Полный текст (159 стр.). Показаны 141–159 · переход к 146.
стр. 141
• قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ﴾ الآية [٢٤٩].
استدل به الرازي على أن الشرب من النهر: الكرع فيه بالفم دون الاغتراف، فلو حلف لا يشرب من النهر حنث بالكرع دون الشرب بإناء؛ لأنه حظر الشرب إلا لمن اغترف، فدلَّ على أن الاغتراف منه ليس بشرب.
ورده إلكيا بأن استثناء الاغتراف منه يدل على أنه من الشرب؛ إذ المستثنى من جنس المستثنى منه (١).
واستدل أصحابنا بقوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ﴾ على أن الماء ربوي مطعوم (٢).
• قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [٢٥٠].
فيه استحباب هذا الدعاء عند القتال (٣).
(١) الخلاف في نوع الاستثناء، فالذي ذهب إليه الرازي -وهو المذهب عند الحنفية- هو كونه منقطعًا، فيكون ليس من جنسه، ومن ثمّ لا يحنث من اغترف.
وذهب إلكيا -وهو مذهب الشافعية- إلى أن الاستثناء متصل، فالمستثنى من جنس المستثنى منه، ويدل عليه الجملة الثانية ﴿وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾، والطعم في الكرع والاغتراف.
ووافق ابن العربي في أحكام القرآن (١/ ٣٠٩) إلكيا، وقال عن قول الحنفية إنه فاسد؛ لأنّ شرب الماء يطلق على كل هيئة وصفة في لسان العرب من غرف اليد أو كرع بالفم.
ورجح القرطبي في جامعه (٣/ ٢٥٣) قول الحنفية لتفريق القرآن والسنة ولغة العرب فيرجع إليه، وذكر ابن الفرس في أحكام القرآن (١/ ٣٨١) أن حمله على الاتصال أولى ما أمكن.
(٢) بناء على أن العلة الربوية هي الطعم، كما هو مذهب الشافعية، وعليه، فلا يصح بيعه إلّا بما يصح به بيع الطعام، مثل بمثل ويد بيد.
وردَّ بأنّ المراد بالطعم هنا: الذوق، وإثبات الطعم أو نفيه عنه لا يثبت له إنّه طعام، قاله ابن الفرس في أحكام القرآن (١/ ٣٨٢).
(٣) لدعاء الأنبياء، الدال على مشروعية الفعل واستحبابه.
стр. 142
• قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [٢٥٣].
استدل به على جواز التفضيل بين الأنبياء والمرسلين، حيث لم يؤد إلى نقص في المفضَّل عليه (١)، والحديث الوارد في النهي عن ذلك محمول على ما إذا خشي منه نقص.
• قوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [٢٥٦].
فيه دليل على أن أهل الذمة لا يكرهون على الإسلام (٢)، ولا يصح إسلامهم بالإكراه (٣)؛ لأن الآية نزلت فيهم كما أخرجه أبو داود وغيره من حديث ابن عباس.
(١) لظاهر الآية، والتفضيل هنا بالقرب، وبكثرة الأتباع وغير ذلك من جهات التفضيل.
(٢) لأنّ الآية خبر بمعنى: النهي
وذكر المؤلف أهل الذمة؛ لأنّ الآية نزلت فيهم كما ذكر المصنف، وسبب النزول: ما ذكره ابن عباس من أنّ المرأة تكون مقلاةً - أي: لا يعيش لها ولد- فتجعل على نفسها، إن عاش لها ولد أن تهوده، فلما أجلبت بنو النضير، كان فيهم من أبناء الأنصار، فقالوا: «لا ندع أبناءنا، فأنزل الله : ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ أخرجه أبو داود (٢٦٨٢)، والنسائي في الكبرى (١١٠٤٩)، وصححه الألباني في صحيح أبي داود (٢٤٠٤).
وفي بعض الروايات: إذ قد فعلنا ما فعلنا، ونحن نرى أن دينهم أفضل مما نحن عليه، وأمّا إذا جاء الله بالإسلام فنكرههم عليه، ونقل عن مجاهد قوله: إنّه كان سبب كونهم في بني النضير: للاسترضاع.
ينظر: تفسير الطبري (٤/ ٥٤٧، ٥٥٠)، والدر المنثور للسيوطي (٣/ ١٩٦).
وأهل الذمة من يعيش تحت الحكم الإسلامي ويدفع الجزية من أهل الكتاب، والمجوس في مقابل بقائهم على دينهم، وتوفير الأمن لهم.
(٣) عند الشافعي خلافًا لأبي حنيفة، وقال ابن الفرس في أحكام القرآن (١/ ٣٨٤): «والخلاف في المسألة مبني على أنّ النّهي هل يدل على فساد المنهي عنه أم لا؟ فإذا قلنا: يدل على الفساد، فليس إسلامهم بإسلام، وإذا لم يكن كذلك فكأنهم لم يسلموا فلهم الرجوع إلى ما كانوا عليه.
وإن قلنا: إنه يدل على الصحة كما قال بعضهم، فالإسلام منعقد تام، فإن رجع عنه قُتل.
وإن قلنا: إنه لا يدل لا على فساد، ولا على صحة كما يذهب إليه المحققون من الأصوليين، فليس في الآية على شيء من ذلك دليل».
стр. 143
• قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ﴾ الآية [٢٥٨].
هذه الآية أصل في علم الجدل والمناظرة (١).
قال العلماء: لما وصف إبراهيم ربه بما هو صفة له من الإحياء والإماتة، لكنه أمر له حقيقة ومجاز، وقصد الخليل الحقيقة، فزع نمرود إلى المجاز تمويهاً على قومه حيث قتل نفساً وأطلق نفساً فسلَّم له إبراهيم تسليم الجدل، وانتقل معه في المثال، وجاءه بأمر لا مجاز فيه، فبهت وانقطع ولم يمكنه أن يقول أنا الآتي بها من المشرق؛ لأن ذوي الأسنان يكذبونه.
وقال إلكيا: في الآية جواز المحاجَّة في الدين (٢)، وتسمية الكافر ملكاً.
• قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [٢٦٠].
قال مجاهد والنخعي: لأزداد إيماناً إلى إيماني، وأورده الصوفية في باب التحقيق (٣).
• قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا﴾ الآية [٢٦٤].
قال النووي في شرح المهذب يحرم المنُّ بالصدقة، فلو منَّ بها بطل ثوابه للآية.
(١) لأنّه فعل نبي أمرنا بالاقتداء بهديه، والمقام مقام ثناء على إبراهيم.
وعلم الجدل هو معرفة القواعد والحدود والآداب في الاستدلال التي يتوصل بها إلى حفظ رأي أو هدمه، سواء كان ذلك الرأي حقًا أو باطلًا صحيحًا أو خطاءً، وهو علم طريقة تركيب الحجاج حتى لا تتشعب المسائل.
(٢) لما سبق من كونه شريعة من قبلنا، والمقام مقام ثناء ومدح.
(٣) قال ابن القيم في مدارج السالكين (٣/ ٤٠٥) «وجه تعلق التحقيق بإشارة الآية: أنّ إبراهيم ﷺ طلب الانتقال من الإيمان بالعلم بإحياء الموتى إلى رؤية تحقيقه عيانًا».
стр. 144
واستشكل ذلك ابن عطية بأن العقيدة: أن السيئات لا تبطل الحسنات.
وقال غيره: تمسك المعتزلة بهذه الآية في أصلهم أن السيئة تبطل الحسنة (١)، واستنبط العلم العراقي من هذه الآية دليلاً لقاعدة: أن المانع الطاريء كالمقارن؛ لأنه تعالى جعل طريان المنِّ والأذى بعد الصدقة كمقارنة الرياء لها في الابتداء، قال: ثم إن الله ضرب مثالين أحدهما للمقارن المبطل في الابتداء بقوله: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ﴾ الآية، فهذا فيه أن الوابل الذي نزل قارنه الصفوان وهو الحجر الصلد وعليه التراب اليسير، فأذهبه الوابل، فلم يبق محل يقبل النبات، وينتفع بهذا الوابل، فكذلك الرياء وعدم الإيمان إذا قارن إنفاق المال.
والثاني الطاريء في الدوام، وأنه يفسد الشيء من أصله بقوله: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ﴾ فمعناها أن هذه الجنَّة لما تعطل النفع بها بالاحتراق عند كبر صاحبها وضعفه وضعف ذريته - فهو أحوج ما يكون إليها يوم فقره وفاقته - فكذلك طريان المنِّ والأذى يحبطان أجر المتصدق، وأحوج ما يكون إليه يوم فقره وفاقته انتهى (٢).
• قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ الآية [٢٦٧].
أخرج سعيد بن منصور وابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا
(١) وما قاله المعتزلة بخصوص هذه المسألة حق لظاهر الآية؛ لذا قال ابن القيم في مدارج السالكين (١/ ٣٠٣) «والقرآن والسنة قد دلّا على الموازنة، وإحباط الحسنات بالسيئات، فلا يضرب كتاب الله بعضه ببعض، ولا يرد القرآن بمجرد كون المعتزلة قالوه - فعل أهل الهوى والتعصب - بل نقبل الحق ممن قاله، ونرد الباطل على من قاله».
(٢) نقل السيوطي كلام علم الدين العراقي من كتاب العلائي المجموع المذهب (١/ ٣٣٥)، وقال العلائي بعد ذكر كلامه، «وفي هذا الاستنباط مناقشة لسنا بصددها».
стр. 145
كَسَبْتُمْ﴾ قال من التجارة: ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ قال من الثمار، وعن علي وغيره نحوه، ففيه وجوب زكاة التجارة والثمار (١).
وفي الآية كراهة التصدق بالرديء واستحبابه بالجيد.
قال إلكيا: وأحتج بها أبو حنيفة على وجوب زكاة قليل ما تخرجه الأرض وكثيرة (٢)، وآخرون على كل ما تخرجه الأرض من الحبوب والثمار وغيره حتى البقل (٣).
وقال ابن الفرس: قوله: ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ يعم النبات والمعدن والركاز، وقال: وفيه أن من زرع في أرض اكتراها فالزكاة عليه لا على رب الأرض؛ لأن قوله: ﴿أَخْرَجْنَا لَكُمْ﴾ يقتضي كونه على الزارع.
• قوله تعالى: ﴿وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾.
فيه أن صاحب الحق لا يجبر على أخذ المعيب، وله الرد وأخذ سليم بدله (٤).
(١) للأمر في قوله: ﴿أَنْفِقُوا﴾ مع تفسير الصحابة والتابعين.
(٢) أخذًا من عموم قوله: ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ﴾ (ما) اسم موصول، وهو من صيغ العموم.
وقال ابن الفرس في أحكام القرآن (١/ ٣٩١) عن هذا الاستنباط «وهذا بعيد، فإن المراد بيان الجهات التي يتعلق حق الله تعالى بها، وليس ذكر النصاب فيها مقصودًا، ولا بيان ما لا زكاة فيه».
ومثله قال ابن العربي وغيره، وقد بيّن النبي ﷺ النصاب بقوله: «ليس فيما دون خمس ذود صدقة، وليس فيما دون خمس أواق صدقة، وليس فيما دون خمسة أوسق من التمر صدقة».
(٣) رد بما سبق أن الآية لم تسق لهذا، ولو قيل: بالعموم فهي مخصوصة بقوله ﵊ «ليس في الخضروات صدقة».
(٤) لأنّ المولى أجاز لصاحب الحق الإغماض والتساهل، أو عدم الإغماض، والمطالبة بحقه من الجودة، والنهي عن الإغماض في الصدقة بنهيه عن إعطاء الردئ.
فلما أمرنا بالإنفاق من طيبات ما كسبنا، ونهانا عن تيمم الخبيث، استدللنا بهذا على أن كل خبيث معيب لمرض أو هزال أو غيره لا يجوز إنفاقه، ولا يصح ولا يجزئ للنهي، إلّا أن يكون جميع المال المزكى خبيثًا أو معيبًا، فإننا ننفق منه؛ لأنا لم نتيمم الخبيث للنفقة.
стр. 146
• قوله تعالى: ﴿يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ الآية [٢٦٩].
وأورده الصوفية في باب الحكمة، وفسروها بوضع الشيء موضعه، كأن يعطي كل شيء حقَّه ولا يعيديه حدَّه ولا يعجله وقته.
• قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ الآية [٢٧٠].
فيه مشروعية النذر والوفاء به (١).
• قوله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ الآية [٢٧١].
فيه أن إخفاء الصدقات أفضل من إظهارها (٢)، وأنها حق للفقير (٣)، وأن صدقة النفل عليه أفضل (٤)، وأنه يجوز لرب المال تفريق الزكاة بنفسه (٥).
• قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ﴾ [٢٧٢]
نزلت في إباحة التصدق على الكفار، كما أخرجه الحاكم وغيره من حديث ابن عباس (٦).
(١) لإقرار الله ، وعدم إنكاره، وبياته بأنه: ﴿يَعْلَمُهُ﴾، وإنّه سيجازي عليها.
(٢) لأنه أثنى على الفاعل والمظهر بقوله: ﴿فَنِعِمَّا هِيَ﴾ ثم نص على أن الإخفاء أفضل بأفعل التفضيل، ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ فدل على أن الجميع خير، والإخفاء أخير في ذلك، وهذا في صدقة النافلة، أمّا الفريضة، فروى عن ابن عباس أن إظهارها أفضل لئلا تلحقه تهمة، وعموم قوله: ﴿الصَّدَقَاتِ﴾ يقتضي الإخفاء أفضل.
(٣) لأنّه حث على إعطاءها الفقير، ووصف الفعل بأنّه خير ﴿وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾.
(٤) أي جواز صدقة النفل للغني، ولكنها للفقير أفضل لوجود الحاجة.
(٥) لأن الخطاب متوجه لهم.
(٦) وفيه قوله ﵄: «كانوا يكرهون أن يرضخوا لأنسابهم وهو مشركون، فنزلت: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ﴾ قال: فُرخص لهم».
وسبب أخر أنّ النّبي ﷺ قال: «لا تتصدقوا إلا على أهل دينكم» فنزلت هذه الآية. وهذا في صدقة التطوع، أمّا الفرض فقد بينت السنة عدم جواز ذلك؛ لقوله ﵊ «أمرت أن آخذ الزكاة من أغنيائكم وأردها على فقرائكم» متفق عليه، البخاري (١٣٣١)، ومسلم (١٩).
стр. 147
واستدل بعموم ذلك من أباح صرف صدقة الفرض إليهم (١).
• قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ الآية [٢٧٣].
فيه أن الفقير لا يخرج عن اسم الفقر بماله من ثياب وكسوة وسلاح (٢)، وفيه ذم سؤال الناس ومدح التعفف (٣).
• وقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [٢٧٥].
أصل في إباحة البيع بأنواعه إلا ما دل دليل على تحريمه (٤)، وتحريم الربا بأنواعه إلا ما خصه دليل (٥).
(١) لقوله: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ﴾ الآية، وما قبلها وهنا: ﴿خَيْرٍ﴾ نكرة سيقت ب ﴿مِنْ﴾ فيعمّ كل نفقة لمسلم أو لكافر قليله أو كثيره.
وسبق أن صدقة الفرض مخصوصة من العموم فلا تصرف إلا للفقراء من المسلمين، لما سبق، ولحديث معاذ: «فأعلمهم أن الله قد افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم وترد في فقرائهم» أخرجه البخاري (١٣٩٥)، ومسلم (٢٩).
(٢) لأنّ الآية أثبتت لهم هذه الأشياء حتى حسبهم الجاهل أغنياء، ومع ذلك أطلقت عليهم اسم الفقير، ولأن الثياب والكسوة والسلاح للمجاهد مما تمسه حاجته، فهو غير غني، وإنّما الغنى ما فضل عن مقدار حاجته.
(٣) لثناء المولى على الفاعل وهو الفقير الصابر المتعفف، وبمفهومه يدل على ذم سؤال الناس.
(٤) الإباحة من إخباره عن الحكم المختص بها بقوله: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ﴾ والبيوع بأنواعه بدخول "أل" في لفظ ﴿الْبَيْعَ﴾ فيعمّ كل بيع إلّا ما دلّ الدليل على تحريمه.
(٥) التحريم من إخباره عن الحكم المختص به بقوله: ﴿وَحَرَّمَ﴾ وتحريم الربا بأنواعه لدخول "أل" في لفظ ﴿الرِّبَا﴾.
стр. 148
• قوله تعالى: ﴿فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٧٥) يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (٢٧٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٧) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.
فيه أن من أسلم وقد أربى فإن قبضه فهو له، وإن لم يقبضه لم يحل له أن يقبضه.
واستدل به على أن العقود الواقعة في دار الحرب لا تتبع بعد الإسلام بالنقض (١).
قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ﴾ قال ابن عباس: من أقام على الربا فعلى إمام المسلمين أن يستتيبه فإن نزع وإلَّا ضرب عنقه أخرجه ابن جرير.
قوله تعالى: ﴿فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ الآية.
فيه دليل على أن الممتنع من أداء الدَّين مع القدرة ظالم فيعاقب بالحبس وغيره (٢).
(١) وهذه العقود سواء كانت عقود بيع أو نكاح، وإن كانت معقودة على فساد، أي: إنّ عقود الأنكحة التي جرت في الشرك لا تتعقب بالنقض بعد إبرامها، كما في البيع بعد الإبرام.
(٢) ولكونه ظالمًا لقوله تعالى: ﴿لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ أي: لا تظلمون بأخذ الزيادة، ولا تظلمون بالنقصان من رأس المال.
وفي كونه يحبس قال الجصاص في أحكام القرآن (١/ ٥٧٥): «واتفق الجميع على أنّه لا يستحق العقوبة بالضرب، فوجب أن يكون حبسًا؛ لاتفاق الجميع أن ما عداه من العقوبات ساقط عنه في أحكام الدنيا».
стр. 149
• قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [٢٨٠].
فيه وجوب إنظار المعسر (١)، وتحريم حبسه وملازمته (٢).
ورد على من قال ببيع الحر في الدين (٣).
واستدل به على أن المديون لا يكلف الكسب لوفاء دينه؛ لأنه تعالى حكم بالإنظار ولم يوجب كسباً ولا غيره، ومن خالف في ذلك قال: إن الآية نزلت في الربا (٤).
• قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾.
فيه حث على الإبراء وأنه مع كونه مندوباً أفضل من الإنظار الذي هو واجب. أخرج ابن المنذر عن الضحاك قال النظرة واجبة، وخير الله الصدقة على النظرة.
• قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [٢٨٢].
أخرج البخاري عن ابن عباس قال: أشهد أن السلف المضمون إلى أجل
(١) لقوله: ﴿فَنَظِرَةٌ﴾ أي: فعليكم إنظاره.
(٢) وهو مبني على وجوب إنظاره أي: وتحريم مطالبته؛ لأنّ الأمر بالشيء نهي عن ضده، وإذا حرمت مطالبته فحبسه أولى.
(٣) لأنّ المولى سبحانه جعل له الإنظار، وهذه الآية ناسخة لما كان من قبل من بيع الحر بالدين، وهذا إن ثبت أنّ النّبي ﷺ أمر به في صدر الإسلام، كما ذكر ابن عطية.
(٤) أي: خاصة بها دون سائر الديون، فأمر الذي يتعاملون به في الجاهلية أن يأخذوا رؤوس أموالهم بلا زيادة، وينظروا المعسر حتى يوسر، كما أن الأصل الوفاء بالدين، والوفاء به لا يتم إلّا بالكسب، فكان الكسب واجبًا.
قال ابن الفرس في أحكام القرآن (١/ ٤١٤): «قُرئ (وإن كان ذا عسرة) قال بعضهم: على هذا تختص الآية بالربا، ومن قرأ: ﴿ذُو عُسْرَةٍ﴾ فهي عامة في جميع مَنْ عليه الدين. وهذا الذي ذكروه غير لازم، بل القراءتان كل واحدة منهما محتملة للتأويلين».
стр. 150
مسمى أن الله أحلَّه وأذن فيه ثم قرأ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾. وأخرج ابن أبي حاتم عنه في قوله: ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ قال: معلوم.
ففي الآية إباحة السلم، والاستدانة مطلقاً (١).
واستدل بها مالك على جواز تأجيل القرض (٢).
وفيها أن الأجل المجهول لا يجوز، فيستدل بها على بطلان كل بيع وسَلَم وعقد جرى فيه ذلك (٣).
قال ابن الفرس: وفيها دليل على أن السلم لا يكون إلا مؤجلاً.
وفيها الأمر بالكتابة، فقيل: إنه للندب، وقيل: للوجوب، ويؤيد الأول قوله:
(١) لعموم قوله: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ﴾ وهي نكرة في سياق شرط، والعبرة بعموم اللفظ.
والبيوع الجائزة المتعلقة بالدين نوعان:
الأوّل: بيع السلعة في الذمة إلى أجل مسمى وهو السلم -الذي استدل به المؤلف بالآية على إباحته- وهو: تعجيل الثمن وتأخير المثمن، أو بيع الدين بالعين، أو بيع عاجل بآجل.
والنوع الثاني: بيع السلعة المعينة بثمن إلى أجل مسمى، ومنها: الاستدانة التي ذكرها المصنف، وهي: بيع العين بالدين، أو بيع آجل بعاجل.
(٢) لقوله تعالى: ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ ولم يفصل بين القرض وسائر العقود في المداينات، فدخل في عموم المدانيات، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وقبلهما ابن عمر وجماعة من السلف، وخالف في ذلك جمهور أهل العلم، ومحل الخلاف فيما إذا اتفق الطرفان على تأجيله، فهل يلزم التأجيل أو لا يكون ملزمًا؟
فقال الجمهور بعدم اللزوم؛ لأنّ القرض عبارة عن إرفاق وتبرع، والتأجيل عبارة عن وعد، والوعد ليس بملزم.
أمّا من قال باللزوم فاستدل بقوله ﵇: «المؤمنون على شروطهم».
(٣) وهذا بالاتفاق؛ لما فيه من الغرر العظيم، وما يؤدي إليه من تنازع، وهذا الحكم مأخوذ من مفهوم قوله: ﴿أَجَلٍ مُسَمًّى﴾، وفسره ابن عباس بالمعلوم.
стр. 151
﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ الآية (١).
• قوله تعالى: ﴿وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ﴾.
استدل به بعضهم على أنه لا يكتب الوثائق إلا عارف بها عدل مأمون (٢).
• قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ﴾
فيه وجوب الكتابة (٣)، فقيل: على الكفاية، وقيل: على العين.
وقيل هو للندب (٤).
• قوله تعالى: ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾
فيه دليل على العمل بالإقرار (٥).
(١) حيث أسقط المولى الكتابة عند الأمن من ضياع الحق، ومن صوارف الأمر من الوجوب إلى الندب، كذلك فعله ﷺ حيث ابتاع بلا كتابة ولا إشهاد، وكذلك من الصوارف جريان العمل على عدم الكتابة في جميع ديار المسلمين.
ويُنبه إلى أنّ الخلاف هنا يؤثر في المسائل القادمة من الإشهاد، وإملال المولى؛ لأنّه وسيلته.
(٢) للأمر الوارد في الآية على الصفة المذكورة، وهي أن يكون عارفًا فقيهًا بكتابة الوثائق وما يلزم فيها؛ لأنّه لا يقدر على العدل والتسوية في الأمور الخطرة إلا لعارف بها.
ومما يؤكد الوجوب تحقيق المقصد من الكتابة، وهو حفظ الحقوق، وحفظها واجب، ولا يتم الواجب إلا بالعدل، فوجب أن يكون كذلك.
(٣) الوجوب مستفاد من النهي عن الامتناع؛ لأنّه أمر بضده، وهو الكتابة؛ ولأنّ الإجابة للكتابة وسيلة للكتابة، ووسيلة الشيء تأخذ حكمه، وهو مبني على أنّ الكتابة واجبة للأمر بها في قوله: ﴿فَاكْتُبُوهُ﴾ ﴿وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ﴾.
(٤) قال الجصاص في أحكام القرآن (١/ ٥٨٧): «قد بينا أن الكتاب غير واجب في الأصل على المتداينين، فكيف يكون واجبًا على الأجنبي الذي لا حكم له في هذا العقد ولا سبب فيه؟ وعسى أن يكون من رآه واجبًا إلى أن الأصل واجب».
(٥) لأنّ الشارع جعل ما يمليه المدين -الذي عليه الحق، وليس الدائن الذي له- إقرار منه واعتراف بالحق الذي عليه.
ولأنّ الكتب والشهادة إنّما هي بحسب إقراره، وما أُمر بذلك إلا ليعمل به.
стр. 152
• قوله تعالى: ﴿وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا﴾.
فيه أن كل من عليه حق فالقول قوله فيه (١)؛ لأنه تعالى لما وعظه في ترك البخس دلَّ على أنه إذا بخس كان قوله مقبولاً (٢)، وهذه قاعدة تحتها فروع لا تحصى.
• قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾.
فيه أن السفيه يحجرُ عليه وتلغي أقواله وتصرفاته وإقراره (٣)، وأنه لابد له من ولي يلي أمره (٤)، وأن الولي يقبل إقراره عليه (٥).
وفسر الضحاك والسدي السفيه هنا: بالصغير.
وفسر مجاهد الضعيف: بالأحمق وهو الناقص العقل، ففيه الحجر على المخبَّل والمجنون.
وفسر من لا يستطيع أن يمل بالأخرس، ومن لا يحسن اللغة.
واستدل بقوله: ﴿وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ على أنه لا يجوز أن يكون الولي ذمياً ولا فاسقاً (٦)، وأنه يجوز أن يكون عبداً أو امرأة؛ لأنه لم يشترط في الأولياء
(١) وذلك حال عدم وجود بينة لمن يدعي الحق له؛ لذا كانت البينة على المدعي، ولو لم يكن كذلك لادعى أناس أموال أناس، فهذه قاعدة عظيمة؛ ولذا قالوا: الأصل براءة الذمة في الدائن فيما لو ادعى الدائن - الذي له الحق- شيئًا زائدًا على استحقاقه.
(٢) ولو لم يكن قوله هو المعتبر، لم يكن لنهيه هنا فائدة، فأرجع الله ذلك إلى تقواه وديانته، لا إلى حقيقة الأمر.
(٣) لأنّ الشارع جعل التصرف لوليه
(٤) لأنّ حفظ ماله واجب، ولا يتم حفظ ماله إلّا بولي، فالولي واجب.
(٥) لأنّ الله ما أمره أن يمل في قوله: ﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ﴾ إلّا ليقبل قوله.
(٦) خرجا بمفهوم الصفة.
стр. 153
إلا العدالة، ذكره ابن الفرس (١).
• قوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾.
فيه الأمر بالإشهاد، فقيل: هو للندب، وقيل: للوجوب.
وفيه إشتراط العدد في الشهادة، وأنه لا يقبل في الشهادة صبي ولا كافر لقوله: ﴿مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ (٢).
واستدل بعمومه من يقبل شهادة العبيد، والأصول للفروع وعكسه، وأحد الزوجين للآخر، والصديق، والصِّهر، والعدو، والأعمى، والأخرس، وأهل الأهواء، وولد الزنا، والبدوي على الحضري، والقراء بالألحان، ولاعب الشطرنج، والبخيل المؤدي زكاته، والشاعر، والأغلف، وآكل الطين، والصيرفي، ومكاري الحمير، وناتف لحيته، والبائل قائماً (٣).
ومن رد الجميع أو بعضهم، قال: إنهم ممن لا ترضى، وقد قال: ﴿مِمَّنْ
(١) لسكوت الشارع في محل البيان والتشريع، فدلَّ على دخولهم في الولاية بالمال.
(٢) خرجا بمفهوم الصفة، وكذا بقوله تعالى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ وهما غير مرضيين.
(٣) دخل هؤلاء تحت عموم قوله: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ﴾ إذ ﴿الشُّهَدَاءُ﴾ جمع معرف فيعمّ ما يدخل تحت مسماه.
قال ابن الفرس في أحكام القرآن (١/ ٤٢٤): «وأصل النزاع في هذه المسائل عموم الآية المتقدم ذكرها، والتخصيص بالتهمة لقوله ﷺ : «لا تجوز شهادة خصم ولا ظنين»، أي: (متهم) فمن لم ير التهمة مؤثرة أخذ بعموم الآية فأجاز الشهادة، ومن رأى التهمة مؤثرة خصص عموم الآية بالحديث المذكور على اختلاف بين الأصوليين في مثل هذا التخصيص». والحديث المذكور قال عنه الألباني في الإرواء (٨/ ٢٩٢): " وأما حديث عمر فلم أقف على إسناده، ولا مرفوعاً، وقد ذكره مالك في الموطأ (٢/ ٧٢٠/ ٤) أنه بلغه أن عمر بن الخطاب قال: (لا تجوز شهادة خصم ولا ظنين)، وهذا موقوف معضل " أ. هـ. ونقله محقق أحكام القرآن عن أبي داود في المراسيل (٣٥٩)، ونقل عن ابن حجر في التلخيص الحبير (٤/ ٢٠٣) قوله: "ليس له إسناد صحيح، لكن له طرق يقوي بعضها بعضاً".
стр. 154
تَرْضَوْنَ﴾ (١).
• قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾.
فيه قبول شهادة النساء في الأموال ونحوها (٢)، وقصرها الزهري ومكحول على الدَّين خاصة لظاهر الآية (٣).
وفيه شهادة امرأتين تعدل شهادة رجل، وأنه لا يقبل في المال النساء الخلص (٤).
واستدل بظاهر الآية من منع شهادة رجل وامرأتين مع وجود رجلين (٥).
وأجاب الأكثر بأن المعنى فإن لم يشهد صاحب الحق رجلين فليشهد ما ذكر (٦).
واستدل أبو حنيفة على منع قبول الشاهد واليمين؛ لعدم ذكره في الآية مع ذكره فيها أنواع التوثيق (٧).
(١) ولكل شخص مسألة مستقلة، وأسباب رد الشهادة متعددة، وهي مذكور في كتب الأحكام.
(٢) كالمواريث والودائع والوكالات، وفي الوصايا خلاف، ومأخذه ظاهر الآية.
(٣) لقوله: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ﴾، وهذا الحكم محل إجماع إذا كان معهن رجل.
(٤) أمّا فيما يقع بينهن في الأعراس والمآتم والولائم، وكذا عيوب النساء والولادة، والاستهلال والرضاع فإنّها تقبل.
(٥) اختلف العلماء في الشرط في قوله: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ﴾ فقيل هو للترتيب، وعليه لا يجوز شهادة النساء إلّا عند عدم الرجال.
وقيل للتقسيم، أي: فإنّ لم تستشهدوا رجلين، فلتستشهدوا رجلًا وامرأتين، وقالوا: بأنّه لم يقل: فإن لم تجدوا، الدّالة على الترتيب.
(٦) أي: إنّ الشّرط للتقسيم لا الترتيب.
(٧) لأنّها زيادة على مقتضى الآية، والزيادة على النص عنده نسخ، والقرآن لا ينسخ بخبر الآحاد، الذي أثبت قول الشاهد مع يمينه.
كما أنّ مفهوم الحصر في الآية يقتضي حصر الحجة في ذلك، والشاهد مع يمينه غير داخل فيها.
وأجاب الجمهور بأن الزيادة على النص لا تقتضي النسخ، كما أن النسخ يشترط منه المنافاة، ولا منافاة بين الحكمين، والمفهوم ليس بحجة -إن قيل به- لأنّه معارض بمنطوق حديث الأحاد.
стр. 155
• قوله تعالى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾.
فيه اشتراط العدالة (١)، وأنه لا يكفي مجرد الإسلام (٢)، وأنه لا يقبل المجهول حاله (٣).
وفيه تفويض الأمر إلى اجتهاد الحكام، وجواز الاجتهاد في الأحكام الشرعيِّة (٤).
واستدل بالآية مع قوله: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ على أنه لابد من التزكية أن يقول هو عدل رِضي؛ لأنهما الوصف المعتبر في الشاهد، فلا يكفي ذكر أحدهما، ومن أكتفى به قال: إنه تعالى ذكر كل لفظ على حدة ولم يجمعهما، فدلَّ على أن أحدهما يغني عن الآخر.
• قوله تعالى: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾.
فيه أنه لا تجوز الشهادة لمن رأى خطه حتى يتذكر (٥)، وأن الشاهد إذا قال
(١) لأنّ لفظ الرضى يدل عليه، ومن العلماء من جعل الرضى والعدالة بمعنى واحد.
(٢) لأنّ الرضى أمر زائد على الإسلام.
(٣) وهو الذي لا يعرف بعدالة ولا فسق، والآية اشترطت معرفة عدالته.
(٤) لأنّ محل الرضى اجتهادي، فقد يرى البعض أنّ هذا رَضِي، وآخر لا يراه كذلك.
(٥) أي رأى خطه وعرفه ولم يشك فيه، ومع ذلك لم يعتبر المولى نسيان المشهود عليه حتى يتذكر ﴿فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾.
واستدل من قال بالجواز بقوله: ﴿وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا﴾ أي: لا تشكوا.
وقد علم أن النّاس ينسون وبهذا أمرهم، وأمره سبحانه بالكتابة والإشهاد ظاهره يدل على اعتبار الكتابة، حتى ولو نسي الكاتب، ولو كان الكتاب إذا رأه الشاهد لا يشهد حتى يعرف الشهادة لم يكن للكتاب معنى، وصار وجوده وعدمه سواء.
وقيل في هذا الاستدلال نظر؛ لأنّه لعله إنّما أراد بالكتاب لعله يتذكر به.
стр. 156
لا أذكر ثم ذكر يقبل قوله (١).
• قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾.
قال قتادة: إلى تحمل الشهادة (٢)، وقال مجاهد: إلى أدائها (٣)، وقال الحسن: إليهما معاً، ففيه وجوب التحمل والأداء (٤).
ويستدل به على أن العبد لا مدخل له في الشهادة؛ لأنه غير متمكن من الإجابة إذا دعي إلا بإذن السيد (٥).
• قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ﴾
قال إلكيا: يستدل به على أن يكتب صفة الدَّين وقدره؛ لأن الأجل بعض أوصافه فحكم سائر أوصافه بمنزلته (٦).
(١) ويجوز له إقامة الشهادة؛ لأنّه سبحانه قبل شهادة المرأة التي نسيت إذا ذكرتها الأخرى.
(٢) قيل: إنّ الآية نزلت في الرجل يطوف على القوم الكثير يطلب من يشهد له، فيتحرجون من الشهادة.
(٣) لدخوله في معنى الشهادة ومؤكد بقوله: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ﴾.
والشهداء حقيقة فيمن قد تحمَّل فيطلب منه الأداء، فيكون حقيقة فيمن طلب منه الأداء،
فجاز فيمن طلب منه التحمل باعتبار ما سيؤول إليه، ويحتمل أن يراد الجميع، فيكون من باب حمل المشترك على حقيقته ومجازه. انظر: تيسير البيان للموزعي (١/ ١٨٢).
(٤) لأنّ النّهي عن الشيء أمر بضده، فحرم الامتناع من الشهادة تحملًا وأداءًا ممن دُعي إليها؛ لما في ذلك من ضياع الحقوق.
(٥) أي: ليست واجبة عليه الشهادة تحملًا وأداءً؛ لأنّ الإجابة معلقة بإذن واختيار غيره.
(٦) أي: بالقياس على الأجل، وهو أحد الأوصاف.
ويفهم كذلك من كتْب الصغير والكبير، كتابة الأوصاف من الصفة والقدر.
стр. 157
• قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً﴾ إلى آخره.
فيه الرخصة في ترك الكتابة في بيع الحاضر (١)، والأمر بالإشهاد فيه (٢).
• وفي قوله: ﴿تُدِيرُونَهَا﴾، الإشارة إلى القبض (٣).
• قوله: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾.
فيه النهي عن مضارتهما بأن يجبرا على الكتابة والشهادة ولهما عذر، وإن كان المرفوع فاعلاً ففيه النهي عن مضارتهما صاحب الحق بالامتناع أو تحريف الحق، ويؤيده قراءة عمر: ولا يضارِر بكسر الراء أخرجه عبد الرزاق وسعيد بن منصور.
• قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ﴾ الآية [٢٨٣].
فيه مشروعية الرهن (٤)، واشتراط القبض فيه (٥).
واستدل مجاهد بظاهر الآية على أن الرهن لا يجوز إلا في السفر (٦).
(١) لقوله: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا﴾.
(٢) لقوله: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ وهي عند الجمهور للإرشاد والندب؛ لقوله: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾.
(٣) قال القرطبي في جامعه (٣/ ٤٠٢): ﴿تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ﴾ يقتضي التقابض والبينونة بالمقبوض.
(٤) الرهن: مؤنثة، دين بعين، يمكن استيفاء الدين أو بعضه من تلك الدين أو من بعضها، وهو بدل الكتابة والشهادة، وهو هنا حال السفر وعدم وجود الكاتب، والبدل يأخذ حكم المبدل منه.
(٥) أي: قبض الرهن للمرتهن، والمعنى رهان تقبض.
وقوله: ﴿مَقْبُوضَةٌ﴾ صفة لرهان، وهل هذه الصفة تكون شرطًا للزوم أو الصّحة، أو لبيان حقيقة التوثيق التام، وأنّه يحصل بالقبض، وخاصة إذا كان العقد في السفر وليس ثمة كاتب.
(٦) لمفهوم الشرط: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ﴾.
وعورض بالمنطوق من حديث أنس ﵁ «لقد رهن النبي ﷺ درعًا بالمدينة عند يهودي وأخذ منه شعيراً لأهله» أخرجه البخاري (٢٠٦٩)، كما أن تخصيصه بالسفر؛ لأنّه مظنة عدم وجود الكاتب.
стр. 158
واستدل به الضحاك على أنه لا يجوز في السفر إلا عند فقد الكاتب لقوله: ﴿وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا﴾ (١)، أخرجه ابن المنذر عنه.
وفي الآية رد على من منع الرهن في السلم (٢).
• قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ﴾ إلى آخره.
استدل به على أن القابض أمين فيما قبضه، فيكون القول قوله (٣)، وهذه قاعدة تحتها فروع كثيرة.
• قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ﴾ الآية.
فيه تحريم كتم الشهادة وأنه من الكبائر (٤).
قال إلكيا: يستدل بآية الدَّين على وجوب حفظ المال والمنع من تضييعه.
• قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [٢٨٦].
استدل به على منع تكليف ما لا يطاق (٥)، ومنه حديث النفس، وعلى سقوط القيام في الصلاة ونحوه عن العاجز، ومن تلحقه مشقه شديدة، وكذا
(١) لمفهوم الشرط، وكونه بدلًا.
(٢) قال ابن قدامة في المغني (٤/ ٢٢٢): «والحجة فيه قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ﴾ إلى أن قال: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ واللفظ عامّ، فيدخل السلم في عمومه؛ لأنه أحد نوعي البيع.
(٣) المقصود بالقابض المدين الذي أخذ المال، وكونه أمينًا؛ لأنّ الله جعل الرهن بدلًا عن الكتابة والشهود، فكان الرهن ناطقًا بقدر الحق. ولم يكن وثيقة بالدين ولا بدلًا … فدلالة الحال أنّه إنّما رهنه على قيمة ما يقاربها. ولو كان القول قول الراهن لم يكن للرهن فائدة.
(٤) لقوله: ﴿وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ يؤيده قوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ﴾.
(٥) ووجه العمل به في هذا الحكم والذي قبله كونه دعاء استُجيب لهذه الأمة، بقوله في الحديث: (قد فعلت) أخرجه الإمام مسلم (١٢٦).
стр. 159
الطهارة بالماء والصوم (١).
• قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾.
هذا أصل قاعدة: أن الناسي والمخطيء غير مكلفين، ومن فروعها عدم حنث الناسي والجاهل وسائر أحكامها.
• قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾.
فيه دليل على منع تكليف ما لا يطاق (٢)، والله تعالى أعلم.
(١) لإخباره سبحانه أنه: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾.
(٢) ووجه العمل به في هذا الحكم والذي قبله كونه دعاءً استجيب لهذه الأمة بقوله في الحديث القدسي: (قد فعلت).