← Тафсир

Тафсир · id 13550

الإشارات الإلهية إلي المباحث الأصولية

الطوفي

Полный текст (691 стр.). Показаны 666–691 · переход к 671.

стр. 666

وأجيب عن الأول بأن الوجوه محل الإبصار والإبصار محل الرؤية وآلة لها، فالوجوه محل للرؤية وآلة لها، ودل على ذلك استعمال العرب كقول القائل: وجوه ناظرات يوم بدر ... إلى الرحمن تنتظر الفلاحا وقول الآخر: وفى يوم بدر قد رأيت وجوههم ... إلى الموت من وقع السيوف نواظرا فقد أضاف النظر إلى الوجوه، وعن الثاني بأن وضع اللغة أن النظر المقرر بإلى يقتضي الرؤية، فإن لم يكن موضوع اللغة فأكثر استعمال العرب عليه نحو قوله: نظرت إلى من حسن الله وجهه .... . . وقوله: نظروا إليك بأعين محمرة ... نظر التيوس إلى شفار الجازر وهو كثير، وهو يحصل المقصود؛ ولأن غلبة استعماله تدل على أنه الحقيقة. فأما: ﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَسْمَعُوا وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾ (١٩٨) [الأعراف: ١٩٨] فلم يكن عدم الإبصار لعدم اقتضاء اللفظ له، بل لأن المشار إليهم هم الأصنام وهم جماد ليس لهم آلة الإبصار كما سبق في آخر «الأعراف»، وعن الثالث بأنه خلاف المتبادر إلى فهم كل سامع، والصحابة ومن بعدهم إنما فهموا أن إلى حرف جر حتى ظهر المعتزلة بتأويله، ثم إن ما ذكروه لا يصح؛ لأن الكلام وهم في الجنة والنظر إلى النعيم فيها لا يعد نعمة؛ إنما ذلك الموضع محل تناول النعم والالتذاذ بها لا محل النظر إليها، وانتظارها هناك غير مناسب؛ لأن الانتظار-كما قيل يورث الصغار، ثم إن النعم في الجنة حاصلة فانتظار مناف لحصولها أو تحصيل الحاصل. قوله: ما ذكرتموه، ظاهر في الرؤية، قلنا: بل قاطع لتبادر الفهم/ [٢١٢ أ/م] إليه، وإجماع السلف على فهم الرؤية منه، وهم أهل العصمة الإجماعية واللسان العربي، سلمنا أنه ظاهر لكن لا نسلم أن عندكم قاطعا يعارضه. قوله: إن الرؤية تقليب الحدقة إلى جهة المرئي. قلنا: هذا على اختلاله لا يضر؛ لأن مثبتي الجهة يلتزمونها، ووجه اختلال هذا القول أن الرؤية ليس نفس تقليب الحدقة بل هي نوع إدراك يلزمه تقليب الحدقة فتقليب الحدقة من لوازم الرؤية لا أنه نفسها، وأما من لا يثبت/ [٤٣٧/ل] الجهة كالأشعرية، فإنهم يفسرون الرؤية بنوع كشف نسبته إلى الرب- -كنسبة الرؤية إلى المرئيات.

стр. 667

قوله: واتصال شعاع البصر بالمرئي. قلنا: الناس لهم في كيفية رؤية المرئيات أربعة أقوال: أحدها: اتصال الشعاع. والثاني: انطباع صورة المرئي في الرطوبة الجليدية كانطباع الوجه في المرآة. والثالث: أنه نار تخرج من البصر فيدرك به المرئي، وهذا شبيه بالقول بالشعاع. والرابع: أنه علم يخلقه الله- -في نفس الرائي مقارنا للرؤية، وهو مذهب المتكلمين. فنقول أولا: لم قلت: إن رؤية الباري- -أو الرؤية مطلقا باتصال الشعاع؟ وما أنكرت أن يكون بخلق العلم في نفسه كما هو رأي المتكلمين. وثانيا: أنه قد ثبت لنا رؤية لا باتصال شعاع وهو قوله ﷺ : «لا تختلفوا عليّ-يعني في الصلاة-فإني أراكم من وراء ظهري كما أراكم من أمامي» (١) وما ذاك إلا لخارق إلهي ومعجز نبوي أيد به النبي ﷺ كما كان يرى الثريا اثني عشر كوكبا وغيره إنما يراها ستة أو سبعة، وذلك لقوة خص بها في بصره خرقا للعادة، فجاز إذ كان الآخرة محل خرق العادة أن تتجدد للمؤمنين خرق عادة يرون بها ربهم من غير انطباع ولا اتصال شعاع، ولا جهة أصلا على رأي نفاة الجهة، كالدودة في وسط البلورة تراها لا في جهة، وكرة العالم يراها الله- -وقد قام البرهان على أنها ليست في جهة على ما قيل، وحينئذ لا يلزم مثبتي الرؤية لا رأي المجسمة ولا رأي الاتحادية. ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً﴾ (٣٦) [القيامة: ٣٦] أي هملا لا راعي له، ولا معترض عليه ولا بعث ولا معاد، وهذا إنكار لنفي البعث فيقتضي إثبات البعث، وهذا شبيه بقوله- : ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ﴾ (١١٥) [المؤمنون: ١١٥]. ﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى﴾ (٣٧) [القيامة: ٣٧] [٢١٢ ب/م] إلى: ﴿أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى﴾ (٤٠) [القيامة: ٤٠] هذا احتجاج على إمكان البعث ووقوعه بالقياس على النشأة الأولى كما سبق في أول «الحج» وغيره. ...

стр. 668

القول في سورة الإنسان ﴿هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً﴾ (١) [الإنسان: ١]، قيل: معناه قد أتى، وهو ضعيف، بل معناه: هل تسلمون وجودكم بعد عدمكم أو نقرره عليكم بالبرهان، ثم قد برهن على ذلك بعد على تقدير منعهم لما ذكر بقوله- : ﴿إِنّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً﴾ (٢) [الإنسان: ٢] وهو قاطع في ابتداء خلقه بعد أن لم يكن، وقد سبق الكلام في: ﴿إِنّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً﴾ (٢) [الإنسان: ٢] في أول مري. / [٤٣٨/ل]. ﴿إِنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمّا شاكِراً وَإِمّا كَفُوراً﴾ (٣) [الإنسان: ٣] إشارة إلى أن الحكمة في خلق الإنسان ابتلاؤه واختباره هل هو يطيع فيثاب أو يعصي فيستحق العقاب؟ فإن قيل: ما مقدار الإنسان حتى يبتلى ويختبر ويخاطب هذا الخطاب العظيم؟ وما فائدة ابتلائه بعد علم الله- -بما سيكون منه؟ قلنا: هذا وراءه أسرار غريبة موضع ذكرها في غير هذا العلم، والمفزوع إليه هاهنا ﴿لا يُسْئَلُ عَمّا يَفْعَلُ [وَهُمْ يُسْئَلُونَ]﴾ (٢٣)، وهو المتصرف بحق ملكه الأكمل. ﴿إِنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمّا شاكِراً وَإِمّا كَفُوراً﴾ (٣) [الإنسان: ٣] أي أرشدناه إلى طريق الحق والسلامة، والسؤال الجواب هاهنا كما قلنا في «ثمود» ﴿وَأَمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى فَأَخَذَتْهُمْ صاعِقَةُ الْعَذابِ الْهُونِ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (١٧) [فصلت: ١٧] ثم هذه السورة تضمنت إثبات العذاب والنعيم الحسيين. ﴿عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللهِ يُفَجِّرُونَها تَفْجِيراً﴾ (٦) [الإنسان: ٦] قيل: يشرب منها على إبدال بعض الحروف ببعض، والأشبه أنه من باب التضمين أي: يروى بها، ضمن يشرب معنى يروى؛ لأنه أبلغ وأخص من يشرب، ثم اعتبر حرف التعدية بالفعل المضمن تنبيها عليه؛ ومثله قول عنترة: شرب بماء الدحرضين. . . (١) ...

стр. 669

وقول الآخر: شربن بماء البحر البيتين. . . ومنه: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيّامٍ ثُمَّ اِسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمنُ فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً﴾ (٥٩) [الفرقان: ٥٩]. وقوله: فإن تسألوني بالنساء البيت. . . أي: ذاكر به وتذاكروني بالنساء. وقوله: يضرب بالسيف ونرجو بالفرح. . . أي: يتعلل بالفرح. وقوله: سود المحاجر لا يقرأن بالسور أي: لا يصوتن أو يترنمن بها، وهو كثير، وهي قاعدة نافعة يعتصم بها من لزوم الزيادة في أكثر الكلام. ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخافُونَ يَوْماً كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً﴾ (٧) [الإنسان: ٧] [فيه استحباب الوفاء بالنذر ومدح أهله؛ لأنه من باب الوفاء بالعقود إما التزام] ابتداء فيحتمل تحريمه للنهي عنه، ويحتمل جوازه؛ لأنه عقد وعهد بين العبد وربه- -أشبه الإحرام بالحج، ويحتمل المنع منه في الأموال دون العبادات؛ لقوله ﷺ : «النذر/ [٢١٣ أ/م] لا يأتي بخير، وهو إنما يستخرج به من مال البخيل» (١) فدل على أن المنع منه في المال دون غيره: ﴿إِنَّ هذا كانَ لَكُمْ جَزاءً وَكانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً﴾ (٢٢) [الإنسان: ٢٢] أي صورة جزاء على كسبكم وسعيكم، وإلا فهو في الحقيقة فضل من الله- -لولا توفيقه

стр. 670

لما وصلوا إلى شيء منه، وهم أعني الأبرار قد اعترفوا بذلك حيث قالوا: ﴿وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ وَقالُوا الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَما كُنّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدانَا اللهُ لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٤٣) [الأعراف: ٤٣] اللهم اهدنا إليك وإلى رضوانك بفضلك المحض، ولا تكلنا إلى سواك من نفل أو فرض. ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً﴾ (٢٤) [الإنسان: ٢٤] قيل: معناه ولا كفورا، والمعنى وإن كان عليه إلا أنه ضعيف من جهة أن «أو» تنوب عن واو العطف وحرف النفي، ونيابة كلمة عن كلمتين غير معهود، أو هو قليل لا يقاس عليه لمخالفته القياس وتخريجه/ [٤٣٩/ل] على أصله بوجهين: أحدهما: أن يكون هذا طبق كلام مقدر، كأنه قيل له: أطع فلانا الآثم، أو فلانا الكفور، فقيل: لا تطع منهما آثما أو كفورا. الثاني: أن يقال: إنما دلت هذه الآية على تخييره في معصية أحدهما، أي اعص هذا أو هذا، ودل على وجوب معصيتهما جميعا دليل منفصل لا يقال: نحن نفهم من مجرد هذه الآية وجوب معصيتهما جميعا من غير شعور بدليل منفصل؛ لأنا نقول: إما من موضوع لفظ بمجرده فلا نسلم أنه يفهم ذلك، وإلا لما استغرب واحتيج فيه إلى تخريج وتأويل، وأما فهم ذلك من المعنى عقلا أو عرفا أو شرعا فذلك هو الدليل المنفصل ولكنه ظاهر، فلظهوره لا ينتبه له. ﴿إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ اِتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلاً﴾ (٢٩) [الإنسان: ٢٩] احتج بها المعتزلة؛ لأنها تقتضي أن الإنسان مخير بحسب مشيئته، وأجاب الجمهور بالآية بعدها: ﴿وَما تَشاؤُنَ إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً﴾ (٣٠) [الإنسان: ٣٠] فمشيئة الإنسان تابعة للمشيئة الإلهية وأثر من آثار القدرة الأزلية، وحينئذ أكثر ما يقال: إن فعل الإنسان أثر مشيئته أثر القدرة الإلهية، وأثر أثر الشيء لذلك الشيء، ففعل الإنسان أثر القدرة الأزلية وهو المطلوب، وقد سبق تقرير هذا في مقدمة الكتاب.

стр. 671

بتقوى ولا صلاح ولا بغيره، فدل على أنه إذا أراد الرحمة وفق للصلاح، فكان الفوز والفلاح، فالصلاح أمارة الفلاح، والعلة المؤثرة هي المشيئة [وهكذا في الطرف الآخر الظلم أمارة العذاب، والعلة المؤثرة هي المشيئة]، غير أنه- -آثر هاهنا قيام حجته، فقرن العذاب بوصف الظلم من باب اقتران الحكم بالوصف المناسب، إقامة للحجة ونفيا للتهمة، وانتهى تقدير الكلام إلى: إني أرحم هؤلاء بمشيئتي/ [٢١٣ ب/م] وعنايتي بهم، وأعذب هؤلاء لظلمهم المناسب لعقوبتهم مع أن مشيئته هي المؤثرة في ذلك قطعا، وقد تقدم لنا كلام في سر القدر في مقدمة هذا الكلام وفى الأعراف عند: ﴿فَرِيقاً هَدى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ إِنَّهُمُ اِتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ اللهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ (٣٠) [الأعراف: ٣٠] وفي أول سورة «يس» وسورة «المؤمن»، هاهنا فاجمع بينه، وتلمحه يظهر لك المقصود من هذا الباب-إن شاء الله . ...

стр. 672

القول في سورة المرسلات ﴿فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ﴾ (٨) [المرسلات: ٨] أي: ذهب نورها، ﴿وَإِذَا السَّماءُ فُرِجَتْ﴾ (٩) [المرسلات: ٩] أي: انشقت، وفيه دليل/ [٤٤٠/ل] على قبولها للخرق والالتئام، كما مر، وأن الأجرام السماوية تقبل التغير والاستحالة عن صفاتها الآن، خلافا للفلاسفة، وأصل الخلاف القول في قدم العالم، وقد سبق. ﴿وَإِذَا الْجِبالُ نُسِفَتْ﴾ (١٠) [المرسلات: ١٠] إما بتسليط الريح عليها فتنسفها، أو بتسليط المطر العظيم ثم الشمس العظيمة عليها فتحلها، كما يشاهد في الجبال الآن، أو أنه -إذا قبض الأرض والسماوات في قبضة قدرته ضرب بالجبال فانحلت أجزاؤها، بدليل: ﴿وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً﴾ (١٤) [الحاقة: ١٤] أو بغير ذلك من تصرفات القدرة الأزلية التي لا نهاية لمقدورها. ﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ﴾ (٢٠) [المرسلات: ٢٠] الآيات، احتجاج على البعث الذي دل عليه قوله- -قبل ﴿لِيَوْمِ الْفَصْلِ﴾ (١٣) [المرسلات: ١٣] ﴿فَقَدَرْنا فَنِعْمَ الْقادِرُونَ﴾ (٢٣) [المرسلات: ٢٣] إن ثبت للإنسان قدرة يستقل بها، وإلا فهذا على نحو: ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ﴾ (١٤) [المؤمنون: ١٤] أي على زعم من اعتقد أن ثم قادرا وخالقا غيره، واعلم أنه لا خلاف أن للإنسان قدرة خلقها الله- -كما خلق ذاته، لكن الخلاف في أنه هل مستقل بقدرته مفوض إليه أعمال لا مجبر ولا معاوق، أم لا، أثبت ذلك القدرية ونفاه الجمهور، وهو أصل الخلاف ومنشأ الاختلاف.

стр. 673

ألبتة، لتناقض مع قوله- : ﴿*يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها وَتُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ (١١١) [النحل: ١١١] وإنه محال. ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اِرْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ (٤٨) [المرسلات: ٤٨] يحتج به على أن الأمر للوجوب الفوري؛ لأنه- -ذمهم على ترك الركوع وقت أمرهم به؛ لأن «إذا) ظرفية وقتية فصار التقدير: لا يركعون وقت الأمر لهم بالركوع، وهو يقتضي ما ذكرناه / [٢١٤ أ/م]. ...

стр. 674

القول في سورة عمّ ﴿وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ ماءً ثَجّاجاً (١٤) لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَباتاً (١٥) وَجَنّاتٍ أَلْفافاً (١٦) إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كانَ مِيقاتاً﴾ (١٧) [النبأ: ١٤ - ١٧] هذا إثبات للبعث، ودليله ما قبله من إحياء الأرض بالمطر. ﴿وَفُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أَبْواباً﴾ (١٩) [النبأ: ١٩] دل على ما سبق من قبولها للخرق. ﴿لابِثِينَ فِيها أَحْقاباً﴾ (٢٣) [النبأ: ٢٣] يحتج به من يرى أن عذاب أهل النار منقطع؛ لأن الأحقاب جمع قلة وأكثره عشرة، / [٤٤١/ل] والحقب ثمانون سنة فمجموعها ثمان مائة سنة، وهب أنها من سني الآخرة كل يوم منها بألف سنة أو سبعين ألف سنة كما قيل، فهي متناهية على كل حال. وجوابه من وجهين: أحدهما أنه ليس المراد حصر لبثهم في أحقاب، بل يلبثون أحقابا طعامهم الحميم والغساق لا برد ولا شراب، ثم ينقلون إلى حالة أخرى من العذاب كذلك أبدا. الثاني: أن الأحقاب بمعنى الحق جمع كثرة، ولكنه وضع جمع القلة موضع الكثرة؛ تنبيها على أن القليل المنقطع من عذاب النار جدير بأن يكون سببا للإيمان والازدجار. ﴿إِنَّهُمْ كانُوا لا يَرْجُونَ حِساباً﴾ (٢٧) [النبأ: ٢٧] أي لا يخافونه، وهو حجة على أن الكفار يحاسبون، وقد سبقت المسألة في «الحاقة». ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلاّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقالَ صَواباً﴾ (٣٨) [النبأ: ٣٨] قيل: الروح صنف من الملائكة يخفون عن الملائكة كما يخفى الملائكة عن البشر، وقيل: الروح ملك عظيم يقوم وحده صفّا والملائكة صف. ﴿ذلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شاءَ اِتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ مَآباً﴾ (٣٩) [النبأ: ٣٩] مثل ﴿إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ اِتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلاً﴾ (١٩) [المزمل: ١٩] وقد سبق. ﴿إِنّا أَنْذَرْناكُمْ عَذاباً قَرِيباً يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ وَيَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً﴾ (٤٠) [النبأ: ٤٠] قد سبق أن القرب معنى إضافي لكنه لا بد واقع. ...

стр. 675

القول في سورة النازعات ﴿أَإِذا كُنّا عِظاماً نَخِرَةً﴾ (١١) [النازعات: ١١] إنكار منهم للبعث، ودليله في أثناء السورة. ﴿فَأَراهُ الْآيَةَ الْكُبْرى﴾ (٢٠) [النازعات: ٢٠] هي العصا. ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَناها﴾ (٢٧) [النازعات: ٢٧] إلى ﴿أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَمَرْعاها﴾ (٣١) [النازعات: ٣١] دليلان على البعث السابق منهم إنكاره؛ أحدهما في ضمن الآخر. الأول: قياس إعادتهم على خلق السماوات والأرض، وهي أولى؛ لأن خلق السماوات والأرض أعظم. الثاني: القياس على إحياء الأرض، وإليه الإشارة بقوله- : ﴿أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَمَرْعاها﴾ (٣١) [النازعات: ٣١]. ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ السّاعَةِ أَيّانَ مُرْساها﴾ (٤٢) [النازعات: ٤٢] سبق في سورة «الأعراف». ... القول في سورة عبس ﴿أَمّا مَنِ اِسْتَغْنى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدّى﴾ (٦) [عبس: ٥، ٦] الآيات تعلق بها من لا يعلم على النبي ﷺ ولا متعلق لهم فيها؛ لأنه ﷺ إنما أعرض عن المسلم، وهو ابن أم مكتوم، إلى خطاب الكافر حرصا على إسلامه وسعيا في الدعاء إلى الله- -على عادته، و «الأعمال بالنيات» فهو مجتهد/ [٢١٤ ب] في ذلك مصيب، غير أن الله- -اشتدت عنايته بذلك المسلم حتى عاتب رسوله من أجله، وذلك أمر غيب ليس إلى الرسول، ولو علم أن العناية بذلك المسلم شديدة إلى هذا الحد لما اشتغل عنه بخطاب غيره، والذي تضمنته صدر هذه السورة/ [٤٤٢/ل] ليس تقرير ذنب على النبي ﷺ وإنما هو عتاب لطيف.

стр. 676

[عبس: ٢٢] تضمن المبدأ والمعاد وما بينهما وهو البرزخ. ﴿كَلاّ لَمّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ﴾ (٢٣) [عبس: ٢٣] إشارة إلى الناس يردون القيامة، وليس فيهم من قام بواجب الأمر الإلهي على ما ينبغي، فلا بد من تقصير، وقد ورد عن النبي ﷺ أنه قال: «ما منا أحد يأتي يوم القيامة إلا وله ذنب إلا يحيى بن زكريا». ﴿فَإِذا جاءَتِ الصَّاخَّةُ﴾ (٣٣) [عبس: ٣٣] أي: الصيحة التي تصمّ الأسماع من نفخ الصور، وزلزلة الساعة وهو إثبات للبعث، ودليله قبله وهو ﴿أَنّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا﴾ (٢٥) [عبس: ٢٥] إلى آخره وهو قياس إحياء الأرض، كأنه- -يقول: انظروا إلى طعامكم الذي تأكلون وأنتم دائما له مباشرون، فإنه إنما يخرج بطريق مساو للبعث، وإخراج الموتى في الإمكان والمقدورية، فلماذا تكذبون به؟ . القول في سورة التكوير ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ (١) [التكوير: ١] إلى ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ﴾ (١٤) [التكوير: ١٤] هذه جملة من أحكام اليوم الآخر تضمنها صدر هذه السورة، ولذلك روي عن النبي ﷺ أنه قال: «من أراد أن ينظر إلى يوم القيامة رأي عين فليقرأ إذا الشمس كورت» (١). ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ (١٩) [التكوير: ١٩] يتنازعه القائلون بخلق القرآن وقدمه، كما مر في سورة «الحاقة»، ثم الرسول هاهنا هل هو جبريل ﵇ أو محمد- عليهما الصلاة والسّلام؟ فيه قولان؛ الأشبه أنه جبريل. ﴿لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ (٢٨) [التكوير: ٢٨] يحتج بها المعتزلة، وجوابها بما بعده كما سبق في آخر ﴿هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً﴾ (١) [الإنسان: ١]. ...

стр. 677

القول في سورة الانفطار صدرها شبيه بصدر السورة قبلها: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ﴾ (٨) [الانفطار: ٨] يحتج به التناسخية ولا حجة لهم فيه؛ لأن المراد في أي صورة من الصور الإنسانية طويلا أو قصيرا، أسود أو أبيض ونحو ذلك جعلك. ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ (١٠) كِراماً كاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ﴾ (١٢) [الانفطار: ١٠ - ١٢] فيه إثبات الحفظة، وقد سبق القول فيه في «الأنعام». ... القول في سورة المطففين ﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ﴾ (٦) [المطففين: ٦] فيه إثبات الموقف والحشر. ﴿كَلاّ بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (١٤) [المطففين: ١٤] أي: طمس نور قلوبهم ظلمة ذنوبهم فإذا هم/ [٢١٥ أ/م] ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلاّ دُعاءً وَنِداءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ (١٧١) [البقرة: ١٧١]. ﴿كَلاّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ (١٥) [المطففين: ١٥] يحتج بمنطوقه على أن الكفار لا/ [٤٤٣/ل] يرون الله- -ومقتضى حجبهم عنه، وبمفهومه على أن المؤمنين يرونه، وربما ارتفع ذلك عن كونه مفهوما إلى كونه قياس عكس أو عكس نقيض؛ لأنه إذا ثبت أن الكافر يعاقب بالحجاب، اقتضى أن المؤمن يثاب برفع الحجاب. ... القول في سورة الانشقاق صدرها شبيه بصدر سورة «الانفطار» و «التكوير»: ﴿يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ﴾ (٦) [الانشقاق: ٦] إلى ﴿بَلى إِنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيراً﴾ (١٥) [الانشقاق: ١٥] يتعلق بأحكام الآخرة كالحساب وأخذ الكتاب ونحوه. ...

стр. 678

القول في سورة البروج ﴿إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ﴾ (١٣) [البروج: ١٣] إشارة إلى إثبات المعاد قياسا على المبدأ. ﴿فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ (١٦) [البروج: ١٦] يستدل به على عموم تعلق إرادته بالكائنات، والمعتزلة قالوا: إنما صح ذلك بعد ثبوت أنه مريد لكل كائن وهو فعال لما يريد، والأولى: ممنوعة؛ لأنه إنما يريد الخير لا الشر والمعاصي. وجوابه: أنا نثبت أنه مريد لكل كائن، لأن المصحح لتعلق إرادته، بالخيرات والطاعات إنما هو إمكانها، والإمكان مشترك بين ذلك غيره، فيكون مريدا لسائر الكائنات الممكنة، وهو المطلوب، وفى المسألة بحث. القول في سورة الطارق ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيْها حافِظٌ﴾ (٤) [الطارق: ٤] يحتمل إرادة الحفظة، ويحتمل أن المراد كون الله- -قائما على كل نفس بما كسبت ورقيبا عليها. ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ (٦) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ﴾ (٧) [الطارق: ٥ - ٧] وهو قياس المعاد على المبدأ. ... القول في سورة الأعلى ﴿سَبِّحِ اِسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ (١) [الأعلى: ١] يحتج به من يرى أن الاسم هو المسمى وقد سبق. ﴿سَبِّحِ اِسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ (١) [الأعلى: ١] اختلف هل هو علو محسوس أو معقول؟ فيبنى عليه الخلاف في الجهة. ﴿ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى﴾ (١٣) [الأعلى: ١٣] هما نقيضان لا واسطة بينهما حقيقة، وإنما يثبت هاهنا مجازا نحو ﴿يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَما هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ﴾ (١٧) [إبراهيم: ١٧] أي: ليس بحي حياة ينتفع بها ولا هو بميت فيستريح.

стр. 679

وأحكامها أو ذكر القرآن نحو: ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾ (١٩٦) [الشعراء: ١٩٦]. القول في سورة الغاشية / [٤٤٤/ل] أكثرها إلى ﴿وَزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ (١٦) [الغاشية: ١٦] يتضمن العذاب والنعيم الحسيين. ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ (١٧) [الغاشية: ١٧] الآيات، تضمنت الأمر بالنظر/ [٢١٥ ب/م] ويستلزم ذلك أنه إذا صح أفاد العلم كما سبق، والآية في السماء والجبار والأرض واضحة، وأما الإبل فلكثرتها عندهم وعظم خلقها وانتفاعهم بها وعظم النعمة فيها. ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ﴾ وعيدي محكم أو منسوخ بآية السيف. ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ﴾ (٢٦) [الغاشية: ٢٦] صريح في حساب الكفار. ... القول في سورة الفجر ﴿كَلاّ إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا﴾ (٢١) [الفجر: ٢١] نحو: ﴿وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً﴾ (١٤) [الحاقة: ١٤] إما أن يخسف بهما إلى حيث يشاء الله- -أو ينسفا بدليل: ﴿وَإِذَا الْجِبالُ نُسِفَتْ﴾ (١٠) [المرسلات: ١٠]. ﴿وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ (٢٢) [الفجر: ٢٢] أي: جاء ذاته، وقيل: بأمره لفصل القضاء، ونظيره: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ (٢١٠) [البقرة: ٢١٠]. ﴿فَادْخُلِي فِي عِبادِي﴾ (٢٩) [الفجر: ٢٩] قيل: الأرواح تدخل في الأجساد، وهو إثبات للبعث، والظاهر أن المراد إكرام النفس الصالحة بإدخالها في الصالحين. ...

стр. 680

القول في سورة البلد ﴿وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ (١٠) [البلد: ١٠] أي طريق الخير والشر، وهذه هداية إرشاد، وهي الهداية العامة، وأما هداية العصمة فخاصة بمن شاء الله- -وسبق له السعادة. ... القول في سورة الشمس ﴿فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها﴾ (٨) [الشمس: ٨] يحتمل أن المراد: خلق فيها ذلك، ويحتمل أن المراد: طبعها وفطرها على ما شاء من فجور أو تقوى. ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكّاها﴾ (٩) [الشمس: ٩] أي: طهرها وكملها، باكتساب العلم والعمل، ﴿وَقَدْ خابَ مَنْ دَسّاها﴾ (١٠) [الشمس: ١٠] أي: ترك جهلها وفجورها كامنا فيها لم يطهر منه. [﴿إِذِ اِنْبَعَثَ أَشْقاها﴾ (١٢) [الشمس: ١٢] احتجت به الشيعة على أن عليا أفضل الصحابة؛ لأن النبي ﷺ قال: «أشقى الأولين عاقر الناقة وأشقى الآخرين قاتلك يا علي» (١) أو كما قال، فثبت أن قاتل علي أشقى وأعظم دركا من قاتل عمر وعثمان وما ذاك إلا لأن عليا أفضل منهما، وأن قاتله فوت من الفضيلة، ومصلحة الوجود أعظم مما فوت قاتلهما، وإذا ثبت هذا المعنى بالنسبة إلى علي مع عمر وعثمان ثبت بالنسبة إليه مع أبي بكر وإن لم يقتل؛ إذ لا قائل من الجمهور بالفرق، فثبت بهذا الدليل أن عليا أفضل الصحابة، وتلخيصه أن قاتل علي أشقى القاتلين، فعلي أفضل المقتولين. وأجاب الجمهور بأن هذا الاستدلال بمعنى خبر واحد، وهم لا يقولون به، ثم هو لا يعارض إجماع السلف على تفضيل أبي بكر على علي]. ...

стр. 681

القول في سورة الليل ﴿فَأَمّا مَنْ أَعْطى وَاِتَّقى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾ (٧) الليل [٥ - ٧] يحتج به من يرى الأعمال الصالحة أمارة على السعادة محصلة للظن بذلك، وكذلك الأعمال الفاسدة على الشقاوة؛ لأن هذا وعد من الله- -أنه ييسر كلا لمناسب عمله، ووعد الله- -واقع لا محالة. والآخرون قالوا: الأمارة قد تخلف، والوعد قد تعلق بالمشيئة في نفس الأمر فلا يلزم وقوعه، وقوله ﷺ : «يعمل أحدكم بعمل أهل الجنة-إلى قوله-: «وإنما الأعمال بالخواتيم» (١) قاطع في الباب فلا يترك لغيره، ولو صح ما قاله الأول لكان أسعد الناس/ [٤٤٥/ل] إبليس وبرصيصا وبلعام ونحوهم ممن مكر به في آخر أمره. ﴿إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى﴾ (١٢) [الليل: ١٢] يحتج به المعتزلة؛ لأنه- -التزم الهدى على نفسه فلا يضل أحدا، وإنما الناس يضلون أنفسهم. وجوابه أن الذي التزمه هدي الإرشاد والهداية لأهدى العصمة والرعاية، ثم إن هدي الإرشاد واجب منه لإقامة الحجة وتحقيق العدل لا واجب عليه، إذا قدمنا أنه- -لا يجب عليه شيء. ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (١٧) الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكّى﴾ (١٨) اليل [١٧ - ١٨]، احتج بها الجمهور على أن أبا بكر-رضي الله تعالى عنه-أفضل الصحابة ﵃ أجمعين؛ لأنها نزلت في شأنه وقد وصف بأنه الأتقى، وينتظم الدليل هكذا: أبو بكر أتقى، والأتقى أكرم، والأكرم أفضل، أما الأولى فلهذه الآية، وأما الثانية فلقوله- : ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ إِنّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (١٣) [الحجرات: ١٣] وأما الثالثة: فبيّنة. وأجابت الشيعة [لعنهم الله]: بأنا لا نسلم أنها نزلت في شأن أبي بكر، وما رويتموه في ذلك آحاد ضعيفة لا يعتمد عليها، وظاهر الآية وسياقها تعميم الأتقى في كل من اتصف بالأفضلية في التقوى؛ لأن الله- -قد عمّم على ذلك قوله- :

стр. 682

﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ ناراً تَلَظّى (١٤) لا يَصْلاها إِلاَّ الْأَشْقَى (١٥) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلّى (١٦) وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى﴾ (١٧) الليل [١٤ - ١٧] فكما أن الأشقى عام في كل من كذب وتولى لا يخص أحدا بعينه. كذلك الأتقى الذي قوبل به يجب أن يكون عامّا في كل من تزكى بماله ابتغاء وجه ربه الأعلى، ثم إن العام لا دلالة له على الخاص، فلا دلالة للآية على خصوص أبي بكر ولا غيره، بل معناها أن كل من اتصف بهذه الصفة المذكورة جنب النار التي تلظى، ويحتاج تفضيل أبي بكر وغيره إلى دليل غير هذا. ثم قوله- : ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ ناراً تَلَظّى (١٤) لا يَصْلاها إِلاَّ الْأَشْقَى (١٥) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلّى﴾ (١٦) [الليل: ١٤ - ١٦] يحتج به المرجئة في أن لا يدخل النار إلا كافر كما سبق عنهم في سورة «تبارك الملك»، بل هذه أدل على ذلك؛ لأنه- -حصر من يدخلها في الأشقى المكذب بالنفي والإثبات/ [٢١٦ ب/م] ولا شك أن قولنا: لا يدخل النار إلا كافر، أقوى دلالة من قولنا: كلما دخل النار داخل اعترف بالكفر. ويجاب بأن النار دركات، نحو: جهنم ولظى وسقر والحطمة وغيرها، فهذه النار التي تعين لها الكافر الأشقى واحدة خاصة منها، والأشبه أنها لظى لوصفها بأنها تلظى، ولا يلزم من تعين الكافر لنار معينة أن لا يدخل غيرها، فعصاة المؤمنين يدخلون غير هذه، ثم يخرجون [ويعترض عليه بأنه يلزمكم في: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى﴾ (١٧) [الليل: ١٧] وأنه يجنب هذه النار المعينة، ولا يلزم منه أن يجنب غيرها فلا يكون مدحه والوعد له كاملا، لكن ذلك خلاف مقتضى سياق الكلام، فتعين أن الكلام في مطلق النار يجنبها الأتقى، ويتعين لها الكافر الأشقى، وهذا اعتراض قوي، ] وطريق الانفصال عنه أنه استدلال على كل حال فلا يعارض العمومات والنصوص القاطعة من الكتاب والسنة والإجماع، على أن عصاة المؤمنين/ [٤٤٦/ل] يدخلون النار بذنوبهم، ثم يخرجون بإيمانهم. ...

стр. 683

القول في سورة الضحى ﴿وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدى﴾ (٧) [الضحى: ٧] قيل: إنه ضل عن جده عبد المطلب وهو طفل، وقيل: ضل في أنوار الملكوت ليلة المعراج فهداه الله- -إليه، وقيل: لما نشأ بين قوم كفار انعقد له سبب الضلال، فلولا أن أنقذه الله- -من ملتهم بهداه ووحيه لضل، فسمى انعقاد سبب الضلال ضلالا على المجاز، كما يقال: وجدت فلانا غريقا فأنقذته أو قتيلا بين أعدائه فأحييته ونحوه، إذا انعقد له سبب ذلك، وفي هذه الآية نحو عشرين قولا هذا أقر بها إلى التحقيق، وإليه يرجع قوله- : ﴿وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلا الْإِيمانُ وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٥٢) [القيامة: ٥٢]. ... القول في سورة ألم نشرح لك صدرك هو شرح حسي بشق جوفه حتى أخرج حظ الشيطان منه، وعقلي بخلق دواعي الإيمان فيه كما سبق في «الأنعام» وغيرها. ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً﴾ (٦) [الشرح: ٥، ٦] لما كرر العسر معرفا كان واحدا، ولما كرر اليسر منكرا كان متعددا، ومن ثم قال ابن عباس-﵄: «لن يغلب عسر يسرين» (١)، واعلم أن الاسم إذا تكرر مرتين، فإما أن يكون معرفا فيهما فهو واحد، نحو: لقيت الرجل فقلت للرجل، أو منكرا فيهما فيتعدد نحو: لقيت رجلا فقلت لرجل، أو يتنكر في الأولى فقط فيتحد نحو: لقيت رجلا فقلت للرجل، أو بالعكس فيتعدد نحو: لقيت لرجل فقلت الرجل، والآية تضمنت الطرفين الأولين من هذه القسمة. ...

стр. 684

القول في سورة التين ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤) ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ (٥) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ (٦) [التين: ٤ - ٦] أي: ثم رددناه إلى خسر الكفر بدليل استثناء المؤمنين من أهل سافلين، ولا يقابل المؤمن إلا الكافر، وبدليل: ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (٣) [العصر: ٢، ٣] وبدليل ﴿وَأَرادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْناهُمُ الْأَخْسَرِينَ﴾ (٧٠) [الأنبياء: ٧٠] وفى موضع: ﴿فَأَرادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْناهُمُ الْأَسْفَلِينَ﴾ (٩٨) [الصافات: ٩٨] ففسر السفال بالخسر، واستثنى المؤمن من السافل فدل على أن المراد خسر الكفر؛ فإذن الأسفل أخسر والأخسر كافر، وإذا ثبت هذا فرددناه قاطع في مذهب الجمهور؛ لاقتضائه أن الله- -رده [٤٤٧ ل] إلى خسر الكفر وسفاله ﴿*فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً﴾ (٨٨) [النساء: ٨٨]. ... القول في سورة اقرأ ﴿إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى﴾ (٨) [العلق: ٨] فيه إثبات المعاد. ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللهَ يَرى﴾ (١٤) [العلق: ١٤] فيه أن الله- -بصير. ﴿سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ﴾ (١٨) [العلق: ١٨] فيه إثباتهم وهم ملائكة يدفعون العصاة إلى النار. ﴿كَلاّ لا تُطِعْهُ وَاُسْجُدْ وَاِقْتَرِبْ﴾ (١٩) [العلق: ١٩] فيه أن السجود سبب القرب من الرب- ﷻ -قربا عقليا لا حسيا، أما عند مثبتي الجهة فظاهر، وأما عند غيرهم فلأنه- -لا في السماء ولا في الأرض ولا داخل العالم ولا خارجه، ولا متصل ولا منفصل فيستحيل التقرب منه حسا عندهم. ...

стр. 685

القول في سورة القدر ﴿إِنّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ (١) [القدر: ١] يعني: القرآن نزل من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في ليلة القدر، وهى الليلة المباركة في سورة «الدخان». ﴿تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾ (٤) [القدر: ٤] هو الأمر أو صنف من الملائكة كما مر، وهذه السورة ثلاثون كلمة [سابعة العشرين منها هي في ﴿سَلامٌ] هِيَ حَتّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ (٥) [القدر: ٥] فقال ابن عباس-رضي الله تعالى عنه-: «هي هي» أي هي سابعة العشرين من رمضان، وقال قوم: ليلة الجمعة التي بعد نصف رمضان وترا منه هي ليلة القدر دائما، وهو قول حسن، وفيها أقوال كثيرة. ... القول في سورة البينة ﴿رَسُولٌ مِنَ اللهِ يَتْلُوا صُحُفاً مُطَهَّرَةً﴾ (٢) [البينة: ٢] محمد، ﴿رَسُولٌ مِنَ اللهِ يَتْلُوا صُحُفاً مُطَهَّرَةً﴾ (٢) [البينة: ٢] القرآن ﴿فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ (٣) [البينة: ٣] يقتضي أن القرآن تضمن معاني الكتب التي قبله أو بعضها، ولا أفهم لهذا الكلام معنى إلا هذا، ثم على هذا قوله- ﴿وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكاةَ وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ (٥) [البينة: ٥] أي دين الكتب القيمة السابق ذكرها، وذلك إشارة إلى العبادة مخلصين حنفاء وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، فدل على أن الشرائع السابقة وردت بهذه الخصال جميعها، وهو موافق لقوله- : ﴿*شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾ (١٣) [الشورى: ١٣] اللهم إلا [أن يراد ﴿وَما أُمِرُوا إِلاّ لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكاةَ وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ (٥) [البينة: ٥] دين الملة القيمة وهى ملة الإسلام، فلا يجيء هذا الكلام/ [٢١٧ ب/م].

стр. 686

إلى ﴿جَزاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ (٨) [البينة: ٨] يستدل به مع قوله- : ﴿وَمِنَ النّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ كَذلِكَ إِنَّما يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ (٢٨) [فاطر: ٢٨] على أن العلماء أفضل من الملائكة، ونظمه هكذا: الذين يخشون الله هم العلماء والذين يخشون الله خير البرية، فالعلماء خير البرية والملائكة من جملة البرية، إذ المراد منها كل ما برأه الله- أي خلقه، والنزاع في هذا الاحتمال أن المراد بالبرية البشر أو العالم الأرضي بدليل ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نارِ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أُولئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ (٦) [البينة: ٦]. ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نارِ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أُولئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ (٦) [البينة: ٦] يقتضي أن أهل الكتاب ينتظمهم لفظ الكفر لا الشرك، لأن الآية اقتضت أن أهل الكتاب قسيم للمشركين، والشيء لا يصدق عليه اسم قسيمه، وإنما يصدق عليه اسم الجنس المنتظم لهما. ... القول في سورة الزلزلة ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها﴾ (٢) [الزلزلة: ٢] إسناد الإخراج إليها مجاز، والمخرج في الحقيقة هو الله- . ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النّاسُ أَشْتاتاً لِيُرَوْا أَعْمالَهُمْ﴾ (٦) [الزلزلة: ٦] إلى آخرها، استدل بها على دخول عصاة الأمة النار ثم خروجهم وأنهم لا يخلدون خلافا للمعتزلة، وبيانه أن الآية اقتضت أن من عمل خيرا أو شرا رآه، أي: جوزي به، فلا يخلو مجازاته به إما أن يكون بإدخاله الجنة ثم النار وهو باطل بإجماع، إذ من دخل الجنة لا يخرج منها لقوله- : ﴿لا يَمَسُّهُمْ فِيها نَصَبٌ وَما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ﴾ (٤٨) [الحجر: ٤٨] أو بالعكس وهو المطلوب ولا واسطة بينهما. ...

стр. 687

القول في سورة العاديات ﴿* أَفَلا يَعْلَمُ إِذا بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ﴾ (٩) [العاديات: ٩] فيه إثبات البعث والحشر والنشور، ﴿*أَفَلا يَعْلَمُ إِذا بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ﴾ (٩) [العاديات: ٩] مشتق من بعث وأثار. ﴿وَحُصِّلَ ما فِي الصُّدُورِ﴾ (١٠) [العاديات: ١٠] أي صدور الناس جمع صدر، وقيل: مصدر صدر الناس صدورا بدليل: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النّاسُ أَشْتاتاً لِيُرَوْا أَعْمالَهُمْ﴾ (٦) [الزلزلة: ٦] أي حصل ما يكون عن صدور الناس من قبورهم وهو محدث غريب لكنه مناسب. ... القول في سورة القارعة تضمن البعث والنشر ونسف الجبال ووزن الأعمال، ودخول النار لبعض الناس، وقد سبق جميع ذلك. ... القول في سورة التكاثر تضمنت إثبات الجحيم وعيان الناس لها، وذلك حين يمرون على الصراط وهو كالجسر عليها، وأنهم يسألون عن نعيم الدنيا الحسي، أما العقلي كنعيم العلم والمعرفة ففيه نظير، والأشبه الموافق لعموم الآية أنهم يسألون عنه، ماذا عملت فيما علمت؟ وكيف سلكت/ [٢١٨ أ/م] إلى من عرفت؟ ومن علمك وعرفك؟ وكيف كان شكرك له بالطاعة والتوحيد؟ ونحو ذلك. وفي الحديث [عن النبي ﷺ أنه قال]: «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن/ [٤٤٩/ل] ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وماذا عمل فيما علم» (١). ...

стр. 688

القول في سورة العصر ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ (٢) [العصر: ٢] هو اسم جنس عام بدليل الاستثناء منه ﴿إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (٣) [العصر: ٣] إلى آخره، كان السلف يسمونه ميزان النجاة، فيقولون: هلموا نزن أنفسنا بميزان النجاة يعني الإيمان والعمل الصالح، والتواصي بالحق وبالصبر، وذلك لأن للإنسان قوتين علمية وإليها الإشارة ب ﴿وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (٣) [العصر: ٣]، وعملية، وإليها الإشارة ب ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ، ﴾ والصبر من نتائج الإيمان، فإذا كملت هاتان القوتان حصلت النجاة والسعادة، وبعد التداخل المذكور لم تتضمن السورة غيرهما. ... القول في سورة الهمزة فيها إثبات الحطمة وهى التي تحطم ما ألقي فيها، وأنها تخلص إلى الأفئدة، وهي أبصار القلوب فتطلع عليها أي تباشرها، وأنها مؤصدة [على أهلها]، أي: مغلقة من الوصيد وهو الباب. ... القول في سورة الفيل تضمنت من آيات الله- -حمايته لبيته، وتصرفه في الطير بالتسخير لقتال أعدائه وهلاكهم، ولعل ذلك من معجزات نبينا محمد ﷺ إذ كان مولده عام الفيل. ... القول في سورة قريش تضمنت عناية الله- -بهم حتى وطأ لهم البلاد لرحلة الشتاء والصيف، وإطعامهم من جوع وأمنهم من خوف، بخلق الصوارف عن أذى حرمهم في قلوب المفسدين وجلب الميرة إليهم؛ بتحريك الناس لذلك. القول في سورة الماعون ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾ (١) [الماعون: ١] فيه ذم التكذيب بالدين، والرياء في العبادات والتفريط فيها. ...

стр. 689

القول في سورة الكوثر وهو نهر في الجنة خص به النبي ﷺ وهو من أحكام الآخرة، واشتقاقه من الكثرة، لكثرة خيره. ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَاِنْحَرْ (٢) إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ (٣) [الكوثر: ٢، ٣] من هاهنا أخذ النبي ﷺ أن الأضحية لا تجزئ قبل الصلاة، لتقديمها في الذكر، وإن لم تكن الواو للترتيب/ [٤٥٠ ل]، وتضمن وعده-﵊-بأن شانئه هو الأبتر، إما من عقب أو ذكر حسن أو/ [٢١٨ ب/م] منهما. ... القول في سورة الكافرين التكرار فيها يحتمل أنه للتأكيد نحو: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ (١٥) [١٥] في المرسلات، و ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ (١٣) [١٣] في «الرحمن» و ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ (٦٨) [الشعراء: ٦٨] وكقوله: (والله لا آذن ثم لا آذن) ويحتمل أن يكون نفيا لموافقته إياهم وموافقتهم إياه في العبادة، باعتبار الحال والاستقبال، وذلك أربعة مضروب اثنين في اثنين كما تضمنته، وقد أخبرني الشيخ علي بن عمر بن حمزة الحراني الحجار قيم الحرم النبوي الشريف: أن بعض زنادقة الأطباء صنف تفسيرا بمبلغ علمه وسوء قصده، فلما انتهى إلى هذه السورة جعل يقول: (لا أعبد ما تعبدون ولا أنتم عابدون ما أعبد) قال: هذه شبيهة بالمنشار، يعني أنها ذهاب ومجيء وصورته واحدة، وهذا منه استهزاء بالله- -وآياته ورسوله وزندقة أظهرها، فعليه من الله ما يستحق. فأما قوله- : ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ (٦) [الكافرون: ٦] فهو إما خبر وعيدي محكم نحو: ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ (٤١) [يونس: ٤١] أو أمر تكليفي نسخ بآية السيف ونحوها. وقد سبق تقرير النسخ في موضعه. ...

стр. 690

القول في سورة النصر ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاِسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوّاباً﴾ (٣) [النصر: ٣] قيل: هو إشارة إلى قرب أجل النبي ﷺ واستدل بأمره بالاستغفار على أن الأنبياء يجوز عليهم فعل ما يستغفرون منه. ... القول في سورة «تبت» ﴿سَيَصْلى ناراً ذاتَ لَهَبٍ﴾ (٣) [المسد: ٣] زعم بعضهم أن بعد هذا الخبر ارتفع التكليف عن أبي لهب؛ لأنه لما حكم له بالنار صار كأنه فيها، ولا تكليف على من فيها. والصواب خلافه، وحينئذ يستدل به على تكليف ما لا يطاق؛ لأنه مقطوع له بالنار مكلف بالإيمان، فقد كلف بالإيمان بأنه لا يؤمن. ... القول في سورة الإخلاص تضمنت إثبات الأحدية والصمدية، وهو يقتضي نفي الانقسام والتجسيم، وتضمنت نفي الولادة والمولودية، وهو يقتضي نفي المسبوقية والمادة الجسمانية، وتضمنت أن لا كفؤ له، أي مثل مكافئ، ومن ثم عظم شأن هذه السورة لاختصاصها بتنزيه الحق- -لم يتضمن غيره. ... القول في المعوذتين ﴿مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ﴾ (٢) [الفلق: ٢] يقتضي خلق الشرور جميعها؛ لأن التعوذ عام، فنظمه هكذا: تعوذ من جميع الشرور وتعوذ مما خلق بالشرور/ [٢١٩ أ/م] هي مما خلق، وتضمنت أن للسحر حقيقة وتأثيرا؛ لأنه ﷺ أمر بالتعوذ من شر النفثات وهن السواحر، ولولا أن الأمر كما قلنا لما كان كذلك. وكذلك تضمنت أن للوسواس وهو الشيطان شرا يتعوذ منه وهو الإضلال والتزيين، ووسوسته في الصدور، قيل: بدخول فيها إذ يجري من ابن آدم مجرى الدم، وقيل: النفس

стр. 691

يخرج من مسام البدن إلى الفضاء كخروج الهباء من الطاقة. فينفث فيها الشيطان بوسوسته ثم يدخل بذلك القلب، والأول أصح، وتضمنت أن الوسوسة تكون من شياطين الجن والإنس كما سبق. وليكن هذا آخر الكتاب، وقد استطردنا فيه يسيرا مما ليس من موضوعه سبقا أو سهوا أو لغرض صحيح، والله- -أعلم بالصواب. وافق الفراغ منه العشر الآخر من المحرم الحرام، مفتتح شهور سنة سبع وخمسين وسبعمائة. والحمد لله رب العالمين، وصلّى الله على أشرف المرسلين سيدنا محمد النبي الأمي وآله وصحبه الطهر الطاهرين وسلم.