Полный текст (691 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
والثاني: وهو أن الخالق لهم غير الأمم قبلهم-فذلك الغير: / [١٨/ل] إما قديم وهو المطلوب، أو حادث: فإن أثر فيه بعض مخلوقاته لزم الدور، أو مؤثر آخر لزم التسلسل.
وحاصله: أنكم ومن قبلكم مخلوقون، فلا بد لكم من خالق قديم: «فالخالق»: احتراز من التعطيل، و «القديم» احتراز من لزوم الدور والتسلسل.
فائدة:
الدور: توقف وجود الشيء على نفسه: إما بغير واسطة، أو بواسطة متحدة؛ كتوقف «أ» على «ب» و «ب» على «أ» أو متعددة، إما متناهية؛ كتوقف «أ» / [٩/ب/م] على «ب» و «ب» على «ج» و «ج» على «د»، و «د» على «هـ»، [و «هـ» على «أ»] أو غير متناهية؛ كتوقف «هـ» على «ز»، وتوقف «ز» على «ح» وهلم جرا، إلى غير النهاية، وهو محال.
والتسلسل: تعلق كل سبب بآخر قبله وتوقفه عليه، إلى غير النهاية، وهو محال.
وعلى حدوث العالم ووجود الصانع أسئلة يأتي منها ما اعترض لنا، إن شاء الله .
قوله تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٢٢) [البقرة: ٢٢]، فيه تنبيه على كيفية النظر، وكيفيته تستدعي تحققه ووجوبه، وسيأتي بيانه -إن شاء الله -وقد سبق حد النظر، وهو يفضي في وجود الصانع وحدوث العالم إلى ما سبق من الاستدلال بدليل الدور والتسلسل، وقد احتج النبي ﷺ بهما، إذ قيل له حين قال: «لا عدوى» -: يا رسول الله، ما بال الإبل-تكون كالظباء فيخالطها البعير الأجرب فتجرب؟ قال: «فمن أعدى الأول؟ ! » (١) يعني: لو كان كل أجرب يستدعي أجرب يعديه لزم تسلسل الجربى، لكنه باطل بالعيان؛ إذ البعير الأول لم يستدع أجرب يعديه.
أو يقال: لو كانت العدوى لازمة، لكان البعير الأول: إما أن تعديه الإبل التي أعداها هو؛ فيلزم الدور، أو غيره فيلزم التسلسل. وانظر إلى قوله-﵊: «فمن أعدى الأول؟ » مع قوله : ﴿أَفَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ﴾
стр. 37
﴿جَدِيدٍ﴾ (١٥) [ق: ١٥] كيف [كان] كل منهما ثلاث كلمات تضمنت دليلا عقليا عظيما أسهب في تقريره المتكلمون، وذلك دليل على تشابه الكلامين، وأنه عليه-الصلاة والسّلام-مؤيد من العلي الأعلى ما ينطق عن الهوى.
قوله- : ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَاُدْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (٢٣) [البقرة: ٢٣].
هذه من مسائل النبوات، وهي تتضمن إثبات نبوة محمد ﷺ بتقريره معجزه وهو القرآن، وتقرير الدليل: أن محمدا ﷺ لو [كان كاذبا] في دعوى النبوة لأمكنكم أن تعارضوا معجزه-وهو القرآن-ولو بسورة منه، لكن لا يمكنكم معارضته؛ فيلزم أنه ليس بكاذب؛ فهو إذن صادق.
وقوله- : ﴿عَلى عَبْدِنا﴾ [البقرة: ٢٣] أي: من مثل محمد-﵊-تنبيه على وجه صدقه؛ وهو أن صدور مثل هذا الكلام المعجز للخلق عن أمّيّ لا يقرأ ولا يكتب، يدل على صدقه قطعا؛ كما أن/ [٢٠/ل] قلب العصاحية وإحياء الموتى، ممن لم يشتغل بعلم السحر ولا الطلب، يدل على صدقه.
وقوله: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ (٢٤) [البقرة: ٢٤] معجز معترض في هذا الاستدلال؛ لأنه إخبار عن غيب، بأنهم لا يعارضون القرآن، وكان كما قال. ولقد كان هذا مما يقوي دواعيهم على تعاطي المعارضة، فلو قدروا عليها لفعلوها، ثم لكذبوه في خبره، وقالوا: زعمت أنا لن نفعل وها نحن قد فعلنا؛ فلما لم يعارضوه مع توفر الدواعي على المعارضة، دل على العجز والإعجاز.
قوله : ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ (٢٤) [البقرة: ٢٤].
مع قوله : ﴿*وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (١٣٣) [آل عمران: ١٣٣].
يحتج بهما على وجود الجنة والنار في الخارج، خلافا للمعتزلة؛ إذ قالوا: إنما هما موجودتان في العلم لا في الخارج.
حجة الجمهور: هذا النص؛ إذ المعدوم لا يقال له: «أعدّ» فهو معد؛ ولأنه قد ثبت أن
стр. 38
آدم-﵇-دخل الجنة ثم أخرج منها (١) وأن النبي ﷺ رأى الجنة والنار ليلة الإسراء، (٢) وأن أرواح الشهداء في حواصل طير في الجنة (٣).
احتج الخصم بأن الحاجة إليهما إنما هي في الآخرة، فإيجادهما قبلها عبث.
وأجيب بالمنع، بل في ذلك ترغيب وترهيب كآلات العقوبة؛ كالصلابة ونحوها، يعدها السلطان ترهيبا للأشرار، وآلات الثواب والإنعام ترغيبا للأخيار.
قوله- : ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ (٢٥) [البقرة: ٢٥].
يقتضي أن المعاد جسماني فيه أكل ثمار ونكاح أزواج، خلافا للفلاسفة والنصارى القائلين بأن المعاد روحاني، لا أكل فيه ولا نكاح، وإنما الثواب والعقاب هناك بالقرب من الله- -والبعد منه، أو بالتذاذ النفس بالعقائد الحقة وتجردها عن الهيئات الطبيعية الرذيلة وتألمها بخلاف ذلك.
فالجواب: أن هذا بناء منهم على استحالة إعادة الأجسام، وسيأتي الكلام معهم فيه، إن شاء الله- -فإذا ثبت المعاد الجسماني جاز وجود الأكل وغيره من لواحق الطبيعة، وقد أخبر به الشرع؛ فكان واجب الوقوع سمعا، ولأن أولياء الله- تعبدوا له بترك الملاذ والشهوات، والحكمة تقتضي تعويضهم عنها بمثلها أو خير منها من جنسها، وعلى هذا كلام ربما ذكرناه بعد، إن شاء الله- .
قوله : ﴿*إِنَّ اللهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ماذا أَرادَ اللهُ بِهذا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَما يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ﴾
стр. 39
﴿الْفاسِقِينَ﴾ (٢٦) [البقرة: ٢٦].
مع قوله : ﴿كَذلِكَ يُضِلُّ اللهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاّ هُوَ وَما هِيَ إِلاّ ذِكْرى لِلْبَشَرِ﴾ (٣١) [المدثر: ٣١] يقتضي أنه- يشاء إضلال بعض الخلق ويفعله، خلافا للمعتزلة، ولهم عن هذا ونحوه من كل موضع نسب الله فيه الإضلال إلى نفسه جوابان:
أحدهما: أن هذه ظواهر سمعية؛ / [٢١/ل] فلا يعارض القواطع العقلية [العدلية]- زعموا-عندهم.
والثاني: أن: ﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَلَتُسْئَلُنَّ عَمّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٩٣) [النحل: ٩٣] يحتمل أنه بمنع الإلطاف، ويحتمل أنه بمعنى أصابه ضالا؛ كما يقال: أضللت دابتي: أصبتها ضالة، وأبخلت زيدا، وأجبنته؛ أي: أصبته بخيلا جبانا.
ويحتمل أن يضله بخلق الإضلال فيه، كما زعم الجبرية. وإذا تطرق إليه التأويل واحتمال الأمرين، عاد مجملا لا حجة فيه.
والصواب أن هذه العبارة ونحوها قواطع في غالب مواقعها؛ فلا يسمع ما ذكروه من/ [١٠/ب/م] التأويل البعيد.
قوله : ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (٢٨) [البقرة: ٢٨]. أي: كنتم معدومين عدما أصليا، فأوجدكم.
وقيل: كنتم نطفا فجعلكم أحياء، ثم يميتكم الموت الطبيعي المشهور الذي يترقبه الأحياء، ثم يحييكم بالإعادة في الآخرة.
وفي هذا إشارة إلى إثبات إعادة الخلق بعد الموت، بالقياس على إبدائه بعد العدم الأصلي وأولى؛ لأن الإعادة تكون بعد وجود خارجي محقق، والإبداء إنما كان بعد عدم أصلي ليس بوجود محقق، سواء قيل: إن المعدوم شيء-على رأي المعتزلة-أو ليس بشيء، على رأي الجمهور.
وإلى هذه الأولوية أشار بقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ﴾
стр. 40
أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٧) [الروم: ٢٧] وهذه من مسائل اليوم الآخر.
قوله- : ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اِسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٢٩) [البقرة: ٢٩] أي: لأجلكم ومصلحتكم، وهذا إشارة إلى تعليل خلقه ما في الأرض بمصلحتهم وحاجتهم، وفي كون أفعاله- -وأحكامه معللة-بحث وخلاف له موضع أنسب من هذا يذكر فيه إن شاء الله .
قوله- : ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٩] هذا عام لم يخص بشيء أصلا؛ لتعلق علمه [بالمواد الثلاث: مادة] الواجب، والممكن والممتنع، بخلاف قوله- : ﴿يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا وَلَوْ شاءَ اللهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٢٠) [البقرة: ٢٠] فإنه عام مخصوص بالمحالات، والواجبات التي لا تدخل تحت المقدورية؛ كالجمع بين الضدين، وكخلق ذاته وصفاته وأشباه ذلك.
واعلم أني سهوت عن ذكر جزئيات العموم والخصوص إلى هاهنا، وأنا عائد فمستدركها من أول الفاتحة، إن شاء الله .
فمنها: (الحمد الله) هو عام؛ أي: جنس الحمد، وكل حمد ممكن وجوده فهو مستحق لله- -لأن النعم لما كانت كلها منه كان الحمد كله له. وهذا على عمومه، لم يخص.
ومنها: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ (٢) [الفاتحة: ٢] أي: رب كل شيء، كما نص عليه في موضع آخر، وهو على عمومه.
ومنها: ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ (٤) [الفاتحة: ٤] أي: المتصرف في جميع ذلك اليوم وما بعده.
ومنها: ﴿صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضّالِّينَ﴾ (٧) [الفاتحة: ٧] هو عام في المنعم عليهم، لم يخص.
وكذا ﴿الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضّالِّينَ﴾ (٧) [الفاتحة: ٧].
стр. 41
ومنها: ﴿هُدىً لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٢) [البقرة: ٢] وصفاتهم المذكورة بعد.
ومنها: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (٦) [البقرة: ٦] عام في الكفار، لكن المراد به خاص؛ وهم الكفار الذين سبق في علم الله- -أنه يموتون كفارا؛ نحو: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ اِفْتَدى بِهِ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ﴾ (٩١) [آل عمران: ٩١]، ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (٩٦) [يونس: ٩٦] / [٢٢/ل] ونحوه.
ودليل هذا التخصيص أنه ليس جميع الكفار الذين نزلت هذه الآية في زمانهم، انتفى إيمانهم، بل آمن بعد نزول الآية كثير منهم؛ فلهذا قلنا: إنه أريد به التخصيص؛ لئلا يخالف الخبر المخبر، اللهم إلا [١١/م] أن يكون (الذين كفروا) لقوم معهودين؛ فلا يحتاج إلى التخصيص.
ومنها: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ (٨) [البقرة: ٨] أي: ما لهم إيمان، فهو نكرة في سياق النفي فتعم، وينفي جميع أفراد الإيمان.
[فإن قيل: الإيمان] حقيقة واحدة بسيطة لا تعدد فيها حتى يلحقها العموم في النفي، بخلاف: «لا رجل» لأجل التعدد في جنسه.
قلنا: الإيمان هو التصديق، وهو كلي تتعدد جزئياته بتعدد متعلقاتها؛ فمنها تصديق بالله- -وتصديق بملائكته، وتصديق برسله، وتصديق بكتبه، وتصديق باليوم الآخر، فقوله : ﴿وَمِنَ النّاسِ﴾ [البقرة: ٨] تضمن نفي كل فرد من هذه التصديقات.
ومنها: ﴿يُخادِعُونَ اللهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَما يَخْدَعُونَ إِلاّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ﴾ (٩) [البقرة: ٩] أي: والمؤمنين، إن كانوا معهودين فلا إشكال، وإلا فهو عام في جميع المؤمنين، فيحتمل أنه لم يخص؛ لعموم مخادعة الكفار لهم، ويحتمل أنه خص بقوم لم يقصد المنافقون خداعهم؛ إما تعظيما لهم أو يأسا منهم.
ومنها: ﴿وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ﴾ (١٤) [البقرة: ١٤] والقول فيها كالتي قبلها.
стр. 42
ومنها: ﴿وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ﴾ [البقرة: ١٤] يحتمل أنهم من شياطين معهودة، ويحتمل أنه عام في جميع شياطينهم من الإنس والجن أو أحدهما، ثم يحتمل أنه خص ببعض الشياطين فلم يمكنهم الخلوة به لغيبة أو مرض أو نحوه من الأسباب. ويحتمل أنه لم يخص بأحد منهم.
ومنها: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ اِشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾ (١٦) [البقرة: ١٦] يحتمل أن المراد بالضلالة جنس الضلال، اشتروه بجنس الهدى، عاما بعام، ويحتمل ضلالة واحدة؛ أي: فرد من أفراد جنس الضلال؛ كالتمرة الواحدة من التمر اشتروها بجنس الهدى، وهو أبلغ في غبنهم وخسارتهم؛ إذ أخذوا فردا من أفراد الضلال وأعطوا جميع أفراد الهدى؛ كمن يأخذ حجرا واحدا من أفراد الحجارة ويعطى جميع أفراد الدنانير. وهو على الأول عام جار على عمومه.
ومنها: ﴿فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ﴾ [البقرة: ١٦] أي: ما حصل فيها ربح فهو عام في نفي الربح، وكذا: ﴿وَما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾ (١٦) [البقرة: ١٦] عام في نفي هداهم؛ أي:
وما كان لهم هدى.
ومنها: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اِسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ﴾ (١٧) [البقرة: ١٧] عام في جميع ما حوله. ثم احتمال تخصيصه بحسب الواقع خارجا أو ذهنا، إن كان ما حوله مكشوفا ليس فيه ذو ظل يحجب الضوء عما يحاذيه، فلا تخصيص، وإلا خضّ منه ما يحاذي ذوات الظلال فيما حوله.
مثاله: لو قدر فيما حوله من الأرض شجرة لم يحصل الضوء في ظلها فيكون مخصوصا من عموم «أضاءت ما حوله».
ومنها: ﴿ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ﴾ [البقرة: ١٧] عام في جميع نورهم؛ لأنه اسم جنس مضاف. / [٢٣/ل].
ومنها: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ﴾ (١٩) [البقرة: ١٩] يحتمل العموم؛ لظاهر اللفظ، ويحتمل العهد؛ لأن أصله: والله محيط بهم، لكن وضع الظاهر موضع الضمير ترهيبا.
ثم الضمير في «بهم» راجع إلى «من» في قوله- / [١١ ب/م]: ﴿وَمِنَ﴾
стр. 43
النّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (٨) [البقرة: ٨] وهي نكرة موصوفة لا عموم لها؛ أي: ومن الناس قوم يقولون: آمنا. وإذ لا عموم لها فلا عموم للعائد إليها، وهو الضمير في: والله [بهم محيط].
ومنها: ﴿يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا وَلَوْ شاءَ اللهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٢٠) [البقرة: ٢٠].
قيل: هو خاص بالممكنات، مخصوص بما عداها من الواجب والممتنع.
والتقدير: إن الله على كل شيء ممكن قدير؛ إذ غير الممكن لا يدخل تحت القدرة.
ومنها: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ اُعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (٢١) [البقرة: ٢١].
قيل: هو عام أريد به خصوص أهل مكة.
وقيل: هو عام فيهم وفي غيرهم ممن شملته دعوة الإسلام، لكن مخصوص بمن لا تلزمه العبادة كغير المكلفين.
وقد عرض هاهنا تنبيه حسن؛ وهو أن العام قد يكون (قار) الكمية، أي: لا يلحقه زيادة ولا نقص؛ كقولنا: الوجود أو العالم ما كان منه وما يكون ممكن أو مخلوق، وقد لا يكون كذلك بأن تلحقه الزيادة والنقص؛ نحو: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ اُعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (٢١) [البقرة: ٢١] فإنه خطاب للمكلفين، وعام فيهم، ثم إنهم يزيدون بمن ينتقل إلى حال التكليف؛ كالصبي يبلغ والمجنون يفيق، وينقصون؛ كالعاقل يجن والحي يموت.
ومنها: ﴿مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ٢١] هو عام في المخلوقين، هم والذين من قبلهم من الأمم.
ومنها: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٢٢) [البقرة: ٢٢] عام في الأرض خص بالبحار ونحوها مما لا يفترشه الناس.
ومنها: ﴿وَالسَّماءَ بِناءً﴾ [البقرة: ٢٢] أي: سقفا مبنيا فوقكم، مثل: ﴿وَجَعَلْنَا﴾
стр. 44
السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً وَهُمْ عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ (٣٢) [الأنبياء: ٣٢]، و ﴿وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ﴾ (٥) [الطور: ٥] ثم يحتمل أنه على عمومه في السماء؛ لأن السماء مع العالم كبيت واسع فيه ناس، وهو سقف مبنى عليهم. ويحتمل أن يخص في السماء بما خرج عن سمت الأرض المسكونة منها؛ كالسماء المسامتة للربع الخراب من الأرض [لا تعلق له بأهل المعمور منها بكونه سقفا لهم ولا بناء فوقهم، وصار ذلك من السماء كالبحر الذي تعذر كونه فراشا من الأرض، وصار حقيقة الكلام: الذي جعل لكم الأرض] التي يمكنكم التصرف عليها والاستقرار فراشا، والسماء التي تسامتكم وتظلكم بناء. أو جعل الأرض التي تقلكم فراشا، والسماء التي تظلكم بناء، والبحر لا يقلنا، وما لا يسامتنا من السماء لا يظلنا؛ فلا يكون مرادا من لفظهما أو يكون مخصوصا منه.
ومنها: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَاُدْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (٢٣) [البقرة: ٢٣] أي: من الذي نزلناه، فهو عام في جميع المنزل لم يخصّ منه شيء؛ لأنه لم يؤمنوا منه بشيء.
ومنها: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ (٢٤) [البقرة: ٢٤] عام أريد به الخاص، وهو الناس العصاة، أو الكفار، وحجارة الكبريت، على ما ورد في التفسير.
ومنها: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ (٢٤) [البقرة: ٢٤] عام أريد به الخاص، وهو من مات على كفره، وإلا فكثير ممن كان كافرا وقت نزولها أسلم بعد ذلك، فخرج عن العموم.
ومنها: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ (٢٥) [البقرة: ٢٥] هو عام فيهم أريد به/ [١٣ أ/م] الخاص، وهو من آمن وعمل/ [٢٤/ل] جميع الصالحات المأمور بها إلى الموت، ولا يخفى ما فيه من التقييد.
ومنها: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ماذا أَرادَ اللهُ﴾
стр. 45
بِهذا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَما يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفاسِقِينَ (٢٦) [البقرة: ٢٦]، ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة: ٢٦] عام فيهم إن لم يرد بهم أو ببعضهم معهود.
ومنها: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ﴾ (٢٧) [البقرة: ٢٧] لفظها عام، فإن أريد فسادهم في كلها المجموعي من حيث هو كل فلا تخصيص، إذ من أفسد في ذراع من الأرض، صدق أنه أفسد في الأرض بهذا الاعتبار.
وإن أريد فسادهم في كلية أجزائها أي في كل جزء منها، فهو مخصوص بكل جزء منها لم يفسدوا فيه.
ومنها: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اِسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٢٩) [البقرة: ٢٩]، هو عام مؤكد ب (جميعا) ثم يحتمل أن يكون مخصوصا بما ليس للمخاطبين مما في الأرض كعلف البهائم ونحوه، ويحتمل إجراؤه على عمومه بأن يقال: علف البهائم ونحوه هو للمخاطبين بواسطتها؛ لأن البهائم خلقت لهم، وعلفها خلق لها، والمخلوق للمخلوق للشيء مخلوق لذلك الشيء. والعيان يشهد أن علف البهائم يصير لحما لها ولبنا، ثم يأكله الناس.
قوله : ﴿وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ (٣٠) [البقرة: ٣٠] هو عام فيهم لم يخص، ﴿وَيَسْفِكُ الدِّماءَ﴾ [البقرة: ٣٠] يحتمل أنه لتعريف الحقيقة، أو هو مجرد جمع لا للعموم، ويحتمل أنه [عام خص] بالواقع بأن بني آدم لم يسفكوا كل دم.
ثم إن الناس اختلفوا في عصمة الملائكة؛ فأثبتها الجمهور ونفاها المعتزلة، متمسكين من هذه القصة بوجوه:
أحدها: قولهم: (أتجعل فيها) وهو استفهام إنكار، واعتراض على الله- وهو سوء أدب.
الثاني: قولهم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾
стр. 46
وَنُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ (٣٠) [البقرة: ٣٠] وهو غيبة لبني آدم، وقذف لهم رجما بالغيب.
الثالث: قولهم: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ﴾ [البقرة: ٣٠] وهو عجب منهم بأعمالهم، ومن [منهم] على الله- -بها، وكل هذه أفعال تنافي العصمة.
الرابع: أن إبليس وهاروت وماروت من رؤسائهم وقد علم ما كان منهم مما ينافي العصمة فمن دونهم من الملائكة أولى.
الخامس: أن البشر أفضل من الملائكة عند كثير من الناس، ثم إنهم غير معصومين، فالملائكة الذين هم مفضولون أولى.
واحتج الجمهور بوجوه:
أحدها: أن الملائكة رسل الله، لقوله- : ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (١) [فاطر: ١].
﴿اللهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النّاسِ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ (٧٥) [الحج: ٧٥]. ورسل الله- -معصومون لقوله : ﴿وَإِذا جاءَتْهُمْ آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللهِ اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغارٌ عِنْدَ اللهِ وَعَذابٌ شَدِيدٌ بِما كانُوا يَمْكُرُونَ﴾ (١٢٤) [الأنعام: ١٢٤].
الثاني: قوله- -في وصفهم: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً وَقُودُهَا النّاسُ وَالْحِجارَةُ عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ لا يَعْصُونَ اللهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ (٦) [التحريم: ٦] وهو معنى العصمة. / [٢٥/ل]
الثالث: أن المنافي للعصمة هو المعاصي، و [هي] إنما تصدر عن الشهوة والغضب، وهم مجردون عنهما؛ فكانوا معصومين/ [١٣ ب/م] عنها.
قالوا: وهذه الوجوه قواطع في عصمتهم، وما ذكره المعتزلة في نفيها ما بين ممنوع أو ظاهر لا يعارض القاطع.
стр. 47
وأقول في هذا: إن الله- -متصرف عدل فبتصرفه ابتلى البعض بالبعض، وبعدله سلط بعض بني آدم على الملائكة فتكلموا فيهم انتصافا منهم، ثم إنه- بين للملائكة فضل بني آدم حتى صاروا يستغفرون لهم.
قوله- : ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (٣١) [البقرة: ٣١]، قيل: أسماء الملائكة فهو خاص بهم.
وقيل: أسماء الموجودات فهو عام فيها (١)، ويحتج به من يرى أن اللغات توقيفية لا اصطلاحية.
وأجيب عنه بأنه يجوز أنه علمه لغة من كان قبله، وهي في الأصل اصطلاحية، ويجوز أنه علمه ذلك بأن أقدره على الاصطلاح، وألهمه اللغات فوضعها.
وهذه المسألة من مسائل اللغات من أصول الفقه، وقد اختلف فيها فقيل: اللغات توقيف، وقيل: اصطلاح، وقيل: القدر المعرف للتخاطب توقيف، والباقي اصطلاح، وقيل غير ذلك، وهذه المسألة من رياضات الفن، لا من ضرورياته.
قولهم: ﴿قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلاّ ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ (٣٢) [البقرة:
٣٢] عام خص بالاستثناء المذكور، وفيه رد على من تأله الملائكة، إذ لو كانوا آلهة لكان علمهم كاملا عام التعلق بالأشياء.
﴿قالَ يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ فَلَمّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ (٣٣) [البقرة: ٣٣] ظاهر في أن الأسماء التي علمها أسماء الملائكة، أي: أنبئ الملائكة بأسمائهم، [ويحتمل: أنبئهم بأسماء المسميات كلها. أو بأسماء] الملائكة من جملة المسميات، وبه يحصل مقصود إعجازهم.
﴿إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ (٣٣) [البقرة: ٣٣] عام في كل ما غاب فيهما عن الخلق، أما الله- -فلا يغيب عنه شيء، ولا تخصيص فيه مثل: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظّاهِرُ وَالْباطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ﴾
стр. 48
﴿عَلِيمٌ﴾ (٣) [الحديد: ٣].
واعلم أن المصحح لعلم الغيب هو كمال العلم والقدرة والإرادة، وهذا الكمال [لم يحصل إلا لله] -فلذلك اختص بعلم الغيب وقد شرحت ذلك في موضع آخر.
قوله- : ﴿وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اُسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ أَبى وَاِسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ﴾ (٣٤) [البقرة: ٣٤] هو عام فيهم لم يخص.
﴿فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ﴾ احتج به من رأى أن إبليس من الملائكة، إذ لو لم يكن منهم لما تناوله الأمر لهم، وعورض بقوله- ﴿وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اُسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظّالِمِينَ بَدَلاً﴾ (٥٠) [الكهف: ٥٠] والاستثناء منقطع، أي لكن إبليس أبى.
واحتج به أيضا من رأى الأمر المطلق يقتضي الوجوب والفورية (١)، لأن الملائكة لما قيل لهم:
﴿اُسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ [البقرة: ٣٤] فسجدوا على الفور سلموا من اللائمة، / [٢٦/ل] وإبليس لما ترك السجود لحقته اللائمة، فدل على أنه ترك الواجب الفوري، وإلا لما لزمه اللوم إذ كان له أن يقول: أمرتني، ومقتضى الأمر الندب أو التراخي، فأسجد متى شئت، وقد ناظر بأشد من هذا حيث قال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ (٧٦) [ص: ٧٦]، / [١٣ أ/م] فلو كان له حجة من جهة الندب، أو التراخي لما تركها.
وأجاب المخالف بأن الوجوب لعله فهم من قرينة حالية أو مقالية، لم يحكها القرآن، أو من خصوصية تلك اللغة التي وقع الأمر بها، إذ العربية لم تكن حينئذ وإنما حكى القرآن بها ما وقع بغيرها، والخلاف إنما هو في الأمر المجرد عن القرائن بلغة العرب. وأما الفور فلم يفهم [من مجرد] الأمر وهو: ﴿اُسْجُدُوا﴾ [البقرة: ٣٤] بل إما من قرينة، أو مقتضى تلك اللغة كما سبق، أو من قوله- : ﴿فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾
стр. 49
﴿فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ (٢٩) [الحجر: ٢٩] فتعقيب التسوية والنفخ بالأمر بالسجود بفاء التعقيب خصوصا بلفظ الوقوع الدال على أبلغ ما يكون من المبادرة قاطع في الفورية.
﴿وَقُلْنا يا آدَمُ اُسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظّالِمِينَ﴾ (٣٥) [البقرة: ٣٥] عام فيهما.
﴿وَكُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما﴾ [البقرة: ٣٥] عام في أمكنتها.
﴿وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظّالِمِينَ﴾ (٣٥) [البقرة: ٣٥] خصت من عموم الجنة.
قوله- : ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها فَأَخْرَجَهُما مِمّا كانا فِيهِ وَقُلْنَا اِهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ﴾ (٣٦) [البقرة: ٣٦] زللهما مخلوق لله عند المجبرة، ولآدم وحواء عند المعتزلة، ومكسوب لهما مخلوق لله- عند الكسبية، وهي من مسائل القدر، وأضيف الإزلال إلى الشيطان لتسببه إليه بالوسوسة.
﴿فَأَخْرَجَهُما مِمّا كانا فِيهِ﴾ عام خص بورق الجنة الذي خصفاه عليهما منها، وهو مما كانا فيه من نعيم الجنة، وهو كما قيل: متاع قليل من حبيب مفارق.
﴿وَقُلْنَا اِهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ﴾ (٣٦) [البقرة: ٣٦] عام في الهابطين المخاطبين وهم آدم وحواء وإبليس والحية والطاووس (١) فيما قيل.
﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (٣٨) [البقرة: ٣٨] عام، مخصوص بمن مات على الهدى.
﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (٣٨) [البقرة: ٣٨] عام، سواء بني الخوف مع لا أو رفع منونا؛ لأنه جنس لا يقبل التثنية وقع عليه النفي، بخلاف نحو: لا رجل بالرفع؛ لأنه يقبل التثنية؛ فيجوز أن يقال فيه؛ لا رجل في الدار بل رجلان أو رجال، ولا يحسن هاهنا لا خوف عليهم بل خوفان؛ وكذا ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ﴾
стр. 50
﴿هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ (٣٩) [البقرة: ٣٩] عام فيهم بشرط أن يموتوا على الكفر.
قوله- : ﴿يا بَنِي إِسْرائِيلَ اُذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيّايَ فَارْهَبُونِ﴾ (٤٠) [البقرة: ٤٠] عام فيهم [الموجودين في] عصر النبوة.
﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي﴾ (٤٠) [البقرة: ٤٠] عام في العهد وهو ما التزموه من/ [٢٧/ل] الإيمان والطاعة
﴿وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَإِيّايَ فَاتَّقُونِ﴾ (٤١) [البقرة: ٤١] أي بجميعه فهو عام فيه، إذا الكفر بحرف منه كالكفر بجميعه.
﴿مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ﴾ أي لجميعه. فلا تناقض ولا تكاذب فيما جاء من عند الله- -كليا ولا جزئيا؛ بل كل قضية منه موافقة لباقي قضاياه؛ لأن كلام الله -إن كان هو العبارات المسموعة فهو غني عن الكذب فيه، وإن كان هو المعنى القائم بذاته فالكذب نقص لا يجوز قيامه بها فعلى كل حال لا كذب، ولا/ [١٣ ب/م] تناقض في كلامه .
﴿وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٤٢) [البقرة: ٤٢] عام أريد به الخاص، أي: لا تخلطوا الحق الذي من عندكم من صفة محمد ﷺ بالباطل الذي تخترعونه لتضيعوا أمره على الناس.
قوله- : ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ﴾ (٤٦) [البقرة: ٤٦] أي يعلمون أو يعتقدون، وإلا فالظن المجرد لا يكفي في العقائد، والفرق بين الثلاثة أن العلم جازم لا يقبل التشكيك [كالعلم بأن الواحد نصف الاثنين، والظن غير جازم ويقبل التشكيك] كظن أن النية شرط في الوضوء، والاعتقاد جازم لكنه يقبل التشكيك، ولهذا ينتقل أهله عنه كالقدري يصير جبريا والمعتزلي أشعريا ونحوه.
والظن لغة الاعتقاد غير الجازم راجحا كان أو مرجوحا؛ لأنهم قالوا: الظن خلاف العلم وهو يتناول ذلك.
وفي الاصطلاح، وهو الحكم الراجح في أحد الاحتمالين، والمرجوح وهم والمساوي
стр. 51
شك (١)، وقد يستعمل الظن بمعنى العلم وفي القرآن منه مواضع هذا الموضع ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُواقِعُوها وَلَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفاً﴾ (٥٣) [الكهف: ٥٣].
و﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ وَظَنُّوا ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ (٤٨) [فصلت: ٤٨]، ﴿قالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إِلى نِعاجِهِ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ وَقَلِيلٌ ما هُمْ وَظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ راكِعاً وَأَنابَ﴾ (٢٤) [ص: ٢٤] وقول الشاعر:
فقلت لهم ظنوا بألفي مدجج ... سراتهم في الفارسي المرد
وقد يحتج بهذا ونحوه مثل: ﴿قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ (١١٠) [الكهف: ١١٠]، ﴿دَعْواهُمْ فِيها سُبْحانَكَ اللهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ (١٠) [يونس: ١٠] وأشباهه من يرى أن الله- -يرى في الآخرة وهو مذهب الجمهور، وهي من مسائل صفات الله- -وهو كونه مرئيا.
ووجهه أن اللقاء لغة يقتضي بإطلاقه الرؤية، وفي هذه المسألة بحث يذكر في موضعه إن شاء الله .
قوله- : ﴿يا بَنِي إِسْرائِيلَ اُذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ﴾ (٤٧) [البقرة: ٤٧] عام أريد به الخاص، وهو عالمو زمانهم أو عام خص بأمة محمد ﷺ فإنها أفضل الأمم بالنص والإجماع.
﴿وَاِتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ (٤٨) [البقرة: ٤٨].
يحتج به المعتزلة وبنحوه مثل: ﴿فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ﴾ (١٠٠) [الشعراء: ١٠٠]، ﴿فَما﴾
стр. 52
﴿تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشّافِعِينَ﴾ (٤٨) [المدثر: ٤٨] / [١٨/ل]- ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَناجِرِ كاظِمِينَ ما لِلظّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ﴾ (١٨) [غافر:
١٨] على أن العصاة ما لم يتوبوا في دار التكليف لا تنفعهم الشفاعة، والجمهور يخالفونهم في ذلك بما سيقع في مواضعه إن شاء الله- -وحملوا هذه الآيات على الكفار، وعلى هذا يكون ﴿وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ﴾ [البقرة: ٤٨] مخصوص بذوي الشفاعة في الآخرة حيث تقبل منهم وبأهل الكبائر من الموحدين حيث تقبل فيهم، أما ﴿وَاِتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ (٤٨) [البقرة: ٤٨] أي فدية فعلى عمومه لم يخص، إذ لا فدية هناك ولو ملء الأرض ذهبا.
قوله- : ﴿وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ (٤٩) [البقرة: ٤٩] عام في ذلك إلا من خص كموسى-﵇-إذ سلم من الذبح، ومن عساه قتل من النساء بسبب خاص.
﴿وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْناكُمْ وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ (٥٠) [البقرة: ٥٠] عام إذ لم ينقل [١٥ أ/م] أنه سلم منهم أحد، ودل على ذلك قوله ﴿فَلَمّا آسَفُونا اِنْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (٥٥) الزخرف: ٥٥] فأكد.
فأما قوله- -في فرعون ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النّاسِ عَنْ آياتِنا لَغافِلُونَ﴾ [يونس: ٩٢].
فمعناه نلقيك على نجوة من الأرض أي: موضع عال ميتا ليعتبر بك، ويحتمل أنه ننجيك من ابتلاع البحر لك كما ابتلع قومك فلم يظهر منهم أحد.
стр. 53
بعضا، إن ثبت أن جميع من عبد العجل واتخذه قتل فهو على عمومه؛ وإلا فهو مخصوص بمن سلم منهم كالسامري ونحوه.
﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ (٥٥) [البقرة: ٥٥] عام أريد به الخاص، وهم السبعون المختارون، لكن لما كانوا على رأي الباقين، وهم كالأئمة لهم صار صعقهم كصعق الجميع.
﴿ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (٥٦) [البقرة: ٥٦] دل على أن الصعق كان موتا حقيقيا ثم عاشوا بعده كما عاش الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت، وهذه من مسائل المعاد.
وقد صنف ابن أبي الدنيا أو غيره كتابا فيمن عاش بعد الموت، ذكر فيه خلقا كثيرا، وزعم قوم أن هؤلاء السبعين لم يموتوا، وإنما لحقهم صعق كصعقة موسى شبيها بالإغماء والخروج عن عالم الحس، ثم أفاقوا كما أفاق موسى، وسمي موتا بجامع الخروج عن الإحساس أو لكونه من مقدمات الموت، وأما قولهم: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة: ٥٥] فيحتج به المعتزلة على امتناع رؤيته- -إذ لو كانت جائزة لما قوبلوا على سؤالها بالموت والصعق، ولا حجة فيه، لاحتمال أن صعقهم لم يكن عقوبة على مجرد سؤالهم الرؤية، بل على سؤالها تكذيبا وعنادا/ [٢٩/ل] أو على سؤالها في الدنيا، وإنما وقتها الآخرة.
﴿وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ وَأَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (٥٧) [البقرة: ٥٧] هو إما غمام ومنّ وسلوى معهود أو عام أريد به الخاص، إذ ليس كل غمام ظلل عليهم، ولا كل منّ وسلوى أنزل عليهم، بل القدر الذي احتاجوا إليه من ذلك.
قوله- : ﴿وَإِذْ قُلْنَا اُدْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَاُدْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٥٨) [البقرة: ٥٨] عام في جميع الخطايا، تمحوها التوبة والاستغفار وهو معنى قولهم:
«حطّة»، وهو مخصوص بالشرك لا يغفر إلا بالإيمان لقوله- : ﴿إِنَّ اللهَ لا﴾
стр. 54
يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدِ اِفْتَرى إِثْماً عَظِيماً (٤٨) [النساء: ٤٨].
﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ (٥٩) [البقرة: ٥٩] عام في أولئك الظالمين أنهم أهلكوا بالطاعون أو غيره.
﴿فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ﴾ [البقرة: ٦١] عام فيما سألوه من البقول ونحوها، وتخصيصه موقوف على/ [١٥ ب/م] الدليل.
﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ﴾ عام أريد به الخاص، أي الذلة الكافية في خزيهم أو هو للعهد، أي الذلة المعهودة لهم.
﴿يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ﴾ [البقرة: ٦١] عام سواء كفروا بجميعها أو ببعضها الذي هو كالكفر بجميعها.
﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ﴾ (٦١) [البقرة: ٦١] عام أريد به الخاص أو عام مخصوص بمن لم يقتلوه منهم كموسى وهارون ﵉-وغيرهما.
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالنَّصارى وَالصّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (٦٢) [البقرة:
٦٢]، الآية عام لم يخص.
﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاُذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (٦٣) [البقرة: ٦٣].
عام فيجب على كل من أوتي تكليفا من الله- -أن يأخذ بجميعه ويعمل به كله إلا ما خصّ منه بنسخ [ونحوه، وكذلك: (واذكروا ما فيه) أي: من العهد يجب الوفاء بجميعه إلا ما خص منه بنسخ] أو عجز أو نسيان مسقط، فالصلاة مثلا عهد وأمانة عند المكلف يسقط منها القيام ونحوه بالعجز عنه، وواجباتها الثمانية عند من يراها بالنسيان والتضييق فيها سقط استحبابه بالنسخ.
стр. 55
قوله- : ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اِعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾ (٦٥) [البقرة: ٦٥] هذا أمر تكوين واقتدار، وصيغة «افعل» تأتي على نحو من عشرين وجها منها هذا، وسنشير إلى الباقي في مواضعه إن شاء الله- وهذه تذكر في مسائل الأمر من أصول الفقه.
﴿وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قالُوا أَتَتَّخِذُنا هُزُواً قالَ أَعُوذُ بِاللهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ﴾ (٦٧) [البقرة: ٦٧] هي مطلقة لدلالتها على ماهية البقرة من غير قيد، وفيه جواز التكليف والخطاب بالمطلق، ثم قد كان في علم الله- -تقييدها بالقيود المذكورة بعد كالصفرة وعدم الشية ونحوها، فمن ثم احتج به من رأى جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة إلى العمل خلافا لبعض الأصوليين (١)؛ لأن ذلك يوهم اعتقاد الخطأ.
وجوابه: أن ذلك وإن كان مفسدة لكن قد يتعلق به مصلحة نية الطاعة، والعزم على الامتثال وهي أرجح.
وقد يكون المجمل أجدر بحصول تلك المصلحة فلذلك جاز، والأكثرون على [أن] تأخير البيان عن وقت الخطاب وإلى وقت الحاجة/ [٣٠/ل] جائز، وعن وقت الحاجة ممتنع وهو الأظهر. وهذه من باب المطلق والمقيد والمجمل والمبين.
﴿فَقُلْنا اِضْرِبُوهُ بِبَعْضِها﴾ [البقرة: ٧٣].
أي: فضربوه ببعضها فعاش. ﴿كَذلِكَ يُحْيِ اللهُ الْمَوْتى وَيُرِيكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٧٣]، فيها مسائل:
الأولى: جواز الإضمار إذا اقتضاه ودل عليه الكلام؛ لأن ضرب الميت ببعضه وحياته ليس مذكورا هاهنا بل هو مقتضى الكلام ومدلوله، ومن هذا الباب ﴿*وَإِذِ اِسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اِضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اِثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاِشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ (٦٠)
стр. 56
[البقرة: ٦٠] أي: فضرب فانفجرت.
﴿أَيّاماً مَعْدُوداتٍ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (١٨٤) [البقرة: ١٨٤] أي: فأفطر فعليه صوم عدة.
﴿وَقالَ الَّذِي نَجا مِنْهُما وَاِدَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ (٤٥) يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنا فِي سَبْعِ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يابِساتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (٤٦) [يوسف: ٤٥ - ٤٦] أي: / [١٦ أ/م] فأرسلوه، فجاء إليه، فقال ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ﴾ [يوسف: ٤٦].
المسألة الثانية: إثبات المعاد بإحياء هذا الميت، والإخبار بإحياء الموتى.
المسألة الثالثة: جواز القياس كأنه قال: كما أحيينا هذا الميت الخاص كذلك نحيي غيره لاشتراكهما في علة الإحياء ومصححه، أما علته فالقدرة التامة، وأما مصححه فكون الإحياء ممكنا، والقياس إما لجمع على جمع، أو لمفرد على مفرد، أو لمفرد على جمع، أو لجمع على مفرد، كما في هذه المسألة إذ قاس إحياء الموتى على إحياء هذا الميت الواحد.
﴿فَقُلْنا اِضْرِبُوهُ بِبَعْضِها كَذلِكَ يُحْيِ اللهُ الْمَوْتى وَيُرِيكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (٧٣) [البقرة: ٧٣] عام أريد به الخاص، أي: الآيات التي أراها بني إسرائيل.
﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ (٧٤) [البقرة: ٧٤].
قيل: بل أشد [وهو ضعيف، وقيل: (أو) للتخيير، أي: أنتم مخيرون في أنها كالحجارة أو أشد]، اختاروا أي الحكمين شئتم، وقيل: هي للشك بالنسبة إلى من يجوز عليه، وقيل غير ذلك.
ونحوه القول في: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ﴾ (١٩) [البقرة: ١٩] وهذه من مسألة حروف المعاني في أصول الفقه.
стр. 57
قوله- : ﴿*أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (٧٥) [البقرة: ٧٥].
وكذلك: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اِسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ﴾ (٦) [التوبة: ٦] احتج به من ذهب إلى أن كلام الله- -هو العبارات المسموعة بالحقيقة، إذ لا نعلم كلاما وراء ذلك، وأجاب الأشعرية بأن المراد يسمعون دليل كلام الله، لأن كلام الله- -عندهم معنى قائم بذاته لا يفارقها كالعلم، وهذه العبارات المسموعة مخلوقة دليل عليه كالعالم حادث، وهو دليل على الصانع القديم، واحتجوا هم والمعتزلة على خلق المسموع بأنه مسموع وكل مسموع مخلوق عملا بالاستقراء في المسموعات، لكنه استقراء غير تام فلا يفيد اليقين، واحتجوا بأنه مؤلف من الحروف وكل مؤلف مخلوق، وفيه كلام يأتي بعد إن شاء الله- .
وأصل الخلاف أن الكلام حقيقة في العبارات المسموعة، أو في المعنى القائم بالنفس، أو مشترك بينهما؟
فيه ثلاثة أقوال عن/ [٣١/ل] الأشعري.
فإن قيل: هو حقيقة في العبارات انبنى على أن الكلام صفة فعل أو ذات، فمن رآه صفة فعل قال: هو مخلوق كالمعتزلة، ومن رآه صفة ذات قال: هو قديم كالحنابلة، ومن رآه معنى قائما بالنفس قال: العبارات ليست بكلام بل هي دليل على الكلام وهي مخلوقة.
ومن قال: هو مشترك بينهما، قال: الذاتي قديم والنطقي مخلوق، وهذه من مسائل الصفات من أصول الدين.
﴿*ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ﴾ [البقرة: ٧٥].
وهذا ونحوه مثل: ﴿مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنا وَعَصَيْنا وَاِسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَراعِنا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَاِسْمَعْ وَاُنْظُرْنا لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلكِنْ لَعَنَهُمُ اللهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلاّ قَلِيلاً﴾ (٤٦) [النساء: ٤٦] عام أريد به الخاص؛ لأنهم لم يحرفوا جميع كلم التوراة، ولا جميع ما سمعوه من كلام الله- -على الطور، وإنما حرفوا بعضه، وهو ما لهم في
стр. 58
تحريفه: [١٦ ب/م] مصلحة كتخفيف التكليف الثقيل، وتغيير صفات النبي-﵊، وهل تحريفهم لذلك تحريف تبديل أو تحريف تأويل؟ فيه قولان، والأشبه أنهم جمعوا بينهما، فبدلوا بعضا وتأولوا على غير وجهه بعضا.
﴿فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ﴾ (٧٦) [يس: ٧٦] عام لا تخصيص فيه لعموم تعلق العلم الأزلي.
﴿بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ (٨١) [البقرة: ٨١] هو عام لم يخص؛ لأن المراد بالسيئة الكفر بدليل مقابلته بالإيمان في الآية بعدها وإحاطتها به أن يموت عليها ومن مات كافرا خلد في النار بغير تخصيص ولا مثنوية وأما ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ (٨٢) [البقرة: ٨٢] فعام مخصوص بمن مات على ذلك، ولم يقطع عليه بالكفر طريق النجاة.
قوله- : ﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللهَ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَقُولُوا لِلنّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاّ قَلِيلاً مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾ (٨٣) [البقرة: ٨٣] هو عام في الأصناف المذكورة، مخصوص بمن لم يوجد منه ما يوجب الإساءة إليه كجناية توجب حدا، أو بغي يوجب قتالا، أو بدعة توجب هجرا، ونحوه على أن هذه الأشياء من باب التأديب له لا من باب الإساءة إليه، فاللفظ إذن على عمومه.
﴿وَقُولُوا لِلنّاسِ حُسْناً﴾ [البقرة: ٨٣] عام مخصوص بمن وجد منه ما يقتضي إساءة القول له، والقول فيه كالذي قبله، وهذه الآداب قد وردت في خصوص شرعنا، وإنما يحتج بها من خطاب بني إسرائيل بها هاهنا بناء على أن شرع من قبلنا شرع لنا كما سيأتي بيانه إن شاء الله .
﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾ [البقرة: ٨٣] عام خص بالاستثناء بعده وهو ﴿إِلاّ قَلِيلاً مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾ (٨٣) [البقرة: ٨٣].
стр. 59
الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ اِسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ (٨٧) [البقرة: ٨٧] عام أريد به الخاص، وهم الرسل الذين بعده إذ جماعة من الرسل كانوا قبله كآدم ونوح وإبراهيم ونحوهم.
﴿وَآتَيْنا عِيسَى اِبْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ﴾ [البقرة: ٨٧] يعني المعهودة التي ظهرت على يديه إذ لم يؤت كل بينة في الوجود.
﴿وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً ما يُؤْمِنُونَ﴾ (٨٨) [البقرة: ٨٨] / [٣٢/ل] (الباء) هل هي للعلية أو للسببية؟ وينبني عليه أن الكفر علة اللعن المؤثرة فيه أو سبب له، وإنما المؤثر فيه إرادة الله- -التي لا يعلل مقتضاها، وهذا من باب مسائل القدر.
﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاِسْمَعُوا قالُوا سَمِعْنا وَعَصَيْنا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٩٣) [البقرة: ٩٣]، أي حب العجل، وهو مجاز جمع بين الاستعارة والحذف، أما الاستعارة، فلأن حب العجل لما سرى في قلوبهم سريان المشروب في بدن الشارب استعار له لفظ الشرب، وأما الحذف فلأن نفس العجل لم يسر في قلوبهم، فتعين تقدير حبه، ومن المجاز ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ﴾ (١٠) [البقرة: ١٠] أي: نفاق وشك.
﴿وَقالَتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهارِ وَاُكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (٧٢) [آل عمران: ٧٢].
و﴿وَاِخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ اِرْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيراً﴾ (٢٤) [الإسراء ٢٤] وهو كثير، والأكثر على وقوع المجاز في القرآن لما ذكر خلافا للظاهرية/ [١٧ أ/م] ونحوهم ممن أنكره وهو ضعيف، والمجاز هو اللفظ المستعمل في غير موضوع أول لغة أو عرفا أو اصطلاحا، والحقيقة تقابله، وهذه من مسائل المجاز في أصول الفقه.
قوله- : ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾ (٩٥) [البقرة: ٩٥] فيه مسألتان:
стр. 60
إحداهما: أنه تضمن معجزا نبويا وهو أنه-﵊-أخبر اليهود بأنهم لا يتمنون الموت بعد أن تحداهم به، وقد كان يمكنهم أن يبطلوا دعواه بكلمة، وهو أن يقولوا: تمنينا الموت، فلما لم يفعلوا، دل على علمهم بصدقه، أو صارف صرفهم عن تكذيبه مع سهولته ظاهرا وتوفر الدواعي عليه.
والثانية: أن المعتزلة احتجوا على أن الله- -لا يرى، بقوله- لموسى: ﴿وَلَمّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي وَلكِنِ اُنْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اِسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً فَلَمّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١٤٣) [الأعراف: ١٤٣] وهو نفي عام التأييد فينقض عليهم بهذه، فإن نفي تمني الموت فيها بلن، ولم يقتض التأييد لأنهم في النار سيتمنون الموت، وهذه الآية في معنى المثل المشهور: من أساء استوحش.
[قوله- : ] ﴿قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللهِ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (٩٧) [البقرة: ٩٧] الآيتين فيهما إثبات الملائكة وهم أحد أركان أصول الدين ومتعلقات الاعتقاد، وهم جواهر روحانية نورية أعطوا من قوة السراية في العالم والنفوذ في أجزائه، والتشكل بالأشكال المختلفة ما لم يعط غيرهم، وأنكرهم الفلاسفة أو بعضهم وعبروا عنهم بأنه قوى الأفلاك، وتارة بأنه عقول الأفلاك ونفوسها، إذ الأفلاك عندهم حية ناطقة لا بد لها من ذلك، ونصوص الكتب الإلهية، وإجماع الأنبياء والرسل على إثبات الملائكة [حجة عليهم، وإثباتهم مقدم على نفي الفلاسفة].
стр. 61
الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٢) [البقرة: ١٠٢] هو عام تخصيصه موقوف على الدليل، إذ يحتمل أن جميع الشياطين تلوا ذلك، فلا تخصيص، ويحتمل أن التالي له بعضهم، فيكون مخصوصا بمن لم يتل، أو عاما أريد به الخاص/ [٣٣/ل]، وهو من تلا.
﴿يُعَلِّمُونَ النّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة: ١٠٢] أما الناس فعام أريد به الخاص، إذ ليس كل الناس علموا السحر، وأما السحر فيحتمل أنه على عمومه لانضباط أبوابه، [ويحتمل أنهم لم يعلموا الناس جميع أبوابه] فيكون مخصوصا بما لم يعلموه.
﴿إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ [البقرة: ١٠٢] يحتج به من يرى كفر الساحر بنفس تعلمه السحر، وقد اختلف فيه، والظاهر أنه إن تعلمه لينفع الناس به بأن يبطل عنهم سحر السحرة، أو ليميز بينه وبين غيره من العلوم المشتبهة به كالسيمياء والكيمياء، فلا بأس به، وقد ذهب بعضهم إلى وجوب تعلمه، لأنه لما نهى عنه، وجب اجتناب استعماله، واجتناب ما لا يعرف محال فوجب تعلمه لذلك من باب: [عرفت الشر لا للشر لكن لتوقيه].
ولأن المفتي قد يحتاج إلى أن يفتي في السحر والساحر، فإن لم يعرف حقيقته ربما غلط فضلّ وأضلّ، خصوصا من يكفر بالسحر، ويقتل به، فيكون/ [١٧ ب/م] غلطه في إراقة دم، أو حكم بكفر وهو شديد.
﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ [البقرة: ١٠٢] التفريق بينهما مخلوق لله- -مكتسب للسحرة، بدليل ﴿وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ﴾ [البقرة: ١٠٢].
﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اِشْتَراهُ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ (١٠٢) [البقرة: ١٠٢] احتج به من رأى أن الساحر يقتل؛ لأن الآية دلت على أنه شرى نفسه، أي: باعها بالسحر، وجعله ثمنا لها، وقد استوفي الثمن، فوجب أن يستوفى منه الثمن وهو نفسه، وقد يجاب عنه بأن المراد شروا به أنفسهم للنار في الآخرة، فلا يتعين القتل في الدنيا، ويحتمل غير ذلك.
والسحر؛ قيل: هو تمريج قوى أرضية بقوى سماوية، بحيث يحصل من بينهما قوة مؤثرة في الأجسام والأحوال، وإنما تكلمنا في السحر وإن كان أكثر أحكامه إنما تذكر في
стр. 62
الفروع لتعلق الكفر والقتل به عند بعض أهل العلم، والكفر والإيمان من باب الأسماء والأحكام في أصول الدين، والصواب إن شاء الله- -أن الكفر إنما هو إنكار ما علم كونه من الدين ضرورة، فما لا يدخل تحت هذا الحد لا يكون كفرا، وقد يقال:
إن الكفر لما كان ضد الإيمان ثم كان الإيمان هو التصديق بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وجب أن يكون الكفر هو التكذيب بذلك أو بعضه، اعتبارا للشيء بضده.
قوله- : ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا وَقُولُوا اُنْظُرْنا وَاِسْمَعُوا وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ (١٠٤) [البقرة: ١٠٤] قيل: كان المسلمون يقولون: يا رسول الله، راعنا. من المراعاة. فاتخذه اليهود دخلا، وجعلوا يقولون: يا محمد راعنا. من الرعونة، إلغازا عليه فنهي المسلمون عن ذلك/ [٣٤/ل].
واحتج به على سد الذرائع، وهو مذهب مالك وأحمد، حسما لمواد الفساد الباطنة، وأجاز ذلك بعض الأئمة، وصنفوا كتبا في الحيل والذرائع، اعتبارا للصور الظاهرة، ويحتمل أن يقال: إذا رأينا صورة ظاهرة يحتمل أن تحتها ذريعة باطنة، فإن علمنا أو ظننا وجود الذريعة [الفاسدة، منعنا تلك الصورة، وإن علمنا أو ظننا انتفاء الذريعة] أجزنا، وإن ترددنا على السواء احتمل المنع احتياطا، واحتمل أن يخرج فيه الخلاف كسائر الوسائط المترددة بين الأطراف.
﴿* ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (١٠٦) [البقرة: ١٠٦] فيه مسألتان:
إحداهما: إثبات النسخ (١)، وقد أنكره اليهود؛ بعضهم عقلا، وبعضهم سمعا.
لنا: أن النسخ إما بيان انتهاء مدة الحكم، أو رفع الحكم الشرعي بطريق شرعي، وكلاهما لا يلزم منه محال؛ فوجب القول بجوازه، ولأن الشرع للأديان كالطبيب للأبدان؛ فجاز أن ينهى اليوم عما أمره به أمس، كما يصف الطبيب اليوم للمريض ما نهاه عنه أمس، وذلك بحسب المصالح أو إرادة المكلف، وهو الشارع، ولأنه قد وقع في التوراة في عدة صور فالقول بجوازه لازم/ [١٨ أ/م] لهم.
стр. 63
احتجوا بوجوه:
أحدها: أن [الحكم المنسوخ] إما حسن فالنهي عنه قبيح، [أو قبيح] فابتداء شرع أقبح.
وجوابه أنه مبني على قاعدة: التحسين والتقبيح العقلي، وهي ممنوعة.
الثاني: أن النسخ يلزم منه البداء، وذلك يقتضي الجهل بعواقب الأمور، وهو على الله -محال.
وجوابه بمنع لزوم البداء من النسخ، وإنما هو بحسب اختلاف مصالح الخلق متعلقا ذلك كله بالعلم الأزلي، [ثم إن في توراة اليهود: إن الله- -لما أرسل الطوفان أسف وندم، وقال: ما عدت أهلك الخلق به مرة أخرى، أو كما قال. فمن يندم ويأسف كيف يمتنع عليه البداء-على قولهم].
الثالث: أن موسى-﵇-نص على دوام شريعته وتأييدها ما دامت السماوات والأرض، وهو يقتضي أن لا ناسخ لها، فأحد الأمرين لازم، إما كذب خبر موسى، أو بطلان شرع من بعده.
وأجاب المسلمون عن هذا بجوابين؛
أحدهما: أن هذا من موضوعات ابن الراوندي، وضعه لليهود فتمسكوا به، وهو ضعيف؛ لأن النص عندهم موجود في التوراة، فلا حاجة لهم إلى وضع الراوندي.
الثاني: القدح في تواتر هذا الخبر بأن بختنصر لما فتح بيت المقدس حرق التوراة، وقتل اليهود حتى أفناهم؛ إلا يسيرا منهم، لا يحصل التواتر بخبره، فصار هذا الخبر آحادا لا يقبل في العلميات، وهذا قريب غير أنه ليس بشاف؛ لأنهم يدعون تواتره، وتواتر التوراة جميعها، ويمنعون ما ذكر من سبب انقطاع التواتر بأن بختنصر أسر نحو عشرة آلاف من بني إسرائيل منهم أربعة آلاف من أولاد الأنبياء مثل دانيال ونحوه، كلهم يحفظ/ [٣٥/ل] التوراة عن ظهر قلب.
والمختار في الجواب أن في التوراة نصوصا كثيرة وردت مؤبدة، ثم تبين أن المراد بها التوقيت بمدة مقدر كقوله: إذا خربت صور لا تعمّر أبدا: ثم إنها عمّرت بعد خمسين سنة.
ومنها: إذ أخدم العبد سبع سنين أعتق فإن لم يقبل العتق استخدم أبدا، ثم أمر بعتقه بعد مدة معينة، سبعين سنة أو غيرها. وإذا جاز في هذه النصوص المؤبدة أن يراد بها التوقيت، فلم لا يجوز في نص موسى على تأييد شريعته، وإلا فما الفرق؟
стр. 64
فإن قيل: إذا جاز أن يكون نص موسى المؤبد مؤقتا حتى جاز نسخ شريعته، جاز أن يكون نص محمد ﷺ على تأبيد شريعته مؤقتا؛ فيجوز نسخها بعده بغيره، والمسلمون يأبون ذلك.
قلنا: لا يلزم ذلك، والفرق بين النصين أن موسى ﵇-ورد كتابه التوراة بنصوص بلفظ التأييد، والمراد بها/ [١٨ ب/م] التوقيت بخلاف محمد ﷺ فإن كتابه لم يرد بذلك، فلم يرد مثله في نصه، وقد استقصيت هذه المسألة بأبلغ من هذا في «مختصر الجدل».
المسألة الثانية: احتج بالآية من يرى أن النسخ يجب أن يكون إلى بدل؛ لقوله- : ﴿*ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (١٠٦) [البقرة: ١٠٦] وأجيب بأن الذي هو خير منها لا يتعين أن يكون بدلا عنها، أو يكون المعنى: نأت منها [بخير أو بخير منها] غالبا لا لزوما، وقد ورد نسخ الصدقة أمام النجوى لا إلى بدل، فانتقضت به دعوى هذا القائل.
ويجوز نسخ الحكم إلى مثله وأخف منه وأثقل عند الأكثرين، كنسخ التخيير بين الصوم والفدية إلى تعيين صومه، ومنعه قوم محتجين بهذه الآية: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها﴾ والأثقل ليس بخير، ولا مماثل: وأجيب بأنه قد يكون خيرا أو مثلا في المصلحة والأجر.
قوله- : ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ (١٠٧) [البقرة: ١٠٧].
عام لم يخص بشيء، وكذا تمامها ﴿وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ (١٠٧) [البقرة: ١٠٧] وكذا ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ كَما سُئِلَ مُوسى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ﴾ (١٠٨) [البقرة: ١٠٨].
стр. 65
بينهما، ودلالة الاقتران شبيهة بأنها من أصول الفقه من باب كيفية الاستدلال على الأحكام، واستثمارها منها.
﴿وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللهِ إِنَّ اللهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة: ١١٠] عام مطرد، أي لم يخص.
﴿وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاّ مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى تِلْكَ أَمانِيُّهُمْ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (١١١) [البقرة: ١١١] يحتج به من يرى أن على المدعي الثاني دليلا؛ لأن دعوى هؤلاء نافية، وهي قولهم: ﴿وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاّ مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى تِلْكَ أَمانِيُّهُمْ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (١١١) / [٣٦/ل]) [البقرة: ١١١]، وقد طولبوا بالدليل عليها.
وفي المسألة أقوال:
ثالثها: أن ذلك يجب في العقليات لسهولته ببيان لزوم المحال من الإثبات بخلاف النقليات، إذ لا يمكن فيها ذلك، فيكتفي مدعي النفي فيها بالاستصحاب.
﴿وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ إِنَّ اللهَ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (١١٥) [البقرة: ١١٥] قيل: جهة التقرب إليه لا يحتمل هاهنا إلا ذلك بخلاف ﴿وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ﴾ (٢٧) [الرحمن: ٢٧] على ما سيأتي، إن شاء الله .
﴿وَقالُوا اِتَّخَذَ اللهُ وَلَداً﴾ [البقرة: ١١٦] يعني اليهود والنصارى والكفار ﴿سُبْحانَهُ﴾ أي تنزه عن ذلك ﴿وَقالُوا اِتَّخَذَ اللهُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ﴾ (١١٦) [البقرة: ١١٦] يعني أن الولدية تنافي الملكية، وما في السماوات والأرض بأسره مملوك له- ، فيمتنع أن يكون شيء منها ولدا له، ويستفاد من هذا أن من ملك ولده عتق عليه بنفس الشري، وهو ملك مجازا، وقد بينا أن/ [١٩ أ/م] الولدية تنافي الملكية، ثم بعضهم قاس باقي ذوي الرحم المحرم على الولد، هو مذهب أحمد.
﴿بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (١١٧)
[البقرة: ١١٧] فيها مسألتان:
إحداهما: الرد على القائلين بقدم العالم من الفلاسفة وغيرهم؛ لأن بديع السماوات
стр. 66
والأرض مخترعهما بعد عدمهما، وذلك ينافي قدمهما والخلاف معهم مبني على أصلين:
أحدهما: أن الصانع عندهم فاعل بالطبع والإيجاب فلا يتأخر عنه معلوله كالنار لا يتأخر عنها الإحراق، والشمس لا يتأخر عنها الإشراق وإضاءة العالم، وعندنا: هو فاعل بالقدرة والاختيار فيفعل ما شاء متى شاء.
الأصل الثاني: أن القديم عندنا يمتنع استناده وافتقاره إلى المؤثر، وعندهم لا يمتنع ذلك إلا في القديم لذاته لا في القديم لغيره كالعالم.
المسألة الثانية: ﴿وَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (١١٧) [البقرة: ١١٧] احتج به من قال بخلق القرآن المسموع وقدمه.
أما الأول: فتقريره أن «كن» مركب من حرفين سابق ومسبوق، وكل ما تضمن سابقا ومسبوقا فهو حادث، وإذا ثبت حدوث «كن» أو النون منها ثبت حدوث باقي عبارات القرآن لاستواء الجميع.
وأما الثاني: فتقريره أن العالم مخلوق ب «كن» فلو كانت «كن» مخلوقة لزم الدور إن خلقت بالعالم، أو التسلسل إن خلقت بغيره وهما محالان، فوجب أنها غير مخلوقة، ثم باقي العبارات مثلها لاستوائهما.
﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ﴾ (١٢١) [البقرة: ١٢١] عام مطرد.
﴿* وَإِذِ اِبْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إِماماً قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾ (١٢٤) [البقرة: ١٢٤] يحتج به من لا يرى إمامة الفاسق، لأن الإمامة عهد الله، وعهد الله- -لا يناله فاسق، فالإمامة لا ينالها في الحكم فاسق، فإن نالها فاسق فإنما نالها بالحكم القدري لا بالإذن الحكمي، وهذا هو الذي حمل جماعة من خيار السلف على الخروج/ [٣٧/ل] على أئمة عصرهم لاعتقادهم فسقهم، فخرج الحسين وابن الزبير والشعبي وجماعة من نظرائه كسعيد بن جبير متأولين هذه الآية.
стр. 67
-﵇-عرض الله- -عليه الإسلام، فقال: أسلمت، فكفاه، وقد جعله الله- -إماما يقتدى به فقال: ﴿وَجاهِدُوا فِي اللهِ حَقَّ جِهادِهِ هُوَ اِجْتَباكُمْ وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ هُوَ سَمّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هذا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَاِعْتَصِمُوا بِاللهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ (٧٨) [الحج: ٧٨].
﴿ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اِتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (١٢٣) [النحل: ١٢٣] وربما ذهب ذاهب إلى أنه لا يدخل في الإسلام بدونهما لقوله-﵊: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله [محمد رسول الله] الحديث (١).
﴿قُولُوا آمَنّا بِاللهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ (١٣٦) [البقرة: ١٣٦] ما في/ [١٩/ب] جميعها بمعنى الذي عام مطرد، إذ الكفر بحرف من المنزل كالكفر بجميعه.
قوله- : ﴿*سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النّاسِ ما وَلاّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها قُلْ لِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (١٤٢) [البقرة:
١٤٢] هي من صور النسخ ودليل على وقوعه، إذ حولت القبلة عن جهة بيت المقدس إلى جهة الكعبة.
﴿وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلاّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ وَما كانَ اللهُ لِيُضِيعَ﴾
стр. 68
﴿إِيمانَكُمْ إِنَّ اللهَ بِالنّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾ (١٤٣) [البقرة: ١٤٣] يحتج بها على الإجماع حجة، وتقرير الحجة منها أن الله- -وصفهم بكونهم وسطا أي عدولا خيارا، والعدول الخيار لا يقولون إلا حقا، ولا يجمعون إلا على حق، ولا حجة في ذلك؛ لأن العدل قصاراه أنه لا يتعمد الكذب أما كونه لا يخطئ فلا، وإنما ذلك شأن المعصوم، وإنما يصح الاستدلال بهذه الطريقة أن لو قال: «وكذلك جعلناكم أمة معصومين».
﴿وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلاّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ﴾ [البقرة: ١٤٣] يستدل بها على تعليل أحكام الله- ؛ لأنه أخبر أنه إنما حول القبلة لعلة أن يعلم المتبع من المنقلب، وفي هذا بحث يأتي في موضع آخر، إن شاء الله .
﴿وَما كانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] أي: صلاتكم، سماها إيمانا بلسان الشرع، ويستدل به من أثبت الحقائق الشرعية، ومعنى ذلك أن الشرع هل وضع لنفسه أسماء هي في مدلولاتها حقائق بوضعه الأول أم لا، بل أخذ الحقائق اللغوية، فضم إليها شروطا شرعية، وذلك كالصلاة والزكاة والصيام والحج هل هي حقائق في الشرع بوضعه أو متلقاة من اللغة على ما هي فيها مزيد عليها أمور شرعية كالأفعال الخاصة في الصلاة والإمساك الخاص في الصيام.
منهم من قال بالأول؛ لأنه- -سمى الصلاة إيمانا، وهو في اللغة التصديق، وذلك وضع شرعي، ولأن الشرع جهة مستقلة فلا بد له من حقائق يفهم بها عنه كاللغة.
ومنهم من قال بالثاني؛ لأن هذه الألفاظ في القرآن وهو عربي إنما خاطبنا بلغة العرب، فوجب القول بأنها مبقاة على وضعها لغة وإنما زيد عليها أمور شريعة لحق الشرع، ولأن القول بذلك أسهل من القول بوضع مستأنف.
وأما تسمية الصلاة إيمانا فلاشتمالها/ [٣٨/ل] أو دلالتها عليه، وهذه من مسائل أصول الفقه.
﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ﴾ (١٤٤) [البقرة: ١٤٤] يحتج بها من يرى أن الله- -في جهة السماء من وجهين:
стр. 69
أحدهما: أن النبي ﷺ كان يتوقع تحويل القبلة، ويترقب ذلك من جهة السماء، والأحكام إنما تأتي من عند الله- -فدل على أنه-﵊ كان يعتقد أنه- -في جهة السماء.
الوجه الثاني: أنه- -رأى النبي ﷺ يقلب نظره إلى/ [٢٠ أ/م] السماء ينتظر الوحي من عند الله- -ثم لم ينكر عليه، ولم يقل له: لست في السماء، فماذا تطلب من جهتها بل أقره على ذلك فصار في المسألة اعتقاد النبي ﵊، وإقرار الله- -له على ذلك وناهيك به حجة.
وأجاب الخصم بأنا لا نسلم أنه-﵊-كان في تقليب وجهه إلى السماء يعتقد أن الله- -فيها، وإنما كان ينتظر الوحي من جهتها على لسان جبريل-﵇-لاعتياده ذلك منه.
ولا يلزم من نزول جبريل بالوحي من جهة السماء أن يكون الله- -فيها، وإلا للزم من صعود الملائكة بالأمر من الأرض أن يكون الله- -فيها وأنه باطل.
﴿وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤] عام مطرد.
﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ﴾ (١٤٤) [البقرة: ١٤٤] فيه أنهم إنما أوتوا من قبل [العناد، لا من قبل] الخطأ في الاجتهاد، فلذلك لم يعذروا، بخلاف المخطئ في الأصول مع الاجتهاد حيث كان معذورا على رأي الجاحظ (١) والعنبري (٢)، ولا يلزمهما إقامة عذر اليهود والنصارى المتوغلين في البحار وراء القطب الشمالي [ونحوهم].
وقد دل على هذا التخصيص قوله- : ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (١٤٦) [البقرة: ١٤٦].
стр. 70
﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعاً إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (١٤٨) [البقرة: ١٤٨] عام في المكان مطرد، وهو إخبار بالبعث بعد تفرق الأجسام والأجزاء في الأماكن، وأحال به على مجرد القدرة.
قوله- : ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ﴾ (١٥٤) [البقرة: ١٥٤] فيه مسألتان:
إحداهما أنه عام في كل مقتول في سبيل الله أنه حي يرزق، وهو مطرد إلا من دل دليل خاص على أنه ليس بحي لكن لم نعلم ذلك ولم يبلغنا عن أحد.
الثانية: مفهوم الآية: أن غير المقتول في سبيل الله لا يقال له حي بل ميت، وهذا كله متجه على ما تبين في السّنّة من أن «الشهداء تجعل أرواحهم في أجواف طير خضر ترعى في الجنة» (١) / [٣٩/ل] بخلاف غيرهم إذ لم يرد فيهم ذلك، والحياة هي تعلق النفس ببدن طبيعي تستوكره، والموت انقطاع تعلقها عن بدن طبيعي، وهاتان من قبيل مسائل المعاد واليوم الآخر، إذ أول اليوم الآخر من حين الموت، ولهذا ورد/ [٢٠ ب/م] أن من مات فقد قامت قيامته.
﴿وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ﴾ (١٦٣) [البقرة: ١٦٣] هذه دعوى وجود الصانع والوحدانية وبرهانها يليها، وهو ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاِخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النّاسَ وَما أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (١٦٤) [البقرة: ١٦٤] ذكر سبع آيات من نظر فيها علم وجود الصانع:
الأولى: خلق السماوات والأرض.
الثانية: اختلاف الليل والنهار يأخذ أحدهما من الآخر طولا وقصرا وحرا وبردا بحسب اختلاف الفصول التابع لانتقالات الشمس في فلكها قربا وبعدا وتوسطا.
стр. 71
الثالثة: الفلك التي تجري في البحر وهي المراكب والسفن، وهي إبل البحر كما أن الإبل سفن البر.
الرابعة: المطر النازل من السماء لإحياء الأرض كيف ينزل عليها وهي قفر موحشة فإذا هي عن قرب تهتز خضرا أنيسة.
الخامسة: [الدواب المبثوثة] في الأرض على اختلاف أجناسها وأنواعها وأصنافها وأشخاصها.
السادسة: تصريف الرياح وهو نقلها في الجهات من الجنوب إلى الشمال ومن الصبا إلى الدبور، وعكس ذلك لتطييب ما بين السماء والأرض ولولاها لأنتن وأوبأ، ولتسيير الفلك في البحر، ولولاها لظلت رواكد عن ظهره؛ ولتحصيل الروح للحيوان، ودفع الوخم عنه، وغير ذلك من فوائدها.
السابعة: السحاب المسخر بين السماء والأرض تحمله الرياح إلى البلاد ليمطر فيها.
فمن نظر في هذه الآيات الظاهرة والقدرة الباهرة علم قطعا أن لها صانعا قديما بما مر من دليل الدور والتسلسل، وهو أن هذه الآيات موجودة حسا، فإما أنها أوجدت نفسها وهو محال، أو أوجدها غيرها، وهو إما حادث؛ فيلزم الدور أو التسلسل، أو قديم وهو المطلوب، ثم إذا ثبت أن لها صانعا قديما ثبت أنه واحد بما سيتأتى في سورة «الفرقان» والأنبياء والمؤمنون وغيرها، إن شاء الله .
فإن قيل: الدعوى وقعت خاصة بإثبات إله واحد، والاستدلال إنما وقع عاما على وجود الصانع فقط، فهلا طابق بينهما بأن جعل الدعوى عامة كالاستدلال، أو الاستدلال خاصا كالدعوى.
فالجواب: أن العرب كانوا على قسمين؛ معطلة ينكرون الصانع، / [٤٠/ل] ومثبتة للصانع؛ لكنهم يشركون به. وهذه الآية وردت جوابا للمعطلة بإثبات الصانع، واستطرد فيها ذكر الوحدانية ردا على المشركين بمجرد الدعوى، وأخر الاستدلال عليهم إلى موضع آخر؛ لأنهم لم يسألوا هاهنا شيئا، بخلاف المعطلة فإنهم سألوا: من إلهنا؟ ومن صانع العالم؟ فقال: إلهكم إله واحد، واستدلوا عليه بهذه الآيات المذكورة تعلموا وجوده.
وفي قوله- : ﴿لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ إشارة إلى مشروعية النظر العقلي، وأنه طريق/ [٢٢ أ/م] إلى العلم، وإلى أن العقل آلة شريفة لشرف ما يتوصل بها إليه، وإلى شرف علم الأصول والنظر فيها بصحيح المعقول؛ لأنه- -إنما نبه على
стр. 72
الاستدلال بهذه الآيات من يعقل لشرف العقل وأثره وتصرفه، ولم يقل: لآيات لقوم ينقلون-لما لم يكن النقل المجرد وافيا بالغرض في هذا المقام.
﴿وَقالَ الَّذِينَ اِتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَما تَبَرَّؤُا مِنّا كَذلِكَ يُرِيهِمُ اللهُ أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النّارِ﴾ (١٦٧) [البقرة: ١٦٧] عام مطرد إذ لا ينفع الكافر من عمله شيء بشهادة ﴿وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً﴾ (٢٣) [الفرقان: ٢٣].
﴿يا أَيُّهَا النّاسُ كُلُوا مِمّا فِي الْأَرْضِ حَلالاً طَيِّباً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ (١٦٨) [البقرة: ١٦٨] عام مطرد ﴿كُلُوا مِمّا فِي الْأَرْضِ حَلالاً طَيِّباً﴾ [البقرة:
١٦٨] عام في جميع ما فيها يجوز الأكل منه، وهو مخصوص بالحرام، لا يجوز أكله بدليل قوله : ﴿حَلالاً طَيِّباً﴾ [البقرة: ١٦٨] قيد المأكول بالحلال فكان تخصيصا له.
﴿وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾ [البقرة: ١٦٨] عام مطرد إذ لا خير في شيء من خطواته، ولا بركة في شيء من متابعته ﴿إِنَّما يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ (١٦٩) [البقرة: ١٦٩] اختلف في «إنّما»: هل تقتضي الحصر، وهو إثبات الحكم لما بعدها، ونفيه عما عداه، أم لا؟ .
فيه أقوال؛ ثالثها أنها تقتضيه بعرف الاستعمال لا بوضع اللغة.
حجة الحصر من وجهين:
أحدهما: أنها وردت له في بعض الاستعمال، فلو كانت لغيره لزم إما الاشتراك أو المجاز وكلاهما خلاف الأصل.
الثاني: أن «إنما» مركبة من «إن» المثبتة و «ما» النافية، فأفادت إثباتا ونفيا كما قبل التركيب، وهو إثبات المذكور ونفيه عما عداه، إذ عكسه باطل باتفاق.
واعترض عليه أما على الوجه الأول، فبأنها وردت [لغير الحصر، فلو وردت] له أيضا لزم الاشتراك أو المجاز.
وأما على الثاني فلا نسلم أنها مركبة بل موضوعة وضعا أولا كذلك، سلمناه لكن لا نسلم أن «ما» فيها نافية لجواز أنها زائدة أو غيرها من أقسام «ما» سلمناه، لكن لا نسلم أنها/ [٤١/ل] تفيد بعد التركيب ما أفادته قبله، إذ ذلك منقوض ب «لولا» أفادت بعد
стр. 73
التركيب خلاف ما أفادته قبله.
حجة عدم الحصر: أنها وردت للحصر وغيره، والاشتراك والمجاز خلاف الأصل، فوجب جعلها للقدر المشترك وهو الإثبات المؤكد حجة.
الثالث: أنها لما كانت للإثبات المؤكد تجوزوا بها إلى استعمالها في الحصر عرفا، فصارت للحصر بعرف الاستعمال، لا بوضع اللغة، إذ لم ينقل وضعها له، ولا دل عليه القياس.
فإذن معنى ﴿إِنَّما يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ (١٦٩) [البقرة:
١٦٩] على الأول: أنه لا يأمركم. الآية، وعلى الثاني إثبات أمره لهم إثباتا مؤكدا، يدل على قوة داعية منه إلى ذلك لا على معنى الحصر، لكن قد دل الدليل/ [٢٢ ب/م] المنفصل على أن الشيطان لا يأمرهم إلا بالسوء، فالحصر في هذه القضية لازم، إما بمقتضى إنما وضعا أو عرفا أو بالدليل الخارج.
وهذه الأقوال في «إنما» إنما هي فيما إذا تجردت، أما إن اقترن بها ما يفيد حصرا أو عدمه، وجب اعتبار مقتضى القرينة، وقد يكون الحصر مطلقا، وقد يكون من وجه دون وجه، وسيأتي القول في ذلك، وفي أدوات الحصر في مواضعه، إن شاء الله .
وهذه المسألة من باب حروف المعاني في أصول الفقه.
قوله- : ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اِتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ﴾ (١٧٠) [البقرة: ١٧٠] فيه ذم التقليد، وهو اعتقاد الحكم بناء على حس الظن بمن أخذ عنه لا عن نظر وهو كذلك (١)؛ لأنه استناد إلى جهالة محضة وعدم علم، وعدم العلم لا يفيد علما لا بالعدم ولا بالوجود؛ ولأن المقلد إما أن يعلم خطأ من قلده أو إصابته، فإن علم خطأه لم يجز متابعته، وإن علم إصابته فإما بتقليد آخر فيعود الكلام فيه ويتسلسل، أو بنظر فليس حينئذ مقلدا لاستناد اعتقاده إلى نظر واستدلال، لكن قد فرضناه مقلدا هذا خلف.
واعلم أن هذه الآية وغيرها من الآيات الذامة للتقليد إنما دلت على امتناع التقليد في أحكام الأصول والمعتقدات كالتوحيد ونحوه، أما الفروع فلا، بل قد دل قوله-عز
стр. 74
وجل-: ﴿وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلاّ رِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ (٧) [الأنبياء: ٧] على جواز التقليد فيها.
والأقوال الممكنة في التقليد أنه يجوز في الأصول والفروع ولا يجوز فيهما، ويجوز في الفروع لا في الأصول مطلقا، / [٤٢/ل] ويجوز في الفروع وفي الأصول لمن لا يمكنه استعمال النظر فيها على وجهه إما لضعف فهمه، أو لانقطاعه بذلك عن مصالح معاشه الضرورية كالعامة ونحوهم.
﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اِتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ﴾ (١٧٠) [البقرة: ١٧٠].
إشارة إلى دليل بطلان التقليد، وتقريره: أن آباءهم يجوز أن يصيبوا ويخطئوا فبتقدير أن يخطئوا لا يجوز متابعتهم، أفتتبعونهم على ذلك، وأما إصابتهم فليست متعينة، فإن علمتموها بتقليد آخر لزم تسلسل التقليدات، أو بنظر فلستم إذن مقلدين.
وخرجنا عن المسألة، وهذه المسألة من باب صفة المفتي والمستفتي من أصول الفقه.
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَاُشْكُرُوا لِلّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ (١٧٢) [البقرة: ١٧٢] أي: من حلال رزقنا ومفهومه: لا تأكلوا من حرام ما رزقناكم، وهو يقتضي أن الحلال والحرام من رزق الله- -وهو يرزقه خلافا للمعتزلة إذ قالوا: لا يرزق الحرام، وقد سبق القول عليهم.
﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ (١٧٢) [البقرة: ١٧٢] هذه من أدوات/ [٢٣/أ] الحصر، وهو تقديم المفعول نحو: ﴿(إِيّاكَ نَعْبُدُ)﴾، والله أحمد، و ﴿(بَلِ اللهَ فَاعْبُدْ)﴾، وإنما، وقد سبق ذكرها قريبا، والنفي المتلقي بإلا نحو ما قام إلا زيد، وما فعلوه إلا قليل، وحصر المبتدأ في الخبر الأعم أو المساوي، إذ يستحيل أن يكون الخبر أخص، فإذا قلت: كل إنسان حيوان، صح؛ لأن الخبر أعم، أو الإنسان ناطق، صح؛ لأنه مساو، والشيء ينحصر في الأعم منه، والمساوي له، ولو قلت: الحيوان إنسان أو كل حيوان إنسان لم يصح، لأن الخبر أخص، ومطابقة الأقل للأكثر محال. ﴿إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ فَمَنِ اُضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١٧٣) [البقرة: ١٧٣].
هذا تخصيص لعموم ﴿وَكُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ حَلالاً طَيِّباً وَاِتَّقُوا اللهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ﴾
стр. 75
مُؤْمِنُونَ (٨٨) [المائدة: ٨٨] خص بهذه الأشياء، وبقي ما عداها من الأرزاق حلالا، بناء على أن العام بعد التخصيص حجة في الباقي إلى أن ورد نهيه ﵊ عن كل ذي ناب من السباع وذي مخلب من الطير (١)، فحرم ذلك أيضا، وكذلك كل ما قام الدليل على تخصيصه بالتحريم من عموم الأرزاق الحلال كالجلالة (٢) والهوام والمستخبثات بقوله- : ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاِتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (١٥٧) [الأعراف:
١٥٧] ونحو ذلك.
ثم (الميتة) عام في التحريم خص منها السمك والجراد بقوله ﷺ : «أحلت لنا ميتتان ودمان: السمك والجراد، والكبد والطحال» (٣) وكذلك ما يصيد بسهم، أو جارح فلم يدرك زكاته أو ندّ بعير ونحوه، أو تردى في بئر فرمى أو جرح فمات بشرطه/ [٤٣/ل] والميتة في المخمصة.
كل ذلك حلال خص من عموم تحريم الميتة، والدم خص منه الكبد والطحال بالحديث وما اضطر إليه في المخمصة بما في سياق هذه الآية، وكذلك الخنزير خصّ منه ما اضطر إليه في مخمصة لم يجد غيره، ﴿إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ فَمَنِ اُضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١٧٣) [البقرة: ١٧٣]، أي: إذا أكل من هذه المحرمات مضطرا لا إثم عليه، والمضطر من خشي على نفسه الهلاك أو مرضا أو ضعفا فاحشا يخشى منه الهلاك أو الزمانة، ونحو ذلك من الضرر الفظيع، فله أن يأكل ما يسد الرمق.
وفي تمام الشبع قولان للعلماء، ويحتمل ثالث وهو جوازه من الميتة والدم دون لحم الخنزير؛ لأنه منصوص على تحريمه مثلهما، واختص بأن نهى عنه تعبدا بمخالفة النصارى،
следующие страницы →