. فالحاصل أنَّا إن جعلناها منسوخة فهي في الحامل والمرضع محكمة، وإن جعلناها محكمة ففيها دليل على إباحة الإفطار لمن لا يطيق لعذر لا يرجى برؤه، وأن عليه فدية بدل الصوم، وأنها عن كل يوم قدر طعام مسكين، وهو مُدُّ من حبّ، وأن من زاد على ذلك فهو أفضل (١)، وأن مصرفها طائفة المساكين بخلاف غيرهم من أهل الزكاة. وقد يستدل بالآية على أن الصوم لا يقبل النيابة وإلا لذكرها (٢). واستدل بها ابن عباس على أن الحامل والمرضع يفديان ولا قضاء عليهما (٣). (١) لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾ أي: أخير. (٢) أي: لذكر الإنابة بدل الإطعام؛ لأنّ المقام مقام تشريع لأصحاب الأعذار، فأوجب على المكلف أن يصوم بنفسه في قوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾، أو يقضيه بنفسه بقوله: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا﴾ الآية، فانتفى أن يصوم غيره عنه. (٣) سبق تفسيره لقوله (يطوقونه) باعتبار أنهما لا يطيقانه، وكما سيأتي من كلام المصنف ونقله.

стр. 72

قال أبو عبيد: اختلف الناس في الحامل والمرضع فقيل عليهما الفدية دون القضاء، وقيل: القضاء دون الفدية، وقيل الأمران وكل تأول الآية، من قال بالفدية فقط: رأى أنهما ممن لا يطيق وليستا من أهل السفر والمرض، وأهل هذا الوصف هم أهل الفدية، ومن رأى القضاء فقط: رأى الحمل والرضاع علتين من العلل كالمرض، ومن أوجبهما قال: إن الله حكم في تارك الصوم بعذر بحكمين القضاء في آية، والفدية في أخرى، فلما لم يجد لهما ذكراً في واحد منهما جمعهما عليهما، أخذاً بالأحوط (١). واستدل بالآية على أن المسافر والمريض يفديان ولا يقضيان، أخذاً من عموم اللفظ (٢). ورد لأن قوله تعالى أولاً في حقهما: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ يمنع دلالة: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ عليهما؛ لأن ما عطف على الشيء غيره لا محالة. وفي الآية رد على من قال بإسقاط الصوم عن الشيخ ونحوه بلا فدية (٣)، وعلى من جوز الفدية فيه بالعتق (٤). (١) يجاب عنه أنَّ الفدية ما قام مقام الشيء وأجزأ عنه، فغير جائز على هذا الوضع اجتماع القضاء والفدية؛ لأنّ القضاء إذا وجب فقد قام مقام المتروك، فلا يكون الإطعام فدية، وإن كانت فدية صحيحة فلا قضاء؛ لأنّ الفدية قد أجزأت عنه، وقامت مقامه. الجصاص (١/ ٢٢١). (٢) اسم موصول في قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾، قال الجصاص في أحكام القرآن (١/ ٢١٦): «فغير جائز أن يكون هؤلاء ﴿الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ هم المرضى والمسافرين؛ إذ تقدم ذكر حكمهما، وبيان فرضهما بالاسم الخاص لهما، فغير جائز أن يعطف عليهما بكناية عنهما مع تقديمه ذكرهما منصوصًا معينًا». (٣) لقوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ﴾ و (على) من الصيغ الدالة على الوجوب، باعتبار أن الآية للجميع، فيدخل الشيخ ونحوه. (٤) أي: رد عليه، وذلك لقوله (اطعام).

стр. 73

• قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾ قال ابن الفرس: يحتج بها على جواز التطوع بصوم يوم الشك؛ لعموم قوله ﴿خَيْرًا﴾ (١). • قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ قال ابن الفرس: يحتج بها على أن الصوم لمن أبيح له الفطر أفضل ما لم يجهده. • قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ [١٨٥] استدل به من كره أن يقال رمضان، وإنَّما يقال شهر رمضان (٢). • قوله تعالى: ﴿الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ يستدل به مع قوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ على أن ليلة القدر في رمضان ليست في غيره، خلافاً لمن زعم أنها ليلة النصف من شعبان. • قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ استدل به من قال من الأصوليين بوجوب الصوم على المسافر والمريض والحائض؛ لأنهم شهدوا الشهر (٣). واستدل به من قال لا قضاء على من مر عليه رمضان وهو مجنون؛ بناء على (١) وجه العموم أن ﴿خَيْرًا﴾ نكرة في سياق الشرط، فتعمّ كل خير، والصوم خير فيدخل في العموم. (٢) أي: كما في الآية، والكراهة حكم شرعي يحتاج إلى دليل، كيف وقد ورد عن النبي ﷺ قوله: «إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة»، أخرجه مسلم (١٠٧٩)، وحديث «من صام رمضان إيمانا واحتسابًا» أخرجه البخاري (٢٠١٤)، ومسلم (٧٦٠)، كل ذلك يدل على عدم الكراهية. (٣) فالشهود علة الوجوب؛ لاقتران الحكم بالوصف ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ وهؤلاء قد شهدوه.

стр. 74

أن ﴿شَهِدَ﴾ بمعنى: علم. واستدل به من قال يقضي، وفسر: ﴿شَهِدَ﴾ بمعنى: أدرك. واستدل به أبو حنيفة على أن من شهد بعض الشهر لزمه صوم الشهر كله، وإن سافر لم يبح له الفطر، ووجهه أنه لا يمكن أن يراد به شهود جميع الشهر؛ لأنه لا يكون شاهداً لجمعيه إلا بعد مضيه كله، ويستحيل أن يكون مضيه كله شرطاً للزوم صومه كله؛ لأن الماضي من الوقت يستحيل إيقاع الصوم فيه، فعلم أنه لم يرد شهود جمعيه، فالتقدير: من شهد منكم بعض الشهر فليصم ما لم يشهد منه. وقد أخرج سعيد بن منصور عن ابن عمر في قول: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ قال من أدركه رمضان في أهله ثمَّ أراد السفر فليصمه. وأخرج ابن أبي حاتم عن علي قال: من أدركه رمضان وهو مقيم ثم سافر بعد لزمه الصوم؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ قال: هو إهلاله بالدار. واستدل بالآية على إجزاء صوم الأسير إذا صام بالاجتهاد ووافق رمضان، خلافا للحسن بن صالح، وعدمه إذا صادف ما قبله (١)، وعلى أن من رأى الهلال (١) الأسير إن اجتهد وصام، إمّا يوافق اجتهاده الواقع، وإمّا أن يصادف ما قبله، أو يصادف ما بعده، فالاحتمالات ثلاث، وعلى القول بأن (شهد) بمعنى: أدرك، فإن صام بعده فإنّه يجزئه قولًا واحدًا، أداءً أو قضاءً، وإن صام قبله فإنّه لم يشهده -لم يدركه- فلا يجزئه كما قال المصنف؛ ويكون نافلة، ويلزمه الأداء أو القضاء بعد شهوده. وأمّا إن صادف فإنّه يجزئه كما قال المصنف؛ لدخوله في عموم الآية؛ لأنّه مدرك له سواء بالحجة القاطعة، أو الاجتهاد.

стр. 75

وحده لزمه الصوم بنفسه (١)، خلافاً لمن قال لا يلزمه إلا بحكم الإمام (٢). • قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾. هذا أصل لقاعدة عظيمة ينبني عليها فروع كثيرة، وهي أن المشقة تجلب التيسير، وهي إحدى القواعد الخمس التي ينبنى عليها الفقه، وتحتها من القواعد قاعدة الضرورات تبيح المحظورات، وقاعدة إذا ضاق الأمر اتسع، ومن الفروع ما لايحصى كثرة، والآية أصل في جميع ذلك. وقد يستدل بالآية على أحد الأقوال في مسألة تعارض المذاهب والروايات والاحتمالات، هل يؤخذ بالأخف أو بالأقوى أو بأيهما شاء؟. • قوله تعالى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾ فيه دليل على اعتبار العدد إذا لم ير الهلال، ولا يرجع فيه لقول الحساب والمنجمين (٣). واستدل به أبو حنيفة على أن من صام تسعة وعشرين باعتبار رؤية بلده وقد صام أهل بلدة أخرى ثلاثين أنه يلزم أولئك قضاء يوم؛ لأنه ثبت برؤية تلك البلدة أن العدة ثلاثون، فوجب على هؤلاء إكمالها (٤). (١) لعموم (من) في الآية ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ﴾. (٢) لأن (الصوم حين يصوم الناس) كما في الحديث، وصوم الناس يكون بإخبار الإمام؛ لحديث ابن عمر ﵁ «تراءى الناس الهلال فأخبرت النّبي ﷺ أني رأيته، فصامه وأمر الناس بصيامه» أخرجه أبو داود (٢٣٤٢)، وقال الألباني في صحيح أبي داود (٢٠٢٨): " إسناده صحيح ". (٣) لأنّ اللام في قوله: ﴿وَلِتُكْمِلُوا﴾ فتحتمل أنّها لام الأمر، أي: لتكملوا عدد أيام الشهر، بقضاء ما أفطرتم في مرضكم وسفركم ويؤيد ذلك قراءة التشديد (ولتكّملوا). (٤) على القول بعدم اعتبار أثر اختلاف المطالع، وعند اتحادها فيجب عليهم الإكمال؛ لتحقق المشاهدة حكما لا حقيقة. أمّا من يرى أن للاختلاف أثرًا، فإنّه يعتبر رؤية كل قوم في بلدهم، ويستدلون بعموم قوله ﵇ «صوموا لرؤيته» وهؤلاء لم يروه، والحديث أخرجه البخاري (١٩٠٩)، ومسلم (١٠٨١).
следующие страницы →