← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 13555

صلاة الاستخارة مسائل فقهية وفوائد تربوية

عقيل بن سالم الشهري

Полный текст (71 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

صَلَاة الاستخارة - مسَائِل فقهية وفوائد تربوية تأليف عقيل بن سَالم الشهري دَار كنوز إشبيليا للنشر والتوزيع

стр. 2

المقدمة الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين .. وبعد: فقد امتن الله علينا بإنزاله القرآن العظيم، فيه شفاء للقلوب من أسقامها، وتزكية للنفوس عن أدرانها، وأنزل مع السنة النبوية تبيانًا له، فلا يشقى من تمسك بهما، ولا يخاف من اهتدى بهما، ولما كان عمود ذلك يقوم على التدبر والتأمل، وإعمال الفكر، وإعادة النظر، حتى يجول القلب في ملكوت الحكمة، فيقتنص من أوابدها، ويغوص لتحصيل دررها وجواهرها، فقد أنكر الله على من أهمل ذلك قائلًا له: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢]. واستجابة لأمر الله في التدبر والتأمل في وحيه، والسنة النبوية من وحيه تعالى، فقد عقدت العزم على التأمل والتدبر والاستنباط في بعض الأحاديث النبوية، وقد جمعت من ذلك ما يكون بداية طريق ارتسمته لنفسي، ومن ذلك قراءة حديث الاستخارة والغوص في معانيه، وحداني لذلك أمران: الأول: تطبيق عملي لمشروعي في استنباطات من السنة النبوية. الثاني: اختصاص حديث الاستخارة بتعليم النبي ﷺ للصحابة، حتى كأنه يعلمهم السورة من القرآن، وهذا يقتضي الإعادة والتكرار والمدارسة حتى يحفظوه. ولا شك أن هذا يسترعي الاستغراب، ويستدعي الانتباه إلى وجوده أسرار إيمانية اختص بها دعاء الاستخارة من غيره من الأدعية.

стр. 3

ومع صغر البحث إلا أني أحببت تقسيمه إلى قسمين، هما: القسم الأول: المسائل الفقهية المتعلقة بصلاة الاستخارة، وفيه إحدى وعشرون مسألة: المسألة الأولى: الأحاديث الواردة في الاستخارة. المسألة الثانية: أصل مشروعيتها. المسألة الثالثة: حكم صلاة الاستخارة. المسألة الرابعة: ما هي الأمور التي تشرع لها صلاة الاستخارة؟ المسألة الخامسة: هل تؤدى صلاة الاستخارة في وقت النهي؟ المسألة السادسة: متى تبدأ نية صلاة الاستخارة؟ المسألة السابعة: عدد ركعات صلاة الاستخارة. المسألة الثامنة: ماذا يقرأ في صلاة الاستخارة؟ المسألة التاسعة: متى يقال دعاء الاستخارة؟ المسألة العاشرة: ما يفعله من لم يحفظ دعاء الاستخارة: المسألة الحادية عشرة: هل يستحب البدء في الدعاء بالحمد لله، والصلاة على النبي ﷺ ؟ المسألة الثانية عشرة: هل يشرع تكرار صلاة الاستخارة؟ المسألة الثالثة عشرة: ماذا يفعل المسلم بعد صلاة الاستخارة؟ المسألة الرابعة عشرة: هل صلاة الاستخارة صلاة مستقلة أو يصح تداخلها مع غيرها من الصلوات؟ المسألة الخامسة عشرة: هل تصح النيابة في صلاة الاستخارة؟ المسألة السادسة عشرة: أنواع صلاة الاستخارة. المسألة السابعة عشرة: هل يصح الاستخارة في أمرين أو أكثر في صلاة واحدة؟

стр. 4

المسألة الثامنة عشرة: ما يختاره الداعي من الألفاظ التي اختلفت الرواية فيها؟ المسألة التاسعة عشرة: هل يسمي حاجته أو يكتفي بالنية؟ المسألة العشرون: أيهما يقدم الاستخارة أو الاستشارة؟ المسألة الحادية والعشرون: مما قيل في الاستخارة. القسم الثاني: الفوائد التربوية من دعاء صلاة الاستخارة، وفيه: ثمانون فائدة. ولقد ترسخ لدي قناعةٌ بحاجة السنة النبوية إلى زيادة نظر وتدقيق واستنباط أحكام وفوائد، أو ما يصح تسميته (تثوير السنة) (١). ولئن خدمها سلفنا الصالح بالتمحيص والتدقيق والتخريج، وبيان الشاذ من الألفاظ من غيرها، فقد كان لهم جهد واضح في الاستنباط، وكتاب فتح الباري للحافظ ابن حجر نموذج فريد في ذلك، كان بالإمكان أن يُحتذى حذوه في بقية كتب السنة النبوية. وأسال الله أن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح، والإخلاص في القول والعمل، وأن يتقبله مني، وأن يجعله في ميزان حسناتي ووالدي يرحمه الله، وألا يحرمه أجري وأجر جميع أعمالي، وأشكر الأخ الفاضل/ خليف بن هيشان العنزي على جهده في إخراج هذا الكتاب، وعنائه في ترتيبه وقراءته وفهرسته، سائلًا الله أن يجعل ذلك في ميزان حسناته وأن ينفع به، وصلى الله وسلم على نبينا محمد. عقيل بن سالم الشمري عضو الدعوة والإرشاد بحفر الباطن Ageel٠٠١@yahoo.com

стр. 5

القسم الأول المسائل الفقهية المتعلقة بصلاة الاستخارة

стр. 6

القسم الأول المسائل الفقهية المتعلقة بصلاة الاستخارة صلاة الاستخارة لا تختلف عن أنواع الصلاة الأخرى من حيث الشروط والأركان والواجبات والمستحبات، إلا أن هناك أحكامًا تخصها، ومن ذلك ما يلي: المسألة الأولى: الأحاديث الواردة في الاستخارة . ورد في الاستخارة عدة أحاديث، وهي كالتالي: ١ - حديث جابر ﵁: عن جابر ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كما يعلمنا السورة من القرآن يقول: «إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة؛ ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم؛ فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم؛ وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني، ومعاشي وعاقبة أمري، أو قال: عاجل أمري وآجله، فاقدره لي ويسره لي ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، أو قال: عاجل أمري وآجله فاصرفه عني واصرفني عنه واقدر لي الخير حيث كان ثم أرضني به قال: ويسمي حاجته». أخرجه: البخاري في عدة مواضع (١١٠٩) (٢٣٤٥) (٢٦٩٠)، وأبو داود (١٥٣٨) والترمذي (٤٨٠) والنسائي (٣٢٥٣) وابن ماجه (١٣٨٣) وأحمد (٣٤٤) وغيرهم من طريق عبد الرحمن بن أبي الموال عن ابن المنكدر عن جابر به. وأنكر الإمام أحمد رواية ابن أبي الموال فقال: وروي عن محمد بن المنكدر حديث الاستخارة وليس أحد يرويه غيره، وهو منكر (١).

стр. 7

ورده ابن عدي بقوله: وقد روى حديث الاستخارة غير واحد من أصحاب النبي ﷺ كما رواه بن أبي الموال (١)، أي أن للحديث شواهد، كما أن عبد الرحمن بن الموال وثقه جماعة من أهله العلم (٢)، والحديث هو العمدة في الباب. ٢ - حديث ابن مسعود ﵁: عن عبد الله قال: علمنا رسول الله الاستخارة قال: «إذا أراد أحدكم أمرًا فليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك فذكره، ولم يقل: العظيم، وقدم قوله: وتعلم على قوله: وتقدر، وقال: فإن كان هذا الذي أريد خيرًا في ديني وعاقبة أمري فيسره لي، وإن كان غير ذلك خيرًا لي فاقدر لي الخير حيث كان، يقول: ثم يعزم». أخرجه الطبراني في الكبير (١٠٠١٢) من رواية صالح بن موسى الطلحي عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة، ورواه أيضًا من طريق أخرى (١٣٠١) من طريق ابن أبي ليلى عن فضيل بن عمرو عن إبراهيم عن علقمة. ٣ - حديث أبي أيوب ﵁: عن أبي أيوب الأنصاري أن رسول الله ﷺ قال: «أكتم الخطبة ثم توضأ فأحسن الوضوء ثم صل ما كتب الله لك ثم أحمد ربك ومجده، ثم قل: اللهم إنك تقدر ولا أقدر الحديث إلى قوله الغيوب، وبعده فإن رأيت لي في فلانة تسميها باسمها خيرًا في دنياي وآخرتي فاقض لي بها أو قال فاقدرها لي». وفي لفظ: «خيرًا لي في ديني ودنياي وآخرتي فاقدرها لي وإن كان غيرها خيرًا لي منها في ديني ودنياي وآخرتي فاقض لي ذلك».

стр. 8

أخرجه الطبراني في الكبير (١٣٠٧) من رواية الوليد بن أبي الوليد أن أيوب بن خالد بن أبي أيوب حدثه عن أبيه. وأيوب وخالد ذكرهما ابن حبان في الثقات. ٤ - حديث أبي بكر ﵁: عن أبي بكر الصديق ﵁ أن النبي كان إذا أراد أمرًا قال: «اللهم خر لي واختر لي». أخرجه: الترمذي (٣٥١٦) وأبو يعلى (٤٤) والبزار في مسنده (٥٩). وقال الترمذي: غريب لا نعرفه إلا من حديث زنفل وهو ضعيف عند أهل الحديث. وقال البزار: وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن النبي ﷺ إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد، وزنفل قد حدث عنه غير إنسان؛ إلا أنه لم يتابع على هذا الحديث، ولكن لما لم نحفظ هذا الكلام عن النبي ﷺ إلا برواية زنفل لم نجد بدًا من كتابته؛ ونبين العلة فيه (١). ٥ - حديث أبي سعيد ﵁: عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا أراد أحدهم أمرًا فليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك» الحديث - على نحو حديث جابر - وقال في آخره: «ثم قدر لي الخير أينما كان لا حول ولا قوة إلا بالله». وأخرجه أبو يعلى في مسنده (١٣٤٢)، والطبراني في الدعاء (١٣٠٤)، وابن حبان في صحيحه (٨٨٥) من طريق محمد بن عمرو بن عطاء عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد بنحو حديث جابر.

стр. 9

٦ - حديث سعد بن أبي وقاص ﵁: عن سعد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من سعادة ابن آدم استخارته الله، ومن سعادة ابن آدم رضاه بما قضاه الله، ومن شقوة ابن آدم تركه استخارة الله، ومن شقوة ابن آدم سخطه بما قضى الله ». أخرجه الترمذي (٢١٥١) وأحمد (١٤٤٤) والحاكم (١٩٩٠) من طريق إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه عن جده. وقال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث محمد بن أبي حميد ويقال له أيضًا حماد بن أبي حميد، وهو إبراهيم المدني وليس هو بالقوي عند أهل الحديث. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، وحسنه الحافظ ابن حجر في الفتح (١١/ ١٨٤). ٧ - حديث ابن عباس ﵁. ٨ - حديث ابن عمر ﵁. عن عبد الله بن عمر وابن عباس ﵁ قالا: كان رسول الله يعلمنا الاستخارة كما يعلمنا السورة من القرآن اللهم إني أستخيرك الحديث إلى آخر قوله علام الغيوب، وزاد بعده: «اللهم ما قضيت علي من قضاء فاجعل عاقبته إلى خير». أخرجهما الطبراني في الكبير (١٣٠٥) وقال العيني: وإسناده ضعيف وفيه عبد الله بن هانئ متهم بالكذب (١). ٩ - حديث أبي هريرة ﵁. عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا أراد أحدكم أمرًا فليقل: اللهم إني أستخيرك فذكره ولم يقل العظيم، وفي آخره: ورضني بقدرك».

стр. 10

أخرجه الطبراني في الكبير (١٣٠٦)، وابن حبان في صحيحه (٨٨٦) من طريق أبي الفضل بن العلاء بن عبد الرحمن؛ عن أبيه عن جده. وقال ابن حبان: أبو الفضل اسمه شبل بن العلاء بن عبد الرحمن، مستقيم الأمر في الحديث. وقد ضعفه ابن عدي فقال: حدث بأحاديث له غير محفوظة مناكير وأورد له هذا الحديث، وقال: إنه منكر لا يحدث به غير شبل. ١٠ - حديث أنس ﵁. عن أنس ﵁ مرفوعًا: «إذا أهممت بأمر فاستخر ربك سبعًا، ثم انظر إلى الذي يسبق في قلبك فإن الخير فيه». أخرجه ابن السني في عمل اليوم والليلة (٥٥١)، ولكنه لا يصح، قال الحافظ في الفتح (١٨/ ١٧١): ولو صح لكان المعتمد لكن إسناده واه جدًا (١). فنلاحظ أن صلاة الركعتين لم ترد إلا في حديث جابر ﵁، وهو أصحها إسنادًا، وأتمها سياقًا. ****

стр. 11

المسألة الثانية أصل مشروعيتها من رحمة الله أن أرسل رسوله بالهدى ودين الحق، فبعثه يجدد لهم ملة أبيهم إبراهيم، وينشر توحيد الله وعبادته في الأرض، وكان أهل الجاهلية تبعًا لما هم عليه من الشرك؛ يقدمون على أمورهم ومصالحهم الدنيوية ويحجمون عنها بالاستقسام بالأزلام، وبتحريك الطيور والنظر إلى جهاتها. فعوض الله المسلمين بركعتي الاستخارة، لما فيهما من التوكل على الله؛ وتفويض الأمر إليه؛ والرضا بقدر الله وقضائه. فإذا هممت بأمر وأردت أن تعزم عليه بعد استشارة الناس فإنك تستخير. وبعض العلماء يستقبح الاستخارة قبل الاستشارة؛ لأنك إذا استخرت فلا تستشر أحدًا بعد الله ، ولذلك قالوا: تكون الاستخارة هي آخر الأمر. ويؤيد ذلك قوله ﷺ : «إذا هم أحدكم بالأمر» أي: أن يكون عنده الاهتمام، ومعنى ذلك أنه قد وجد من مشورة الناس ومن حديث النفس ما يجعله يتردد. وهذا أمر مستحسن؛ إلا أنه لا يعني عدم صحة الاستخارة لو تقدمت على استشارة غيره من المسلمين. ****

стр. 12

المسألة الثالثة حكم صلاة الاستخارة أجمع العلماء على أن صلاة الاستخارة سنة (١)، وأومأ الشوكاني في نيل الأوطار إلى الوجوب ولم يجزم به، والقول بالوجوب متجه على مذهب الظاهرية، لصراحة الأمر في قوله: «فليركع ركعتين»، ولكن يرد عليه أنه أمر معلق بقوله: «إذا هم أحدكم بالأمر» فليس هو أمرًا مطلقًا. **** المسألة الرابعة ما هي الأمور التي تشرع لها صلاة الاستخارة ؟ اختلف العلماء في الأمور التي تشرع لها الاستخارة على أقوال كما يلي: القول الأول: يستخير المسلم في كل أمر، سواء كان أمرًا دنيويًا أو دينيًا: أما أمور الدنيا: فبالاتفاق. وأما أمور الدين: فلا يستخير في ذات الأمر الشرعي، وإنما فيما يحتف به من أحوال، كأن يستخير في وقت العمرة، أو مقدار الوقف، أو غير ذلك. وذلك لأن ذات الأمر الديني مما نهى الله عنه، أو أمر به، أو ندب إليه، أو كرهه؛ أو أباحه لا خيار فيه للعبد المؤمن، لأن العبادة مبناها على التسليم لشرع الله. القول الثاني: يستخير المسلم في المباحات والمندوبات، أما الواجبات والمحرمات فلا يستخير فيها (٢).

стр. 13

القول الثالث: يستخير فيما يتعلق بالمباحات والمشروعات، وليس في ذات المشروع أنه واجب أو مستحب، وإنما فيما يتعلق بالمباحات مثل الزواج، ومثل شراء المركوب، أو شراء البيت أو غير ذلك. كذلك أيضًا ما يتعلق بالمشروعات كزمان السفر؛ وآلة السفر وغيرها (١). والذي يظهر - والله أعلم -: أن هناك أمورًا متفق عليها، وهي كما يلي: ١ - اتفق العلماء على أنه لا يشرع الاستخارة في كل شيء من أمور الإنسان، كأموره العبادية والحياتية ودقائق تصرفاته، لأنه لم يرد أن النبي ﷺ كان يستخير في كل شيء. ٢ - اتفق العلماء على أنه لا يشرع للمسلم الاستخارة في ذات أمور العبادة، سواء الواجبات أو المحرمات، فلا يجوز أن يستخير في أداء أمر واجب، أو ترك فعل محرم. ٣ - اتفق العلماء على أنه يشرع للمسلم الاستخارة فيما يحتف بالأمور المباحة من أحوال كزواج من فلانة، أو وقت سفر، أو تعيين وظيفة، أو تحديد منزل للشراء أو غير ذلك. واختلفوا في عدة أمور: ١ - هل تشرع الاستخارة فيما ظهرت مصلحته للإنسان؟ ٢ - هل تشرع الاستخارة في المندوبات؟ والراجح - والله أعلم وأحكم -: أن الاستخارة تشرع في كل شيء مما يستخار له، سواء كان مندوبًا أو مباحًا، ويدل لذلك عموم قوله: (قوله يعملنا الاستخارة في كل الأمور) التي تعترينا وتحتاج للاستخارة.

стр. 14

ومما ينبغي التنبيه عليه أن قوله ﷺ : «إذا هم أحدكم بالأمر فليركع» تدل على الاستعجال بالاستخارة وعدم التباطؤ فيها. **** المسألة الخامسة هل تؤدي صلاة الاستخارة في وقت النهي ؟ هذه المسألة تعرف بذوات الأسباب، ومؤداها: هل يجوز أداء ذوات الأسباب في وقت النهي؟ وقد اختلف العلماء في ذلك على قولين (١): القول الأول: جواز فعل ذوات الأسباب في أوقات النهي عند وجود أسبابها، وهذا قول الشافعي، ورواية عن الإمام أحمد، اختارها بعض الحنابلة، كأبي الخطاب، وابن عقيل، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، واستدلوا بما يلي: ١ - أن أحاديث النهي عن الصلاة من العام غير المحفوظ؛ لأنه قد دخله التخصيص بأحاديث أخرى، مثل: - قضاء الفائتة، لقوله ﷺ : «من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك» (٢). - وبمثل إعادة الجماعة فيمن دخل مسجدًا فوجد الناس يصلون وهو قد صلى، فإنه يصلي معهم، ولو كان الوقت نهيًا، لحديث يزيد بن الأسود في قصة الرجلين؛ وفيه: عن أبي ذر ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ : «كيف أنت إذا كانت عليك أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها أو يميتون الصلاة عن وقتها؟ قال: قلت: فما تأمرني قال: صل الصلاة لوقتها، فإن أدركتها معهم فصل فإنها لك نافلة» (٣)، وغير ذلك مما دلت عليه السنة.

стр. 15

ومثل حديث صلاة الاستخارة وتحية المسجد فإنه عام في جميع الأوقات، محفوظ لم يدخله التخصيص، لقوله ﷺ : «فليركع ركعتين من غير الفريضة» لهذا لفظ عام، والقاعدة أن العام الذي لم يدخله التخصيص مقدم على العام الذي دخله التخصيص. ٢ - أن ذوات الأسباب كصلاة الاستخارة وتحية المسجد مثلًا مقرونة بسبب، فلا تدخل في أحاديث النهي، كقوله ﷺ : «لا يتحرى أحدكم فيصلي عند طلوع الشمس ولا عند غروبها» (١)، والذي يصلي لسبب لا يقال: إنه تحرى الصلاة، بخلاف التطوع المطلق الذي لا سبب له. القول الثاني: أنه لا يجوز فعل ذوات الأسباب من النوافل في أوقات النهي مطلقًا، وهذا مذهب الحنفية، والمالكية، وأحمد في المشهور عنه، واستدلوا: ١ - بعموم أحاديث النهي عن الصلاة في هذه الأوقات؛ لأن أحاديث النهي أقوى، فإنها قد بلغت حد التواتر، كما جزم بذلك الطحاوي، وشيخ الإسلام ابن تيمية وغيرهما. والراجح: هو القول الأول؛ لقوة دليله، يضاف إلى ذلك أن ذوات الأسباب تفوت بفوات أسبابها ومن ذلك صلاة الاستخارة في وقت النهي، وتكون مخصوصة من عموم النهي. ****

стр. 16

المسألة السادسة متى تبدأ نية صلاة الاستخارة ؟ وصورة المسألة: شخص صلى ركعتين نافلة مطلقة، ثم بدا له أثناء الصلاة أمرٌ من الأمور يستدعي صلاة الاستخارة، فهل يحق له أن ينوي أم لا؟ الذي يظهر لي - والله أعلم وأحكم - أن نية صلاة الاستخارة تكون قبل البدء فيها، ويدل لذلك ما يلي: ١ - قوله ﷺ في الحديث: «إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة» فلفظ الحديث مشعر باستقلال الاستخارة بنية خاصة لها تكون من بداية الصلاة. ٢ - أن النية شرط، والشروط تكون قبل الأفعال. وعلى هذا لا يصح لمن كان في صلاة أن ينوي الاستخارة داخل صلاته. **** المسألة السابعة عدد ركعات صلاة الاستخارة اتفق العلماء على ثلاثة أمور هي: الأول: اتفقوا على أنها لا تصح بركعة واحدة، وذلك لقول النبي ﷺ : «فليركع ركعتين». الثاني: اتفقوا على أن الأفضل أن تكون ركعتان، وذلك لأن لفظ الحديث نص عليهما. الثالث: اتفقوا على أنها لا تكون وترًا، لأن الحديث نص على الشفع بقوله: «فليركع ركعتين».

стр. 17

واختلفوا فيما زاد على الركعتين ولم يكن وترًا - كأن يصلي أربعًا - على قولين: القول الأول: لا تجوز الزيادة على الركعتين، وهو قول الجمهور، واستدلوا بما يلي: ١ - أن الحديث نص على الركعتين فلا تجوز الزيادة على الحديث. ٢ - أن العبادات مبناها على التوقيف، وقد ورد الدليل بأنها ركعتان فقط. القول الثاني: جواز الزيادة على ركعتين، وهو قول الشافعية (١)، واستدلوا بما يلي: ١ - أن القول بالاقتصار على الركعتين غايته أنه احتجاج بمفهوم العدد، ومفهوم العدد ضعيف كما في علم أصول الفقه. ٢ - ذكر الركعتين في الحديث لا يعني عدم الزيادة، وإنما المراد منه بيان أقل عدد من صلاة الاستخارة؛ بحيث أنه لا يجوز النقصان عن ذلك، وليس المراد منه الزيادة. والراجح - والله أعلم -: هو الاقتصار على الركعتين وعدم الزيادة عليهما، وذلك وقوفًا مع السنة النبوية، والنبي ﷺ في مقام تعليم، خاصة أن صلاة الاستخارة كان يعلمها أصحابه كما يعلمهم السورة من القرآن؛ فيبعد مع ذلك جوازها بأكثر من ذلك ولم يبينها لهم. وليس ذكر الركعتين في حديث جابر ﵁ من باب مفهوم العدد، لأن مفهوم العدد أن يعلق الحكم على عدد معين (٢)، وإنما حديث جابر ﵁ من بيان الصفة فيلزم التقيد به. ****

стр. 18

المسألة الثامنة ماذا يقرأ في صلاة الاستخارة ؟ للعلماء في ذلك تفصيل كما يلي: ١ - اتفق العلماء على أن صلاة الاستخارة كغيرها من الصلوات في ركنية الفاتحة، وسنية ما بعدها من السور. ٢ - اتفق العلماء على أن أي سورة أو آية بعد الفاتحة فهو مجزئ. واختلفوا في الأفضل في صلاة الاستخارة على أقوال هي (١): القول الأول: وقال به أكثر أهل العلم وهو أن الأفضل أن يقرأ بعد الفاتحة: - في الركعة الأولى ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾. - في الركعة الثانية ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾. وعللوا ذلك: بأنه من الأنسب أن يقرأ سورتي الإخلاص؛ لما فيهما من الرغبة لله، وإعلان توحيده، وبراءته من الشرك. القول الثاني: وقال به بعض السلف وهو أن الأفضل أن يقرأ بعد الفاتحة: - في الركعة الأولى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ * وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ [القصص: ٦٨، ٦٩]. - في الركعة الثانية: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٣٦].

стр. 19

وعللوا ذلك: لمناسبة الحال لهما. والقول الثالث: وقال به الحنابلة وغيرهم وهو أنه لم يرد في القراءة دليل، فتبقى على إطلاقها، ويكون الأفضل بحسب ما يختار المصلي. والذي يظهر - والله أعلم -: أن الأمر في ذلك واسع. **** المسألة التاسعة متى يقال دعاء الاستخارة ؟ اختلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال: القول الأول: أن الدعاء يقال قبل السلام، واستدلوا بما يلي: ١ - سياق الحديث، فإنه ذكر صلاة الركعتين ثم قال: «ثم ليقل» وهذه الصيغة في الأحاديث تدل على اتصال بين الدعاء والصلاة. ٢ - أن ما قبل السلام موطن من مواطن الدعاء، كما دل عليه حديث ابن مسعود ﵁ وفيه: «ثم ليتخير من الدعاء أعجبه إليه فيدعو» (١). القول الثاني: أن الدعاء يقال بعد السلام، واستدل بما يلي: - قوله ﷺ : «فليركع ركعتين من غير الفريضة ثم ليقل» فهذا الصيغة تفيد التراخي، فدل على أن الدعاء بعد السلام، بدلالة حرف التراخي (ثم). القول الثالث: أن الأمر في ذلك واسع، ورجحه ابن تيمية (٢).

стр. 20

والراجح - والله أعلم -: أن الأمر في ذلك واسع لاحتمال الدليل، فالأمران متجهان، وإن كان الأولى أن يكون قبل السلام؛ لعموم الأحاديث الدالة على أن ما قبل السلام موطن من مواطن الدعاء. **** المسألة العاشرة ما يفعله من لم يحفظ دعاء الاستخارة لا يخلو ذلك من حالتين: الحالة الأولى: أن يكون ممن يعرف القراءة: وفي هذه الحالة لا بأس له بقراءة الدعاء من ورقة أو كتاب، وتكون الحركة التي سيفعلها مغتفرة؛ لأنها لأجل مصلحة الصلاة، ومعلوم أن الحركة إن كانت لأجل الصلاة فلا حرج فيها، وعلى ذلك أدلة كثيرة. الحالة الثانية: أن يكون ممن لا يعرف القراءة: فلا بأس بأي دعاء يؤدي معنى الاستخارة، كأن يقول: اللهم خر لي، وغير ذلك. **** المسألة الحادية عشرة هل يستحب البدء في الدعاء بالحمد لله، والصلاة على النبي ﷺ -؟ استحب ذلك النووي (١)، ولعله يستند إلى عمومات الأحاديث الأخرى التي فيها الأمر بالحمد والصلاة على النبي ﷺ . ولا شك أن الأفضل أن يقتصر على ما ورد عن النبي ﷺ ولا يزد على ذلك، وعمومات أدلة الدعاء يقدم عليها ما ورد في صلاة الاستخارة على وجه الخصوص. ****

стр. 21

المسألة الثانية عشرة هل يشرع تكرار صلاة الاستخارة ؟ اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين: القول الأول: أنه لا يشرع تكرار صلاة الاستخارة، واستدلوا بما يلي: ١ - أن الذي ورد في السنة هو تحديدها بركعتين، كما هو نص الحديث، وعليه فلا يجوز تكرارها. ٢ - أن المؤمن مطلوب منه أن يؤدي صلاة الاستخارة ولا ينتظر شيئًا آخر، وإنما يمضي لفعله، وما يقدره الله بعد ذلك فهو خيرته لعبده، فلا حاجة لتكراره الاستخارة. القول الثاني: لا بأس بتكرار الاستخارة، واستدلوا بما يلي: ١ - بما رواه مسلم عن ابن الزبير قوله في قصة هدم الكعبة: «إني مستخير ربي ثلاثًا» (١) وهو فعل صحابي وفي محفل من الصحابة ولم يعارض. ٢ - ما رواه عبد الرزاق في مصنفه: أن عمر بن الخطاب أراد أن يكتب السنن؛ فاستشار أصحاب رسول الله ﷺ في ذلك؛ فأشاروا عليه أن يكتبها؛ فطفق يستخير الله فيها شهرًا، ثم أصبح يومًا وقد عزم الله له فقال: إني كنت أريد أن أكتب السنن وإني ذكرت قومًا كانوا قبلكم كتبوا كتبًا فأكبوا عليها، وتركوا كتاب الله، وإني والله لا ألبس كتاب الله بشيء أبدًا (٢). ٣ - روى ابن السني عن أنس مرفوعًا: «إذا هممت بأمر فاستخر ربك فيه سبع مرات ثم انظر إلى الذي يسبق إلى قلبك فإن الخير فيه» (٣).

стр. 22

٤ - أن صلاة الاستخارة دعاء لله، وقد وردت الأحاديث بمشروعية تكرار الدعاء ثلاثًا. والراجح - والله أعلم -: أن المسلم لا يخلوا من حالتين: الأولى: أن يتبين له شيء فيما يستخير ربه فيه، فهنا لا يشرع تكرارها. الثانية: ألا يتبين له شيء، ولم ترتفع حيرته؛ فهنا يشرع له تكرارها لعموم الأدلة، ولفعل الصحابة ﵁، أما ما رواه ابن السني فلا يحتج به. **** المسألة الثالثة عشرة ماذا يفعل المسلم بعد صلاة الاستخارة (١)؟ اختلف أقوال العلماء فيما يفعله المسلم بعد صلاة الاستخارة، ولا تخلو أقوالهم من تداخل فيما بينها، ولعل السبب فيما يظهر لي هو خلو أحاديث صلاة الاستخارة من بيان للعلامات التي تعقب صلاة الاستخارة، وفيما يلي بعض الأقوال: القول الأول: أن المسلم بعد الاستخارة عليه ألا ينتظر شيئًا، وإنما يقدم على ما يريد، فإن يسره الله له أو صده عنه فهذا اختيار الله له. القول الثاني: لا يخلو حال المسلم إذا أدى صلاة الاستخارة من أحد أمور ثلاثة، هي:

стр. 23

١ - أن يجد في نفسه نشاطًا وارتياحًا للعمل الذي تردد فيه، ويذهب عنه التردد، وفي هذه الحالة يشرع له أن يمضي في العمل. ٢ - أن يجد في نفسه انصرافًا عن العمل، وعدم رغبة فيه، فيشرع له أن لا يمضي في العمل. ٣ - أن لا يحصل له شعور جديد، بل يبقى مترددًا، وفي هذه الحالة عليه أن يمضي في العمل؛ إذا ترجح له عقلًا فائدة ذلك العمل، فإن الظن بالله أنه سيختار له ما هو خير. القول الثالث: إذا استخار الإنسان ربه فلا يخلو من أمرين: ١ - أن ينشرح صدره له: فهذا دليل على أن هذا الأمر هو الذي اختاره الله تعالى. ٢ - أن يبقي مترددًا: فإنه يعيد الاستخارة مرة ثانية وثالثة، فإنه تبين له، وإلا استشار غيره بما هو عليه، ويكون ما قدره الله هو الخير إن شاء الله تعالى. القول الرابع: يفعل ما اتفق، ويستدل له بقوله في بعض طرق حديث ابن مسعود ﵁ مرفوعًا - وفي آخره -: «ثم يعزم». القول الخامس: ينظر إلى ما تهواه نفسه، وهو لا يخلو من حالتين: ١ - إن كان يهواه قبل الاستخارة: فلا يفعله، لأن موافقة الهوى مذمومة غالبًا. ٢ - إن كان لا يهواه قبل الاستخارة: فيفعله، لأن مخالفة الهوى محمودة شرعًا والذي يظهر - والله أعلم -: أن ما يعقب صلاة الاستخارة لم يرد فيه دليل يبينه، وعلى هذا فليس هناك علامة محددة ينتظرها الإنسان، إلا أن انشراح الصدر علامة قبول باتفاق من ذكر العلامات،

стр. 24

ولكنها ليست العلامة الوحيدة، فلا يتشدد الإنسان مع نفسه ليبحث عن علامة وينتظر حصولها، فقد لا تحصل فيزداد حيرة بعد صلاة الاستخارة، وإنما على المؤمن أن يكون مطمئنًا بمجرد أدائه صلاة الاستخارة، ولا يخفى أن الأثر النفسي له دور كبير على حصول انشراح الصدر من عدمه، والله أعلم. **** المسألة الرابعة عشرة هل صلاة الاستخارة صلاة مستقلة أو يصح تداخلها مع غيرها من الصلوات ؟ هذه المسألة فيها تفصيل كالتالي: ١ - اتفق العلماء على أن صلاة الاستخارة لا يصح أداؤها مع الصلاة المكتوبة، لقوله ﷺ : «فليركع ركعتين من غير الفريضة». ٢ - اتفق العلماء على أن الأفضل أن يصلي المسلم الاستخارة مستقلةً؛ لا ينو معها غيرها. واختلفوا في أداء صلاة الاستخارة ضمن السنن الراتبة، أو ذوات الأسباب كتحية المسجد، وصلاة الضحى وغير ذلك، على قولين: القول الأول: يصح أداء صلاة الاستخارة مع كل صلاة غير الفريضة (١)، واستدلوا: - بقوله في الحديث: «من غير الفريضة» فكل ما كان غير الفريضة، فيصح أداء الاستخارة فيه.

стр. 25

القول الثاني: التفريق بين النوافل، حيث قسموا النوافل إلى نوعين: أ- النوافل المطلقة: فيصح أداء صلاة الاستخارة معها، كنافلة ركعتين تطوعًا لله. ب- النوافل المعينة: فلا يصح أداء صلاة الاستخارة معها كالسنن الرواتب، أو النوافل المعينة وذوات الأسباب، وهناك من يفصل في هذا النوع من النوافل، والله أعلم. والراجح - والله أعلم -: أن الاستخارة صلاة مخصوصة لا تتداخل مع غيرها، ويدل لذلك لفظ الحديث: «فليركع ركعتين من غير الفريضة» أي: ركعتين خاصة لهذه الصلاة يصليهما للاستخارة على وجه الخصوص. **** المسألة الخامسة عشرة هل تصح النيابة في صلاة الاستخارة ؟ انعقد الإجماع على أن الصلاة لا تدخلها النيابة، قال ابن عبد البر: «أما الصلاة فإجماع من العلماء أنه لا يُصلي أحدٌ عن أحدٍ فرضًا عليه من الصلاة، ولا سُنة، ولا تطوعًا لا عن حي ولا عن ميت، وكذلك الصيام عن الحي لا يجزئ صوم أحدٌ في حياته عن أحد، وهذا كُله إجماع لا خلاف فيه» (١). أ. هـ. وعلى هذا فلا يصح أن يستخير شخص عن آخر؛ لانعقاد الإجماع على المنع. ****

стр. 26

المسألة السادسة عشرة أنواع صلاة الاستخارة ذكر أهل العلم نوعان للاستخارة، وهما (١): النوع الأول: وهو المتفق عليه، وهي الصفة المعروفة ركعتان من غير الفريضة؛ ثم يقول بعدهما الدعاء المأثور. النوع الثاني: وقال به كثير من أهل العلم؛ وهو الاقتصار على الدعاء فقط، وعلى هذا فتجوز بعد أي صلاة. والذي يظهر - والله أعلم -: أن دعاء الاستخارة مما يدعو به المسلم في شأنه كله، لأنه دعاء من الأدعية التي وردت في السنة؛ إلا أنه لا يسمى استخارة بالمعنى الاصطلاحي المعروف الذي ورد في حديث جابر، وإنما هو مجرد دعاء أن ييسر الله له الخيرة أينما كانت، أما صلاة الاستخارة التي وردت فهي صلاة مخصوصة بينتها السنة. **** المسألة السابعة عشرة هل تصح الاستخارة في أمرين أو أكثر في صلاة واحدة ؟ الأظهر - والله أعلم - أن الأمور تختلف، ويمكن تقسيمها إلى نوعين: النوع الأول: أمور مرتبطة بعضها ببعض، كأمور الدراسة في الجامعة، وتنوع الكليات، فيصح أن يجمع أكثر من أمر في صلاة واحدة.

стр. 27

النوع الثاني: أمور غير مرتبطة ببعضها: فهناك من أهل العلم من يجيز الجمع بين أكثر من أمر، قال فضية الشيخ عبد الله بن جبرين ﵀: «ويجوز أن يستخير في موضع واحد لأمرين أو لثلاثة، ولا يلزم أن يصلي لكل أمر صلاة ويدعو لها دعاء». إلا أن الظاهر من حديث الباب أن لكل أمر استخارة تخصه؛ ولا يجمع بين أمرين في صلاة واحدة، والله أعلم. **** المسألة الثامنة عشرة ما يختاره الداعي من الألفاظ التي اختلفت الرواية فيها ؟ اختلفت الرواية في حديث جابر ﵁ في بعض الألفاظ، وبيان ذلك: ورد في حديث جابر قوله: «وإن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، أو قال عاجل أمري وآجله». وهذا شك من الراوي، قال الحافظ: هو شك من الراوي ولم تختلف الطرق في ذلك (١). وبناء على هذا فشك الراوي له ثلاثة احتمالات، هي ما يلي: الاحتمال الأول (٢): أنه بدل من الألفاظ الثلاثة في الرواية الأولى - ديني ومعاشي وعاقبة أمري - وعلى هذا يكون لفظ الحديث «إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في عاجل أمري وآجله».

стр. 28

الاحتمال الثاني: أنه بدل من اللفظين الأخيرين في الرواية الأولى، وعلى هذا يكون لفظ الحديث: «إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني وعاجل أمري وآجله». الاحتمال الثالث: أنه بدل من اللفظ الأخير في الرواية الأولى، وعلى هذا يكون لفظ الحديث: «إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاجل أمري وآجله» (١). وعلى هذا: فماذا يفعل المصلي للاستخارة تجاه هذا الشك؟ الذي وقفت عليه من التصرفات على ثلاثة أنواع: النوع الأول: أن المصلي عليه أن يصلي ثلاث مرات، وفي كل مرة يأتي بذكر وارد ليصيب جميع ما قاله النبي ﷺ (٢). النوع الثاني: أن المصلي عليه أن يأتي بجميع الألفاظ الواردة في الحديث، فيقول في دعاء الاستخارة: اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري وعاجل أمري وآجله ونحو ذلك. وهذان النوعان باطلان، ومما يرد به عليهما ما يلي (٣): ١ - أن هذه طريقة محدثة لم يسبق إليها أحد من الأئمة المعروفين. ٢ - أن النبي ﷺ لم يجمع بين هذه الألفاظ التي وردت، وإنما غاية ذلك أنه شك من الراوي.

стр. 29

النوع الثالث: أنه يرجح بين هذه الألفاظ، واختار ذلك ابن القيم ﵁، وعليه المحققون من أهل العلم. وقد رجح ابن القيم بقوله: «ومثال ما يترجح فيه أحد الألفاظ حديث الاستخارة فإن الراوي شك هل قال النبي ﷺ : «اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري»، أو قال: «وعاجل أمري وآجله» بدل «وعاقبة أمري»، والصحيح اللفظ الأول، وهو قوله: وعاقبة أمري؛ لأن عاجل الأمر وآجله هو مضمون قوله: ديني ومعاشي، وعاقبة أمري فيكون الجمع بين المعاش وعاجل الأمر وآجله تكرارًا، بخلاف ذكر المعاش والعاقبة، فإنه لا تكرار فيه، فإن المعاش هو عاجل الأمر والعاقبة آجله» (١). وعلى العموم لو اقتصر على أحد اللفظين أجزأه ذلك، ولو اقتصر على قول: «وعاقبة أمري» - لأنه لم يرد فيها شك كما في حديث أبي سعيد وابن مسعود ﵁ لكان أفضل. **** المسألة التاسعة عشرة هل يسمي حاجته أو يكتفي بالنية ؟ قال الحافظ: «قوله في الحديث «ثم يسميه بعينه»: ظاهر سياقه أن ينطق به، ويحتمل أن يكتفي باستحضارة بقلبه عند الدعاء، وعلى الأول تكون التسمية بعد الدعاء، وعلى الثاني تكون الجملة حالية؛ والتقدير فليدع مسميًا حاجته» (٢) أ. هـ.

стр. 30

ولعل مستند الحافظ في هذا الاحتمال هو الروايات التي لم يذكر فيها «ويسمى حاجته» لكن الروايات الأخرى توضح الأمر وتجليه فقد قال: «ثم يسميه بعينه» وفي رواية: «ويسمي حاجته». **** المسألة العشرون أيهما يقدم الاستخارة أم الاستشارة (١)؟ فيها ثلاثة أقوال: قيل: يقدم الاستخارة؛ للأمر بها. وقيل: يقدم الاستشارة؛ لئلاء يستشير بعد استخارته لربه. وقيل: في الأمر سعة. وكلها أقوال مبنية على الأفضلية؛ وهي اجتهادات ليس فيها دليل فاصل، ولهذا فالراجح أن الأمر واسع. ومن قال لا يستشير بعد استخارته لربه، يقال له وكذلك: لا يستشير قبل الله أحدًا، والله أعلم. ****

стр. 31

المسألة الحادية والعشرون مما قيل في الاستخارة قيل: الأحمق من قطعة العجب عن الاستشارة، والاستبداد عن الاستخارة (١). وبيان ذلك: أن الأحمق يجمع بين سيئتين، هما: ١ - إعجابٌ بما لديه من رأي وتفكير، وكثير ما يفسد العجب على صاحبه الرأي؛ لأنه يجمع بين تحسين ما ليس بحسنٍ من الرأي، وإهمال القبيح منه، فإن الرأي لا يعتبر ناضجًا حتى تُعرف مواطن خلله فتصلح، ومواطن حسنه فتعزز. ٢ - استغناء عن الاستخارة، فقد يرى لحمقه أنه ليس بحاجة لها، فهي تسن لمن تردد في الأمر، أو لم يعرف مصلحته!. فكان من تمام العقل من جمع بين الاستشارة والاستخارة. ويقال: تعوذ من سكرات الاستبداد بصحوات الاستشارة، ومن عثرات البغي باستقالة الاستخارة (٢). وبيان ذلك: أن الاستبداد بالرأي له سكرة؛ تجعل صاحبه يغفل عن الرأي الصواب، وصواب الرأي، ومواطن الخلل في رأيه، وقد يكون الخير قريبًا منه؛ لكن لاستبداده لم يره، ولسكرته لم يشعر به، وعلاج ذلك يكون بالاستشارة.

стр. 32

فإن الاستشارة تولد صواب الرأي، وتوقظ من الغفلة في الأمر، ومن عجائب الاستشارة أنها تجعل غيرك يفكر لك، ويسعى جاهدًا لإخراجك من مأزقك، ويبذل وسعه في نفعك، بل قد يجتهد أكثر من اجتهاد صاحب الرأي لنفسه؛ خاصة إن كان أمينًا مؤمنًا.

стр. 33

القسم الثاني ثمانون فائدة تربوية من دعاء صلاة الاستخارة

стр. 34

القسم الثاني ثمانون فائدة تربوية من دعاء الاستخارة حديث جابر ﵁ في الاستخارة مليء بالفوائد التربوية والإيمانية، ندرك ذلك من خلال تعليم النبي ﷺ لأصحابه هذا الحديث كما يعلمهم السورة من القرآن، وسأستعين الله بذكر بعض الفوائد التي وقفت عليها، وحاولت إعمال فكري وجهدي في استنباط البعض الآخر، وسأذكر نص الحديث ثم أتبعه بالفوائد: نص الحديث: عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يعلّمنا الاستخارة في الأمور كلها، كما يعلّمنا السورة من القرآن، يقول: (إذا همَّ أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري -أو قال- عاجل أمري وآجله، فاقدره لي، ويسره لي ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري -أو قال- في عاجل أمري وآجله، فاصرفه عني واصرفني عنه، وأقدر لي الخير حيث كان، ثم رضني به). وفيه الفوائد التالية: الفائدة الأولى في الحديث دلالة على أن الاستخارة تشرع عندما يَهُمُّ الإنسان بالأمر من الأمور، لقوله في الحديث (إذا همّ).

стр. 35

الفائدة الثانية دل الحديث بمفهومه على أن الاستخارة لا تشرع عند الخواطر؛ والأفكار التي تسبق للذهن، والتي لا يكاد يسلم منها أحد غالبًا، لقوله في إحدى روايات الحديث: (إذا أراد أحدكم الأمر). فالهمّ المطلق في الرواية الأولى بينته الإرادة في الرواية الثانية، ويخرج عن ذلك الخواطر، ولهذا لم يثبت أن النبي ﷺ كان يستخير في كل ما خطر له، وإنما تشرع الاستخارة فيما يستدعي ذلك. الفائدة الثالثة الاستخارة في الحديث تشمل حالتين، هما: الحالة الأولى: طلب الخير في الأمر، وهذا مأخوذ من معناها اللغوي، فإن: الاستخارة لغة: طلب الخير في الشيء (١). فعلى هذا كل من تردد وأراد طلب الخير في أمر من الأمور؛ فعليه بصلاة الاستخارة؛ لأن هذا مقتضي معناها اللغوي، ويؤيده أيضًا قوله ﷺ : (إذا هم) والهم يشعر بالتردد. الحالة الثانية: تشمل أيضًا إذا أراد الإنسان فعل أمر ما، لقوله ﷺ في الحديث: (إذا أراد أحدكم). وعلى هذا فعلى من أراد فعل أمر من الأمور فعليه أيضًا أن يستخير الله قبل فعله، والفرق بين الحالتين يظهر في حال التردد وعدمه. فالحالة الأولى: يكون مترددًا في فعل أمر؛ لأنه لا يعلم هل يكون فيه الخير أم لا؟ والحالة الثانية: ليس مترددًا في الفعل، لكنه يريد الاستخارة أيضًا.

стр. 36

فالحديث يدل على الاستخارة في الحالتين كليهما، والله أعلم. الفائدة الرابعة ظاهر الحديث يدل على أن الاستخارة تشمل الأمور الواجبة والمستحبة والمباحة، وليس المراد الاستخارة في أصل فعلها، وإنما في أمور أخرى تتعلق بالأمر الواجب كوقت فعله وطريقة أدائه، أو عند تزاحم الواجبات والمستحبات، وهكذا، فليس من الضرورة أن تكون الاستخارة في أصل أداء الفعل الواجب حتى تُمنع، وعموم الحديث (إذا أراد أحدكم الأمر) يؤيد ذلك حيث أطلق الأمر، وقد سبق بيانها في المسائل الفقهية. الفائدة الخامسة علق الحديث الاستخارة بالهم، وبينه في الرواية الأخرى أنه الهم الذي يقارن الإرادة ويسبقها، وهذا يدل على طرح ما عدا ذلك من الخواطر. وهذا يربي المسلم على عدم الانسياق وراء الخواطر؛ والأفكار التي ترد على الذهن، ولهذا لم يشرع لها الاستخارة، وكم تسببت هذه الخواطر من وسوسة، وضياع للأوقات وإشغال للذهن، فلو أهملها الإنسان كما أهملتها الشريعة لسلم له دينه ودنياه. الفائدة السادسة يدل الحديث بمنطوقه على تعليم النبي ﷺ للصحابة سور القرآن؛ حتى صار غيرها يقاس عليها من حيث الأهمية وعدمها، ولهذا قال الراوي: "كما يعلمنا السورة من القرآن" فدل على فشو ذلك بينهم وانتشاره، وهي سمة المجتمع المسلم في تعلمه القرآن وتعليمه للناس، وفيها تنبيه إلى نشر مدارس تعليم القرآن على وجه الخصوص.

стр. 37

الفائدة السابعة يدل الحديث على نشر العلم، وتعليم الناس الأذكار والأوراد، وإعادتها حتى يتم حفظها، وهذا واجب الدعاة اقتداءً بنبيهم ﷺ ، وتعليم النبي ﷺ لهم هذا الذكر دليل صريح على ذلك. الفائدة الثامنة من البداهة أن الاستخارة لا تشمل حالة الهمّ بالمحرمات والمكروهات؛ وأي خير يطلبه الإنسان من فعل أمر منهي عنه في الشريعة؟!. الفائدة التاسعة يدل قوله: (إذا همّ) إلى أن ما يرد إلى الذهن يمكن تقسيمه إلى: أ- خواطر لا يهتم بها. ب- وإلى: همّ. والفرق بينها أن الهمّ يرافقه إرادة وعزيمة على الفعل أو الترك، ولهذا جاء في الرواية الثانية: (إذا أراد أحدكم الأمر). كما يمكن تقسيمها بناء على الحديث إلى: أ- همّ معه إرادة: وهو المراد في الحديث في الروايتين. ب- همّ لا إرادة معه: وهذا لاغٍ لا حكم له.

стр. 38

الفائدة العاشرة دل الحديث بصريح منطوقه على أن صلاة الاستخارة ركعتان، لقوله: (فليركع ركعتين) ولا عبرة بالرواية التي أطلقت الصلاة في رواية الحاكم: (فليصل ما شاء) فسندها ضعيف، ويقوي ضعفها أيضًا مخالفتها رواية الصحيحين، وقد مضى بيان المسألة. الفائدة الحادية عشرة دل الحديث على أن صلاة الاستخارة تكون من غير صلاة الفريضة، لقوله: (من غير الفريضة) وقد مضى بيان المسألة وتفصيلها. الفائدة الثانية عشرة يدل الحديث على أن نية الفريضة لا يدخل معها نية أخرى، فإن التداخل في النية يضعفها وقد يبطلها أحيانًا؛ لأن نية الفريضة شرط لصحة الصلاة، ولهذا قال في الحديث: (من غير الفريضة). الفائدة الثالثة عشرة يدل قوله: (إذا هم أحدكم بالأمر فليركع) على أن صلاة الاستخارة لها نية خاصة بها؛ تكون قبل البدء بالصلاة حتى ينتهي منها. وعلى هذا لو شرع إنسان بصلاة ركعتين للسنة الراتبة، أو سنة مطلقة ثم طرأت عليه نية الاستخارة؛ فإن مفهوم الحديث يدل على أن هذه النية لا تصح؛ ولا بد من نية تخص الاستخارة قبل البدء بالركعتين، وقد مضى بيانها ودليلها.

стр. 39

الفائدة الرابعة عشرة لم يرد في هذا الحديث وغيره السور التي تستحب القراءة بهما في ركعتي الاستخارة، وعلى هذا تبقى القراءة فيهما مطلقة؛ من غير تقييد بسورة معينة؛ أو آيات معينة. الفائدة الخامسة عشرة قوله ﷺ في الحديث: (ثم ليقل) يدل في ظاهره على أن هذا الدعاء بعد صلاة الركعتين، وقد اختلف أهل العلم في موطن ذلك على أقوال: أ- يقال الدعاء قبل السلام. ب- يقال الدعاء بعد السلام. ج- أن الأمر واسع. وقد مضى بيان المسألة بتفاصيلها. الفائدة السادسة عشرة دعاء الاستخارة يدل على ضعف العبد، وقلة علمه، فهو يستخير ربه في أمره، مما يدل على أنه لا يملك لنفسه ضرًّا ولا نفعًا، ومن تأمل ألفاظ الدعاء تبين هذا الأمر بوضوح، فقوله: (فإنك تعلم ولا أعلم، وتقدر ولا أقدر) وغيرها يدل على غاية الضعف والذل. الفائدة السابعة عشرة وكذلك يدل دعاء الاستخارة على أن الإنسان قد يُقدم على فعل أمر ويعود هذا الأمر بالضرر عليه؛ من حيث كان يرجو خيره، فليس بالضرورة أن ما كان خيرًا في نظر

стр. 40

الإنسان؛ يكون خيرًا له في دينه وحياته، وقديمًا قيل: (من مأمنه يؤتى الحذر) فلا يركن الإنسان إلى ظواهر الأمور، ويعتمد عليها، لأن الظواهر قد تخدع الإنسان. الفائدة الثامنة عشرة يربي هذا الدعاء في قلب المؤمن التوكل على الله، فإن دعاء الاستخارة فيه تفويض الأمر إلى الله مع بذل سبب الدعاء، وهذا هو المعنى الحقيقي للتوكل فقوله: (اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر) فبهذا فوّض العبد أمره لربه. ولقد ضلت فئات في باب التوكل على الله، فمنهم (١): - من عطل الأسباب، واعتمد على تفويض الأمر إلى الله، فخالف شرع الله. - من عطل التفويض على الله، واعتمد على الأسباب، فأشرك مع الله. فجاء هذا الدعاء ليعطينا المثال التطبيقي للتوكل الشرعي؛ بحيث يجمع بين تفويض الأمر إلى الله وحده، وفعل ما أمر باتخاذه من أسباب. الفائدة التاسعة عشرة يربي هذا الدعاء قلب المؤمن كذلك على تعظيم الله ، وهو أهل للتعظيم، فقول العبد: (وأستقدرك بقدرتك فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم): فيه من التعظيم لله ما يعود نفعه على قلب المؤمن، فقد أسند القدرة كلها لله، وجمع معها العلم، والقدرة والعلم ركنا التعظيم. ولهذا إن استشعر العبد ذلك حال دعائه أدرك أن الله منجز له حاجته بإذن الله.
следующие страницы →