Полный текст (691 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
الثالثة: الفلك التي تجري في البحر وهي المراكب والسفن، وهي إبل البحر كما أن الإبل سفن البر.
الرابعة: المطر النازل من السماء لإحياء الأرض كيف ينزل عليها وهي قفر موحشة فإذا هي عن قرب تهتز خضرا أنيسة.
الخامسة: [الدواب المبثوثة] في الأرض على اختلاف أجناسها وأنواعها وأصنافها وأشخاصها.
السادسة: تصريف الرياح وهو نقلها في الجهات من الجنوب إلى الشمال ومن الصبا إلى الدبور، وعكس ذلك لتطييب ما بين السماء والأرض ولولاها لأنتن وأوبأ، ولتسيير الفلك في البحر، ولولاها لظلت رواكد عن ظهره؛ ولتحصيل الروح للحيوان، ودفع الوخم عنه، وغير ذلك من فوائدها.
السابعة: السحاب المسخر بين السماء والأرض تحمله الرياح إلى البلاد ليمطر فيها.
فمن نظر في هذه الآيات الظاهرة والقدرة الباهرة علم قطعا أن لها صانعا قديما بما مر من دليل الدور والتسلسل، وهو أن هذه الآيات موجودة حسا، فإما أنها أوجدت نفسها وهو محال، أو أوجدها غيرها، وهو إما حادث؛ فيلزم الدور أو التسلسل، أو قديم وهو المطلوب، ثم إذا ثبت أن لها صانعا قديما ثبت أنه واحد بما سيتأتى في سورة «الفرقان» والأنبياء والمؤمنون وغيرها، إن شاء الله .
فإن قيل: الدعوى وقعت خاصة بإثبات إله واحد، والاستدلال إنما وقع عاما على وجود الصانع فقط، فهلا طابق بينهما بأن جعل الدعوى عامة كالاستدلال، أو الاستدلال خاصا كالدعوى.
فالجواب: أن العرب كانوا على قسمين؛ معطلة ينكرون الصانع، / [٤٠/ل] ومثبتة للصانع؛ لكنهم يشركون به. وهذه الآية وردت جوابا للمعطلة بإثبات الصانع، واستطرد فيها ذكر الوحدانية ردا على المشركين بمجرد الدعوى، وأخر الاستدلال عليهم إلى موضع آخر؛ لأنهم لم يسألوا هاهنا شيئا، بخلاف المعطلة فإنهم سألوا: من إلهنا؟ ومن صانع العالم؟ فقال: إلهكم إله واحد، واستدلوا عليه بهذه الآيات المذكورة تعلموا وجوده.
وفي قوله- : ﴿لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ إشارة إلى مشروعية النظر العقلي، وأنه طريق/ [٢٢ أ/م] إلى العلم، وإلى أن العقل آلة شريفة لشرف ما يتوصل بها إليه، وإلى شرف علم الأصول والنظر فيها بصحيح المعقول؛ لأنه- -إنما نبه على
стр. 72
الاستدلال بهذه الآيات من يعقل لشرف العقل وأثره وتصرفه، ولم يقل: لآيات لقوم ينقلون-لما لم يكن النقل المجرد وافيا بالغرض في هذا المقام.
﴿وَقالَ الَّذِينَ اِتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَما تَبَرَّؤُا مِنّا كَذلِكَ يُرِيهِمُ اللهُ أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النّارِ﴾ (١٦٧) [البقرة: ١٦٧] عام مطرد إذ لا ينفع الكافر من عمله شيء بشهادة ﴿وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً﴾ (٢٣) [الفرقان: ٢٣].
﴿يا أَيُّهَا النّاسُ كُلُوا مِمّا فِي الْأَرْضِ حَلالاً طَيِّباً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ (١٦٨) [البقرة: ١٦٨] عام مطرد ﴿كُلُوا مِمّا فِي الْأَرْضِ حَلالاً طَيِّباً﴾ [البقرة:
١٦٨] عام في جميع ما فيها يجوز الأكل منه، وهو مخصوص بالحرام، لا يجوز أكله بدليل قوله : ﴿حَلالاً طَيِّباً﴾ [البقرة: ١٦٨] قيد المأكول بالحلال فكان تخصيصا له.
﴿وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾ [البقرة: ١٦٨] عام مطرد إذ لا خير في شيء من خطواته، ولا بركة في شيء من متابعته ﴿إِنَّما يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ (١٦٩) [البقرة: ١٦٩] اختلف في «إنّما»: هل تقتضي الحصر، وهو إثبات الحكم لما بعدها، ونفيه عما عداه، أم لا؟ .
فيه أقوال؛ ثالثها أنها تقتضيه بعرف الاستعمال لا بوضع اللغة.
حجة الحصر من وجهين:
أحدهما: أنها وردت له في بعض الاستعمال، فلو كانت لغيره لزم إما الاشتراك أو المجاز وكلاهما خلاف الأصل.
الثاني: أن «إنما» مركبة من «إن» المثبتة و «ما» النافية، فأفادت إثباتا ونفيا كما قبل التركيب، وهو إثبات المذكور ونفيه عما عداه، إذ عكسه باطل باتفاق.
واعترض عليه أما على الوجه الأول، فبأنها وردت [لغير الحصر، فلو وردت] له أيضا لزم الاشتراك أو المجاز.
وأما على الثاني فلا نسلم أنها مركبة بل موضوعة وضعا أولا كذلك، سلمناه لكن لا نسلم أن «ما» فيها نافية لجواز أنها زائدة أو غيرها من أقسام «ما» سلمناه، لكن لا نسلم أنها/ [٤١/ل] تفيد بعد التركيب ما أفادته قبله، إذ ذلك منقوض ب «لولا» أفادت بعد
стр. 73
التركيب خلاف ما أفادته قبله.
حجة عدم الحصر: أنها وردت للحصر وغيره، والاشتراك والمجاز خلاف الأصل، فوجب جعلها للقدر المشترك وهو الإثبات المؤكد حجة.
الثالث: أنها لما كانت للإثبات المؤكد تجوزوا بها إلى استعمالها في الحصر عرفا، فصارت للحصر بعرف الاستعمال، لا بوضع اللغة، إذ لم ينقل وضعها له، ولا دل عليه القياس.
فإذن معنى ﴿إِنَّما يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ (١٦٩) [البقرة:
١٦٩] على الأول: أنه لا يأمركم. الآية، وعلى الثاني إثبات أمره لهم إثباتا مؤكدا، يدل على قوة داعية منه إلى ذلك لا على معنى الحصر، لكن قد دل الدليل/ [٢٢ ب/م] المنفصل على أن الشيطان لا يأمرهم إلا بالسوء، فالحصر في هذه القضية لازم، إما بمقتضى إنما وضعا أو عرفا أو بالدليل الخارج.
وهذه الأقوال في «إنما» إنما هي فيما إذا تجردت، أما إن اقترن بها ما يفيد حصرا أو عدمه، وجب اعتبار مقتضى القرينة، وقد يكون الحصر مطلقا، وقد يكون من وجه دون وجه، وسيأتي القول في ذلك، وفي أدوات الحصر في مواضعه، إن شاء الله .
وهذه المسألة من باب حروف المعاني في أصول الفقه.
قوله- : ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اِتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ﴾ (١٧٠) [البقرة: ١٧٠] فيه ذم التقليد، وهو اعتقاد الحكم بناء على حس الظن بمن أخذ عنه لا عن نظر وهو كذلك (١)؛ لأنه استناد إلى جهالة محضة وعدم علم، وعدم العلم لا يفيد علما لا بالعدم ولا بالوجود؛ ولأن المقلد إما أن يعلم خطأ من قلده أو إصابته، فإن علم خطأه لم يجز متابعته، وإن علم إصابته فإما بتقليد آخر فيعود الكلام فيه ويتسلسل، أو بنظر فليس حينئذ مقلدا لاستناد اعتقاده إلى نظر واستدلال، لكن قد فرضناه مقلدا هذا خلف.
واعلم أن هذه الآية وغيرها من الآيات الذامة للتقليد إنما دلت على امتناع التقليد في أحكام الأصول والمعتقدات كالتوحيد ونحوه، أما الفروع فلا، بل قد دل قوله-عز
стр. 74
وجل-: ﴿وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلاّ رِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ (٧) [الأنبياء: ٧] على جواز التقليد فيها.
والأقوال الممكنة في التقليد أنه يجوز في الأصول والفروع ولا يجوز فيهما، ويجوز في الفروع لا في الأصول مطلقا، / [٤٢/ل] ويجوز في الفروع وفي الأصول لمن لا يمكنه استعمال النظر فيها على وجهه إما لضعف فهمه، أو لانقطاعه بذلك عن مصالح معاشه الضرورية كالعامة ونحوهم.
﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اِتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ﴾ (١٧٠) [البقرة: ١٧٠].
إشارة إلى دليل بطلان التقليد، وتقريره: أن آباءهم يجوز أن يصيبوا ويخطئوا فبتقدير أن يخطئوا لا يجوز متابعتهم، أفتتبعونهم على ذلك، وأما إصابتهم فليست متعينة، فإن علمتموها بتقليد آخر لزم تسلسل التقليدات، أو بنظر فلستم إذن مقلدين.
وخرجنا عن المسألة، وهذه المسألة من باب صفة المفتي والمستفتي من أصول الفقه.
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَاُشْكُرُوا لِلّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ (١٧٢) [البقرة: ١٧٢] أي: من حلال رزقنا ومفهومه: لا تأكلوا من حرام ما رزقناكم، وهو يقتضي أن الحلال والحرام من رزق الله- -وهو يرزقه خلافا للمعتزلة إذ قالوا: لا يرزق الحرام، وقد سبق القول عليهم.
﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ (١٧٢) [البقرة: ١٧٢] هذه من أدوات/ [٢٣/أ] الحصر، وهو تقديم المفعول نحو: ﴿(إِيّاكَ نَعْبُدُ)﴾، والله أحمد، و ﴿(بَلِ اللهَ فَاعْبُدْ)﴾، وإنما، وقد سبق ذكرها قريبا، والنفي المتلقي بإلا نحو ما قام إلا زيد، وما فعلوه إلا قليل، وحصر المبتدأ في الخبر الأعم أو المساوي، إذ يستحيل أن يكون الخبر أخص، فإذا قلت: كل إنسان حيوان، صح؛ لأن الخبر أعم، أو الإنسان ناطق، صح؛ لأنه مساو، والشيء ينحصر في الأعم منه، والمساوي له، ولو قلت: الحيوان إنسان أو كل حيوان إنسان لم يصح، لأن الخبر أخص، ومطابقة الأقل للأكثر محال. ﴿إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ فَمَنِ اُضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١٧٣) [البقرة: ١٧٣].
هذا تخصيص لعموم ﴿وَكُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ حَلالاً طَيِّباً وَاِتَّقُوا اللهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ﴾
стр. 75
مُؤْمِنُونَ (٨٨) [المائدة: ٨٨] خص بهذه الأشياء، وبقي ما عداها من الأرزاق حلالا، بناء على أن العام بعد التخصيص حجة في الباقي إلى أن ورد نهيه ﵊ عن كل ذي ناب من السباع وذي مخلب من الطير (١)، فحرم ذلك أيضا، وكذلك كل ما قام الدليل على تخصيصه بالتحريم من عموم الأرزاق الحلال كالجلالة (٢) والهوام والمستخبثات بقوله- : ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاِتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (١٥٧) [الأعراف:
١٥٧] ونحو ذلك.
ثم (الميتة) عام في التحريم خص منها السمك والجراد بقوله ﷺ : «أحلت لنا ميتتان ودمان: السمك والجراد، والكبد والطحال» (٣) وكذلك ما يصيد بسهم، أو جارح فلم يدرك زكاته أو ندّ بعير ونحوه، أو تردى في بئر فرمى أو جرح فمات بشرطه/ [٤٣/ل] والميتة في المخمصة.
كل ذلك حلال خص من عموم تحريم الميتة، والدم خص منه الكبد والطحال بالحديث وما اضطر إليه في المخمصة بما في سياق هذه الآية، وكذلك الخنزير خصّ منه ما اضطر إليه في مخمصة لم يجد غيره، ﴿إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ فَمَنِ اُضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١٧٣) [البقرة: ١٧٣]، أي: إذا أكل من هذه المحرمات مضطرا لا إثم عليه، والمضطر من خشي على نفسه الهلاك أو مرضا أو ضعفا فاحشا يخشى منه الهلاك أو الزمانة، ونحو ذلك من الضرر الفظيع، فله أن يأكل ما يسد الرمق.
وفي تمام الشبع قولان للعلماء، ويحتمل ثالث وهو جوازه من الميتة والدم دون لحم الخنزير؛ لأنه منصوص على تحريمه مثلهما، واختص بأن نهى عنه تعبدا بمخالفة النصارى،
стр. 76
وبأن من خاصيته التخنيث وتقليل الغيرة، وكونه ممسوخا، أو على صفة الممسوخ وكذلك ما أهلّ به أي: ذبح لغير الله كالذي ذبح على النصب للأصنام ونحوها حرام لا يباح منه إلا في المخمصة راجع إلى المحرمات الأربعة يباح ذلك منها.
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللهُ مِنَ الْكِتابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولئِكَ ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النّارَ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ (١٧٤) [البقرة: ١٧٤] إما لمعهود أي: النار الوافية بعذابهم التي تسعها بطونهم، أو عام أريد به الخاص، وهو ذلك.
قوله- : ﴿*لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينَ وَاِبْنَ السَّبِيلِ وَالسّائِلِينَ وَفِي الرِّقابِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا وَالصّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ (١٧٧) [البقرة: ١٧٧].
هذه هي أركان أصول/ [٢٣ ب/م] الدين الخمسة تارة تذكر هكذا طرفين وواسطة، فالله- -هو المبدأ، واليوم الآخر هو المعاد، وهما الطرفان والثلاثة الأخر واسطة، وتارة تذكر على الترتيب الوجودي: الله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر.
فالإيمان بالله- -هو التصديق بوجوده وصفاته وأفعاله، فمن صفاته أنه قديم باق حيّ عالم قادر مريد متكلم سميع بصير غني، وبالجملة متصف بصفات الكمال منعوت بنعوت الجلال منزه عن [لحوق كل نقص، وعن فوات كل كمال]، ومن أفعاله العالم ففي الحقيقة لا موجود إلا الله- -وصفاته الذاتية، / [٤٤/ل] وأفعاله.
والإيمان بالملائكة التصديق بوجودهم، وأنهم من حيث المادة نورانيون، ومن حيث المرتبة ﴿وَقالُوا اِتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ﴾ (٢٦) [الأنبياء: ٢٦]، ومن حيث الوظيفة ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ﴾ (٢٠) [الأنبياء: ٢٠]، ومن حيث الطاعة والعصمة ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً وَقُودُهَا النّاسُ وَالْحِجارَةُ عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ لا يَعْصُونَ اللهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ (٦) [التحريم: ٦] إلى غير ذلك من أوصافهم وأحكامهم. والإيمان بالكتب كالتوراة والإنجيل وصحف آدم
стр. 77
وإبراهيم ونحوها المنزلات والقرآن؛ هو التصديق بأنها حق من حق موافق بعضها لبعض لا تناقض فيها ولا اختلاف، التكليف بها حق، والعمل بها صواب، فأما القول في أنها حادثة أو قديمة، وأنها معنى نفساني أو (قول لساني)، فقد سبق، وسيأتي إن شاء الله- شيء منه.
والإيمان بالنبيين هو التصديق بأنهم صادقون فيما بلغوا من الرسالات مؤيدون من الله -بالحجج والبينات، سفراء بين الله- -وخلقه، قائمون في خدمته بواجب حقه، معصومون فيما بلّغوه من الكذب، منزهون عن إتيان الفواحش والريب.
فأما كونهم أفضل من الملائكة فسيأتي إن شاء الله- .
والإيمان باليوم الآخر هو التصديق بوقوعه، وبما سيقع فيه من الأمور الواردة في السمع، كالجنة والنار والصراط والميزان ووزن الأعمال، وأخذ الصحف باليمين والشمال، وغير ذلك مما ذكر في دواوين السّنّة، وكتاب «البعث والنشور» وكتاب «العاقبة»، فهذه جمل أصول الدين وتفاصيلها [في الكتب]، وسنذكر منها في هذا التعليق ما تيسر مما تضمنه القرآن العزيز إن شاء الله .
واعلم أن الدين مشتمل على الإيمان والإسلام والإحسان كما في حديث جبريل- ﵇-وهذه الآية تضمنت ذلك، وهو التصديق والتقوى لقوله- -في آخرها: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ (١٧٧) [البقرة: ١٧٧] وهو خصال الولاية لقوله- -في صفة الأولياء: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ﴾ (٦٣) [يونس: ٦٣] فالتقوى مساوية للولاية، فكل متق على الحقيقة ولي، وكل ولي على الحقيقة متق.
стр. 78
انتفى فيه القصاص بأدلة تخصيصه المشهورة (١).
﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ [البقرة: ١٧٨]، مفهومه/ [٢٤ أ/م] أن لا يقتل حر بعبد وهو خاص، فيخص به عموم النفس بالنفس خلافا لأبي حنيفة، وأصل الخلاف أن المفهوم حجة عندنا، فيخص به العموم، لأن عنده ﴿وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى﴾ [البقرة: ١٧٨] مفهومه لا يقتل ذكر بأنثى، لكنه متروك لضعفه ولزوم المفسدة العامة منه، وللإجماع فيقتل الذكر بالأنثى، ولا شيء لورثته.
وذهب بعض العلماء إلى أنه يقتل بها، ويعطى ورثته نصف ديته؛ لأن المرأة تودى بنصف دية الرجل، هو رواية بعيدة عن أحمد، ولعل مأخذها هذا المفهوم، وهو أن الآية اقتضت أن لا يقتل بها، فلما تركناه في القتل اعتبرنا المساواة بينهما بحسب الدية حتى كأنا أخذنا بنفس المرأة نصف نفس رجل كنسبة ديتها من ديته.
﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ [البقرة: ١٧٨] أي: من قتل فعفا له الولي عن القصاص، أو عن بعض الدية، فعلى الولي اتباع الجاني بالدية أو ما بقي منها بالمعروف، وعلى الجاني أداء ذلك بإحسان هذا ظاهر الكلام، وهو عام مطرد، وفي تفسيره خلاف.
﴿فَمَنِ اِعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ﴾ [البقرة: ١٧٨] أي: من عفا عن القصاص، ثم قتل الجاني بعد العفو عنه أو اقتص منه في طرف ﴿فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ (١٧٨) [البقرة: ١٧٨]، أي بالقصاص منه؛ لأنه جنى عمدا [أو أنه] أشبه الجاني ابتداء، وهذا عام خصّ منه ما إذا قتل الجاني بعد العفو عنه خطأ أو جهلا بالتحريم ونحوه من صور العذر المسقطة للقصاص؛ لقوله : ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ فِيما أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ (٥) [الأحزاب: ٥] ونحوه، وقوله ﷺ : «عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه».
﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (١٧٩) [البقرة: ١٧٩] هذا خبر عام، وهو بحسب السياسة الكلية الظاهرة وجاري العادة مطرد؛ لأن الإنسان إذا
стр. 79
علم أنه إذا قتل قتل كف عن القتل، فكان في كفه حياتهما جميعا وحياة من يتبعهما؛ من يدخل في نصرتهما إما بحسب أمور جزئية باطنة، فقد يكون في القصاص موت كثير مثل أن يقتص من شخص، فتأخذ العزة قوم المقتص منه فيغتالون بعض أولياء القصاص، فيظهر ذلك عليهم، فتلتحم الفتنة، فيقتل خلق كثير أو يقاد المغتالون فهذا القصاص المفروض/ [٤٦/ل] أفضى إلى موت أكثر مما كان يفضي إليه عدم القصاص، لكن مثل هذا لا يعد تخصيصا إذ هو مفروض على خلاف جهة عموم القرآن؛ إذ هو وارد على جهة السياسة الكلية الظاهرة لا على جهة الصور الفرضية الجزئية النادرة.
أما قول العرب: القتل أنفى للقتل، فلا يرد عليه مثل هذا التخصيص؛ إذ معناه: القتل أقرب إلى نفي القتل، ولا يلزم منه أن ينفيه مطلقا في كل صورة حتى يرد للصورة المفروضة ونحوها عليه.
﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ (١٨٠) / [٢٥ ب/م]) [البقرة: ١٨٠] هو عام في كل من حضره الموت ممن له مال وأقارب يوصي لهم ثم قيل: إنه نسخ بآية الميراث، وقوله- ﵊: «إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث» (١) [فارتفع حكمه بالكلية.
وقيل: لم ينسخ وإنما خص بمن له ميراث، فلا وصية له] وبقي على أصل عمومه فيمن لا ميراث له من الأقارب فتجب له الوصية، وهو أشبه، ولأن التخصيص أيسر من النسخ، فكان التزامه أولى.
﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (١٨١) [البقرة: ١٨١] معناها فهو آثم وهو عام مخصوص بمن بدل حكم الوصية للأقارب جاهلا بتحريم التبديل أو متأولا له على أنه مندوب لا واجب أو واجب منسوخ [ونحو هؤلاء] ﴿فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٨٢] ﴿فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٨٢] هو عام مخصوص بمن أصلح بينهم منهما لجر نفع
стр. 80
إلى نفسه أو خادعا لبعض الورثة، أو للميت عن بعض المصالح، أو مائلا مع بعضهم لهوى ونحوه، فإن هذا إثم من الجهة التي خرج فيها عن موجب الصلح العدلي.
قوله- : ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (١٨٣) [البقرة: ١٨٣] أما الصيام فهو معهود خاص برمضان من سائر الصيام، وهو عام بالنسبة إلى أيامه الثلاثين أو التسع والعشرين، أما ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فعام أريد به الخاص وهو أهل التكليف والخطاب، فيخرج من ليس كذلك كالصبي والمجنون وفي تناوله العبيد خلاف. ثم هو بعد ذلك مخصوص إما مطلقا كالعاقل يجن في أثناء رمضان فلا يلزمه صومه ولا قضاؤه إذا أفاق، أو لا مطلقا كالمريض والمسافر والكبير والحائض والحامل والمرضع؛ فيسقط عنهم أداؤه لا قضاؤه ﴿كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (١٨٣) [البقرة: ١٨٣] [هذا يقتضي وجوب الصوم على عموم من كان قبلنا] من الأمم المتشرعة.
والظاهر أن الصيام المكتوب عليهم كان هو رمضان ويحتمل أنه صوم/ [٤٧/ل] غيره، ثم الظاهر أن التخصيص في حقهم كان كما [كان] في حقنا لسقوط الصوم عن ذوي الأعذار منهم مطلقا أو لا مطلقا كما سبق، ويحتمل خلاف ذلك بالتغليظ عليهم ما لم يغلظ علينا؛ لأن الآصار والأغلال كان عليهم أشد.
﴿أَيّاماً مَعْدُوداتٍ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] هذا عام أريد به الخاص، وهو المريض الذي يخاف ضررا بالصوم، والمسافر سفرا يقصر في مثله الصلاة لا مطلق المريض، والمسافر دل على هذا التخصيص النظر والإجماع المعتبر.
﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤] قيل: معناه على الذين لا يطيقونه، وإنما حذفت لا كما حذفت في ﴿قالُوا تَاللهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهالِكِينَ﴾ (٨٥) [يوسف: ٨٥] أي: لا تفتأ، وهو ضعيف إذ الحذف لا بد عليه من دليل ولا دليل عليه هنا بخلاف «تالله تفتأ» فإن دليل حذفها فيه واضح وقيل-وهو الصحيح-: إنهم كانوا في صدر الصوم أعني أول ما فرض يخير من/ [٢٦ أ/م] أطاقه بين أن يصوم أو يفطر ويفدي، ثم نسخ هذا التخيير
стр. 81
بتعيين الصوم على ما أطاقه وبقيت رخصة التخيير فيمن لا يطيقه أو يشق عليه، فالتقدير إذن: «وعلى الذين يطيقونه ويختارون الفطر دون فدية».
﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾ [البقرة: ١٨٤] أي: فمن تطوع بزيادة على إطعام مسكين عن إفطار كل يوم مثل أن يطعم عن كل يوم مسكينين أو مساكين، فهو خير له، كقوله-﵊-لرجل جاء بناقة فتية، وإنما عليه ابنة مخاض أو لبون فقال:
«ذلك الذي عليك وإن زدت شيئا فهو خير لك» (١) وهذا عام في كل من أفطر، فزاد في الفدية عن إطعام مسكين، [وربما خص بمن تعلقت ضرورته أو ضرورة عياله بالزيادة على طعام مسكين] فيجب صرفها إلى جهة تلك الضرورة حتى لو خالفت فأضر بعياله أو بنفسه أثم.
﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (١٨٤) [البقرة: ١٨٤] هذا عام إذا تقديره: وصومكم خير لكم، وهو اسم جنس مضاف، وهو يتناول من خيّر بين الصوم والفطر بأصل الشرع كالصحابة قبل نسخ ذلك في حقهم.
ومن خيّر على جهة الرخصة لعذر كالمسافر ونحوه، كل هؤلاء الصوم خيّر لهم من الإفطار، وهو مخصوص بمن خشي بالصوم التلف أو بلغ به الجهد كقيس بن صرمة الأنصاري (٢) حين أصبح طليحا من الصوم أي مجهودا منقطعا، أو أخل الصوم عليه ببعض مصالح الجهاد، كما روي/ [٤٨/ل] أنه ﵊-كان في سفر فوقع الصائمون وقام المفطرون فنصبوا واستقوا وأسقوا وطبخوا فقال ﷺ : «ذهب المفطرون اليوم بالأجر» (٣) وقال في الصائمين في موضع آخر: «أولئك من العصاة» (٤) «ليس من البر الصيام في السفر» (٥).
ففي هذه الصورة ونحوها الفطر خير وأفضل تخصيصا لها من عموم ﴿وَأَنْ تَصُومُوا﴾
стр. 82
﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٤] بالدليل
﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنّاسِ﴾ [البقرة: ١٨٥] يقتضي أن جميع القرآن أنزل في رمضان، وهو كذلك أنزل جميعه من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في السماء الدنيا في شهر رمضان، أما نزوله إلى الأرض فنزل في رمضان وغيره.
﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] هو عام مطرد باعتبار القوة والصلاحية، أي في قوته وصلاحيته أن يهدي جميع الناس، وعام مخصوص بمن لم يهتد باعتبار الفعل، إذ كثير من الناس لم يهتد به، وإن أريد بالناس مسماهم أو ناس معهود خرج عن قبيل العام.
﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] عام فيمن شهد الشهر، أي كان فيه شاهدا أهله حاضرا غير مسافر، فخص منه المسافر بمفهومه وبما سبق، والمريض بما بعده وقبله، وباقي أهل الأعذار بالدليل، للقياس على المخصوص من العموم أو غيره.
﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] يحتج به القدرية على أن الله- -لا يريد الكفر والمعاصي من خلقه، وإنما هم يريدونها ويخلقونها / [٢٦ ب/م]، وتقريره أن المعاصي شر، ولا شيء من الشر بيسر، ينتج لا شيء من المعاصي، فالمعاصي عسر، والله- -لا يريد بخلقه العسر؛ فيلزم أن المعاصي بيسر لا يريدها الله تعالى بخلقه؛ وهو المطلوب.
ويجاب عنه بوجوه:
أحدها: أن هذه الآية في سياق الصوم، فهي خاصة به بدلالة السياق، ولا تعلق لها بالعقائد، والمعنى: يريد الله بكم اليسر لا العسر في أحكام الصوم والفطر لا مطلقا.
الثاني: أنه قال: ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ﴾ والنزاع في أنه يريد منهم المعاصي، وفرق بين أردت به، وأردت منه؛ إذ أحدهما غير الآخر.
الثالث: يحتمل أنه لا يريد بهم العسر عبادة وتكليفا، وإن أراده منهم خلقا وتقديرا.
الرابع: أن اللام في العسر، يحتمل أن لا تكون للعموم، فلا تكون كبرى قياسكم كلية، فلا تنتح، إذ يبقى هكذا: المعاصي عسر، وبعض العسر/ [٤٩/ل] ليس بمراد الله- .
стр. 83
﴿وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ إِذا دَعانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ (١٨٦) [البقرة: ١٨٦] هو عام مخصوص بما لم يشأ الله- -إجابته بدليل:
﴿بَلْ إِيّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ وَتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ﴾ (٤١) [الأنعام ٤١]، ويحتمل أن يقال هو عام مطرد غير أن كل داع لا يخلو من الإجابة، إما بنفس مطلوبه، أو بدفع شر عنه عوض ذلك، أو بأن يدخر له في الآخرة مثل ذلك كما صح في الحديث، والإجابة أعم من كل واحد من هذه الثلاثة، فأيها حصل كان إجابة لدعائه.
﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧] هو عام مطرد في جميع الليلة، وفي أنواع الرفث من الجماع ومقدماته وما يتصل به إلى نسائكم عام خص منه الحائض والنفساء، والمحرمة، والمعتكفة، ونحوهن ممن بها مانع من الوطء حكما.
﴿وَكُلُوا وَاِشْرَبُوا حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] عام في ما بين غروب الشمس وطلوع الفجر، ويخص منه بعض ذلك لأسباب خاصة بمنع الأكل والشرب كالصلاة لا يجوز ذلك فيها.
﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧] عام مطرد في تحريم المباشرة في حال الاعتكاف.
﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوالِ النّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (١٨٨) [البقرة: ١٨٨] عام مطرد فلا يجوز أكل مال أحد إلا بحق.
﴿* يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اِتَّقى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها وَاِتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (١٨٩) [البقرة: ١٨٩] هذا عام على جهة التأدب في حالة الإحرام وغيره، وخص منه إتيان البيوت من غير أبوابها، كتسور الحيطان ونحوه للضرورات والحاجات والمصالح الراجحة، ولا يكون ذلك-والحالة هذه منافيا لحسن الأدب.
стр. 84
قوله : ﴿وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (١٩٠) [البقرة: ١٩٠] هو عام يخص بما إذا اقتضت المصلحة ترك قتال المقاتل مداراة عند الضعف عنه كما في الهدنة والصلح، أو خديعة له إذ الحرب خدعة أو نحو ذلك.
﴿وَلا تَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ١٩٠] عام مطرد في ترك العدوان الحقيقي.
﴿الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ فَمَنِ اِعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اِعْتَدى عَلَيْكُمْ وَاِتَّقُوا اللهَ وَاِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ (١٩٤) [البقرة: ١٩٤] أي: من انتهك لكم حرمة، فانتهكوا له مثلها لتقتصوا منه بدليل: ﴿فَمَنِ اِعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اِعْتَدى عَلَيْكُمْ وَاِتَّقُوا اللهَ وَاِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ (١٩٤) [البقرة: ١٩٤] / [٢٧ أ/م] إذ هذا بيان للحرمات قصاص، وهو عام في جواز الاقتصاص، وخص منه في القصاص في الأطراف ما إذا خيف الحيف كالجائفة لا قصاص فيها لتعذر المماثلة، وفيما إذا قتله بمحرم [في نفسه] كتجريع للخمر واللواط لا يقتص منه بمثله لئلا يكون دفعا للظلم الحرام بمثله، ومحوا للأثر القبيح بأقبح منه، وكذا لو قتل/ [٥٠/ل] رجل قريب رجل أو عبده أو دابته، أو زنا بامرأته أو أمته، لم يجز للمجني عليه أن يفعل بالجاني مثل ذلك بل يقتص منه ويغرمه. ويرفعه إلى من يحده، ونحو ذلك.
﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (١٩٥) [البقرة: ١٩٥] عام مثل: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلاّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً﴾ (٢٩) [النساء: ٢٩]، وهو مخصوص بما إذا تضمن الإلقاء إلى التهلكة أجرا أو مصلحة كمن يحمل في صف العدو وحده لإعزاز الدين ونكاية الفاسقين، أو يلقى النار في مركبه ويظن السلامة في إلقاء نفسه في البحر، أو يخاطر في صعود حصن أو النزول منه لفتحه على المسلمين أو نحو ذلك.
﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (١٩٥) [البقرة: ١٩٥] عام خص منه من ترجحت إساءته على إحسانه، فالظاهر أنه لا يحبه، وفيما إذا استويا نظر.
стр. 85
﴿وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ عام في بلوغ الهدي محله، فلو كان مع المحرم هدي متعدد، فبلغ بعضه المحل دون بعض لم يحل ولم يجز له الحلق حتى يبلغ جميعه المحل، عملا بمقتضى عموم الاية.
﴿فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]، أي فحلق فعليه فدية، وهو عام في جواز حلق المحرم رأسه للمرض والأذى، ويقاس عليه استباحة سائر محظورات الإحرام للأعذار كاللبس، وتغطية الرأس، وقصر الظفر، والتطيب ونحوه.
﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اِسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] هذا عام في كل متمتع في الحج أن يلزمه دم لما أخل به من الإحرام بالحجّ من ميقاته، وذلك بشروط التمتع.
﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦] عام في كل متمتع عدم الدم أن يصوم عنه عشرة أيام ويخص بمن عدمه ثم وجده قبل الشروع في الصوم، فإنه يرجع إليه في أظهر القولين، وفي الآخر لا يرجع، ويشرع في الصوم، لدخوله تحت عموم الآية أما إن وجد الهدي بعد الشروع في الصوم فلا يلزمه الرجوع إليه قولا واحدا، وكذا ﴿فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦] عام [في] جواز إيقاعها في جميع أيامه ما بين الإحرام به إلى التحلل منه.
﴿ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ﴾ [البقرة: ١٩٦] هو عام في كل مكي أو من في حكمه من مجاور، أو من هو منها على دون مسافة القصر أن لا متعة لهم إذ لا خروج عليهم إلى ميقات الحج للإحرام منه حتى يجب الدم للإخلال به.
﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزّادِ التَّقْوى وَاِتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ﴾ (١٩٧) / [٥١/ل]) [البقرة: ١٩٧] عام في النهي عن هذه الأشياء، مطرد إلا في الجدال فإنه مخصوص بما إذا/ [٢٧ ب/م] كان لإقامة حجة أو كشف شبهة فإنه يستحب، وربما وجب خصوصا إن كان الجدال في بعض أحكام الإحرام والحج للعمل به معجلا، فإن هذا يبقى فرض كفاية على العلماء الحاضرين، وكثيرا ما يقع هذا هنالك.
стр. 86
﴿وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللهُ﴾ [البقرة: ١٩٧] أي: فيجازيكم عليه، وهو عام في الأمرين علمه والجزاء عليه بدليل: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اِسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٢٩) [البقرة: ٢٩]، ﴿وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ﴾ (٤٧) [الأنبياء: ٤٧]، ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ﴾ (٧) [الزلزلة: ٧] ونحوه.
﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزّادِ التَّقْوى﴾ [البقرة: ١٩٧] عام مطرد إذ لا أفضل منها زادا.
﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ فَاذْكُرُوا اللهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ وَاُذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضّالِّينَ﴾ (١٩٨) [البقرة: ١٩٨] عام في نفي الجناح في التجارة في أيام الحج، والأفضل أن لا يفعل ليتجرد قصده للعبادة، ولا تنافي بين نفي الجناح وترك [الأفضل، ولا بين المباح وترك] المندوب.
﴿فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً فَمِنَ النّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ﴾ (٢٠٠) [البقرة: ٢٠٠].
عام مطرد في نفي الخلاف نحو ﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ (٢٠)
[الشورى: ٢٠].
﴿*وَاُذْكُرُوا اللهَ فِي أَيّامٍ مَعْدُوداتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اِتَّقى وَاِتَّقُوا اللهَ وَاِعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ (٢٠٣) [البقرة: ٢٠٣] عام في نفي الإثم في التعجل والتأخر، ولا يقتضي ذلك التسوية بينهما، فالتأخر واستكمال أيام منى الثلاث أفضل؛ لأن نفي الإثم أعم من الأفضل والمساوي فلا دلالة له عليهما، وجودا ولا عدما.
стр. 87
ذلك وما صدق عليه، أما العموم فمتعذر عادة؛ إذ لا يقدر على السعي في كل جزء من الأرض] ولا إهلاك كل حرث ونسل.
﴿وَاللهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ﴾ (٢٠٥) [البقرة: ٢٠٥] عام مطرد في نفي محبته الفساد، وهو كل قبيح لا نفع فيه، أو كل فعل محض الضرر، أو كل فعل لم يؤذن فيه شرعا.
ويحتج المعتزلة بهذا على أن معاصي العباد ليست خلقا له؛ إذ لو خلقها لأحبها، أو لأنه لا يخلق ما لا يحب، ولأن ما لا يحبه لا يخلقه.
والجواب: أن جميع هذه العبارات منقوضة بالكفار والشياطين/ [٥٢/ل] ونحوهم، قد خلقهم مع أنه لا يحبهم.
﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ اِبْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ وَاللهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ﴾ (٢٠٧) [البقرة: ٢٠٧] عام في كل عبد أنه لا بد له من شيء من رأفة الله .
ولا ينافي ذلك تعذيب بعضهم في الدنيا بالبلايا، والمحن في الآخرة بالنار؛ لأن العموم هنا في لفظ العباد لا في لفظ رءوف، إذ هو مطلق، يصدق بالمسمى كما بيناه بشيء من الرأفة لكل عبد.
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اُدْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ (٢٠٨) [البقرة: ٢٠٨] عام خص منه من لا خطاب معه، ولا تكليف عليه، وقد سبق أن مثل هذا العام يزيد وينقص.
﴿فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٢٠٩) [البقرة: ٢٠٩] أي: الإسلامية المعهودة، وإلا فكل بينة في الإمكان والقدرة لم تأت.
﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ (٢١٠) [البقرة: ٢١٠] عام مطرد في الملائكة يأتي/ [٢٨/م] جميعهم يوم القيامة، وفي الأمور يرجع جميعها إلى الله- -فلا أمر لأحد معه.
﴿سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ [البقرة: ٢١١] أي: أهل العلم منهم؛ إذ هم أهل السؤال، فهو عام أريد به الخاص.
﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اِتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَاللهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ (٢١٢) [البقرة: ٢١٢].
стр. 88
يحتمل اختصاصه بمن له دنيا وزينة، ويحتمل عمومه بخلق زينة مطلق الحياة الدنيا في قلب كل كافر، ولهذا كانت الدنيا جنة الكافر لزينتها عنده، وسجن المؤمن لتبغيضها إليه، كما زين الإيمان في قلب المؤمن، وكره إليه الكفر.
﴿وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٢١٢] يحتمل أنه من المؤمنين المعهودين، ويحتمل أنه من المؤمنين الذين شاهدوهم حتى سخروا منهم، فيكون عاما أريد به الخاص.
﴿وَالَّذِينَ اِتَّقَوْا﴾ [البقرة: ٢١٢] عام في المتقين هم فوق الكفار يوم القيامة.
﴿كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ فِيمَا اِخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اِخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اِخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٢١٣) [البقرة: ٢١٣] عام فيهم كانوا بعد نوح-﵇-ملة واحدة على الكفر، ثم جاءتهم الرسل فاختلفوا فآمن بعضهم، وكفر بعض.
﴿فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ﴾ [البقرة: ٢١٣] عام فيهم أو لأنبياء معهودين، وهم أصحاب الشرائع والكتب بدليل ﴿وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ﴾ [البقرة: ٢١٣]، وأصحاب الكتب معدودون إذ ليس كل نبي جاء بكتاب.
﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ﴾ عام فيهم خص بمن لا تكليف عليه، إذ لا حكم يتعلق به من حيث هو غير مكلف، وبمن لا اختلاف بينهم إلا حاجة لهم إلى الحكم بينهم.
﴿فَهَدَى اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٢١٣] عام مطرد ﴿ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (١١) [التغابن: ١١].
﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ﴾ (٢١٤) [البقرة: ٢١٤] يحتمل أنه عام مطرد، وأن الصحابة امتحنوا بما امتحن به جميع من قبلهم، ويحتمل أنه أريد به المعهود أو الخاص أي قوم ممن كان قبلكم امتحنتم بما امتحنوا.
﴿مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرّاءُ﴾ [البقرة: ٢١٤] أي المعهود منهما أو مسماهما، وإلا
стр. 89
فجنس البأساء والضراء لم يمس قوما بعينهم أو شخصا بعينه، اللهم إلا أن يكون هذا من باب مقابلة الجمع بالجمع فيكون [معناه أن جنس من قبلكم مسهم جنس البأساء والضراء فيجوز].
﴿حَتّى يَقُولَ الرَّسُولُ﴾ [البقرة: ٢١٤] يجوز أن يكون اسم جنس فيكون عاما في الرسل، ويجوز أن يكون معناه حتى يقول الرسول منهم فيكون واحدا.
﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اِسْتَطاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ (٢١٧) [البقرة: ٢١٧] عام مطرد.
[قوله ]: ﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتّى يُؤْمِنُوا﴾ (٢٢١) [البقرة: ٢٢١] عام خص بالكتابيات يجوز نكاحهن مع شركهن.
وإن قلنا: إن المشركين في عرف الشرع لمن عدا أهل الكتاب من الكفار فهو عام مطرد، لا تخصيص فيه.
﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النّارِ وَاللهُ يَدْعُوا إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آياتِهِ لِلنّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ (٢٢١) [البقرة: ٢٢١] عام مطرد.
﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتّى يَطْهُرْنَ فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ﴾ أي: في زمن الحيض هو عام في اعتزالهن فيما تحت الإزار، وجواز الاستمتاع بما وراء ذلك ثبت ببيان السّنّة.
﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ (٢٢٢) [البقرة: ٢٢٢] عام مطرد، ويحتمل تخصيصه بمن تكررت توبته/ [٢٨/ب/م] استهزاء أو لعبا، أو عن غير عزم، وبمن أكثر الطهارة إسرافا ووسواسا ونحو ذلك، فالظاهر أنه لا يحبهما مع دخولهما تحت عموم
стр. 90
التوابين والمتطهرين.
﴿نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاِتَّقُوا اللهَ وَاِعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢٢٣) [البقرة: ٢٢٣] عام مطرد في الأزواج وهن المراد [من النساء]، ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣] اعلم أن «أنّى» تستعمل بمعنى «أين» وبمعنى «من أين»، وبمعنى «كيف» فمن حملها هاهنا على معنى «أين» وهي عامة في المكان قال: المعنى فأتوا حرثكم أين شئتم من قبل أو دبر، وهؤلاء هم الشيعة وطائفة من أهل الحجاز، ويعزى إلى مالك، وقد شاهدناه عنه في كتاب «السر» من نسخة صحيحة متصلة الإسناد إليه، وأصحابه تارة يسلمون صحته عنه، ويدعون رجوعه، وتارة ينكرونه عنه أصلا، وينكرون صحة كتاب «السر» عنه بالأصالة ثم ينقلون من كتاب «السر» مسائل في غير هذا الباب.
والدليل على صحته عنه أن عظم مادته عن نافع عن ابن عمر، وقد نقل ذلك عنهما، أما نافع فقد روي في مسند أبي حنيفة-﵀-أنه قيل له: ما لك لم تأخذ عن نافع؟ فقال: قد قصدته لاخذ عنه؛ فوجدته بين أصحابه، وهو يفتي بجواز وطء المرأة في الدبر، فتركته فلم آخذ عنه شيئا.
وأما ابن عمر فروى عبد الرزاق في تفسيره بإسناده إلى ابن عمر أنه تلا ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ الْعالَمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ﴾ (١٦٦) [الشعراء: ١٦٥، ١٦٦] قال يعني مثله من الذكر، قال ابن عمر: ولا ينبغي أن يقال هذا للعوام أو كما قال. / [٥٤/ل]
ومن حملها على معنى كيف أو من أين قال: يأتيها كيف شاء مقبلة ومدبرة وقائمة ومضطجعة ومن أين شاء كذلك لكن في صمام واحد، وهو القبل.
واحتج الأولون بقوله : ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣] على تفسيرهم لها بمعنى أين، وبما روي أن رجلا في عصر النبي ﷺ أتى امرأته في دبرها، فرفع ذلك إلى النبي ﷺ فوجد لذلك وجدا شديدا، فنزلت ﴿وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاِتَّقُوا اللهَ وَاِعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢٢٣) [البقرة: ٢٢٣].
قالوا: وهذا ظاهر في إقامة عذر الوطئ، وإزالة موجدة النبي ﷺ ولأن هذا المكان
стр. 91
المتنازع فيه إما أن يتناوله عقد النكاح أو لا، فإن تناوله وجب القول بإباحة الوطء فيه كالقبل، وإن لم يتناوله وجب أنه إذا أضاف الطلاق إليه أن لا تطلق كما لو أضافه إلى فرج جارتها، وهو باطل، ولأن تفضيل الرجل على المرأة قد ظهر في الإرث والشهادة حتى كان إرثه ضعف إرثها، وشهادته ضعف شهادتها فجاز أن يظهر ذلك في استمتاعه بها بأن يستمتع منها بجهتين، [وتستمتع هي] منه بجهة واحدة على نسبة الضعف له والنصف لها، كالشهادة والإرث.
واحتج الآخرون بالآية على تفسيرهم لها بمعنى كيف أو من أين، وبما روي عن النبي ﷺ أنه سمى ذلك اللوطية الصغرى (١)، ولعن من فعلها (٢)، وبأن الله- -سماهن حرثا والحرث إنما/ [٢٧/أ/م] يكون حيث يظهر الزرع هو هاهنا القبل الذي هو محل الولد لا الدبر الذي ليس محلا إلا لخروج النجاسة؛ ولأن الوطء فيه مؤذ، أو منجس، فكان حراما كالوطء في الحيض.
وفي المسألة من البحث أكثر من هذا اقتصرنا منه على ما ذكرنا.
﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥] عام مطرد، ولغو اليمين قيل: هو ما يجري على اللسان عن غير قصد نحو لا والله، وبلى والله، وقيل: هو أن يحلف على شيء يظن أنه بار صادق فيه، وهو في نفس الأمر على خلاف ظنه عن غير قصد منه للكذب.
﴿وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ (٢٢٥) [البقرة: ٢٢٥] أي:
بالنيات والعزائم وهو عام مطرد.
وحديث النفس المعفو عنه لا يدخل تحت كسب القلب، حتى يخص به؛ لأن كسب القلب يراد به أمر قارّ، وهو العزيمة والنية الجازمة بخلاف حديث النفس، فإنه ليس كذلك، بل هو من باب الخطرات السيالة التي لا ثبات لها.
﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ [البقرة: ٢٢٦] / [٥٥/ل] عام خص منه الصبي والمجنون، ونحوهما ممن لا يصح إيلاؤه.
стр. 92
﴿وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحامِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨] هذا عام أريد به الخاص، وهن المطلقات [الحوائل ذوات الأقراء]، أو نقول: هو عام مخصوص بالمطلقات الحوامل عدتهن بوضع الحمل بدليل ﴿وَأُولاتُ الْأَحْمالِ.﴾
﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلِكَ إِنْ أَرادُوا إِصْلاحاً وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٢٢٨) [البقرة: ٢٢٨] أي بارتجاعهن في العدة، وهو عام مخصوص بمن راجع لا لإرادة الإصلاح، فلا تشرع له المراجعة على ظاهر الآية.
﴿إِنْ أَرادُوا إِصْلاحاً﴾ [البقرة: ٢٢٨] لكن هل هذا شرط لجواز الرجعة، أو هو شرط تأديب؟ فيه احتمال، وإذ قد ثبت أن الضمير في ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨] للرجعيات فهل يقتضي ذلك تخصيص المطلقات في أول الآية بالرجعيات أم لا؟
فيه قولان للأصوليين: أظهرهما: لا يقتضيه وتكون كل جملة مستقلة بنفسها، لا ارتباط لها بالأخرى حتى كأنه قال: وبعولة الرجعيات أحق بردهن.
والثاني: أنه يقتضيه؛ لأن الضمير في ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ﴾ لا يستقل بنفسه دون ظاهر يرجع إليه، وليس قبله ما يصلح مرجعا له إلا المطلقات في أول الآية، ثم الضمير خاص بالرجعيات، فمرجعه وهو للمطلقات يجب اختصاصه بالرجعيات؛ لأن الراجع والمرجوع إليه-أعني الضمير وظاهره-متحدان في المعنى، فلو اختص الضمير وعم الظاهر لزم أن يكون الواحد في المعنى عاما خاصا من جهة واحدة وأنه محال.
ويجاب عن هذا بأن الضمير في ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ﴾ إما راجع [إلى النساء] لأنهن مذكورات في الكلام بالقوة وقد سبق ﴿نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاِتَّقُوا اللهَ وَاِعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢٢٣) [البقرة: ٢٢٣].
﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فاؤُ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢٢٦) [البقرة: ٢٢٦] أو أن الضمير المذكور وضع موضع الظاهر اختصارا/ [٢٧ ب/م] كما يوضع الظاهر موضع الضمير تعظيما فكان التقدير: وبعولة [النساء: أو بعولة]
стр. 93
الرجعيات أحق بردهن، وحينئذ يستقل بنفسه ولا يرتبط بالمطلقات قبله حتى يخصصهن، وهذا بحث جيد من الطرفين، فتأمله إن شاء الله- .
وهذه من مشهورات مسائل العموم والخصوص في أصول الفقه، ويترجمونها بما إذا تعقب ضمير خاص، هل يخصصه أم لا، ويوردون لها هذا المثال بعينه.
﴿وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٢٢٨) [البقرة: ٢٢٨].
أي: من حيث هم رجال، فهو عام مطرد ونظيره ﴿الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلَى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ﴾ [النساء: ٣٤] إما بالنظر إلى أشخاص الرجال والنساء، فرب امرأة لها على الرجال درجات.
﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلاّ أَنْ يَخافا أَلاّ يُقِيما حُدُودَ اللهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ يُقِيما حُدُودَ اللهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا اِفْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلا تَعْتَدُوها وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ (٢٢٩) [البقرة: ٢٢٩].
أي: إذا طلق الرجل امرأته لا يحل له أن يرجع عليها بشيء من مهرها؛ لأنها استحقته بما استحل منها، وهذا عام خص بما بعده وهو ﴿إِلاّ أَنْ يَخافا أَلاّ يُقِيما حُدُودَ اللهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ يُقِيما حُدُودَ اللهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما﴾ [البقرة: ٢٢٩] فيخص العموم المتقدم بما إذا خاف الزوجان في المقام على الزوجية الإثم بسوء العشرة بينهما، وتمانعهما حق الزوجية وأن لا يقيما حدود الله بينهما، ويأبى الزوج طلاقا بلا عوض، فحينئذ يجوز لهما أن يصطلحا على شيء تبذله الزوجة له، إما المهر الذي ساقه إليها أو بعضه أو غير ذلك من المال، ويطلقها افتداء لنفسها منه بذلك.
ومن الإثم بالمقام، وهذا كما قالت المرأة الأنصارية، وقد تشعث الحال بينها وبين زوجها: يا رسول الله، إني لا أنقم من فلان شيئا غير أني أكره الكفر في الإسلام. تعني أنها تخشى أن لا يقوم بينهما حدود الله فتأثم أو نحو هذا، فقال النبي ﷺ : «أتردين عليه حديقته؟ » يعني التي كان قد ساقها إليها مهرا قالت: نعم. فقال للزوج: «يا فلان، خذ
стр. 94
الحديقة وطلقها تطليقة» (١)، ففعل وهذه القصة إما أنها سبب نزول هذه الآية، أو أنها محكوم بالآية فيها، ﴿فَإِنْ طَلَّقَها﴾ يعني بعد المرتين السابقتين، ﴿فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ، ﴾ هذا عام خص بالغاية بعده، وهي حتى تنكح زوجا غيره، ﴿فَإِنْ طَلَّقَها﴾ يعني الزوج الثاني المحلل لعودها إلى الأول، فلا جناح عليهما أي على المرأة، ومطلقها الأول ثلاثا، ﴿أَنْ يَتَراجَعا﴾ أي يرجعا إلى النكاح بعقد وعدد جديد، وهذا عام بما بعده وهو الشرط.
﴿فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَها فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يَتَراجَعا إِنْ ظَنّا أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللهِ﴾ [البقرة: ٢٣٠].
أمره ونهيه في حقوق الزوجية، فالعموم المذكور مخصوص بما إذا لم يظنا إقامة الحدود بعد التراجع، فلا يجوز لهما، وحاصله أنهما إن ظنا إقامة الحدود بعد التراجع جاز وإلا فلا، فإن قيل: ما الحكمة في أنها لا تحل لمطلقها ثلاثا إلا بعد نكاح زوج ثان؟ قلنا: زجر الرجال عن الطلاق؛ لأن من علم أن زوجته إذ طلقها ثلاثا لا يقدر عليها إلا بعد/ [٢٨ أ/م] أن ينكحها غيره، وذلك مما تأنف منه الطباع والنفوس الأبية احتملها على ما كان منها، واستبقاها فلم يطلقها خشية ما يأباه طبعه من نكاح الزوج الثاني.
فكان في اشتراط النكاح الثاني استبقاء النكاح الأول على نحو ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (١٧٩) [البقرة: ١٧٩].
إذ في القتل استبقاء الحياة، أو نقول: في النكاح نفي الطلاق، كما في القصاص نفي الجناية.
قوله : ﴿وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ٢٣١] عام مطرد؛ لأن من طلق المرأة طلاقا رجعيا، ثم كلما قارب انقضاء عدتها راجعها إضرارا بها وعدوانا، فقد ظلم نفسه بالإثم فيها لتعويقها عن مصلحتها وحبسها/
стр. 95
[٥٧/ل] على ما تكره، وكذلك من راجعها وأمسكها بغير المعروف ضرارا عدوانا، والآية تحتمل الوجهين، والأشبه بالمراد الثاني.
﴿وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللهِ هُزُواً﴾ [البقرة: ٢٣١] عام مطرد في تحريم الاستهزاء بآيات الله : ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّما كُنّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللهِ وَآياتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ﴾ [التوبة: ٦٥].
﴿* وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاّ وُسْعَها لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ فَإِنْ أَرادا فِصالاً عَنْ تَراضٍ مِنْهُما وَتَشاوُرٍ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِذا سَلَّمْتُمْ ما آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاِتَّقُوا اللهَ وَاِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (٢٣٣) [البقرة: ٢٣٣] هو ونظائره حجة في عدم تكليف ما لا يطاق، وآخر السورة أليق به من هاهنا، إن شاء الله- .
﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (٢٣٤) [البقرة: ٢٣٤] هذا عام خص منه المتوفى عنها الحامل عدتها بوضع الحمل، بدليل ﴿وَأُولاتُ الْأَحْمالِ﴾ ولحديث سبيعة الأسلمية (١)، وذهب قوم إلى أن الحامل المتوفى عنها تعتد بأطول الأجلين من وضع الحمل وعدة الوفاة، روي ذلك عن علي وابن عباس، وأبي بن كعب، وغيرهم؛ لأن دليل العدتين صادق عليها، إذ هي متوفى عنها ومن ذوات الأحمال، والنسب مما يحتاط له، والاحتياط في اعتدادها بأطول الأجلين فكان واجبا.
ولعل هؤلاء لم يبلغهم حديث سبيعة أو لم يصح عندهم، أو نحو ذلك مما رأوه من وجوه الاجتهاد.
﴿فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٤]، ﴿وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّساءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلكِنْ لا﴾
стр. 96
﴿تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلاّ أَنْ تَقُولُوا قَوْلاً مَعْرُوفاً وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ حَتّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ وَاِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ (٢٣٥) [البقرة: ٢٣٥] عام مطرد ﴿وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٥] أي: لا تعقدوا على المعتدة هو عام خص بالغاية بعده ﴿حَتّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥] أي تنقضي عدتها فحينئذ يجوز عقد النكاح عليها.
﴿يَعْلَمُ ما فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٥] عام مطرد ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اِسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٢٩) [البقرة: ٢٩].
﴿حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى وَقُومُوا لِلّهِ قانِتِينَ﴾ (٢٣٨) [البقرة: ٢٣٨] عام مطرد في المكتوبات ﴿وَالصَّلاةِ الْوُسْطى﴾ [البقرة: ٢٣٨] عطف خاص على عام، وهي العصر على الأصح من سبعة عشر قولا (١).
﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِي ما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٢٤٠) [البقرة: ٢٤٠] المشهور أنها نسخت بعدة أربعة أشهر وعشرا.
وحكي عن مجاهد أو غيره من أهل العلم أنها/ [٢٨ ب/م] نسخت في الاعتداد بالحول، أما الوصية لها فلم تنسخ، فتعتد بأربعة أشهر وعشر بالآية السابقة، ويصرف لها من تركة الزوج نفقة سبعة أشهر وثلثي شهر تمام نفقة الحول بهذه الآية.
﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٤٠] عام مطرد كنظيرها السابق.
﴿وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ (٢٤١) [البقرة: ٢٤١] اختلف الناس فيها فمنهم من طرد عمومها وأوجب المتعة لكل مطلقة، وهو ما يعطاه من مال على الموسر قدره وعلى المقتر قدره، ويتولى تقديرها الحاكم، ومنهم من لم يجعل المتعة إلا
стр. 97
لمن طلقت قبل الدخول بها/ [٥٨/ل] وفرض المهر لها، فيكون لفظ المطلقات إما مخصوصا عنده بمن سوى هذه المذكورة، أو عاما أريد به الخاص، وهو هذه المذكورة.
ودليل التخصيص قوله : ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ (٢٣٦) [البقرة: ٢٣٦] وبقوله- : ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَراحاً جَمِيلاً﴾ (٤٩) [الأحزاب: ٤٩].
ومنهم من قال: تجب المتعة لكل مطلقة إلا لمن دخل بها، وسمى مهرها، فلا تجب لها المتعة لمفهوم قوله- : ﴿ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٦]، فإن مفهوم هذا أن الممسوسة المفروض لها صداق لا متعة لها، ويخص بهذا المفهوم عموم ﴿وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ (٢٤١) [البقرة:
٢٤١] ولأن المتعة كالعوض عن المهر، فلو جمع بينهما كان جمعا بين العوض والمعوض منه وهذا أشبه في النظر، لأنه يتضمن العمل بالأدلة جميعها [منطوقها ومفهومها].
وهذه الأقوال الثلاثة روايات عن أحمد-﵀-وجهها ما ذكرنا.
﴿* إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ (٢٤٣) [البقرة: ٢٤٣] عام مطرد، أما قوله : ﴿*أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٣] فعام في جميعهم إماتة وإحياء، وكانوا ثمانية آلاف، وقيل: اثنا عشر ألفا، وقيل: ثلاثون ألفا، وهو حجة على إمكان المعاد، وبعث الأجساد، خلافا للفلاسفة والنصارى إذ قصروا المعاد على الروحاني دون الجسماني
﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً وَاللهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (٢٤٥) [البقرة: ٢٤٥] عام مطرد لا يتخلف أحد عن الرجوع إليه .
стр. 98
الْقِتالُ تَوَلَّوْا إِلاّ قَلِيلاً مِنْهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ (٢٤٦) [البقرة: ٢٤٦] عام خص بالاستثناء المذكور.
وزعمت الشيعة أن هذه الآية مثل ضربه الله- -لأصحاب محمد ﵊، وأن بني إسرائيل كما تولوا عن ملكهم الذي هو منصوب نبيهم إلا قليلا منهم، كذلك أصحاب محمد ﷺ تولوا عن إمامهم الذي هو منصوب نبيهم إلا قليلا منهم، وليس ما ذكروه بنص فيما ادعوه ولا ظاهر.
قال: ﴿وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكاً قالُوا أَنّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ قالَ إِنَّ اللهَ اِصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ وَزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (٢٤٧) [البقرة: ٢٤٧].
احتجت الشيعة به على أن عليا هو الإمام بعد النبي ﷺ وتقريره: / [٢٩ أ/م] أن بني إسرائيل لما عين لهم طالوت ملكا امتنعوا من تمليكه عليهم، معللين بفقره وخمول نسبه فقالوا: ﴿أَنّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ﴾ [البقرة: ٢٤٧] فأجابهم نبيهم بقوله: ﴿إِنَّ اللهَ اِصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ وَزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ [البقرة: ٢٤٧].
وجعل هذه الصفات سببا لاستحقاق التقدم عليهم قالوا: وهذه الصفات الثلاث كانت/ [٥٩/ل] لعلي دون أبي بكر، أما الاصطفاء فلأن النبي ﷺ اصطفى عليا بالنص عليه يوم الغدير حيث قال للناس: «ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم» قالوا بلى، قال:
«فمن كنت مولاه فعلي مولاه» (١).
قالوا: وهذا بعد كل اعتراض وبعد كل سؤال وجواب قاطع في استخلاف علي عليهم، ويدل عليه حديث عمران بن حصين أن النبي ﷺ قال: «إن عليا مني وأنا منه، وهو ولي كل مؤمن بعدي» رواه أحمد في مسنده بإسناد صحيح، وروى أحمد أيضا في
стр. 99
كتاب فضائل علي من حديث بريدة بن الخصيب أن النبي ﷺ قال: «إن عليا مني وأنا منه، وهو وليكم بعدي» هكذا بكاف الخطاب، قالوا: والمفهوم من الولي هو الرئيس المطاع وهو معنى الإمام، وهذا هو المفهوم من قولنا: ولي المرأة، وولي اليتيم، أي: الرئيس المطاع عليهما النافذ تصرفه فيهما. قالوا: وهذه أخبار الآحاد، وإن كنا لا نقول بها، لكنها تلزمكم؛ لأنها حجة عندكم فنحن نوردها إلزاما لكم لا استدلالا عليكم.
وأما أبو بكر فليس منصوصا عليه باتفاق، لأن مستند بيعته عندكم الاختيار والإجماع، ولو كان منصوصا عليه لما احتيج إلى ذلك، قالوا: فهذا الاصطفاء وهو معنى النص قد ثبت لعلي دون أبي بكر، وأما البسطة في العلم فلقوله ﷺ «أقضاكم علي»، وإنما يكون أقضاهم إذا كان أعلمهم، ولأن من المشهور أنه كان له من الخوض في طلب العلم ما لم يكن لأبي بكر، بدليل أن الصدقة بين يدي [نجوى] الرسول-﵊-لم يعمل بها أحد سوى علي، حتى كان معه عشرة دراهم هو محتاج إليها؛ فآثر تحصيل العلم على ضرورته وتصدق بها حتى استفاد من النبي ﷺ -عشر مسائل، ولم يعرف مثل ذلك لغيره، وكذلك نفوذه في الفقه وسرعة أجوبته في المشكلات كالمسألة المنبرية والدينارية وغيرهما مما لم يكن لغيره يدل على أنه كان أبسط في العلم من أبي بكر وغيره.
وأما البسطة في الجسم يعني القوة والشجاعة، فلا يشك منصف أنه كان أشجع الصحابة أبي بكر وغيره، أما أولا؛ فلأن أبا بكر على ما ذكر في صفته كان شيخا ضئيلا نحيفا/ [٢٩/م] ولو لم يكن إلا إخبار النبي ﷺ بأنه ضعيف/ [٦٠/ل] في بدنه حيث قال: «رأيته ينزع بذنوب، وفي نزعه ضعف والله يغفر له (١)، وقوله: «إن تولوها أبا بكر تجدوه ضعيفا في بدنه قويا في أمر الله» -لكان كافيا في ضعف بدنه.
وأما علي فبالتواتر أنه كان عظيم الجسم، شديد القوة، عظيم المشاش، ما صارع أحدا إلا صرعه، ولا أمسك بعضد أحد إلا أخذ بنفسه، وإنما سمي حيدرة تشبيها له بالأسد في الخلقة والقوة، وكان مع ذلك شابا في عنفوان شبيبته، ولا يشك أحد أن الشاب القوي الجلد أشد وأشجع من الشيخ الضعيف النحيف.
وأما ثانيا فإن خالد بن الوليد كان هو العلم المشهور في الصحابة بالشجاعة، ثم لما بعثه النبي ﷺ وعليا إلى اليمن أمّر عليا عليه وإنما كان النبي ﷺ يقدم في كل أمر أقوم الناس
стр. 100
به، فلولا أن عليا أشجع من خالد لما قدمه عليه، والأشجع من الأشجع أشجع بالضرورة، فإن قال قائل: إن الشجاعة ليست بقوة البدن الظاهرة، وإنما هي بقوة القلب الباطنة، فرب شيخ ضعيف نحيف أشجع من شاب قوي جليد.
قلنا: فدعونا من هذا، فقد أجمعت العرب وأهل الأدب على أن أشجع بيت قيل قول عباس بن مرداس:
أكر على الكتيبة لا أبالي ... أحتفي كان فيها أم سواها
ولا خلاف أن عليا كان أقوم بهذه الصفة، وأقدم على الحروب من أبي بكر، قالوا:
ولو أبطلتم لنا كل حجة على ذلك قلنا حجة تضطرون إلى تسليمها ولا تستطيعون إبطالها، وهي أن الأصوليين إذا أرادوا إثبات الإجماع بقوله ﵊: «أمتي لا تجتمع على ضلالة» (١)، وحاولوا إثبات تواتر هذا الخبر. قالوا: تواتر تواترا معنويا حتى صار كشجاعة علي، وسخاء حاتم، فلا تراهم يضربون المثل إلا بشجاعة علي، ولو كان أبو بكر أشجع لكان أولى بضرب المثل بشجاعته، وأيضا فإنهم قرنوا شجاعة علي بسخاء حاتم، ثم لما كان حاتم أجود العرب، وجب أن يكون قرينه في ضرب المثل أشجع العرب، فهذا مما لا جواب عنه ولا خلاص منه.
قالوا: فثبت أن الصفات التي احتج بها نبي بني إسرائيل عليهم في تقديم طالوت مختصة بعليّ دون أبي بكر، فوجب أن يكون عليّ أولى بالتقديم من أبي بكر كما/ [٦١/ل] كان طالوت أولى بالتقديم على بني إسرائيل.
وقد ورد الأثر بأن عليا طالوت هذه الأمة، وهو إشارة إلى ما قررناه من كونه واجب التقديم عليها كما وجب تقديم طالوت.
هذا ما قررت به الشيعة إمامة عليّ من هذه الآية ومناقضته على التفصيل يطول، وربما تعذر في البعض، وإنما/ [٣٠ أ/م] أجاب الجمهور عنه بانعقاد الإجماع بموافقة عليّ على
стр. 101
إمامة أبي بكر، فإذا سلم صاحب الحق فكلام الشيعة بعد ذلك فضول محض.
﴿فَلَمّا فَصَلَ طالُوتُ بِالْجُنُودِ قالَ إِنَّ اللهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاّ مَنِ اِغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلاّ قَلِيلاً مِنْهُمْ فَلَمّا جاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قالُوا لا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ (٢٤٩) [البقرة: ٢٤٩]، استروح إلى هذه ونحوها بأن قالوا: قلتنا بالنسبة إلى الجمهور لا تدل على أننا مغلوبون في الحجة، ولا على أنهم مستأثرون بالحق، إذ كم من قليل غلب كثيرا.
وأجاب الجمهور بأن قالوا: نحن السواد الأعظم فمن شذ عنا شذ في النار.
وهذه المسائل وكل مسألة يذكر الخلاف فيها بين الجمهور والشيعة فهي من مسائل الإمامة وتوابعها، وهي من قسم أصول الدين.
﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللهِ وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ وَآتاهُ اللهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمّا يَشاءُ وَلَوْلا دَفْعُ اللهِ النّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلكِنَّ اللهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ﴾ (٢٥١) [البقرة: ٢٥١] عام أريد به الخاص، أي: الملك على بني إسرائيل، وحكمة مخصوصة إذ من المعلوم أن داود-﵇-لم يؤت جنس الملك ولا جنس الحكمة، إذ ذلك ليس إلا لله- -الذي عم ملكه وحكمته.
﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللهِ النّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ [البقرة: ٢٥١] هو عام مطرد في الناس وفي المسكون من الأرض، إذ المعنى لفسد حال أهل الأرض، وأرض لا ساكن بها لا يتأتى ذلك فيها.
﴿وَلكِنَّ اللهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ﴾ (٢٥١) [البقرة: ٢٥١] عام مطرد، إذ لا أحد من العالمين إلا ولله- -عليه فضل. [قوله ]:
стр. 102
اِقْتَتَلُوا وَلكِنَّ اللهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ (٢٥٣) [البقرة: ٢٥٣] اعلم أن للرسل مراتب وهم درجات عند الله، وإنما ورد النهي عن التفضيل بينهم لئلا يوهم ذلك الغض من المفضول [منهم] وتنقصه، وجانبهم مصون عن مثل ذلك، وهذه من مسائل الرسل من أصول الدين نحن ذكرناها وقليلا ما تذكر.
﴿مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللهُ﴾ [البقرة: ٢٥٣] يحتج به من يرى القرآن وكلام الله- -هو العبارات المسموعة، وأنه- -يتكلم بحرف وصوت قالوا: والإشارة إلى موسى الكليم، ولولا أنه كلمه كلاما مسموعا/ [٦٢/م] عرفا لما كانت له خصيصة على غيره إذ قد كلم الله- -غيره وحيا وإلهاما وغير ذلك، فدل على أن لكلامه موسى خصيصة على الجميع، وليس إلا لما ذكرنا من أنه كلمه بكلام مسموع.
وأجاب الأشعرية [وسائر أهل الحق] بأن الله- -كما ترى ذاته وليست جوهرا ولا عرضا كذلك يفهم كلامه وليس بصوت ولا حرف، وأكثر ما فيه خلاف العادة والمألوف في الشاهد وهو مشترك بين المسألتين، وهذا النائم يفهم الكلام في النوم من غير صوت ولا حرف في الخارج، ومعتمد هؤلاء أن الصوت والحرف لا يعقل إلا من جسم، والله- -ليس بجسم، ومعتمد الآخرين أن الكلام المفهوم لا يعقل إلا/ [٣٠ ب/م] بصوت وحرف، وربما أجاب الأولون بأن الكتابة والإشارة تفهم المراد، ولا صوت ولا حرف، وأيضا كما أن تأثيره- -في إيجاد خلقه بلا علاج كذلك تأثيره في أسماعهم وأفهامهم بلا صوت ولا حرف ولا حركة، وكما أنه يرى بلا جارحة ولا انطباع ولا خروج شعاع، كذلك يتكلم بلا حركة [ولا صوت ولا حرف].
﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ مَا اِقْتَتَلُوا وَلكِنَّ اللهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ﴾ (٢٥٣) [البقرة: ٢٥٣] يحتج به الجمهور على أن الله- -مريد لجميع الكائنات خيرها وشرها؛ لأن اقتتال هؤلاء المشار إليهم شر، وقد أخبر أنه بإرادته، وأنه لو شاء أن لا يكون لما يكون.
والمعتزلة هاهنا يضطرون ويتلجلجون، وإلى التأويلات البعيدة جدا يلجأون؛ كقولهم:
لو شاء الله إجبارهم على ترك الاقتتال لأجبرهم عليه، فلم يقتتلوا، ولكنه تركهم واختيارهم، فلذلك اقتتلوا وهو كما تراه، وهذا هو جوابهم في كل موضع ذكرت فيه المشيئة وظاهرها عليهم يتأولون الإجبار.
стр. 103
وَلا شَفاعَةٌ وَالْكافِرُونَ هُمُ الظّالِمُونَ (٢٥٤) [البقرة: ٢٥٤] عام مطرد، ليس هناك بيع يعقد، ولا فدية تقبل (ولا خلة) أي: ولا صداقة، إذ لا صداقة ولا غيرها تنفع يومئذ من أمر الله.
حتى إن إبراهيم خليل الرحمن لا يملك لأبيه نفعا، فيؤخذ برجليه ويديه في صورة ضبعان فيلقى في النار، ويحتمل أنه مخصوص بخلة المتقين، / [٦٣/ل] فإنها نافعة من بعضهم لبعض بالشفاعة والإيثار بالحسنات ونحو ذلك لقوله- : ﴿الْأَخِلاّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ﴾ (٦٧) [الزخرف: ٦٧] أي: فلا عداوة بينهم فهم أصدقاء وأخلاء.
﴿وَلا شَفاعَةٌ﴾ يحتج بها المعتزلة في نفي الشفاعة لمن مات غير تائب، وقد سبق.
واحتجاجهم بعمومه وعند الجمهور هو خاص بالكفار لا شفاعة لهم ولا فيهم، بخلاف المؤمنين فإنهم يشفعون ويشفع فيهم.
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمّا رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ وَالْكافِرُونَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ (٢٥٤) [البقرة: ٢٥٤] عام مطرد، وليس المراد أن مطلق الظلم محصور فيهم بل إن أعظم الظلم وهو الكفر محصور فيهم.
﴿اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾ [البقرة: ٢٥٥] عام مطرد فما من إله إلا الله.
﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ عام مطرد.
﴿لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] عام مطرد، وكذا الجمل الأربع بعدها عامة مطردة إلا ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاّ بِما شاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ (٢٥٥) [البقرة: ٢٥٥] فإنه خص بالاستثناء بعده.
﴿لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: ٢٥٦] عام خص بالمرتد يجبر على الإسلام ونحوه من صور الإكراه بأدلتها.
﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [البقرة: ٢٥٦] أي في الإيمان والكفر تبين الحق من الباطل والرشد من الضلال، فالحق هو الإسلام والباطل ما عداه، فهو عام مخصوص، إذ ليس الرشد
стр. 104
من الغي واضحا في كل شيء، بل الأمور كلها إما أمر تبين رشده أو أمر تبين غيه، فهذان طرفان واضحان/ [٣١ أ/م] أو أمر اشتبه رشده بغيه، وهو واسطة بينهما فحكمها أن يستعمل فيها النظر والاستدلال، ولا بد معه من مساعدة التوفيق والهداية الربانية.
﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللهِ فَقَدِ اِسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى لا اِنْفِصامَ لَها وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (٢٥٦) [البقرة: ٢٥٦] هذه الجملة عامة مطردة.
﴿اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ أُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ (٢٥٧) [البقرة: ٢٥٧] اعلم أن ولاية الله- -لخلقه على أقسام؛ عامة وخاصة وأخص.
فالعامة؛ ولايته للمؤمنين باعتبار الإيمان يدخل فيها العدل والفاسق والمتبع والمبتدع وغيرهم، وإذ لولا توليته إياهم وعنايته بهم لما وفقهم للإيمان وأخرجهم من ظلمات الكفر والطغيان.
والخاصة؛ وهي ولاية الصالحين.
والأخص؛ ولاية المقربين.
فالآية المذكورة عامة مطردة بالاعتبار/ [٦٤/ل] الأول لا غير.
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ أُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ (٢٥٧) [البقرة: ٢٥٧] عام بشرط الموافاة على الكفر.
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتاهُ اللهُ الْمُلْكَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قالَ إِبْراهِيمُ فَإِنَّ اللهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ (٢٥٨) [البقرة: ٢٥٨] تضمنت هذه الآية مناظرة بين إبراهيم ونمروذ فلنقرها وهي في إثبات إلهية الله- دون نمروذ، قال إبراهيم: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ، ﴾ وهذا استدلال منه-﵇-معناه: إنك يا نمروذ لست ربي ولا رب غيري؛ لأنك تحيي ولا تميت، والرب حقيقة هو من يحيي ويميت فأنت لست برب، وهذا قياس من الشكل الثاني.
стр. 105
قال نمروذ: ﴿قالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨] وهو اعتراض على دليل إبراهيم وتقديره: لا أسلم مقدمتك الأولى بل أنا أحيي وأميت.
قال إبراهيم: ﴿فَإِنَّ اللهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ [البقرة:
٢٥٨] بعض الناس زعم أن هذا انتقال من إبراهيم ﵇ عن تمشية الدليل الأول، واستدل به على جواز الانتقال في الجدال، واعلم أن هذا الكلام غير محرر، بل الانتقال في المناظرة على ضربين: أحدهما: يكون للعجز عن تمشية الدليل الأول، وهو انقطاع.
والثاني: يكون مع القدرة على تمشية الدليل الأول]، وهذا يسمى تنزيلا على تقدير التسليم، وهذا هو الذي استعمله إبراهيم ﵇؛ لأن نمرود لما قال: أنا أحيي وأميت كان هذا دعوى منه تضمنت منع دليل إبراهيم، ثم يقال: إن نمروذ بين مستند منعه بأن أخرج شخصين من السجن قد وجب عليهما القتل؛ فأطلق أحدهما، وقال: قد أحييته، وقتل الآخر، وقال: قد أمته. فرأى إبراهيم أن خصمه يغالطه بالمجاز عن الحقيقة، فانتقل إلى ما لا يقدر فيه على المغالطة، فقال: على تقدير أنك تحيي وتميت، فإن لربي فعلا آخر، به وبأمثاله استحق الإلهية، وهو أنه يصرف الشمس وأنت لا تصرف الشمس، فأنت لست برب.
ثم إن إبراهيم إنما طالبه بتصريف الشمس من المغرب على خلاف العادة؛ لأنه رأى من نمروذ [٣١ ب/م] الشغب والمكابرة والمغالطة والوقاحة وقلة الحياء والإنصاف في المناظرة، فخشي إن قال له فأت بها من المشرق أيضا أن يقول له: نعم أنا آتي بها من المشرق، ثم يصبر حتى تطلع منه يقول: ها قد أطلعتها من المشرق، أو يدعي ذلك بوقاحته فيحتاج إبراهيم إلى ما يبطل به/ [٦٥/ل] تلك الدعوى، وفي ذلك تطويل البحث وانتشاره، فاستراح من ذلك بأن طلب منه ما يعجزه، وهو أن يأتي بها من المغرب.
﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ [البقرة: ٢٥٨] أي انقطع؛ لأنه إن ادعى أنه يأتي بها كذلك عجز عن تحقيق دعواه [وإن اعترف بالعجز عن ذلك ظهر نقصه وبطلان دعواه] الإلهية.
وإنما قلنا: إنه في الدليل الأول غالط بالمجاز عن الحقيقة، لأن إبراهيم ﵇، إنما ادعى لربه الأمانة الحقيقة، وهي نزع الروح الحيواني عن الجسد بغير علاج محسوس، والإحياء الحقيقي، وهو إعادة الروح إليه بعد نزعها منه.
والنمروذ إنما أثبت لنفسه مجاز ذلك وهو استبقاء الحياة في الإحياء وتفويتها بالعلاج المحسوس في الإماتة، وذلك مما يقدر عليه اللصوص والشلوح وقطاع الطريق، فلا مزية
стр. 106
لنمروذ فيه، وقد تضمنت هذه الآية جواز المناظرة في طلب الحق، وتقرير الأدلة، وحذف بعض مقدماتها للعلم بها، وهو المسمى قياس الإضمار، والتنزل مع الخصم على تقدير التسليم، وإبطال الشبه والشكوك، وإلزام الخصم ما يفهمه، وجواز مناظرة السوفسطائية ونحوهم من منكري الحقائق ونحوهم، بما يقيم الحجة عقلا أو حسا، وقيام الحجة بانقطاع الخصم وانقطاعه بالعجز عن تمشية الدليل إذ لم يكن خائفا، وتضمن شرف علم الجدل والأصول والنظر في المعقول، والكلام في التوحيد به، وإمام الناس فيه إبراهيم ﵇.
[فلا جرم] قيل: ﴿وَجاهِدُوا فِي اللهِ حَقَّ جِهادِهِ هُوَ اِجْتَباكُمْ وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ هُوَ سَمّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هذا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَاِعْتَصِمُوا بِاللهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ (٧٨) [الحج: ٧٨].
﴿وَقالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (١٣٥) [البقرة: ١٣٥].
﴿ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اِتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (١٢٣) [النحل: ١٢٣]، ولا جرم لما أمر نبينا ﷺ باتباع ملة إبراهيم ورد كتابه القرآن مملوءا من المباحث الجدلية مشحونا بالحقائق النظرية، في هذا منقبة عظيمة للمتكلمين والأصوليين وأهل النظر. ولكن أكثر الناس لا يعقلون ولأجل هذا وضعنا هذا الكتاب.
﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها قالَ أَنّى يُحْيِي هذِهِ اللهُ بَعْدَ مَوْتِها فَأَماتَهُ اللهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قالَ كَمْ لَبِثْتَ قالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ وَشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَاُنْظُرْ إِلى حِمارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنّاسِ وَاُنْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ قالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٢٥٩) [البقرة: ٢٥٩].
هذا من حجج البعث والمعاد كما في إحياء البقرة الألوف ﴿وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قالَ فَخُذْ﴾
стр. 107
أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اِجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ اُدْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَاِعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٦٠) [البقرة: ٢٦٠].
اعلم أن من الناس من زعم أن إبراهيم شك في القدرة على إحياء الموتى/ [٦٦/ل] حكاه القرطبي عن الطبري، واحتج بقوله ﵊: «نحن أحق بالشك من إبراهيم» (١) وليس هذا بشيء، إذ برهان القدرة واضح، فكيف يخفى مثله على إبراهيم مع استخراجه حدوث العالم وقدم/ [٣٢، /م] الصانع بلطيف النظر من أفول الكوكب والشمس والقمر، وإذا كنا لا نظن ذلك بذي النون حيث ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنادى فِي الظُّلُماتِ أَنْ لا إِلهَ إِلاّ أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ (٨٧) [الأنبياء: ٨٧] حتى تأولناه على خلاف ظاهره مما يدفع ذلك عنه مع أن رتبة إبراهيم أعلى منه فكيف نظنه بإبراهيم.
وأما قوله ﷺ «نحن أحق بالشك من إبراهيم» فليس معناه إثبات الشك من إبراهيم، وإنما هي نفي للشك عنه بطريق أولى، ومعناه لو شك إبراهيم لكنا [بالشك أولى] منه؛ لقصورنا في المعرفة عنه، لكنا نحن لم نشك فإبراهيم أولى أن لا يشك، وهذا تأويل جيد للحديث، ثم أورد بعضهم هاهنا سؤالا وهو: أن قول إبراهيم: بلى. يقتضي أنه آمن، أي:
بلى آمنت، وقوله: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠] يقتضي أن قلبه لم يطمئن إلى الآن، لكن الإيمان تلزمه الطمأنينة وحينئذ يصير كأنه قال: آمنت ما آمنت، أو اطمأن قلبي ولم يطمئن وهو تناقض.
والجواب: [أنه قد قيل: معناه، بلى] آمنت بالقدرة، ولكن ليطمئن قلبي بالخلة، وكان قد جعل إظهاره على إحياء الموتى علامة على اتخاذه خليلا، وعلى هذا فلا تناقض، وهذا وإن كان قريبا ممكنا غير أن المختار غيره، وهو الإيمان يستند إلى العلم والعلم له مراتب:
علم اليقين هو ما حصل عن النظر والاستدلال، وعين اليقين وهو ما حصل على شهادة وعيان، وحق اليقين وهو ما حصل عن العيان مع المباشرة، فالأول كمن علم بالعادة أن في البحر ماء.
стр. 108
والثاني: كمن مشى إليه حتى وقف على ساحله وعاينه.
والثالث: كمن خاض فيه، واغتسل وشرب منه، وإذا عرفت هذا فإيمان إبراهيم ﵇ بالقدرة على إحياء الموتى قبل أن يراه كان عن علم يقين نظري، فأراد أن يطمئن قلبه بالإيمان بذلك عن عين اليقين، فلذلك قيل له: خذ أربعة من الطير إلى آخره، أي:
باشر هذا الأمر ليحصل لك عين اليقين عيانا وحق اليقين مباشرة.
وفي الحديث: «ليس الخبر كالعيان» إن موسى بلغه أن قومه قد فتنوا فلم يتغير فلما رآهم عاكفين على العجل أخذ برأس أخيه يجره إليه، وفي هذا المعنى قيل:
ولكن للعيان لطيف معنى ... له سأل المعاينة الكليم
وحينئذ يكون معنى الكلام: بل آمنت عن/ [٦٧/ل] نظر واستدلال، ولكن أريد طمأنينة القلب بنظر العيان، وهذه أيضا دليل على إمكان البعث.
﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (٢٦١) [البقرة: ٢٦١]، هذا عام مطرد، أما المرائي فليس منفقا في سبيل الله، فلذلك لم ينتفع بإنفاقه، غير أن في هذه الآية إطلاقا قيد في الآية بعد بقوله- : ﴿ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أَنْفَقُوا مَنًّا وَلا أَذىً﴾ [البقرة: ٢٦٢] فصارت/ [٣٢ ب/م] مضاعفة الصدقة إلى سبعمائة ضعف مشروطة بعد المن والأذى، وصار تقدير الآية: مثل الذين ينفقون أموالهم [في سبيل الله ثم] لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى، ﴿لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى﴾ [البقرة: ٢٦٤] عام في بطلان الصدقات بذلك والمن تذكير النعمة، والأذى إلحاق ضرر بالسائل دون أخذها كانتهاره، وزجره وتقريعه ونحو ذلك.
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ فَأَصابَهُ وابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمّا كَسَبُوا وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ﴾ (٢٦٤) [البقرة: ٢٦٤] عام مطرد؛ إذ أعمال الكفار والمرائين هباءا منثورا.
стр. 109
غَنِيٌّ حَمِيدٌ (٢٦٧) [البقرة: ٢٦٧] يستدل به على تعلق الزكاة بكل ما يخرج من الأرض من معدن ونبات وثمر، لكن خص العلماء من أشياء بأدلة وحدّدها، وبقيت الزكاة في الباقي كالركاز والمعدن، والعنب والرطب، والمكيل المدخر على تفاصيل فيه.
﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَما يَذَّكَّرُ إِلاّ أُولُوا الْأَلْبابِ﴾ (٢٦٩) [البقرة: ٢٦٩] عام مطرد، لكن ما هذه الحكمة؟ فالأشبه أنه العلم الموصل إلى معرفة وجود الله- -وما يجوز عليه، وما لا يجوز، وإلى معرفة معاملته، فالأول: علم أصول الدين، والثاني: علم الفقه لأدب الظاهر، وعلم الأخلاق وأعمال القلوب لأدب الباطن، وذلك لأن المكلف لا بد له من اعتقاد يلقى الله -به، وعمل ظاهر يقيم به رسوم التكليف، وأدب باطن يقيم به رسم العبودية، فهذه العلوم الثلاثة أركان الحكمة، والقيم بالأول المتكلمون، وبالثاني الفقهاء، وبالثالث محققو الصوفية كشيخ الإسلام في مقاماته ونحوه.
فأما الحكمة التي هي عبارة عن المنطق والإلهي والطبيعي والرياضي، فهي حكمة فلسفية باصطلاحهم والخطر في الإلهي منها عظيم على رأيهم، فلا يليق النظر فيه إلا لمتضلع من الحكمة الأولى وعلوم الشرع.
وقد [٦٨/ل] يحتج الفلاسفة على أن الحكمة في الآية هي حكمتهم المذكورة لقوله- -عقيب ذلك: ﴿وَما يَذَّكَّرُ إِلاّ أُولُوا الْأَلْبابِ﴾ [البقرة: ٢٦٩] والتذكر:
النظر، والألباب: العقول، فهو إذن إشارة إلى أن الحكمة المذكورة إنما طريق إدراكها نظر العقل. وحكمتنا أحق بذلك؛ لأنها مؤسسة على النظر والاستدلال العقلي.
﴿وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللهَ يَعْلَمُهُ وَما لِلظّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ﴾ (٢٧٠) [البقرة: ٢٧٠] أي فيجازى عليه، وهو عام مطرد.
стр. 110
لا يقدر عليه إلا الله- ، وهو المراد هاهنا، وقد أخبر الله- -أنه مستبد به يهدي، من يشاء، ويحتج به الجمهور على أن الإنسان لا يملك هدى نفسه، والحجة معهم، خلافا للمعتزلة إذ عندهم أن العقل كاف في المعرفة والنظر، ومخلوق للناظر، والعلم متولد عنه والهدى تابع للعلم بتحقيق الحجة وكشف الشبهة وذلك يقتضي أن هداهم مخلوق لهم.
﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (٢٧٤) [البقرة: ٢٧٤].
قالت الشيعة: نزلت هذه في علي؛ كان معه أربعة دراهم، أنفق درهما ليلا، ودرهما نهارا، ودرهما سرا، ودرهما علانية، فنزلت هذه الآية ذكره عبد الرزاق في تفسيره.
قالوا: وليس مثله لأبي بكر ولا غيره فيكون أفضل، وعارضه الجمهور بنحو:
﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى﴾ (١٧) [الليل: ١٧].
﴿وَما لَكُمْ أَلاّ تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلِلّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقاتَلُوا وَكُلاًّ وَعَدَ اللهُ الْحُسْنى وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (١٠) [الحديد: ١٠].
﴿وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ (٣٣) [الزمر: ٣٣] ﴿إِلاّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اِثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنا فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وَكَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيا وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٤٠) [التوبة: ٤٠].
следующие страницы →