Полный текст (691 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
ترجمة المصنف
بسم الله الرّحمن الرّحيم هو سليمان بن عبد القوي بن عبد الكريم بن سعيد بن الصيفي المعروف بابن أبي العباس الطوفي الصرصري البغدادي.
ولد سنة بضع وسبعين وسبعمائة على ما قاله ابن العماد، وابن رجب، وذكر ابن حجر أنه ولد سنة [٦٥٧ هـ/الدرر الكامنة ٢/ ٢٤٩].
والطوفي: نسبة إلى طوف بضم الطاء المهملة، وسكون الواو، مشايخه كثيرون أهمهم:
شيخ الإسلام ابن تيمية الحراني [٦٦١ هـ-٧٢٨ هـ]، القلانسي [٦٤٠ هـ- ٧٠٤ هـ]، ابن الطبال [٦٢١ هـ-٧٠٨ هـ]، ابن قدامة المقدسي، مسند الشام [٦٢٨ - ٧١٥ هـ] الحافظ الدمياطي [٧٠٥ هـ]، الصرصري الحنبلي النحوي، البرزالي الشافعي [٦٦٥ - ٧٣٩ هـ]، وغيرهم.
له مؤلفات كثيرة منها: إزالة الإنكار في مسألة كاد، الآداب الشرعية، الإكسير في قواعد التفسير، إيضاح البيان عن معنى القرآن، الإشارات الإلهية إلى المباحث الأصولية [وهو كتابنا] بيان ما وقع من الأعداد، وغيرها.
توفي على ما ذهب إليه الأكثر سنة ٧١٦ هـ، وذهب حاجي خليفة إلى أنه توفي سنة [٧١٠ هـ]، وذهب ابن أم مكتوم في تاريخ النحاة إلى أنه توفي سنة [٧١١ هـ]، وذهب العليمي صاحب الدر المنضد أنه توفي سنة [٧١٧ هـ].
وعلى أنه انتهى من تأليف كتاب الإشارة سنة [٧١٦ هـ]، فيسقط قول من قال إنه توفي سنة ٧١٠ هـ أو ٧١١ هـ.
وبترجيح كلام الأكثر يضعف قول العليمي في الدر المنضد، والله أعلم (١).
стр. 2
وصف المخطوط
لقد اعتمدنا بفضل الواحد الأحد الفرد الصمد في تحقيق هذا الكتاب على النسخ الخطية الآتية:
١ - نسخة دار الكتب المصرية-تحت رقم [٦٨٧/تفسير] وتقع في [٢١٩/ق].
٢ - نسخة دار الكتب المصرية تحت رقم [٢١٤٤/ ٢٠٥٦١ ميكروفيلم] وتقع في [٤٥٠/ل]، وناسخها هو محمد بن محمد بن سبط العسقلاني.
والله أسأل العفو والمغفرة، ولطلبة العلم الصفح والعفو على هذا الجهد القليل الضعيف المتواضع.
طالب العلم، أبو عبد الله محمد حسن محمد حسن إسماعيل الشافعي الشهير ب «محمد فارس»
стр. 3
صورة عنوان النسخة الأولى من المخطوط
стр. 4
صورة صفحة من النسخة الأولى من المخطوط
стр. 5
صورة الصفحة الأخيرة من النسخة الأولى من المخطوط
стр. 6
صورة عنوان النسخة الثانية من المخطوط
стр. 7
صورة الصفحة الأولى من النسخة الثانية من المخطوط
стр. 8
صورة الصفحة الأخيرة من النسخة الثانية من المخطوط
стр. 9
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وصلّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم، الحمد لله الذي أنزل القرآن كتابا جامعا، وبرهانا قاطعا، ودليلا متينا، ونورا مبينا، لا يأتي على فضله العد، ولا يخلق على كثرة الرد، من تمسك به نجا، ومن أعرض عنه أصبح صدره ضيقا حرجا، فيه لكل شيء تبيان، وبين كل حق وباطل فصل وقرآن، عرف ذلك من استوى على متن تياره في فلك النظر، وغاص في لجج بحاره فاستخرج يتائم الدرر، فهو مادة لعلوم المعقول والمنقول، وينبوع لفنون الفروع والأصول. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة تكشف عن قائلها شبه المطالب، وتوضح له بعين اليقين كل ما هو له طالب، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله المبعوث إلى الأعاجم والأعارب، المنعوت في كتب الأولين بأنه الخاتم العاقب، صلّى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى ذوي الأحساب والمناقب ما ظهر فلك في المشارق والمغارب.
أما بعد. .
فهذا إن شاء الله إملاء، سميناه ب «الإشارات الإلهية إلى المباحث الأصولية»، ولا بد قبل الخوض في مقاصده من تقرير مقدمة، هي له كالأصول، تشتمل على فصول:
الفصل الأول: في شرح اسم هذا الكتاب، ويتم ذلك ببيان معنى الإشارات الإلهية، والمباحث الأصولية.
أما الإشارات فهي جمع إشارة، هي الإيماء بفعل أو قول إلى أمر.
فالإيماء بالفعل كالرمز والغمز بعين أو حاجب، ومن ذلك خائنة الأعين (١) والإشارة باليد ونحوه، قال سحيم:
أشارت بمدراها وقالت لتربها ... أعبد بني الحسحاس يزجي القوافيا
والإيماء بالقول هو التنبيه بالقول الوجيز على المعنى البسيط، كقوله :
﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ ما غَشِيَهُمْ﴾ (٧٨) [طه: ٧٨].
﴿فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى﴾ (١٠) [النجم: ١٠].
стр. 10
وقول امرئ القيس:
على هيطل يعطيك قبل سؤاله ... أفانين جري غير كر ولا وان
فقوله: (أفانين جري) إشارة وجيزة إلى معان كثيرة، وهو أنواع جري الفرس، ولا شك أن في القرآن العظيم إشارات في هذا الباب، هي معجزات، كقوله :
﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَاُدْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ (٢٩) [الأعراف: ٢٩].
﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنا إِنّا كُنّا فاعِلِينَ﴾ (١٠٤) [الأنبياء: ١٠٤].
﴿أَفَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ (١٥) [ق: ١٥] فإن هذه إشارات تضمنت ما أطنب فيه المتكلمون من تقرير دليل البعث والإعادة قياسا على البدء، ونحوه كثير مما ستراه إن شاء الله .
وأما الإلهية: فنسبة إلى الإله، وهو المعبود [الواجب] الوجود، ونسبت/ [٢ ب/م] إليه لأنها منه صدرت وعنه وردت، إذ القرآن كلام الله .
وأما المباحث: / [٢/ل] فجمع مبحث، وهو موضع البحث ومحله، نحو: مطلع الفجر والشمس، لموضع طلوعهما، وقياسه كسر الحاء فلعله فتح لأجل حرف الحلق، حملا على مضارعه وهو يبحث.
والبحث في الأصل: هو كشف التراب ونحوه عما تحته من دفين وغيره، ثم نقل إلى الكشف عن حقائق المعاني بالنظر؛ لأن الناظر يكشف عنها الشبه (١)، كما يكشف الباحث التراب فهو في البحث الاصطلاحي حقيقة عرفية، مجاز لغوي.
وأما الأصولية: فنسبة إلى الأصول؛ لأن الكتاب موضوع لاستخراج مسائل الأصول من إشارات التنزيل، وإنما نسب إلى لفظ الجمع، وإن كان القياس في هذا الباب رد الجمع إلى الواحد، ثم ينسب إليه نحو: «رجلي» في النسبة إلى رجال، و «عبدي» إلى عباد؛ لأن الأصول صار علما، أو كالعلم على هذا الفن من العلم؛ فجرى لذلك مجرى النسبة إلى الأنصار والمدائن والفرائض، يقال: أنصاري ومدائني وفرائضي ونحوه.
стр. 11
الفصل الثاني: في ذكر السبب الباعث على وضع هذا الكتاب، وهو ضربان: كلي، وجزئي.
أما الكلي: فهو أن المسلمين منذ ظهر الإسلام يستفيدون أصول دينهم وفروعه من كتاب ربهم، وسنة نبيهم، واستنباطات علمائهم، حتى نشأ في آخرهم قوم عدلوا في ذلك عن الكتاب والسّنّة إلى محض القضايا العقلية، ومازجين لها بالشبه الفلسفية، والمغالطات السوفسطائية، واستمر ذلك حتى صار في أصول الدين كالحقيقة العرفية، ولا يعرف عند الإطلاق غيره، ولا يعد كلاما في أصول الدين سواه، فجاء ضعفاء العلم بعدهم، فوجدوا كلاما فلسفيا، ليس من الدين في شيء، مع أن أئمة الدين ومشايخهم نهوا عنه مثله، وشددوا النكير على من تعاطاه، فضاعت أصول الدين عليهم؛ وضلت عنهم، إذ لم يعلموا لهم أصول دين [غيره لغلبته] عرفا.
وإنما عدل المتأخرون في أصول الدين عن اعتبار الكتاب والسّنّة، إما لجهلهم باستنباطها منها، أو ظنا أن أدلة السمع فرع على العقل، فلا يستدل بالفرع مع وجود الأصل كشاهد الفرع مع شاهد الأصل، أو زعما منهم أن الكتاب غالبه الظواهر، والسّنّة غالبها الآحاد.
ومثل ذلك لا يصلح مستندا في المطالب القطعية الدينية أو لأن خصومهم من الفلاسفة والزنادقة ونحوهم لا يقولون بالشرائع، ولا يرون السمعيات حجة، فلا يجدي الاحتجاج عليهم بها، أو لغير ذلك من الخواطر والأوهام/ [٣ أ/م].
وأما السبب الجزئي: فإني رأيت بعض الناس قد كتب مسائل يسأل عنها بعض أهل العلم، منها هذا السؤال وهو: أن الناس هل لهم أصول دين أم لا؟ فإن لم يكن لهم أصول دين فكيف يكون دين لا أصل له؟ وإن كان لهم أصول/ [٣/ل] دين، فهل هي هذه الموجودة بين الناس ككتب الإمام فخر الدين بن الخطيب (١) وأتباعه ونحوها؟ أم غيرها؟ وكيف ذم أئمة الشرع الاشتغال بأصول الدين مع أنه لا بد للدين من أصول يعتمد عليها؟
ولو علم هؤلاء الملبوس عليهم أن أصول الدين الحقيقية التي هي أحد فروض الكفايات في طي الكتاب على أبلغ تقرير وأحسن تحرير، بحيث لا يستطيع الزيادة عليها متكلم ولا فيلسوف، وحتى إن المسلمين إنما استفادوا طرقهم الكلامية أو أكثرها منهما، لما قالوا ذلك.
ونحن نجيب عن هذا السؤال المذكور على جهة الفتيا والاختصار؛ لئلا تبقى شبهة في
стр. 12
قلب الناظر، فنقول-الجواب-ومن الله- -استمداد الحق والصواب: للناس أصول دين إذ دين لا أصل له فرع مجرد لا وثوق به، وأصول الدين هو العلم الباحث عن أحكام العقائد الإسلامية وجملتها لا تخرج عن الكلام في الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر، كما صرح به الكتاب والسّنّة، وهو موجود في كتب السلف مجردا، وفي كتب الخلف كالكتب المشار إليها في السؤال، ممزوجا بما ليس من أصول الدين، إما مزجا اضطراريا كجواب عن شبهة فلسفية، أو مزجا اختياريا كما ضمنه الإمام فخر الدين وغيره كتبهم من المباحث الفلسفية المستقلة، كالكلام في الفلكيات والعناصر والنفوس وغيرها، تكثيرا لسواد كتبهم، وتنبيها على فضائلهم، أو غير ذلك مما نووه، والأعمال بالنيات، ولكلّ امرئ ما نوى.
وأما ذم أئمة الشرع الاشتغال بأصول الدين، فتشكيك مجمل غير محرر، إذ كيف يذمون الاشتغال بعلم قد صنفوا وتكلموا فيه! ! وهو مستند دينهم! ! وقد أفتوا بأنه فرض كفاية في مذاهبهم، هذا مما لا يقبل عليهم، ولا يجوز صدوره منهم.
وطريق كشف هذه الشبهة أن أصول الدين لفظ مشترك أو كالمشترك، فتارة يراد به العلم الباحث عن تقرير أحكام العقائد الإسلامية بالحجج الشرعية المؤيدة بالبراهين العقلية، وهذا لم ينه عنه أحد، بل هو فرض كفاية على الموحدين.
وتارة يراد به العلم الباحث عن الأحكام العقلية المحضة الفلسفية والكلامية التي هي فضول في الشرع لا من ضروراته، ولا مكملاته فذلك الذي ذمه الأئمة؛ على أنهم إنما عبروا عنه بالكلام، ولم يذم أحد منهم أصول/ [٣ ب/م] الدين قط، وإنما ذموا الكلام المذكور لوجوه:
أحدها: أنه كما ذكرنا فضول في الدين.
الثاني: أن العقل بمجرده لا يستقل يدرك الحقائق، لأنه إنما جعل لإقامة رسم العبودية، لا لإدراك حقيقة الربوبية، فربما زلّ فضل كما جرى [لأكثر] / [٤ ب/ل] الفلاسفة والمتكلمين في غالب أحكامهم.
الثالث: أن صاحبه كالمزاحم لله- -في الاطلاع على حقائق الموجودات، ودقائق المصنوعات فذموه لذلك، كما ذموا النظر في أحكام النجوم وعلى هذا فعلم الكلام صار محمودا باعتبار، مذموما باعتبار، كالجدل ورد الشرع بمدحه وذمه باعتبارين:
فمن حيث يستعمل لتحقيق الحق وإبطال الباطل هو محمود، ومن حيث يستعمل لعكس
стр. 13
ذلك هو مذموم.
الفصل الثالث: فيما نعتمده في هذا التعليق، وهو أنا إن شاء الله- نستقرئ القرآن من أوله إلى آخره، ونقرر منه المطالب الأصولية، وهي ضربان:
أصول دين، وأصول فقه:
فأصول الدين: علم يبحث فيه عن أحكام العقائد صحة وفسادا، ومتعلقاته الكلية هي كما سبق: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر.
وأصول الفقه: علم يبحث فيه عن الأدلة السمعية والنظرية من جهة اتصالها إلى الأحكام الشرعية الفرعية ومتعلقاته بالاستقراء تسعة عشر، عليها مدار الفروع، وفيها بحث علماء الأمة اتفاقا منهم على بعضها، واختلافا في بعضها، وهي على ما سرده الفضلاء في كتبهم: الكتاب، والسّنّة، وإجماع الأمة، وإجماع أهل المدينة، وإجماع أهل الكوفة، وإجماع الخلفاء الأربعة، وإجماع العترة، والقياس، وقول الصحابي، والمصلحة المرسلة، والاستصحاب، والبراءة الأصلية، والعوائد، والاستقراء، وسد الذرائع، والاستدلال، والاستحسان، والأخذ بالأخف والعصمة.
فالكتاب: هو الكلام المنزل للإعجاز بسورة منه.
وقيل: ما نقل بين دفتي المصحف نقلا متواترا وهو دوري، والكتاب والقرآن والفرقان واحد.
والسّنّة: ما ثبت نقله عن النبي ﷺ أو من في معناه، تواترا أو آحادا من قول، أو فعل، أو إقرار على أحدهما.
وإجماع الأمة: هو اتفاق مجتهديها في عصر ما على حكم ديني.
وإجماع أهل المدينة والكوفة: اتفاق مجتهديهما كذلك، وكذا إجماع الخلفاء، والعترة اتفاقهم على حكم.
والقياس: تعدية حكم المنصوص، أو المتفق عليه إلى غيره بجامع مشترك.
وقول الصحابي: فتياه عن اجتهاد إذا لم يخالف فيها.
والمصلحة المرسلة: اعتبار أمر مناسب لم يرد الشرع فيه باعتبار ولا إلغاء/ [٤ أ/م].
والاستصحاب: هو الاستمرار على ما عهد من نفي أو إثبات أصلي أو حكم شرعي، وهو المعبر عنه في ألسنة الفقهاء بقولهم: الأصل بقاء ما كان [على ما كان]، والأصل عدم كذا أو بقاؤه.
стр. 14
والبراءة الأصلية: استصحاب خاص، وهو الاستمرار على الحكم بفراغ الذمة الثابت / [٥/ل] قبل وجودها، أو قبل الدعوى باشتغالها.
والعوائد: جمع عادة وهي الأمر المتكرر المعاود، أو هي معاودة الأمر وتكرره، وفي تخصيص العموم بها خلاف وتفصيل مثل أن يرد الشرع بحكم عام للناس فيه عادة خاصة، فينزل العموم على خصوص العادة فيه.
والاستقراء: تتبع الجزئيات، والحكم على كليّها بمثل حكمها، وإن شئت فقل: هو الحكم على كلي بما حكم به في جزئياته.
وسد الذرائع: هو حسم مواد المفاسد بالمنع من يسيرها؛ لئلا يتوصل منه إلى كبيرها، كتحريم يسير الخمر الداعي إلى كثيره.
والاستدلال: هو النظر، وهو ترتيب أمرين، أو أمور معلومة، لاكتساب مجهول.
والاستحسان: هو العدول بالمسألة عن حكم نظائرها لمعنى أو لمصلحة أرجح. وقيل فيه غير ذلك. وقد أجاد الحنيفية تقريره.
والأخذ بالأخف: أي من الأحكام، وهو التزام أقلها أو أيسرها لأنه المتيقن، وما زاد منفي بالاستصحاب أو البراءة الأصلية كقول من قال: «دية الذمي ثلث دية المسلم دون نصفها وكمالها».
والعصمة: هي كون العين أو المنفعة ممنوعة من تملك الغير أو استعماله لها، لثبوت الحق فيها لمن هو له، وهي راجعة إلى ضرب من الاستصحاب لأنا نستصحب حكم الملك للمالك، فيمتنع مزاحمة غيره له.
والأصول: جمع أصل، وأصل الشيء قيل: ما منه الشيء. وقيل: مادة الشيء. وقيل:
ما بني عليه غيره. وقيل: ما استند الشيء في تحقق وجوده إليه.
وهو ضربان عقلي كالدليل للمدلول والقياس للنتيجة.
وطبيعي كالشجرة للغصن والوالد للولد.
والدين يطلق بالاشتراك على الجزاء نحو ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ (٤) وعلى العادة نحو:
كدينك من أم الحويرث قبلها.
وقوله: أهذا دينه أبدا وديني
أي كعادتك، وهذه عادته وعادتي.
وعلى الطريقة السياسية نحو: ﴿فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اِسْتَخْرَجَها مِنْ﴾
стр. 15
وِعاءِ أَخِيهِ كَذلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (٧٦) [يوسف: ٧٦] والولاية التي يدين لها الرعية نحو قول زهير:
لئن حللت بجو من بني أسد ... في دين عمر وبيننا فدك
وعلى الشريعة الإلهية نحو: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ (٨٥) [آل عمران: ٨٥].
﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَما أَكَلَ السَّبُعُ إِلاّ ما ذَكَّيْتُمْ وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ ذلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاِخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً فَمَنِ اُضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٣) [المائدة: ٣].
﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الْإِسْلامُ وَمَا اِخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلاّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآياتِ اللهِ فَإِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسابِ﴾ (١٩)
[آل عمران: ١٩] وهو المراد هاهنا، أي أصول الشريعة الإلهية.
والفقه لغة: الفهم. وقيل: العلم.
وقيل: كل نوع علمي فهو فقه لغة كالطب، والحساب، والنحو، والشعر، وغيرها، وإنما/ [٤ ب/م] اختصت بهذه الأسماء الخاصة اصطلاحا.
وأما في الاصطلاح: فالفقه علم يبحث فيه عن أحكام أفعال المكلفين وما أشبهها، خطابا أو وضعا، ويشمل ذلك الوجوب، والندب والكراهة، والحظر، والإباحة، والصحة، والفساد، ونحوها.
وإن شئت قلت: الفقه سياسة شرعية، مادتها تعظيم الشرع، وغايتها الطاعة والعدل، وثمرتها السعادة يوم الفصل.
أما أنه السياسة؛ فلأن/ [٦/ل] السياسة هي القانون الموضوع لرعاية الآداب والمصالح، وانتظام الأحوال. والفقه كذلك، لكن لما كان هذا القانون من جهة الشرع؛
стр. 16
قلنا: هو سياسة شرعية، وأما أن مادتها تعظيم الشرع؛ فلأن من لا يعظم الشرع، لا يرتبط بأحكام الفقه عبادة ولا عادة.
وأما أن غايتها الطاعة والعدل؛ فلأن خطاب الشرع الواجب تعظيمه بامتثاله الوارد بالأحكام الفقهية يتعلق بالعبادات والعادات، فامتثاله في العبادات طاعة، وفي العادات بكف أذى الناس بعضهم عن بعض والتزام الإنصاف بينهم، وهو طاعة وعدل.
وأما أن ثمرتها السعادة يوم الفصل، فلأن الفقه شرع الله وأوامره، فمن امتثلها كان مطيعا، ومن كان مطيعا كان من أهل السعادة إن شاء الله .
إذا عرفت هذا فاعلم أن في أصول الدين قاعدة عظيمة عامة، وهي قاعدة القدر، وقد كنت أفردت فيها تأليفا.
وفي أصول الفقه قاعدة كذلك، وهي قاعدة العموم والخصوص، وقد كنت عزمت أن أفردها بتأليف، لكن رأيت إدراجها في هذا الإملاء، إذ هي من جزئياته.
وهاتان القاعدتان عامتا الوقوع في الكتاب والسّنّة، فلنقرر كلياتهما هاهنا ثم نحيل عليه، أو نكتفي به عند ذكر جزئياتهما في أثناء هذا التعليق إن شاء الله .
أما القدر فالنظر في لفظه، وحده، وحكمه، واختلاف الناس فيه، وتردد الأدلة فيه، والكشف عن سره.
أما لفظه فهو مصدر قدر يقدر، بضم الدال وكسرها، قدرا، وقدرا، بسكونها وفتحها.
وفي التنزيل: ﴿إِنّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ (١) [القدر: ١].
ثم ﴿إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْناكَ إِلى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْناكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنّاكَ فُتُوناً فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يا مُوسى﴾ (٤٠) [طه: ٤٠].
وأما حده على رأي الجمهور: فهو خلق الأفعال بالقدرة القديمة وإجراؤها على محل القدرة الحادثة، وهي جوارح المكتسبين لها.
وعلى رأي المعتزلة (١): هو منع الألطاف عن العبد ليقع في معصية المعبود.
وإن شئت قلت: القدر هو تعلق الإرادة الجازمة بوقوع أمر ممكن، أو هو ترجيح أحد
стр. 17
طرفي الفعل الممكن بمرجح إلهي.
وأما حكمه: فهو تحتم وقوع مقتضاه من الرب [سبحانه]، ووجوب الرضا والتسليم له من العبد، وأما اختلاف/ [٥ أ/م] الناس فيه؛ فهم على فرق:
أحدها: من ذهب إلى أن أفعال المخلوقين مخلوقة لهم خلقا محضا، لا يشاركهم فيها أحد؛ وهم المعتزلة.
وثانيها: من ذهب إلى أنها مخلوقة لله -خلقا محضا، لا يشاركه في خلقها وإيقاعها غيره، وأن حركات العبد الظاهرة منه كحركة السعفة بالريح؛ هو مجبور عليها؛ وهم الجبرية، ويقال: المجبرة.
مطلب في الفرق بين الخلق والكسب
وثالثها: من ذهب إلى أنها خلق للرب وكسب للعبد، وفرقوا بين الخلق والكسب / [٧/ل] بأن الخلق هو الإنشاء والاختراع من العدم إلى الوجود، والكسب هو التسبب إلى ظهور ذلك الخلق على الجوارح، ورسموه بأنه ظهور أثر القدرة القديمة في محل القدرة الحادثة، وذلك كالولد هو مخلوق لله- -مكسوب للأبوين بالجماع، فالخالق موجد، والكاسب متسبب، وهؤلاء هم الكسبية وهم الجمهور والسواد الأعظم من المحدثين والفقهاء.
ورابعها: من ذهب إلى أن الفعل مخلوق للرب والعبد اشتراكا، بناء على جواز أثر من مؤثرين ومقدور بين قادرين.
وخامسها: من ذهب إلى أن الله- -يوجد قدرة للعبد، والعبد يوجد بقدرته الفعل.
وسادسها: من ذهب إلى أن الفعل له جهة عامة، وهي كونه فعلا: حركة أو سكونا، وجهة خاصة، وهي كونه طاعة كالصلاة، أو معصية كالزنا. وهو من الجهة الأولى مخلوق للرب [ ] ومن الجهة الثانية مخلوق للعبد. . ولعل فيه مذاهب أخر.
وأما تردد الأدلة فيه:
فأما سمعا: فلأنّ القرآن [العزيز]: تارة يضيف الأفعال إلى العباد؛ نحو: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّما أَمْرُهُمْ إِلَى اللهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ (١٥٩) [الأنعام: ١٥٩].
стр. 18
﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ فَيَسُبُّوا اللهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذلِكَ زَيَّنّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١٠٨) [الأنعام: ١٠٨].
﴿وَقالُوا هذِهِ أَنْعامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لا يَطْعَمُها إِلاّ مَنْ نَشاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها وَأَنْعامٌ لا يَذْكُرُونَ اِسْمَ اللهِ عَلَيْهَا اِفْتِراءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ (١٣٨) [الأنعام: ١٣٨].
﴿فَما لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (٢٠) [الانشقاق: ٢٠].
﴿وَماذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمّا رَزَقَهُمُ اللهُ وَكانَ اللهُ بِهِمْ عَلِيماً﴾ (٣٩) [النساء: ٣٩].
﴿قالَ ما مَنَعَكَ أَلاّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ (١٢) [الأعراف: ١٢] ونحوه.
وتارة يضيفها إلى الله- : ﴿اللهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ (٦٢) [الزمر: ٦٢].
﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً﴾ (٢) [الفرقان: ٢].
﴿يا أَيُّهَا النّاسُ اُذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ فَأَنّى تُؤْفَكُونَ﴾ (٣) [فاطر: ٣].
﴿وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ﴾ (٩٦) [الصافات: ٩٦].
﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (١٤) [الملك: ١٤].
﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ لا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَلا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْواحِدُ الْقَهّارُ﴾ (١٦) [الرعد: ١٦] ونحوه.
стр. 19
وأما عقلا: فلأن المعتزلة قالوا: لو خلق الله- -معاصي خلقه، ثم عاقبهم عليها، لكان عن العدل خارجا، وفي ساحة الجور والجا. ولأن ما يخلقه الله- يجب وقوعه؛ فتكليف العبد بعد ذلك بإيجاده تكليف بالواجب أو الممتنع، وتحصيل للحاصل، وهو محال. ولأنا ندرك بالحس أو الضرورة وقوع أفعالنا بأدواتنا على وفق دواعينا وقدرتنا وإرادتنا، ونعلم بالوجدان أننا الموجدون المخترعون لها؛ فلا نقبل بعد ذلك الحوالة على غائب لا ندركه، وصار النزاع في ذلك من باب التشكيك في البديهات والسفسطة؛ فلا يسمع.
وقالت المجبرة: لو كان العبد خالقا لأفعاله/ [٥ ب/م] لكان مع الله- خالقون كثيرون، وذلك ضرب من الشرك كالمجوسية؛ ومن ثم ورد تشبيه القدرية بالمجوس (١)، ولأن أخص صفات الله- -كونه قديما مخترعا، فلو كان معه مخترع غيره لكان ذلك المخترع منازعا في الإلهية أو مقاسما فيها، وهو باطل؛ ولأن فعل العبد ممكن، وكل ممكن فإنه لا يخرج إلى الوجود إلا بمرجح، ثم ذلك المرجح: إما من العبد؛ فيلزم: إما الدور، أو التسلسل. أو من الرب- -فيكون هو الخالق، وهو المطلوب.
وأما الكشف عن سره فذلك يظهر/ [٨/ل] بمقدمات:
الأولى: أن الله -أحب أن يكون له في خلقه المشيئة النافذة.
الثانية: أنه- -أحب أن يكون له عليهم الحجة البالغة.
الثالثة: أنه- -علم ما سيكون منهم قبل أن يوجدهم؛ فعلم مثلا من آدم وإبراهيم وموسى ومحمد-عليهم الصلاة والسّلام-أنه سيكون منهم الطاعة، وعلم من إبليس ونمرود وفرعون وأبي جهل وأبي لهب أنه ستكون منهم المعصية، وعلم أنه لو ترك كلا واختياره وفوض إليه أفعاله لم يكن منهم إلا ما تعلق به علمه؛ من طاعة أولئك، ومعصية هؤلاء. وحينئذ استوت حالتا جبرهم على أعمالهم وتفويضها إليهم، فلو فوّض إليهم أعمالهم والحالة هذه، لضاعت فائدة التفويض، ولم يبق فيه إلا مجرد مفسدة مشاركة المخلوق له في الاختراع، فرغب -ببالغ حكمته عن هذه المفسدة المجردة، وآثر التوحد في خلقه من غير مشارك؛ صيانة لجانب الإلهية والملك عن وصمة المنازعة والشرك.
ثم إنه- -لما علم أن في خلقه من يعترض عليه ويقول: إنك إذا أجبرتنا لم
стр. 20
تعدل فينا؛ ولو فوضت أعمالنا إلينا لقمنا من طاعتك بما علينا-أخفى عنهم طريق الجبر بلطيف حكمته؛ ليقيم عليهم بالغ حجته؛ وذلك بأن خلق فيهم أفعالهم بواسطة مشيئاتهم، فظنوا أنهم لها خالقون، وإنما هم بلطيف الحكمة وعظيم القدرة مجبورون غالطون، وذلك اللبس عليهم من شؤم اعتراضهم، ولو سلموا الأمر لرب الأمر، لكشف لهم عن حقيقة الأمر.
وتقرير ذلك أنه- -إذا شاء من عبده فعلا، خلق له مشيئة ذلك الفعل، ثم خلق ذلك الفعل على أدوات العبد، موافقا لإرادته. وهذا مستفاد من قوله- :
﴿وَما تَشاؤُنَ إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ﴾ (٢٩) [التكوير: ٢٩] فمشيئة الله- -سبب مؤثر أبعد، ومشيئة العبد سبب مقارن أقرب.
فالقدري نظر إلى المقارن لقربه، والجبري نظر إلى المؤثر، ولم يمنعه من ذلك بعده، فكان نظره أسدّ. وعلى هذا، فنسبة فعل العبد إلى الرب- -شبيه بنسبة التالي إلى المقدم في الشرطية اللزومية؛ نحو: «إن كانت الشمس طالعة فالعالم مضيء»، ونسبته إلى العبد نسبة التالي إلى المقدم في/ [٥ أ/م] الشرطية الاتفاقية؛ نحو: «إن كان الإنسان ناطقا فالفرس صاهل».
إذ الله- -مؤثر في الفعل على جهة الغلبة، والعبد ليس له منه إلا وقوعه مقارنا له على جهة الاتفاق؛ ولهذا تراه ربما أراد الفعل وسعى فيه فلا يقع، وربما كرهه وتحرز منه فيقع؛ فدل على أن المؤثر فيه غيره، وإنما العبد واسطة/ [٩/ل] لإقامة الحجة عليه.
وأما ما احتج به المعتزلة، فراجع [إما] إلى التحسين والتقبيح العقلي، وهو ممنوع، أو إلى دعوى الضرورة في غير موضعها، وهو مكابرة.
وقد بقي الكلام بين الجبرية والكسبية:
فقالت المجبرة: اتفقنا وإياكم على أن الله- -هو خالق فعل العبد، وادعيتم أن هناك للعبد كسبا، ونحن ننكره، فعليكم إثباته، ولا سبيل لكم إليه؛ لأن الله- -إذا خلق في العبد فعلا وقضى عليه بأمر: فإما أن يكون للعبد قدرة على التخلص من ذلك الأمر بألا يقع منه، أو لا يكون:
فإن كان له قدرة على ذلك كانت قدرته أغلب من قدرة الرب- -ومشيئته أنفذ من مشيئته؛ فيكون أولى بالربوبية؛ وحينئذ يصير العبد ربا والرب عبدا، وإنه محال.
وإن لم يكن له قدرة على ذلك كان الفعل منه واجبا بمجرد الخلق ولا أثر للكسب؛ فسقط اعتباره، ولأن الكسب الذي تدعونه: إما مخلوق للعبد، وهو خلاف مذهبكم؛ إذ
стр. 21
العبد لا يخلق باتفاق أو للرب فيحتاج إلى كسب، ثم القول فيه كالقول في الكسب الأول؛ ويتسلسل، وإنه محال.
وهذا مما يصعب موقعه على الكسبية ويتعذر عليهم التخلص منه.
قف على حجة أهل السّنّة: احتج الكسبية بوجهين:
أحدهما: أن القول بالقدر يقتضي الشرك، والقول بالجبر يقتضي الجور أو سقوط التكليف وانقطاع حجة الله- -عن خلقه، والكل محال. فسلكنا طريق الكسب تخلصا من ذلك.
الوجه الثاني: أنا وجدنا القرآن تارة يضيف أفعال الخلق إليهم، وتارة إلى الله- -فقلنا بذلك، وأضفناها إليه خلقا وإليهم كسبا؛ جمعا بين الأدلة.
الجواب: أن هذا إقناعي اجتهادي، وما ذكرناه قاطع عقلي؛ فلا يعارضه ما ذكرتم.
لكنهم قالوا: إنا نرى الإنسان مؤثرا في أفعاله بالجملة عيانا، لكن قام الدليل على أن تأثيره ليس بتام بحيث يكون خالقا؛ فبقي أن يكون تأثيرا غير تام، ونحن سمينا ذلك كسبا، والقول بأن لا تأثير له في أفعاله بالكلية بهتان ومعاندة للعيان.
وهذا من الكسبية قوي؛ لاستنادهم فيه إلى ظاهر العيان، إلا أن جواب المجبرة عن هذا أنه إن صح لكم الاستدلال بظاهر العيان على أن تأثير الإنسان في فعله غير تام، بحيث يكون كسبا، صح للمعتزلة الاستدلال بظاهر العيان/ [٥ ب/م] على تمام تأثيره، بحيث يكون خلقا، بل العيان معهم أقوى، وهم به أسعد وأحظى.
وأيضا لو كان [له] فيه نوع تأثير لكان له فيه بقسط ذلك من الاختراع، وصار ذلك قولا بمقدور بين قادرين، وأنتم لا تقولون بذلك؛ وحينئذ يسقط ما استندتم إليه من العيان، ويبقى ما ذكرته المجبرة من واضح البرهان.
إذا عرفت ذلك، فاعلم أن آيات الجبر في القرآن/ [١٠/ل] العزيز أكثر من آيات القدر، فنحن إذا مررنا بآية من ذلك في أثناء هذا التعليق فإن كانت صريحة في بابها لا تقبل التأويل، فليس لها إلا المعارضة إن وجد لها معارض.
وإن تطرق التأويل إليها] بينا كيف تقرير الدليل منها، وكيف يتطرق التأويل إليها.
وأنها في آخر الأمر لأي المذهبين، وفي جانب أي الخصمين، إن شاء الله- .
стр. 22
مبحث العموم والخصوص
وأما العموم والخصوص، فالنظر في لفظ العموم، وحده، وأدواته وحكمه.
أما لفظه فهو مصدر «عم يعم [عمّا و] عموما» نحو «شمل يشمل شمولا» وزنا ومعنى؛ إذ معنى العموم هو الشمول؛ يقال: «اللهم عمنا برحمتك» أي: اشملنا بها.
وأما حده فهو: استغراق اللفظ لجميع ما يصلح له بحسب وضع واحد.
والعام هو: اللفظ المستغرق لما يصلح له كذلك.
وقد يشتبه العام بالمطلق وهو اللفظ الدال على الماهية من حيث هي هي، من غير اعتبار قيد زائد؛ نحو «رجل» و «رقبة» و «دابة» بخلاف «الرجال» و «الرقاب» و «الدواب»؛ فإنه عام، وبخلاف «رجل مؤمن» و «رقبة كافرة»، أو «صحيحة» و «دابة فارهة» ونحوه؛ فإنه مقيد.
وأما أدواته-أعني ألفاظه وما يفيده-: فاعلم أن المفيد للعموم: إما أن يفيده لغة أو عرفا أو عقلا، والذي يفيده لغة: إما أن يفيده على الجمع، أو على البدل، والذي يفيده على الجمع: إما أن يفيده وهو اسم موضوع له، أو يفيده بمقارن أفاده. فالذي يفيده بالوضع: إما أن يكون موضوعا لذوي العلم فقط، وهو «من» في الشرط والاستفهام؛ نحو: ﴿لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً﴾ (١٢٣) [النساء: ١٢٣].
و﴿قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾ (٦٣) [هود: ٦٣].
و«من عندك».
أو لذوي العلم وغيرهم: وهو «أي» شرطا أو استفهاما؛ نحو: ﴿قُلِ اُدْعُوا اللهَ أَوِ اُدْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها وَاِبْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلاً﴾ (١١٠) [الإسراء: ١١٠].
و﴿وَكَيْفَ أَخافُ ما أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٨١) [الأنعام: ٨١].
و«أي الرجال لقيت؟ ». و «كل» و «جميع» أيضا؛ نحو: ﴿وَإِنْ كُلٌّ لَمّا جَمِيعٌ لَدَيْنا﴾
стр. 23
مُحْضَرُونَ (٣٢) [يس: ٣٢] هو للقبيلين: ذوي العقول وغيرهم. أو لغير ذوي العلم فقط، وهو: إما لجميعهم، وهو «ما» غالبا؛ نحو: «ما ركبت من الدواب» وقد يستعمل لذوي العلم قليلا؛ نحو: ﴿وَالسَّماءِ وَما بَناها﴾ (٥) [الشمس: ٥]. أو لبعضهم، وهي «متى» للزمان و «أين» و «حيث» للمكان.
والذي يفيد العموم بمقارن أفاده: إما أن يكون في الثبوت، وهو الإضافة ولام الجنس؛ نحو «عبيدي» و «الرجال»، أو في النفي؛ كالنكرة؛ نحو: «لا رجل في الدار».
والمفيد للعموم على البدل/ [٦ أ/م] أسماء النكرات؛ نحو: «اضرب رجلا» و «أعتق رقبة» فأي رجل ضربه وأي عبد أعتقه أجزأه، حتى زعم بعضهم لذلك أنه عام على الجمع.
والمراد بعمومه على البدل: أن كل فرد من أفراد مدلوله يصح أن يكون بدلا عن الآخر؛ كالرقبة المعتقة.
هذا كله/ [١١/ل] في المفيد للعموم لغة.
أما المفيد له عرفا فنحو: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَبَناتُكُمْ وَأَخَواتُكُمْ وَعَمّاتُكُمْ وَخالاتُكُمْ وَبَناتُ الْأَخِ وَبَناتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهاتُكُمُ اللاّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَواتُكُمْ مِنَ الرَّضاعَةِ وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ وَرَبائِبُكُمُ اللاّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللاّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلاّ ما قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً﴾ (٢٣) [النساء: ٢٣] أي جميع وجوه الاستمتاع بهن.
والمفيد له عقلا له صور:
منها: العلة، تفيد عموم الحكم في جميع مواردها؛ أي: حيث وجدت وجد حكمها.
ومنها: ما ورد جواب سؤال؛ نحو: «ما حكم من أفطر؟ » فيقال: «يقضي أو يكفر» فيعم كل مفطر، والعموم في التحقيق ل «من» مقدرة في الجواب.
ومنها: دليل الخطاب؛ نحو: «في السائمة الزكاة» يفيد أن لا زكاة في عموم ما عداها.
هذه جوامع أدوات العموم، وإن شذ عنها شيء، فربما تعرضنا له في مواضعه، إن شاء الله، .
وأما حكم العموم فاعتبار عمومه إلا ما خص منه بدليل، ويبقى حجة فيما عدا محل التخصيص عند الأكثر؛ نحو: «اقتلوا المشركين أو الكفار» ثم خصّ منه أهل الذمة والعهد
стр. 24
والمستأمنون ونحوهم، أو حيث دل الدليل على أن المراد بالعام الخاص؛ نحو: ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إِنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَقالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ (١٧٣) [آل عمران: ١٧٣] يعني: عروة بن مسعود الثقفي لأبي سفيان.
وباقي أحكام العموم سنتعرض [لما نحتاج] إليه منها في مواضعه، إن شاء الله، .
وأما الخصوص فالنظر في: لفظه، وحده، وأدواته، وحكمه:
أما لفظه: فهو مصدر «خص يخص خصوصا» وهو مقابل العموم.
وأما حده: فالخصوص: تعيين فرد أفراد بحكم؛ نحو: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ﴾ (٢٩) [الفتح: ٢٩].
﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاِتَّقِ اللهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النّاسَ وَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً وَكانَ أَمْرُ اللهِ مَفْعُولاً﴾ (٣٧) [الأحزاب: ٣٧].
﴿وَالسّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ وَالَّذِينَ اِتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (١٠٠) [التوبة: ١٠٠].
وقد يكون الخاص عاما بالنسبة إلى جهة أخرى؛ نحو: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدّاءُ عَلَى الْكُفّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْواناً سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفّارَ وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً﴾ (٢٩) [الفتح: ٢٩] خصوص بالنسبة إلى صحبته ومعيته، وعموم النسبة إلى مجموع أفرادهم.
والخاص: ما عين بحكم وأفرد به دون غيره.
стр. 25
والتخصيص لغة: هو ذلك التعيين، وهو مرادف للخصوص؛ كالتعميم المرادف للعموم؛ فهما مصدران أو شبيه بهما.
واصطلاحا: هو بيان المراد باللفظ العام؛ كما إذا قال: «أكرم الرجال» ثم قال: «تكرم زيدا» تبين أن مراده بالرجال من عدا زيدا.
وقيل: هو إخراج بعض ما تناوله اللفظ، أو بيان ما صح أن يتناوله.
وأما أدوات التخصيص-أي ما يخص به العام-فهو: متصل، ومنفصل، وبناء عام على خاص. فالمتصل: استثناء، وشرط، وغاية، وصفة.
فالاستثناء: إخراج بعض الجملة بلفظ «إلا» أو ما في معناها؛ نحو: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاّ خَمْسِينَ عاماً فَأَخَذَهُمُ الطُّوفانُ وَهُمْ ظالِمُونَ﴾ (١٤) [العنكبوت: ١٤].
والشرط: نحو: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلا تُضارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى﴾ (٦) [الطلاق: ٦] وأنت طالق إن دخلت الدار/ [٦/ب/م].
والغاية: نحو [قوله تعالى]: ﴿فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَها فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يَتَراجَعا إِنْ ظَنّا أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ يُبَيِّنُها لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (٢٣٠) [البقرة: ٢٣٠].
و﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتّى يَطْهُرْنَ فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ (٢٢٢) [البقرة: ٢٢٢].
و﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ وَاِمْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ ما يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلكِنْ يُرِيدُ﴾
стр. 26
لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٦) [المائدة: ٦].
والصفة: نحو: ﴿التّائِبُونَ الْعابِدُونَ الْحامِدُونَ السّائِحُونَ الرّاكِعُونَ السّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [١٢/ل]. . . [التوبة: ١١٢].
و«أكرم الرجال العلماء الشرفاء الفضلاء».
والمنفصل: عقل، وحس، وسمع.
فالعقل: نحو: ﴿اللهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ (٦٢) [الزمر: ٦٢] خص بالعقل ذاته -وصفاته القائمة بها.
والحس: نحو: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّها فَأَصْبَحُوا لا يُرى إِلاّ مَساكِنُهُمْ كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾ (٢٥) [الأحقاف: ٢٥].
و﴿إِنِّي وَجَدْتُ اِمْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ (٢٣) [النمل: ٢٣] مع أن هناك أشياء محسوسة لم تدخل في هذا العموم؛ كالسموات والأرضين وملك سليمان.
والسمع: كتخصيص الكتاب والسّنّة بمثليهما على تفصيل فيه؛ نحو:
﴿*وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلاّ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ كِتابَ اللهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ فَمَا اِسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً﴾ (٢٤) [النساء: ٢٤] خص بقوله ﵊: «لا تنكح المرأة على عمتها أو خالتها» (١).
وبناء العام على الخاص: هو أن يتعارض دليلان، فيعمل بالخاص في خصوصه، وبالعام فيما عدا صورة التخصيص؛ نحو: «فيما سقت السماء العشر» (٢) خص منه ما دون خمسة
стр. 27
أوسق بالحديث الآخر، وتجب الزكاة فيما زاد على ذلك؛ لأن الخاص أقوى دلالة، فالعمل به وبالعام فيما عداه استعمال للدليلين، وإلغاء الخاص ترك لأقوى الدليلين، وهو غير جائز. فالأول متعين.
وفي هذا المقام تفصيل وخلاف مذكور في أصول الفقه، نذكر منه إن شاء الله- -ما نحتاج إليه في مواضعه.
وأما حكم الخصوص: فهو ما ذكرناه من العمل به مقدما على العام، إلا حيث دل الدليل على أن المراد بالخاص العام.
وقد ذكر بعض العلماء أن كلام العرب لا يخلو من أربعة أقسام: إما عام يراد به العام؛ نحو: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اِسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٢٩) [البقرة: ٢٩].
أو خاص يراد به الخاص؛ نحو ﴿قالَ يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ فَلَمّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ (٣٣) [البقرة: ٣٣].
﴿قالَ أَراغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إِبْراهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاُهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ (٤٦) [مريم:
٤٦].
﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاِتَّقِ اللهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النّاسَ وَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً وَكانَ أَمْرُ اللهِ مَفْعُولاً﴾ (٣٧) [الأحزاب: ٣٧] ونحوه.
أو عام يراد به الخاص؛ نحو: ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إِنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَقالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ (١٧٣) [آل عمران: ١٧٣].
стр. 28
أو خاص يراد به العام؛ نحو: ﴿*وَقَضى رَبُّكَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً إِمّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُما وَقُلْ لَهُما قَوْلاً كَرِيماً﴾ (٢٣) [الإسراء: ٢٣]؛ إذ ليس المراد النهي عن خصوص التأفيف لا غير، بل وعن جميع أنواع أذاهما.
وتعرف هذه الأقسام بالدليل، وهذه قاعدة نفيسة عامة تجب مراعاتها، وإذ قد فرغنا من قاعدة العموم والخصوص، فنحن-إن شاء الله، -كلما مررنا بلفظ عام وجهنا عمومه إن احتاج إلى ذلك، ثم بينا أنه باق على عمومه، أو خص بشيء، وبماذا خص، وفيم خص، وفي ذلك فوائد جمة، كل ذلك بحسب الإمكان، إن شاء الله ، وهو المستعان.
وكذلك كلما مررت بمسألة أصولية بينت أنها من أي أقسام ذلك الفن هي؛ إن كانت من أصول الدين بينت أنها من مسائل الإيمان بالله- / [٧ أ/م]، أو ملائكته أو كتبه، أو رسله، أو اليوم الآخر، أو القدر. وإن كانت من أصول الفقه بينت أنها من مسائل الكتاب أو السّنّة أو الإجماع أو القياس أو غيرها. ومهما استوفيت الكلام على مسألة ثم تكررت أحلت بها على ما مضى، إلا أن يتضمن التكرار فائدة/ [١٣/ل] زائدة، فأذكرها إن شاء الله .
وإنما رتبت هذا التعليق على ترتيب القرآن العزيز لوجوه:
أحدها: التبرك بترتيبه.
الثاني: أنه أضبط وأجدر بالإتيان على جميع المطالب المذكورة من القرآن.
الثالث: أن ذلك أنشط للناظر فيه؛ إذ يخرج من فن إلى غيره ومن مسألة إلى غيرها، فهو شبيه بما قصده الحريري (١) في مقاماته من الإحماض حيث قال: «وما قصدت بالإحماض فيه، إلا تنشيط قارئيه». وإن كمل هذا التعليق-إن شاء الله رجوت أن يكون دستورا نافعا، ولجملة صالحة من المطالب النفسية جامعا، إن شاء الله . هذا آخر المقدمة.
...
стр. 29
القول في الفاتحة
﴿الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ (٢) [الفاتحة: ٢].
الرب: قيل: هو المالك.
وقيل: السيد.
وقيل: المربي والمصلح.
ويجوز أن يكون الخالق؛ لقوله- : ﴿اللهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ (٦٢) [الزمر: ٦٢] خالق كل شيء ففسر «الرب» في موضع، بالخالق في آخر.
والعالمون: جمع عالم، وهو ما سوى الله- -إن اشتققناه من العلامة إذ هو علامة على جود صانعه، ومختص بذوي العلم كالملائكة والجن والإنس، إن اشتققناه من العلم.
ويقال: إن لله- -تسعين ألف عالم كل عالم كالدنيا وما فيها.
وقيل: ألف عالم، أربعمائة منها في البر، وستمائة في البحر. وإضافة «رب» إلى العالمين إشارة إلى أمور:
أحدها: كمال نعمته التي استحق بها الحمد؛ إذ [العالمون] جزء من نعمته، كما قال:
له أياد إليّ سابقة ... أعد منها ولا أعددها
الثاني: إشارة إلى كمال قدرته؛ لأن العالمين خلق عظيم، فالقدرة الموجدة لهم أعظم بالضرورة.
الثالث: إشارة إلى أنه خالق العالم وصانعه القديم، وهذا هو المقصود من هذه الآية، وهي مسألة وجود الصانع، وهي من مسائل أصول الدين، والاستدلال فيها بوجود الأثر على المؤثر.
وتقريره: أن العالم حقيقة موجودة بالحس، فالمؤثر في وجوده: إما جملته، أو ما هو داخل فيها، أو ما هو خارج عنها، والأول والثاني باطلان فتعين الثالث، أما بطلان الأول فلاستحالة إيجاد الشيء نفسه؛ لأنه من حيث هو مؤثر يقتضي أنه موجود؛ إذا المعدوم لا تأثير له، ومن حيث هو أثر يقتضي أنه معدوم؛ إذ الموجود لا يقبل الوجود؛ لاستحالة تحصيل الحاصل. فلو كان العالم موجدا لنفسه لزم أن يكون موجودا معدوما في حالة/ [٨ ب/م] واحدة وإنه محال.
стр. 30
[والثاني باطل؛ لأن] الموجد للعالم لو كان جزؤه الداخل في حقيقته لكان ذلك الجزء موجدا لنفسه، ويلزم المحال/ [١٤/ل] بعينه.
وإذا تعين أن الموجد للعالم خارج عن حقيقته، فذلك الخارج: إما قديم، [وإما] حادث، فإن كان قديما فهو المطلوب، وإن كان حادثا فالموجد له إن كان هو العالم لزم الدور؛ لتوقف كل واحد منهما على الآخر. وإن كان غير العالم: فإن انتهى إلى قديم فهو المطلوب، وإلا لزم التسلسل، وهو محال.
وهذه مسألة انتظمت الدلالة على وجود الصانع وقدمه، ولها مواقع أخر ربما تذكر فيها، إن شاء الله .
قوله- : ﴿الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ (٣) [الفاتحة: ٣]: اعلم أن الكلام في الله- -في أصول الدين: إما في ذاته أو صفاته، أو أفعاله، والكلام هاهنا من قبيل الكلام في الصفات، ف ﴿الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ (٣) [الفاتحة: ٣] مشتق من الرحمة، وقد اختلف فيها: فقيل: هي صفة فعلية بمعنى الإحسان إلى الخلق، والإحسان مخلوق لا يقوم بذاته- -لاستحالة قيام الحادث بالقديم؛ يقال: رحم الطبيب المريض: إذا عالجه؛ لأن علاجه له إحسان إليه.
وقيل: الرحمة صفة ذاتية؛ أي: معنى قائم بذاته- -كالعلم.
وقد اختلف الناس في هذا، وأن الله -هل يجوز أن يقوم به صفات زائدة على مفهوم ذاته، وللكلام في ذلك موطن هو أليق به من هذا، والمقصود فيه أصرح.
ثم اختلف في أيهما أبلغ: فقيل: الرحمن؛ لأن بناء «فعلان» للمبالغة؛ نحو: غضبان للممتلئ غضبا، ونحوه.
وقيل: الرحيم؛ لأنه عدل به عن «فاعل» إلى «فعيل» وهو عدول عن صيغة الفاعل إلى بناء المفعول؛ فكان أبلغ، كما عدلوا عن عالم وقادر إلى عليم وقدير، وعن خاطب إلى خطيب، وعن قول بالغ إلى بليغ.
ولأن العرب إذا أرادت المبالغة عدلت بالشيء إلى ضده، تنبيها على شدة التفاوت بين المعدول والمعدول عنه؛ كما عدلوا في «عالم» إلى «علاّمة» بلفظ المؤنث، وفي «امرأة صابرة» إلى «صبور» بإسقاط علامة التأنيث وقالوا للغراب: أعور؛ لحدة بصره، و «رحم» إنما اسم الفاعل منه «راحم» فالعدول به إلى «رحيم» على «فعيل» الذي أصله للمفعول يدل على ما ذكرناه من المبالغة.
стр. 31
وهذا ونحوه وإن كان خارجا عن الأصول، إلا أنها فوائد مستطردة، فلا تنكرنها.
قوله- : ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ (٤) [الفاتحة: ٤] هذا من مسائل اليوم الآخر؛ إذ معناه: مالك يوم الجزاء، وهو يوم القيامة، وفيه مباحث تؤخر إلى الموضع الأليق بها، إن شاء الله، .
قوله- : ﴿إِيّاكَ نَعْبُدُ وَإِيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (٥) [الفاتحة: ٥] البحث في هذا يتعلق بالقدر، وهاهنا سؤال؛ وهو أن قولهم: «نعبد» يقتضي/ [١٥/ل] [٩ أ/م] تمكنهم من فعل العبادة؛ لإضافتهم إياه إلى أنفسهم بصيغة «نفعل».
وقولهم: ﴿وَإِيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] يقتضي عجزهم عنه بدون إعانته لهم، وذلك ينافي تمكنهم واستقلالهم به، المستفاد من قولهم: «نعبد» وهو تناقض؟ !
والجواب: أما على رأي الكسبية فالمراد: إياك نعبد كسبا، وإياك نستعين على العبادة خلقا لها منك فينا.
وأما على رأي المعتزلة فالمراد: إياك نعبد بخلقنا لأفعال العبادة، وإياك نستعين بأن تمدنا بألطافك من خلق دواعي العبادة، ونفي الصوارف عنها.
وعلى رأي المجبرة: إياك نعبد بظاهر حركاتنا، وإياك نستعين بإجبارك لنا عليها وخلقك لها فينا.
قوله- ﴿اِهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ (٦) [الفاتحة: ٦].
إن قيل: إن كانوا مهتدين فسؤالهم الهداية تحصيل الحاصل، وإن كانوا غير مهتدين كان ذلك مناقضا لقولهم: ﴿إِيّاكَ نَعْبُدُ وَإِيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (٥) [الفاتحة: ٥].
والجواب: أنهم لم يسألوا أصل الهداية بل الدوام والاستمرار عليها، فهو من باب:
﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اِتَّقِ اللهَ﴾ [الأحزاب: ١] أي: دم على تقواه، و «أنا مؤمن إن شاء الله» أي:
أدوم على الإيمان إن شاء الله، .
ثم قولهم: (اهدنا) يقتضي أن لا هادي إلا الله- ، ويحتج بها على القدرية، وهي قوية عليهم، وهم يجيبون عنها بأن المراد: أعنا على أن نهدي أنفسنا بإمدادك لنا باللطف، وهو أمر من أمر الله- -إذا فعله بالعبد كان أقرب إلى الهدى، وإذا منعه إياه كان أقرب إلى الضلال.
أما حقيقة الهدى والضلال فالعبد يفعلهما لنفسه عندهم، وتأويلهم للآية بعيد؛ فهي
стр. 32
إذن عليهم لا لهم.
أما الكلام في اللطف فموضعه غير هاهنا إن شاء الله؛ .
قوله : ﴿صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضّالِّينَ﴾ (٧) [الفاتحة: ٧] متردد بين الفريقين؛ لأن الجمهور يقولون: أنعمت عليهم بخلق الهداية فيهم.
والقدرية يقولون: أنعمت عليهم بإمدادهم بالألطاف حتى اهتدوا بأنفسهم.
والمختار أن المعنى: أنعمت عليهم برضاك فوفقتهم لهداك، بدليل مقابلة ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧] ب ﴿الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧] والرضا يقابل الغضب.
قوله- : ﴿وَلا الضّالِّينَ﴾ (٧) [الفاتحة: ٧] يتمسك به القدرية على أن الكافر والعاصي هو يضل نفسه، لأنه نسب الضلال إليهم بصيغة اسم الفاعل الذي تصريفه: ضل يضل، فهو ضال.
وجواب الجمهور عنه: إنما نسب إليهم لأنهم كسبوه، أو لأنه ظهر على أدواتهم ظاهرا، وإن جبروا عليه باطنا، أو لأنهم لو فوض إليهم وتركوا واختيارهم لفعلوه.
هذا كله يتعلق بمسائل القدر.
...
стр. 33
القول في سورة البقرة
قوله : ﴿ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ (٣) [البقرة: ٢، ٣].
[١٦/ل] يتمسك به القدرية على عكس تمسكهم ب ﴿صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضّالِّينَ﴾ (٧) [الفاتحة: ٧] وهو أنه نسب التقوى والإيمان إليهم نسبة الفعل إلى الفاعل/ [٨ ب/م] فاقتضى أن لا جبر.
ويجاب عنه بنحو ما سبق؛ من أنه أضيف إليهم؛ لأنه كسبهم، أو هم محل ظهوره، أو لأنه لو فوض إليهم لفعلوه، على ما سبق في قاعدته، وهذا سؤال وجواب عامان في كل فعل نسب إلى المخلوقين، فاعرفه فتكراره في كل مواطنه يصعب، وربما حادثناك به المرة بعد المرة تذكرة بهذه القاعدة.
قوله- ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ (٣) [البقرة: ٣] هذه من مسائل الأرزاق والآجال، وهو تابع لباب القدر.
واحتج بها المعتزلة على أن الحرام ليس من رزق الله- -بل العبد يرزقه نفسه.
وتقريره: أن المنفق من رزق الله -ممدوح بهذه الآية، والمنفق من الحرام ليس بممدوح بالإجماع؛ ولأن الحرام لا يملك، فالمنفق منه فضولي في إنفاقه، والفضولي مذموم؛ ينتج أن المنفق من رزق الله ليس بمنفق من الحرام، وينعكس كليا أو جزئيا: المنفق من الحرام ليس بمنفق من رزق الله وهو يستلزم المطلوب.
ويمكن تقريره بأبين من هذا؛ وهو أن المنفق من الحرام: إما ممدوح، وهو خلاف الإجماع، أو مذموم؛ فهو غير منفق من رزق الله- -إذ هذا ممدوح وذاك مذموم؛ فهذا غير ذاك.
والجواب: أن المنفق من الحرام مذموم من جهة اكتساب الحرام، ممدوح من جهة الإنفاق والبذل، وحينئذ إن أردتم أنه ليس بممدوح من جهة كسب الحرام، سلمناه ولكن لا ينتج قياسكم لعدم اتحاد الأوسط فيه، وإن أردتم أنه ليس بممدوح من جهة الإنفاق، منعنا ذلك؛ فلا يتم دليلكم. وأما كونه فضوليا مذموما، فإنما ذلك من جهة تصرفه في ملك الغير بالإنفاق، لا من جهة نفس الإنفاق.
стр. 34
وحجة الجمهور على أن الحرام من رزق الله- -كالحلال-عموم الآيات-:
﴿*وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلاّ عَلَى اللهِ رِزْقُها وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَمُسْتَوْدَعَها كُلٌّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ﴾ (٦) [هود ٦].
و﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللهُ يَرْزُقُها وَإِيّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (٦٠) [العنكبوت: ٦٠].
﴿إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ (٥٨) [الذاريات: ٥٨].
﴿لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاُشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾ (١٥) [سبأ: ١٥] مع قضاء العادة بأنهم لم يسلموا من أكل الحرام؛ أعني: قوم سبأ، مع كثرتهم وكفرهم. ولأن الحلال لو كان شرطا في رزق الله- -لما كانت البهائم في رزقه، إذ لا حلال في حقها ولا ملك لها.
قوله- : ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ (٤) [البقرة: ٤] هذه من مسائل الكتب، وهي تقتضي صحة الكتب المنزلة على الأنبياء لا الكتب المحرفة المبدلة؛ كالتوراة التي بأيدي اليهود، والإنجيل الذي بأيدي النصارى؛ إذ الإيمان بما ليس بصحيح لا يمدح أهله. ولم يرد الأمر قط إلا بالمنزل؛ لأنه سالم عن التحريف. / [١٧/ل] و ﴿*وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلاّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلهُنا وَإِلهُكُمْ واحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ (٤٦) [العنكبوت: ٤٦].
وتقتضي أيضا أن كلام الله- -وكتبه المنزلة متساوية في الإيمان بها، وإن تفاوتت في الأحكام والشرائع، ويتعلق بهذا بحث وكلام يذكر بعد، إن شاء الله .
قوله : ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ (٤) [البقرة: ٤] يتعلق بأحكام اليوم الآخر. وهو يقتضي مدح المؤمن به، وله تفاصيل. [٩ أ/م].
قوله تعالى: ﴿أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٥) [البقرة: ٥] هذه من مسائل القدر، يحتج به الجمهور على أن هدى المهتدين من الله؛ أي: بفضله وخلقه.
стр. 35
ويجيب القدرية بأن معنى كون الهدى من ربهم أنه بسبب إلطافه بهم وتوفيقهم، لا أنه خلقه فيهم، وهو خلاف الظاهر.
قوله- : ﴿خَتَمَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ هو عند الجمهور بخلق الكفر فيها فتبقى كالوعاء المختوم لا يدخلها الإيمان.
وقيل: القلب جسم مجوف، ونور العقل والمعرفة ينزل عليه من الدماغ ما دام مفتوحا، فإذا طبع عليه بما شاء الله- -امتنع نور المعرفة من الدخول فيه، فأظلم وضل.
والختم عند المعتزلة [إما بمنع] اللطف أو بتسمية العبد مختوما على قلبه. وهو بعيد جدا لا يعول على مثله.
والختم على القلب ألا يعقل فيؤمن، وعلى السمع ألا يسمع فيعقل، وعلى البصر ألا ينظر في آيات الله- -وعجائب الملكوت فيعتبر.
قوله- : ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ﴾ اختلف في الأعمال طاعة ومعصية؛ هل هي علة للجزاء: ثوابا وعقابا، أو سبب لا علة موجبة؟ .
قالت المعتزلة بالأول، والجمهور بالثاني، والآية محتملة لهما؛ لأن قولك: «عذبت زيدا بكذبه، وضربته بسوء أدبه» يحتمل العلية والسببية، والفرق بينهما أن العلة موجبة لمعلولها بخلاف السبب لمسببه فهو كالأمارة عليه.
ومن هاهنا اختلف في الحج عن الغير لعذر، هل يصح أم لا؟ فمن رأى العمل علة قال:
لا يصح؛ لأن عمل زيد لا يكون علة لبراءة ذمة عمرو، أو لحصول الثواب له. ومن رآه سببا قال: يصحّ؛ لأن عمل زيد جاز أن يكون سببا لبراءة ذمة عمرو، وعلما على حصول الأجر له.
قوله- : ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ اُعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (٢١) [البقرة: ٢١]، قيل: هذا إشارة إلى حدوث العالم وقدم الصانع، وتقريره: أن هؤلاء الكفار قد سلموا أنهم مخلوقون؛ لقوله : ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللهُ فَأَنّى يُؤْفَكُونَ﴾ (٨٧) [الزخرف: ٨٧] فالخالق لهم: إما أنفسهم، وهو محال؛ لما مر، أو غيرهم. وذلك الغير: إما من قبلهم من الأمم، أو غيرهم، والأول باطل؛ لأن الخالق لمن قبلهم إن كان هؤلاء المخاطبين لزم الدور، أو غيرهم من الأمم ذاهبا إلى غير النهاية لزم التسلسل.
стр. 36
والثاني: وهو أن الخالق لهم غير الأمم قبلهم-فذلك الغير: / [١٨/ل] إما قديم وهو المطلوب، أو حادث: فإن أثر فيه بعض مخلوقاته لزم الدور، أو مؤثر آخر لزم التسلسل.
وحاصله: أنكم ومن قبلكم مخلوقون، فلا بد لكم من خالق قديم: «فالخالق»: احتراز من التعطيل، و «القديم» احتراز من لزوم الدور والتسلسل.
فائدة:
الدور: توقف وجود الشيء على نفسه: إما بغير واسطة، أو بواسطة متحدة؛ كتوقف «أ» على «ب» و «ب» على «أ» أو متعددة، إما متناهية؛ كتوقف «أ» / [٩/ب/م] على «ب» و «ب» على «ج» و «ج» على «د»، و «د» على «هـ»، [و «هـ» على «أ»] أو غير متناهية؛ كتوقف «هـ» على «ز»، وتوقف «ز» على «ح» وهلم جرا، إلى غير النهاية، وهو محال.
والتسلسل: تعلق كل سبب بآخر قبله وتوقفه عليه، إلى غير النهاية، وهو محال.
وعلى حدوث العالم ووجود الصانع أسئلة يأتي منها ما اعترض لنا، إن شاء الله .
قوله تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٢٢) [البقرة: ٢٢]، فيه تنبيه على كيفية النظر، وكيفيته تستدعي تحققه ووجوبه، وسيأتي بيانه -إن شاء الله -وقد سبق حد النظر، وهو يفضي في وجود الصانع وحدوث العالم إلى ما سبق من الاستدلال بدليل الدور والتسلسل، وقد احتج النبي ﷺ بهما، إذ قيل له حين قال: «لا عدوى» -: يا رسول الله، ما بال الإبل-تكون كالظباء فيخالطها البعير الأجرب فتجرب؟ قال: «فمن أعدى الأول؟ ! » (١) يعني: لو كان كل أجرب يستدعي أجرب يعديه لزم تسلسل الجربى، لكنه باطل بالعيان؛ إذ البعير الأول لم يستدع أجرب يعديه.
أو يقال: لو كانت العدوى لازمة، لكان البعير الأول: إما أن تعديه الإبل التي أعداها هو؛ فيلزم الدور، أو غيره فيلزم التسلسل. وانظر إلى قوله-﵊: «فمن أعدى الأول؟ » مع قوله : ﴿أَفَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ﴾
стр. 37
﴿جَدِيدٍ﴾ (١٥) [ق: ١٥] كيف [كان] كل منهما ثلاث كلمات تضمنت دليلا عقليا عظيما أسهب في تقريره المتكلمون، وذلك دليل على تشابه الكلامين، وأنه عليه-الصلاة والسّلام-مؤيد من العلي الأعلى ما ينطق عن الهوى.
قوله- : ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَاُدْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (٢٣) [البقرة: ٢٣].
هذه من مسائل النبوات، وهي تتضمن إثبات نبوة محمد ﷺ بتقريره معجزه وهو القرآن، وتقرير الدليل: أن محمدا ﷺ لو [كان كاذبا] في دعوى النبوة لأمكنكم أن تعارضوا معجزه-وهو القرآن-ولو بسورة منه، لكن لا يمكنكم معارضته؛ فيلزم أنه ليس بكاذب؛ فهو إذن صادق.
وقوله- : ﴿عَلى عَبْدِنا﴾ [البقرة: ٢٣] أي: من مثل محمد-﵊-تنبيه على وجه صدقه؛ وهو أن صدور مثل هذا الكلام المعجز للخلق عن أمّيّ لا يقرأ ولا يكتب، يدل على صدقه قطعا؛ كما أن/ [٢٠/ل] قلب العصاحية وإحياء الموتى، ممن لم يشتغل بعلم السحر ولا الطلب، يدل على صدقه.
وقوله: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ (٢٤) [البقرة: ٢٤] معجز معترض في هذا الاستدلال؛ لأنه إخبار عن غيب، بأنهم لا يعارضون القرآن، وكان كما قال. ولقد كان هذا مما يقوي دواعيهم على تعاطي المعارضة، فلو قدروا عليها لفعلوها، ثم لكذبوه في خبره، وقالوا: زعمت أنا لن نفعل وها نحن قد فعلنا؛ فلما لم يعارضوه مع توفر الدواعي على المعارضة، دل على العجز والإعجاز.
قوله : ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ (٢٤) [البقرة: ٢٤].
مع قوله : ﴿*وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (١٣٣) [آل عمران: ١٣٣].
يحتج بهما على وجود الجنة والنار في الخارج، خلافا للمعتزلة؛ إذ قالوا: إنما هما موجودتان في العلم لا في الخارج.
حجة الجمهور: هذا النص؛ إذ المعدوم لا يقال له: «أعدّ» فهو معد؛ ولأنه قد ثبت أن
стр. 38
آدم-﵇-دخل الجنة ثم أخرج منها (١) وأن النبي ﷺ رأى الجنة والنار ليلة الإسراء، (٢) وأن أرواح الشهداء في حواصل طير في الجنة (٣).
احتج الخصم بأن الحاجة إليهما إنما هي في الآخرة، فإيجادهما قبلها عبث.
وأجيب بالمنع، بل في ذلك ترغيب وترهيب كآلات العقوبة؛ كالصلابة ونحوها، يعدها السلطان ترهيبا للأشرار، وآلات الثواب والإنعام ترغيبا للأخيار.
قوله- : ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ (٢٥) [البقرة: ٢٥].
يقتضي أن المعاد جسماني فيه أكل ثمار ونكاح أزواج، خلافا للفلاسفة والنصارى القائلين بأن المعاد روحاني، لا أكل فيه ولا نكاح، وإنما الثواب والعقاب هناك بالقرب من الله- -والبعد منه، أو بالتذاذ النفس بالعقائد الحقة وتجردها عن الهيئات الطبيعية الرذيلة وتألمها بخلاف ذلك.
فالجواب: أن هذا بناء منهم على استحالة إعادة الأجسام، وسيأتي الكلام معهم فيه، إن شاء الله- -فإذا ثبت المعاد الجسماني جاز وجود الأكل وغيره من لواحق الطبيعة، وقد أخبر به الشرع؛ فكان واجب الوقوع سمعا، ولأن أولياء الله- تعبدوا له بترك الملاذ والشهوات، والحكمة تقتضي تعويضهم عنها بمثلها أو خير منها من جنسها، وعلى هذا كلام ربما ذكرناه بعد، إن شاء الله- .
قوله : ﴿*إِنَّ اللهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ماذا أَرادَ اللهُ بِهذا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَما يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ﴾
стр. 39
﴿الْفاسِقِينَ﴾ (٢٦) [البقرة: ٢٦].
مع قوله : ﴿كَذلِكَ يُضِلُّ اللهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاّ هُوَ وَما هِيَ إِلاّ ذِكْرى لِلْبَشَرِ﴾ (٣١) [المدثر: ٣١] يقتضي أنه- يشاء إضلال بعض الخلق ويفعله، خلافا للمعتزلة، ولهم عن هذا ونحوه من كل موضع نسب الله فيه الإضلال إلى نفسه جوابان:
أحدهما: أن هذه ظواهر سمعية؛ / [٢١/ل] فلا يعارض القواطع العقلية [العدلية]- زعموا-عندهم.
والثاني: أن: ﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَلَتُسْئَلُنَّ عَمّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٩٣) [النحل: ٩٣] يحتمل أنه بمنع الإلطاف، ويحتمل أنه بمعنى أصابه ضالا؛ كما يقال: أضللت دابتي: أصبتها ضالة، وأبخلت زيدا، وأجبنته؛ أي: أصبته بخيلا جبانا.
ويحتمل أن يضله بخلق الإضلال فيه، كما زعم الجبرية. وإذا تطرق إليه التأويل واحتمال الأمرين، عاد مجملا لا حجة فيه.
والصواب أن هذه العبارة ونحوها قواطع في غالب مواقعها؛ فلا يسمع ما ذكروه من/ [١٠/ب/م] التأويل البعيد.
قوله : ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (٢٨) [البقرة: ٢٨]. أي: كنتم معدومين عدما أصليا، فأوجدكم.
وقيل: كنتم نطفا فجعلكم أحياء، ثم يميتكم الموت الطبيعي المشهور الذي يترقبه الأحياء، ثم يحييكم بالإعادة في الآخرة.
وفي هذا إشارة إلى إثبات إعادة الخلق بعد الموت، بالقياس على إبدائه بعد العدم الأصلي وأولى؛ لأن الإعادة تكون بعد وجود خارجي محقق، والإبداء إنما كان بعد عدم أصلي ليس بوجود محقق، سواء قيل: إن المعدوم شيء-على رأي المعتزلة-أو ليس بشيء، على رأي الجمهور.
وإلى هذه الأولوية أشار بقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ﴾
стр. 40
أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٧) [الروم: ٢٧] وهذه من مسائل اليوم الآخر.
قوله- : ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اِسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٢٩) [البقرة: ٢٩] أي: لأجلكم ومصلحتكم، وهذا إشارة إلى تعليل خلقه ما في الأرض بمصلحتهم وحاجتهم، وفي كون أفعاله- -وأحكامه معللة-بحث وخلاف له موضع أنسب من هذا يذكر فيه إن شاء الله .
قوله- : ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٩] هذا عام لم يخص بشيء أصلا؛ لتعلق علمه [بالمواد الثلاث: مادة] الواجب، والممكن والممتنع، بخلاف قوله- : ﴿يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا وَلَوْ شاءَ اللهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٢٠) [البقرة: ٢٠] فإنه عام مخصوص بالمحالات، والواجبات التي لا تدخل تحت المقدورية؛ كالجمع بين الضدين، وكخلق ذاته وصفاته وأشباه ذلك.
واعلم أني سهوت عن ذكر جزئيات العموم والخصوص إلى هاهنا، وأنا عائد فمستدركها من أول الفاتحة، إن شاء الله .
فمنها: (الحمد الله) هو عام؛ أي: جنس الحمد، وكل حمد ممكن وجوده فهو مستحق لله- -لأن النعم لما كانت كلها منه كان الحمد كله له. وهذا على عمومه، لم يخص.
ومنها: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ (٢) [الفاتحة: ٢] أي: رب كل شيء، كما نص عليه في موضع آخر، وهو على عمومه.
ومنها: ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ (٤) [الفاتحة: ٤] أي: المتصرف في جميع ذلك اليوم وما بعده.
ومنها: ﴿صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضّالِّينَ﴾ (٧) [الفاتحة: ٧] هو عام في المنعم عليهم، لم يخص.
وكذا ﴿الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضّالِّينَ﴾ (٧) [الفاتحة: ٧].
следующие страницы →