← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 1355

فتح الجليل في التعليق على كتاب الإكليل

عبد الرحمن بن علي الحطاب

Полный текст (159 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

إما بتقدير لا النافية، أو أن يطيقونه بمعنى يتكلفونه كما قرئ يطوقونه، قال: يكلفونه، أي فلا يطيقونه. وأخرج البخاري وغيره عن ابن عباس لأنه قرأ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ قال: يكلفونه، وهو الشيخ الكبير والعجوز الكبيرة، يطعمون كل يوم مسكيناً ولا يقضون، وله طرق كثيرة عنه. وأخرج الدارقطني عنه أنه قال لأم ولد له حبلى أو مرضع: أنتِ من الذين لا يطيقون الصيام، عليك الجزاء، وليس عليك القضاء. قال الشافعي: ظاهر الآية أن الذين يطيقون الصوم إذ لم يصوموا أطعموا، ونسخ في غير حق الحامل والمرضع، وبقي في حقهما. فالحاصل أنَّا إن جعلناها منسوخة فهي في الحامل والمرضع محكمة، وإن جعلناها محكمة ففيها دليل على إباحة الإفطار لمن لا يطيق لعذر لا يرجى برؤه، وأن عليه فدية بدل الصوم، وأنها عن كل يوم قدر طعام مسكين، وهو مُدُّ من حبّ، وأن من زاد على ذلك فهو أفضل (١)، وأن مصرفها طائفة المساكين بخلاف غيرهم من أهل الزكاة. وقد يستدل بالآية على أن الصوم لا يقبل النيابة وإلا لذكرها (٢). واستدل بها ابن عباس على أن الحامل والمرضع يفديان ولا قضاء عليهما (٣). (١) لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾ أي: أخير. (٢) أي: لذكر الإنابة بدل الإطعام؛ لأنّ المقام مقام تشريع لأصحاب الأعذار، فأوجب على المكلف أن يصوم بنفسه في قوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾، أو يقضيه بنفسه بقوله: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا﴾ الآية، فانتفى أن يصوم غيره عنه. (٣) سبق تفسيره لقوله (يطوقونه) باعتبار أنهما لا يطيقانه، وكما سيأتي من كلام المصنف ونقله.

стр. 72

قال أبو عبيد: اختلف الناس في الحامل والمرضع فقيل عليهما الفدية دون القضاء، وقيل: القضاء دون الفدية، وقيل الأمران وكل تأول الآية، من قال بالفدية فقط: رأى أنهما ممن لا يطيق وليستا من أهل السفر والمرض، وأهل هذا الوصف هم أهل الفدية، ومن رأى القضاء فقط: رأى الحمل والرضاع علتين من العلل كالمرض، ومن أوجبهما قال: إن الله حكم في تارك الصوم بعذر بحكمين القضاء في آية، والفدية في أخرى، فلما لم يجد لهما ذكراً في واحد منهما جمعهما عليهما، أخذاً بالأحوط (١). واستدل بالآية على أن المسافر والمريض يفديان ولا يقضيان، أخذاً من عموم اللفظ (٢). ورد لأن قوله تعالى أولاً في حقهما: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ يمنع دلالة: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ عليهما؛ لأن ما عطف على الشيء غيره لا محالة. وفي الآية رد على من قال بإسقاط الصوم عن الشيخ ونحوه بلا فدية (٣)، وعلى من جوز الفدية فيه بالعتق (٤). (١) يجاب عنه أنَّ الفدية ما قام مقام الشيء وأجزأ عنه، فغير جائز على هذا الوضع اجتماع القضاء والفدية؛ لأنّ القضاء إذا وجب فقد قام مقام المتروك، فلا يكون الإطعام فدية، وإن كانت فدية صحيحة فلا قضاء؛ لأنّ الفدية قد أجزأت عنه، وقامت مقامه. الجصاص (١/ ٢٢١). (٢) اسم موصول في قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾، قال الجصاص في أحكام القرآن (١/ ٢١٦): «فغير جائز أن يكون هؤلاء ﴿الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ هم المرضى والمسافرين؛ إذ تقدم ذكر حكمهما، وبيان فرضهما بالاسم الخاص لهما، فغير جائز أن يعطف عليهما بكناية عنهما مع تقديمه ذكرهما منصوصًا معينًا». (٣) لقوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ﴾ و (على) من الصيغ الدالة على الوجوب، باعتبار أن الآية للجميع، فيدخل الشيخ ونحوه. (٤) أي: رد عليه، وذلك لقوله (اطعام).

стр. 73

• قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾ قال ابن الفرس: يحتج بها على جواز التطوع بصوم يوم الشك؛ لعموم قوله ﴿خَيْرًا﴾ (١). • قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ قال ابن الفرس: يحتج بها على أن الصوم لمن أبيح له الفطر أفضل ما لم يجهده. • قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ [١٨٥] استدل به من كره أن يقال رمضان، وإنَّما يقال شهر رمضان (٢). • قوله تعالى: ﴿الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ يستدل به مع قوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ على أن ليلة القدر في رمضان ليست في غيره، خلافاً لمن زعم أنها ليلة النصف من شعبان. • قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ استدل به من قال من الأصوليين بوجوب الصوم على المسافر والمريض والحائض؛ لأنهم شهدوا الشهر (٣). واستدل به من قال لا قضاء على من مر عليه رمضان وهو مجنون؛ بناء على (١) وجه العموم أن ﴿خَيْرًا﴾ نكرة في سياق الشرط، فتعمّ كل خير، والصوم خير فيدخل في العموم. (٢) أي: كما في الآية، والكراهة حكم شرعي يحتاج إلى دليل، كيف وقد ورد عن النبي ﷺ قوله: «إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة»، أخرجه مسلم (١٠٧٩)، وحديث «من صام رمضان إيمانا واحتسابًا» أخرجه البخاري (٢٠١٤)، ومسلم (٧٦٠)، كل ذلك يدل على عدم الكراهية. (٣) فالشهود علة الوجوب؛ لاقتران الحكم بالوصف ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ وهؤلاء قد شهدوه.

стр. 74

أن ﴿شَهِدَ﴾ بمعنى: علم. واستدل به من قال يقضي، وفسر: ﴿شَهِدَ﴾ بمعنى: أدرك. واستدل به أبو حنيفة على أن من شهد بعض الشهر لزمه صوم الشهر كله، وإن سافر لم يبح له الفطر، ووجهه أنه لا يمكن أن يراد به شهود جميع الشهر؛ لأنه لا يكون شاهداً لجمعيه إلا بعد مضيه كله، ويستحيل أن يكون مضيه كله شرطاً للزوم صومه كله؛ لأن الماضي من الوقت يستحيل إيقاع الصوم فيه، فعلم أنه لم يرد شهود جمعيه، فالتقدير: من شهد منكم بعض الشهر فليصم ما لم يشهد منه. وقد أخرج سعيد بن منصور عن ابن عمر في قول: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ قال من أدركه رمضان في أهله ثمَّ أراد السفر فليصمه. وأخرج ابن أبي حاتم عن علي قال: من أدركه رمضان وهو مقيم ثم سافر بعد لزمه الصوم؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ قال: هو إهلاله بالدار. واستدل بالآية على إجزاء صوم الأسير إذا صام بالاجتهاد ووافق رمضان، خلافا للحسن بن صالح، وعدمه إذا صادف ما قبله (١)، وعلى أن من رأى الهلال (١) الأسير إن اجتهد وصام، إمّا يوافق اجتهاده الواقع، وإمّا أن يصادف ما قبله، أو يصادف ما بعده، فالاحتمالات ثلاث، وعلى القول بأن (شهد) بمعنى: أدرك، فإن صام بعده فإنّه يجزئه قولًا واحدًا، أداءً أو قضاءً، وإن صام قبله فإنّه لم يشهده -لم يدركه- فلا يجزئه كما قال المصنف؛ ويكون نافلة، ويلزمه الأداء أو القضاء بعد شهوده. وأمّا إن صادف فإنّه يجزئه كما قال المصنف؛ لدخوله في عموم الآية؛ لأنّه مدرك له سواء بالحجة القاطعة، أو الاجتهاد.

стр. 75

وحده لزمه الصوم بنفسه (١)، خلافاً لمن قال لا يلزمه إلا بحكم الإمام (٢). • قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾. هذا أصل لقاعدة عظيمة ينبني عليها فروع كثيرة، وهي أن المشقة تجلب التيسير، وهي إحدى القواعد الخمس التي ينبنى عليها الفقه، وتحتها من القواعد قاعدة الضرورات تبيح المحظورات، وقاعدة إذا ضاق الأمر اتسع، ومن الفروع ما لايحصى كثرة، والآية أصل في جميع ذلك. وقد يستدل بالآية على أحد الأقوال في مسألة تعارض المذاهب والروايات والاحتمالات، هل يؤخذ بالأخف أو بالأقوى أو بأيهما شاء؟. • قوله تعالى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾ فيه دليل على اعتبار العدد إذا لم ير الهلال، ولا يرجع فيه لقول الحساب والمنجمين (٣). واستدل به أبو حنيفة على أن من صام تسعة وعشرين باعتبار رؤية بلده وقد صام أهل بلدة أخرى ثلاثين أنه يلزم أولئك قضاء يوم؛ لأنه ثبت برؤية تلك البلدة أن العدة ثلاثون، فوجب على هؤلاء إكمالها (٤). (١) لعموم (من) في الآية ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ﴾. (٢) لأن (الصوم حين يصوم الناس) كما في الحديث، وصوم الناس يكون بإخبار الإمام؛ لحديث ابن عمر ﵁ «تراءى الناس الهلال فأخبرت النّبي ﷺ أني رأيته، فصامه وأمر الناس بصيامه» أخرجه أبو داود (٢٣٤٢)، وقال الألباني في صحيح أبي داود (٢٠٢٨): " إسناده صحيح ". (٣) لأنّ اللام في قوله: ﴿وَلِتُكْمِلُوا﴾ فتحتمل أنّها لام الأمر، أي: لتكملوا عدد أيام الشهر، بقضاء ما أفطرتم في مرضكم وسفركم ويؤيد ذلك قراءة التشديد (ولتكّملوا). (٤) على القول بعدم اعتبار أثر اختلاف المطالع، وعند اتحادها فيجب عليهم الإكمال؛ لتحقق المشاهدة حكما لا حقيقة. أمّا من يرى أن للاختلاف أثرًا، فإنّه يعتبر رؤية كل قوم في بلدهم، ويستدلون بعموم قوله ﵇ «صوموا لرؤيته» وهؤلاء لم يروه، والحديث أخرجه البخاري (١٩٠٩)، ومسلم (١٠٨١).

стр. 76

• قوله تعالى: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ﴾ فيه مشروعية التكبير لعيد الفطر (١)، وأن وقته من إكمال العدة، وهو غروب شمس آخر يوم من رمضان. أخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: حقاً على المسلمين إذا نظروا إلى هلال شوال أن يكبروا الله حتى يفرغوا من عيدهم (٢)؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ﴾. قال ابن الفرس: والآية حجة على من ذكر أثناء التكبير تهليلاً وتسبيحاً، وحجة لمن لا يرى إلا التكبير (٣). • قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ الآية [١٨٦]. فيه تنزيهه تعالى عن المكان (٤)، وإجابته (١) سبق أن اللام تحتمل أن تكون لام الأمر، ويؤيده قول ابن عباس ﵄ الذي ذكره المؤلف. (٢) قال ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٢٤/ ٢٢١): «وهو فراغ الإمام من الخطبة على الصحيح». (٣) لعدم ذكر التهليل والتسبيح في الآية، والاقتصار على التكبير المذكور في الآية. لكن فُسر قوله: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ بالتحميد؛ إذ القول: الحمد لله شكر لله بالقول، قال ابن تيمية (٢٤/ ٢٣٠ - ٢٣١) «فقرن بتكبير الأعياد الحمد. فقيل: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر ولله الحمد؛ لأنه قد طلب فيه التكبير والشكر». (٤) وجه هذا القول عند من يقول به هو أنه تعالى لو كان في المكان لما كان قريباً من الكل، بل كان قريباً من حملة العرش وبعيداً عن غيرهم، ولكان إذا كان قريباً من زيد الذي هو بالمشرق كان بعيداً من عمرو الذي في المغرب .. الخ نقله المحقق عن الفخر الرازي في تفسيره (٥/ ٩٦). ومذهب أهل السنة والجماعة أن الله فوق سماواته مستو على عرشه، وهذا لا ينافي قربه ومعيته؛ فإنه سبحانه ليس كمثله شيء في جميع نعوته، وهو عليٌّ في دنوه، قريب في علوه. نقله المحقق بتصرف من الواسطية لابن تيمية مع شرح الهراسي وعفيفي (١١٤ - ١١٦)، وانظر: حاشية (١١) (١/ ٣٥٧ - ٣٥٨).

стр. 77

الداعي (١)، والترغيب في الدعاء (٢)، وأورد الصوفية هذه الآية في باب الأنس، وهو عبارة عن روح القرب (٣). • قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [١٨٧] فيه إباحة الجماع وسائر أنواع الاستمتاع للصائم ليلاً (٤). • قوله تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾. قيل: إنه كناية عن المعانقة (٥). • قوله تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ - إلى قوله - ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾. فيه إباحة الجماع وأنواع المباشرة والأكل والشرب إلى تبين الفجر (٦)، (١) لأنّه علق الإجابة على الدعاء ﴿إِذَا دَعَانِ﴾ والمعلق على شرط يثبت بثبوته، وعلق كذلك بشروط أخرى في الآية ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي﴾. (٢) للأمر، والإخبار بالقرب، ويشمل الدعاء هنا، دعاء المسألة، ودعاء العبادة، كقوله: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠]. (٣) ومعناه عند الصوفية: نعيم القرب وراحته. ولاشك أن قرب العبد من ربه موجب له الأنس، فكل مطيع مستأنس، وكل عاص مستوحش، فالأنس ثمرة الطاعة والمحبة، ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾. (٤) للإخبار عن الحكم بلفظ الحل ﴿أُحِلَّ لَكُمْ﴾. (٥) الكناية: لفظ أريد لازم معناه، وهنا يريد الجماع (المعانقة) وكنى باللباس الذي هو لازم للفظ وذكر السيوطي في الإتقان (٤/ ١٥٥٦ - ١٥٥٨) في النوع الرابع والخمسين في كنايات القرآن، أن الكناية أبلغ من التصريح، وأن من أسبابها: إن كان التصريح مما يستقبح ذكره، ككناية الله عن الجماع بالملابسة والمباشرة والإفضاء والرفث والدخول والسر في قوله: ﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ والغشيان في قوله: ﴿فَلَمَّا تَغَشَّاهَا﴾ ثم قال: أو عن المعانقة باللباس في قوله: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾. (٦) لأن قوله: ﴿بَاشِرُوهُنَّ﴾ أمر بعد حظر فيفيد الإباحة.

стр. 78

وتحريم المذكورات نهاراً (١). واستدل به على صحة صوم الجنب؛ لأنه يلزم من إباحة الجماع إلى تبين الفجر إباحته في آخر أجزاء الليل، ويلزم من ذلك بطريق الإشارة طلوع الفجر وهو جنب. ومن منعه قال: إن الغاية متعلقة بكلوا واشربوا دون باشروهن. وقد يستدل به بالطريق المذكورة على أنه لا يجب تجديد النية إذا جامع أو أكل بعدها (٢). واستدل به على جواز لمن شك في طلوع الفجر؛ لأنه تعالى أباح الأكل إلى التبين ولا تبين مع الشك، خلافاً لمالك (٣). واستدل به مجاهد على عدم القضاء والحالة هذه إذا بان أنه أكل بعد الفجر؛ لأنه أكل في وقت أذن له فيه (٤). وأخرج سعيد ابن منصور عنه، قال: إذا تسحر الرجل وهو يرى أن عليه ليلاً وقد كان طلع الفجر فليتم صومه؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ (١) يؤخذ من مفهوم الغاية من قوله: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ﴾ ومفهومه ما لم يتبين تحرم تلك المذكورات، وكذا يؤخذ من مفهوم قوله: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾. (٢) لأنه لم يلتبس بالعبادة التي هي الصوم والإمساك. وقيل: يضُرُّ الأكل بعد النية، فيجددها تحرزاً عن تخلل المناقض بينها وبين العبادة، لما تعذر اقترانها بها. وكونه دلالة إشارة لأن هذا الحكم ليس مقصوداً من سوق اللفظ، بل كان تبعاً. (٣) مفهوم الآية: أنه إن لم يتبين لنا الخيط الأبيض من الخيط الأسود؛ فإنّه يحل لنا الأكل، وضد التبيين: الظن والشك. وعليه يجوز الأكل لمن شك في طلوع الفجر، وصحّ عن ابن عباس ﵄ «كل ما شككت حتى يتبين لك»، وكذا استصحابًا لليل. (٤) أخذً بمفهوم الغاية، ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ﴾ وهذا لم يتبين له، وعلى استصحاب الليل.

стр. 79

لَكُمُ﴾، وإذا أكل وهو يرى أن الشمس قد غابت ولم تغب فليقضه؛ لأن الله تعالى يقول ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ (١). واستدل به اللخمي على إجزاء النية مع طلوع الفجر؛ لأنه إذا كان الأكل مباحاً إلى الفجر لم تجب النية إلا في الموضع الذي يجب فيه الإمساك (٢). واستدل به قوم على صحة صوم من طلع عليه الفجر وهو يجامع فنزع في الحال، أو في فيه طعام فلفظه، بطريق الإشارة السابقة (٣). قلت: ويستدل بقوله: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ﴾ على أن المراد بالفجر في الصوم ونحوه من الأحكام ما يظهر لنا لا ما في نفس الأمر (٤)، وبقوله: ﴿الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ على أن المراد بالفجر المعترض (٥) دون المستطيل، بقرينة قوله: ﴿الْخَيْطُ﴾ كما لا يخفى. وفي الآية رد على من جعل أول الصيام من طلوع الشمس (٦). (١) ومفهوم غايته: أنّه إذا لم يتمه فأكل وشرب، فإن عليه القضاء، وعلى استصحاب النهار. واختلف أهل العلم هل علق الحكم على التبيين لنا، أو على ما في نفس الأمر؟ وما نقله المؤلف عن سعد بن منصور، يتجه نحو أن التعليق على التبيين لنا، لذا قال: «وهو يرى أن عليه ليلًا». (٢) بدلالة الإشارة؛ إذا الحكم ليس مسوقًا لحكم النية، بل مسوق لوقت الإفطار. (٣) وهذا باعتبار أن النزع ليس بجماع، وهو للشافعية والحنفية، وأحد قولي المالكية، حتى لو خرج المني، فهو كالاحتلام، أمّا عند المالكية رواية والحنابلة فإنّ الصوم يفسد؛ لأنّ النزع جماع يتلذذ به. (٤) لأنّه علق التبيين لنا بقوله: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ﴾. (٥) وهو الفجر الثاني، الذي علق عليه الحكم، والخيط ضوء النهار بطلوع الفجر من ظلمة الليل وسواده. (٦) لأن طلوع الشمس يجعل البياض ينتشر فلا يكون خيطًا، وقوله: ﴿الْخَيْطُ﴾ قرينة تمنع القول بأن المراد انتشار البياض، واستفاضته في السماء، حتى يملأ بياضه الطرق، فلم يصح خيطًا. وسبب الخلاف: هو الاشتراك في اسم الفجر، فيقال: على الأبيض والأحمر وذكر ابن الفرس (١/ ٢١٠) أن العلماء اختلفوا في أول النهار، فقيل: الفجر، وقيل: طلوع الشمس، ثم اختلفوا ما بينهما هل هو من النهار، فلا يجوز الأكل أو من الليل فيجوز.

стр. 80

وقوله: ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ فسره ابن عباس في رواية بالولد (١)، وفي أخرى بليلة القدر، أخرجهما ابن أبي حاتم، ففيه استحباب طلب ليلة القدر (٢) وأن ينوي بالجماع النسل ولإقامة السنة دون مجرد اللذة (٣). وقال قتادة وابتغوا الرخصة التي كتب الله لكم، ففيه كراهية ترك الرخصة واستحباب فعلها (٤). • قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾. استدل بعمومه على الإفطار باليسير وبما لا يغذي (٥). (١) لتفسير ابن عباس ﵄؛ ولأنّ عقيب قوله: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ بمعنى: جامعوهن. (٢) وهو قول ابن عباس وتفسيره حجة، قال ابن القيم في تحفة المودود (٩): « … لكن يبقى أن يقال: فما تعلق ذلك بإباحة مباشرة أزواجهم؟ فيقال: فيه إرشاد إلى أن لا يشغلهم ما أبيح لهم من المباشرة عن طلب هذه الليلة التي هي خير من ألف شهر … إلخ». (٣) قال ابن القيم: «أرشدهم سبحانه إلى أن يطلبوا رضاه في مثل هذه اللذة، ولا يباشروها بحكم مجرد الشهوة، بل يبتغوا بها ما كتب الله لهم من الأجر، والولد الذي يخرج من أصلابهم يعبد الله ولا يشرك به شيئا». (٤) المقصود بالرخصة هنا: التخفيف، لا المصطلح المعروف، والرخصة التي كتبها الله هي الأكل والجماع لمن نام ليلة رمضان بعد منعه، ومن لم ينم، واستحبابها دلّ عليه قوله ﵇، «إنّ الله يحب أن تؤتى رخصه، كما يكره أن تؤتى معصيته». رواه أحمد وصححه الألباني. (٥) ركن الصوم الإمساك وإتمامه ينتقض باليسير وبما لا يغذي. وقال ابن رشد في بداية المجتهد (٢/ ٥٢): «وسبب اختلافهم في هذا قياس غير المغذي على المغذي، وذلك أن المنطوق به إنما هو المغذي، فمن رأى أن المقصود بالصوم معنى معقول لم يلحق غير المغذي بالمغذي، ومن رأى أنها عبادة غير معقولة، وأن المقصود منها إنما هو الإمساك فقط عما يرد الجوف سوى بين المغذي وغير المغذي».

стр. 81

واستدل به على أنه لا يجوز الأكل لمن شك في الغروب (١)، وعلى تحريم الوصال (٢). روى أحمد من طريق ليلى امرأة بشير بن الخصاصية قالت: أردت أن أصوم يومين مواصلة فمنعني بشير، وقال: إن رسول الله ﷺ نهى عنه، وقال: (يفعل ذلك النصارى، ولكن صوموا كما أمر الله: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾، فإذا كان الليل فأفطروا) (٣). وروى الطبراني في الأوسط بسند لا بأس به عن أبي ذر أن رسول الله ﷺ واصل يومين فأتاه جبريل فقال: إن الله قبل وصالك ولا يحل لأحد بعدك، وذلك بأن الله قال: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾، فلا صيام بعد الليل (٤). • قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾. فيه مشروعية الاعتكاف واختصاصه بالمسجد (٥)، وعدم اختصاصه (١) باتفاق العلماء؛ لأنّ قوله: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ﴾ أمر يقتضي الوجوب، و ﴿إِلَى اللَّيْلِ﴾ غايته، والليل الذي يتم به الصيام مغيب قرص الشمس. (٢) لأنّ الصيام والإمساك مغيا إلى الليل، ومفهومه: عدم الصيام بالليل، فلا صيام بالليل، وأكدت ذلك السنة بتحريمه. (٣) المسند (٥/ ٢٢٥)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ١٥٨) رجاله رجال الصحيح، وصحح إسناده ابن حجر في فتح الباري (٤/ ٢٥٤). (٤) أخرجه الطبراني في الأوسط (٣٢٠٦)، وقال الشيخ مصطفى العدوي في تحقيقه للإكليل ص (٩٩): "ضعيف وفيه رجل مجهول، قال الهيثمي في المجمع (٣/ ١٥٨) ولم أعرف عبد الملك، وكذا الحافظ في الفتح (٤/ ٢٥٤) ". (٥) لأنّ الواو في قوله: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ﴾ حالية، أي: حال كونكم عاكفين في المساجد، فدلت الآية ضمنًا على الحكمين مشروعية الاعتكاف، وكونه في المسجد. وسبق الحديث عن مشروعية الاعتكاف عند قوله: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ﴾. والاختصاص بالمسجد دلت عليه السنة، فلم يعتكف الرسول ﷺ إلّا في مسجد.

стр. 82

بالجامع (١)، أو المساجد الثلاثة (٢)، وتحريم المباشرة فيه جماعاً وغيره (٣). واستدل به بعضهم على أنه إذا خرج من المسجد فجامع خارجاً لا يبطل اعتكافه؛ لأن حصر المنع من المباشرة حال كونه في المساجد (٤). قال إلكيا: ويجاب بأن معناه لا تباشروهن حال ما يقال لكم إنكم عاكفون في المساجد، ومن خرج من المسجد لقضاء الحاجة فاعتكافه باقٍ. استدل به بعضهم على أن الاعتكاف يصح في غير المسجد، وأن تحريم المباشرة خاص بمن اعتكف في المسجد فاعتبر مفهوم: ﴿فِي الْمَسَاجِدِ﴾، والجمهور اعتبروا مفهوم: ﴿عَاكِفُونَ﴾. (١) لعموم قوله: ﴿فِي الْمَسَاجِدِ﴾ ومن خصه بالجامع، إمّا لقول صحابي، كعلي وابن مسعود، أوللمصلحة حتى لا يضطر إلى الخروج للجمعة. (٢) لعموم قوله: ﴿فِي الْمَسَاجِدِ﴾ ومن خصه ببعض المساجد، إما لقول صحابي، أو لفضيلة في المسجد كالثلاثة التي تشد لها الرحال، أو لكونه معهودًا للشارع، كمن خصص الاعتكاف بالمسجد الحرام، وجعل الآية من العام المراد به الخصوص، كقوله: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ والمراد بها: المسجد الحرام، بحجة أن المسجد إذا أطلق فإن معهود الشارع يكون للمسجد الحرام. (٣) لأنّ المباشرة تقع على الوقاع وعلى ما دونه بشهوة وبغير شهوة، إمّا اشتراكًا، وإمّا حقيقة ومجازًا. وبيّن النبي ﷺ أن المباشرة بغير شهوة غير مرادة لله ﵎، فقد كان يُدني رأسه غلى عائشة ﵂، فترجله. ولا شك أن الوقاع مراد الله ﵎. انظر: تيسير البيان للموزعي (١/ ٢٧٠). قلت: ولعل عمومه؛ لأنّ قوله: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ﴾ نكرة في سياق النهي، والتحريم مستفاد من النهي ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ﴾. (٤) أُخذاً من مفهوم الظرف ﴿فِي الْمَسَاجِدِ﴾ لكن مفهومه غير مراد؛ لأنّه خرج لبيان واقع الصحابة الذين نزلت عليهم الآية، فكانوا يجامعون إذا خرجوا لقضاء الحاجة.

стр. 83

واستدل به أبو حنيفة على صحة اعتكاف المرأة في غير المسجد دون الرجل؛ بناء على أنها لا تدخل في خطاب الرجال، وعلى اشتراط الصوم في الاعتكاف؛ لأنه قصر الخطاب على الصائمين فلو لم يكن الصوم من شرط الاعتكاف لم يكن لذلك معنى (١)، وعلى أنه لا يكفي فيه أقل من يوم كما أن الصوم لا يكون أقل من يوم (٢). • قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ الآية [١٨٨]. فيه تحريم أكل المال بغير وجه شرعي، وله صور كثيرة (٣). روى ابن أبي حاتم عن ابن عباس أنه كان يكره أن يبيع الرجل الثوب ويقول لصاحبه إن كرهته فرد معه درهماً، فهذا مما قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾. (١) أي: لم يكن للاقتران معنى، ودلالة الاقتران بين الصوم والاعتكاف يستأنس بها، والسنة بيان للقرآن، وكل ما فعله النبي ﷺ في اعتكافه فهو وارد مورد البيان، فيجب أن يكون على الوجوب؛ لأنّ فعله لبيان الشرعيات، فهو على الوجوب إلّا ما قام دليله، فلما ثبت عن النّبي ﷺ قوله: «لا اعتكاف إلّا بصوم» وجب أن يكون الصيام من شروطه، قاله الجصاص (ا/ ٢٩٨).، والحديث أخرجه أبو داود (١٥٣٩) وصححه الألباني. ومن العلماء من ذهب إلى عدم اشتراط الصوم، وهو مروي عن علي وابن مسعود ﵃؛ استدلالًا بما أخرجه البخاري، أن عمر ﵁ قال: يا رسول الله: «إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام، فقال له: أوف بنذرك» أخرجه البخاري (٦٦٩٧). والليل ليس محلًا للصوم. (٢) فهو مبني على القول باشتراط الصوم. قال الجصاص في أحكام القرآن (٢/ ٢٩٧): «تحديد مدة الاعتكاف لا يصح إلّا بتوقيف، أو اتفاق، وهما معدومان». وعلى القول بأن اعتكافه ﵇ بيان للآية، فأقله عشرة أيام. وعامة الفقهاء: لا حد لأقله. (٣) قيل: تنحصر في: جحد ما يجب على الانسان بذله من وديعة أو زكاة، ودعوى ما ليس من حقه. وقيل: إنّ أصول المعاملات المحرمة: الربا، والظلم، والغرر.

стр. 84

وفيه تحريم الرشوة كما فسر بها قوم. ﴿وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾ (١) وتحريم المخاصمة بغير حق (٢)، قال مجاهد في الآية: لا تخاصم وأنت تعلم أنك ظالم، أخرجه سعيد بن منصور. وفيه: أن حكم الحاكم لا يحل باطلاً (٣)، وأنه يحكم بالظاهر وهو مصيب في فعله لا في الواقع (٤). • قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [١٨٩]. فيه أن كل شهر اعتبره الشرع فهو هلالي لا عددي (٥). واستدل به الحنفية على جواز الإحرام بالحج في كل السنة (٦)، والآية في الحقيقة دليل عليهم لا لهم؛ لأنه لو كان كما قالوا لم يحتج إلى الهلال في ذلك، (١) فيكون التحريم للنهي، كما أن المولى وصف الفعل بالإثم في قوله: ﴿لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ﴾، فالسياق سياق ذم يقتضي التحريم. والمعنى: تدلوا في الأموال إلى الحكام بإعطائهم إياها على سبيل الرشوة ليحكموا لكم بغير حق، أو يدلي بالأمر إلى الحكام فيأتي بدعوى باطلة، ويؤيدها بشهادة زور، وما أشبه ذلك. (٢) لقوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ففيها ذم من يخاصم وهو يعلم أنّه ظالم، والمخاصمة: الإدلاء للحكام. والتحريم لما سبق أن المولى وصف الفعل -وهو أكل المال - بالإثم. (٣) وصف الفعل -الذي هو الإدلاء بها عند الحكام وحكمهم لهم بها- بأنّه أكل للمال بالإثم. (٤) فقد يصيب الواقع وقد لا يصب، ووجهه من الآية: أن الآية حذرت المؤمنين من التحايل على أكل أموال الناس بالباطل عند الحكام؛ للدلالة على أنّ هذا يقع من الحكام، ولم تتعرض للحاكم؛ لأنّه حكم بما ظهر له. ودلت السنة على هذا الحكم في قوله ﵇: «إنّكم تختصمون إلي، وإنّما أنا بشر، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له بنحو ما أسمع، فمن قضيت له بحق أخيه، فإنّما أقطع له قطعة من النار» أخرجه البخاري (٦٩٦٧). (٥) قوله: ﴿هِيَ مَوَاقِيتُ﴾ أي: الأهلة مواقيت، وهذا خبر بمعنى الأمر، أي: اتخذوها مواقيت. (٦) لأنّ الأهلة مواقيت للحج، ولم يخص الهلال عن غيره.

стр. 85

وإنما احتيج إليه لكونه خاصاً بأشهر معلومة فاحتيج إليه ليميزها عن غيرها (١). وأخرج الحاكم وغيره من حديث ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ (جعل الله الأهلة مواقيت للناس فصوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين يوماً) (٢). • قوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى﴾ الآية. فيه دليل على أن ما لم يشرعه الله قربة ولا ندب إليه لا يصير قربة بأن يتقرب به متقرب. • قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [١٩٠]. فيه فرض الجهاد. • قوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا﴾. قال ابن عباس: يقول لا تقتلوا النساء والصبيان والشيخ الكبير، ولا من ألقى السلم وكف يده، فإن فعلتم فقد إعتديتم، أخرجه ابن أبي حاتم (٣). (١) أي: خاص بأشهر معلومة، وأهلة معلومة، كما قال: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ فإذا أهلّت تلك الأشهر المعلومة، فقد جاز الإحرام بالحج. أو يقال: أن قوله: ﴿الْأَهِلَّةِ﴾ مخصوص بقوله: ﴿أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾. (٢) أخرجه الحاكم في المستدرك (١/ ٤٢٣) وصححه، ووافقه الذهبي، وأخرجه ابن خريمة في صحيحه (١٧٨٩)، قال الشيخ مصطفى العدوي في تحقيقه للإكليل (١٠٢): "صحيح بشواهد". وما ذكره المصنف هو من التفسير بالمثال؛ لكون الأهلة مواقيت للناس في عباداتهم. (٣) مأخذه تفسير ابن عباس ﵄، وهو مأخوذ من مفهوم قوله: ﴿الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ أي: عدم مقاتلة من لم يقاتل.

стр. 86

• قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ [١٩٣]. حجة في عدم قبول الجزية من المشركين (١). • قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [١٩٤]. استدل به الشافعي على أن القاتل يقتل بمثل ما قتل به من محدد، أو خنق، أو حرق، أو تجويع، أو تغريق، حتى لو ألقاه في ماء عذب لم يلق في ماء ملح (٢). • قوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [١٩٥]. قال حذيفة: نزلت في النفقة في سبيل الله، أخرجه البخاري، وأخرج الفريابي عن ابن عباس مثله. وأخرج الترمذي عن أبي أيوب الأنصاري أنها نزلت في ترك الغزو. وأخرج الطبراني عن أبي جبير بن الضحاك أنها نزلت في ترك الصدقة. وأخرج أيضاً عن النعمان بن بشير أنها نزلت في الرجل يذنب الذنب فيقول لا يغفر لي. وأخرج الحاكم عن البراء مثله وأخرج ابن أبي حاتم عن عبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث أنهم حاصروا دمشق فانطلق رجل إلى العدو وحده، فعاب ذلك المسلمون، ورفعوا حديثه إلى عمرو بن العاص، فأرسل إليه فرده، (١) لأنّ الآية جعلت غاية القتال، الدخول في الإسلام، أو القتل. لكن آية براءة أخرجت أهل الكتاب ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ وألحقت السنة المجوس بهم «سنوا بهم سنة أهل الكتاب». (٢) وهذا مقتضى الاعتداء بالمثل، والاعتداء من قبيل المقابلة. والاعتداء بالمثل تفسير لما أجمل في الآية نفسها في قوله: ﴿وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾، وهو خبر بمعنى: الأمر.

стр. 87

وقال عمرو: قال الله: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ فكأنه فهم من الآية العموم (١). • قوله: ﴿وَأَحْسِنُوا﴾ قال عكرمة وأحسنوا الظن بالله (٢) أخرجه ابن جرير، ففيه شعبة من شعب الإيمان. • قوله: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [١٩٦]. استدل به على وجوب العمرة كالحج (٣). وعلى منع فسخ الحج إلى العمرة، رداً على ابن عباس (٤). (١) كل ما سبق طرق إلى ﴿التَّهْلُكَةِ﴾ وهي لفظ عام، والأقوال غير متنافية، واللفظ يشملها، فيحمل عليها جميعا. (٢) وقيل: أحسنوا الظن بالنصر. وقيل: الإحسان بأداء الفرائض، وقيل: بالنفقة في سبيل الله، وقيل: غير ذلك. واللفظ يشمل الجميع دون تنافي، ووجه العموم فيه أن المولى حذف الأمر المحسن فيه (المفعول به، أو المعمول) فيشمل جميع الوجوه، ومنها: الحرب -سياق الآية- وذلك بإتقان فنونها، وإحسان آلاتها، واتخاذ جميع الوسائل المؤدية إلى النجاح فيها لتكون سببًا لإعلاء كلمة الله، ذكره الشيخ العثيمين. (٣) مأخذ الحكم: الأمر الوارد بقوله: ﴿وَأَتِمُّوا﴾ ومن معاني الإتمام المأمور به: الأداء والإتيان. قال القرطبي في جامعه (٢/ ٣٦٥): «اختلف العلماء في المعنى المراد بإتمام الحج والعمرة لله، فقيل: أداؤهما والإتيان بهما، كقوله: ﴿فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة: ١٢٤] وقوله: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] أي ائتوا بالصيام، وهذا على مذهب من أوجب العمرة». ومما يستدل به كذلك قراءة ﴿وأقيموا الحجّ والعمرة لله﴾ على أن القراءة الشّاذة حجة. وأما قراءة ﴿والعمرةُ لله﴾ بالضّم - وقد كان يقرأ بها من الصحابة ابن عمر وابن عباس ﵄ فتدل على وجوب العمرة خاصة، لأنها بذلك تكون خبرًا بمعنى الأمر. (٤) مأخذه: أنّ الآية فيها الأمر بالإتمام، والذي أحرم بالحج مفردًا لم يتمه -على قوله- بل فسخه. وفيه إشكال؛ لأنّ مذهب ابن عباس ﵄، وهو اختيار ابن حزم وابن القيم: وجوب فسخ الحج إلى عمرة للمفرد والقارن، سواء ساق الهدي أو لم يسقه. قال ابن عباس ﵄: «من طاف باليت وسعى حلّ شاء أم أبى».

стр. 88

وعلى وجوب إتمام الحج والعمرة فيه بعد الشروع (١) فرضاً أو نفلاً (٢)، كما فسر به الإتمام، ويدل عليه قوله بعد ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ والإحصار إنما يمنع الإتمام بعد الشروع. وقد أخرج ابن أبي حاتم من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس في الآية قال: من أحرم بحج أو عمرة فليس له أن يحل حتى يتمهما، تمام الحج يوم النحر إذا رمى جمرة العقبة، وزار البيت فقد حلَّ، وتمام العمرة إذا طاف البيت وبالصفا والمروة. واستدل به قوم على أن الإحرام من دويرة أهله أفضل (٣). وروى الحاكم عن علي في قوله: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ قال يحرم من دويرة أهله. وقوم على أفضلية الإفراد (٤)، روى عبد الرازق في تفسيره عن معمر عن الزهري قال بلغنا أن عمر قال في هذه الآية: من تمامهما أن تفرد كل واحد منهما عن (١) مأخذه: الأمر بالإتمام مع تفسير الإتمام بالإكمال، ودليل هذا التفسير الإكمال ويدل عليه. ١. الظاهر به الإكمال، والظاهر لا يعدل عنه إلّا بدليل. ٢. السياق، قال السيوطي: « … ويدل عليه قوله بعده ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ والإحصار إنّما يمنع الإتمام بعد الشروع. ٣. تفسير الصحابي، وهو ما ذكره السيوطي عن ابن عباس ﵄: «من أحرم بحج أو عمرة … إلخ .. (٢) أي: وجوب إكمال الحج والعمرة، سواء كانا فرضًا أو نفلًا. مأخذه: العموم في صيغة (أل) الداخلة على حج وعمرة، فيعمّ كل حج فرضًا أو نفلًا، وكذا العمرة. (٣) مأخذه: تفسير الصحابي علي ﵁ وهو ما ذكره المؤلف، وهنا يُفسَّر الإتمام على أن المراد به الكمال، كذا قال المصنف: (أفضل) .. (٤) مأخذه: تفسير الإتمام بالكمال، ويؤيده تفسير الصحابي عمر ﵁ الذي ذكره المصنف.

стр. 89

الآخر وأن تعتمر في غير أشهر الحج (١). وقيل إتمامهما: أن تخرج قاصداً لهما لا لتجارة ونحوها ويؤيده قوله: ﴿لِلَّهِ﴾ (٢). وقيل: أن تكون النفقة حلالاً (٣). وقيل: أن يقرن بينهما (٤). وقيل: أن يستوعب المناسك كاملة (٥). واحتج بعموم الآية على إتمام الإحرام إذا فسد بالجماع (٦)، وأن القارن إذا خاف فوت عرفة فليس له رفض العمرة (٧)، والمعتمرة إذا حاضت قبل الطواف لا ترفضها، والصبي والعبد إذا كملا قبل الوقوف لا يرفضانه (٨). (١) ذهب القاسم بن محمد وقتادة إلى أن العمرة في أشهر الحج ليست تامة. وانتقد هذا القول بشدة ابن كثير، وبيَّن أنه مخالف للسنة، وأن عُمَر النبي كلها في ذي القعدة، أي في أشهر الحج. قال ابن عطية: وهذا مبني على أن الدم في الحج والعمرة جبر نقص. ينظر: موسوعة التفسير المأثور (٣/ ٤٧٤). (٢) وهذا مبني على تفسير الاتيان بالكمال، ويؤيد الكمال هنا ما ذكره المؤلف؛ لأنّ الكمال في خلوصها لله، فلا حظ فيها للخلق. (٣) مأخذه: ما سبق في أنّ كمالها بكمال وسيلتها، وهي النفقة. (٤) مأخذه: تفسير الإتمام بالكمال؛ إذ إنّه فعل النبي ﷺ ، والنبي ﷺ لا يفعل إلّا الأكمل. (٥) مأخذه: تفسير الإتمام بالكمال؛ إذ إن من كمال العبادة الاتيان بأركانها وواجباتها ومستحباتها. (٦) مأخذه: أولًا: ما ذكره المصنف من العموم، وذلك بما سبق أن (أل) في العمرة والحج تقتضي العموم، فكما تقتضي العموم في الفرض والنافلة -كما سبق- فإنّها تقتضي العموم في الحال، سواء كان صحيحًا أو فاسدًا. ثانيًا: الأمر بالإتمام في قوله: ﴿وَأَتِمُّوا﴾ مطلق، ولم يفرق بين صحيح وفاسدٍ. (٧) مأخذه: لأنّ العمرة يمكن الاتيان بها، فوقتها متسع. (٨) مأخذهم: دخولهم في الأمر بالإتمام؛ بدلالة ضمير الجمع في قوله: ﴿وَأَتِمُّوا﴾.

стр. 90

• قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾. فيه جواز التحلل بالإحصار (١)، وأن فيه دماً (٢)، وأنه لا يحصل التحلل إلا بذبحه في محله (٣)، وأنه لا يجوز الحلق قبله (٤)، وأن حلق الرأس حرام على المحرم (٥). واستدل به من لا يرى التحلل إلا من حصر العدو (٦)، فأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس أنه قال: لا حصر إلا حصر العدو فأما من أصابه مرض أو وجع أو ضلال فلا. إنما قال الله: (﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾. (١) أي: بسبب الإحصار، ودليله ظاهر الآية، حيث شرع له ما يجب عليه ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ﴾ جوابًا لشرط ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ فربط الجزاء بالشرط. (٢) مأخذه: أنّ (ما) في قوله: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ﴾ في محل رفع، أي: فالواجب، أو فعليكم ما استيسر، أو تكون في محل نصب، على تقدير، فانحروا، أو فاهدوا. (٣) مأخذه: منطوق الآية وظاهرها. (٤) مأخذه: مفهوم الغاية (حتى) وإن لم يبلغ محله، فلا يجوز له التحلل. (٥) مأخذه: النهي في قوله: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ﴾، وكذا ايجاب الفدية كما سيأتي والفدية تجب على ترك واجب، وترك الواجب حرام. (٦) مأخذه: تفسير الصحابي ابن عباس الذي ذكره المصنف، وكونه واردًا في سبب الحصر من العدو؛ لأنّها نزلت في الحديبة. والأخير يدل على دخول حصر العدو، لا أن الحصر فيه، والدليل على دخول حصر المرض، أو الخوف، اللغة، ومن التفسير -كما قال ابن عباس- ما تعرفه العرب من لغتها، ومن اللغة: الفعل الرباعي (أحصر) يقال في المرض، فيقال: أحصره المرض، أما الثلاثي (حصر) فإنه للعدو، فيقال: حصره العدو، وهو قول الأخفش وابن السكيت من علماء اللغة. وقال بعض أهل اللغة كالأزهري في تهذيب اللغة (٤/ ٢٣٢)، والزجاج في معاني القرآن (١/ ٢٦٧): إن الرباعي (أحصر) يقال لمن منعه خوف أو مرض من التصرف فهو محصر، ويقال لمن حُبس: حُصِر، فهو محصور. وقال ثعلب والفراء في معاني القرآن (١/ ١١٧): أحصر وحُصِر لغتان. انظر: تيسير البيان للموزعي (١/ ٣١٢)، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٢/ ٣٧١)، وأضواء البيان للشنقيطي (١/ ٧٧).

стр. 91

لكن قال مجاهد الحصر حبس كله، أخرجه ابن جرير فيعم العدو والمرض وغيرهما (١). وفي الآية رد على من منع التحلل من العمرة بالإحصار (٢)، وعلى من لم يوجب الهدي على المحصر (٣). واستدل بها الحنفية على وجوب ذبحه بالحرم لا حيث أحصر، لقوله تعالى: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾، مع قوله تعالى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾، ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ (٤). وسيأتي عن ابن عباس في تفسير الآية. (١) مأخذه: تفسير السلف، ومنه قول التابعين، وقد تكلم المرداوي في التحبير (٨/ ٣٧١٤) عن الخلاف في حجية قول التابعي، ونقل عن الإمام أحمد: "لا يكاد يجيء عن التابعين إلا يوجد عن الصحابة "، ثم نقل عن ابن تيمية قوله: "كلام أحمد يعم تفسيره وغيره ". قلت: وذلك لأن العلماء لا يزالون يحتجون بقولهم في التفسير، وهم في التفسير أوثق، وسبق بيان المأخذ من اللغة،، وأما من الخارج فلحديث ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب، وفيه قولها: «ما أجدني إلّا وجعة» فقال لها رسول الله ﷺ «حجي واشترطي، وقولي: اللهم محلي حيث حبستني» أخرجه البخاري (٥٠٨٩)، ومسلم (١٢٠٧). (٢) الذي منع التحلل من العمرة بالإحصار، ابن سيرين، وحجته أنّها غير مؤقتة. وأجيب: بأنها وإن كانت العمرة غير مؤقتة لكن الصبر إلى زوال العذر ضرر. أمّا مأخذ الرد من الآية: سبب نزولها؛ إذ إنّها نزلت في عمرة الحديبية، حيث منع النبي ﷺ وأصحابه من دخول مكة، وسبب النزول قطعي الدخول. (٣) مأخذه: ما سبق أن (ما) في قوله: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ﴾ يحتمل أن تكون في محل رفع أو نصب. قال القرطبي في تفسيره (٢/ ٣٧٨): " (ما) في موضع رفع، أي فالواجب، أو فعليكم ما استيسر من الهدي، ويحتمل أن يكون في موضع نصب، أي: فانحروا، أو فاهدوا ". (٤) مأخذه: حمل مطلق قوله: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ على المقيدين المذكورين. وأجيب: أن المقيّد محمول في حق غير المحصر، أمّا المحصر فقد دلّ قوله تعالى: ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ وبيَّن النبي ﷺ محله، فذبح في الحلِّ، مما يدل على أنّه لا يشترط كونه في الحرم.

стр. 92

واستدل بها من لم يجوز ذبحه قبل يوم النحر؛ لأن المحل يقع على الوقت والمكان جميعاً (١)، ومن لم يجوز التحلل لفاقده (٢)، ومن لم ير له بدلاً، ومن لم يوجب عليه القضاء؛ لأنه تعالى لم يذكرهما (٣)، ومن لم يكتف بالشاة لواجد البدنة والبقرة (٤)؛ لأنه علقه بالاستيسار، ومن لم يجوز الاشتراك فيه؛ لأن مقتضى قوله: ﴿مِنَ الْهَدْيِ﴾: هدي كامل، والمتقرب بمشترك فيه إنما تقرب ببعض هدي، ومن أباح التحلل للمكي (٥). واستدل بقوله: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ﴾، على أن الحلق قبل الذبح في المحصر وغيره؛ بناء على أن النهي عن الحلق عام له ولغيره (٦)، وقد تقدم عن ابن عباس (٧)، وعلى أن الحلال إذا حلق رأس المحرم لا شيء عليه؛ لأن الخطاب مع المحرمين (٨). (١) ومحلّه الزماني يوم النحر، والجمهور حيث أُحصر. (٢) لأنّ التحلل مشروط بالإتيان بالواجب عليه، وهو ما تيسر من الهدي ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾؟. (٣) أي: البدل والقضاء، والمقام مقام تشريع، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة. (٤) وهذا تيسرت له البدنة أو البقرة، فلا يجوز له العدول إلى الشاة. (٥) لأنّ قوله ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ يشمل المكي وغيره، فيتحلل بذلك، وهذا على قول الجمهور، بأن قوله: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ اسم الإشارة يعود إلى الدم، والتمتع فيسقط منه دم الإحصار، فيتحلل منه. (٦) وجه العموم ضمير الجمع. (٧) لما سأله السائل .... : « … وأحلق قبل أن أذبح، أو أذبح قبل أن أحلق؟ فقال له: خذ ذاك من كتاب الله، فإنّه أجدر أن يحفظ ثم قرأ ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ وقال: فالذبح قبل الحلق. (٨) ذكر ابن الفرس (١/ ٢٤٣) العكس وهو أليق؛ لأنّ الحديث عن المحظورات.

стр. 93

• قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾. فيه الإباحة الحلق لعذر (١)، وأن فيه حينئذ فدية (٢)، وأنها مخيرة إما الصوم أو الإطعام أو الدم وقدروا قبل ﴿فَفِدْيَةٌ﴾: فحلق، وأحسن منه أن يقدر: ففعل ما حرم عليه في الإحرام، كما أخرج سعيد بن منصور عن ابن عباس في قوله: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ قال: إذا أهل الرجل بالحج فأحصر بعث بما استيسر من الهدي فإن هو تعجل قبل أن يبلغ الهدي محله فحلق رأسه أو مس طيباً أو تداوى بدواء كان عليه فدية من صيام أو صدقة أو نسك، والصيام ثلاثة أيام، والصدقة ثلاثة آصع على ستة مساكين كل مسكين نصف صاع، والنسك شاة إسناده صحيح. وقال إلكيا: قوله تعالى: ﴿أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾ يفيد أنه لو كان به قروح في رأسه أو جراح واحتاج إلى شدِّه وتغطيته كان حكمه في الفدية حكم الحلق، وكذلك المرض الذي يحوجه إلى لبس الثياب؛ لأنه تعالى لم يخصص شيئاً من ذلك، فهو عموم في الكل (٣). قال ابن الفرس: وظاهر الآية لا يقتضي تخصيص هذه الفدية بموضع، فيتحمل على عمومها في المواضع كلها (٤) وهو مذهب مالك. (١) لأنها رخصة، والرخصة فيها استباحة للمحظور. (٢) لقوله: ﴿فَفِدْيَةٌ﴾ أي: الواجب فدية، وكما قال السيوطي: «وقدروا قبل ﴿فَفِدْيَةٌ﴾ فحلق … إلخ.، ومأخذ التقديرين، ما ذكره المؤلف عن ابن عباس ﵄. (٣) وجه العموم ورد ﴿مَرِيضًا﴾ و ﴿أَذًى﴾ في سياق الشرط، فتعم كل مرض أو أذى، مما ذكره المصنف مما يحوج المحرم لارتكاب المحظور. (٤) لأنّ الآية أطلقت الحكم، ولم تخصص موضعًا عن موضع، وكذا الإطلاق في حديث كعب بن عجرة، وللقياس على الصيام، فكما أنّه لا يختص بمكان بالاتفاق، فكذلك النسك؛ لأنّها إحدى خصال الكفارة. ومن قيدها فقياسًا على جزاء الصّيد ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ أو دم المحصر ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾؛ إذ المقصود مساكين الحرم.

стр. 94

• قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ الآية استدل بها من أباح التمتع للمحصر خاصة (١)، لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾. ومن أباح التمتع مطلقاً قال عمران بن حصين أنزلت آية المتعة في كتاب الله وفعلناها مع رسول الله ﷺ ، ولم ينزل قرآن يحرمها، ولم ينه عنها حتى مات قال رجل برأيه ما شاء، يعني عمر (٢)، أخرجه البخاري ومسلم (٣). واستدل بها من أوجب على المحصر بعد زوال الإحصار حجاً وعمرة (٤)؛ فإن جمع بينهما في أشهر الحج فعليه دم وهو متمتع، وإلا فلا (٥). وفي الآية أن صورة التمتع أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج ثم يحج من عامه. (١) قاله ابن الزبير مخالفًا الجمهور، وصورة التمتع عنده: أن يحصر الرجل حتى يفوته الحج، ثم يصل إلى البيت، فيحل بعمرة، ويقضي الحج من قابل، فقال: فهذا قد تمتع بما بين العمرة إلى الحج. أمّا صورة المحصر المتمتع عند غيره: أن يحصر فيحلّ دون عمرة، ويؤخرها حتى يأتي من قابل، فيعتمر في أشهر الحج، ويحج من قابل. (٢) قال ابن حجر في فتح الباري (٣/ ٥٣٣): «محصل جواب عمر في منعه الناس من التحلل بالعمرة أن كتاب الله دال على منع التحلل؛ لأمره بالإتمام، فيقتضي استمرار الإحرام إلى فراغ الحج، وإن سنة رسول الله ﷺ أيضاً دالة على ذلك؛ لأنه لم يحل حتى بلغ الهدي محِله، لكن الجواب عن ذلك ما أجاب به هو ﷺ حيث قال: (ولولا أن معي الهدي لأحللت) أخرجه البخاري (١٦٥١)، فدلَّ على جواز الإحلال لمن لم يكن معه هدي، وتبين من مجموع ما جاء عن عمر في ذلك أنه منع منه سداً للذريعة، وقال عنها ترغيباً في الإفراد الذي هو أفضل لا أنه يعتقد بطلانها». (٣) البخاري (٤٢٥٥)، ومسلم (٢٢٣٣). (٤) أوجب الحنفية حجة وعمرة، إذا أحلّ بالدّم (الهدي) ثم لم يحج من عامه ذلك، فلو أنّه أحلّ من إحرامه قبل يوم النحر ثم زال الإحصار، فأحرم بالحج وحج من عامه لم يكن عليه عمرة؛ وذلك لأنّ هذه العمرة إنّما هي التي تلزم الفوات؛ لأنّ من فاته الحج فعليه أن يتحلل بعمل عمرة، فالعمرة للفوات، والدم (الهدي) الذي عليه في الإحصار، إنّما هو للإحلال، ولا يقوم مقام العمرة التي تلزم بالفوات. (٥) أي: فلا دم عليه، إذا لم يجمع بينهما، ودليلها ظاهر الآية.

стр. 95

قال ابن عباس قوله: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ﴾، يقول: فمن أحرم بالعمرة في أشهر الحج، أخرجه ابن أبي حاتم. وفيها أن عليه دماً (١)، فإن لم يجده صام عشرة أيام، وأنه يجب تفريقها ثلاثة في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله، فيندب الإحرام بالحج قبل يوم النحر بثلاثة أيام (٢). واختلف في المراد بقوله: ﴿رَجَعْتُمْ﴾ فقيل: إلى أوطانهم، وقيل: من مِنى (٣). وقوله: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ قال أبو حنيفة: الإشارة بذلك إلى التمتع، فليس للمكي أن يتمتع، فمتى فعله أخطأ وعليه دم (٤). وقال الشافعي إلى وجوب الدم على غير المكي، فلا دم على المكي (٥)، وله التمتع (٦). (١) لقوله: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ أي: فعليه ما استيسر. (٢) لأنّ آخر أيام الحج يوم النحر، وهو عيد منهي عن صيامه باتفاق، فبقي الصيام في الأيام التي قبله، وهي السابع والثامن والتاسع، وقد أطلق عليها اسم الحج فبان بهذا أنه يندب الإحرام فيها بالحج، ذكره القرطبي في جامعه (٢/ ٤٠٠)، نقلها عنه محقق الكتاب في حاشية (١٠). (٣) لأنّ الرجوع من العمل أي: الفراغ منه، ويفرغ إذا رجع من منى. قال ابن العربي في أحكام القرآن (١/ ١٨٥): «وتحقيق المسألة أن قوله تعالى: ﴿إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ إن كان تخفيفا ورخصة، فيجوز تقديم الرخص وترك الرفق فيها إلى العزيمة إجماعا، وإن كان توقيفًا، فليس فيه نص ولا ظاهر أنه أراد البلاد، وإنما المراد في الأغلب والأظهر فيه أنه الحج». (٤) ويسمونه دم جناية، لا يأكل منها. (٥) لأنّ اسم الإشارة ﴿ذَلِكَ﴾ استثنى المكي من وجوبها عليه. (٦) لدخوله في عموم ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ﴾.

стр. 96

وقال أبو حنيفة لو كان راجعاً إليه لقال: ذلك على من (١). واختلف هل المراد بالمكي حاضر مكة ولو كان غريباً، أو شرطه الاستيطان على وجهين عندنا، مستند الثاني قوله: ﴿أَهْلُهُ﴾. واستدل بالآية من رأى وجوب الدم على من عاد لإحرام الحج (٢) إلى الميقات لعمومها، ومن أوجب الجمع في هذا الدم بين الحل والحرم فلا يجوز شراؤه من الحرم ونحره فيه؛ لأن الهدى مأخوذ من الهدية فيجب أن يهدى من غير الحرم إليه، ومن جوز صوم أيام التشريق عن الثلاثة (٣). وفي الآية رد على من أجاز صوم الثلاثة قبل الإحرام بالحج (٤) في العمرة أو بعدها (٥)، وعلى من أجاز صوم السبعة أيضاً في الحج. (١) الجمهور يقولون بذلك، وأنّ اللام في قوله: ﴿لِمَنْ﴾ بمعنى: (على). (٢) أي: عاد بعد الانتهاء من الحج إلى عمرة في أشهر الحج، ذكره ابن الفرس (١/ ٢٤٨). ووجه العموم: «إنّ الآية لم تفرق بين أن تكون العمرة في سفرٍ واحدٍ أو سفرين، قال القرطبي في جامعه (٢/ ٣٩٦): «لم يستثن راجعًا إلى أهله وغير راجع». (٣) لأنّ أيام التشريق، أيام رمي للجمار، وهي أيام الحج؛ لأن الرمي عمل من أعمال الحج خالصًا، وإن لم يكن من أركانه -على خلاف- وعلى هذا يكون صيام أيام التشريق أداء. ومن قال: أيام الحج تنتهي بيوم النحر، قال: بأن صيام التشريق قضاء. (٤) أخذًا بقوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ ومن أشهره شوال، فجاز الصيام فيه. (٥) أي: قبل عمرة المتمتع أو بعدها، وهذا إذا أريد بقوله: ﴿فِي الْحَجِّ﴾ الأفعال التي هي عمدة للحج، وما سماه النبي ﷺ حجاً، وهو الوقوف بعرفة. قلت: إلّا أن الصيام يكون أيام التشريق؛ لأنّ يوم عرفة يكون بعد الزوال، ويستحيل صوم الثلاثة الأيام في الحج، ولما كان مستحيلا كانت الآية ردًا عليهم. وما ذكره من احتمال -وهو أن المقصود بقوله: ﴿فِي الْحَجِّ﴾ الأفعال التي هي عمدة للحج- أبطله الجصاص (١/ ٣٥٦) للأمور الآتية: ١. لعدم الخلاف في جواز الصوم قبل يوم عرفة. ٢. أن الاحتمال الثاني، وهو أن المراد ﴿فِي الْحَجِّ﴾ إحرام الحج (أي: متى ما أحرم) أو المراد أشهر الحج؛ لقوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾. وذكر أن سبب الصيام التمتع لقوله ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ﴾ فإذا وجد الإحرام بالعمرة، فإنّه يجوز تقديم سببه، وهو الصيام عن وقت وجوبه، كتعجيل الزكاة في الوجوب عند ملك النصاب ووجوبها.

стр. 97

• قوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [١٩٧]. اختلف الصحابة وغيرهم في الأشهر هل هي شوال وذو القعدة وذو الحجة كله؟ أو وعشر منه؟ قولان. واستدل الأول بجمع أشهر في الآية (١). قال إلكيا: أفادت الآية أن الأشهر التي يصح فيها التمتع بالعمرة إلى الحج ويثبت فيها حكمه هي هذه الأشهر، وأن من اعتمر في غيرها ثم حج لم يكن متمتعاً (٢). وفي الآية أن الحج لا يجوز الإحرام به في غير هذه الأشهر من السنة (٣). روى ابن خزيمة والشافعي عن ابن عباس قال: لا يحرم بالحج إلا في أشهر الحج من أجل قول الله ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ وورد من حديث جابر مرفوعاً أخرجه ابن مردويه. (١) و ﴿أَشْهُرٌ﴾ جمع قلة، وأقل الجمع ثلاثة عندهم. ومن قال: بأن المراد شوال وذو القعدة وعشر ذي الحجة، بأنه من باب إطلاق الكل وإرادة البعض، كمن يقول: حججت عام كذا، وإنّما حج بعضه. (٢) لأنّ فائدة التوقيت منع تجاوزها، فلو انعقد الإحرام في غيرها، لم يكن لتخصيصها فائدة، أو التقديم عليها، ولفعله ﵊. (٣) لأنّ قوله: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ خبر بمعنى: الأمر، أي: أشهر الحج معلومات، فمن أراد الحج، فليبدأ بالإحرام فيهن من شوال إلى عشر من ذي الحجة. والمأخذ الأخر: أثر ابن عباس ﵄ الذي ذكره المصنف.

стр. 98

• قوله تعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾. فيه مشروعية النية والتلبية (١). أخرج ابن المنذر عن ابن مسعود قال: الفرض الإحرام، وأخرج عن ابن الزبير مثله، وأخرج ابن جرير عن ابن عباس مثله. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عمر قال: الفرض الإهلال، وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس مثله. وأخرج سعيد بن منصور عن عطاء قال: فرض الحج التلبية. • قوله تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ فيه المنع من هذه الأشياء (٢)، وفسر الرفت: بالجماع وبمقدماته، كالقبلة والغمز، وبالتعريض به. والفسوق: بالمعاصي. والجدال: بالمراء والخصومة. قال إلكيا: فدلت الآية على تحريم أشياء لأجل الإحرام، وعلى تأكيد التحريم في أشياء محرمة في غير الإحرام تعظيماً للإحرام. • قوله تعالى: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾. فيه الحث على الإكثار من فعل الخيرات في الحج، صدقة وذكراً ودعاء، وغير ذلك (٣). (١) مأخذه قوله: ﴿فَرَضَ فِيهِنَّ﴾ ألزم نفسه، وبالنية تتحقق ذلك عند الشافعية والمصنف منهم، وكذا ما ذكره من تفسير الفرض، بأنّه الإحرام عند ابن مسعود وغيره من الصحابة، والمقصود بالإحرام: النية، وتفسير ابن عمر بأن الإهلال، أي: التلبية. (٢) مأخذه: كونه خبراً بمعنى النهي. (٣) مأخذه: الحض على فعل الخير، بكون الله يعلمه، وورد بصيغة الإطلاق؛ لكونه نكرة ﴿خَيْرٍ﴾ في سياق الإثبات، أي: إذا فعلتم أي خير فإن الله يعلمه. ﴿وَمَا تَفْعَلُوا﴾ اسم شرط جازم، وجوابه ﴿يَعْلَمْهُ﴾.

стр. 99

• قوله تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ فيه استجاب التزود (١)، وأنه لا ينافي التوكل وذم السؤال والتوكل على الناس (٢). • قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [١٩٨]. فيه إباحة التجارة والإجارة وسائر أنواع المكاسب في الحج (٣)، وأن ذلك لا يحبط أجراً ولا ينقص ثواباً، خلافاً لأبي حنيفة في منعه الإجارة (٤). وروى أحمد وغيره عن أبي أمامة التيمي قال: قلت لابن عمر: إنا نكري فهل لنا من حج؟ فقال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فسأله عن الذي سألتني فلم يجبه حتى نزل عليه جبريل بهذه الآية فدعاه فقال: "أنتم حجُاَّج". (١) لم أقف على الصارف للأمر في قوله ﴿وَتَزَوَّدُوا﴾ إلى الاستحباب. قال ابن الفرس في أحكام القرآن (١/ ٢٦١): «وجوب التزود حتى لا يتكل على سؤال الناس»، وقال الموزعي في تيسير البيان (١/ ٣٥٤): «فإن ترك الزاد واعتمد على المسألة؛ فإن كان غنياً، حرُم عليه، وإن كان فقيراً، أو لا كسب له، كره له ذلك، ولم يحرُم عليه فِعْلُه». (٢) دلّ عليه سبب النزول كما عند البخاري برقم (١٤٥١) أن أهل اليمن كانوا يحجون ولا يتزودون، ويقولون: نحن المتوكلون، فإذا قدموا مكة، سألوا الناس فأنزل الله سبحانه: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾. (٣) مأخذه: رفع الجناح من الأساليب الدالة على الإباحة، وكونه في الحج قراءة ابن الزبير (أن تبتغوا فضلًا من ربكم في مواسم الحج)، وسبب النزول، كما في البخاري عن ابن عباس ﵄ قال: «كانت عكاظ ومجنة وذو المجاز أسواقًا في الجاهلية، فتأثموا أن يتجروا في المواسم فنزلت: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ في مواسم الحج، أخرجه البخاري (١٦٨١)، (١٧٧٠). (٤) ذكر المصنف قول ابن عمر مأخذًا لهذا الحكم وجعل بعضهم مأخذه قوله ﴿لِلَّهِ﴾ يقتضي خلوصه لله، لا الحظوظ النفسي، على أن نسبته إلى أبي حنيفة نظر، قال الجصاص في أحكام القرآن (١/ ٣٧٥): «ولا نعلم أحدًا روي عنه خلاف ذلك إلا شيئاً رواه الثوري … الخ».

стр. 100

• قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ﴾ فيه مشروعية الوقوف بها (١)، والإفاضة منها (٢). • قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾. فيه مشروعية المبيت بمزدلفة (٣) والوقوف بقزح والذكر عنده والدعاء. روى الحاكم من طريق سالم عن ابن عمر قال: المشعر الحرام مزدلفة كلها، واخرج ابن أبي حاتم عن ابن عمر مثله، وروى سعيد ابن منصور من طريق نافع عن ابن عمر قال: المشعر الحرام الجبيل وما حوله. وقال إلكيا: الذكر في قوله: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ غير الذكر في قوله: ﴿وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ﴾ فالمراد بالثاني المفعول عند الوقوف بمزدلفة غداة جمع. قال: والصلاة تسمى ذكراً، فيجوز أن يفهم منه تأخير المغرب إلى أن تجمع مع العشاء بمزدلفة. (١) الوقوف ركن من أركان الحج باتفاق، وقوله: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ﴾ أي: دفعتم، فأقرهم بالوقوف بعرفة قبل إفاضتهم فيها. كما أنه مأمور بالوقوف في المشعر بقوله: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ وهذا الوقوف مشروط بالإفاضة من عرفات بقوله: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ﴾ فدَّل على مشروعية الوقوف به والإفاضة منه. قال ابن تيمية في تفسيره (١/ ٤٧٩): «من لم يفض من عرفات لم يكن مأمورًا بالوقوف بالمشعر الحرام … ومن لم يفض بعرفة لم يقض نسكه … » .. (٢) للأمر ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا﴾ وهو ظاهر. (٣) لقوله: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ ذكر الموزعي في تيسير البيان (١/ ٣٥٦) أن الذكر يقع: «على المبيت، وإن لم يصحبه ذكر؛ لأنّه من مناسك الحج، والمناسك ذكر؛ لأنّها انقياد وتسليم لله ».

стр. 101

• قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ [٢٠٠] قال إلكيا وغيره: يحتمل أن يراد به الأذكار المشروعة في خلال المناسك (١). • قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ الآية [٢٠٣]. فيه مشروعية الذبح والرمي (٢) والتكبير أيام التشريق، وأنه يجوز النفر في اليوم الثاني (٣). أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عمر أنه كان يكبر تلك الأيام بمنى ويقول: التكبير واجب، ويتأول هذه الآية ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ قال ابن الفرس: ويحتج لمن قال ابتداء التكبير خلف الصلاة من ظهر يوم النحر (٤) بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ فإن الفاء للتعقيب وأول صلاة تلي قضاء النسك ظهر يوم النحر. واستدل بعموم الآية من قال يكبر خلف النوافل (٥)، ومن أباح التعجل للمعذور وغيره، القريب والبعيد (٦). (١) وهو أسلوب عربي كما يقال: (إذا حججت فطف البيت)، والطواف يكون أثناء الحج، و (إذا صليت فتوضأ). (٢) ما سبق أنّ المناسك كلها ذكر، بالإضافة إلى ما يحصل عند الذبح والرمي من الذكر. (٣) لقوله: ﴿فَلَا إِثْمَ﴾ دل على مشروعية الإقدام عليه. (٤) على تقدير ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ في صلاتكم؛ لأنّ الذكر يأتي بمعنى الصلوات الخمس، ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾، ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ والجمعة خاصة، ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾. (٥) على أن التكبير بمعنى الصلاة، والصلاة تعم الفريضة والنافلة. ويدخل في العموم الفاعلون، قال ابن الفرس: (١/ ٢٦٩): «التكبير في أدبار الصلوات لكل أحد من مسافر وحاضر، وامرأة، وحر وعبد، منفردين أو في جماعة خلافًا لأبي حنيفة. (٦) عموم (من) في قوله ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ﴾، وكأنه قال: تعجلوا أو تأخروا فلا إثم في التعجيل، ولا إثم في التأخير.

стр. 102

وفسر ابن عباس وغيره قوله ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ فأنه خرج بالحج من ذنوبه كلها غفرت له إن اتقى في أداء حدود الحج وفرائضه. • قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ﴾ الآية [٢٠٤]. قال إلكيا: فيه تنبيه على الاحتياط فيما يتعلق بأمور الدين والدنيا واستبراء أحوال الشهود والقضاة انتهى (١). وفيه ذم اللدد في الخصومة، قال ابن عباس وهو الجدال في الباطل، وفي رواية عنه شدة الخصومة. وفيه المنع من إضاعة المال، وعدُّه من الفساد (٢). • قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ﴾ [٢٠٦]. قال ابن مسعود: إن من أكبر الذنب أن يقول الرجل لأخيه: اتق الله، فيقول: عليك بنفسك أخرجه ابن المنذر. قال العلماء: إذا قال الخصم للقاضي: اعدل أو نحوه عزره، إلا أن يقول له اتق الله فلا يعزره لهذه الآية (٣). • قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ﴾ الآية [٢٠٧]. استدل بها على جواز التغرير بالنفس في الجهاد. (١) وأخبر سبحانه أن من الناس من يُغتر بقوله وباطنه شر، فدل بدلالة الالتزام على الحذر والاحتياط منهم، واجتناب أعمالهم وسبر أحوالهم؛ إذ الباطن قد يخالف الظاهر. (٢) قوله: «وعدُّه من الفساد» هو المأخذ؛ إذ هو ذم للفعل، ثم أكده بمأخذ آخر، وهوعدم محبة الله لذلك الفعل ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ وهما دليل تحريم إضاعة المال في هذه الآية. (٣) وإن كان معناهما واحد، لكنه التوقيف مع القرآن الكريم.

стр. 103

أخرج الفريابي وغيره عن المغيرة قال: كنا في غزاة فتقدم رجل فقاتل حتى قتل، فقالوا: ألقى هذا بيده إلى التهلكة، فكتب فيه إلى عمر، فكتب عمر: ليس كما قالوا، هو من الذين قال الله فيهم: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ (١). وأخرج ابن جرير عن أبي الخليل قال سمع عمر ﵁ إنساناً يقرأ هذه الآية، فاسترجع، وقال: قام رجل يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر فقتل. • قوله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ﴾ الآية [٢١٣] استدل به من قال: إن الأصل في الناس الكفر حتى آمنوا؛ لأنه ظاهر الآية، إذ بعث النبين لأجل كونهم كفاراً. وقد أخرج ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس في الآية قال: كانوا كفاراً. واستدل به من قال: إن الأصل فيهم الإيمان حتى كفروا، بتقدير: فاختلفوا فبعث. وقد أخرج أبو يعلى والطبراني من طريق عكرمة عن ابن عباس: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ قال على الإسلام كلهم، إسناده صحيح، وأخرج الحاكم وغيره أن في قراءة ابن مسعود: كان الناس أمة واحدة فاختلفوا فبعث. (١) مأخذ الحكم هو تفسير وقول عمر بن الخطاب وحسبنا ذلك، ومما يؤيد متناول الآية له، أن الله في عدد من الآيات اعتبر الجهاد والقتل في سبيل الله من بيع الأنفس له كقول تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾.

стр. 104

• قوله تعالى: ﴿قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ﴾ الآية [٢١٥]. هي لبيان مصارف المال الذي يتعلق به الثواب، وقيل: في الزكاة. واستدل بها من أباح صرفها للوالدين (١). • وقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ [٢١٦]. يستدل بها لمن قال: إن فرض الكفاية واجب على الكل ويسقط بالبعض (٢)، وهو رأي الجمهور من الأصوليين. واستدل بها من قال: إن الجهاد في عهده ﷺ كان فرض عين (٣). • قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ الآية [٢١٧]. استدل بها على منع القتال في الشهر الحرام (٤)، وادعى غيره نسخها (٥). (١) بناء على أن الآية لبيان صرفها في الزكاة، وقد نقل الإجماع ابن المنذر وابن قدامة على جواز صرفها لهما. (٢) لأنّ ضمير الجمع في قوله: ﴿عَلَيْكُمُ﴾ يعم الجميع، ومثله ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا﴾. (٣) لعله بضميمة قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ﴾، أو بفعله ﵇ حيث كان يستنفرهم، ومن استنفره تعين عليه. لكن ثبت أنّه ﷺ كان ينفر وقد يتخلف عنه بعض أصحابه. ولعل المأخذ من الآية ﴿عَلَيْكُمُ﴾ فهو خطاب لهم، وفي حال وظروف معينة، فيبقى على الأصل عمومه على الجميع عينًا. (٤) ومأخذه: قوله ﴿كَبِيرٌ﴾ أي: عظيم، ووصف الفعل بذلك في مقام الذم يدل على التحريم، والمنع عن المبادأة، وأمّا الدفاع فيجوز بلا خلاف، ويؤيد تحريم القتال، وكونه محكمًا غير منسوخ، قوله في المائدة ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ والمائدة من آخر ما نزل من القرآن. (٥) وهو قول الأكثر والأشهر، وجعلوا الناسخ قوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ أي: في أي زمان أو مكان.

стр. 105

• قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ﴾ الآية. استدل بها على أن الردة محبطة للعمل بشرط اتصالها بالموت (١)، فلو كان حج ثم ارتد وعاد إلى الإسلام لم يجب عليه إعادة الحج خلافاً لزاعمه (٢). وكذا من ارتد من الصحابة بعد موته ﷺ ثم عاد إلى الإسلام لا يزول عنه اسم الصحبة. واستدل بالآية من قال إن المرتد يورث؛ لأنه سماه كافراً، يرث بعضهم بعض. • قوله تعالى: ﴿وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ [٢١٩]. قد يستدل بها لمن أباح التداوي بالخمر، ولما يقوله الأطباء فيها من المنافع (٣)، لكن الحديث الصحيح مصرح بتحريم التداوي بها. قال السبكي: كل ما يقوله الأطباء وغيرهم في الخمر من المنافع فهو شيء كان عند شهادة القرآن بأن فيها منافع للناس قبل تحريمها، وأما بعد نزول آية التحريم فإن الله الخالق لكل شيء سلبها المنافع جملة فليس فيها شيء من المنافع. قال: وبهذا تسقط مسألة التداوي بالخمر، وعلى هذا يدل قوله ﷺ : «إن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها». (١) لأنّ المعلق على شرطين (الردة والموت عليها) لا يثبت إلا بوجودهما. (٢) وهو مالك؛ لقوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ وكذا قوله: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾، وأجيب أنهما مطلقان، وتقيدهما آية البقرة هذه. ينظر: تيسير البيان للموزعي (١/ ٣٧٨). (٣) إذ الإخبار بوجود المنافع قرينة على جواز استباحة تلك المنافع، واقتران الإثم بها لا يزيل تلك المنافع. وسياق الآية يدل على أن المقصود الإخبار بذلك حتى لا يغتر بها المسلم، وإلّا فإنّ ﴿وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ فتلك المنافع مهدرة وملغاة من الشارع.

стр. 106

• قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾. قال ابن عباس: الفضل عن العيال، أخرجه الطبراني وغيره، ففيه تحريم الصدقة بما يحتاج إليه لنفقة من تلزمه نفقته (١). واستدل به سحنون على منع أن يهب الرجل ماله بحيث لا يبقى له ما يكفيه. • قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ الآية [٢٢٠]. قال إلكيا: فيه دلالة على جواز خلط الولي ماله بماله (٢)، وجواز التصرف فيه بالبيع والشراء إذا وافق الإصلاح (٣)، وجواز دفعه مضاربة إلى غيره. وفيه دلالة على جواز الاجتهاد في أحكام الحوادث؛ لأن الإصلاح الذي تضمنته الآية إنما يعلم من طريق الاجتهاد، وغالب الظن. وفيه دلالة على أنه لا بأس بتأديب اليتيم وضربه بالرفق لإصلاحه (٤) انتهى. وفيه دلالة على جواز خلط أزواد الإخوان (٥). (١) لأنّ قوله: ﴿قُلِ الْعَفْوَ﴾ معناه: أنفقوا العفو، وهو أمر بعد سؤال عن أمر أخروي، فيحمل على الوجوب أو الندب، وهو مأمور بالنفقة على عياله؛ لتفسير ابن عباس، وهذا يقتضي تحريم الصدقة بما يحتاج عياله. (٢) لأنّه سبحانه علل ذلك بكونهم إخواننا، ومن المتأكد مخالطة الإخوان. (٣) لأنّه أمر بذلك بقوله: ﴿إِصْلَاحٌ لَهُمْ﴾ أي: أصلحوا لهم، وهو مصدر نائب عن فعل الأمر. وهو وإن ورد بعد سؤال في أمر تتعلق مصلحته بالدنيا، مما يجعله مباحًا، إلّا أن وصف الفعل بأنّه ﴿خَيْرٌ﴾، والحث على مخالطتهم يرفعه إلى الوجوب أو الندب. (٤) لم يقل سبحانه (إصلاحهم) وإنّما قال: ﴿إِصْلَاحٌ لَهُمْ﴾ حتى يشمل صلاح الدين، والبدن، والأدب، والخلق، وصلاح المال. (٥) ﴿فَإِخْوَانُكُمْ﴾ أي: فإنهم إخوانكم، وهذه العلة ثابت بالإيماء، ولما علل مشروعية ذلك بأموال اليتامى، دلّ على أنّ الإخوان كذلك، وكما أن العلة التي جاز فيها الخلط بين الإخوان هي المشقة، جعل المولى الخلط مع مال اليتيم كذلك، لذات العلة.

стр. 107

• قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾. أصل لقاعدة: الأمور بمقاصدها، فرب أمر مباح أو مطلوب لمقصد ممنوع باعتبار مقصد آخر (١). • قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [٢٢١]. فيه تحريم نكاحهن مطلقاً، وقد خص منه في سورة المائدة الكتابيات، وأخذ ابن عمر بعموم هذه الآية فحرم نكاح اليهودية والنصرانية (٢). • قوله تعالى: ﴿وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ﴾. قال إلكيا وغيره: ظن قوم أنه يدل على جواز نكاح الأمة مع وجود طول الحرة وهو غلط؛ لأنه ليس في الآية نكاح الإماء، وإنما ذلك للتنفير عن نكاح الحرة المشركة؛ لأن العرب كانوا بطباعهم نافرين عن نكاح الأمة، فقال تعالى: ﴿ذَلِكَ﴾ أي إذا نفرتم عن الأمة فالمشركة أولى. قلت لا غلط في ذلك فالآية تدل على جواز نكاح الأمة مع وجود الحرة المشركة إذا لم يجد سواها؛ لأن وجود الحرة المشركة كالعدم لعدم جواز نكاحها مطلقاً. (١) عُلِّق على علمه سبحانه، وهو يعلم القصود، والنوايا، ولعل المعنى: ربّ أمرٍ مباحٍ أو مطلوب، يكون بقصد آخر ممنوعًا، وإصلاح مال اليتامى مباح، وإذا قصد به أكله، فهو حرام. (٢) أخذ بعموم (المشركات) وقال: «لا أعلم من الشرك شيئًا أكبر، أو قال: أعظم من أن تقول ربها عيسى». قيل: إنّه ذهب للكراهة فقط، وقيل: لم تصح رواية التحريم عنه، أو تحمل على الكتابيات الحربيات، كقول ابن عباس رضي الله عن الجميع. ينظر: تيسير البيان للموزعي (١/ ٣٢١).

стр. 108

• قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾. فيه تقديم اعتبار الدين في النكاح على الشرف والجمال والمال ونحو ذلك. • قوله تعالى: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾. فيه تحريم نكاح الكافر للمسلمة مطلقاً وهو إجماع. واستدل به على اعتبار الولي في النكاح. فأخرج ابن جرير عن أبي جعفر محمد بن علي أنه قال: النكاح بولي في كتاب الله ثم قرأ: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾، برفع التاء (١). • قوله تعالى: ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ﴾. فيه جواز نكاح العبد الحرة. • قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [٢٢٢]. فيه تحريم وطء الحائض (٢)، ودليل لما يقوله الأطباء إن وطأها مضر (٣). (١) فأسند نكاح النساء إلى الرجال الأولياء قال ابن العربي في أحكام القرآن (١/ ٢١٩) عن هذا الاستدلال: وهي مسألة بديعة، ودلالة صحيحة. ورأى الألوسي في تفسيره روح المعاني (١/ ٥١٣) عدم دلالتها على المسألة؛ لأنّ المراد النهي عن اتباع هذا الفعل، والتمكين منه، وكل المسلمين أولياء في ذلك. (٢) لقوله: ﴿فَاعْتَزِلُوا﴾ وهو أمر بمعنى: النهي، والنهي يقتضي التحريم. (٣) إذ جعل علة التحريم كونه أذًى، بدلالة الإيماء ﴿هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا﴾ فاقترن الحكم بالوصف (العلة) ولو لم تكن هي العلة لكان الكلام معيبًا، وجلّ سبحانه عن ذلك.

стр. 109

واستدل بعضهم بعموم: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ﴾ على وجوب اعتزال جميع بدنها أن يباشرها بشيء من بدنه (١)، أخرجه ابن جرير عن عبيدة السلماني. • قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾. يستدل به على أنه يحرم الوطء دون الاستمتاع بما بين السرة والركبة (٢)، ويؤيده قوله بعد: ﴿فَأْتُوهُنَّ﴾ فإنه يدل على أن المحرم قبله (٣) الوطء فقط. واستدل أبو حنيفة بقوله: ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ بالتخفيف على إباحة الوطء بمجرد انقطاع الدم دون غسل. واستدل الشافعي بقراءة التشديد وبقوله ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ على توقفه على الغسل (٤). وحمل بعضهم التطهر في الآية على غسل الفرج فقط (٥)، وبعضهم على الطهر الأصغر، وهو الوضوء (٦). وقال قوم: نعمل بالقراءتين جميعاً فتحمل قراءة التخفيف على انقطاع الدم (١) لعموم لفظ ﴿النِّسَاءَ﴾ في شموله من حيث الاعتزال مكان الوطء أو غيره. ويجاب عنه: أن المراد بالمحيض هنا: موضع الدم، ومفهوم الظرف جواز مباشرة غيره، ثم إنّه خلاف هدي النّبي ﷺ فعلًا وقولًا، ومن قوله: «جامعوهن في البيوت، واصنعوا كل شيء إلّا النكاح» رواه مسلم (٣٠٢)، وفعله لقوله عائشة ﵂ «كان يأمرني فأتزر فيباشرني وأنا حائض» رواه البخاري (٣٠٠)، وفي حديث ميمونة: «كان يباشر نساءه فوق الإزار وهنّ حُيض» أخرجه البخاري (٣٠٣)، ومسلم (٢٩٤) واللفظ له. (٢) لأنّ موضع الوطء هو الذي يحتاج للتطهير. (٣) أي: قوله: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ﴾. (٤) قال ابن عباس ومجاهد ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ أي: اغتسلن. (٥) لأنّه مكان الأذى. (٦) كل ذلك يسمى تطهرًا، وطُهورًا وطُهْرًا لغة وشرعًا.

стр. 110

أكثر الحيض (١)، وقراءة التشديد على انقطاعه لدونه، وهو بعيد جداً. قلت: ويمكن إعمال القراءتين على وجه آخر وهو الإشارة بقراءة التخفيف إلى أن الغسل حال جريان الدم لا يصح ولا يبيح، فوقف حمل الوطء على الانقطاع بقوله ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ وعلى الاغتسال (٢) بقوله: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾. ويؤيد هذا ما أخرجه ابن أبي حاتم وغيره من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ﴾، يقول: اعتزلوا نكاح فروجهن ولا تقربوهن حتى يطهرن من الدم فإذا تطهَّرن بالماء. واستدل بعموم الآية من قال بإجبار الذمية على الغسل من الحيض (٣). • قوله تعالى: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾. قال ابن عباس من حيث أمركم أن تعتزلوهن في الحيض، وهو الفرج خاصة أخرجه ابن جرير. ففيه اختصاص الوطء بالفرج وكذا قال مجاهد وغيره. • قوله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [٢٢٣]. قال ابن عباس: أي قائمة وقاعدة ومقبلة ومدبرة، أخرجه عبد في تفسيره (٤). (١) أي: فيمن كانت أيامها عشرًا، فيجوز للزوج وطئها بمضي العشر. وقالوا: انقطاع الدم معتبر بأحد شيئين: الغسل، والآخر مضى وقت صلاة فيلزمها فرض صلاة، ولزوم فرضها مناف لبقاء حكم الحيض. (٢) فتوقف الحل على غاية وشرط، ويكون الحل بهما، والحرمة بانتفاء أحدهما. (٣) العموم إمّا بلفظ ﴿النِّسَاءَ﴾، وفي ضمير النسوة ﴿يَطْهُرْنَ﴾ فيعمّ المسلمة أو الذّمية. ولأن الحكم يدور مع علته، والتحريم لكون المحيض أذى، فلابد من إزالته. (٤) قول ابن عباس هو المأخذ، ووجه العموم المأخوذ من قوله: ﴿أَنَّى شِئْتُمْ﴾ و ﴿أَنَّى﴾ تستعمل بمعنى: أين، وهي عامّة في المكان، فتشمل القبل والدبر. وبمعنى: كيف، أي كيف شاء، مقبلة ومدبرة، قائمة ومضجعة، وهو الذي ذهب إليه ابن عباس هنا، والأوّل وهو المكان مشترط أن يكون في صمامٍ واحدٍ، كما سيأتي عن ابن عباس.
следующие страницы →