← Тафсир

Тафсир · id 13550

الإشارات الإلهية إلي المباحث الأصولية

الطوفي

Полный текст (691 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاِتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (٧) [الحشر: ٧] هذا عام مطرد إلا ما خص منه بنسخ أو غيره، وهو أصل كبير وقاعدته كلية في استخراج الأحكام من الكتاب بواسطة السنة، وهو مقدمة كبرى في كل قياس حكم أردنا إثباته بأن نقول: هذا الحكم آتاناه الرسول، وكل ما كان كذلك لزمنا الأخذ به، أو هذا الحكم نهانا عنه الرسول، وكل ما كان كذلك لزمنا اجتنابه، ومتى ثبتت الصغرى بالسنة أو نحوها فالكبرى ثابتة بهذه الآية، مثاله أن نقول: إفراد الإقامة، وصحة الصوم مع الأكل ناسيا، وجواز الخروج من النوافل بعد الشروع فيها-أحكام آتاناها الرسول؛ وكل ما آتاناه الرسول نحن مأمورون بالأخذ به، فهذه الأحكام نحن مأمورون بالأخذ به، وكذلك نقول: بيع الغرور وبيع الكلب والسنور نهانا عنه الرسول [وكل ما نهانا عنه الرسول] لزمنا الانتهاء عنه، فهذه البيوع يلزمنا الانتهاء عنها، وتقرير الصغرى بالأحاديث الواردة فيها، وقد اعتمد السلف على هذه القاعدة في استخراج الأحكام، فلما لعن ابن مسعود النامصة نحوها، أنكرت عليه أم يعقوب-امرأة من الأنصار- وقالت: «قد قرأت ما بين الدفتين فلم أجد لعنة من لعنت، فقال: إن كنت قرأته فقد وجدته، ألم تسمعي قول الله- : ﴿وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاِتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ﴾ (٧) [الحشر: ٧]؟ ولقد سمعت رسول الله ﷺ يلعن النامصة والمتنمصة [والواشرة والمستوشرة] المغيرات لخلق الله- -أو كما قال، ونظم قياسه هكذا: لعن هذه جاء به الرسول، وكل ما جاء به الرسول شرع الأخذ به، فلعن هذه شرع الأخذ به، وكذلك حكي عن الشافعي-﵁-أنه جلس في المسجد/ [٢٠٢ أ/م] يفتي وقال: لا تسألونني عن شيء إلا جئتكم/ [٤١٨/ل] به من كتاب الله- ؟ فقال الشافعي [: قال الله ]: ﴿وَما آتاكُمُ﴾ [الحشر: ٧]، ثم روى بإسناده عن النبي ﷺ أنه قال: «خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم» (١) منها الحية والعقرب، والزنبور مثلهما فيقتل ولا شيء فيه، وهذا دليل مركب من نص كتاب وسنة وقياس، وشبيه بهذا الدليل في كليته وعمومه قوله ﷺ : «من

стр. 632

عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» (١) إذ هو مقدمة كبرى في كل حكم أردنا إبطاله، بأن يقال: هذا الفعل أو هذا الحكم عمل ليس عليه أمر الشرع، وكل ما ليس عليه أمر الشرع فهو مردود، فهذا الفعل مردود. ومثاله الوضوء غير المنوي، والنكاح بلا ولي، وبيع الغائب والفضولي، كل واحد منها ليس عليه حكم الشرع فيكون مردودا، ويحتاج أيضا إلى تقرير الصغرى بدليلها، والكبرى ثابتة بهذا الحديث، ثم الحديث راجع إلى مادة الآية المذكورة؛ إذ معنى قوله ﷺ : «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد»، «ما أتيتكم فخذوه وما نهيتكم عنه فاجتنبوه» كما صرح به في حديث آخر. ﴿لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْواناً وَيَنْصُرُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ﴾ (٨) [الحشر: ٨] إلى: ﴿وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اِغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾ (١٠) [الحشر: ١٠] استدل به مالك على كفر الرافضة، ووجه أن ﴿لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْواناً وَيَنْصُرُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ﴾ (٨) [الحشر: ٨] متعلق بقوله- : ﴿ما أَفاءَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاِتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ﴾ (٧) [الحشر: ٧] ثم قال- ﴿لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْواناً وَيَنْصُرُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ﴾ (٨) [الحشر: ٨] وعطف عليهم: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٩) [الحشر: ٩] وهم الأنصار، ثم عطف ﴿وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اِغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا﴾

стр. 633

﴿بِالْإِيمانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾ (١٠) [الحشر: ١٠] بشرط أن يستغفروا لمن قبلهم من إخوانهم السابقين لهم بالإيمان، والرافضة خارجون عن الأصناف الثلاثة، فليس القوم مهاجرين ولا أنصارا ولا مستغفرين لمن سبقهم بالإيمان، بل يسبون السلف ويبغضونهم، فإذن لا حظ لهم في الفيء، وكل من لا حظ له في الفيء كافر، إذ الفيء حق المسلمين، فمن لا حق له فيه ليس بمسلم، وأجابت الشيعة [لعنهم الله] بأن (للفقراء) لو كان متعلقا بما أفاء الله لكان بدلا منه، ولو كان بدلا منه لزم صرف الفيء عن الجهات الست المنصوص عليها في المبدل منه إلى عموم الثلاث المذكورة في البدل، وهم المهاجرون والأنصار/ [٢٠٢ ب/م] والتابعون لهم لا غير، وإنه باطل، إذ فيه إسقاط خصوص تلك الجهات الست فيبقي ذكرها/ [٤١٩ ل] لغوا، ولأن ظاهر الآيات يختص بقوم ماضين وهم: ﴿لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْواناً وَيَنْصُرُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ (٨) وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩) وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اِغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾ (١٠) [الحشر: ٨ - ١٠] فلا يتناول من يتجدد، ثم حاصل نظم الدليل المذكور أن المذكور أن الرافضة لا حظ لهم في الفيء، وكل من لا حظ له في الفيء كافر، والأولى ممنوعة، لأن الله- -أضاف الفيء إلى ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل، وهو يتناول الرافضة كغيرهم، فهذه الدعوى على خلاف القرآن، فلا تسمع. والثانية: باطلة بعبيد المسلمين، إذ لاحظ لهم في الفيء وليسوا كفارا، وإذا تقرر هذا الجواب، وجب حمل قوله- : ﴿لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ﴾ الآيات، على مدح مستن أنف لهذه الفرق غير متعلق بما قبله، نحو: ﴿لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ﴾ صفة الصدق بدليل آخر الآية، أو غيره من التأويل (١).

стр. 634

﴿لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾ (١٣) [الحشر: ١٣]، تدل على أن من خاف غير الله- -فليس بفقيه بل هو جاهل؛ لأن الخوف إنما يكون من شر أو ضرر يلحق والله- -هو خالق كل شيء، شر وخير ونفع وضرّ، لا يكون شيء من ذلك إلا بإذنه، فمن خاف معه غيره فتوحيده مدخول، وإنما يطرأ ذلك على الإنسان لنقص في توحيده أو غلبة من طبعه عليه. ﴿لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفائِزُونَ﴾ (٢٠) [الحشر: ٢٠] ذهب قوم إلى أن هذا يقتضي عموم نفي المساواة بين الفريقين من كل وجه، حتى أدرجه تحته أن الذمي لا يكافئ المسلم ليقتل به. وذهب آخرون إلى أنه لا يقتضي العموم، وقد انتفت المساواة بينهما في أحكام كثيرة، ولا دليل على عدم التساوي بين المسلم والذمي في القصاص حتى تندرج تحت نفي التسوية المستفاد من الآية، فيقتل المسلم بالذمي لثبوت المكافأة بينهما بدليل منفصل، وهو ما سبق في البقرة. حاصل الأمر أن نفي التسوية في هذه الآية عام، فيتناول نفي التسوية بينهما في القصاص، أو مطلق فلا يتناول، والظاهر أنه عام؛ لأن قولنا: لا يستوي فلان وفلان، معناه: لا استواء بينهما؛ إذ الفعل يدل على المصدر، وهو الاستواء، فهو نكرة في سياق نفي فتعم، والخصم يقول: إن قولنا: لا يستوي فلان وفلان-أعم من أن يكون من كل جهة، أو من جهة خاصة، بدليل قبوله للاستفسار والتقسيم/ [٢٠٣ أ/م] بأن يقال: هل هما لا يستويان مطلقا أو من بعض الجهات، وان يقال: إذا كانا لا يستويان فلا يخلو إما ألا يستويا من كل جهة أو من بعض الجهات دون بعض؟ ولو اقتضى عموم نفي المساواة بينهما لما قيل ذلك. وقد رجع/ [٤٢٠/ل] الخلاف إلى أن صيغة لا يستويان هل تقتضي عموم نفي التسوية أو نفي عموم التسوية، والفرق واضح بين عموم السلب وسلب العموم، فعموم سلب الحقيقة يمنع ثبوت شيء من أفرادها، وسلب عموم الحقيقة لا يمنع ثبوت بعض أفرادها، وقد ظهر ذلك في قوله: قد أصبحت أم الخيار تدعي ... عليّ ذنبا كله لم أصنع برفع كله على عموم السلب وبنصبه على سلب العموم، وقوله ﷺ في حديث ذي اليدين: «كل ذلك لم يكن» (١) برفع كل لا غير على عموم السلب؛ لأنه أراد نفي

стр. 635

النسيان وقصر الصلاة جميعا، وقول الشاعر: . . . ... وما كل من وافى منى وأنا عارف على سلب العموم، والفرق بينهما من جهة التركيب أن العموم والسلب أيهما تقدم لفظه أضفته إلى الآخر، فإن تقدم لفظ العموم على أداة السلب، فهو عموم السلب كما في الحديث، وإن تقدم لفظ السلب فهو سلب العموم كالبيت الأخير، وأما البيت الأول فيحتلهما، بناء على أن تقديره: كله لم أصنعه أو لم أصنع كله؛ فعلى الأول: هو عموم سلب الصنع، وعلى الثاني: هو سلب عموم الصنع وعلى هذا التقدير ربما ظن أن لا يستوي كذا وكذا من باب سلب العموم لتقدم حرف السلب، وليس كذلك، والفرق بينهما أن سلب العموم شرطه أن يدخل حرف السلب على لفظ عام تحته متعدد، فإذا سلب عمومه بقي الحكم في بعض أفراده، نحو: لم أضرب كل الرجال بخلاف لا يستويان؛ فطن حرف السلب دخل في المعنى على ماهية الاستواء فنفاها، الماهية من حيث هي هي لا تعدد فيها ولا اتحاد فلم يبق بعد سلبها شيء يثبت له الحكم، فلهذا قلنا: إن صيغة لا يستوي كذا وكذا، من باب عموم السلب لا سلب العموم، وهذا بحث استطردناه بديهة فلك النظر فيه. ﴿لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللهِ وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٢١) [الحشر: ٢١] هذا خرج مخرج المبالغة في تعظيم القرآن وغفلة الكفار عنه، أي أن هذا القرآن عظيم تتصدع لسماعه الجبال، وأنتم عنه غافلون، فهو كقوله- : ﴿أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ (٦٨) [ص: ٦٨]. ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ (٧٤) / [٢٠٣ ب/م]) [البقرة: ٧٤] هذا مع إمكان خشوع الجبال وتصدعها من خشية الله- -إذا اقترنت بها إرادة ذلك، ويشهد لذلك وقوعه ﴿وَلَمّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي وَلكِنِ اُنْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اِسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً فَلَمّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١٤٣) [الأعراف: ١٤٣]. ...

стр. 636

القول في سورة الممتحنة ﴿* عَسَى اللهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللهُ قَدِيرٌ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٧) [الممتحنة: ٧] هذا بتقليب القلوب بما يخلق فيها من دواعي الصلح والمودة والصوارف عن البغضاء والعداوة. ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ ما أَنْفَقُوا وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠] يحتج به على أن الظن نوع علم؛ لأن الامتحان إنما يفيد الظن وقد سمي علما بدليل ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ ما أَنْفَقُوا وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ وَسْئَلُوا ما أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْئَلُوا ما أَنْفَقُوا ذلِكُمْ حُكْمُ اللهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (١٠) [الممتحنة: ١٠]. وجوابه أنه- -أطلق العلم على الظن مجازا، وقد سبق نظيراه في «سبحان» و «يوسف». ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَما يَئِسَ الْكُفّارُ مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ﴾ (١٣) [الممتحنة: ١٣]، فيه النهي عن موالاة الكفار وكل مغضوب عليه، وأن الكفار آيسون من الآخرة لا حظ لهم فيها، وأنهم آيسون من الموتى لإنكارهم البعث، بخلاف المؤمنين فإنهم يرجون التلاقي في الآخرة، كما حكي عن الشيخ أبي الوفاء بن عقيل البغدادي أنه مات له ولد فوجد عليه، فقال في أثناء وجده عليه: لولا رجاء التلاقي في الآخرة لتصدّعت قلوب المحبين عند فراق أحبتهم، أو كما قال. ...

стр. 637

القول في سورة الصف ﴿كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ﴾ (٣) [الصف: ٣] فيه أن خلف الوعد ونقض العهد والتفريط فيما التزم من حقوق الإيمان من الكبائر؛ لأن الله- -جعل ذلك مقتا كبيرا والمقت أشد البغض، وقد نزل ذلك منزل نكاح زوجة الأب، والجدال في آيات الله- -بغير سلطان، إذ وصفهما بالمقت. ﴿وَإِذْ قالَ عِيسَى اِبْنُ مَرْيَمَ يا بَنِي إِسْرائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اِسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمّا جاءَهُمْ بِالْبَيِّناتِ قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ (٦) [الصف: ٦] فيه إثبات رسالة المسيح وشهادته وبشراه برسالة محمد ﷺ وهذا موجود في فصل الفارقليط من إنجيل يوحنا، ذكر النبي ﷺ بصفاته [على ما قررناه هناك]. ...

стр. 638

القول في سورة الجمعة ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ (٢) [الجمعة: ٢] الأمي الذي لا يحسن الكتابة، نسب إلى الحالة التي ولدته عليها أمه، وقيل: إلى غالب أمة الناس، لأنهم كذلك، وفيه شهادة للنبي ﷺ بأنه كان أميا تحقيقا لمعجزة الفرقان، ردا على من يتوهم أنه كان كاتبا، وإنما/ [٢٠٤ أ/م] كتم أمره، وقد أكد ذلك تسليم أعدائه كونه أميا، وقال ﷺ : «إنا أمة أمية لا نحسب ولا نكتب» (١). ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللهِ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ (٥) / [٤٢٢/ل] [الجمعة: ٥] أي: لم يقوموا بما فيها تكلفا ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللهِ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ (٥) [الجمعة: ٥] يدل على أن مقصود العلم العمل، وأن العلم بلا عمل بلادة وجهل. ﴿وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾ (٧) [الجمعة: ٧] سبق في البقرة. ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٨) [الجمعة: ٨] أي: لا محيص لكم عنه، ولات حين مناص منه؛ لأنه إما طبيعي يضعف القوة عن إخلاف ما يتحلل من البدن، أو عرضي بقتل أو غرق أو هدم أو طاعون ونحوه من الأسباب، فمن تخطاه العرضي تلقاه الطبيعي، والجميع بتقدير العزيز العليم . ...

стр. 639

القول في سورة المنافقين ﴿إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ﴾ (١) [المنافقون: ١] أي في دعواهم اعتقاد رسالتك والشهادة بها، لا في قولهم: إنك رسول الله. وقد سبق تقريره. ويحتج به من يرى أن الكلام معنى قائم بالنفس؛ لأن تكذيبهم راجع إلى أمر قام بنفوسهم، لا إلى ما ظهر على ألسنتهم، والتكذيب من لواحق الخبر الكلامي، فدل على أن ما قام بنفوسهم كلام. ويجاب بأنا لا نسلم أن التكذيب راجع إلى معنى قام بنفوسهم، بل إلى دعواهم ظاهرا أو اعتقاد الرسالة باطنا، فما رجع التكذيب إلا إلى خبر لساني لا نفساني. ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ﴾ (٣) [المنافقون: ٣] قد يظن ظان أن الإيمان جزء علة الطبع على قلوبهم، وليس كذلك، بل كفرهم المستعقب لإيمانهم هو علة ذلك. ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ حَتّى يَنْفَضُّوا وَلِلّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ﴾ (٧) [المنافقون: ٧] فيه إشارة إلى ترك ملاحظة الأسباب الظاهرة وتعلق الآمال بما في الغيب من الخزائن الإلهية، لا أقول قطع الأسباب بل ترك الاعتماد عليها، والناس إما متعاط للأسباب معتمد عليها محجوب بها عن المسبب، وهم العامة، أو لا متعاط لها ولا معتمد عليها، بل حجب عنها برؤية مسببها- -وهم الخاصة، أو متعاط لها غير معتمد عليها وهو شبيه بمن قبله، وربما سمي متوكلا، أو معتمد عليها غير متعاط لها، وهو الكسلان المتمني الأماني. ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللهُ نَفْساً إِذا جاءَ أَجَلُها وَاللهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ (١١) [المنافقون: ١١] فيه انحتام الآجال فلا تأثير فيها لغير الكبير المتعال؛ خلافا لما مر عن أهل الاعتزال. ...

стр. 640

القول في سورة التغابن ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (٢) [التغابن: ٢] / [٢٠٤ ب/م] يحتمل أن المراد: خلقكم متصفين بالكفر والإيمان، فيحتج به الجمهور؛ لأن خالق الموصوف هو خالق الصفة، ويحتمل أن المراد: خلقكم ثم منكم من كفر ومنكم/ [٤٢٣/ل] من آمن، فيتنازعها الفريقان: الجمهور والمعتزلة، بناء على كسب الأفعال وخلقها على ما عرف. ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَقالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاِسْتَغْنَى اللهُ وَاللهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ (٦) [التغابن: ٦] هذه شبهتهم المعروفة في إنكار الرسل، وقد سبقت. ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ﴾ [التغابن: ٦] أي: بإنكار الرسالة ﴿فَقالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاِسْتَغْنَى اللهُ وَاللهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ (٦) [التغابن: ٦] أي: عنهم وعن معارفهم وعباداتهم. ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَقالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاِسْتَغْنَى اللهُ وَاللهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ (٦) [التغابن: ٦] لكماله وتنزهه عما يحتاج إليه غيره. وقد سبقت المسألة. ﴿حَمِيدٌ﴾ أي: محمود ليس كغيره من الأغنياء، يفعل مع غناه ما يستحق به الذم، بل الله- -يسدي الجميل والمعروف العام والخاص، فهو الذي يستحق الحمد. ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ (٧) [التغابن: ٧] أي: ادعوا ذلك دعوى لا تحقق لها: ﴿ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ وَذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ﴾ (٧) [التغابن: ٧] أمر وأثبت وأقسم وأكد البعث باللام في أوله والنون في آخره، ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ وَذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ﴾ (٧) [التغابن: ٧] أي: البعث ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ وَذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ﴾ (٧) [التغابن: ٧] وقد سبق برهانه وتوجيهه في عدة

стр. 641

مواضع. ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ وَيَعْمَلْ صالِحاً يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (٩) [التغابن: ٩] أي: يغبن فيه أهل الجنة أهل النار بما يفوز به هؤلاء، ويرث أهل الجنة أهل النار على ما سبق بيانه. ﴿ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (١١) [التغابن: ١١] إن قيل: الإيمان إنما يترتب على هدى القلب، فلو ترتب هدى القلب على الإيمان لزم الدور، وإنه محال. ويجاب عنه بأن المراد: من يؤمن بالله يزد قلبه هدى وبه ينقطع الدور. ﴿اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (١٣) [التغابن: ١٣] فيه أن التوكل قرين التوحيد ونتيجته، ومن أكبر مقاماته، والتوكل هو التفويض إلى الله- -مع ترك الاعتراض. ﴿فَاتَّقُوا اللهَ﴾ ناسخ لقوله- : ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (١٠٢) [آل عمران: ١٠٢] أو مخصص له. ...

стр. 642

القول في سورة الطلاق ﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللهَ بالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً﴾ (٣) [الطلاق: ٣] مثل: ﴿وَقالَ الَّذِي اِشْتَراهُ مِنْ مِصْرَ لاِمْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْواهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَكَذلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ وَاللهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ (٢١) [يوسف: ٢١] أي: إذا أراد أمرا بلغه بقدرته ولطيف حكمته وتصرفه في القلوب وغيرها، وبالجملة بكمال قدرته على كل شيء. ويحتج به الجمهور على أنه- -إذا أراد شخصا للنار تصرف فيه بطريق الإجبار. ﴿وَاللاّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ إِنِ اِرْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللاّئِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً﴾ (٤) [الطلاق: ٤] يحتج به على أن الأقراء الحيض، وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد؛ لأنها مأمورة أن تعتد بثلاثة قروء، ثم جعلت الأشهر بدلا عن الحيض هاهنا، فدل على ما قلنا. وينتظم القياس هكذا: الأشهر بدل عن الحيض بهذه الآية، والأشهر بدل عن الأقراء بالإجماع، فالحيض هي الأقراء/ [٢٠٥ أ/م]، فالأقراء هي الحيض. واحتج الشافعي ومالك على أنها الأطهار بقوله- : ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاِتَّقُوا اللهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلاّ أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْراً﴾ (١) [الطلاق: ١] مع [قول النبي] ﷺ : «مره فليراجعها/ [٤٢٤/ب] ثم ليدعها حتى تطهر، ثم تحيض، [ثم تطهر]، ثم ليطلقها إن شاء، فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء» (١)، وتلك إشارة إلى الطهر؛ لأنه الأقرب ذكرا، وليس بالقوي؛ لأن الإشارة إلى الحيضة المحتوشة بالطهر.

стр. 643

﴿وَاللاّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ إِنِ اِرْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللاّئِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً﴾ (٤) [الطلاق: ٤] خص به عموم العدة بالأقراء، وبأربعة أشهر وعشرا. ﴿أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ عَذاباً شَدِيداً فَاتَّقُوا اللهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً (١٠) رَسُولاً يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِ اللهِ مُبَيِّناتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ وَيَعْمَلْ صالِحاً يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً قَدْ أَحْسَنَ اللهُ لَهُ رِزْقاً﴾ (١١) [الطلاق: ١٠، ١١] قيل: الذكر هو الرسول؛ لتفسيره به بدلا منه. وقيل: الذكر القرآن، والمعنى أنزل ذكرا وأرسل رسولا، أو على حذف المضاف، أي: ذا ذكر رسولا. ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللهَ قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً﴾ (١٢) [الطلاق: ١٢] قيل: المثيلة في عظمة الخلق وأثره القدرة. وقيل: في الكمية، أي: ومن الأرض سبع مثلهن. والأشبه إرادة الأمرين؛ لأن الأرضين عظيمة الخلق وهن سبع لقوله ﷺ : «من ظلم شبرا من أرض طوقه [يوم القيامة] من سبع أرضين، أو خسف به إلى سبع أرضين» (١). ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللهَ قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً﴾ (١٢) [الطلاق: ١٢] هذا تعليل لخلق السماوات والأرض بعلم المكلفين كمال قدرة الله- -وعلمه، أي خلق ذلك لتعلموا، فإن يكن الأمر كذلك فتحته سر عجيب، وإلا فاللام للعاقبة، أو للأمر، أي: اعلموا ذلك، أو خلقهن لتكون عاقبتكم العلم بكمال القدرة بواسطة النظر، والأشبه الأول. ...

стр. 644

القول في سورة التحريم ﴿إِنْ تَتُوبا إِلَى اللهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ﴾ (٤) [التحريم: ٤] تعلقت الرافضة [لعنهم الله] بذلك على عائشة وحفصة؛ لأنهما تظاهرتا على الرسول، والتظاهر على الرسول حرام، وبسبب هذا التظاهر وإفشاء سره غضب وآلى من نسائه شهرا معتزلا لهن، وقيل: قد طلق رسول الله ﷺ نساءه. قوله : ﴿وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ﴾ (٤) [التحريم: ٤] قيل: أبو بكر وعمر. وقيل: علي، والصواب أنه أعم من ذلك، وهو كل من جمع صفتي الإيمان والصلاح، ومولاه ناصره بقرينة مقابلته ب ﴿تَظاهَرا عَلَيْهِ﴾ وترتيب هذه الآية يقتضي أن الأنبياء أفضل من خواص الملائكة؛ لتقدم ذكر النبي ﷺ على جبريل، وخواص الملائكة كجبريل أفضل من عامة البشر، وعامة البشر أفضل من عامة الملائكة، غير أن العطف فيها الواو، وهى لا تقتضي ترتيبا. ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً وَقُودُهَا النّاسُ وَالْحِجارَةُ عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ لا يَعْصُونَ اللهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ (٦) [التحريم: ٦] فيه/ [٤٢٥/ل] عصمة الملائكة كما مر.

стр. 645

نُورَنا وَاِغْفِرْ لَنا إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٨) [التحريم: ٨] لا معصية بعدها، وفيه إيجاب التوبة؛ لأنها بمنزلة التدارك والجبر لما أضيع من حق الرب- . ﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَتَ نُوحٍ وَاِمْرَأَتَ لُوطٍ كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللهِ شَيْئاً وَقِيلَ اُدْخُلا النّارَ مَعَ الدّاخِلِينَ﴾ (١٠) [التحريم: ١٠]، زعمت الرافضة [لعنهم الله] أنه تعرض بعائشة وحفصة، وأنهما كامرأتي نوح ولوط في النار لتظاهرهما على رسول الله ﷺ وأذاهما له، وزعموا [لعنهم الله] أن عائشة رضي الله تعالى عنها كان بينها وبين عثمان شيء، فنزغ لها بهذه الآية معرضا بها، فحقدت عليه، ثم لم تزل تؤلب الناس عليه حتى قتلوه، ثم إنها ندمت مع كراهتها إمرة علي، فخرجت تطلب بثأره. وأجاب الجمهور: بأن هذا كله لم يكن منه شيء وهو كذب مختلق، وإجماع أهل الحق على أنهما زوجتاه في الجنة لا يعارضه شيء مما ذكروه. ...

стр. 646

القول في سورة الملك ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ (٢) [الملك: ٢] فيه تعليل الأفعال. ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ﴾ (٣) [الملك: ٣] أي: خلل واضطراب وخروج عن وجه الحكمة. ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَجَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ وَأَعْتَدْنا لَهُمْ عَذابَ السَّعِيرِ﴾ (٥) [الملك: ٥] هاتان حكمتان لخلق النجوم: زينة وحراسة. والثالثة: الهداية يهتدى بها في ظلمات البر والبحر، كما قال الشاعر: فيها معالم للهدى ومصابح ... تجلو الدجى والأخريات رجوم ولعل الإشارة بكونها مصابيح إلى اهتداء الخلق بها كما يهتدى بالمصباح، فتكون الآية قد جمعت فوائد النجوم الثلاث. ﴿تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُها أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾ (٨) [الملك: ٨]، احتج به المرجئة على أنه لا يدخل النار إلا كافر، وأنه لا عذاب على أهل الإيمان طائع ولا عاص، بناء على أن الإيمان حسنة لا تضر معها سيئة، وعكسه؛ لأنّ الله- -أخبر أن كل فوج يلقى فيها يعترف بالكفر. والجواب: أن المعنى: كلما ألقي فيها فوج من الكفار سئلوا فاعترفوا بالكفر بدليل ما قبله. ﴿وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (٦) [الملك: ٦] ثم استطرد ذلك في وصف حال الكفار. ﴿وَقالُوا لَوْ كُنّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ما كُنّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ﴾ (١٠) [الملك: ١٠] الآيتين، احتج به الفريقان، أما الجمهور فلنفيهم عن أنفسهم السمع والعقل، ما ذاك إلا لما خلق في قلوبهم من دواعي الكفر/ [٤٢٦/ل] والصوارف عن الإيمان، فصاروا مجبورين جبرا عقليا. وأما المعتزلة فلقوله- : ﴿فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقاً لِأَصْحابِ السَّعِيرِ﴾ (١١)

стр. 647

[الملك: ١١] / [٢٠٦ أ/م] ولو كان خالقا لأفعالهم أو جابرا لهم لما كان لهم ذنب. وجوابه: بل الذنب لهم باعتبار كسبهم أو خلقهم على تقدير التفويض إليهم. ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (١٤) [الملك: ١٤] فيه تقديران: أحدهما: أن «من» فاعل أي ألا يعلم الخالق مخلوقه. والثاني: أنها مفعول أي: [ألا يعلم هو من خلق، أي: ] ألا يعلم هو مخلوقه، فالفاعل مضمر على هذا، والمفعول محذوف على الأول. ويحتج به على أمور: أحدها: أن خلق الشيء يستلزم العلم به، أي: أن العلم من لوازم الخلق؛ لأن معنى الآية، إن سركم وجهركم مخلوق لي فكيف لا أعلمه، وهو يفيد ما قلنا، ولأن خلق الشيء يستلزم القصد إليه، والقصد إليه يستلزم العلم به وبغايته. فإن قيل: هذا ينتقض بالنحل والعنكبوت والنمل ونحوها يفعل أفعالا محكمة، ولا قصد لها فلا علم لها. فالجواب من وجهين: أحدهما: أن الكلام في الخلق الاختراعي، وهذه الأشياء لا خلق لها، بل أفعالها وغيرها مخلوقة لله- . الثاني: أنها تقصد إلى فعلها وتعلم غايته بإلهام من أعطى كل شيء خلقه ثم هدى، ونعلم قطعا أن النحل لولا علمها بمنفعة بيتها وأنه يصلح لسكناها إياه لما بنته. الأمر الثاني: أنه- -عالم بكليات الأشياء كالأجناس والأنواع والأصناف بالإجماع، أما علمه بالجزئيات كالأعيان الشخصية فأثبته المتكلمون، [ونفاه الفلاسفة]. [احتج المتكلمون] بأن الجزئيات مخلوقة له- -وكل مخلوق معلوم، أما الأولى فبالإجماع على أن لا خالق غير الله- -وأما الثانية فلما مر من أن العلم بالشيء من لوازم خلقه؛ ولأن المخلوق عالم بالجزئيات، فلو لم يكن الخالق عالما بها لكان المخلوق أكمل منه، وإنه محال. احتج به الفلاسفة بأنه- -لو علم الجزئيات للزم وقوع التغير في ذاته، واللازم باطل فالملزوم كذلك؛ بيان الملازمة أن العلم حصول صورة المعلوم في ذات العالم، والجزئيات تتغير وتنتقل أحوالها، فلو علمها لحصل في ذاته بحسب كل حال من أحوال الجزء صورة غير صورته بحسب الحال الأخرى، وذلك يقتضي تغاير صور الجزئيات على

стр. 648

ذاته، وأما بطلان اللازم فللإجماع والبرهان على أن ذاته- -لا يلحقها التغير؛ ولأنه إذا كان زيد في المسجد علمه كذلك، فإذا خرج زيد فإن استمر علمه أنه في المسجد لزم انقلاب العلم الأزلي جهلا، وإنه حال، وإن/ [٤٢٧/ل] لم يستمر لزم التغير في/ [٢٠٦ ب/م] ذاته وإنه محال، وهذا بخلاف الكليات، فإنها لا تتغير فلا يلزم من العلم بها التغير في ذاته، . والجواب: أن هذا كله مبني على أن العلم حصول صورة المعلوم في ذات العالم وهو ممنوع عندنا، وإنما العلم إضافة نسبية تعليقية بين العالم والمعلوم أعني: تعلق العلم بالمعلوم والإضافة أمر عدمي؛ فالتغير الحاصل من العلم بالجزئيات واقع في تلك الإضافة العدمية، لا في الذات الإلهية، بمعنى أن تعلق العلم بكون زيد في المسجد غير تعلقه بكونه خرج منه، أو نقول: إن العلم الأزلي تعلق بأحوال زيد المتغايرة في أوقاتها، فتعلق بكونه في المسجد وقت كذا، وبكونه خارجا عنه وقت كذا، وبكل حال يندفع المحذور الذي ذكرتموه، ولا يلزم ما ألزمتموه. الأمر الثالث: أن المخلوق كالإنسان لا يخلق شيئا لا أفعاله ولا غيرها؛ لأنه قد تقرر أن العالم بالشيء من لوازم خلقه، فلو خلق الإنسان فعله مثلا لعلمه جملة وتفصيلا، كما وكيفا وغاية، لكن اللازم باطل؛ إذ نرى الإنسان يتكلم كلاما لا يعلم عدد حروفه ولا كلماته ولا خواص تركيبه ومعانيه، ويمشي مشيا لا يعلم عدد خطواته، ولا ما تنتهي إليه غايته. وعلى هذا النمط جميع أفعاله لا يعلم تفاصيلها؛ فدل على أنه غير خالق، وإنما غايته أن يكون كاسبا، ومن هذا أن الأبوين لا يخلقان الولد لعدم علمهما بذاته وغايته جملة وتفصيلا. ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَناكِبِها وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ (١٥) [الملك: ١٥] دل على أن لا رازق سواه، والخصم يمنع ذلك ويقول: بل أمرهم أن يأكلوا من رزقه، وهو الحلال، لا من رزق غيره وهو الحرام الذي يرزقونه أنفسهم بالأسباب الباطلة والأكساب الخبيثة، وقد سبق القول في ذلك. ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَناكِبِها وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ (١٥) [الملك: ١٥] أي: المرجع، وهو إثبات الحشر والمعاد.

стр. 649

﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذا هِيَ تَمُورُ﴾ (١٦) [الملك: ١٦] الآيتين، يحتج بهما من أثبت الجهة؛ لأنه إنما توعدهم بفعله، وقد أخبر أنه في السماء. وأجاب الخصم بأنه لا يلزم من توعدهم بفعله أن يكون في السماء لجواز أن يكون الفعل له بأمره والمباشرة له ملائكة السماء كما يقال في الشاهد، لمن جنى جناية: أأمنت من في القلعة أن يعاقبك، وقد يكون الذي في القلعة نائب السلطان أو بعض جنده، والسلطان لعله حينئذ في البر أو البحر، أو لا يدرى أين هو. واعلم أن ظاهر الآية مع مثبتي الجهة، وإنما الخصم/ [٢٠٧ أ/م] يعارضهم بالدليل القاطع عنده فيحتاج إلى تأويلها. ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافّاتٍ وَيَقْبِضْنَ ما يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ الرَّحْمنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ﴾ (١٩) [الملك: ١٩]، اختلف في كيفية إمساك الطير فوقهم، فعند المتكلمين: لأنه- -خلق له آلة التماسك في الهواء أو القوة عليه. وعند الفلاسفة: لأنه- -غلب فيه الاسطقص أي: العنصر الهوائي فخف بخفة الهواء فتماسك، كما غلب في البهائم الجزء الترابي؛ فثقلت فرسبت ولزمت الأرض. وعند الاتحادية: أنه سرى فيها بذاته فحملها في الهواء، فحركتها تابعة لحركته، فهي في الحركة تابعة لا مستقلة، وإليه الإشارة بقوله / ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ ما مِنْ دَابَّةٍ إِلاّ هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٥٦) [هود: ٥٦] كما صرح به ابن العربي في «الفصوص». ﴿أَمَّنْ هذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ﴾ (٢١) [الملك: ٢١]، تدل على أن لا رازق سواه- -لأنها تضمنت أنه- -إن رزق فلا ممسك، وإن أمسك فلا رازق، وهو دليل الاستبداد بالرزق، وليس لأهل الاعتزال إلا أن يتأولوه على أن أمسك رزقه الحلال، وهو تمحل ومحال. ...

стр. 650

القول في سورة (ن) ﴿ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ﴾ (١) [القلم: ١] يعني الملائكة الكرام الكاتبين والسفرة الكرام البررة. ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ (٧) [القلم: ٧] لأنه الذي خلق ضلالهم وهداهم، ألا يعلم من خلق. ﴿إِنّا بَلَوْناهُمْ كَما بَلَوْنا أَصْحابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ﴾ (١٧) [القلم: ١٧] الآيات يحتج بهذه القصة على ما يذكره الفقهاء من المعاقبة بنقيض القصد، كالقاتل مورثه يمنع الإرث، والمطلق زوجته في مرض موته تورث منه، والفار من الزكاة بحيلة لا تسقط عنه؛ لأن أصحاب الجنة قصدوا حرمان المساكين فحرموا. ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ (٤٢) [القلم: ٤٢] اختلف في الساق؛ فعند المحدثين ومن تابعهم: هي صفة لله- -يكشف عنها يوم القيامة، فيسجد لها المؤمنون. وجاء في الحديث: «فيكشف عن ساقه فيخرون سجدا» (١) وعند غيرهم أن ذلك تجسيم، فتأولوه على شده الأمر ذلك اليوم، كما يقال: كشفت الحرب عن ساقها، وقامت الحرب بنا على ساق. . . . ... وإن شمرت يوما له الحرب شمرا [قالوا: وما ذهب إليه/ [٢٠٧ ب/م] المحدثون لا يستقيم إلا على رأي الاتحادية، وهو أن الله- -يظهر بمظاهر الأجسام، فحينئذ يصح أن يكون له ساق يكشفها]. وأجاب المحدثون: بأن هذا إنما يلزمنا أن لو أثبتنا الساق جارحة جسمانية، ونحن إنما تثبتها صفة لله- -على ما يليق به، ولا يلزمه منه نقص بوجه، وهكذا قولهم في سائر نصوص الصفات، كما سبق. ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نادى وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾ (٤٨) [القلم: ٤٨] الآيتين، يعني ذا النون، وهو يونس بن متى-﵇-فيقال: إن النبي ﷺ لما نزلت هذه الآية؛ قال: «لا تفضلوني على يونس؛ من قال: أنا خير من يونس بن متى فقد

стр. 651

كذب» خشية أن يطمع طامع بهذه الآية فيغض من منصب يونس، فحسم النبي ﷺ هذه المادة. وقيل: إنه قال ذلك قبل أن يعلم أنه خير من يونس وغيره. وقيل: قال ذلك في مقام التواضع، والإنسان له مقامان مقام تواضع يهضم فيه حق نفسه كهذا المقام، ومقام افتخار يستوفي حق نفسه أو بعضه فيه، كقوله ﷺ : «أنا سيد ولد آدم ولا فخر» (١) وعلى نحو هذا تأولت الشيعة [لعنهم الله] قول علي-﵁: «خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر، ولو شئت سميت الثالث» وقوله لابن الحنفية في نحو هذا: ما أبوك إلا رجل من المسلمين. ﴿لَوْلا أَنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَراءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ﴾ (٤٩) [القلم: ٤٩] قد علم أن لولا تقتضي امتناع الشيء لوجود غيره، والذي امتنع هاهنا لوجود النعمة هو نبذه بالعراء مذموما لا مجرد نبذه بالعراء وهو الصحراء، لأنه قد وجد بدليل: ﴿*فَنَبَذْناهُ بِالْعَراءِ وَهُوَ سَقِيمٌ﴾ (١٤٥) [الصافات: ١٤٥] فدل على أنه نبذ بالعراء مجردا عن صفة الذم، بدليل: ﴿فَاجْتَباهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ (٥٠) [القلم: ٥٠] ومن يكون مجتبي صالحا لا يكون مذموما، وسقط بهذا [التعلق عن] يونس ﵊. ...

стр. 652

القول في سورة الحاقة ﴿فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ﴾ (١٣) [الحاقة: ١٣] هذه نفخة البعث في وقتها الخاص، بدليل تنزيل الملائكة وظهور عرش الرحمن- ﷻ -وإلا فقد سبق أن النفخات ثلاث: نفخة الفزع، والصعق، والبعث. ﴿وَالْمَلَكُ عَلى أَرْجائِها وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ﴾ (١٧) [الحاقة: ١٧] هاهنا اسم جنس، والحملة: يومئذ ثمانية وقبله أربعة كما ورد، ويستدل به على أن العرش السرير لا الملك لاستغنائه عن حاصل، ولا تظنن أن الله- -يحتاج إلى من يحمله، بل الله- -يحمل بقدرته العرض وحملته، وإنما حملهم للعرض كأنه على جهة التعبد والخدمة والتعظيم، على أن/ [٢٠٨ أ/م] إنما تضمنت حملهم للعرش لا للرب ، فيحتاج إلى إثبات أن الرب- -حينئذ فوق العرش بذاته، حتى يلزم أنه محمول بواسطة حمل العرش، لكن ذلك محمل نزاع قد سبق غير مرة. ﴿فَأَمّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هاؤُمُ اِقْرَؤُا كِتابِيَهْ﴾ (١٩) [الحاقة: ١٩] الآيات فيها إثبات أخذ الكتب باليمين والشمال وهو علامة الفوز، والهلاك. وفيها إثبات العرض والحساب على العموم، وحساب الكفار على الخصوص، خلافا لأكثر الحنابلة في أنهم لا يحاسبون.

стр. 653

[الكهف: ٤٩] الآيات ونحوها تدل على حساب الكافر، ولأن المقصود بالحساب تحقيق العدل، وهو بالكافر أولى كشفا لشبهته وإزالة لتهمته. احتجوا بأن فائدة الحساب المقاصة، بحيث إن من فضل له أثيب، ومن فضل عليه عوقب، وهذا منتف في حق الكافر؛ إذ مع الكفر لا شيء له يفضل فالنار متعينة له بغير حساب ورووا عن ابن عمر حديثا مرفوعا يشير إلى ذلك. والجواب: لا نسلم أن فائدة الحساب ما ذكرتم، بل تحقيق العدل كما قلناه، وهو يقتضي حسابه، وأما حديث ابن عمر فلو كان نصا فيما ادعوه لما عارض ما ذكرناه من الدليل، فكيف وليس بنص، وفى الآيات المذكورة إثبات السلسلة، وهو من أحكام اليوم الآخر. ﴿فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ (٣٨) وَما لا تُبْصِرُونَ﴾ (٣٩) [الحاقة: ٣٨ - ٣٩] فيه إثبات عالم الغيب والشهادة كما سبق تفصيله في الأنعام. ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ (٤٠) [الحاقة: ٤٠] يحتج به من قال بخلق القرآن لإضافته إلى الرسول [ ﷺ بأنه] قوله، وعورض بما بعده: / [٤٣٠/ل] ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ (٤٣) [الحاقة: ٤٣] وإنما أضيف إلى الرسول باعتبار أنه مبلغ له لا منشئ مبتدئ. ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ﴾ (٤٤) [الحاقة: ٤٤] الآيات فيه تصديق النبي ﷺ فيما جاء به ونفي الكذب عنه، وأنه لو كان متقولا لما أقر، ولا أهمل ولا أمهل. ...

стр. 654

القول في سورة المعراج ﴿مِنَ اللهِ ذِي الْمَعارِجِ﴾ (٣) [المعارج: ٣] تدل على علو وارتفاع، ثم هل هو حسي أو عقلي؟ على الخلاف بين مثبتي الجهة ونفاتها؛ فيحتج مثبتوها بقوله- / [٢٠٨ ب/م]: ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ (٤) [المعارج: ٤]. ﴿فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ إِنّا لَقادِرُونَ (٤٠) عَلى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْراً مِنْهُمْ وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ (٤١) [المعارج: ٤٠، ٤١] أي: خلقا ننشئه نحو: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ (١٩) [إبراهيم: ١٩] والتناسخية حملوه على نظيره في سورة الواقعة. واحتجوا به وقد سبق القول عليهم]. ...

стр. 655

القول في سورة نوح ﴿وَاللهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً (١٧) ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيها وَيُخْرِجُكُمْ إِخْراجاً﴾ (١٨) [نوح: ١٧ - ١٨] هذا من أدلة البعث، وهو أحسن ما مر بنا؛ إذ فيه استواء الأصل والفرع في النبات، أي هو- أنبتكم من الأرض أولا، وكذلك ينبتكم منها آخرا، ومعنى الإنبات الإنشاء وهو أنشأكم من الأرض مبديا كذلك ينشئكم منها معيدا. ﴿وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيراً وَلا تَزِدِ الظّالِمِينَ إِلاّ ضَلالاً﴾ (٢٤) [نوح: ٢٤] هذا من نوح كقول موسى: ﴿وَقالَ مُوسى رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوالاً فِي الْحَياةِ الدُّنْيا رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اِطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ وَاُشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ﴾ (٨٨) [يونس: ٨٨] لعله كان بوحي أو إذن. ﴿مِمّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا ناراً فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْصاراً﴾ (٢٥). [نوح: ٢٥] يحتج به على ما مرّ منه عرضهم على النار غدوا وعشيا، وعذاب البرزخ؛ لتعقيب إغراقهم بإدخالهم النار فهم الآن فيها، وهو لا في الدنيا ولا في الاخرة بعد القيامة، فهم في الواسطة بينهما وهي البرزخ. ...

стр. 656

القول في سورة الجن ﴿يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنّا بِهِ﴾ [الجن: ٢] يدل على أن في الجن مسلمين مؤمنين بالقرآن موحدين؛ لقولهم: ﴿يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً﴾ (٢) [الجن: ٢]. ﴿وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللهُ أَحَداً﴾ (٧) [الجن: ٧] يشير إلى أن في الجن من ينكر البعث كالكفار من الإنس. ﴿وَأَنّا لَمَسْنَا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً﴾ (٨) [الجن: ٨] ظاهرها أنهم في استراق السمع يبلغون السماء مباشرين لها بأجسامهم لمسا ونحوه، ويحتمل أن المراد كشفنا طريق السماء فوجدناه قد سد على مسترقي السمع، وفيه أن الحرس غير الشهب؛ لأن عطف أحدهما على الآخر يقتضي ذلك، فالحرس ملائكة والشهب نجوم، فيشبه أن الملك يرمي الشهاب رمي الجندي بالنشاب. وفيه حكاية مأثورة تقتضي ذلك. ﴿وَأَنّا مِنَّا الصّالِحُونَ وَمِنّا دُونَ ذلِكَ كُنّا طَرائِقَ قِدَداً﴾ (١١) [الجن: ١١] يقتضي انقسام الجن إلى صالح وأصلح، أو إلى صالح وطالح كالإنس. ﴿وَأَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً﴾ (١٥) [الجن: ١٥] يحتج بها الشيعة [أبعدهم الله من رحمته] على معاوية ومن شايعه على قتال علي؛ لأن النبي ﷺ أمره بقتال المارقين وهم الخوارج، والناكثين وهم أهل الجمل، والقاسطين وهم معاوية وأصحابه، فإذن هؤلاء القاسطون بالحديث/ [٤٣١/ل]، والقاسطون حطب جهنم بالآية، فهؤلاء حطب جهنم. وأجاب الجمهور: بأنا لا نسلم صحة الحديث، ولا أن معاوية كان من/ [٢٠٩ أ/م] القاسطين، ولو سلمناه، لم نسلم عموم الآية في كل قاسط، بل هي لقاسطين معهودين من الجن أو غيرهم. ﴿وَأَنْ لَوِ اِسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً (١٦) لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذاباً صَعَداً﴾ (١٧) [الجن: ١٦، ١٧] يدل على أن النعمة قد تكون سبب الفتنة، وأن الله- -يقصد الفتنة بالنعمة، وهو الاستدراج [كما سبق].

стр. 657

﴿وَأَنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللهِ يَدْعُوهُ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً﴾ (١٩) [الجن: ١٩] فيها فوائد: منها: أن بعضهم ذهب إلى أن عبد الله اسم من أسماء النبي ﷺ والصحيح أنه إضافة له بالعبودية لا اسم علم. ومنها: أنه ﷺ دعا الجن تلا عليهم القرآن، وأنهم سمعوا ذلك، وازدحموا عليه حتى كاد يتلبد بعضهم على بعض. ومنها: أنه ﷺ وصف بالعبودية في أشرف مقاماته وهى مقامه هذا في تبليغ القرآن، ومقامه في إثبات نبوته بمعجز القرآن في قوله- : ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَاُدْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (٢٣) [البقرة: ٢٣] ومقامه في الإسراء والوحي إليه في السماء في ﴿سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (١) [الإسراء: ١]، ﴿فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى﴾ (١٠) [النجم: ١٠]. وفى نحو هذا يقول القائل: لا تدعني إلا بيا عبدها ... فإنه أشرف أسمائي وفي ذلك يقول علي-﵁: حسبي عزا أن تكون لي ربا، وحسبي فخرا أن أكون لك عبدا. ﴿إِلاّ بَلاغاً مِنَ اللهِ وَرِسالاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَداً﴾ (٢٣) [الجن: ٢٣] مع ما سبق من قول موسى ﵇: ﴿أَلاّ تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ (٩٣) [طه: ٩٣] ينتظم قياسا هكذا: مخالف الأمر عاص والعاصي معاقب، فمخالف الأمر معاقب، وهو يقتضي أن الأمر للوجوب.

стр. 658

والمنجمين في بعض الأحيان وأصحاب الرؤيا والزجر والفأل ومسترقي السمع، وأشباههم؛ جميع هؤلاء يظهرهم الله على بعض غيبه، بدليل: ﴿اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاّ بِما شاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ (٢٥٥) [البقرة: ٢٥٥]. ﴿إِلاّ مَنِ اِرْتَضى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً (٢٧) لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ وَأَحاطَ بِما لَدَيْهِمْ وَأَحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً﴾ (٢٨) [الجن: ٢٧، ٢٨] [ظاهره أن الرصد ملائكة بين يدي النبي وخلفه يرفعون عنه أنه قد أبلغ الرسالة، وأنه- -لا يعلم ذلك بدون هذا الرصد، لكن هذا الظاهر متروك بالإجماع، والبرهان على أنه- -ليس يعزب عن علمه شيء في الأرض/ [٢٠٩ ب/م] ولا في السماء، فيجب تأويل هذا الظاهر على] أن هذا الرصد من الملائكة معقبات يحفظونه عن أعدائه من باب: ﴿*يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ﴾ (٦٧) [المائدة: ٦٧] ومعنى: ﴿لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ وَأَحاطَ بِما لَدَيْهِمْ وَأَحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً﴾ (٢٨) [الجن: ٢٨] أي: ليجازيهم على إبلاغهم الرسالات، ويجزي أممهم على الطاعة ثوابا، وعلى المعصية عقابا، فيصير نظم المعنى هكذا: إلا من ارتضى من رسول، وأنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا يحرسونه، وليجزيهم على الإبلاغ وأممهم على القبول، أو الرد بما يستحقونه، أو على غير هذا التأويل. ...

стр. 659

القول في سورة المزمل ﴿إِنّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً﴾ (٥) [المزمل: ٥] يحتمل أن المراد ثقيل على الكفار طاعته والإيمان به، أو ثقيل على المكلفين امتثاله، أو يخلق الله- -عند نزوله ثقلا، كما روي أن سورة الفتح لما نزلت مرجع النبي ﷺ من الحديبية كادت قوائم ناقته تندق من تحته لثقل ما أنزل عليه، وربما احتج بظاهره من يقول بخلق القرآن؛ لأن الثقيل ذات قام بها الثقل، [وكل ذات قام بها الثقل]-جسم؛ فالقرآن جسم، وكل جسم مخلوق. لكن هذا سفسطة ومكابرة للحس والضرورة، فلا يستحق جوابا. ﴿إِنّا أَرْسَلْنا إِلَيْكُمْ رَسُولاً شاهِداً عَلَيْكُمْ كَما أَرْسَلْنا إِلى فِرْعَوْنَ رَسُولاً (١٥) فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْناهُ أَخْذاً وَبِيلاً﴾ (١٦) [المزمل: ١٥، ١٦] هذا هو المثال المشهور في لام العهد، وهو رجوع المعرف إلى منكر سابق. وقد حكى ابن الخشاب عن بعض أهل العلم: أن اللام إن كان هناك معهود تعينت له وإلا فهي للجنس. ﴿* إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللهِ وَآخَرُونَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَقْرِضُوا اللهَ قَرْضاً حَسَناً وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً وَاِسْتَغْفِرُوا اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢٠) [المزمل: ٢٠] أي: بما أحكمه وأتقنه من دوران الفلك ومجاري النجوم فيه، وإيلاج الليل في النهار والنهار في الليل، وأخذ أحدهما من الآخر. واعلم أن الليل والنهار هما الزمان؛ لقول الشاعر: هل الدهر إلا ليلة ونهارها ... وإلا طلوع الشمس ثم غيارها فينتظم قياس هكذا: الليل والنهار هما الزمان، والله- -يقدر الليل والنهار؛ ينتج من الشكل الرابع: الله- -هو يقدر الزمان، وحينئذ يكون الزمان مخلوقا، وكل مخلوق حادث، فالزمان حادث؛ خلافا للفلاسفة في قدمه، وقد سبق القول عليهم في ذلك.

стр. 660

﴿*إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللهِ وَآخَرُونَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَقْرِضُوا اللهَ قَرْضاً حَسَناً وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً وَاِسْتَغْفِرُوا اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢٠) [المزمل: ٢٠] هذا عقب ما قبله من الأمر بالأعمال الصالحة يشير إلى ما مر في سورة النور عند: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاّ ما ظَهَرَ مِنْها وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبائِهِنَّ أَوْ آباءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنائِهِنَّ أَوْ أَبْناءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَواتِهِنَّ أَوْ نِسائِهِنَّ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ أَوِ التّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ ما يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٣١) [النور: ٣١] من مشروعية التوبة والاستغفار من [٢١٠ أ/م] الأعمال الصالحة لما قرر هناك، وفى هذا هاهنا نظر؛ لاحتمال أنه أمر مجرد بالاستغفار ليس المراد به ما ذكر. ...

стр. 661

القول في سورة المدثر ﴿فَإِذا نُقِرَ فِي النّاقُورِ (٨) فَذلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ (٩) [المدثر: ٨، ٩] إن قيل: هذا تقديره: فذلك في يومئذ/ [٤٣٣/ل] يوم، فيلزم أن يكون اليوم في يوم فيكون للزمان زمان، وإنه محال. والجواب أن تقديره «فذلك» أي: فالنقر يومئذ نقر يوم عسير على تقدير حذف المضاف، وهو سؤال وجواب في الإعراب جيدان. ﴿إِنْ هذا إِلاّ قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥) سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ (٢٦) [المدثر: ٢٥، ٢٦] احتج به من يرى قدم القرآن المسموع، لأنه- -توعد من قال: إنه قول البشر بإصلاء سقر، وذلك يقتضي أنه ليس قول البشر، فهو قول الله- -فلا يكون مخلوقا، فيكون قديما لأنه صفة القديم. وأجاب الخصم بأن بين البشر وبين الله- -الملك، فلم لا يجوز أن يكون قوله، بدليل: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ (٤٠) [الحاقة: ٤٠] سلمنا أنه قول الله- -فلم لا يجوز أن يكون صفة فعلية؟ وكل صفة فعلية مخلوقة. [قال بعض العلماء المحققين المتأخرين-رضي الله تعالى عنهم] حكاية غريبة: أخبرني الشيخ الصالح جمال الدين المعدني الحنبلي بالقاهرة قال: أنشد بحضرة الشيخ الإمام العالم بهاء الدين ابن النحاس الحلبي النحوي، أو أنشد قول القائل: لو قيل: كم خمس لاغتدى ... يوما وليلته يعد ويحسب ويقول: معضلة عجيب أمرها ... ولئن هديت لها لأمري أعجب حتى إذا خدرت يداه وعورت ... عيناه مما قد يخط ويكتب أوفى على شرف وقال: ألا انظروا ... ويكاد من فرح يجب ويسلب خمس وخمس ستة أو سبعة ... قولان قالهما الخليل وثعلب فجعل الحاضرون يتعجبون منها ومن غرابة وصفها، فقال الشيخ بهاء الدين: مم تتعجبون؟ فإن مثل هذا في كتاب الله- -ثم تلا: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (١٨) فَقُتِلَ﴾

стр. 662

كَيْفَ قَدَّرَ (١٩) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (٢٠) ثُمَّ نَظَرَ (٢١) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (٢٢) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاِسْتَكْبَرَ (٢٣) فَقالَ إِنْ هذا إِلاّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤) إِنْ هذا إِلاّ قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥) [المدثر: ١٨ - ٢٥]. قلت: [وهذا تنظير] حسن مطابق، وكلاهما راجع في المعنى إلى قولهم: سكت ألفا ونطق خلفا. ﴿عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ (٣٠) [المدثر: ٣٠] قيل: إنما كانوا تسعة عشر؛ لأن الليل والنهار أربع وعشرون ساعة، عليها في كل/ [٢١٠ ب/م] ساعة ملك إلا ساعات المكتوب الخمس فإنها [تخمد أو تغلق] فلا تحتاج إلى سادن، فلا تبقى إلا تسع عشرة ساعة عليها فيهن تسعة عشر ملكا. ﴿وَما جَعَلْنا أَصْحابَ النّارِ إِلاّ مَلائِكَةً وَما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ إِلاّ فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَيَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيماناً وَلا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكافِرُونَ ماذا أَرادَ اللهُ بِهذا مَثَلاً كَذلِكَ يُضِلُّ اللهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاّ هُوَ وَما هِيَ إِلاّ ذِكْرى لِلْبَشَرِ﴾ (٣١) [المدثر: ٣١] فيه أن الله- -يقصد فتنة من يشاء وضلاله ويفعل أسبابه. ﴿وَما جَعَلْنا أَصْحابَ النّارِ إِلاّ مَلائِكَةً وَما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ إِلاّ فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَيَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيماناً وَلا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكافِرُونَ ماذا أَرادَ اللهُ بِهذا مَثَلاً كَذلِكَ يُضِلُّ اللهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاّ هُوَ وَما هِيَ إِلاّ ذِكْرى لِلْبَشَرِ﴾ (٣١) [المدثر: ٣١] فيه قبول الإيمان [٤٣٤ ل] للزيادة والنقصان. ﴿ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ (٤٣) [المدثر: ٤٢ - ٤٣]، يحتج بها على تكليف الكفار بفروع الإسلام؛ لأنهم عللوا سلكهم في سقر بتركهم الصلاة والزكاة وبالتكذيب بيوم الدين وما بينهما، ولولا تكليفهم بالصلاة لما صلح تركها جزء علة للعقاب. واعترض الخصم بأن معناه، لم نكن من أهل الصلاة؛ أي: من المؤمنين.

стр. 663

وأجيب بأنه خلاف الظاهر بغير دليل، ثم هو مع قولهم: ﴿وَكُنّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ (٤٦) [المدثر: ٤٦] فيه ضرب من التكرار فلا يحمل عليه، وقد سبقت المسألة في أول سورة «المصابيح». ﴿فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشّافِعِينَ﴾ (٤٨) [المدثر: ٤٨] دليل خطابه أنها تنفع غيرهم من عصاة المؤمنين خلافا للمعتزلة. ...

стр. 664

القول في سورة القيامة ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ﴾ (١) [القيامة: ١] فيه إثباتها، ثم قيل: لا زائدة، وقيل: المعنى، لا أقتصر على القسم بيوم القيامة بل أقسم بأعظم منه، والقولان جاريان في نظائره نحو: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ﴾ (١٦) [الانشقاق: ١٦]، ﴿لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ﴾ (١) [البلد: ١] ﴿وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ﴾ (٢) [القيامة: ٢] المذكور في القرآن، هذه والنفس الأمارة والنفس المطمئنة، فاللوامة تلوم على فعل الشر، والأمارة تأمر به، والمطمئنة ساكنة لما وعدت ومتواضعة لقبول ما به أمرت، خاضعة تحت مجاري الأقدار، خاشعة لله الواحد القهار. ثم قيل: هي ثلاث نفوس على ظاهر القرآن، وقيل: نفس واحدة لها ثلاث قوى أو ثلاثة أحوال، تارة تلوم، وتارة أمر، وتارة تطمئن، والله- -أعلم بخلقه. ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ (٣) بَلى قادِرِينَ عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ﴾ (٤) [القيامة: ٣، ٤] هذا إثبات للبعث خلافا لمنكريه، وأحال الله- -هاهنا على مجرد القدرة، ثم برهن عليه في آخر السورة. ﴿بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسانُ لِيَفْجُرَ أَمامَهُ (٥) يَسْئَلُ أَيّانَ يَوْمُ الْقِيامَةِ﴾ (٦) [القيامة: ٥ - ٦] تتعلق به الملاحدة ونحوهم على أن لا حقيقة للبعث، وإنما هو تخويف للناس لئلا ييأسوا من المعاد فيفجروا ويتظالموا فيفسد النظام. والجواب/ [٢١١ أ/م] أن ما ذكره لا ينفي وقوع البعث، وقد دلت عليه قواطع السمع والعقل، والتخويف بالشيء لا يمنع وقوعه.

стр. 665

عز وجل-حيث ذكرهما قدم الشمس، ولأنها أوسط مكانا في السماء وأعلى من القمر وأسعد منه. واحتج من فضل القمر بأنه مذكر، وهو أسرع حركة وجولانا في الفلك، ومدار الحساب على تمامه ونقصانه أكثر، وهو في ذلك أعجب، وهو أقل ضررا من الشمس ونحو هذا من الوجوه، ولا شيء منها يعارض ما ذكر للشمس. ﴿بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (١٤) وَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ﴾ (١٥) [القيامة: ١٤، ١٥] أي: يشهد على نفسه وتشهد عليه جوارحه كما مر، فلو اعتذر بما أمكنه لم ينفعه مع شهادة نفسه عليه. ﴿فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ﴾ (١٩) [القيامة: ١٨، ١٩] يحتج به على جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب؛ لأن ثم للتراخي، وقد دلت على تأخير البيان عن وقت القراءة، وقد سبق نظيره أول هود. ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ (٢٢) إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ (٢٣) [القيامة: ٢٢ - ٢٣] وهذه عمدة الجمهور في إثبات رؤية الله- -في الآخرة؛ لأن النظر المقرون بإلى يقتضي الرؤية لغة، وقد تضمنت الآية ذلك فكانت مقتضية للرؤية. واعترض المعتزلة بأن قالوا: النظر هاهنا مضاف إلى الوجوه وليست آلة للرؤية ولا محلا لها، سلمناه لكن لا يعلم أن اقتران النظر بإلى يقتضي الرؤية، بدليل قوله- : ﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَسْمَعُوا وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾ (١٩٨) [الأعراف: ١٩٨] فاقترن النظر بإلى مع نفي الإبصار والرؤية، سلمناه ولكن لا نسلم أن هاهنا حرف جر، وإنما هو اسم/ [٢١١ ب/م] وهو أحد الآلاء وهي النعم، نحو: معى وأمعاء، والتقدير وجوه يومئذ ناضرة، نعمة ربها ناظرة أو منتظرة؛ لأنها تفرح بما ترى من أمارات الثواب، وهي تراه وتنتظره، سلمناه لكن ما ذكرتموه إنما هو ظاهر في الرؤية فلا يعارض القاطع في نفيها، وهو أن الرؤية تقليب الحدقة إلى جهة المرئي واتصال شعاع البصر به وذلك مستلزم للجسمية، فالرؤية لا تتصور إلا على رأي المجسمة أو على رأي الاتحادية الذين يجيزون أن يظهر الحق- -في المظاهر والأطوار، فيظهر في مظهر جسماني/ [٤٣٦/ل] فيرى، كما ورد أنه يأتيهم في صورة ينكرونها ثم في صورة يعرفونها، ويكشف لهم عن ساقه فيخرون سجدا، لكن التجسيم والاتحاد باطلان عند الجمهور.

стр. 666

وأجيب عن الأول بأن الوجوه محل الإبصار والإبصار محل الرؤية وآلة لها، فالوجوه محل للرؤية وآلة لها، ودل على ذلك استعمال العرب كقول القائل: وجوه ناظرات يوم بدر ... إلى الرحمن تنتظر الفلاحا وقول الآخر: وفى يوم بدر قد رأيت وجوههم ... إلى الموت من وقع السيوف نواظرا فقد أضاف النظر إلى الوجوه، وعن الثاني بأن وضع اللغة أن النظر المقرر بإلى يقتضي الرؤية، فإن لم يكن موضوع اللغة فأكثر استعمال العرب عليه نحو قوله: نظرت إلى من حسن الله وجهه .... . . وقوله: نظروا إليك بأعين محمرة ... نظر التيوس إلى شفار الجازر وهو كثير، وهو يحصل المقصود؛ ولأن غلبة استعماله تدل على أنه الحقيقة. فأما: ﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَسْمَعُوا وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾ (١٩٨) [الأعراف: ١٩٨] فلم يكن عدم الإبصار لعدم اقتضاء اللفظ له، بل لأن المشار إليهم هم الأصنام وهم جماد ليس لهم آلة الإبصار كما سبق في آخر «الأعراف»، وعن الثالث بأنه خلاف المتبادر إلى فهم كل سامع، والصحابة ومن بعدهم إنما فهموا أن إلى حرف جر حتى ظهر المعتزلة بتأويله، ثم إن ما ذكروه لا يصح؛ لأن الكلام وهم في الجنة والنظر إلى النعيم فيها لا يعد نعمة؛ إنما ذلك الموضع محل تناول النعم والالتذاذ بها لا محل النظر إليها، وانتظارها هناك غير مناسب؛ لأن الانتظار-كما قيل يورث الصغار، ثم إن النعم في الجنة حاصلة فانتظار مناف لحصولها أو تحصيل الحاصل. قوله: ما ذكرتموه، ظاهر في الرؤية، قلنا: بل قاطع لتبادر الفهم/ [٢١٢ أ/م] إليه، وإجماع السلف على فهم الرؤية منه، وهم أهل العصمة الإجماعية واللسان العربي، سلمنا أنه ظاهر لكن لا نسلم أن عندكم قاطعا يعارضه. قوله: إن الرؤية تقليب الحدقة إلى جهة المرئي. قلنا: هذا على اختلاله لا يضر؛ لأن مثبتي الجهة يلتزمونها، ووجه اختلال هذا القول أن الرؤية ليس نفس تقليب الحدقة بل هي نوع إدراك يلزمه تقليب الحدقة فتقليب الحدقة من لوازم الرؤية لا أنه نفسها، وأما من لا يثبت/ [٤٣٧/ل] الجهة كالأشعرية، فإنهم يفسرون الرؤية بنوع كشف نسبته إلى الرب- -كنسبة الرؤية إلى المرئيات.

стр. 667

قوله: واتصال شعاع البصر بالمرئي. قلنا: الناس لهم في كيفية رؤية المرئيات أربعة أقوال: أحدها: اتصال الشعاع. والثاني: انطباع صورة المرئي في الرطوبة الجليدية كانطباع الوجه في المرآة. والثالث: أنه نار تخرج من البصر فيدرك به المرئي، وهذا شبيه بالقول بالشعاع. والرابع: أنه علم يخلقه الله- -في نفس الرائي مقارنا للرؤية، وهو مذهب المتكلمين. فنقول أولا: لم قلت: إن رؤية الباري- -أو الرؤية مطلقا باتصال الشعاع؟ وما أنكرت أن يكون بخلق العلم في نفسه كما هو رأي المتكلمين. وثانيا: أنه قد ثبت لنا رؤية لا باتصال شعاع وهو قوله ﷺ : «لا تختلفوا عليّ-يعني في الصلاة-فإني أراكم من وراء ظهري كما أراكم من أمامي» (١) وما ذاك إلا لخارق إلهي ومعجز نبوي أيد به النبي ﷺ كما كان يرى الثريا اثني عشر كوكبا وغيره إنما يراها ستة أو سبعة، وذلك لقوة خص بها في بصره خرقا للعادة، فجاز إذ كان الآخرة محل خرق العادة أن تتجدد للمؤمنين خرق عادة يرون بها ربهم من غير انطباع ولا اتصال شعاع، ولا جهة أصلا على رأي نفاة الجهة، كالدودة في وسط البلورة تراها لا في جهة، وكرة العالم يراها الله- -وقد قام البرهان على أنها ليست في جهة على ما قيل، وحينئذ لا يلزم مثبتي الرؤية لا رأي المجسمة ولا رأي الاتحادية. ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً﴾ (٣٦) [القيامة: ٣٦] أي هملا لا راعي له، ولا معترض عليه ولا بعث ولا معاد، وهذا إنكار لنفي البعث فيقتضي إثبات البعث، وهذا شبيه بقوله- : ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ﴾ (١١٥) [المؤمنون: ١١٥]. ﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى﴾ (٣٧) [القيامة: ٣٧] [٢١٢ ب/م] إلى: ﴿أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى﴾ (٤٠) [القيامة: ٤٠] هذا احتجاج على إمكان البعث ووقوعه بالقياس على النشأة الأولى كما سبق في أول «الحج» وغيره. ...

стр. 668

القول في سورة الإنسان ﴿هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً﴾ (١) [الإنسان: ١]، قيل: معناه قد أتى، وهو ضعيف، بل معناه: هل تسلمون وجودكم بعد عدمكم أو نقرره عليكم بالبرهان، ثم قد برهن على ذلك بعد على تقدير منعهم لما ذكر بقوله- : ﴿إِنّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً﴾ (٢) [الإنسان: ٢] وهو قاطع في ابتداء خلقه بعد أن لم يكن، وقد سبق الكلام في: ﴿إِنّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً﴾ (٢) [الإنسان: ٢] في أول مري. / [٤٣٨/ل]. ﴿إِنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمّا شاكِراً وَإِمّا كَفُوراً﴾ (٣) [الإنسان: ٣] إشارة إلى أن الحكمة في خلق الإنسان ابتلاؤه واختباره هل هو يطيع فيثاب أو يعصي فيستحق العقاب؟ فإن قيل: ما مقدار الإنسان حتى يبتلى ويختبر ويخاطب هذا الخطاب العظيم؟ وما فائدة ابتلائه بعد علم الله- -بما سيكون منه؟ قلنا: هذا وراءه أسرار غريبة موضع ذكرها في غير هذا العلم، والمفزوع إليه هاهنا ﴿لا يُسْئَلُ عَمّا يَفْعَلُ [وَهُمْ يُسْئَلُونَ]﴾ (٢٣)، وهو المتصرف بحق ملكه الأكمل. ﴿إِنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمّا شاكِراً وَإِمّا كَفُوراً﴾ (٣) [الإنسان: ٣] أي أرشدناه إلى طريق الحق والسلامة، والسؤال الجواب هاهنا كما قلنا في «ثمود» ﴿وَأَمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى فَأَخَذَتْهُمْ صاعِقَةُ الْعَذابِ الْهُونِ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (١٧) [فصلت: ١٧] ثم هذه السورة تضمنت إثبات العذاب والنعيم الحسيين. ﴿عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللهِ يُفَجِّرُونَها تَفْجِيراً﴾ (٦) [الإنسان: ٦] قيل: يشرب منها على إبدال بعض الحروف ببعض، والأشبه أنه من باب التضمين أي: يروى بها، ضمن يشرب معنى يروى؛ لأنه أبلغ وأخص من يشرب، ثم اعتبر حرف التعدية بالفعل المضمن تنبيها عليه؛ ومثله قول عنترة: شرب بماء الدحرضين. . . (١) ...

стр. 669

وقول الآخر: شربن بماء البحر البيتين. . . ومنه: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيّامٍ ثُمَّ اِسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمنُ فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً﴾ (٥٩) [الفرقان: ٥٩]. وقوله: فإن تسألوني بالنساء البيت. . . أي: ذاكر به وتذاكروني بالنساء. وقوله: يضرب بالسيف ونرجو بالفرح. . . أي: يتعلل بالفرح. وقوله: سود المحاجر لا يقرأن بالسور أي: لا يصوتن أو يترنمن بها، وهو كثير، وهي قاعدة نافعة يعتصم بها من لزوم الزيادة في أكثر الكلام. ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخافُونَ يَوْماً كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً﴾ (٧) [الإنسان: ٧] [فيه استحباب الوفاء بالنذر ومدح أهله؛ لأنه من باب الوفاء بالعقود إما التزام] ابتداء فيحتمل تحريمه للنهي عنه، ويحتمل جوازه؛ لأنه عقد وعهد بين العبد وربه- -أشبه الإحرام بالحج، ويحتمل المنع منه في الأموال دون العبادات؛ لقوله ﷺ : «النذر/ [٢١٣ أ/م] لا يأتي بخير، وهو إنما يستخرج به من مال البخيل» (١) فدل على أن المنع منه في المال دون غيره: ﴿إِنَّ هذا كانَ لَكُمْ جَزاءً وَكانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً﴾ (٢٢) [الإنسان: ٢٢] أي صورة جزاء على كسبكم وسعيكم، وإلا فهو في الحقيقة فضل من الله- -لولا توفيقه

стр. 670

لما وصلوا إلى شيء منه، وهم أعني الأبرار قد اعترفوا بذلك حيث قالوا: ﴿وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ وَقالُوا الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَما كُنّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدانَا اللهُ لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٤٣) [الأعراف: ٤٣] اللهم اهدنا إليك وإلى رضوانك بفضلك المحض، ولا تكلنا إلى سواك من نفل أو فرض. ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً﴾ (٢٤) [الإنسان: ٢٤] قيل: معناه ولا كفورا، والمعنى وإن كان عليه إلا أنه ضعيف من جهة أن «أو» تنوب عن واو العطف وحرف النفي، ونيابة كلمة عن كلمتين غير معهود، أو هو قليل لا يقاس عليه لمخالفته القياس وتخريجه/ [٤٣٩/ل] على أصله بوجهين: أحدهما: أن يكون هذا طبق كلام مقدر، كأنه قيل له: أطع فلانا الآثم، أو فلانا الكفور، فقيل: لا تطع منهما آثما أو كفورا. الثاني: أن يقال: إنما دلت هذه الآية على تخييره في معصية أحدهما، أي اعص هذا أو هذا، ودل على وجوب معصيتهما جميعا دليل منفصل لا يقال: نحن نفهم من مجرد هذه الآية وجوب معصيتهما جميعا من غير شعور بدليل منفصل؛ لأنا نقول: إما من موضوع لفظ بمجرده فلا نسلم أنه يفهم ذلك، وإلا لما استغرب واحتيج فيه إلى تخريج وتأويل، وأما فهم ذلك من المعنى عقلا أو عرفا أو شرعا فذلك هو الدليل المنفصل ولكنه ظاهر، فلظهوره لا ينتبه له. ﴿إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ اِتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلاً﴾ (٢٩) [الإنسان: ٢٩] احتج بها المعتزلة؛ لأنها تقتضي أن الإنسان مخير بحسب مشيئته، وأجاب الجمهور بالآية بعدها: ﴿وَما تَشاؤُنَ إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً﴾ (٣٠) [الإنسان: ٣٠] فمشيئة الإنسان تابعة للمشيئة الإلهية وأثر من آثار القدرة الأزلية، وحينئذ أكثر ما يقال: إن فعل الإنسان أثر مشيئته أثر القدرة الإلهية، وأثر أثر الشيء لذلك الشيء، ففعل الإنسان أثر القدرة الأزلية وهو المطلوب، وقد سبق تقرير هذا في مقدمة الكتاب.
следующие страницы →