Полный текст (159 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
• قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾.
قال ابن عباس: الفضل عن العيال، أخرجه الطبراني وغيره، ففيه تحريم الصدقة بما يحتاج إليه لنفقة من تلزمه نفقته (١).
واستدل به سحنون على منع أن يهب الرجل ماله بحيث لا يبقى له ما يكفيه.
• قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ الآية [٢٢٠].
قال إلكيا: فيه دلالة على جواز خلط الولي ماله بماله (٢)، وجواز التصرف فيه بالبيع والشراء إذا وافق الإصلاح (٣)، وجواز دفعه مضاربة إلى غيره.
وفيه دلالة على جواز الاجتهاد في أحكام الحوادث؛ لأن الإصلاح الذي تضمنته الآية إنما يعلم من طريق الاجتهاد، وغالب الظن.
وفيه دلالة على أنه لا بأس بتأديب اليتيم وضربه بالرفق لإصلاحه (٤) انتهى. وفيه دلالة على جواز خلط أزواد الإخوان (٥).
(١) لأنّ قوله: ﴿قُلِ الْعَفْوَ﴾ معناه: أنفقوا العفو، وهو أمر بعد سؤال عن أمر أخروي، فيحمل على الوجوب أو الندب، وهو مأمور بالنفقة على عياله؛ لتفسير ابن عباس، وهذا يقتضي تحريم الصدقة بما يحتاج عياله.
(٢) لأنّه سبحانه علل ذلك بكونهم إخواننا، ومن المتأكد مخالطة الإخوان.
(٣) لأنّه أمر بذلك بقوله: ﴿إِصْلَاحٌ لَهُمْ﴾ أي: أصلحوا لهم، وهو مصدر نائب عن فعل الأمر.
وهو وإن ورد بعد سؤال في أمر تتعلق مصلحته بالدنيا، مما يجعله مباحًا، إلّا أن وصف الفعل بأنّه ﴿خَيْرٌ﴾، والحث على مخالطتهم يرفعه إلى الوجوب أو الندب.
(٤) لم يقل سبحانه (إصلاحهم) وإنّما قال: ﴿إِصْلَاحٌ لَهُمْ﴾ حتى يشمل صلاح الدين، والبدن، والأدب، والخلق، وصلاح المال.
(٥) ﴿فَإِخْوَانُكُمْ﴾ أي: فإنهم إخوانكم، وهذه العلة ثابت بالإيماء، ولما علل مشروعية ذلك بأموال اليتامى، دلّ على أنّ الإخوان كذلك، وكما أن العلة التي جاز فيها الخلط بين الإخوان هي المشقة، جعل المولى الخلط مع مال اليتيم كذلك، لذات العلة.
стр. 107
• قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾.
أصل لقاعدة: الأمور بمقاصدها، فرب أمر مباح أو مطلوب لمقصد ممنوع باعتبار مقصد آخر (١).
• قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [٢٢١].
فيه تحريم نكاحهن مطلقاً، وقد خص منه في سورة المائدة الكتابيات، وأخذ ابن عمر بعموم هذه الآية فحرم نكاح اليهودية والنصرانية (٢).
• قوله تعالى: ﴿وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ﴾.
قال إلكيا وغيره: ظن قوم أنه يدل على جواز نكاح الأمة مع وجود طول الحرة وهو غلط؛ لأنه ليس في الآية نكاح الإماء، وإنما ذلك للتنفير عن نكاح الحرة المشركة؛ لأن العرب كانوا بطباعهم نافرين عن نكاح الأمة، فقال تعالى: ﴿ذَلِكَ﴾ أي إذا نفرتم عن الأمة فالمشركة أولى.
قلت لا غلط في ذلك فالآية تدل على جواز نكاح الأمة مع وجود الحرة المشركة إذا لم يجد سواها؛ لأن وجود الحرة المشركة كالعدم لعدم جواز نكاحها مطلقاً.
(١) عُلِّق على علمه سبحانه، وهو يعلم القصود، والنوايا، ولعل المعنى: ربّ أمرٍ مباحٍ أو مطلوب، يكون بقصد آخر ممنوعًا، وإصلاح مال اليتامى مباح، وإذا قصد به أكله، فهو حرام.
(٢) أخذ بعموم (المشركات) وقال: «لا أعلم من الشرك شيئًا أكبر، أو قال: أعظم من أن تقول ربها عيسى».
قيل: إنّه ذهب للكراهة فقط، وقيل: لم تصح رواية التحريم عنه، أو تحمل على الكتابيات الحربيات، كقول ابن عباس رضي الله عن الجميع. ينظر: تيسير البيان للموزعي (١/ ٣٢١).
стр. 108
• قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾.
فيه تقديم اعتبار الدين في النكاح على الشرف والجمال والمال ونحو ذلك.
• قوله تعالى: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾.
فيه تحريم نكاح الكافر للمسلمة مطلقاً وهو إجماع.
واستدل به على اعتبار الولي في النكاح.
فأخرج ابن جرير عن أبي جعفر محمد بن علي أنه قال: النكاح بولي في كتاب الله ثم قرأ: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾، برفع التاء (١).
• قوله تعالى: ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ﴾.
فيه جواز نكاح العبد الحرة.
• قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [٢٢٢].
فيه تحريم وطء الحائض (٢)، ودليل لما يقوله الأطباء إن وطأها مضر (٣).
(١) فأسند نكاح النساء إلى الرجال الأولياء
قال ابن العربي في أحكام القرآن (١/ ٢١٩) عن هذا الاستدلال: وهي مسألة بديعة، ودلالة صحيحة.
ورأى الألوسي في تفسيره روح المعاني (١/ ٥١٣) عدم دلالتها على المسألة؛ لأنّ المراد النهي عن اتباع هذا الفعل، والتمكين منه، وكل المسلمين أولياء في ذلك.
(٢) لقوله: ﴿فَاعْتَزِلُوا﴾ وهو أمر بمعنى: النهي، والنهي يقتضي التحريم.
(٣) إذ جعل علة التحريم كونه أذًى، بدلالة الإيماء ﴿هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا﴾ فاقترن الحكم بالوصف (العلة) ولو لم تكن هي العلة لكان الكلام معيبًا، وجلّ سبحانه عن ذلك.
стр. 109
واستدل بعضهم بعموم: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ﴾ على وجوب اعتزال جميع بدنها أن يباشرها بشيء من بدنه (١)، أخرجه ابن جرير عن عبيدة السلماني.
• قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾.
يستدل به على أنه يحرم الوطء دون الاستمتاع بما بين السرة والركبة (٢)، ويؤيده قوله بعد: ﴿فَأْتُوهُنَّ﴾ فإنه يدل على أن المحرم قبله (٣) الوطء فقط.
واستدل أبو حنيفة بقوله: ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ بالتخفيف على إباحة الوطء بمجرد انقطاع الدم دون غسل.
واستدل الشافعي بقراءة التشديد وبقوله ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ على توقفه على الغسل (٤).
وحمل بعضهم التطهر في الآية على غسل الفرج فقط (٥)، وبعضهم على الطهر الأصغر، وهو الوضوء (٦).
وقال قوم: نعمل بالقراءتين جميعاً فتحمل قراءة التخفيف على انقطاع الدم
(١) لعموم لفظ ﴿النِّسَاءَ﴾ في شموله من حيث الاعتزال مكان الوطء أو غيره.
ويجاب عنه: أن المراد بالمحيض هنا: موضع الدم، ومفهوم الظرف جواز مباشرة غيره، ثم إنّه خلاف هدي النّبي ﷺ فعلًا وقولًا، ومن قوله: «جامعوهن في البيوت، واصنعوا كل شيء إلّا النكاح» رواه مسلم (٣٠٢)، وفعله لقوله عائشة ﵂ «كان يأمرني فأتزر فيباشرني وأنا حائض» رواه البخاري (٣٠٠)، وفي حديث ميمونة: «كان يباشر نساءه فوق الإزار وهنّ حُيض» أخرجه البخاري (٣٠٣)، ومسلم (٢٩٤) واللفظ له.
(٢) لأنّ موضع الوطء هو الذي يحتاج للتطهير.
(٣) أي: قوله: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ﴾.
(٤) قال ابن عباس ومجاهد ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ أي: اغتسلن.
(٥) لأنّه مكان الأذى.
(٦) كل ذلك يسمى تطهرًا، وطُهورًا وطُهْرًا لغة وشرعًا.
стр. 110
أكثر الحيض (١)، وقراءة التشديد على انقطاعه لدونه، وهو بعيد جداً.
قلت: ويمكن إعمال القراءتين على وجه آخر وهو الإشارة بقراءة التخفيف إلى أن الغسل حال جريان الدم لا يصح ولا يبيح، فوقف حمل الوطء على الانقطاع بقوله ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ وعلى الاغتسال (٢) بقوله: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾.
ويؤيد هذا ما أخرجه ابن أبي حاتم وغيره من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ﴾، يقول: اعتزلوا نكاح فروجهن ولا تقربوهن حتى يطهرن من الدم فإذا تطهَّرن بالماء.
واستدل بعموم الآية من قال بإجبار الذمية على الغسل من الحيض (٣).
• قوله تعالى: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾.
قال ابن عباس من حيث أمركم أن تعتزلوهن في الحيض، وهو الفرج خاصة أخرجه ابن جرير.
ففيه اختصاص الوطء بالفرج وكذا قال مجاهد وغيره.
• قوله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [٢٢٣].
قال ابن عباس: أي قائمة وقاعدة ومقبلة ومدبرة، أخرجه عبد في تفسيره (٤).
(١) أي: فيمن كانت أيامها عشرًا، فيجوز للزوج وطئها بمضي العشر.
وقالوا: انقطاع الدم معتبر بأحد شيئين: الغسل، والآخر مضى وقت صلاة فيلزمها فرض صلاة، ولزوم فرضها مناف لبقاء حكم الحيض.
(٢) فتوقف الحل على غاية وشرط، ويكون الحل بهما، والحرمة بانتفاء أحدهما.
(٣) العموم إمّا بلفظ ﴿النِّسَاءَ﴾، وفي ضمير النسوة ﴿يَطْهُرْنَ﴾ فيعمّ المسلمة أو الذّمية. ولأن الحكم يدور مع علته، والتحريم لكون المحيض أذى، فلابد من إزالته.
(٤) قول ابن عباس هو المأخذ، ووجه العموم المأخوذ من قوله: ﴿أَنَّى شِئْتُمْ﴾ و ﴿أَنَّى﴾ تستعمل بمعنى: أين، وهي عامّة في المكان، فتشمل القبل والدبر.
وبمعنى: كيف، أي كيف شاء، مقبلة ومدبرة، قائمة ومضجعة، وهو الذي ذهب إليه ابن عباس هنا، والأوّل وهو المكان مشترط أن يكون في صمامٍ واحدٍ، كما سيأتي عن ابن عباس.
стр. 111
وأخرج ابن أبي حاتم وغيره عنه قال: من حيث جاء الدم من ثمَّ أمرت أن تأتي، فقيل: كيف بالآية: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾، قال ويحك وفي الدبر من حرث؟ (١) لو كان ما تقول حقاً لكان المحيض منسوخاً إذا شغل من ههنا جئت من ههنا، ولكن ﴿أَنَّى شِئْتُمْ﴾ من الليل والنهار (٢).
وأخرج ابن جرير عنه قال يعني بالحرث الفرج ومن طريق عكرمة عنه قال: الحرث موضع الولد.
واستدل ابن عمر بالآية على إباحة الوطء في الدبر، وقال: إنما نزلت رخصة فيه (٣)، أخرجه البخاري وغيره، وله شاهد من حديث أبي سعيد الخدري (٤).
وقال الطحاوي: روى أصبغ بن الفرج عن عبد الرحمن ابن القاسم قال: ما أدركت أحداً أقتدي به في ديني يشك في أنه حلال، ثم قرأ الآية، قال: أي شيء
(١) استدل به بمفهوم جواز اتيان الحرث، عدم جواز إتيان الدبر؛ لأنّ الحرث والزرع مكانه القبل.
(٢) لأنّ ﴿أَنَّى﴾ أداة شرط تأتي للزمان كما تأتي للمكان.
(٣) ربما خصوا الرخصة حال كون المرأة حائضة
ومأخذه: ما سبق في عموم ﴿أَنَّى﴾ للمكان، لكن قول الصحابي، عُورض بقول ابن عباس فلا حجة فيه، وهي من اجتهاده لا روايته؛ لذا قال ابن عباس كما عند أبي داود «إنّ ابن عمر وهم، والله يغفر له»، كيف وقد ورد أن عمر بن الخطاب ﵁ جاء إلى النّبي ﷺ فقال: يا رسول الله «هلكت: حولت رحلي البارحة، فأنزلت هذه الآية ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ أقبل وأدبر، واتق الدبر والحيضة». أخرجه الإمام أحمد (١/ ٢٩٧) والترمذي (٥/ ٢٠٠) من وجه صحيح.
(٤) يريد قول أبي سعيد الخدري: «أن رجلًا أصاب امرأته في دبرها، فأنكر الناس ذلك عليه، وقالوا: أبعرها، فأنزل الله هذه الآية».
والشاهد ضعيف، وهو معارض بما صحّ في سبب نزولها من قول جابر ﵁: «كانت اليهود تقول: إذا جامعها من ورائها جاء الولد أحول، فنزلت: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ رواه البخاري في كتاب التفسير.
стр. 112
أبين من هذا؟.
واستدل آخرون بها على إباحة العزل، أخرج الحاكم عن ابن عباس أنه سئل عن العزل فقال: إنكم قد أكثرتم، فإن كان رسول الله ﷺ قال فيه شيئاً فهو كما قال، وإن لم يكن قال فيه شيئاً فأنا أقول: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ فإن شئتم فاعتزلوا وإن شئتم فلا تفعلوا (١).
• قوله تعالى: ﴿وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ﴾.
قال ابن عباس يقول: بسم الله عند الجماع أخرجه ابن جرير.
• قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾ الآية [٢٢٤].
قال ابن عباس: يقول الله لاتجعلني عرضة ليمينك أن لا تصنع الخير، ولكن كفر عن يمينك وأصنع الخير (٢)، أخرجه ابن أبي حاتم.
ففيه استحباب الحنث والتكفير لمن حلف يميناً فرأى غيرها خير منها (٣).
وقيل: أراد به النهي عن كثرة الحلف؛ لأنه نوع جراءة على الله وابتذال لاسمه في حق أو باطل (٤).
(١) بناء على العموم في ﴿أَنَّى﴾ للمكان فيشمل وضعه ما بين الفخذين دون الفرج كذلك.
(٢) ومعنى: ﴿عُرْضَةً﴾ مانع، وقول ابن عباس مأخذ الحكم، وهو على أن قوله: ﴿أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا﴾ مفعول من أجله، فيقدر ما يقتضيه المعنى.
ونظم الآية: لأجل أن تبروا وتتقوا، ولا يكون ذلك إلّا بالحنث.
(٣) للمأخذ السابق، والإتيان بالخير، ولا يكون إلّا بالحنث -وهوعدم الوفاء بيمينه- فيكون الحنث مستحبًا حينئذ، وما لا يتم المندوب إلّا به فهو مندوب.
وفي الصحيح: «من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها، فليكفر عن يمينه، وليفعل الذي هو خير» ..
(٤) ومن أكثر ذكر شيء فقد جعله عُرضة، وقد روى عن أمنا عائشة ﵂ أنّها نزلت في تكثير اليمين بالله، نهينا أن يحلف الرجل به بارًا، فكيف فاجرًا؟.
стр. 113
• قوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [٢٢٥].
قالت عائشة: هو قول الرجل: لا والله وبلى والله (١)، أخرجه البخاري، وفي لفظ عنها عند عبد الرزاق: هم القوم يتدارءون في الأمر فيقول هذا: لا والله وبلى والله، وكلا والله يتدارءون في الأمر لا تعقد عليه قلوبهم.
وأخرج ابن أبي حاتم عنها قالت: إنما اللغو في المزاحة والهزل، وهو قول الرجل: لا والله وبلى والله، فذاك لا كفارة فيه، إنما الكفارة فيما عقد عليه قلبه أن يفعله ثم لا يفعله.
فعلى هذا في الآية دليل على اعتبار القصد في اليمين، وأن من سبق لسانه إليها بلا قصد لا ينعقد.
وأخرج ابن جرير عن أبي هريرة قال: لغو اليمين حلف الإنسان على الشيء يظن أنه الذي حلف عليه فإذا هو غير ذلك.
وأخرج من طريق العوفي عن ابن عباس قال: هو أن يحلف الرجل على الشيء يراه حقاً وليس بحق، وأخرج عن جماعة من التابعين مثله.
فاستدل بها من قال: إن من حلف على غلبة ظنه لا إثم عليه ولا كفارة، قصد اليمين أو لم يقصدها.
وأخرج أيضاً عن مسروق وغيره: أنه الحلف على المعاصي، فبِّره ترك ذلك الفعل، ولا كفارة.
وأخرج عن ابن عباس وطاووس أنه اليمين في حالة الغضب، فلا كفارة فيها،
(١) اختلف العلماء في المقصود بالمؤاخذة هل هي في الآخرة، أو في الدنيا وهي الكفارة؟
وبناء على الخلاف السابق وقع الخلاف في تفسير يمين اللغو، وساق المصنف ثمانية أقوال.
стр. 114
وأخرج عن النخعي أنه الذي يحلف على الشيء ثم ينساه، فلا كفارة.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: لغو اليمين أن يحرِّم ما أحلَّ الله، فذلك ما ليس عليك فيه كفارة، يعني أن يقول: مالي علي حرام إن فعلت كذا مثلاً.
قال ابن الفرس: وبهذا أخذ مالك إلا في الزوجة.
وأخرج ابن جرير عن زيد ابن أسلم قال: هو كقول الرجل أعمى الله بصري إن لم أفعل كذا ونحوه، وكقوله: هو كافر هو مشرك إن لم يفعل كذا، فلا يؤاخذ به حتى يكون من قلبه.
وقيل لغو اليمين: يمين المكره حكاه ابن الفرس ولم أره مسنداً (١).
• قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾.
فيه انعقاد اليمين بالقصد وفسَّره قوم بأن يحلف وهو يعلم أنه كاذب.
وأسند ابن جرير من طريق علي عن ابن عباس أن ذلك اليمين الصبر الكاذبة، وأنه لا كفارة لها بل المؤاخذة في الآخرة (٢)، وبه قال مالك وغيره.
(١) قال ابن الفرس في أحكام القرآن (١/ ٣٠٣): «إنّما يقوي بعض هذه الأقوال ويضعف بحسب ما ذكره الله في الآية من اللغو والكسب، وذلك أن اللغو ما لم يتعمد أن يسقط، وما حقه أن يسقط، وكسب ما قصده ونواه».
(٢) يمين الصبر هي التي يكون فيها متعمدًا للكذب، قاصدًا لإذهاب مال المسلم، كأنّه يصبر النفس على تلك اليمين، أي: يحبسها عليها.
وفي الحديث المتفق عليه: «من حلف علي يمين صبر، وهو فيها فاجر، يقتطع بها مال امرئ مسلم، لقي الله يوم القيامة، وهو عليه غضبان» أخرجه البخاري (٦٦٧٧)، ومسلم (٢٢٠).
وقوله: «المؤاخذة في الآخرة»؛ لأن اليمين التي تجب فيها كفارة هي المعقودة ﴿بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾، ويمين الغموس محلولة غير منعقدة.
стр. 115
وأوجب الشافعي فيها الكفارة أخذاً من عموم المؤاخذة؛ ولأنها المنفية (١) في أول الآية بدليل قوله في المائدة ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ﴾ (٢).
• قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ﴾ الآيتان [٢٢٦].
قال إلكيا: ليس في نظم القرآن ما يدل على الجماع (٣) ولا على الحلف على مدة معلومة فاختلف العلماء:
فمنهم من لم يفصل بين اليمين المانعة من الجماع والكلام والإنفاق فضرب له الأربعة أشهراً أخذاً من عموم الآية (٤).
ومنهم من خصها بالجماع سواء كان عن غضب أو لا (٥).
ومنهم من خصها بالجماع عن غصب (٦).
(١) والأفعال نكرات، وورودها في سياق النفي ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ﴾ يجعلها عامّة،، وتعمّ عدم المؤاخذة في الدنيا والآخرة.
(٢) عقد اليمين بمعنى كسب القلوب، وهو العقد عليه، ونيته، ولا خلاف في وجوب الكفارة والمؤاخذة في الدنيا.
(٣) أي: أنها مفتقرة عليه؛ لأن العلماء عرفوا الإيلاء بأنّه: الحلف على ترك وطء المرأة. فالمُولي: الذي يحلف بالله ألا يطأ زوجته أكثر من أربعة أشهر كما سيأتي.
والجماع قطعًا داخل؛ لأنّه سبب نزول الآية حيث كان الإيلاء في الجاهلية السنة والسنتين، فوقت لهم الشارع أربعة أشهر.
وقد كان الرجل لا يريد المرأة، ولا يحب أن يتزوجها غيره، فيحلف ألّا يقربها أبدًا فيضر بها.
(٤) لعله يريد العموم البدلي (الإطلاق)؛ لأن الأفعال لا عموم فيها، وهي نكرة في سياق إثبات، والإيلاء والحلف، يعمّ الحلف على الجماع وغيره مما ذكره.
لكن الجمهور على إضمار الجماع، أي: يحلفون على عدم وطء زوجاتهم.
(٥) قصرها على الجماع هو من قصر العام على سببه، ومن سببه كذلك كونه لا يريدها، لكنه لا يريد أحدًا أن يتزوجها، ومن لم يقصر العام على سببه عمم.
(٦) كما سبق من قصر العام على سببه؛ ولأنّ العادة أن الحلف على امتناع الجماع إنما يكون عن غضب، والمقصود أنّه يكون موليًا إذا حلف لا يجامعها على وجه.
стр. 116
وفي الآية أنه يمهل أربعة أشهر من الإيلاء ثم يطالب بالفيئة أو الطلاق (١).
واستدل الشافعي بها على من آلى أربعة أشهر فقط لا يكون مؤلياً، خلافاً لأبي حنيفة في قوله بوقوع طلقة (٢)؛ لأن مدة أربعة أشهر حق خالص له فلا يفوت به حق، ولا يتوجه عليه مطالبة (٣).
وفي الآية رد على من خصص الإيلاء بالمؤبد، بخلاف المقيد بوقت، أو صفة لإطلاق الآية (٤).
وعلى القائل إن من حلف على دون أربعة أشهر ولو يوماً أن يتركها أربعة أشهر من غير جماع (٥).
وعلى من قال بوقوع الطلاق بمضي المدة لقوله: ﴿فَإِنْ فَاءُوا﴾ ﴿وَإِنْ عَزَمُوا﴾ (٦)، وفي لفظ العزم ما يدل على قصد الطلاق وإنشائه. وكذا قوله: ﴿سَمِيعٌ﴾
(١) الطلاق حال امتناعه عن الفيئة وهي الرجوع عن موجب يمينه، فيطأ زوجته.
(٢) إذا تمت الأربع، ولا أثر لفيئته بعدها، ولا يتوقف على القاضي.
(٣) أي: فلا يفوت بالأربعة أشهر حق الخيار بين الفيئة والطلاق، ولا يتوجه عليه مطالبة بطلاق.
وسبب الخلاف: الخلاف في التقدير في قوله: ﴿فَإِنْ فَاءُوا﴾، فقيل: (فإن فاؤوا فيهن) أو (فيها) وهي قراءة أبي بن كعب، وهو مذهب الحنفية.
وقدَّر الشافعي (فإن فأوا بعدهن) وسيأتي ما يدل عليه من السياق.
وكذا وقع الخلاف في الفاء في قوله: ﴿فَإِنْ فَاءُوا﴾ هل هي للترتيب الزماني، أي: زمن المطالبة بالفيء أو الطلاق عقب الأجل المضروب.
أو للترتيب الذكري، فتفيد الترتيب المفصل (الفيء والطلاق) على المجمل، فيجوز أن يكون خلال الأجل المضروب، فإذا انقضى الأجل دون فيئة، وقع الطلاق.
(٤) فلم تقيد الآية الإيلاء بمؤبد أو غير مؤبد، والذي قصرها على المؤبد أراد قصر الآية على سبب نزولها، كفعل الجاهلية، وربما حلف ألا يطأ امرأته على التأبيد.
(٥) أي: رد عليه في كونه إيلاءً، فليس ذاك بإيلاء؛ لمفهوم العدد ﴿أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾.
(٦) باعتبار أن الفاء للترتيب الزماني، كما سبق.
стр. 117
بمسموع وهو النطق بالطلاق ومضي المدة ليس بمسموع.
وعلى من قال بصحة الإيلاء من الأجنبية (١)؛ لقوله: ﴿مِنْ نِسَائِهِمْ﴾.
واستدل بعموم الآية على صحة الإيلاء من الكافر (٢)، وبأي يمين كان (٣)، ومن غير المدخول بها، والصغيرة (٤) والخصي (٥).
وأن العبد يضرب له الأربعة أشهر كالحر (٦).
واستدل بها محمد بن الحسن على امتناع تقديم الكفارة على الحنث (٧)؛ لأنه
(١) كأن يضيف الإيلاء إلى النكاح، فيقول: إن تزوجتك فوالله لا أقربك، وفي الآية رد من قال بصحة الإيلاء من الأجنبية؛ لمفهوم الصفة في قوله: ﴿مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ وهي ليست من نساءه، فلا تكون محلًا للإيلاء.
وقد أجاز الحنفية إضافة الطلاق والإيلاء، وتعليقه على النكاح؛ لأنّ المعلق بالشرط كالمنجز عند وجود الشّرط.
أمّا الشافعية فلا يصح عندهم الإيلاء المضاف إلى النكاح (التعليق) حتى يقع، والمرأة التي عُلق إيلاؤها على نكاحها ليست زوجة عند حصول الإيلاء.
فالحنفية يجعلون التعليق يؤخر انعقاد الإيلاء حتى يوجد المعلق، والشافعية يمنعون ترتب الحكم عليه حتى يوجد الشرط المعلق عليه.
(٢) أي: الذمي إذا ترافع إلينا، والعموم لاسم الموصول ﴿لِلَّذِينَ﴾ وضمير الجمع: ﴿يُؤْلُونَ﴾.
(٣) لإطلاق الآية فتدخل فيه كل يمين منعت جماعًا.
قال القرطبي في جامعه (٣/ ١٠٣ - ١٠٤): «قال ابن عبد البر: وكل يمين لا يقدر صاحبها جماع امرأته من أجلها، إلّا بأن يحنث فهو مؤل، إذا كانت يمينه على أكثر من أربعة أشهر، فكل من حلف بالله، أو بصفة من صفاته، أو قال: أقسم بالله، أو على عهد الله وكفالته وميثاقه وذمته؛ فإنه يلزمه الإيلاء، فإن حلف بالصيام ألا يطأ امرأته، فقال: إن وطئتك فعلي صيام شهر، أو سنة فهو مؤل، وكذلك كل ما يلزمه من حج أو طلاق أو صلاة أو صدقة».
(٤) لعموم الجمع المضاف ﴿مِنْ نِسَائِهِمْ﴾.
(٥) والخصي هو الذي بقي من ذكره ما لا يمكن أن يفيئ به،.
(٦) لدخوله، وكذا الخصي في عموم ﴿لِلَّذِينَ﴾، وضمير الجمع ﴿يُؤْلُونَ﴾ وهو قد آل وحلف.
(٧) الحنث بأن يطأها قبل انتهاء المدة، فعليه كفارة يمين، فعلى قول محمد بن الحسن لا يجوز التكفير قبل الحنث بالوطء، وإنما يكفر بعدما يطأ.
стр. 118
حكم للمولى بأحد الحكمين الفيء أو الطلاق فلو جاز تقديم الكفارة لبطل الإيلاء بدونهما، ففيه إسقاط حكم الإيلاء بغير ما ذكر الله.
واستدل الحسن وبعض أصحابنا بقوله: ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ على أنه لا يلزمه كفارة اليمين (١).
واستدل بتخصيص هذا الحكم بالمولى على أن من ترك الوطء ضراراً بلا يمين لا يجري عليه هذا الحكم (٢).
واستدل بقوله: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا﴾ من قال إن الحاكم لا يطلق عليه (٣)؛ لأنه جعل الفيء والطلاق للمولي لا لغيره (٤).
• قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [٢٢٨].
فيه وجوب العدة على المطلقات طلاقاً رجعياً أو بائناً (٥) بشرط الدخول كما
(١) أي: قبل انقضاء الأربعة أشهر، إن رجع فيها؛ لأنّ الله قال: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي: لتلك اليمين.
وقيل: المراد: غفور لهم ما أتوه من ضرر المرأة بالحلف، أي: الإثم المترتب على هذا. وقيل: لأنّه لم يكن أنزلت الكفارة في المائدة، والحنث موجب للكفارة.
(٢) لظاهر الآية؛ لأنّ الله جعله للمولي، وهو الحالف، وهذا غير حالف. بل يعد صنيعه سوء عشرة يتيح لها طلب الفرقة عند بعض الفقهاء؛ لقوله: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾، إذا لم يكن هناك عذر يمنعه من قربانها.
(٣) أي: حال امتناعه من الفيئة بعد التربص، وإنّما يضيق على الزوج ويحبس حتى يطلقها بنفسه، وهذا الإكراه معتبر؛ لأنّه إكراه بحق.
(٤) في حاشية المحقق (٤) (١/ ٤١٥): «وهذا الاستدلال غير صحيح؛ لأن الله تعالى لم يترك له الأمر، وإنما خيَّره بين أمرين على الوجوب، أي يجب عليه فعل أحدهما: الفيء أو الطلاق، أما لا يفعلهما معاً فليس ذلك له، بل يطلق عليه الحاكم في هذه الحالة».
(٥) والوجوب لكونه خبرًا بمعنى الأمر، أي: عليهن أن يتربصن.
وكونه عامًا للبائن الرجعي؛ لأنّه جمع معرف ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ﴾ فيعمّ كل مطلقة إلّا ما خصّ منه الدليل.
стр. 119
في سورة الأحزاب (١)، وأنها ثلاثة قروء لمن تحيض بخلاف الآيسة والصغيرة والحامل كما في سورة الطلاق (٢)، والمستحاضة داخلة في العموم (٣).
قال الأصم: والأمة.
• قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾.
قال ابن عمر: لا يحل لها إن كانت حاملاً أن تكتم حملها، ولا يحل لها إن كانت حائضاً ان تكتم حيضها (٤) أخرجه ابن أبي حاتم وغيره.
وفيه دليل على أن قولها يقبل في الحيض (٥)، وفي الحمل بلا مخيلة وإلا لم يحرم عليها الكتم (٦).
قال العلماء: وإنما نهين عن الكتم لئلا يبطل حق الزوج من الرجعة إن أراد رحعتها قبل الوضع أو الحيض، ولئلا تضر به في النفقة إن قالت لم أحض.
قال ابن الفرس: وعندي أن الآية عامة في جميع ما يتعلق بالفرج من بكارة وثيوبة وعيب؛ لأن كل ذلك مما خلق الله في أرحامهن فيجب أن يصدقن فيه (٧).
(١) قوله تعالى: ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: ٤٩].
(٢) قوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤].
(٣) لعموم الجمع المعرّف في قوله: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ﴾، وكذا الأمة كما ذكر المصنف.
(٤) مأخذ التحريم: الإخبار عن الحكم بقوله: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ﴾، ولقوله: ﴿إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ مما يدل على أن فعل ذلك فيه خلل بالإيمان، والخلل به محرم، ولتفسير ابن عمر ﵄.
(٥) فلو قالت: حضت، وقد علق الطلاق على حيضها فإنّه يقع.
(٦) لأنّ النهي عن الشيء أمر بضده، فنهى عن الكتمان وضده الأمر بإظهاره، كما أنه لا يجب عليها الإظهار إلّا لأجل العمل به، وإلّا لما كان للإظهار فائدة.
(٧) لأنّ قوله: ﴿مَا خَلَقَ اللَّهُ﴾ عام بصيغة ﴿مَا﴾ الموصولة، فيتحقق المجتهد مناط ما خلق في الرحم، وما ذكره ابن الفرس إن قيل: إنّ العلة هي كون هذه الأمور مما لا يُعرف إلّا عن طريقها، فتدخل في عموم ما خلق الله.
стр. 120
• قوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾.
قال ابن عباس في الآية: إذا طلق الرجل امرأته تطليقة أو تطليقتين وهي حامل فهو أحق برجعتها ما لم تضع، أخرجه ابن جرير.
وقال بعضهم: أول الآية عام وآخرها خاص، وذلك أن أولها عام في كل مطلقة وآخرها خاص بالرجعية.
وأخرج ابن جرير عن النخعي ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ قال في العدة.
وفيه دليل على أن الزوج يستقل بالرجعة في العدة من غير ولي ولا رضا المرأة، وأنه بعد العدة بخلاف ذلك (١).
واستدل الحنفية بقوله: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ﴾ على بقاء الزوجية وإباحة الوطء.
واستدل خلافهم بقوله: ﴿بِرَدِّهِنَّ﴾، والرد لا يكون إلا لما ذهب من إباحة الوطء.
واستدل به من قال: إن لفظ الرد من صرائح الرجعة (٢).
واستدل به أيضاً من قال: إن للزوج نكاح المختلعة في عدتها برضاها لعمومه (٣).
(١) لمفهوم قوله: ﴿فِي ذَلِكَ﴾ أي: في مدة التربص ثلاثة قروء، ومفهومه: إنّه بعد ذلك لا بدّ من رضاها وولي وعقد، وكونه أحق بنص القرآن، وتفسير ابن عباس السابق.
(٢) لوروده في القرآن لذلك.
(٣) لعله عموم قوله: ﴿إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ وهي لا تريد الإصلاح، بل تريد الفراق خُلعًا، وإن حصل فليس هو ﴿أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ ومن ثمّ كانت بائنًا بالخلع كالأجنبية، وهي في العدة، لكن العدة لأجل استبراء رحمها من ماء زوجها الأوّل لتحل لغيره.
стр. 121
• قوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾.
فيه أن على المرأة ولها حقوقاً (١).
أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: إني أحب أن أتزين للمرأة كما أحب أن تتزين لي؛ لأن الله يقول: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾، وما أحب أن أستوفي جميع حقي عليها؛ لأنّ الله يقول: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾.
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في قوله: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ قال: طاعة، قال: يطعن الأزواج الرجال ولا يطيعونهن.
• قوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ [٢٢٩].
قال السدي: يعني الذي يملك فيه الرجعة، أخرجه ابن جرير؛ ويدل له قوله بعد: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾.
وفيه أن لفظ الإمساك من صرائح الرجعة، ولفظ التسريح من صرائح الطلاق (٢).
واستدل بقوله: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾ من قال: إنّ الرجعة تحصل بالوطء؛ لأنه أقوى مقاصد النكاح، فكان إمساكاً بالمعروف فتحصل به الرجعة.
قال إلكيا: وهذا غلط لأن قوله: ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ في الطلاق، ولا طلاق إلا بالقول (٣)، وكذلك الإمساك لا يكون إلا بالقول.
(١) الحقوق هي الواجبات، وفي الآية ﴿وَلَهُنَّ﴾ و ﴿عَلَيْهِنَّ﴾ فاللام وعلى من صيغ الوجوب، وقدّم المولى سبحانه حقوق المرأة على حقوق الرجل من باب الاهتمام والتأكيد.
(٢) لوروده في القرآن لذلك.
(٣) أي: لأجل المقابلة، فالطلاق لا يكون إلّا بالقول فكذا الإمساك، وهذا مذهب الشافعي، ويؤيده قوله: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ والشهادة إنّما على القول لا الوطء قطعًا.
وأكثر العلماء على أنّ الرجعة تكون بالقول أو بالفعل، ولو كان أدون من الوطء كالقبلة، والنظر لشهوة للفرج.
стр. 122
• قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا﴾ الآية.
فيه تحريم أخذ مال الزوجة على سبيل الإكراه والمضارة (١)، وجوازه إذا كان النشوز من جهتها (٢) وذلك أصل الخلع.
واستدل بعموم قوله: ﴿فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ على جواز الخلع بقدر ما أصدقها، وأكثر منه، خلافاً لمن منع الزيادة (٣).
وبقوله: ﴿افْتَدَتْ﴾ من قال: إن لفظ المفاداة من صرائح الخلع (٤).
واستدل بالآية من منع الخلع لغير الضر منها ومنه، ومن منعه لضرر أحدهما فقط لتعليقه بخوفهما معاً (٥).
واستدل بها من قال: إن الخلع فسخ لا طلاق؛ لأنه تعالى ذكر ﴿الطَّلَاقُ
(١) لقوله: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ﴾ وهي من الألفاظ التي يخبر الشارع فيها عن أحكام التحريم.
(٢) لقوله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ ونفي الجناح عن الفعل من الأساليب الدالة على الجواز.
(٣) للعموم الوارد بصيغة اسم الموصول ﴿فِيمَا﴾ فيعمّ القليل والكثير.
(٤) لوروده في القرآن لذلك.
(٥) لمفهوم قوله: ﴿أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾.
قال ابن قدامة في المغني (٧/ ٣٢٦): «هذا صريح في التحريم إذا لم يخافا إلا يقيما حدود الله، ثم قال: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ فدل بمفهومه على أن الجناح لاحق بهما إذا افتدت من غير خوف، ثم غلظ بالوعيد فقال: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ وفي الحديث: «أيما امرأة سألت زوجها الطلاق، من غير ما بأس فحرام عليها الجنة».
стр. 123
مَرَّتَانِ﴾، ثم ذكر الخلع، ثم قال ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ فدلَّ على أن الخلع ملغى غير محسوب وإلا كان الطلاق أربعاً.
ورد: بأن ذكر المفاداة حكم على حياله (١)، فلا فرق بين ذكره بين الطلقتين والثلاثة وفي غير ذلك.
وفي الآية رد على من لم يجوز الخلع إلا عند السلطان (٢).
وقد يستدل بها من لا يجوز خلع الأجنبي؛ لأنه خص الافتداء بها (٣).
• قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ﴾ [٢٣٠].
فيه تحريم المطلقة ثلاثاً (٤).
وعموم الآية دليل لمن قال بعدم الهدم (٥)؛ إذ لا فرق بين أن يتخلل الطلاق
(١) أي: مستقل، وعليه قد يكون فسخًا، وقد يكون طلاقًا؛ إذ القصد هنا الذكر فقط لا الترتيب.
(٢) للإطلاق في قوله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ ولم تقيدها عند السلطان.
(٣) لقوله: ﴿فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ فلا يصح أن يكون العوض من أجنبي لا من الزوجة، كأن يقول رجل لآخر: طلق أو خالع أمرأتك ولك ألف درهم.
ولعل مفهوم الظرف ﴿بِهِ﴾ في قوله: ﴿فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ لا حجة فيه؛ لأنّه خرح مخرج الغالب؛ إذ الغالب هي التي تفدي نفسها، وعليه فيقع الخلع، ويلزم الألف ذلك الرجل.
(٤) للإخبار عن الحكم بقوله: ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ﴾ وهو من أساليب التحريم.
(٥) المراد بعدم الهدم، أي: إذا طلقها طلقتين ثم تزوجت من غيره، ثم رجعت إليه، هل هذا الزواج يهدم ما سبق من الطلقتين بحيث لو طلقها مرة أخرى لا تحسب ثالثة أو لا يهدمه؟
ووجه العموم من الآية: أن قوله: ﴿فَلَا تَحِلُّ﴾ فعل في سياق النهي فيعمّ؛ إذ الأفعال كما سبق نكرات، والمعنى: عدم الإحلال بعد الثلاث.
والجمهور على عدم الهدم فالمرأة إذا عادت إلى زوجها، وقد بقي من طلاقها شيء؛ فإنّها ترجع على ما بقي من الطلاق.
أمّا إذا رجعت إلى زوجها الأوّل بعد أن أتم عدد الطلقات، وتزوجت بآخر بنكاح صحيح وجامعها ثم طلقها، ورجعت إلى الأوّل، فإنّها ترجع بالعدد الكامل من الطلقات، فله أن يطلق ويراجع، ويطلق ويراجع، ثم إذا طلق الثالثة بانت منه.
стр. 124
نكاح غيره أم لا.
• قوله تعالى: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ الآية.
فيه أن المطلقة ثلاثاً إنما تحل بعد نكاح زوج آخر سواء كانت حرة، أم أمة ثم اشتراها (١).
وينبغي أن يستفاد الوطء من لفظ: ﴿تَنْكِحَ﴾ (٢)، والنكاح الصحيح من قوله: ﴿زَوْجًا﴾ فلابد من وطء زوج في نكاح صحيح، لا وطء سيد، ولا نكاح بلا وطء، ولا وطء في نكاح فاسد، ولا بشبهة (٣).
واستدل به سعيد بن المسيب على الاكتفاء بالعقد بلا وطء؛ بناء على أن النكاح حقيقة في العقد (٤).
وفي الآية رد على من أحل بوطء السيد (٥)، وعلى من أباح الوطء بالملك إذا أشترى مطلقته ثلاثاً (٦)، وعلى من لم يكتف بنكاح الكافر إذا كانت كافرة والمراهق والمجنون؛ لأنه يسمى زوجاً (٧).
(١) لعموم قوله: ﴿فَلَا تَحِلُّ﴾ كما سبق، وكونها لا تحل إلّا بعد نكاح زوج أخر لمفهوم الغاية في قوله: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾.
(٢) اسم النكاح لا يطلق على الوطء إلّا في هذه الآية؛ لدلالة حديث رفاعة، وقوله ﵊: «لا حتى يذوق عُسيلتك وتذوقي عسيلته» كما في البخاري (٥٧٩٢)، ومسلم (١٤٣٣).
(٣) النكاح الفاسد، كنكاح ذات محرم، أو نكاح بلا ولي ولا شهود، ووطء الشبهة، أن يطئها يظنها زوجته، وهذان الوطئان لا يصدق فيهما على الواطئ أنه زوج.
(٤) يعتذر له أنّه لم يطلع على حديث رفاعة، وإلّا لفظ النكاح يطلق على الوطء حقيقة.
(٥) لأنّه ليس زوجًا.
(٦) لأنّه ليس نكاحًا.
(٧) أي: الكافر والمراهق والمجنون.
وقد ذكر القرطبي (٣/ ١٤٣) أن مدار التحليل عند المالكية على الزوج الناكح .... وفيه أن يكون بالغًا مسلمًا، وأمّا الشافعيون وأبو حنيفة فمداره على تغيب الحشفة في فرجها حتي يتحقق ذوق العُسيلة، وسواء كان من صبي أو مراهق، أو مجبوب بقي له ما يغيبه.
стр. 125
• قوله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ الآية [٢٣١].
فيه وجوب الإمساك بمعروف (١)، وتحريم المضارة (٢).
واستدل به الشافعي على أن العاجز عن النفقة يفرق بينه وبين زوجته؛ لأن الله تعالى خير بين اثنين لا ثالث لهما: الإمساك بمعروف، والتسريح بإحسان، وهذا ليس ممسكاً بمعروف فلم يبق إلا الفراق (٣).
واستدل بقوله: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ على أن الرجعة تنفذ على هذا الوجه ويكون ظالماً (٤).
(١) أو التسريح بالإحسان، ووجه الوجوب المصدر النائب عن فعله في قوله: ﴿فَإِمْسَاكٌ﴾ أو ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ﴾، أي: فالواجب إمساك أو تسريح.
(٢) للنهي في قوله: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا﴾، والمضارة تكون بأن يطلقها رجعيًا ثم كلما قارب انقضاء عدتها راجعها اضرارًا وعدونًا، أو يراجعها ويمسكها بغير المعروف ضرارًا أو عدونًا.
(٣) لأنّ الإمساك بمعروف يكون بالقيام بما يجب عليه من حق على زوجها، ومنها النفقة، أو فالواجب التسريح.
فإن قيل: العاجز عن النفقة غير مكلف بالإنفاق.
يقال: نعم غير مكلف لعجزه، لكنه مكلف بالتسريح؛ لأنّه مقدور عليه.
(٤) لتطويل العدة عليها بمراجعتها إذا شارفت العدة على الانتهاء، وذكر المولى سبحانه هنا اسم الإشارة ﴿ذَلِكَ﴾؛ ليدل على البعد تعظيمًا له وترهيبًا منه.
وكون الرجعة تنفذ عند من قال بأنّه لا مفهوم للشرط في قوله: ﴿إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ ولعل القائل بمفهوم مؤيد بهذا النص الدال على تحريم هذا الفعل، ووصف فاعله بأنّه ظالم لنفسه، والنهي يقتضي الفساد، والله أعلم.
стр. 126
• قوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾
فيه وقوع طلاق الهازيء، وعتقه، ونكاحه، وجميع تصرفاته؛ لأن سبب نزول الآية ذلك (١) كما أخرجه ابن المنذر وغيره.
واستدل بها أيضاً على تحريم الطلاق زيادة على العدد المشروع، أخرج ابن المنذر عن ابن عباس أن رجلاً قال له: طلقت امرأتي ألفاً. قال: ثلاث تحرمها عليك، وبقيتهن وزر، أتخذت بها آيات الله هزؤا.
• قوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [٢٣٢].
فيه تحريم العضل على الأولياء كما بينه سبب نزولها (٢).
واعتبار الولي في النكاح وإلا لم يلتفت إلى عضله (٣).
(١) وقد أورد السيوطي في الدر المنثور (١/ ٦٨٣) عن عبادة بن الصامت قوله: «كان الرجل على عهد النبي ﷺ يقول للرجل زوجتك ابنتي ثم يقول: كنت لاعبًا ويقول: قد أعتقت، ويقول: كنت لاعبًا، فأنزل الله ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ فقال رسول الله: ﷺ «ثلاث من قالهن لاعبًا أو غير لاعبٍ فهن جائزات: الطلاق، والعتاق، والنكاح». وسبب النزول قطعي الدخول.
(٢) أي: بين حكم التحريم الثابت بالنّهي بقوله: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ سبب نزولها، وهو ما رواه البخاري عن معقل بن يسار قوله: إنّها نزلت فيه، فقال: «زوجت أختًا لي من رجل فطلقها، حتى إذا انقضت عدتها جاء يخطبها، فقلت له: زوجتك وأفرشتك وأكرمتك، فطلقتها، ثم جئت تخطبها، لا والله لا تعود إليك أبدا، وكان رجلا لا بأس به، وكانت المرأة تريد أن ترجع إليه، فأنزل الله هذه الآية: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ فقلت: الآن أفعل يا رسول الله، قال: «فزوجها إياه».
(٣) قال السعدي في تفسيره (١/ ١٠٣): «لأنّه نهى الأولياء عن العضل، ولا ينهاهم إلّا عن أمر هو تحت تدبيرهم ولهم حق فيه».
ولعل الدلالة هنا دلالة الالتزام؛ إذ يلزم من النهي عن العضل أن له حقاً فيه، وإلا لم يكن للنهي فائدة.
стр. 127
وفيه أن المرأة إذا اختارت كفؤاً، واختار الولي غيره يقدم ما اختارته هي (١).
وفيه أن الزوج بعد انقضاء العدة ليس له الرجعة، بل إنما ينكح بولي ومهر جديد (٢).
• قوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾ [٢٣٣].
أمر للوالدات بإرضاع الأولاد، فقيل: هو للندب لا للوجوب، وقيل: للوجوب مطلقاً (٣)، وقيل: ما دامت في العصمة (٤)، وقيل: إن مات الأب أو كان معسراً، ولا مال للابن (٥).
واستدل به من قال: يمنع الأب من استرضاع غيرها إذا طلبت الأم أجرة ووجد متبرعة (٦).
قال إلكيا وغيره: ويؤخذ من قوله: ﴿يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾ أن الأم أحق
(١) لأنه سبحانه أضاف النكاح في قوله: ﴿أَنْ يَنْكِحْنَ﴾ لهن، وشرط أن يكون كفئًا؛ لأجل إعفافها.
(٢) لقوله: ﴿أَنْ يَنْكِحْنَ﴾ ولفظ النكاح يطلق على العقد ولو لم يحصل مسيس، كما في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾.
(٣) قوله: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ﴾ خبر بمعنى: الأمر، ومن العلماء من قال بالوجوب بناء على أصل الأمر، ومقتضاه.
ومنهم من قال: بالندب، وجعلوا الصارف آية سورة الطلاق؛ إذ هي مبينة لآية سورة البقرة، وآية الطلاق علّقت استحقاق الأجرة على الإرضاع ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ فجعلت الأجرة مقابل الإرضاع، والخيرة ترجع للأم، ولا واجب مع الاختيار.
كما أنّهم قالوا: إنّ سياق آية البقرة لبيان مدة الإرضاع لا لبيان إيجابه وحكمه.
(٤) لسياق الآية لقوله: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ﴾ ومعلوم أنّ الرزق والكسوة يكون لمن كانت في العصمة.
(٥) لأنّ إرضاع الطفل واجب، ولا يتم إلّا بواسطة المرضعة الأم؛ لأجل إعسار الأب، وسيأتي قوله: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾ أنّه لا يجوز للأم الامتناع، إذا لم يوجد غيرها، أو لم يقبل إلّا ثديها.
(٦) لقوله: ﴿يُرْضِعْنَ﴾ فلم يجعل المولى لغيرهن حظًا في الإرضاع، وسيأتي القول الثاني ومأخذه.
стр. 128
بالحضانة؛ لأن حاجة الولد إلى من يحضنه كحاجته إلى من يرضعه (١).
وفي الآية أن منتهى الرضاع حولان (٢)، وأنه لا رضاع بعدهما فلا يثبت التحريم (٣)، وأنه يجوز فطمه قبل الحولين بشرط تشاور الأبوين في ذلك واتفاقهما (٤)، وأنه لا يستقل أحدهما بالفطم قبلهما بخلاف ما بعدهما، وأن على الأب أجرة الرضاع للأم إذا طلبتها سواء كانت في عصمته أم لا (٥)، وأن المراعى في ذلك حال الزوج يساراً وإعساراً وتوسطاً لا الزوجة ولا هُمَا، لقوله: ﴿لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (٦).
(١) قياس الحضانة على الرضاعة، فكما أنّها أحق بالرضاعة فهي أحق بالحضانة، ويؤيده ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾ وفي انتزاع الصغير إضرار بالأم.
(٢) ولما كان الحول يطلق على الكامل وعلى معظم الحول، أكده سبحانه بقوله: ﴿كَامِلَيْنِ﴾ والمقصود تمام الرضاع يكون بالحولين، ومفهومه عدم جواز إفطامه، قبل ذلك، لكن هذا المفهوم غير مراد، كما سيأتي في سياق الآية.
(٣) أخذًا من مفهوم العدد، وهو أن ما زاد على الحولين ليس له حكم لبن الرضاع، فلا يثبت به التحريم.
ويؤكد هذا المفهوم قوله ﵊ «إنّما الرضاعة من المجاعة» أخرجه البخاري (٢٦٤٧)، ومسلم (١٤٥٥)، وورد مرفوعًا وموقوفًا عن ابن عباس -والموقوف أصح- «لا رضاع بعد الحولين»، فهو إذا بعد الحولين لبن طعام فقط، كسائر الأغذية غير معتبر في التحريم.
(٤) لقوله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ وهي من الأساليب الدالة على الجواز، وقد علق على شرطين، ولا يثبت الحكم إلّا بثبوتهما، ومفهوم الشرط عدم جواز فطامه عند انتفاءها، أو انتفاء أحدهما.
(٥) لقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ﴾ وإن كانت في عصمته، اكتفي بالإنفاق عليها باسم الزوجية، ﴿رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ﴾، فالزوجة تستحق النفقة والكسوة أرضعت أم لم ترضع؛ لأنّ النفقة والكسوة مقابل التمكين.
وإن كانت خارج عصمته فلها الانفاق على المولود من أجل الإرضاع، والأجرة كما في آية الطلاق: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾.
(٦) ﴿نَفْسٌ﴾ نكرة في سياق نفي فتعمّ، ويدخل فيها الزوج أصالة؛ لأنّه المقصود، وهو الذي تجب عليه النفقة. وحصر التكليف على الوسع، والمعتبر حال الزوج هنا؛ فإنّ كان فقيرًا، فإنّه لا يلزم إلّا بنفقة الفقير، وكذا إن كان غنيًا أو متوسطًا كل حسب حاله.
стр. 129
• وقوله: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾ الآية.
فيه أن الأم إذا رضيت بما ترضى به الأجنبية فلا تضار بانتزاع الولد منها، وأن الأب إذا وجد متبرعة فلا يضار بإلزامه الأجرة للأم.
وقال مجاهد في الآية: لا تأبى أن ترضعه ليشق على أبيه، ولا يمنع الوالد أمه أن ترضعه، أخرجه ابن جرير.
• وقوله: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾.
قيل: إنه منسوخ، وقيل: محكم، وأن الإشارة إلى قوله: ﴿لَا تُضَارَّ﴾؛ لأنه أقرب مذكور، فعلى الوارث أن لا يضار الأم، كما أن على الأب أن لا يضارها (١)
أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ قال: ألَّا يضارَّ.
وقيل: إلى النفقة والكسوة.
فاستدل به من أوجب ذلك على الوارث من عصبة الميت، وقيل: عصبة المولود، وقيل: المراد به المولود نفسه؛ لأنه وارث أبيه؛ والمعنى أن ذلك واجب في ماله يعطي منه الأم الأجرة، بهذا فسره الضحاك وغيره واختاره ابن جرير وغيره.
(١) وأكد مأخذه بقول ابن عباس.
وقيل: إنّ المراد بالنسخ هنا التخصيص؛ لأنّ الآية تضمنت الرضاع والنفقة والكسوة، وأن لا تضار الوالدة، ثم خصص الجميع من لفظ العموم عدا المضارة.
ويؤيده ما ذكره المصنف عن ابن عباس في الآية، وأنّه لو أراد الجميع لقال: وعلى الوارث مثل هؤلاء، فدلّ على أنّه معطوف على المنع من المضارة، كما قال المصنف: لأنّه أقرب مذكور.
стр. 130
• وقوله: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمْ﴾ الآية.
فيها جواز اتفاق الأبوين على استرضاع الولد من غير الأم (١)، وإباحة الاستئجار للرضاع (٢).
• قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ﴾ الآية [٢٣٤].
فيه وجوب العدة على المتوفى عنها (٣) مدخولاً بها أولاً (٤)، وأنها أربعة أشهر وعشر (٥)، وذلك في غير الحامل كما في سورة الطلاق (٦).
(١) لتعليق سبحانه نفي الجناح على الإرادة، ونفي الجناح يدل على الجواز، وإن لم يعلق على الإرادة، فكيف وقد علق عليها، فقال سبحانه: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾.
(٢) لنفي الجناح الوارد في الآية وفي سورة الطلاق قال سبحانه: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ فصرح بأن الأجرة مقابل الرضاعة.
(٣) لقوله: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾، وهو خبر بمعنى الأمر.
(٤) لقوله: ﴿وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ و ﴿أَزْوَاجًا﴾ نكرة في سياق إثبات فهي مطلقة، فيصدق على أي زوج توفيت عنه زوجته، سواء كان داخلًا بها أو لا؟. والخطاب من أول الآية للنساء فهن المقصودات.
(٥) لنص الآية، وذكر بعض الفقهاء أن الحكمة من هذا العدد استبراء الرحم، وذلك لأن الولد يكون في بطن أمه أربعين يومًا نطفة، ثم أربعين يومًا علقة، ثم أربعين يومًا مضغة، ثم ينفخ فيه الروح في العشر، فأمرت بتربص هذه المدة ليستبين الحمل، إن كان بها حمل، والصواب أن الحكمة غير مقتصرة على استبراء الرحم، وقد قال ابن القيم في اعلام الموقعين (٢/ ٥١): « … وليس المقصود بالعدة هنا مجرد استبراء الرحم كما ظنه بعض الفقهاء لوجوبها قبل الدخول، ولحصول الاستبراء بحيضة واحدة، ولاستواء الصغيرة والآيسة وذوات القروء في مدتها، فلما كان الأمر كذلك قالت طائفة: هي تعبد محض لا يعقل معناه، … وهذا باطل لوجوه» ثم ذكرها، وقال: «فالصواب أن يقال: هي حريم لانقضاء النكاح لما كمل».
(٦) لقوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ فجعل أجلًا للمطلقة وللمتوفى عنها، ويؤيده حديث سبيع الأسلمية، «أنّها نفست بعد وفاة زوجها بليال، فأمر رسول الله ﷺ أن تتزوج» كما عند البخاري (٥٣٢٠)، ومسلم (١٤٨٥).
стр. 131
وشملت الآية الكتابية والمستحاضة والصغيرة، خلافاً لمن خالف فيهن (١)، والأمة عند الأصم (٢).
واستدل بقوله: ﴿وَعَشْرًا﴾ من قال: إنها ليال، وأن اليوم العاشر ليس من العدة؛ لإسقاط الهاء (٣).
واستدل ابن عباس بإطلاق الآية على أنها تعتد حيث شاءت؛ لأنه قال: ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾ ولم يقل في بيوتهن (٤) أخرجه الحاكم.
واستدل بقوله: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ﴾ على أن العدة من الموت؛ لتعليقها عليه، فلو لم يبلغها موته إلا بعد مضي المدة حكم بانقضائها (٥).
(١) قدّر العلماء في الآية مقدَّرا، فقالوا: (وأزواج الذين يتوفون) والمقدّر كالملفوظ، (وأزواج الذين) جمع مضاف يعمّ ما ذُكر.
(٢) للمأخذ والتقدير السابق، والجمهور، وقيل: إنّه إجماع للصحابة على أن عدتها على النصف من عدة الحرة، فتكون شهرين وخمسة أيام، وورد في الخبر: «طلاق الأمة تطليقتان، وعدتها حيضتان» أخرجه أبوداود (١١٨٢)، وضعفه الألباني في الإرواء (٧/ ٢٠١).
(٣) لأنّ العدد يخالف المعدود؛ لكونه مفرداً، يقال عشرة أيام، وعشر ليال.
وقد ذهب الأوزعي والأصم إلى أن العشر تستعمل في الليالي دون الأيام، وإنّما دخلت الأيام تبعًا. وعلى ذلك لو تزوجت في اليوم العاشر جاز لها، أخذًا من تذكير العدد ﴿وَعَشْرًا﴾ فيكون المعدود الليالي، وإلا لأنثه (وعشرة).
وأجيب: أن العرب تغلب صيغة التأنيث في العدد خاصة على المذكر، فتطلق لفظ الليالي وتريد بأيامها، كقوله تعالى: لزكريا ﵇ ﴿آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾ يريد بأيامها، بدليل أنّ الله تعالى قال في آية أخرى ﴿آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾ يريد بلياليها.
(٤) أي إن الفعل ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾ نكرة في سياق إثبات فيكون مطلقاً في التربص كما ذكر المصنف، أو يكون من حذف المتعلق المعمول فيه، فدل على العموم، والمقصود الاستدلال على عدم اشتراط التربص في بيت زوجها، وهذا الاستدلال يمنعه الوارد من استئذان أخت أبي سعيد الخدري ﵂ رسول الله ﷺ في عدة وفاة زوجها أن ترجع إلى أهلها فقال لها رسول الله ﷺ «امكثي حتى يبلغ الكتاب أجله» أخرجه الدارمي في سننه (٢٣٣٣).
(٥) ولعدم جواز الزيادة بغير دليل، والقول بانقضاء العدة في هذه الحالة هو قول ابن مسعود وابن عباس وغيرهم، وخالفهم علي، وقال: يوم يأتيها الخبر في الموت بخلاف الطلاق؛ لقضاء حق الزوج، وإنّما يتحقق إذا علمت وتركت الزينة عن اختيار.
стр. 132
• قوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾
أي من زينة وتطيب، فيفيد تحريم ذلك في العدة وهو الإحداد (١).
أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في الآية يقول: إذا أنقضت عدتها فلا جناح عليها أن تتزين وتتصنع وتتعرض للتزويج فذلك المعروف.
• قوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ الآية [٢٣٥].
فيه مشروعية الخطبة، وإباحة التعريض بها في العدة (٢)، وتحريم التصريح فيها (٣) وهو معنى: ﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾، وتحريم العقد في العدة (٤).
قال إلكيا: وفي الآية دليل على نفي الحد بالتعريض في القذف؛ لأنه تعالى جعل حكمه مخالفاً لحكم التصريح (٥).
(١) ومأخذ التحريم مفهوم الشرط، وهو أن الحرج قائم عليهن بالزينة إذا لم يبلغن أجلهن.
(٢) لنفي الجناح وهي من الأساليب الدالة على الإباحة، والتعريض: أن يضمن كلامه ما يصلح للدلالة على المقصود وغيره، إلّا أن أرشاده بالمقصود أتم.
أو هو: ما يحتمل الرغبة وغيرها، مثل: ورب راغب منك، إني أريد التزوج، وددت أنّه يتيسر لي امرأة صالحة.
(٣) أي في العدة؛ لأنّ الخاطب إذا صرح بالخطبة تحققت رغبته فيها، فربما تكذب في انقضاء العدة، فيكون التحريم سدًا للذريعة، أو يكون التحريم مستفادًا من مفهوم إباحة التعريض، فلا يباح غير ذلك.
(٤) وذلك من باب الأولى، فإذا كانت الخطبة حرامًا فالعقد أولى.
(٥) قال القرطبي في جامعه (٣/ ١٩٠): «هذا ساقط»، وذلك لأنّ الأعراض تصان لئلا يتعرض الفسقة بالتعريض الذي يفهم التصريح.
стр. 133
ويستدل بالآية على جواز نكاح الحامل من الزنا، إذ لا عدة لها (١).
• قوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ الآية [٢٣٦].
فيه جواز النكاح بلا تسمية مهر وبنفيه (٢) وهو التفويض، وأنه لا يجب فيه المهر بالعقد بل بالفرض أو المسيس، وأنه يجوز الطلاق قبلهما، وأنه لا يجب بالطلاق حينئذ شيء سوى المتعة (٣)، وأنها تراعى فيها حال الزوج يساراً وإعساراً.
وفيها رد على من قال يراعى فيها حال الزوجة أو حالهما (٤).
واستدل بقوله: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ من جعل المتعة مندوبة لا واجبة (٥).
(١) لقوله: ﴿وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ وهذه ليست زوجة، ليس لها عدة، فالزوجة من عُقد عليها بنكاح صحيح سواء دخل بها أولًا. وقالوا: إنّه لا حرمة لماء السفاح، بدليل أنّه لا يثبت به النسب؛
لقوله ﵇ «الولد للفراش وللعاهر الحجر» أخرجه البخاري (٢٠٥٣)، ومسلم (١٤٥٧). والقول الأخر عدم جواز نكاح الحامل؛ لقوله ﷺ : «لا توطأ حامل حتى تضع» أخرجه أبو داود (٢١٥٧)، وصححه الألباني في الإرواء (١/ ٢٠٠)، وقوله: «لا يحل لأمرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسقى ماء زرع غيره» قال الألباني في الإرواء: "رواه أبو داود (٢١٥٨)، وأحمد (١٠٨/ ٤) وسنده حسن " ثم ذكر له طرقاً أخر وقال: "وبالجملة فالحديث بهذه الطرق صحيح "، وورد عن سعيد بن المسيب، أنّ رجلًا تزوج امرأة، فلما أصابها وجدها حبلى، فرفع ذلك إلى النبي ﷺ ففرق بينهما، أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٦٩٣)، والبيهقي في سننه (١٣٨٩١).
(٢) أي: بدون اشتراط نفيه، وإسقاطه، فإن اشتُرط ذلك كان النكاح باطلًا.
كما قال المصنف أن ذلك هو نكاح التفويض، وهو عقد بلا ذكر مهر، ولا اشتراط اسقاطه، وكون هذا النكاح جائزاً لترتب صحة الطلاق عليه، فنفى الجناح عن الزوج ما لم يمس أو يفرض لها مهرًا.
(٣) للأمر في قوله: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ وسيأتي وجه من صرفها للندب.
(٤) فمن قال يراعى حال الزوجة استدل بقوله: ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ فإنّه إن لم يُعتبر ذلك، لزم منه أن تكون متعة الشريفة والدنيئة سواء، والعرف يغاير ذلك.
(٥) إذ الواجبات لا تختص بالمحسن دون غيره، ثم إنّ المحسن من غير المحسن لا يعلم ذلك إلّا الله، فلما علق المتعة على صفة لا يعلمها إلّا هو سبحانه، دلّ على أنّ الله لم يُوجب الحكم بها على العباد، إذ لم يجعل لهم طريقًا إلى تمييز المأمور بها من غيره.
وكذلك فإنّ المتعة غير مقدّرة ولا معلومة، والفرائض لابدّ أن تكون مقدّرة معلومة.
وأجيب: بأن تقييدها بالمحسنين تأكيد للوجوب؛ لأنّ كل واحد يجب أن يكون من المحسنين، وليس لأحد أن يقول: أنا لست بمحسن.
ثم إنّه لا يمنع الايجاب على المحسنين نفيه عن غيره، كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ وهو هدى لهم ولغيرهم.
стр. 134
قال إلكيا وعموم قوله: ﴿مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ يدل على جواز الطلاق في الحيض قبل الدخول (١).
• قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ الآية [٢٣٧].
فيه أن في الطلاق بعد الفرض وقبل الوطء يشطر المهر فيعود إلى الزوج نصفه سواء كان الفرض في العقد أم بعده (٢)، وفيه أن المهر تملكه المرأة بمجرد العقد (٣).
واستدل بقوله: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾، على أنها لو اشترت به شيئاً لم يرجع الزوج في نصف ما اشترت، بل في نصف ما أخذت، وعلى أنه لو زاد زيادة متصلة لم يكن للزوج فيها نصيب (٤).
(١) لأنّه أباح الطلاق من غير تفصيل منه بحال الطهر دون الحيض. ذكره الجصاص؛ ولأنّ النهي في طلاق الحائض خشية تطويل العدة، وهذه لا عدة عليها؛ لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾.
(٢) أي: فعليكم نصف ما فرضتم، و (على) من ألفاظ الوجوب، لفظًا أو تقديرًا، أو المعنى: فالواجب نصف ما فرضتم، أو لهنّ نصف.
وقوله: ﴿وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ﴾ مطلق سواء كان الفرض في العقد أو بعده، و ﴿فَرَضْتُمْ﴾ فعل، والأفعال نكرات، وهي سياق إثبات فتكون مطلقة.
(٣) لقوله: ﴿لَهُنَّ﴾ وهي لام التمليك، وذلك حال الفرض لها -كما سبق- سواء دخل أو لا؟
(٤) لقوله ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ فقيّد النصف في المفروض.
стр. 135
وبقوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ على أن الخلوة لا تقرر المهر مطلقاً (١).
وقوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ يفيد جواز هبة الزوجة النصف الذي ثبت لها للزوج (٢).
وقوله: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ فسره عليٌّ بالزوج، وورد في حديث مرفوع عند الطبراني (٣)، ففيه جواز ترك الزوج نصفه لها.
وفسره ابن عباس وغيره: بالولي (٤)، فاستدل به من أجاز للولي العفو عن
(١) لأنّ المسَّ في كتاب الله: الجماع، ومفهومه: أن غير الجماع لا يوجب المهر، والخلوة ليست جماعًا.
قال ابن مسعود ﵁: «إن جلس بين رجليها ما لم يجامعها» وهو قول ابن عباس ﵄، وذهب بعض العلماء إلى أن الخلوة تنزل منزلة المسّ؛ لأنّها مظنته.
وقال عمر ﵁: «ما ذنبهن إن جاء العجز من قبلكم»، وهو قول علي ﵁؛ ولأنّها مظنة الجماع، ولا يطلع عليه أحد.
(٢) لضمير النسوة في قوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾، وذلك شريطة أن تكون ممن يصح تبرعها، بأن تكون رشيدة بالغة، عاقلة تحسن التصرف.
(٣) الطبراني في الأوسط (٦٣٥٩)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ٣٢٣): "رواه الطبراني في الأوسط، وفيه ابن لهيعة، وفيه ضعف ".
(٤) اختلف العلماء فيمن ﴿بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾؛ لأنّ الزوج يملك عقد النكاح قبل الطلاق، والولي يملكها بعد الطلاق.
ومن قال بأنه الزوج أيّده أنه مقابل عفو الزوجة، فيكون العفو من الجانبين، ولو كان الولي لكان من جانب واحد، الزوجة ووليها.
كما أن الولي ليس له الحق في العفو عن مهرها.
ومن قال إنّ الذي بيده عقدة النكاح الولي، قال: لأنّه ذكر العفو بعد الطلاق، والذي يملك عقد النكاح بعد الطلاق هو الولي.
стр. 136
الصداق مطلقاً، أو للأب فقط (١).
ويستدل به على أن المرأة لا تلي عقد النكاح بالكلية (٢).
• قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾.
خطاب للأزواج ففيه جواز عفوهم إن كان ما قبله في الولي، وفيه أن عفو الزوج أولى من عكسه؛ لضعف جانب المرأة، وما حصل لها من الكسر بالطلاق.
وفي الآية دليل على جواز الهبة إن كان الصداق عيناً، والإبراء إن كان ديناً.
وجواز هبة المشاع فيما ينقسم وما لا ينقسم؛ لأنه أباح تمليك نصف الصداق ولم يفرق بين العين والدين، ولا ما لا يحتمل القسمة وغيره.
• قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [٢٣٨].
فيه الأمر بالمحافظة على الصلوات المفروضات، والحث على الصلاة الوسطى وبيان فضلها وهي: الصبح، أو الظهر، أو العصر، أو المغرب، أو العشاء، أو الخمس، أو الجمعة، أو الوتر، أو الضحى، أو صلاة عيد الفطر، أو عيد الأضحى، أو صلاة الليل، أو صلاة الجماعة، أو صلاة الخوف، أقوال (٣).
(١) بُني هذا القول على القول بأن الذي بيده عقدة النكاح هو الولي، ودليل الجواز ظاهر التخيير في الآية ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ وإذا جاز له العفو بعد الفرض، فإنّه يجوز قبله.
(٢) وهذا أيضا مبني على أن الذي بيده عقدة النكاح هو الولي، وعليه فالمرأة لا تلي عقد النكاح؛ لأنها بيده وليست بيدها.
(٣) كونها الصلوات المفروضات حمل على أن أل في ﴿الصَّلَوَاتِ﴾ للعهد.
وأمّا سبب الخلاف في تعيينها، فإنّه يرجع إلى معنى ﴿الْوُسْطَى﴾ هل هو من التوسط بين الشيئين، أو الوسط الذي هو بمعنى: الخيار والفضل، وهنا ينظر في الفضائل الواردة في كل صلاة.
стр. 137
• قوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾.
فيه وجوب القيام في الصلاة (١).
واستدل به على تحريم الكلام فيها، روى الشيخان عن زيد بن أرقم قال كان الرجل يكلم صاحبه في الصلاة حتى نزلت: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام (٢)، وروى الطبراني عن ابن عباس نحوه.
وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود. قال أتيت النبي ﷺ سلمت عليه فلم يرد عليَّ فلما قضى الصلاة، قال: (إنه لم يمنعني أن أرد عليك السلام إلا أنا أمرنا أن نقوم قانتين لا نتكلم في الصلاة) (٣).
وأخرج عن مجاهد قال: من القنوت طول الركوع، وغض البصر، والخشوع وأن لا يلتفت، ولا يقلب الحصا، ولا يعبت بشيء، ولا يحدث نفسه بشيء من أمر الدنيا.
واستدل بها آخرون على القنوت في صلاة الصبح، أخرج ابن جرير عن أبي رجاء قال: صليت مع ابن عباس الغداة فقَنَتَ فيها ثم قال: هذه الصلاة الوسطى التي قال: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾، وفي لفظ عنه: التي أمرنا أن نقوم فيها قانتين.
• قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [٢٣٩].
فيه بيان صلاة شدة الخوف، وأنها تجوز ماشياً وراكباً (٤)، مستقبلاً ومستدبراً،
(١) للأمر في قوله: ﴿وَقُومُوا﴾، وهو أمر بالقيام على صفة القنوت والخشوع، فيستفاد منه وجوب القيام عند الحنابلة ..
(٢) أخرجه البخاري (١١٥٧)، ومسلم (٨٧٠).
(٣) أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (٢/ ٥٧٠)، والطبراني في الأوسط (٦٣٥٩)، والكبير (٥٠٤٤)، وإسناده ضعيف، لكن ينجبر بما أخرجه الطبري بنحوه عن ابن مسعود كذلك بإسناد صحيح.
(٤) لقوله: ﴿فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ أي: صلوا رجالًا أو ركبانًا، والأمر بشيئين أو أكثر على سبيل التخيير يدل على إباحة أحد الشيئين المخير فيهما، والراكب والراجل حال المسايفة لا يحكمان في الجهة؛ لأنّ العدو قد يكون من الخلف أو الأمام.
стр. 138
أو ومومئاً.
وعم الخوف خوف العدو والسيل والسبُع وغير ذلك (١).
وفي الآية رد على من قال بتأخير الصلاة في هذه الأحوال (٢).
وإطلاق الآية يقتضي أنه لا إعادة (٣)، ومن أوجبها استدل بقوله: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ أي فأعيدوا الصلاة.
• قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ﴾ الآية [٢٤٠]
ذهب مجاهد إلى أن هذه الآية غير منسوخة، وأنها معمول بها مع الآية السابقة، فأوجب على المعتدة أربعة أشهر وعشراً أن لا تخرج من بيتها، ثم جعل لها تمام الحول وصية لها إن شاءت أقامت وإن شاءت خرجت (٤) أخرجه ابن جرير.
والأكثرون على أنها منسوخة، ثم قيل: نُسِخ كلها: الاعتداد حولاً بالآية
(١) لأنّ قوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ﴾ فعل في سياق الشرط فيعمّ؛ لأنّ الأفعال نكرات.
(٢) وهو رد على الحنفية الذين قالوا: لا يصلي الخائف إلّا إلى القبلة، والصلاة حال المسايفة فيها مخالفة للأصول فلا تصح.
والجواب: بالآية كما قال المصنف للأمر ﴿فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ أي: تصلوا رجالًا ركبانًا، والأصول تجوز مخالفتها عند الضرورة.
(٣) لتحقق الإجزاء، والإجزاء هو الإتيان بالمأمور على الوجه الذي أمر به، أو الإجزاء ما أسقط القضاء، فلا حاجة للإعادة.
قال القرطبي في جامعه (٣/ ٢٢٤): لما رخص ﵎ في جواز ترك بعض الشروط، دلّ ذلك على أن القتال بالصّلاة لا يفسدها.
(٤) فيوصي لها بالنفقة والكسوة حولًا كاملًا ما لم تخرج: ﴿فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ﴾.
стр. 139
السابقة (١)، والوصية بالمتاع والسكنى بآية الميراث (٢).
وقيل: نسخت إلا السكنى فهي لها ثابتة (٣).
• قوله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [٢٤١].
فيه وجوب المتعة لكل مطلقة قبل الدخول وبعده، رجعية أو مختلعة أو بائنة بثلاث، حرة أو أمة (٤).
واستدل به من لم ير المتعة في الفسوخ واللِّعان؛ لأن الفسخ لا يسمى طلاقاً (٥).
واستدل بقوله: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ على وجوب المتعة؛ لما أخرج ابن جرير عن ابن زيد أنه لما نزل: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ قال رجل: إن أحسنت فعلت وإن لم أرد لم أفعل فنزلت: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾.
وذهب الزهري إلى متعة المفوضة غير واجبة لأنه نزل فيها: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ ومتعة غيرها واجبة لقوله فيها: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾، أخرجه ابن جرير.
(١) قوله تعالى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾.
(٢) أي: نسخت النفقة بها؛ لأنّ الله جعل لها نصيبًا مفروضًا، الربع، أو الثمن. واختلف في نسخ السكنى.
(٣) لقوله: ﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾.
(٤) الوجوب لكون قوله: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ خبر بمعنى: الأمر، و ﴿مَتَاعٌ﴾ مصدر ناب عن فعله، أي: متعوا المطلقات متاعًا؛ ولأنّه ختم الآية بقوله: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ ولعموم من ذكر للجمع المعرَّف في قوله: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ﴾.
(٥) ولأنّ المتعة فيه جبر لقلب المطلقة، ففي الطلاق كسر لقلبها، فتعطى ما يطيب به قبلها، أمّا في الفسوخ واللعان فهي مختارة ولا كسر لقلبها.
قال القرطبي في جامعه (٣/ ٢٢٩): «وقال أصحاب مالك: كيف يكون للمفتدية متعة وهي تُعطي؟! فكيف تأخذ متاعا؟! لا متعة لمختارة الفراق من مختلعة أو مفتدية أو مبارئة أو مصالحة أو ملاعنة أو معتقة تختار الفراق، دخل بها أم لا، سمى لها صداقا أم لا».
стр. 140
• قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ [٢٤٣].
أخرج الحاكم عن ابن عباس أنهم خرجوا فراراً من الطاعون، ففيه ذم الفرار منه (١).
• وقوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ الآية [٢٤٥].
فيه الترغيب في أعمال البر والإنفاق في سبيل الخير (٢).
• قوله تعالى: ﴿ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية [٢٤٦].
فيه أن البعوث والسرايا لابد لهم من أمير يولى عليهم (٣) يرجعون إليه ويقتدون به (٤).
• قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا﴾ الآية [٢٤٧].
فيه أن الإمامة ليست وراثة متعلقة بأهل بيت النبوة والملك، وإنما تستحق بالعلم والقوة دون المال، وأن النسب مع فضائل النفس والعلم لا عبرة به، بل هي مقدمة عليه (٥).
(١) أي: إن كانوا في البلد، وقد ورد عند البخاري في الصحيح قوله ﷺ : «إذا سمعتم بالطاعون فلا تدخلوها، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها».
(٢) للاستفهام الدال على الحض والطلب بقوة، وهو من أساليب طلب الفعل شرعًا.
كما أن المولى سبحانه شبّه البذل من أجله بالقرض؛ لأنّ المقرض يستوفي قرضة بكل حال، فكأن الله سبحانه جعل هذه الأعمال فرضًا عليه يوفيها لأصحابها، وفي هذا من الحث ما فيه.
(٣) البعوث للتعليم والدعوة، والسرايا للقتال.
(٤) لأنّهم طلبوا أن يجعل عليهم أميرًا أو ملكًا يقاتلون تحت أمره، وأقرّهم لمولى وبعث لهم ملكًا، فهم لم يطلبوا مجرد القتال، فلم يقولوا: إئذن لنا في القتال نقاتل.
(٥) لأنّ المولى سبحانه اختار لهم إمامًا ليس من بيت النبوة ولا بيت ملك، ثم قال: ﴿وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ﴾ وبيّن صفات الإمامة.
стр. 141
• قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ﴾ الآية [٢٤٩].
استدل به الرازي على أن الشرب من النهر: الكرع فيه بالفم دون الاغتراف، فلو حلف لا يشرب من النهر حنث بالكرع دون الشرب بإناء؛ لأنه حظر الشرب إلا لمن اغترف، فدلَّ على أن الاغتراف منه ليس بشرب.
ورده إلكيا بأن استثناء الاغتراف منه يدل على أنه من الشرب؛ إذ المستثنى من جنس المستثنى منه (١).
واستدل أصحابنا بقوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ﴾ على أن الماء ربوي مطعوم (٢).
• قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [٢٥٠].
فيه استحباب هذا الدعاء عند القتال (٣).
(١) الخلاف في نوع الاستثناء، فالذي ذهب إليه الرازي -وهو المذهب عند الحنفية- هو كونه منقطعًا، فيكون ليس من جنسه، ومن ثمّ لا يحنث من اغترف.
وذهب إلكيا -وهو مذهب الشافعية- إلى أن الاستثناء متصل، فالمستثنى من جنس المستثنى منه، ويدل عليه الجملة الثانية ﴿وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾، والطعم في الكرع والاغتراف.
ووافق ابن العربي في أحكام القرآن (١/ ٣٠٩) إلكيا، وقال عن قول الحنفية إنه فاسد؛ لأنّ شرب الماء يطلق على كل هيئة وصفة في لسان العرب من غرف اليد أو كرع بالفم.
ورجح القرطبي في جامعه (٣/ ٢٥٣) قول الحنفية لتفريق القرآن والسنة ولغة العرب فيرجع إليه، وذكر ابن الفرس في أحكام القرآن (١/ ٣٨١) أن حمله على الاتصال أولى ما أمكن.
(٢) بناء على أن العلة الربوية هي الطعم، كما هو مذهب الشافعية، وعليه، فلا يصح بيعه إلّا بما يصح به بيع الطعام، مثل بمثل ويد بيد.
وردَّ بأنّ المراد بالطعم هنا: الذوق، وإثبات الطعم أو نفيه عنه لا يثبت له إنّه طعام، قاله ابن الفرس في أحكام القرآن (١/ ٣٨٢).
(٣) لدعاء الأنبياء، الدال على مشروعية الفعل واستحبابه.
стр. 142
• قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [٢٥٣].
استدل به على جواز التفضيل بين الأنبياء والمرسلين، حيث لم يؤد إلى نقص في المفضَّل عليه (١)، والحديث الوارد في النهي عن ذلك محمول على ما إذا خشي منه نقص.
• قوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [٢٥٦].
فيه دليل على أن أهل الذمة لا يكرهون على الإسلام (٢)، ولا يصح إسلامهم بالإكراه (٣)؛ لأن الآية نزلت فيهم كما أخرجه أبو داود وغيره من حديث ابن عباس.
(١) لظاهر الآية، والتفضيل هنا بالقرب، وبكثرة الأتباع وغير ذلك من جهات التفضيل.
(٢) لأنّ الآية خبر بمعنى: النهي
وذكر المؤلف أهل الذمة؛ لأنّ الآية نزلت فيهم كما ذكر المصنف، وسبب النزول: ما ذكره ابن عباس من أنّ المرأة تكون مقلاةً - أي: لا يعيش لها ولد- فتجعل على نفسها، إن عاش لها ولد أن تهوده، فلما أجلبت بنو النضير، كان فيهم من أبناء الأنصار، فقالوا: «لا ندع أبناءنا، فأنزل الله : ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ أخرجه أبو داود (٢٦٨٢)، والنسائي في الكبرى (١١٠٤٩)، وصححه الألباني في صحيح أبي داود (٢٤٠٤).
وفي بعض الروايات: إذ قد فعلنا ما فعلنا، ونحن نرى أن دينهم أفضل مما نحن عليه، وأمّا إذا جاء الله بالإسلام فنكرههم عليه، ونقل عن مجاهد قوله: إنّه كان سبب كونهم في بني النضير: للاسترضاع.
ينظر: تفسير الطبري (٤/ ٥٤٧، ٥٥٠)، والدر المنثور للسيوطي (٣/ ١٩٦).
وأهل الذمة من يعيش تحت الحكم الإسلامي ويدفع الجزية من أهل الكتاب، والمجوس في مقابل بقائهم على دينهم، وتوفير الأمن لهم.
(٣) عند الشافعي خلافًا لأبي حنيفة، وقال ابن الفرس في أحكام القرآن (١/ ٣٨٤): «والخلاف في المسألة مبني على أنّ النّهي هل يدل على فساد المنهي عنه أم لا؟ فإذا قلنا: يدل على الفساد، فليس إسلامهم بإسلام، وإذا لم يكن كذلك فكأنهم لم يسلموا فلهم الرجوع إلى ما كانوا عليه.
وإن قلنا: إنه يدل على الصحة كما قال بعضهم، فالإسلام منعقد تام، فإن رجع عنه قُتل.
وإن قلنا: إنه لا يدل لا على فساد، ولا على صحة كما يذهب إليه المحققون من الأصوليين، فليس في الآية على شيء من ذلك دليل».
стр. 143
• قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ﴾ الآية [٢٥٨].
هذه الآية أصل في علم الجدل والمناظرة (١).
قال العلماء: لما وصف إبراهيم ربه بما هو صفة له من الإحياء والإماتة، لكنه أمر له حقيقة ومجاز، وقصد الخليل الحقيقة، فزع نمرود إلى المجاز تمويهاً على قومه حيث قتل نفساً وأطلق نفساً فسلَّم له إبراهيم تسليم الجدل، وانتقل معه في المثال، وجاءه بأمر لا مجاز فيه، فبهت وانقطع ولم يمكنه أن يقول أنا الآتي بها من المشرق؛ لأن ذوي الأسنان يكذبونه.
وقال إلكيا: في الآية جواز المحاجَّة في الدين (٢)، وتسمية الكافر ملكاً.
• قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [٢٦٠].
قال مجاهد والنخعي: لأزداد إيماناً إلى إيماني، وأورده الصوفية في باب التحقيق (٣).
• قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا﴾ الآية [٢٦٤].
قال النووي في شرح المهذب يحرم المنُّ بالصدقة، فلو منَّ بها بطل ثوابه للآية.
(١) لأنّه فعل نبي أمرنا بالاقتداء بهديه، والمقام مقام ثناء على إبراهيم.
وعلم الجدل هو معرفة القواعد والحدود والآداب في الاستدلال التي يتوصل بها إلى حفظ رأي أو هدمه، سواء كان ذلك الرأي حقًا أو باطلًا صحيحًا أو خطاءً، وهو علم طريقة تركيب الحجاج حتى لا تتشعب المسائل.
(٢) لما سبق من كونه شريعة من قبلنا، والمقام مقام ثناء ومدح.
(٣) قال ابن القيم في مدارج السالكين (٣/ ٤٠٥) «وجه تعلق التحقيق بإشارة الآية: أنّ إبراهيم ﷺ طلب الانتقال من الإيمان بالعلم بإحياء الموتى إلى رؤية تحقيقه عيانًا».
стр. 144
واستشكل ذلك ابن عطية بأن العقيدة: أن السيئات لا تبطل الحسنات.
وقال غيره: تمسك المعتزلة بهذه الآية في أصلهم أن السيئة تبطل الحسنة (١)، واستنبط العلم العراقي من هذه الآية دليلاً لقاعدة: أن المانع الطاريء كالمقارن؛ لأنه تعالى جعل طريان المنِّ والأذى بعد الصدقة كمقارنة الرياء لها في الابتداء، قال: ثم إن الله ضرب مثالين أحدهما للمقارن المبطل في الابتداء بقوله: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ﴾ الآية، فهذا فيه أن الوابل الذي نزل قارنه الصفوان وهو الحجر الصلد وعليه التراب اليسير، فأذهبه الوابل، فلم يبق محل يقبل النبات، وينتفع بهذا الوابل، فكذلك الرياء وعدم الإيمان إذا قارن إنفاق المال.
والثاني الطاريء في الدوام، وأنه يفسد الشيء من أصله بقوله: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ﴾ فمعناها أن هذه الجنَّة لما تعطل النفع بها بالاحتراق عند كبر صاحبها وضعفه وضعف ذريته - فهو أحوج ما يكون إليها يوم فقره وفاقته - فكذلك طريان المنِّ والأذى يحبطان أجر المتصدق، وأحوج ما يكون إليه يوم فقره وفاقته انتهى (٢).
• قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ الآية [٢٦٧].
أخرج سعيد بن منصور وابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا
(١) وما قاله المعتزلة بخصوص هذه المسألة حق لظاهر الآية؛ لذا قال ابن القيم في مدارج السالكين (١/ ٣٠٣) «والقرآن والسنة قد دلّا على الموازنة، وإحباط الحسنات بالسيئات، فلا يضرب كتاب الله بعضه ببعض، ولا يرد القرآن بمجرد كون المعتزلة قالوه - فعل أهل الهوى والتعصب - بل نقبل الحق ممن قاله، ونرد الباطل على من قاله».
(٢) نقل السيوطي كلام علم الدين العراقي من كتاب العلائي المجموع المذهب (١/ ٣٣٥)، وقال العلائي بعد ذكر كلامه، «وفي هذا الاستنباط مناقشة لسنا بصددها».
стр. 145
كَسَبْتُمْ﴾ قال من التجارة: ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ قال من الثمار، وعن علي وغيره نحوه، ففيه وجوب زكاة التجارة والثمار (١).
وفي الآية كراهة التصدق بالرديء واستحبابه بالجيد.
قال إلكيا: وأحتج بها أبو حنيفة على وجوب زكاة قليل ما تخرجه الأرض وكثيرة (٢)، وآخرون على كل ما تخرجه الأرض من الحبوب والثمار وغيره حتى البقل (٣).
وقال ابن الفرس: قوله: ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ يعم النبات والمعدن والركاز، وقال: وفيه أن من زرع في أرض اكتراها فالزكاة عليه لا على رب الأرض؛ لأن قوله: ﴿أَخْرَجْنَا لَكُمْ﴾ يقتضي كونه على الزارع.
• قوله تعالى: ﴿وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾.
فيه أن صاحب الحق لا يجبر على أخذ المعيب، وله الرد وأخذ سليم بدله (٤).
(١) للأمر في قوله: ﴿أَنْفِقُوا﴾ مع تفسير الصحابة والتابعين.
(٢) أخذًا من عموم قوله: ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ﴾ (ما) اسم موصول، وهو من صيغ العموم.
وقال ابن الفرس في أحكام القرآن (١/ ٣٩١) عن هذا الاستنباط «وهذا بعيد، فإن المراد بيان الجهات التي يتعلق حق الله تعالى بها، وليس ذكر النصاب فيها مقصودًا، ولا بيان ما لا زكاة فيه».
ومثله قال ابن العربي وغيره، وقد بيّن النبي ﷺ النصاب بقوله: «ليس فيما دون خمس ذود صدقة، وليس فيما دون خمس أواق صدقة، وليس فيما دون خمسة أوسق من التمر صدقة».
(٣) رد بما سبق أن الآية لم تسق لهذا، ولو قيل: بالعموم فهي مخصوصة بقوله ﵊ «ليس في الخضروات صدقة».
(٤) لأنّ المولى أجاز لصاحب الحق الإغماض والتساهل، أو عدم الإغماض، والمطالبة بحقه من الجودة، والنهي عن الإغماض في الصدقة بنهيه عن إعطاء الردئ.
فلما أمرنا بالإنفاق من طيبات ما كسبنا، ونهانا عن تيمم الخبيث، استدللنا بهذا على أن كل خبيث معيب لمرض أو هزال أو غيره لا يجوز إنفاقه، ولا يصح ولا يجزئ للنهي، إلّا أن يكون جميع المال المزكى خبيثًا أو معيبًا، فإننا ننفق منه؛ لأنا لم نتيمم الخبيث للنفقة.
следующие страницы →